نحو انبعاث اسم سوريا من غياهبه التاريخيّة

نحو انبعاث اسم سوريا من غياهبه التاريخيّة

استخدم المؤرخ اليوناني هيرودوت (484-425 ق.م) في كتابه “التاريخ”، بشكل متكرر، اسم (“سوريا=Συρία=تنطق باليونانية سيريّا”) للإشارة إلى منطقة تشمل مساحة أوسع مما يُفهم عادةً على أنه سوريا اليوم، إذ كانت تمتدّ مِنَ الشَّمال من نهر هاليس الذي قال عنه هيرودوت حرفيًّا: “هذا النهر، الذي يفصل سوريا عن بافلاغونيا Paphlagonia، يتدفق من الجنوب إلى الشَّمال، ويَصَبُّ في النهاية في البحر الأسود”. علمًا أنَّ الأتراك يُسمّون نهر هاليس الآن نهر (قيزيل إرماك) ويتدفق في مسافة إجمالية تبلغ نحو 1335 كم، كما كانت منطقة بافلاغونيا موطنًا لشعب قبلي هو الكاشا في عهد الإمبراطورية الحثية القديمة التي ترجع إلى الألفية الثانية قبل الميلاد؛ وتمتد سوريا جنوبًا وفق هيرودوت حتى جبل قاسيون وتشمل مدن مثل قادش (Cadytis)، التي يُعتقد أنها القُدس؛ ولم يحدِّدْ هيرودوت حدودًا شرقية واضحة، لكن يُفهم من سياق كتاباته أن سوريا تمتدُّ شرقًا حتى مناطق قريبة من بلاد الرافدين؛ أما حدودها الغربية فتشمل الساحل الفينيقي على البحر الأبيض المتوسط. إذن، -وفق هيرودوت- كانت سوريا تشمل رقعة جغرافيّة هائلة.
لكن تحدَّث هيرودوت في كتابه نفسه عن (“آشور Ασσυρία=تنطق باليونانية أسيريّا”)، على نحو أدّى إلى حدوث خلط في عقول القرّاء اليونانيين بين (Συρία=سيريّا) و(Ασσυρία= أسيريّا)، أي بين سوريا وآشور، ويُلاحظ هذا الخلط حتى في رسم هذين الاسمين باللغة الإنكليزية، إذ يرد اسم سوريا هكذا: Syria ويرد اسم آشور هكذا: Assyria، وقِسْ على ذلك في لغات كثيرة.

انتبه المستشرق الألماني ثيودور نولديكه (1836-1930 م) إلى هذا التقارب في النطق والكتابة بين اسمي سوريا وآشور. إذ في بحث له نشره في مجلة “هرمس” في العام 1871، وضع نظرية مفادها أن الصفة “سوري (Syria(n))”” في اليونانية هي شكل مختصر من الصفة “آشوري “(Assyria(n))، وسادت نظريّة نولديكه منذ ذلك الحين في الأوساط العلميّة المتخصّصة، ونبّه نولديكه إلى أنَّ الترجمة السبعينية للكتاب المقدس العبري، وكتابات الفيلسوف الرواقي السوري بوسيدونيوس، والمؤرخ اليهودي يوسيفوس، وأعمال الآباء المسيحيين الأوائل تشهد جميعها على أنَّ العالَم الناطق باليونانية، بدءًا من القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد تقريبًا، قَصَرَ اسم “سوري” على اللغة الآرامية والآراميين أينما وُجدوا، سواء في سوريا نفسها أو حتى في جنوب بابل. لكن سنجد لاحقًا أنَّ هذا الرأي يحتاج إلى تدقيق أعمق!
استمر رأي نولديكه سائدًا وصولًا إلى العام 2006، حين نشر عالم الآشوريات ر. رولينجر Rollinger بحثًا في “مجلة عالم الشرق” نبّه فيه إلى نقش كُشِفَ حديثًا، يعود إلى النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد، من بلدة تشينيكوي Çineköy بالقرب من أضنة في تركيا الحديثة. يحتوي النقش على نص ثنائي اللغة، مكتوب بالهيروغليفية اللوية Luwian hieroglyphs (=لغة كانت سائدة شمال سوريا) والأبجدية الفينيقية. في النص الفينيقي، يُكتب الاسم الجغرافي “آشور” (Assyria) واسم “آشوريين” (Assyrians) بينما يستخدم النص اللوي المقابل Sura/I = سوراآي للتعبير عن كلا الشكلين علمًا أنّه لم يكن من غير المألوف في العصور القديمة وفق رولينجر استخدام اسم جغرافي بصيغة المفرد كجمع، للدلالة على مجموعة من الناس).

لذلك يدحض ر.رولينجر نظريّة نولديكه، إذ بدلًا من أن يكون اليونانيون قد حرفوا “سوري” (Syria(n)) من “(آشوري” (Assyria(n)، من المحتمل أنهم تبنوا الشكل المختصر من هذه المناطق.
لكن استطاع الباحث في الدراسات الآرامية جوني ميسو Johny Messo في بحث له بعنوان (“أصل مصطلحي “سيريان” و”سو-ريو-يو” مرة أخرى” أن ينبّه ببراعة إلى أنه رغم الارتباك الذي لوحظ بالفعل بين اليونانيين والرومان بعد هيرودوت، لم يكن هناك مثل هذا الارتباك موجودًا بين المسيحيين الأوائل الناطقين بالآرامية الذين كانوا متضلّعين في اللغة اليونانية. في لغتهم الأم، كان هناك دائمًا تمييز واضح بين آشور (آشوريين) وسوريا/(سوريين)، حيث كانت هذه المصطلحات مختلفة تمامًا في الصوت والنطق وكذلك في المعنى. كما هو الحال الآن في اللغة العربيّة الفصحى.
لكن في رأي ميسو وقعَ الآراميون ضحية التهلُّن Hellenization. إذ بمجرد أن بدأ اليونانيون في حكم الشَّرق الأدنى والسيطرة على الأراضي الآرامية أو التي تنتشر فيها اللغة لآرامية إلى حد كبير، قيَّدوا المصطلح الآراميّ الشامل سابقًا “سوري SŪRYOYO” وحصروه بالآراميين، بما في ذلك لغتهم وثقافتهم وأراضيهم. ويقصد ميسو من ذلك أنَّ اسم سوريا الذي كان يُطلق وفق هيرودوت على رقعة جغرافيّة هائلة ويوصف سكانها بأنهم سوريون أصبح يُطلق فقط على الآراميين، وهنا نميّز بين مرحلتين في التأريخ اليوناني لسوريا: مرحلة هيرودوت، ومرحلة ما بعد هيرودوت التي بدأت مع غزو الإسكندر الكبير لسوريا واستمرت مع خلفاء الإسكندر من السلوقيين على وجه التحديد.

وعليه، لا يمكن أن تصمد النظرية الشائعة التي تفسر “سوريا” كشكل مختصر من “آشور” التي أدت إلى فكرة أن اسمي سوريا وآشور مرتبطين في اللغة الآرامية. وهذا الفهم-في رأي ميسو-لا ينسجم مع ما يُسمَّى الصحوة القومية بين السريان/الآشوريين في أواخر القرن التاسع عشر، حيث سعى بعض المفكرين والنشطاء إلى تأكيد هويتهم الآشورية وتمييزها عن الهوية السريانية العامة. لكن هذا –في رأي ميسو-يُعَدّ مسعى حديثًا لا يوجد أساس تاريخيّ له، وهو نتاج الصحوة القومية السريانيّة منذ القرن التاسع عشر، التي تعززت بعد الحرب العالمية الأولى.
وأشار ميسو إلى معلومة مهمة جدًا وهي أن الفيلسوف الرواقي السوري بوسيدونيوس (مات 51 ق.م) والمؤرّخ اليوناني استرابون (مات 24 م) أكدا أنَّ اليونانيين أطلقوا على الآراميين اسم “سوريين”، لكنهما أضافا أنَّ الآراميين كانوا لا يزالون يطلقون على أنفسهم اسم “آراميين”. ويؤكد المؤرّخ اليهوديّ يوسيفوس أن آرام بن سام بن النبي نوح، “حكم الآراميين”، الذين يُسمِّيهم اليونانيون سوريين، وأصبحت لغتهم تُسمَّى السريانيّة، ومن هنا خرجت نظريّة أنَّ سوريا هي بلاد سام، ثم أصبحت بلاد “الشام”.

كان السِّريان المجموعة الآرامية الوحيدة في العصور القديمة المتأخرة التي كان كلّ فرد من أفرادها يُطلق على نفسه بسبب التأثير اليونانيّ اسم سوريّ (Sūryoyo= تنطق سو-ريو-يو)، ولفت ميسو انتباهنا إلى أننا نجد أقدم الوثائق التي يرد فيها هذا الاسم العِرقي في مخطوطات الآرامية الإديسية، أي الآراميّة الرُّهاويّة التي كانت منتشرة في مدينة الرُّها السوريّة التي خضعت للتهلُّن بشكل كبير، وبدأ هذا الاسم بالانتشار مع مطلع القرن الخامس الميلاديّ إذ بقيت اللغة اليونانية سائدة حتى في العصرين الروماني والبيزنطيّ.
هذا، -وفق ميسو- بمجرد صياغته وإدماجه في الآرامية الرُّهاوية، تعايش مصطلح “سوريّ Sūryoyo” مدّة مع التسمية الذاتية “آرامايَه” (Armāyā) التي كان الآراميون يطلقونها على أنفسهم. وهكذا، ظهرت مرحلة زمنية انتقالية، يمكن تأريخها تقريبًا بين 440 و500 م. بعد أن اكتسب الاسم الجديد سيادة، أصبحت التسمية الذاتية التقليدية قديمة الطراز وسقطت في نهاية المطاف في غياهب النسيان؛ ومع ذلك، استمر السريان الشرقيون والغربيون في بعض الأحيان في تعريف أنفسهم ولغتهم بـأنهم “آراميون؛ ولغتهم آرامية” حتى القرن الرابع عشر، إن لم يكن لاحقًا. ومن المثير للاهتمام-في رأي ميسو-أن القرن الخامس الميلادي يظهر مرحلة انتقالية استُخدمت فيها التسميات الآرامية لـ “سوري؛ سرياني” (Sūryoyo) و”آرامي “(Armāyā) جنبًا إلى جنب. في النهاية، حلَّ “سرياني”، الاسم المترجم للمصطلح اليوناني “سُريوس Súrios”، كتسمية ذاتية للآراميين المسيحيين على حساب التسمية الآرامية الأصلية “آرامايَه”، التي تطورت لاحقًا إلى “أرومويو” (Oromoyo) في السريانية الغربية.

لكن ما يجب أن ينصبّ عليه البحث أصلًا هو من أين استقى هيرودوت نفسه اسم سوريا، ولا يوجد أيّ احتمال-في تقديري-سوى أنه استقاها من الكنعانية أو الفينيقيّة، ويُعَدّ مستغربًا بالنسبة لي ألا نجد عناية هؤلاء العلماء (المستشرقين) قد انصبّت على البحث عن أصل اسم سوريا في الكنعانيّة أو الفينيقيّة.
يجب هنا أن نقف عند اسم يرد في النقوش الفينيقيّة هو: [‘SR] وينطق بالفينيقية سور، وفُسِّر في “معجم الحضارة الفينيقية والبونية” الذي حرَّره إدوارد ليبينسكي (الناشر: بريبولس، تومهويت، 1992، ص: 45-46.) على أنَّ SR يدلّ على مكان: آشور (Assyria)، لكن فُسّرَ الاسم نفسه [‘SR=سور] في معجم ف.ل.بينز “الأسماء الشخصية في النقوش الفينيقية والبونية، ص: 73.” (الناشر: المعهد الكتابي للطباعة، روما، 1972.) على أنّه اسم للإله آشور.
وإذا تتبّعنا النقوش الفينيقيّة سنجد الاسم نفسه SR=SOR=سور يرد في “معجم الحضارة الفينيقية والبونية، ص: 477-480” بمعنى آخر هو صُور، أي المدينة الفينيقيّة المعروفة، كما نجد الاسم نفسه (SRY= SORI=سوري) يرد في معجم ف.ل.بينز “الأسماء الشخصية في النقوش الفينيقية والبونية، ص: 178” بمعنى صُوري، أي أحد سكان مدينة صُور، أو أحد سكان فينيقيا بوجه عامّ.
إذن، هنا يظهر التباس كبير فاسم [‘SR=سور] يدل وفق هذه المعاجم في وقت واحد إما على بلاد آشور أو مدينة صور، على نحو يكشف التباسًا في تأويل النقش، فما سبب الإحالة في التأويل إلى آشور أو صُور دون الإحالة إلى سوريا وفق وصف هيرودوت لها، لذلك تحتاج هذه المسألة إلى إعادة نظر بعمق لأنَّ البحث الدؤوب لا بدّ أن يكشف ورود اسم سوريا في النقوش الكنعانيّة أو الفينيقيّة بما يتضمن الدلالة على سوريا نفسها. مثلًا يرد اسم مدينة صُور باليونانية Τύρος=تيروس=ويرد أيضًا باللاتينية Tyrus=تيروس، ولا يرد بما يتفق مع نطق الاسم الفينيقي [‘SR] =سور. لذلك يمكن أن يكون اسم سوريا الفينيقيّ الأصلي قد طُمِس في اسم صور، وفُسِّرت النقوش الفينيقية التي تحتوي على أسماء من قبيل سوريا، سوري…على أنها تدل على صور، صوريّ، أو آشور، آشوريّ، وهذا بحث يحتاج من دون شك إلى دلائل أركيولوجيّة حاسمة على أساس إعادة تفسير النقوش بناء على معايير علمية دقيقة.

في “الكلمة المرفوضة” الهامش بيت الشعر

في “الكلمة المرفوضة” الهامش بيت الشعر

القصيدة ـ الديوان “الكلمة المرفوضة”، صدرت عن “خان الجنوب” في برلين، للشاعر الكردي السوري جولان حاجي لا تنحو لقول شيء بعينه ولا تتمحور حول موضوع واحد، على الرغم من أن الديوان كله محوره العين.
العين الحقيقة العلمية، العين والحياة المحيطة المرئية، العين التي تحول كل ما خارجي إلى داخلي، والتي تظل نظيفة خالية، إنها العين اللغز، حسّاً ومعنى وصورة. “الوجه لغزٌ لغزُهُ العينُ/ من أي كلمة تُستخرَج الحقيقة لتُرمى كلُبّ الجوز إلى كلب الموت فيشمّها ويتركها/ بأي حدقة كالفلس الصدئ سيُرشى/ خائفةً وصلت الروح، جريحةً بالسوط في يدها، الذائقة علقمَ النظرات، المستظلة بالخفاء/ الحالمةَ بأجمل الأجساد، المحرومة رَجَت لرحلتها صاحباً أوفى من الغبار، مؤونةً أخفَّ من الذاكرة، يداً أرحمَ من الشمس ـ خوفُها أقوى من أي حنين ص100.”

يبدأ الديوان بمقدمة “ابتسامة جمجمة” عود إلى التذكير بأيام الملتقى الأدبي لجامعة حلب سنة 1980. كان بين شعراء الملتقى فؤاد محمد فؤاد الذي أصدر مجموعة شعرية بعنوان مستعار من أرسطوطاليس “أجزاء الحيوان”. يرى جولان حاجي في أجزاء الحيوان “استقراءً لأعضاء الجسد عبر قصائد غنائية قصيرة. يبدأ هذا الديوان الصغير بالحيوان وبه ينتهي… يقرأ فؤاد ما لا يُرى من الجسد، تدخل الكلمات تحت الجلد، وراء الصورة التي يحب أن يراها الناس. يخاطب الغضروف ويستنطق المخيخ والحبل الشوكي والمعثكلة والطحال..، كل عضو يحمل نهايته موسوماً باسمه، فيما الحيوان لا ينطق ولا يسمّي ولا يفسّر شيئاً ولا يعي موته”.

في القسم الثاني من كتاب جولان حاجي نجد نص “العصا والمخروط”. تذكير بآلية عمل العين، حاسة البصر، مع شروح علمية حول مسار الضوء وأثره على الرؤية، وتأثير الصور المرئية على الذاكرة والفكر وبالتالي اللغة والتعبير “نصف المعلومات التي ينهمك بها الدماغ هي معلومات بصرية، عيوننا لا تلتقط صورة طبق الأصل عن أي شيء.”. وفي القسم الثالث يبدأ “المنفذان” وهو متن ديوان “الكلمة المرفوضة”.

القصيدة لدى جولان في هذا الكتاب تنبسط من تلقاء نفسها، مثل راحة يد مفتوحة، تتلقى الضوء ولا تطلب ولا تشكو ربما إلا له. القصيدة شكوى الجلد إلى الضوء. تقفز من حال إلى حال، تعلو وتتداعى، مثل حال أنفاسنا ومخاوفنا، توجز وتسهب وتقتبس بعضها من بعضها في كل جامع غير متشابه.
هكذا غير عابئة بشكل محدد، ولا بصيغة ثابتة، تنتقل من طور إلى آخر، من زمن الطفل إلى مأوى الشيخ، في رحلة طويلة متشعبة، جامعة المعاني والأسئلة، الذكريات والآمال والكوابيس، لكن غير غافلة عن النسيان سيد الأزمان كلها: “جسده مدينة خاوية استعجل الوصول إليها ليجلس على بابها كالحراس الوحيدين، حراً وسجينا كالبحر، سرق أحدهم الكلمات من أفواه النائمين فيها، رفع ثوب السماء واندس تحت الأفق، هارباً بحقيبتين من النفائس ـ لن يجد المستيقظون فيها في الغد كلمة واحدة لا تستحق النسيان، لن يجد الجار تحية صغيرة يلقيها على جاره ص51”.

قصيدة طويلة تتناسل عبر سرد نثري متواصل متقطع في آن واحد. نحن أمام شعر لا يغنّي ولا يعظ ولا يأمر. لا صوت عالياً ولا حماسة ثائرة . القصيدة في غِنىً عن كل ذلك. هنا نجد الشعر وقد تحول إلى تلقٍ حاضنِ الضوءَ والظلامَ، الليل والنهار مختلطين. بل هو احتضان رحب يتجاوز الضوء والظلام، ذلك أن الشعر في الكلمة المرفوضة أوسع وأرق وأقسى من أن يتحول إلى لقاء سهل لتناقضات بلا منفذ بلا نهاية! ربما هو شعر كتب بمزاج الفجر ورحيقه الحارق.
القول إنه شعرٌ أوسع وأرق وأقسى إنما يعني أن الاكتفاء بالمرئي قد تحول إلى ثراء هادئ، والرقة أخذت بيد التائه والمنبوذ إلى ملاذ الناسك، والقسوة غدت مرآة الماضي الذي لا يكف عن العودة بالخيبة الثقيلة والمرارة الجارحة.
سرد متعاقب متقطع من خلال ذاكرة بصرية حافلة، ذاكرة هي رحلة للجسد والنفس عبر العين وحدها.

الشعر مع جولان حاجي شاهدٌ نزيهٌ ومراقبٌ صامتٌ. الهامشُ بيتُهُ، بعدما ضاق المتن بالجميع وأفسدهم. من الصمت يأتي كل هذا الصخب الدفين، وهذا العبور الهائل فوق الأسئلة، العبور الرافض لقيود الجواب الرنانة.

 سوريا: تمزيق الوطنية كإحساس والمواطنة كمفهوم

 سوريا: تمزيق الوطنية كإحساس والمواطنة كمفهوم

ألا تدخل حروب اليوم حصانَها الطروادي الجميل عبرَ بوابةِ مفاهيمنا المشوّهة؟ ربّما تشويه المفاهيم أو بالأحرى تسطيحَها هو السِمة الأهم لعصرنا، مع أن البشرية سلكت من أجلِ بلورتِها وتقويمِها الطريقَ المُنهك للألمِ و التجربة، لكنّ السياسة العالمية اليوم تميلُ إلى تزيين انحرافاتِها بشعاراتٍ برّاقةٍ، ففي مجتمعاتٍ ودولٍ بُنيَـت على أسُس الديمقراطية والعدالة والحريات الشخصية، لا بدّ من أن تُقنعَ الجماهير، بينما مجتمعاتُنا التي لا تزالُ تتخبّط بين موروثِها الديني والمُنجز الحضاري الغربي، يسهُلُ كذلك اختراقُها، طالما أنّها تردّدُ مفاهيمَ لم تُعِدْ فيها النظر.

فيما يخصّ الموروث الديني، ربّما كانت الرسالات السماوية، ثمرة تطوّر فكري وتجربة روحية، قدّمت مفاهيم وقيماً سامية للبشرية، لكنّ تسييسَها وتسخيرَها من أجل تسيير القطيع البشري والتحكّم به، أدى إلى وقوعِها في فخّ الجمود، وسوء التفسير، والتأويل بما يخدم مصالح الرعاة، و ليس بما يخدم الفهم والفكر والتجربة الروحية. فتحوّل الكلام المقدّس الذي كان من المفترض، كي يظلّ حيّاً، أن ينمو ويعمل، إلى حجارةٍ ميّتة، نحتاجُ إلى إزاحتِها عن صدورِنا كي نتحرّر، أو ربّما، وتلكَ المهمّة الأصعب، أن نعيد له دبيبَ الحياة عبر إعادتِه إلى المنابع العذبة، ليس من بابِ التشبّث بالسلف، بل من بابِ البناء على ما هو حيٌّ لدى أسلافنا.

من المعروف أن الثقافة الغربية الحديثة قامت في جزءٍ كبيرٍ منها، على إعادة قراءة موروثها الديني المسيحي اليهودي، ونقدِه، ورفضهِ، ورَميهِ، إلى أن توصّلت إلى بناء مجتمعاتها على أسسٍ علمانيةٍ تحملُ قيمَ التعايش والتآخي والعدالة الاجتماعية والحريّة الفردية، إلى ما هنالك من المفاهيم التي بنى عليها الغربُ نهضتَهُ، لكنّ النيوليبرالية، وما بعد الحداثة، واقتصاد السوق، حرفوا البوصلة وسطّحوا المفاهيمَ واستهلكَوها بحيث تخدم سياستهُ التي تقومُ على الربح بشتى الوسائل  المُمكنة، المجتمعات العربية عرفت كذلك نهضة فكرية أخرجتها من ركودها الذي سبّبته مراحل الحرب والاستعمار، إلا أنّها سرعان ما ارتكست إلى الموروث الديني واتّهمت كل فكر نهضوي بالخيانة والتغريب.

ربّما كانت الحرية عبرَ التاريخ من أكثرِ المفاهيمِ ضبابيّةً، فمن ناحية تمّت شيطنتَها، ومن ناحيةٍ أخرى اشتعلت من أجلها، وباسمها الحروبُ والثورات، في الواقع السوري مثلاً هناكَ جدلٌ مُحتدمٌ منذ اندلاعِ الثورة حول مفهوم الحريّة، لقد خاضَ الثوّار حربهم كي يتحرّروا، بينما يعتقد البعض أنّهم جلبوا الدمار والتدخلات الخارجية إلى البلاد، بين هذا وذاك نشبت حربٌ لم تصل بمفهوم الحرية، حتى بعد التحرير، إلى برٍّ آمنٍ يبشّر السوريين بمستقبلٍ أفضل.

  بالعودة إلى المفهوم الغربي، تعدّ الحرية من الركائز الأساسية للفكر السياسي والاجتماعي ،لقد طوّرها عبر قرونٍ من الفلسفةِ والثورات، إذ تقوم الدولة في الغرب على احترام الحريّات الفردية، من حرية التعبير والرأي، وصولاً إلى حريّة المُعتقد، والدين والعمل والحركة، كما تقومُ على احترام الحريّات السياسية، والتي تعني مشاركة الأفراد في الحكم واتخاذ القرار عبر حقّ التصويت، وتشكيل الأحزاب، وصولاً إلى حرية المعارضة السلميّة، يذهب الفيلسوف الألماني المثالي هيجل، صاحب الفكر المرتبط بالتقليد الأفلاطوني اليوناني، إلى أنّ الحرية مرتبطة بالوعي، وعي الإنسان لذاته و تجاوزه لرغباتِه الغريزية كي يصبح عقلاً حرّاً مسؤولاً، كما يعتقد هيجل أنّ الحرية لا تتحقّق إلا من خلال الدولة، التي من المفترض أن تكونَ تجلّياً للعقلِ الحرّ، يربط هيجل الحرية بمسار تطوّر الوعي الإنساني عبر التاريخ، كما يرفض الفكرة السلبية للحرية، التي تقوم على رفض القيود الخارجية على الفرد فحسب، و يؤكد على مفهوم الحرية الايجابية، التي هي القدرة على تطوير وتحقيق الذات.

أمّا الفيلسوف الألماني نيتشه، الذي يعدّ مُلهم ما بعد الحداثة، فقد رفض المثالية الأفلاطونية والمسيحية والأديان، وأعلن “موتَ الإله”، يعتقد نيتشه بالتحرّر الجذري من كلّ القيود، الدينية، والأخلاقية، والإجتماعية، إنّه يؤمن بإرادة القوة، وبالإنسان الأعلى القادر على تجاوز القطيع من أجل إبداعِ قيمهِ و معاييره الخاصة. 

أمّا من وجهة نظر الفكر الديني المسيحي، والإسلامي، الذي ولدَ على أرضنا،  فتربط المسيحية بين مفهومَي الحقّ و الحرية، إذ تقول الآية على لسان المسيح “تعرفونَ الحقّ و الحقّ يحرّركم”، كما تربط الحقّ بشخص السيد المسيح الذي أتى إلى العالم ليحرّرنا ” أنا هو الطريقُ والحقُّ والحياة” ، تعتقد المسيحية أنّ حياة المؤمن هي طريقُ جلجلةٍ من أجلِ التحرّر، التحرّر هنا بمعنى التحرّر من الشيطان، الذي إن تمكّن وسيطرَ على حياتِنا سيُحيلها إلى جهنّم، الخطيئةُ في المسيحية هي إذن النيرُ المؤلمُ والعبوديةُ الحقيقيّة، هناكَ مقولةٌ جوهريّةٌ لبطرس الرسول “كأحرار، و ليس كالذين الحريةُ عندهم سترةٌ للشرّ، بل كعبيدٍ لله” هناك بالتالي فرق بين الحرية كقيمةٍ إنسانيةٍ عليا و بين ما يرتكب باسمِها من حروبٍ وصراعات.

يتشابه المفهوم الإسلامي مع المفهوم المسيحي من حيث ربطهِ لحرية المرء بتحرّره من كل ما هو دنيوي من أجل عبادةِ الله وحده، كذلك بربطه مفهوم الحقّ بالربّ الذي هو الفيصل بين الهدى و الضلال، تقول الآية ( وقُلِ الحقُّ من ربّكمْ فمن شاءَ فَليؤمِن ومَن شاءَ فليكفرْ)، طريقُ الحقّ إذن هو طريقٌ الايمان بالله ، المؤمن في الإسلام  مأمورٌ كذلك بإقامةِ القسط، الذي يعني نفي العدوان ورفضه، ونيل كلّ ذي حقًّ حقّه، العدلُ في الإسلام بالتالي قيمة مُطلقة و شرط من شروط الايمان القويم ( يا أيّها الذينَ آمنوا كُونوا قَوّامينَ بالقسطِ شهداءَ لله وَلَو على أنفُسِكمْ.. ).

إذا كان الفكر الديني هو ثقافة أجدادنا التي لن نتمكّن من القفز فوقها، فإنّ الثقافة في جوهرِها،هي بحثٌ وتجدّدٌ، يقوم على القدرة المستمرة على مواجهةِ ذاتنا، الفردية والجماعية، من أجلِ نقدِها وإعادة تشكيلها، وهذا لا يحصل إلا عبر الكثير من الألمِ والخسارة، المعضلة أنّ هناكَ من يفضّل أن يبقى رازحاً تحتَ ثقلِ الخسارة على أن يعيدَ النظرَ في ذاته، فتلكَ لحظةٌ تصيبهُ بمقتل، لذا يكتفي بتزيين الواقع المُهترئ بشعاراتٍ وانتصاراتٍ وهمية، أما وفي أقصى درجات التطرّف،  هناكَ من يفضّل أن يرتكب جريمة على خوضِ هذه المواجهة مع ذاته، فإمّا يقتل الآخر الذي لا يشبهه، أو ينتحر، فيفجّر نفسهُ ومن حولَه.

بالعودة إلى الواقع السوري، لقد غدا واضحاً أنّ التحرّر من نظام ظالمٍ هو خطوة لازمة، ولكنّها غير كافية ، فالحرية طريقٌ طويل ومرتبط في كل مرحلة بقدرتنا على توسيع رقعةِ وعينا وإعادة صياغة ذاتنا، و بالتالي فهمنا و مفاهيمنا، يرفض السوريونَ اليوم مع كلّ الخسارة والدم والألم التي تكبّدوها خلال أربعة عشرة عامٍ من الاقتتال، إعادة النظر في ذاتهم من أجلِ الوقوفِ على برّ أقرب إلى الحقيقة،  له أن ينقلهم إلى بناء دولةِ المواطنة و الحريّة التي ناضلوا من أجلها.

 وإذا كنا نحن أرضَ الديانات السماوية التي طالما ربطت بين مفهومَي الحقّ والحرية، ألا يجبُ علينا أن ندركَ أن كرةَ الحقد التي تتدحرجُ على أرضنا  مرتبطة بالقفزِ فوق عتبةِ العدالة الانتقالية؟ يحتاجُ الشعب السوري إلى تلكَ العدالة كي يشكّل سرديّة واقعيّة عن أربعةَ عشر عامٍاً من الاقتتال، يُحاسبُ من خلالها الجلادين وتتحمّل الأطرافُ المتصارعة مسؤوليّتَها عن المقتلة، الحقّ وحده ما سيحرّرالشعب السوري من الحقدِ والاحتقان، تلكَ أولى و أهمّ الخطا نحو الحرية.

أمّا تجييش المجموعات العرقية والطائفية على بعضها،  فهو حصانُ طروادة الجديد اليوم ، يعبرُ عبرَ الحسّ الوطني المُهترئ لدى بعض السوريين، مُشعلاً حرباً جديدةً قد يطولُ أمدها، لقد نسيَ البعض أنّ الوحدة كانت حلم أبناءِ المنطقة بكافة طوائفهم، ويعملون اليوم بيادق لدى مشروع التفتيت، طبعاً ليس بريئاً الخارج من الاستثمار في انقساماتِنا الداخلية من أجلِ خلق سوريا الضعيفة المُشتّتة التي عمل طويلاً من أجلها، كما ليس بريئاً مشروع بناء دولة على أساس طائفي،إقصائي، في حين تُبنى الدول على أساسِ المساواة في المواطَنة.

أخيراً فإنّ تمزيق الوطنية كإحساس، والمواطَنة كمفهوم، ليس مرتبطاً بالمعضلة السورية فحسب، إنّهُ سياسة عالمية، إذ تقوم النيوليبرالية الغربية وما بعد الحداثة على تَسييل المفاهيم بما يخدم اقتصاد السوق، المواطنة السائلة هي أحد سمات مجتمعات ما بعد الحداثة، حيث يجري تحطيم مفهوم الدولة القومية في سبيل انتماء عالمي، عَولمي، لا يعترف بالأرض والجذور واللغة والتاريخ والجغرافية، إنما بسوقٍ عالميةٍ، يتم فيها تَسيير القطيع البشري عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي بما يخدم مصالح الرعاة، ورؤيتهم لكرةٍ أرضيةٍ يجلسون على عرشها ويتصرّفون كآلهة.

النهضة والشعر:تطوّر وأثر الحامل المادي في النص الشعري

النهضة والشعر:تطوّر وأثر الحامل المادي في النص الشعري

تطوّر المنجز الإبداعي الشعري في الشكل وأداة التوصيل وأغراض الشعر، على ضوء متغيرات عصر النهضة، هذا ما عمل عليه الدكتور “إياس حسن” في كتابه ” النهضة والشعر ” الذي صدر عن دار “أرواد” للطباعة والنشر؛ عام 2025.

أتبع العنوان الرئيس بعنوان شارح هو “أثر النهضة العربية في الشعر العربي” وحدد مجال البحث الذي تضمنه الكتاب في الصفحة الداخلية للعنوان ببندين هما: نشوء المجموعة الشعرية وتطوّر بيئة الشعر التواصلية وظهور المنهج النقدي. 

خصّص الباحث الفصل الأول لنشوء المجموعة الشعرية وقدّم لذلك بالتعريف بالمجموعة الشعرية؛ وتناول المواضيع التالية: 

ظهور المجموعات الشعرية

يرى الباحث أنه كان للإرساليات الدينية القادمة من الغرب، وللنهضة التي شملت نواحي الحياة كلها أثر جليّ في ظهور المجموعة الشعرية. هذا الشكل الجديد المادي من حوامل الشعر، كذلك يعيد الباحث التطور الذي حدث على نظم الشعر وتجميعه إلى ظهور الجمعيات الثقافية كجمعية شمس البر التي أعلن عنها عام 1868 وجمعية زهرة الآداب التي أعلن عنها عام 1869 إضافة إلى تأثير انتشار الطباعة التي أدت إلى ظهور المكتبات كمكتبة بطرس الأمريكاني التي افتتحت عام 1876 والمكتبة الظاهرية التي افتتحت عام 1879. تأثير آخر كانت له أهمية كبرى هو الاستشراق الذي ساهم في نشر التراث العربي وإن كان بنظرة مغايرة للمعتاد التقليدي الذي تناوله كموروث ثابت جامد يقترب من الكامل لا يجوز تناوله بالنقد. 

أثر الكتاب المطبوع كحامل مادي جديد:

تغيّرت وسيلة التواصل الشعري بالخروج من الحالة الشفاهية التي كانت تقوم على المنشد الراوي، إلى وسيلة جديدة تمثلت بالكتاب كحامل مادي، وبذلك انتقلت الوصاية على النص من المنشد إلى الناسخ في حالة الكتابة، الوراقة، ثم الناشر في حالة الطباعة.  

تبدّلت هذه الوصاية بعد ذلك، فعملية تجميع القصائد، صار الشاعر يقوم بها، بينما كان سابقاً أصدقاؤه أو المهتمون يتكفلون بهذا العمل. هذا ما فعله أحمد شوقي في ديوانه “الشوقيات”.

 لكن سلطة الشاعر ظلت ناقصة؛ فمراجع الديوان أو الناشر ظلّ يغيّر في عناوين القصائد وترتيبها، كما فعل أحمد الخوفي في ديوان أحمد شوقي، توضّح ذلك بعد ظهور الديوان المطبوع، والذي اقتضى عنواناً للديوان ومكاناً خاصاً لهذا العنوان، كذلك ظهر الغلاف وصار عتبة للديوان بتطوّر شكله وإخراجه، بدل أن كان مجرد حافظ مادي في المخطوطات. 

تطوّر العنوان وعلاقته بالحامل المادي:

يتناول الباحث التطورات التي مرّ بها العنوان، في خضّم تطورات أخرى شملت المنتج والحامل الشعري، بيّن أن العنوان لم يكن مفرداً على الغلاف، بل كان يسبقه تعريف بجنس الكتاب والكاتب، مثل “كتاب كذا ” و “ديوان فلان”، ويورد مثلاً لذلك ديوان (ناصيف اليازجي) الأول الذي نشره عام 1852 وعلى غلافه نبذة عن الديوان. 

ظهر بعد ذلك العنوان الترويجي لكنه لم يكن مستقلاً مثل ” نفحة الريحان ” مالبثت مسألة التعريف بجنس الكتاب أن أخذت سمة عامة كما في ديوان (خليل الخوري) المعنون “زهر الربى في شعر الصبا” والذي نشر عام 1857 وقد سبق هذا العنوان كلمة “كتاب” لكن (الخوري) تخلى عن التعريف بجنس الكتاب في ديوانه التالي واقتصر على عنوان ترويجي هو ” العصر الجديد”. 

تابع الباحث تطوّر العنوان حتى صار جزءاً من العملية الإبداعية وذلك بفعل عوامل منها الطباعة وانتشــار الصــحف والمجلات، كجريدة (الوقائع) التي صدرت في القاهرة عام 1828، وجريدة (حديقة الأخبار) التي صدرت في بيروت عام 1858، وجرائد ومجلات أخرى.

يربط الباحث بين ظهور الصحافة وانتشارها وظهور عناوين جديدة للمجموعات والدواوين الشعرية؛ مركزاً على الدواوين التي صدرت في سورية ومصر وذلك كون المنطقتين تشكلان وحدة ثقافية بتجارب مشتركة متقاربة.

تطور النص الشعري في الشكل والأسلوب:

يعزي الباحث للصحافة تأثيراً هاماً على النص الشعري؛ هو تجديد أسلوب الكتابة بالابتعاد عن الإنشاء، فقد بدأت النصوص الشعرية تتخلّى عن السجع والبديع، وهذا ما أوجد الحاجة لعلامات الترقيم لتدّل أين تنتهي الجملة ولضرورتها في إيصال المعنى، جرى استعمالها في أواخر الثلاثينات من القرن التاسع عشر، مما دفع “أحمد زكي باشاستة” لوضع دليل بعنوان “الترقيم وعلاماته في اللغة العربية” وقد صدر عن المطبعة الأميرية في مصر.

تحوّل آخر للمجموعات الشعرية والقصائد؛ هو التحقيب الذي يدّل على زمن إنشاء القصائد، وزمن نشر الديوان، والتحقيب كما ذكر الباحث-أتى بصيغ مختلفة قد يكون بالترقيم الذي يدّل على تسلسل إصدار المجموعات، أو الإشارة إلى مرحلة من العمر مثل ” أشعار الصبا” أو “عبرات الشباب”. 

يذكر الباحث أنّ جماعة “الديوان” اعتمدوا صيغة أخرى للتحقيب وهي المواربة، وفيها يشار إلى زمن إنشاء القصيدة بالإيحاء أو الدلالة كاستخدام تسلسل زمني (الفجر، الصباح، الظهيرة.) مثل “أنداء الفجر” لـ “أحمد زكي أبو شادي “.

الفصل الثاني من الكتاب جاء بعنوان: التطوّر الموازي في بيئة الشعر التواصلية وظهور النقد المنهجي.

استعرض الباحث في هذا الفصل روافع الشعر الذين كانوا يروّجون له ويشرحونه على مدى تاريخه، ثم تطرّق إلى ظهور الرواة في العصر الأموي والعباسي، لنصل إلى عصر النهضة حيث ظهرت الدواوين والمجموعات، وعلى إثرها ظهر المقرظون الذين كانوا يقومون بالتراجم وتقريظ العمل بما يقوم مقام المقدمة فيما بعد.

أغراض جديدة للشعر ومقدمات بدل التقريظ: 

يقارب الباحث النص الشعري من ناحية الذائقة، فالذائقة التي كان يعبّر عنها بالتقريظ لم تستمر أمام التغيرات الكثيرة التي شملت العلاقات الاجتماعية في أواسط القرن التاسع عشر، إثر الإصلاحات العثمانية، والتي أدت إلى انتهاء حكم العائلات وبروز دور المؤسسات، فمع هذه التغيرات تغيرت وحل محل التقريظ التقويم الموضوعي الذي شكّل إرهاصاً للمقدمة.

المقاربة الأخرى أتت لموضوع الشعر وغرضه، فالتغيّر الأهم والذي كان من المفترض أن يعطى مساحة أكبر في البحث، هو تغيّر مواضيع الشعر وأغراضه، حيث بدأت القصائد تدور حول مواضيع غير مطروقة شعرياً، بدأ ذلك على يد “خليل الخوري” و”سامي البارودي”، هذه المواضيع رتبت ظهور المقدمات بمحتواها الجديد الذي علب عليه مناقشة ماهية الشعر ومفهومه. 

موصلات أخرى للشعر:

يعود الباحث إلى ما حسبناه أغفله سابقاً، حيث يتناول مجالات أخرى لتوصيل المنتج الشعري، مجالات تقليدية كانت معروفة تاريخياً منها “الأغورا” عند اليونان، و “الفوروم عند الرومان، والأسواق عند العرب، إلى أن يصل إلى حلقات المساجد التي كانت تعقد في المساجد والجوامع في البلاد الإسلامية، كحلقة الشيخ “طاهر الجزائري” في دمشق.

ونتيجة للإصلاحات التي أقرتها السلطات العثمانية عامي 1839 و1856 والتي منحت الأقليات بعض حقوقها؛ ظهرت الجمعيات العلمية، ثم المجالس التي أخذت لنفسها خطاً تنويرياً.

كذلك لعبت المقاهي دوراً هاماً في التوصيل الثقافي والشعري، ثم ظهرت مجالس البيوت التي اضطلعت بها الطبقة العليا، كمجلس الأميرة نازلي فاضل ومجلس محمود باشا البارودي، أعقب ذلك ظهور الصالونات الأدبية كصالون “مريانا مراش” في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في حلب، وصالون “ألكسندرا الخوري؛ أفرينوه” في أواخر القرن التاسع عشر في مصر. الصالون الأشهر كان صالون مي زيادة التي أعلنت عن مولد صالونها عام 1913.

ظهرت بعد ذلك الجمعيات والروابط الأدبية التي لعبت دوراً هاماً في النقاش والسجال حول الشعر كنتيجة لعملية التطّور والتحوّل الذي كانت تحدث، هذا السجال والنقاش شكّل أساساً للنقد المنهجي. 

الكتاب تضمن بحثاً هماً وجديداً ربط بين النهضة بمفاعليها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وبين تطور الحامل والموصل الشعري على صعيد العنوان والتبويب، المواضيع والأغراض الشعرية؛ لكنه لم يأخذ بالاعتبار تطوّر المنجز الإبداعي الشعري العربي من الناحية الفنية إلاّ لماماً، ربما لأن ذلك لم يكن موضوع وغاية البحث، التي حددها الباحث في الخاتمة بقوله “كانت غاية هذا البحث تقصّي العوامل التي ساهمت في ظهور المجموعة الشعرية بصفتها ظاهرة تاريخية.”

القتل في سوريا بين الترند والحقيقة 

القتل في سوريا بين الترند والحقيقة 

يمثل الترند “”The trend أًحياناً رأياً عاماً يطغى على كل الخطابات السائدة مما يدفع المعنيين في أي شريحة اجتماعية  لركوب الموجة والسيطرة على هذا الرأي وتوجيهه بما يتفق مع مصلحة هذه الجهة أو تلك، والترند كمفردة إنكليزية تترجم على أنها ميل أو اتجاه وقد صار استخدامها وإدراجها في اللغة والحديث العام من الأشياء البديهية نظرا لكثرة تداولها في جميع الأوساط والمواقع، والحقيقة إن الدخول في تفنيد هذه القصص وعزل الحقيقي منها وتنقيته من الشوائب الإعلامية هو كالخوض في عش دبابير حيث لن ترضى عنك أي جهة، وسترى ألف جهة تخوّن وتتهم وتزور أحيانا ولكننا نقول إن محاولة عرض كل الوقائع على الملأ، يمكن أن يساهم في تكوين رأي عام لصالح الضحايا، الضحايا أينما كانوا .

تحفل الذاكرة السورية بحمص من أيام نظام الطاغية ما عُرف وقتها بحادثة الطفلة “جنى” التي راحت ضحية جشع عصابات الكبتاغون والمافيات التابعة لها حيث انتشرت قصتها لتصبح رأياً عاماً وطلب الناس مباشرة من رأس النظام التدخل لإنقاذ حياتها الأمر الذي لم يحصل، وتمت المماطلة والتسويف إلى أن قضت الطفلة نحبها، وهنا كان لزامًا على الحكومة اختراع قصة تسكت الناس في الكشف عن ملابسات الحادثة وتقبض على الفاعلين وتحاسبهم. جاءت القصة المفضوحة باتهام إنسان بسيط يعيش حياة بائسة ومتخلفة وسط المزابل، وتم أخذ إفادته بالاعتراف بقتل الطفلة بعد اغتصابها، القصة التي جاءت منفصلة عن تفاصيل وأوصاف الطفلة: ماذا تلبس وألوان لباسها وما إلى ذلك. ويبدو أن القصة تسربت كذلك إلى وسائل الإعلام الشعبي والخارجي وخوفًا من تداعيات الأمر الذي قد يستدعي لجنة تحقيق خارجية أو تدخل جهة ما قيل إن المرتكب مات لمعاناته من مشكلة صحية طارئة وانتهى الأمر هنا وسكتت كل الجهات بفعل السطوة الأمنية المعروفة بشدتها وتدخلها بكل شيء وضاع حق الطفلة المجني عليها. 

رجع هــذا الحادث وملابساته الآن للذاكرة مع ملابسات حادثة مقتل السيدة الراقية” ديالا الوادي التي تحمل الجنسية البريطانية، ابنة صلحي الوادي الفنان العريق والتي يشهد الجميع بثقافتها ورقيها ليتم القبض على الفاعل خلال أربع وعشرين ساعة وهنا تأتي التفاصيل التي يكمن الشيطان فيها، فقد عرف الفاعل بشهادة أحد الجيران الذي طارده مسافة لابأس بها ووثقت الكاميرات صورة الفاعل، وكان من الواضح شعر الرأس الأسود لتأتي صورة الفاعل واعترافاته بهيئة مغايرة للصورة الأولى التي انتشرت وبدا حليق الرأس ويرتدي ثياب السجن. واعترف أن القتل تم بهدف السرقة بعد الاتفاق مع الخادمة، وهذه السرعة تلفت الانتباه وتثير المخاوف في بلد يشكل لجنة طويلة الأمد لمرتكبي جرائم موثقة بالصوت والصورة، قد يكون الهدف منها تسكيت وتطمين الرأي العام عن الشوشرة واللغط الذي يدور عبر ألسنة البعض كونها شخصية معروفة جدًا والتسريبات بأن منزل المغدورة كان مرصوداً لأنه في منطقة المالكي أغلى بيوت الشام وأفخمها وقد تعرضت لزيارات متعددة من قبل جهات مسؤولة من أجل بيتها وملكيتها. ويحكى أنها رجعت من الخارج خوفًا من استملاك بيتها كما يحصل مع الكثير من البيوت الفارغة التي يجري السيطرة عليها بحجة امتلاكها بطريقة غير مشروعة من قبل النظام البائد أو أنها عائدة لأحد رجالاته الهاربين، طبعًا في كل حادثة لا يمكن الجزم بصحة رأي أو عدمه أو التيقن من حقيقة ما الحكاية بخواتيمها وهل الحقيقة هي ما قيل أم سيكشف الستار عن حكاية أخرى وهل سيصار المنزل إلى الورثة أو سيؤول إلى جهة ما.

وتأتي قصة اختفاء سيدة من الساحل لتتصدر الترند فترة من الزمن ليكون اختفاؤها الترند المستمر بعد إنكار شامل مغطى من قبل جهات حكومية وإعلامية لحوادث الخطف التي أقضت مضجع السوريين جميعاً ورغم كل ذلك، في كل يوم تصدر صرخة من إحدى الجهات بغياب فتاة أو امرأة وفقدان الاتصال معها في بقعة ما، ويبقى الإنكار سيد الموقف للجهات العامة رغم توثيقها من قبل جهات خارجية “كلجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا التابعة للأمم المتحدة” التي قامت بتوثيق بعض الحالات وتعمل على المزيد منها. وقد نشرت وكالة “رويترز” تقريراً يفيد بوقوع حالات اختطاف لفتيات ونساء في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، حيث يطالب الخاطفون بفدى مالية ويهددون بتصفية المخطوفات إن لم تستجب عوائلهن لمطالبهم.

السيدة فُقد أثرها قرابة أكثر من شهر رغم أنها متزوجة ولديها ثلاثة أولاد وقد توصل أهلها عبر وساطات عدة لمكانها وجاءوا بها، ولكن المفارقة أنها لم تتعرف على أهلها وزوجها وأخيها الذين طلبوا أن تعرض على لجنة طبية توضح وضعها النفسي والصحي، ولكن نمي عنها أنها رجعت لزوجها الآخر في الأتارب بإرادتها والذي يقيم معها علاقة شرعية وهـذا طبعًا يلفت النظر إلى التساهل في قضية زوجة تترك زوجها ليُعترف بعلاقتها بآخر دون طلاقها من الأول مما يشير أن وراء الأكمة ما وراءها 

لكن الترند الجديد في ظهورها في فيديو مصور فجر القصة من جديد وحكاية جديدة لما حصل بأنها هربت من عنف زوجي وعائلي وهي سعيدة جدًا بحياتها الجديدة ولن ترجع عنها، وبالنسبة لأولادها تخيرهم في أن يلحقوا بها أم لا ولا تشير لارتباطها بآخر من بعيد أو قريب. الحقيقة أن القصة غير مقنعة رغم إقرار صاحبة الشأن بذلك والثقة المبالغ بها بصوابية ما فعلت لسبب بسيط وهو تناقضها مع الإحساس الأمومي الطبيعي ودعم الجهات الوصائية لفعلتها وخاصة أنها جهات لا تسمح بوجود رجل وامرأة على مقعد في باص، وتضع مصاعد خاصة للرجال والنساء في معظم دوائر الدولة وتمنع تنزه شاب وشابة في حديقة مما يثير الريبة أنها تتسامح وببساطة مع بقصة من هذا النوع وتدافع عنها وكأنها قصة ميرا تعاد من جديد حيث يتجند إعلاميون وجهات مانحة لاحتضان حالتها وكأني بهم يمررون فكرة هروب الفتيات من منازلهم فداء للحب طبعاً. لا يمكن التنبؤ بما قد يحصل لها فيما بعد لإسكات صوت قد يقول الحقيقة يوماً ما.

كل ذلك من أجل إنكار وجود خطف بالبلد رغم الصيحات المتتالية التي تعود في كل حين حول فقدان أثر امرأة ما والأمر هنا لا يتعلق بالنساء وحسب، ولكن أيضاً هناك شباب يُختطفون ولكن سرعان ما تظهر جثثهم في مكان ما دون أن يعرف أحد ملابسات الأمر. 

وطبعا لا تتدخل أي جهة حكومية لغاية اللحظة لتفسير وتبرير ما يحصل باعتبارها الجهة المسؤولة عن الأمن والأمان بغض النظر عن فاعلية هذا الأمر.

وتتحول القضية إلى قضية رأي عام يصمت فيه من حاول أن ينفي حوادث الاختطاف ويعلو صوت من هو متضرر من تلك الحوادث المريبة التي تصنف تحت يافطة السبي والاتجار بالبشر المحرمة دولياً وقانونياً بالوقت الذي كانت الضحية  الأخيرة موجودة ولتوصم جميع المختفيات بوصم الانفتاح والتهتك الأخلاقي وعن مسؤوليتهن الشخصية فقط في الخروج عن العائلة والأعراف لا بصفتها قضية عامة تنشأ بفترة النزاعات والحروب كوسيلة ضغط عل الجهة المهزومة أو كفكرة عقائدية جهادية تعيد إلى الأذهان ما فعلته داعش بالايزيديات التي مرت ذكرى استعبادهن من فترة وجيزة ولكن هنا في هذه الحالة التي بين أيدينا قد يخشى من الضغط الدولي من المجاهرة بالهدف منها.

حيال كل هذا لا غنى عن تفعيل دور القضاء المستقل والأهم اعتماد قوانين وضعية معترف بها دولياً وعدم الركون إلى رؤية فقهاء أو مشايخ لم يحدد إمكانيتهم الفكرية والمعرفية والاعتماد على القوانين المتعارف عليها ريثما يتم الإجماع على قوانين بديلة وتبقى الشفافية والوضوح الوضع الأمثل لمن يريد ويبغي الحقيقة كل الحقيقة.

 ما الهدف من خطف النساء في سوريا؟

 ما الهدف من خطف النساء في سوريا؟

ارتبط الشرف في مجتمعاتنا العربية بالأنثى وصار معيار شرف الرجل هو التزام الأنثى التي تصله بها رابطة الدم بما يفرضه المجتمع وعاداته وتقاليده عليها وما زالت جرائم الشرف تنتشر في مجتمعنا وتعتبر رمزاً لغسل العار،  سواء أكانت المرأة هي السبب أو حتى كانت ضحية. وتعرف جرائم الشرف حسب  هيومن راتس بأنها :” أعمال العنف التي يرتكبها أفراد الأسرة من الذكور ضد أفراد الأسرة من الإناث باعتبارهن قد جلبن العار إلى الأسرة”. ويدخل تحت هذا البند، الخروج عن إرادة الأهل في اختيار الزوج، أو عند الشك بقيامها بسلوك أو تصرف مخزي  أو تعرضها لاعتداء جنسي. وبينما انهارت مجموعة القيم الأخلاقية بالتزامن مع التدهور السياسي الحاصل،  بقي المجتمع حرفياً في مواقفه من مفهوم الشرف وكأنه يلجأ بذلك للتعويض عن  الانهيار الأخلاقي العام وارتكاب المزيد من جرائم الشرف التي يخففها القانون وغالباً ما تتم قبل التأكد من سلوك المرأة المشين بينما ينجو الرجل الشريك أو المعتدي غالباً . فكثير من النساء تم إثبات عفتهن والتي تتلخص بالمحافظة على غشاء البكارة بعد أن قتلن. كما في حادثة قتل الفتاة ليليان أبو سرحان على يد والدها في مدينة السويداء في كانون الثاني الماضي والتي أثبتت التقارير الطبية عذريتها بعد قتلها. 

وتعتبر الإهانة الكبرى لأي رجل أن يتم شتمه بنساء عائلته أو التعرض لهن بألفاظ مسيئة أو السب بالأعضاء الجنسية النسوية وقد يجر ذلك إلى جريمة حقيقية. 

ولهذا عمدت الأنظمة الديكتاتورية إلى إلصاق التهم الأخلاقية بالسجينات والناشطات السياسيات ليتم نبذهن مع أفكارهن من قبل المجتمع وإنكارهن من قبل الأهل وأقرب المقربين. يقول غياث الجندي الناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان والمستشار لدى جمعيات حقوقية دولية عن إلحاق تهمة الدعارة بالناشطات: “تلجأ إليها الأنظمة الحاكمة في دول عربية عديدة من أجل تشويه سمعة ناشطات ومعارضات، وأحيانا قتلهن، مع تحميل المسؤولية للأب أو الأخ أو الزوج، على أساس أن الجريمة كانت غسلا للعار”.

هل المقصود بخطف النساء إلحاق العار بجماعة أو طائفة معينة؟ 

قضية خطف النساء في سوريا لم يعد بالإمكان إنكارها ولا التستر عليها ورغم أنها قد تكون بدأت رغبة بالثأر، لكنها الآن تخطت ذلك، لتظهر كفعل إجرامي ممنهج ينال النساء ويندرج تحت استباحة الأعراض بعد أن تمت استباحة الحياة. بات القتل سهلاً ومبرراً كردة فعل كما حدث في جرائم الساحل والسويداء وحوادث قتل متفرقة في المدن الأخرى أو الاعتداء على أشخاص وانتهاك كراماتهم والأشياء الرمزية التي تخصهم، وترافق مع ظهور طريقة تفكير بدائية تم النكوص إليها تدعم سلوكيات من عصور سالفة وتدعو إلى الاستقواء ضد الآخر وخاصة نسائه.

يقودنا هذا كله إلى تساؤل: ألا يتعدى ما يجري من أعمال الخطف حالة الانتقام الفردي  إلى الاذلال الجماعي للنيل من مجموعة أو طائفة خاصة بعد تصوير كل امرأة تختطف على انها قد ذهبت بإرادتها أي  أنها خارجة عن المعيار الأخلاقي العام  مع ما تتعرض له من اعتداءات؟

  تدعم ذلك الأصوات التي تعج بها صفحات التواصل الاجتماعي والتي تنكر الخطف وترمي التهم على النساء وتبرير اختفائهن بعلاقات غير شرعية ويأتي ضمنها تصريح أنس عيروط عضو لجنة السلم الأهلي وهو يقسم قائلاً:” والله لا توجد أي حادثة خطف للنساء في الساحل والحادثة التي سمعنا بها كانت مزورة ومفتراة”. يبدو هذا الانكار اللامسؤول مكشوف إعلامياً واجتماعياً وهو فصام صارخ بين المسؤولية الاجتماعية والإنكار غير المثبت لما يحدث ولحقوق الضحايا من النساء المغيبات قسراً والصامتات خوفاً.

ومن هنا تبدو خطورة عمليات الخطف هذه التي تحدث دون توقف بما تحمله من إحداث شرخ جديد في النسيج السوري وهو الإذلال الموجه والإهانة بتدنيس الشرف.

 وقد يسبب هذا فقدان الثقة ورفع جدار بين الأقليات  والدولة القائمة الملزمة بحماية كل المواطنين على اختلاف انتماءاتهم  فالعائدات من الخطف كن يصرحن أن السيارة التي حملتهن لم يتم توقيفها على أي حاجز للأمن العام .وفي تقرير منظمة اللوبي النسوي السوري أن أهل إحدى الفتيات قمن بتسليم الأمن رقم هاتف المختطف الذي يتواصل مع الأهل لكن لم يسفر ذلك عن تلقي أي معلومات بشأن الفتاة . 

يتم الخطف عبر القوة أو استخدام التخدير برش مادة في وجه المرأة المقصودة حسب ما صرحت به إحدى النساء.  ويتوافق هذا مع تقرير منظمة العفو الدولية الذي يقول إن حالات الخطف تتم في وضح النهار ويقابلها التقاعس من قبل أجهزة الدولة وإلقاء اللوم على الضحايا وعائلاتهم والاتهام بالاهمال وسوء التعامل مما يدل على تجاهل منهجي للأدلة القاطعة. 

ويشير تقرير اللوبي النسوي السوري إلى مؤشرات موثوقة على أن بعض المختطفات قد تعرضن للزواج بالإكراه أو الاستغلال أو الاحتجاز في ظل ظروف تهدد السلامة والكرامة ” كما تؤكد الشهادات والأدلة الموثقة فهناك حالة تزويج لفتيات قاصرات تم اختطافهن وهناك إشارات استفهام كثيرة حول بعض القضايا (كقضية مي سلوم) مثلاً أو الفتيات اللواتي يعلن زواجهن بعد الخطف مع طلب الطلاق من أزواجهن.

 لا يمكن تفسير هذا إلا في سياق الاتجار بالنساء ومهمة السلطة القائمة إيقاف ذلك. فما يحدث يجب أن يسبب إحراجاً حقيقياً لها دولياً ومحلياً وتحدياً داخليا حقيقياً.

ومع استمرار حالات الخطف في الساحل تم مؤخراً تسجيل حالات اختطاف جماعية لنساء من السويداء وأكد ناشطون أن العدد يتجاوز ال80 ويبدو لقاء مراسل محطة تلفزيونية مع شباب مسلحين يقومون بنقل نساء درزيات في سيارتهم بدعوى الحماية فاضحاً ومريباً فالشخص الذي يقتادهن قام بتوثيق مشاركته بإعدام ميداني لمجموعة من الشباب الدروز العزل وهو ما تؤكده الناشطة سوسن أبو رسلان قائلة أن العديد من المختطفات ظهرن أمام الإعلام برفقة عناصر مسلحة ولا يعرف حتى الآن مصيرهن.

عصابات تستغل التفكك الاجتماعي 

 لا يمكن أن نتغافل عن حوادث في دمشق وحلب ففي نيسان الماضي تم خطف امرأتين في ريف حلب من قبل جماعة تعمل بتجارة المخدرات وللأسف فقد تم قتل الفتاتين من قبل أهلهما بعد الإفراج عنهما بدافع غسل العار. 

كما تم دفع الفدية في حالات خطف أخرى ولم تتم إعادة النساء مما يؤكد دخول عصابات أيضاً تعمل على استغلال الوضع لأهداف متنوعة لا أحد يعرف حدودها تبدأ من طلب الفدية إلى الاتجار بالنساء أو الأعضاء أو المخدرات.

هكذا تدفع النساء الأثمان من حياتهن ومن وجودهن الإنساني، و الموقف تجاه قضية المختطفات إنسانياً على المحك ويجب عدم الاستهانة بخطره على النسيج السوري، سواء أكان  حالات انتقامية أم أعمال عصابات تمتهن الأفعال الخارجة عن القانون، فالدفاع عن كل إنسان هو واجب السلطة والدفاع عن كل امرأة هو واجب كل شخص بغض النظر عن انتمائها الطائفي أو السياسي ولنتوقف عن الإنكار والاهتمام الحقيقي بكل قصة لأنها تمس قيمنا الإنسانية.