مروة داودي، أصول النزاع السوري: تغيّر المناخ والأمن الإنساني


مروة داودي، أصول النزاع السوري: تغيّر المناخ والأمن الإنساني


قامت نور البرزاوي بترجمة هذه المقابلة مع الدكتورة مروة داودي، والتي نُشرت باللغة الإنجليزية على موقع جدلية بتاريخ 22 نيسان 2020، حول كتابها أصول النزاع السوري: تغيّر المناخ والأمن الإنساني (منشورات جامعة كامبريدج، 2020). يُعيد موقع صالون سوريا نشر هذه المادة بالتعاون مع موقع لحلاح.

جدلية (ج): ما الذي دفعك لكتابة هذا الكتاب؟

مروة داودي (م.د): في عام 2011، أخذ الربيع العربي ثم الحراك السوري الجميع بالدهشة. وتحولت الثورة السورية إلى انتفاضة مطالبة بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. لكن سرعان ما تحولت أحلام التغيير والأمل إلى مأساة. كباحثة سورية الأصل متخصصة في الأمن البيئي وسياسات الشرق الأوسط، دفعني هذا المنعطف المفصلي في تاريخ سوريا والمنطقة الأوسع إلى تغيير بحثي ليتركز على الترابط بين تغيّر المناخ، والأمن المائي، والانتفاضة السورية.

على مدار العقود الماضية، برز مفهوم “رابطة المناخ والنزاع” وتم تطبيقه على الحالة السورية. وفق هذا المنطق، تسبب تغيّر المناخ في الجفاف بين 2006 و2010 في سوريا، مما أدى إلى فشل زراعي، تسبب بدوره في الفقر والسخط، و تتوج بالانتفاضة. معظم التحليلات التي اتخذت أساساً مناخياً كانت من علماء مناخ ومراكز تفكير أمريكية تفتقر إلى معرفة معمّقة بسوريا. ومن خلال تحدي هذا الطرح، كان هدفي الإسهام في النقاش حول سوريا من منظور داخلي.

ورغم أن الاحترار العالمي أمر واقع ويتطلب تحركاً دولياً عاجلاً، فإن تغيّر المناخ لم يكن في طليعة اهتمامات السوريين عام 2011. بل كان تركيز معظم الناس منصباً على مثل أخلاقي: إنهاء القمع والظلم الاجتماعي. وهذه قضايا أهتم بها بشدة.

ج: ما المواضيع والقضايا والأدبيات التي يتوجه لها الكتاب بشكل خاص؟

م.د: التوترات التي أشرت إليها أعلاه تبيّن الحاجة إلى إطار تحليلي منهجي. ومن هذا المنطلق، أقترح إطاراً مفاهيمياً جديداً أسميه “أمن الإنسان-البيئة-المناخ” (HECS)، لتحليل التفاعلات بين الأمن الإنساني، والأمن المناخي، والهياكل السياسية والاقتصادية. 

كما يوضح هذا الإطار بنى القوى غير المتكافئة التي تسبب أو تغذي المعاناة الإنسانية، وما يترتب على ذلك من تداعيات جمة على الأمن المناخي وتبعاته في علاقات القوى غير المتوازنة بين الشمال والجنوب العالمي، أو بين الحكومة المركزية ومواطنيها المهمّشين. في حين أن السرديات الحتمية البيئية تنزع الفاعلية عن الناس وتضعها في يد تطورات خارجية، فإن هذا الكتاب يعيد لهم صوتهم.

هذا الإطار، أمن الإنسان-البيئة-المناخ (HECS)، يبني على رؤية نقدية للأمن البيئي ليتحدى الافتراضات الأساسية لفرضية ارتباط المناخ بالنزاع، من خلال إدخال عوامل اقتصادية وسياسية-اجتماعية تتفاعل مع التغيرات في الموارد. كما يسعى لتجاوز السرديات الحتمية والتحيّزات الاستشراقية حول مخاطر النمو السكاني، والتنقل، والندرة الناتجة عن الطلب، واستنزاف الموارد، وما يصاحبها من انعدام الأمن، وهي كلها أنماط تعكس الانقسام بين المركز والهامش وبين الشمال والجنوب. أُحدّد في هذا البحث المحركات الأيديولوجية والسياساتية لانعدام الأمن الإنساني في سوريا وتأثيره على أمن المياه والغذاء. ومن خلال الاعتماد على مصادر رسمية أولية، ونقاشات بين خبراء على المستوى المحلي، ومقابلات مع خبراء ونشطاء ولاجئين سوريين في لبنان وتركيا، أستعرض كيف ساهمت القرارات السياسات للحكومة في عهد حافظ الأسد وبشار الأسد في تفاقم هشاشة سكان الأرياف في العقود التي سبقت الانتفاضة. ويخلص الكتاب إلى أن العوامل السياسية كانت أكثر تأثيراً من الجفاف الناتج عن تغيّر المناخ في التحضير لأحداث 2011. ويمكن تعميم هذا المنظور على سياقات أخرى في الجنوب العالمي.

يبدأ الكتاب بمناقشة تأطير تغيّر المناخ كقضية أمنية، ويتناول الجدل الأكاديمي حول الأمن المناخي، وأمن الإنسان، والمياه، والغذاء، والهجرة الناتجة عن تغيّر المناخ. وتوضح الأجزاء الأولى كيف وسّعت الدراسات الأمنية النقدية مفهوم الأمن التقليدي ليشمل رؤى غير غربية. كما تكشف التفاوتات الهيكلية في توزيع السلطة والموارد دور الدول كمصدر لانعدام الأمن. وتُظهر أن نقاشات التحديث والتنمية لا تزال تجتهد في مفهوم الأمن الغذائي، الذي تطوّر ليشمل توفر الغذاء، والقدرة على تحمل التكاليف، والحاجات الأساسية، وبرامج الاستحقاق. ومع ذلك، لم تُثبت هذه الأدبيات بشكل قاطع الروابط بين تغيّر المناخ، وانعدام الأمن الغذائي، والهجرة، والنزاعات.

من خلال تقييم تاريخي لسياسات المياه في سوريا والشرق الأوسط، أُقدّم رؤية عن الأعراف الثقافية والمؤسسية حول المياه على مدى الألفيات السابقة. فقد استندت سوريا حديثة الاستقلال في أربعينات القرن الماضي إلى تشريعات المياه المستمدة من الشريعة الإسلامية، وقانون المجلة العثماني، وقانون المياه الفرنسي، والتي تميزت بتعزيز مبادئ الأمن المائي والبيئي. هذه النظرة التاريخية تشرح كيف باتت المعايير الإسلامية المتمثلة في العدالة الاجتماعية، والاستدامة، والمسؤولية في استخدام المياه تُعتبر ممارسات مثالية إلى الآن.

أُبيّن أيضًا كيف بلورت الأيديولوجيا وسياسات محددة الانعدام في الأمن الإنساني للفئات الضعيفة في سوريا، وساهمت في تعزيز الفقر، والبطالة،والتهميش، وفشل التنمية المستدامة. ويتتبع البحث القرارات السياسية المفصلية في تاريخ سوريا، من “العقد الريفي”، إلى “تجميع الأراضي الزراعية”، إلى سياسات زيادة إنتاج الغذاء. ومع الوقت، أصبح “الفلاح” رمزاً لأيديولوجيا البعث الجديدة، وطريقاً نحو الازدهار والشرعية.

وقد حسّنت الإصلاحات الزراعية ظروف المعيشة في الريف، لكنها جاءت على حساب استدامة استخدام المياه، حيث أدى التوسع في الري واسع النطاق إلى استنزاف المياه الجوفية وتدهور جودة التربة، مما أدى في النهاية إلى انعدام الأمن الإنساني بصيغة نزاعات على ملكية الأراضي وتهجير السكان. كما ترتبت على ذلك تكاليف اجتماعية، فقد استُبعد الأكراد السوريون من ثمار التوسع الزراعي من خلال سياسة “الحزام العربي” في النصف الثاني من القرن العشرين. كما أدت تفضيلات حزب البعث إلى تطبيق دعم على المياه والغذاء والوقود، مما أخلّ بأسعار السوق.

بدأ تفكيك التجميع الزراعي مبكراً في عهد حافظ الأسد، لكنه تسارع مع تولّي ابنه بشار الحكم في عام 2000. وهدفت السياسات الليبرالية في السبعينيات والتسعينيات إلى تعزيز دور القطاع الخاص، بما في ذلك في تقديم خدمات الرعاية الاجتماعية. وفي عام 2005، حدث تحول أيديولوجي كبير مع إدخال “اقتصاد السوق الاجتماعي”، في محاولة لمحاكاة النموذج الألماني بعد الحرب العالمية الثانية. وفي عهد بشار الأسد،سعى النظام إلى كسب دعم رجال الأعمال في المدن والمنظمات النيوليبرالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، من خلال خفض الدعم على الغذاء والوقود وإزالة شبكات الأمان للفلاحين. وقد تزامنت هذه السياسات مع موجة جفاف شديدة تاريخياً في عام 2006.

يُظهر التحليل الطولي للمؤشرات الأساسية بين عامي 1998–2001 (“الجفاف 1”) و2006–2010 (“الجفاف 2”) وجود ترابط واضح للهشاشة في ثلاث محافظات: الحسكة، ودير الزور، والرقة، حيث كانت مستويات الفقر والبطالة (خصوصاً في الزراعة) والاعتماد على القطاع الزراعي مرتفعة أصلاً. وقد زادت هذه الديناميكيات من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وأدت إلى اتساع الفجوة بين الريف والمدينة. وكانت الهجرة والفساد من أبرز مصادر انعدام الأمن الإنساني. وبحلول عام 2010، بات واضحاً أن الإصلاحات النيوليبرالية لم تحقق النجاح المنشود.

ج: كيف يرتبط هذا الكتاب بعملك السابق، أو كيف يختلف عنه؟


م.د: هذه الدراسة امتداد طبيعي لعملي متعدد التخصصات السابق في العلاقات الدولية وسياسات المياه. ركّز بحثي على تقاطع السياسة والاقتصاد والقانون في مسألة تقاسم المياه ومصادر القوة للدول في أحواض الأنهار الدولية.

لقد ساهمت في ظهور دراسات “الهيمنة المائية” (hydro hegemony). استكشف في كتابي الأول “الانقسام المائي بين سوريا وتركيا والعراق: التفاوض، الأمن، وعدم تكافؤ القوى“(2005) كيف تعكس اتفاقيات تقاسم المياه اختلالات القوة والفروقات الأمنية بين الدول المتشاطئة المتنافسة. جمعتُ فيه بين نظرية التفاوض ونظرية القوة لتوضيح أشكال القوة المختلفة والاستراتيجيات التي يستخدمها كل طرف.

وفي منشورات أخرى، طوّرت هذا التحليل لديناميكيات القوة وساهمت في تحليل القانون الدولي للمياه من خلال دراسة الخطابات القانونية ومواقف الأطراف الشرق أوسطية أثناء مفاوضات الدول وعملية تدوين اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، ضمن لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة. وبناءً على هذا البرنامج البحثي، كتبتُ أيضاً عن دور تقاسم المياه في مفاوضات السلام الدولية، وخصوصًا بين سوريا وإسرائيل. ومؤخراً، طبّقت نظرية العلاقات الدولية، وخصوصًا البنائية الواقعية، لشرح الانهيار في العلاقات بين تركيا وسوريا بعد عام 2011.

ج: من تأملين أن يقرأ هذا الكتاب؟ وما التأثير الذي تأملين أن يُحدثه؟


م.د: هذا الكتاب لديه القدرة على الوصول إلى جمهور أوسع، من بينهم أكاديميون من تخصصات مختلفة مثل محللي المناخ الذين يعملون على قضايا النزاع المرتبطة بالمناخ، ومؤرخون، بالإضافة إلى باحثين وطلاب مهتمين بالعلاقات الدولية، والبيئة، ودراسات الأمن، ومنطقة الشرق الأوسط، فضلًا عن صناع السياسات وجمهور مطلع يهتم بتغيّر المناخ أو الصراع السوري أو كليهما.

في وقت أصبحت فيه سوريا تتلاشى من المشهد العام، آمل أن يعيد بحثي تركيز الاهتمام الأكاديمي والسياسي على انعدام الأمن الإنساني المستمر فيها. فبدلاً من بناء القدرة الذاتية على التكيّف، فإن مرحلة “إعادة الإعمار” ما بعد الحرب تمهّد لتعزيز “صمود النظام” على أساس التفاوتات البنيوية، بينما تزيد من هشاشة السكان، خصوصاً اللاجئين الذين يُجبرون على العودة إلى بلادهم في ظروف غير آمنة. أزمة كوفيد-19 الحالية، إضافة إلى آثارها القاتلة، فإن لها تبعات اجتماعية واقتصادية بعيدة المدى عليهم.

ج: ما هي المشاريع الأخرى التي تعملين عليها حالياً؟


م.د: تركيزي الجديد يتمحور حول أمن الأفراد مقابل أمن الدول، مع دراسة التفاعلات على المستوى ما دون الوطني في قضايا الهوية، والأمن الغذائي، والنزوح الناتج عن النزاعات والمناخ. أعمل على تحويل التركيز من مصالح الدول الإقليمية والدولية إلى دراسات الأمن النقدي، وتحديداً “المدرسة الويلزية” التي تركز على التحرّر. ومن خلال إعطاء الأولوية للمهمّشين والمحرومين، يمكن أن يكشف التركيز على هذه القضايا الخطابات والممارسات التي تشكّل فهمنا لما يعنيه أن تكون (غير) آمن. ولهذا الغرض، أود تطوير مقارنات عبر أقاليم مختلفة تشمل بعض الدول الإفريقية لتعميم نتائج بحثي.

ج: إلى من تهدين هذا الكتاب؟


م.د: إلى ابنتي، وكل أطفال سوريا.

مقتطف من الكتاب

الفصل الأول: تغيّر المناخ والثورة السورية

“الحقائق المناخية ليست حقائق بحد ذاتها؛ فهي تكتسب أهميتها فقط في سياق إعادة هيكلة البيئة ضمن أنظمة الإنتاج المختلفة.”


— رولاندو غارسيا، الطبيعة بريئة: قضية التاريخ 1972، 1981

“أكتشف الآن فقط، ونحن نتحدث، هذا الطرح القائل إن ثورتنا كانت نتيجة تغيّر المناخ، ولا أفهم الغرض ولا السياق من مثل هذا الادعاء. الأشخاص الذين يطرحون مثل هذه التفسيرات لا بد أنهم يجهلون وضعنا وتاريخنا.”


— من نقاش شخصي مع ياسين الحاج صالح، كاتب سوري بارز ومعارض سياسي، إسطنبول، 18 تموز 2016

نحن على ما نحن عليه اليوم بسبب تغيرات مناخية حدثت في الماضي. فقد جادل عالم الإنسان القديم إيف كوبانز، مكتشف الهيكل العظمي لشبيه الإنسان الأسترالي “لوسي” في إثيوبيا عام 1974، في مذكراته المنشورة مؤخراً بأن جنسنا البشري نشأ نتيجة تغير مناخي سابق. وبسبب اضطرار الأنواع إلى النجاة مع ظروف أكثر جفافاً، طورت الحيوانات، بما فيها البشر، سمات فيزيولوجية جديدة مثل الأنياب أو شكل الأرجل، بعضها أدى في النهاية إلى ظهور الإنسان العاقل. وكما أن أجسادنا نتاج تغيرات مناخية سابقة، كذلك هي الهياكل الاجتماعية المعاصرة […].

حازت نظرية المجتمعات تتشكل وفق مناخها على شعبية في القرن التاسع عشر من قبل الداروينيين الاجتماعيين الذين سعوا لتبرير الاستعمار الأوروبي من خلال الادعاء بأن التفوق الطبيعي للمجتمعات الأوروبية نابع من مناخ القارة وجغرافيتها. وزعم المستعمرون أن البيئة تحدد التطور الاجتماعي والثقافي لأي بلد، مما أدى إلى سرديات حول التفوّق الحتمي والمبكر لأوروبا والتأخر المزعوم لأفريقيا والشرق الأوسط. ووفقاً لهذه النظريات عن الطابع الجغرافي، فإن المناخ المعتدل والقرب من البحار منح المجتمعات قوة، في حين أن الجفاف والموقع الداخلي للدول جعلاها عرضة للهيمنة العسكرية والسياسية والثقافية. يخفى هذا الحتم البيئي مسؤوليات الإمبراطوريات الاستعمارية في إدارة الكوارث مثل المجاعات. ففي كتابه المهم “مجازر العصر الفيكتوري المتأخر”، يشير مايك ديفيس (2001) إلى أن المجاعات الكبرى في الهند البريطانية،والصين، والبرازيل، وإثيوبيا، وكوريا، وفيتنام، والفلبين، وكاليدونيا الجديدة أواخر القرن التاسع عشر لم تكن نتيجة الجفاف فقط، بل أيضًا نتيجة سياسات استعمارية سيئة والاقتصاد السياسي الدولي […] الحكم الاستعماري أضعف البنى التحتية وزاد الفساد، إضافة إلى التلاعب بأسعار المحاصيل […]

ومثلما شُكّل البشر بالبيئة، فقد شكّل البشر البيئة أيضًا، منذ نشوء الزراعة وحتى الثورة الصناعية. ورغم أن المناخ يتغيّر ويتطور بشكل طبيعي دائمًا، فإن الأنشطة البشرية أثّرت على المناخات العالمية والإقليمية والمحلية. فمنذ حوالي عام 1800، بدأت انبعاثات الغازات الدفيئة من الأنشطة البشرية – بشكل أساسي من حرق الوقود الأحفوري، بإحداث تغيّرات مناخية أدّت إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة عالمياً. ومنذ “التسارع الكبير” في خمسينيات القرن الماضي، باتت هذه التغيّرات تحدث بوتيرة غير مسبوقة ومقلقة […]

ورغم الإجماع العلمي لعقود حول أثر الإنسان على البيئة، لا تزال طبيعة هذا الأثر ومداه أقل حتمية. […] ومع أن آثار تغيّر المناخ سوف تؤثر عالمياً، إلا أن أشدّها وطأة ستكون على الدول النامية والجنوب العالمي.

I. من تغيّر المناخ إلى أمن المناخ

خلال العقود الثلاثة الأخيرة، خاض الباحثون وصنّاع السياسات في الولايات المتحدة وأوروبا نقاشاً مطولاً حول ما إذا كان يمكن ربط تغيّر المناخ بالنزاعات العنيفة، وطُور خطاب “النزاع المناخي” مشابه لسيناريو “حروب المياه” الذي شاع في التسعينات. يركز هذا الخطاب، ضمن نقاشات أمن المناخ، على المخاطر التي يشكلها تغيّر المناخ على الحياة البشرية والبيئية، خصوصًا عبر التهديدات التي يخلقها الجفاف والمجاعة في المناطق الهشّة في العالم. […] لذلك فإن “التهديدات” المرتبطة بالتغيرات المناخية تشرعن إدماج الفاعلين الأمنيين لباحثي المناخ والممارسين ضمن مجالهم.

[…]

قد تبنّى طيف واسع من الأصوات، من سياسيين بارزين إلى رجال إعلام، مروّجين لسردية “رابطة المناخ والنزاع”. […] هذه السرديات تقدم تصوّرات دراماتيكية وتنبؤات كارثية عن انهيار اجتماعي واسع نتيجة النزاع المتسبب به المناخ، مما أدى إلى ظهور خطاب جديد يُعرف بـ”علم الانهيار” (collapsology)، وهو مصطلح صاغه الباحثان الفرنسيان بابلو سيرفين ورافائيل ستيفنز عام 2015 إشارة إلى الانهيار العام للمجتمعات بفعل تغير المناخ، وندرة المصادر، الانقراضات الواسعة، والكوارث الطبيعية. […] استخدمت سرديات الانهيار بهدف تحفيز العمل المناخي من خلال الخوف كعامل محفز، إلا أن الاستجابة المتوقعة لم تحدث فعلياً.

وقد تباينت ردود الفعل على هذا الخطاب. تبنّاه بعض الباحثين، بينما استخدمه آخرون كفرصة لانتقاد أنماط الإنتاج أو التوزيع الرأسمالية أو للعلاقة بين الناس وبين بيئتهم. على سبيل المثال، فقد اقترح الفيلسوف وعالم الاجتماع برونو لاتور نموذجًا جديدًا للفاعلية المشتركة بين الطبيعة والمجتمع في عصر الأنثروبوسين، بدلاً من النماذج التقليدية التي  تعطي كل الفعالية إما للطبيعة أو للإنسان في فصل واضح بين الفاعل والمفعول به. في المقابل، يرى المتفائلون بالمناخ أن قدرة الإنسان على التكيّف قادرة على مجاراة حجم التهديدات البيئية وبذلك يمكننا الاستجابة الفاعلة للتغير المناخي. أشار ستيفن بينكر (2018)، الباحث في علم النفس الذهني والمتدرب في اللسانيات، إلى أن التقدم البشري الكبير في مستويات المعيشة خلال الـ250 سنة الماضية دليل على قدرة البشر على مواجهة التحديات المناخية.

ورغم هذه الاختلافات، هناك إجماع على أن تغيّر المناخ واقع، ويتطلب تحركاً عالمياً عاجلاً. لكن تبقى التساؤلات: هل علينا “أمننة” تغيّر المناخ(أي تأطيره كقضية أمنية) لرفع الوعي وتحفيز العمل؟ يرى البعض أن الجواب هو لا. […] ذلك أن مثل هذه السرديات قد تُستخدم لتبرير إجراءات قمعية تحدّ من حركة البشر داخلياً ودولياً، وتغذي تصورات تلوم “المهاجرين البيئيين” بدلاً من تحميل الأنظمة الاستبدادية مسؤولية الاضطرابات الاجتماعية والسياسية. كما أن توظيف سردية رابطة المناخ والنزاع يجعل من الحكومات المستقلة، خصوصاً في الجنوب العالمي، مجرّد أطراف سلبية وضحايا للطبيعة، بدلاً من فاعلين سياسيين لديهم القدرة والإرادة لوضع سياسات تعالج عدم الاستقرار المناخي.

إن الخلط بين تغيّر المناخ والنزاع قد يُخفي المحركات الحقيقية للنزاع […] وهو ما يبدو جلياً حين تكون سياسات الحكومات نفسها سبباً مباشراً للنزاع والاضطراب، كما في الحالة السورية.

II. من الأمن المناخي العالمي إلى الربيع العربي والثورة السورية

عندما عُثر على الطفل أيلان — الذي سافر مع عائلته بالقارب من سوريا — ميتاً على أحد الشواطئ التركية وانتشرت صورته على نطاق واسع، أعلنت صحيفة المراقب الوطني الكندي: “هكذا يبدو اللاجئ المناخي.” 
لم تكن فكرة أن النزاع السوري نتاج لتغير المناخ جديدة أو هامشية. ففي الفيلم الوثائقي قبل الطوفان (2016) من إنتاج ليوناردو دي كابريو، ربط الرئيس أوباما بين الجفاف والاضطرابات المدنية في سوريا، وهو رأي ردده لاحقاً الأمير تشارلز في مقابلة أجريت معه قبل انطلاق مؤتمر المناخ العالمي (COP21) في باريس. وقد طُبِّق السرد حول النزاع المفتعل بالمناخ في سنوات سابقة على أزمة دارفور، حيث نُشر مقال رأي في مجلة ذا أتلانتيك عام 2007 عدّ فيه تغير المناخ أحد “الأسباب الحقيقية” للنزاع، وسرعان ما تبنّى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون هذا الادعاء في تصريحه حول “المذنب الحقيقي في دارفور”.

لكن في عام 2011، لم يكن تغيّر المناخ في طليعة اهتمامات الناس في الشوارع، سواء في سوريا أو في أنحاء العالم العربي. بل كان تركيز معظمهم منصباً على مثلٍ أخلاقي: إنهاء القمع والظلم. 
وقد أثارت الاضطرابات في مصر وتونس مطلع عام 2011 حالة من الغليان في مناطق أخرى من العالم العربي، من بينها سوريا. ففي 18 آذار/مارس 2011، خرج أهالي درعا جنوب غرب سوريا بأعداد كبيرة للاحتجاج على تعذيب أطفال المدارس على يد أجهزة الأمن. وكان قد سبق ذلك اعتصامات في 15 آذار/مارس في العاصمة دمشق تضامناً مع الثورتين المصرية والتونسية […] شهدت البلاد احتجاجات شعبية بنطاق غير مسبوق، وردّ النظام باستراتيجية بقاء قائمة على القمع الوحشي والتهديد بالفوضى والحرب الأهلية.
 حوّل النشطاء والمثقفون وأفراد المجتمع هذه التعبئة الأولية إلى انتفاضة وطنية أُطلق عليها اسم “الثورة السورية.” 
لكن سريعاً ما تحولت أحلام التغيير والأمل إلى مأساة، مع انزلاق البلاد من تظاهرات سلمية ونشاط شبابي إلى تمرد مسلح، ومضاد، فحرب أهلية، ثم إلى ساحة صراع إقليمية بالوكالة. وقد ساهم التدخل العسكري لقوى أجنبية مثل الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا، والدعم المالي من دول الخليج العربي لفصائل إسلامية مسلّحة على الأرض، في تحويل الحراك الشعبي الأولي إلى نزاع دولي.

وفي موازاة ذلك، شكّل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وما تبعه من سيطرته وخسارته لأجزاء واسعة من الأراضي والبنى التحتية في سوريا بين عامي 2014 و2019 طبقة جيوسياسية إضافية تعقّد النزاع السوري.

سياسة مالية جديدة في سوريا من أجل البقاء في السلطة

سياسة مالية جديدة في سوريا من أجل البقاء في السلطة

أقرت الإدارة السورية المؤقتة عبر قنواتها الاقتصادية السيادية وعلى رأسها المصرف المركزي اعتماد سياسة نقدية جديدة من شأنها بحسب المخطط المعلن أن تعالج ما أمكن من الخضّات المالية التي عانت وتعاني منها سوريا. ووفقاً لهذه السياسة سيتم استبدال الكتلة النقدية المتداولة بين أيدي الناس اليوم بفئات أخرى يحذف منها صفران، لتصبح الألف على سبيل المثال عشر ليرات، والمئة تصير ليرة واحدة. وهذا الإجراء ليس حكراً على بلد كسوريا، فقد سبقتها دول كثيرة، ومنها تركيا وفنزويلا، لاتباع هكذا سياسة تحت تأثير التضخم والمشاكل الاقتصادية. بعضها نجح في مخططه وأنقذ عملته، وبعضها الآخر كرّس مشكلة التضخم وانتقل من كارثة اقتصادية لأخرى أكثر فداحةً، كبعض الدول في إفريقيا.

آلية الاعتماد النقدي

سوريا اليوم تنوي طباعة ست فئات جديدة من العملة، ومن أجل ذلك ستشكل لجنتين استراتيجية وتشغيلية لمتابعة الملف، وقد حصلنا على معلومات موثّقة من المصرف المركزي بأنّ العملة الجديدة سيصعب تزويرها ضمن موثوقية حماية أمنية عليا، ولن تحوي على صور أشخاص، وسيتم اعتماد طباعتها لدى جهات “موثوقة.” ووفقاً لمصدر المعلومات من داخل المصرف إنّ الطباعة بهذا الشكل ستهدف إلى تخفيف معاناة المواطنين من التعامل مع كميات كبيرة من الأموال المنقولة سواء لشراء الاحتياجات اليومية ولأغراض البيع والشراء العامة. ولن يؤثر هذا الإجراء النقدي بأي شكل حقيقي على قيمة الليرة ذاتها وقوتها الشرائية، فالمليون هي المليون، ولكن بفارق التسمية وتعداد الأصفار. وباختصار فإن استبدال الكتلة النقدية لا يعني زيادتها في التداول والأسواق، بل يعني فقط تبديل ما هو متداول حالياً. فعلى سبيل المثال، مبلغ مئة ألف ليرة سورية اليوم يعادل نحو 10 دولارات أمريكية، وعند التداول قد يكون عبارة عن رزمة من مئتي ورقة من فئة 500 ليرة، أو مئة ورقة من فئة ألف ليرة، أو 50 ورقة من فئة ألفي ليرة، ومن هنا جاءت سياسة حذف الأصفار لتسهيل التعامل اليومي المباشر.

المراحل الثلاث

وحول طرح العملة الجديدة “الليرة” فإنّ ذلك سيكون على ثلاث مراحل، تبدأ بتداول تدريجي إلى جانب الفئات الحالية المتداولة، ثم سحب الفئات المتداولة سابقة، ومن ثمّ حصر التبديل عبر المصرف المركزي، بالتزامن مع حملات توعية إعلامية واقتصادية لأهمية الخطوة المتخذة وتبعاتها والتي يفترض أن يبدأ تطبيقها قريباً، (من المتوقع أن يكون ذلك مع حلول الذكرى الأولى لانتصار الثورة في الثامن من ديسمبر القادم).

ورغم ذلك ثمّة ما هو أهم بكثير من العملية تلك كلّها، وهي الأشياء التي يحاول المسؤولون عدم تبنيها أو الإعلان عنها بشكل مباشر والتركيز عليها وهذا جانب أساسي من المصداقية، وهنا يجب التوقف عند الجملة التي قيلت لنا في “المصرف المركزي” وهي إنّ الطباعة ستتم عند جهات “موثوقة،” فمن هي تلك الجهات، وما هو رأي الخبراء والأكاديميين بذلك؟

مجازفة استراتيجية

بات من المؤكد أنّ سلطات دمشق ستطبع العملة الجديدة لدى شركة “غوزناك” الروسية، فإذا اتجهت السلطة الانتقالية فعلاً إلى إعادة طباعة العملة السورية في روسيا عبر تلك الشركة المملوكة للدولة الروسية، فإنّ هذه الخطوة تعتبر انزلاقاً خطيراً، ليس بسبب دلالات الانفتاح على موسكو، فهذا موضوع له سياق آخر ومحددات مختلفة، لكن الأمر يتعلق بالشركة الروسية نفسها، فـ “غوزناك” واقعة تحت العقوبات الأمريكية، وسجلّها مثقل بالتورط في طباعة مليارات من الأوراق النقدية لصالح سلطات الشرق الليبي، وقد أُثير حولها الكثير من الجدل لاعتبارها أقرب إلى عملة موازية تفتقر إلى الشرعية، بحسب متخصصين.

كما أنّ الانعكاس السياسي لهذه الخطوة سيكون بالغ الخطورة، إذ ستعزز صورة السلطة الانتقالية ككيان يفتقر إلى رؤية اقتصادية متكاملة، وتضعها في مواجهة اعتراضات دولية وربما إجراءات عقابية جديدة، بحكم تعاملها مع مؤسسة خاضعة للعقوبات الأمريكية. وبدلاً من أن تشكّل لحظة بناء للثقة، ستُقرأ هذه الخطوة كإعادة إنتاج لآليات سلطات الأمر الواقع، ما يضعف موقع السلطة الانتقالية في الداخل والخارج.

مخاوف اقتصادية

طباعة العملة بحسب مصرفيين وأكاديميين تحدثنا معهم بتلك الطريقة وما سيترتب عليها من آثار وأضرار قد يدل على عدم نضوج اقتصادي يتيح للدولة الوليدة التحرك ضمنه. يشرح الباحث الأكاديمي الدكتور مالك الحافظ بصورة مفندة آليات التحرك الاقتصادي الذي ستقدم عليه السلطات السورية بادئاً من موضوع طباعة العملات في روسيا إذ يرى أنّ بحث السلطة الانتقالية عن حل سريع لأزمة فقدان الثقة بالعملة الوطنية، وعن محاولة إعادة تقديم “رمز نقدي” يوحي بوجود سياسة نقدية جديدة. لكن في الجوهر، لا جدوى حقيقية من هذه الطباعة إذا لم تُرفَق بخطة اقتصادية شاملة، لأنها لن تعالج أصل الأزمة المتمثل في التضخم، والانهيار المالي، وتآكل الثقة بالسوق. ويكمل: “بالتالي فإنّ جدوى طباعة عملة جديدة عبر شركة روسية ليست في جوهرها اقتصادية بحتة، فهي انعكاس لأزمة سلطة انتقالية تبحث عن أدوات سريعة تمنحها مظهراً بأنها تتحكم بالمشهد المالي. فالطباعة هنا تُقاس بكونها محاولة لإظهار أن السلطة قادرة على إنتاج نقد جديد وإدارة دورة المال، حتى لو كان ذلك في إطار هشّ ومن دون قاعدة اقتصادية صلبة. في الواقع، ما يُقرأ من هذه الخطوة أن السلطة تعطي أولوية للرمزية السياسية أكثر من المعالجة الاقتصادية، إذ تريد أن تُثبت أنها تمسك بزمام الملفات السيادية الكبرى، ولو شكلياً، وأنها ليست مجرد إدارة مؤقتة بلا أدوات”. وفيما يتعلق يحذف الأصفار يضيف الدكتور مالك الحافظ: “هذا الإجراء يهدف بالأساس إلى إعادة صياغة صورة العملة في وعي الناس، أي تقديم نسخة (مبسطة) توحي بالاستقرار وتُسهل التعاملات اليومية. لكنه لا يحل أصل المشكلة، فالقدرة الشرائية لن تتغير، والتضخم لن يتوقف. الأصفار يمكن أن تعود سريعاً إذا لم يكن هناك انضباط مالي وإطار اقتصادي متماسك. لذلك، يمكن القول إن جدوى حذف الأصفار محصورة في الجانب النفسي والتواصلي، لكنه في غياب رؤية أوسع سيُقرأ كإعلان غير مباشر عن فشل العملة السابقة، أكثر مما سيُقرأ كخطوة إصلاحية”.

الانعكاس المباشر

وحول انعكاس أمر الطباعة الجديدة على سوريا يرى الباحث مالك الحافظ أنّ الانعكاسات الاقتصادية لطباعة عملة جديدة في هذه المرحلة لن تكون حيادية، بل ستكشف سريعاً عن هشاشة البنية المالية والاقتصادية. في المدى القصير قد تُضخ سيولة في السوق وتُسهَّل التعاملات النقدية، ما يعطي انطباعاً أولياً بوجود قدرة على ضبط المشهد المالي. ويحذر: “لكن هذا الانطباع سرعان ما سيتبدد إذا لم يكن هناك إطار استقرار نقدي يحدد حجم الكتلة الجديدة ويضبط مسار العجز والإنفاق. فالعملة لا تكتسب قيمتها من الورق المطبوع وإنما من الثقة بالاقتصاد وبقدرة السلطة على إدارة التوازن بين الإيرادات والنفقات. إذا تم طبع العملة من دون ضوابط أو من دون وجود خطة لتعقيم السيولة الزائدة، فإن النتيجة الطبيعية ستكون تضخماً متسارعاً وانهياراً إضافياً في سعر الصرف”. 

ويوضح الحافظ المخاطر المحتملة: “من المرجح أن تؤدي هذه الخطوة، إذا جاءت منفردة ومن دون إصلاحات موازية، إلى تسارع التضخم وتراجع قيمة العملة مقابل العملات الأجنبية. وحين يفقد الناس الثقة بالنقد الوطني، يتوسع اللجوء إلى بدائل كالعملة الصعبة أو حتى المقايضة، وهو ما يضعف دور الدولة في إدارة الدورة الاقتصادية. الأخطر أن الأسواق قد تفسر الطباعة الجديدة كدليل على عجز السلطة الانتقالية عن تأمين موارد حقيقية، ما يعمّق الشكوك ويزيد من حالة الهروب نحو الدولار. بمعنى آخر، الأثر الفعلي لهذه الخطوة سيكون تعزيز صورة أزمة الاقتصاد السوري لا التخفيف منها، لأن الطباعة ستبدو أشبه بمحاولة إسعاف شكلي لمرض مزمن، بينما الواقع يتطلب خطة اقتصادية متكاملة تعالج جذور التدهور وتعيد بناء الثقة قبل أي حديث عن إصدار نقد جديد”.

بين الطباعة لسوريا وليبيا

يعتقد الحافظ أنّ التعامل مع شركة روسية خاضعة لعقوبات دولية يفتح الباب على أزمة أكبر من مجرد طباعة نقد. فهو يضع العملة الجديدة، منذ لحظة صدورها، في موقع الشبهة أمام الأسواق الدولية والمؤسسات المالية. السلطة الانتقالية، التي تعاني أصلاً من نقص الشرعية ومن ضعف الثقة، ستجد نفسها متهمة بأنها اختارت طريقاً محفوفاً بالمخاطر يعرّضها لعقوبات إضافية، أو على الأقل لعزلة مالية أشد. هنا لا يعود النقاش حول جودة الورق أو تصميم العملة، بل حول شرعية الإصدار نفسه، وما إذا كان سيُعامل كعملة وطنية معترف بها أم كأداة نقدية مرتبطة بكيان مؤقت يخالف قواعد الامتثال المالي العالمي.  وحول هذه النقطة يوضح الدكتور مالك الحافظ أنّه: “إذا نظرنا إلى تجربة ليبيا، فإن المثال يوضح خطورة الانزلاق. طباعة عملة عبر “غوزناك” هناك لم تساهم في حل الأزمة، بل خلقت ازدواجية نقدية وأثارت نزاعات حول شرعية الأوراق المتداولة. السوق الليبي تعامل مع النقد الجديد كأداة لتكريس الانقسام، وأصبح الاقتصاد أكثر تشتتاً، فيما تراجعت قدرة أي طرف على فرض سياسة نقدية موحدة. إعادة إنتاج هذا السيناريو في سوريا تعني عملياً أن العملة الوطنية ستفقد ما تبقى لها من رمزية”.

الموقف الدولي

تباينت آراء أكثر من متخصص في العلوم الاقتصادية حول طباعة عملة جديدة، البعض أشاد بالفكرة إن تمّ تطبيقها وفق رؤية مسبقة حقيقية وقائمة على نواة علمية ثابتة لضمان عدم تكرار هفوات وأخطاء وتجارب دول أخرى كانت تظن أنّ الخلاص بحذف الأصفار، لتجد أنفسها محتاجة ملايين الملايين من جديد لشراء قطعة بسكويت. فيما قال اقتصاديون آخرون إنّ شؤوناً من هذا النوع هي سيادية خالصة ولا تحتمل التأويل والتجريب والاعتماد على نصائح غير الخبراء، ومن بين أصحاب هذا الرأي المتخصص في العلوم المصرفية أحمد سويفان، إذ يرى المعاجلة في طرق الباب الروسي تعطي انطباعاً عن عدم التمكن من الوصول إلى دولٍ أخرى. فبالعموم اختيار شركة معاقبة من أصل شركات عديدة هو بمثابة رسالة انتحار للخارج الذي كان يراقب بهدوء السلطات الجديدة.

من خيار اقتصادي إلى عبء دبلوماسي

يمكن الاستخلاص إلى أنّ إقدام السلطة الانتقالية على طباعة عملة جديدة في روسيا، خصوصاً عبر مؤسسة معاقبة، سيضعف صورتها الرسمية على أكثر من مستوى. على الصعيد البروتوكولي، ستبدو كحكومة عاجزة عن الوصول إلى شركاء محايدين أو مقبولين دولياً، الأمر الذي يضعها في خانة “سلطة أمر واقع” أكثر من كونها سلطة انتقالية مسؤولة عن إعادة بناء الثقة مع الخارج. هذه الخطوة سترسل إشارة سلبية إلى العواصم الكبرى وإلى المؤسسات المالية الدولية مفادها أن الحكومة السورية المؤقتة لا تملك القدرة على احترام قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية، وأنها مستعدة للجوء إلى أي مسار، حتى لو كلّفها ذلك عزلتها.

أما على الصعيد المالي، فإن هذا الخيار يضعف احتمالات أي تعاون مستقبلي مع بنوك دولية أو مانحين، لأن التعامل مع عملة مطبوعة لدى جهة معاقبة سيجعلها غير مرغوبة في أنظمة الدفع العالمية، ما يعرقل أي عملية إعادة إدماج لسوريا في النظام المالي الدولي. وفي الداخل، ستظهر السلطة الانتقالية ككيان يفتقر إلى الرؤية الاقتصادية الرشيدة، ما يعزز الانطباع بأنها لا تدير مرحلة انتقالية من أجل الإصلاح، بل من أجل البقاء السياسي. النتيجة النهائية ستكون إضعاف موقع سوريا الرسمي في علاقاتها مع العالم، وتحويل خطوة كان يُفترض أن تكون إدارية إلى عبء دبلوماسي ومالي جديد.

نحو انبعاث اسم سوريا من غياهبه التاريخيّة

نحو انبعاث اسم سوريا من غياهبه التاريخيّة

استخدم المؤرخ اليوناني هيرودوت (484-425 ق.م) في كتابه “التاريخ”، بشكل متكرر، اسم (“سوريا=Συρία=تنطق باليونانية سيريّا”) للإشارة إلى منطقة تشمل مساحة أوسع مما يُفهم عادةً على أنه سوريا اليوم، إذ كانت تمتدّ مِنَ الشَّمال من نهر هاليس الذي قال عنه هيرودوت حرفيًّا: “هذا النهر، الذي يفصل سوريا عن بافلاغونيا Paphlagonia، يتدفق من الجنوب إلى الشَّمال، ويَصَبُّ في النهاية في البحر الأسود”. علمًا أنَّ الأتراك يُسمّون نهر هاليس الآن نهر (قيزيل إرماك) ويتدفق في مسافة إجمالية تبلغ نحو 1335 كم، كما كانت منطقة بافلاغونيا موطنًا لشعب قبلي هو الكاشا في عهد الإمبراطورية الحثية القديمة التي ترجع إلى الألفية الثانية قبل الميلاد؛ وتمتد سوريا جنوبًا وفق هيرودوت حتى جبل قاسيون وتشمل مدن مثل قادش (Cadytis)، التي يُعتقد أنها القُدس؛ ولم يحدِّدْ هيرودوت حدودًا شرقية واضحة، لكن يُفهم من سياق كتاباته أن سوريا تمتدُّ شرقًا حتى مناطق قريبة من بلاد الرافدين؛ أما حدودها الغربية فتشمل الساحل الفينيقي على البحر الأبيض المتوسط. إذن، -وفق هيرودوت- كانت سوريا تشمل رقعة جغرافيّة هائلة.
لكن تحدَّث هيرودوت في كتابه نفسه عن (“آشور Ασσυρία=تنطق باليونانية أسيريّا”)، على نحو أدّى إلى حدوث خلط في عقول القرّاء اليونانيين بين (Συρία=سيريّا) و(Ασσυρία= أسيريّا)، أي بين سوريا وآشور، ويُلاحظ هذا الخلط حتى في رسم هذين الاسمين باللغة الإنكليزية، إذ يرد اسم سوريا هكذا: Syria ويرد اسم آشور هكذا: Assyria، وقِسْ على ذلك في لغات كثيرة.

انتبه المستشرق الألماني ثيودور نولديكه (1836-1930 م) إلى هذا التقارب في النطق والكتابة بين اسمي سوريا وآشور. إذ في بحث له نشره في مجلة “هرمس” في العام 1871، وضع نظرية مفادها أن الصفة “سوري (Syria(n))”” في اليونانية هي شكل مختصر من الصفة “آشوري “(Assyria(n))، وسادت نظريّة نولديكه منذ ذلك الحين في الأوساط العلميّة المتخصّصة، ونبّه نولديكه إلى أنَّ الترجمة السبعينية للكتاب المقدس العبري، وكتابات الفيلسوف الرواقي السوري بوسيدونيوس، والمؤرخ اليهودي يوسيفوس، وأعمال الآباء المسيحيين الأوائل تشهد جميعها على أنَّ العالَم الناطق باليونانية، بدءًا من القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد تقريبًا، قَصَرَ اسم “سوري” على اللغة الآرامية والآراميين أينما وُجدوا، سواء في سوريا نفسها أو حتى في جنوب بابل. لكن سنجد لاحقًا أنَّ هذا الرأي يحتاج إلى تدقيق أعمق!
استمر رأي نولديكه سائدًا وصولًا إلى العام 2006، حين نشر عالم الآشوريات ر. رولينجر Rollinger بحثًا في “مجلة عالم الشرق” نبّه فيه إلى نقش كُشِفَ حديثًا، يعود إلى النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد، من بلدة تشينيكوي Çineköy بالقرب من أضنة في تركيا الحديثة. يحتوي النقش على نص ثنائي اللغة، مكتوب بالهيروغليفية اللوية Luwian hieroglyphs (=لغة كانت سائدة شمال سوريا) والأبجدية الفينيقية. في النص الفينيقي، يُكتب الاسم الجغرافي “آشور” (Assyria) واسم “آشوريين” (Assyrians) بينما يستخدم النص اللوي المقابل Sura/I = سوراآي للتعبير عن كلا الشكلين علمًا أنّه لم يكن من غير المألوف في العصور القديمة وفق رولينجر استخدام اسم جغرافي بصيغة المفرد كجمع، للدلالة على مجموعة من الناس).

لذلك يدحض ر.رولينجر نظريّة نولديكه، إذ بدلًا من أن يكون اليونانيون قد حرفوا “سوري” (Syria(n)) من “(آشوري” (Assyria(n)، من المحتمل أنهم تبنوا الشكل المختصر من هذه المناطق.
لكن استطاع الباحث في الدراسات الآرامية جوني ميسو Johny Messo في بحث له بعنوان (“أصل مصطلحي “سيريان” و”سو-ريو-يو” مرة أخرى” أن ينبّه ببراعة إلى أنه رغم الارتباك الذي لوحظ بالفعل بين اليونانيين والرومان بعد هيرودوت، لم يكن هناك مثل هذا الارتباك موجودًا بين المسيحيين الأوائل الناطقين بالآرامية الذين كانوا متضلّعين في اللغة اليونانية. في لغتهم الأم، كان هناك دائمًا تمييز واضح بين آشور (آشوريين) وسوريا/(سوريين)، حيث كانت هذه المصطلحات مختلفة تمامًا في الصوت والنطق وكذلك في المعنى. كما هو الحال الآن في اللغة العربيّة الفصحى.
لكن في رأي ميسو وقعَ الآراميون ضحية التهلُّن Hellenization. إذ بمجرد أن بدأ اليونانيون في حكم الشَّرق الأدنى والسيطرة على الأراضي الآرامية أو التي تنتشر فيها اللغة لآرامية إلى حد كبير، قيَّدوا المصطلح الآراميّ الشامل سابقًا “سوري SŪRYOYO” وحصروه بالآراميين، بما في ذلك لغتهم وثقافتهم وأراضيهم. ويقصد ميسو من ذلك أنَّ اسم سوريا الذي كان يُطلق وفق هيرودوت على رقعة جغرافيّة هائلة ويوصف سكانها بأنهم سوريون أصبح يُطلق فقط على الآراميين، وهنا نميّز بين مرحلتين في التأريخ اليوناني لسوريا: مرحلة هيرودوت، ومرحلة ما بعد هيرودوت التي بدأت مع غزو الإسكندر الكبير لسوريا واستمرت مع خلفاء الإسكندر من السلوقيين على وجه التحديد.

وعليه، لا يمكن أن تصمد النظرية الشائعة التي تفسر “سوريا” كشكل مختصر من “آشور” التي أدت إلى فكرة أن اسمي سوريا وآشور مرتبطين في اللغة الآرامية. وهذا الفهم-في رأي ميسو-لا ينسجم مع ما يُسمَّى الصحوة القومية بين السريان/الآشوريين في أواخر القرن التاسع عشر، حيث سعى بعض المفكرين والنشطاء إلى تأكيد هويتهم الآشورية وتمييزها عن الهوية السريانية العامة. لكن هذا –في رأي ميسو-يُعَدّ مسعى حديثًا لا يوجد أساس تاريخيّ له، وهو نتاج الصحوة القومية السريانيّة منذ القرن التاسع عشر، التي تعززت بعد الحرب العالمية الأولى.
وأشار ميسو إلى معلومة مهمة جدًا وهي أن الفيلسوف الرواقي السوري بوسيدونيوس (مات 51 ق.م) والمؤرّخ اليوناني استرابون (مات 24 م) أكدا أنَّ اليونانيين أطلقوا على الآراميين اسم “سوريين”، لكنهما أضافا أنَّ الآراميين كانوا لا يزالون يطلقون على أنفسهم اسم “آراميين”. ويؤكد المؤرّخ اليهوديّ يوسيفوس أن آرام بن سام بن النبي نوح، “حكم الآراميين”، الذين يُسمِّيهم اليونانيون سوريين، وأصبحت لغتهم تُسمَّى السريانيّة، ومن هنا خرجت نظريّة أنَّ سوريا هي بلاد سام، ثم أصبحت بلاد “الشام”.

كان السِّريان المجموعة الآرامية الوحيدة في العصور القديمة المتأخرة التي كان كلّ فرد من أفرادها يُطلق على نفسه بسبب التأثير اليونانيّ اسم سوريّ (Sūryoyo= تنطق سو-ريو-يو)، ولفت ميسو انتباهنا إلى أننا نجد أقدم الوثائق التي يرد فيها هذا الاسم العِرقي في مخطوطات الآرامية الإديسية، أي الآراميّة الرُّهاويّة التي كانت منتشرة في مدينة الرُّها السوريّة التي خضعت للتهلُّن بشكل كبير، وبدأ هذا الاسم بالانتشار مع مطلع القرن الخامس الميلاديّ إذ بقيت اللغة اليونانية سائدة حتى في العصرين الروماني والبيزنطيّ.
هذا، -وفق ميسو- بمجرد صياغته وإدماجه في الآرامية الرُّهاوية، تعايش مصطلح “سوريّ Sūryoyo” مدّة مع التسمية الذاتية “آرامايَه” (Armāyā) التي كان الآراميون يطلقونها على أنفسهم. وهكذا، ظهرت مرحلة زمنية انتقالية، يمكن تأريخها تقريبًا بين 440 و500 م. بعد أن اكتسب الاسم الجديد سيادة، أصبحت التسمية الذاتية التقليدية قديمة الطراز وسقطت في نهاية المطاف في غياهب النسيان؛ ومع ذلك، استمر السريان الشرقيون والغربيون في بعض الأحيان في تعريف أنفسهم ولغتهم بـأنهم “آراميون؛ ولغتهم آرامية” حتى القرن الرابع عشر، إن لم يكن لاحقًا. ومن المثير للاهتمام-في رأي ميسو-أن القرن الخامس الميلادي يظهر مرحلة انتقالية استُخدمت فيها التسميات الآرامية لـ “سوري؛ سرياني” (Sūryoyo) و”آرامي “(Armāyā) جنبًا إلى جنب. في النهاية، حلَّ “سرياني”، الاسم المترجم للمصطلح اليوناني “سُريوس Súrios”، كتسمية ذاتية للآراميين المسيحيين على حساب التسمية الآرامية الأصلية “آرامايَه”، التي تطورت لاحقًا إلى “أرومويو” (Oromoyo) في السريانية الغربية.

لكن ما يجب أن ينصبّ عليه البحث أصلًا هو من أين استقى هيرودوت نفسه اسم سوريا، ولا يوجد أيّ احتمال-في تقديري-سوى أنه استقاها من الكنعانية أو الفينيقيّة، ويُعَدّ مستغربًا بالنسبة لي ألا نجد عناية هؤلاء العلماء (المستشرقين) قد انصبّت على البحث عن أصل اسم سوريا في الكنعانيّة أو الفينيقيّة.
يجب هنا أن نقف عند اسم يرد في النقوش الفينيقيّة هو: [‘SR] وينطق بالفينيقية سور، وفُسِّر في “معجم الحضارة الفينيقية والبونية” الذي حرَّره إدوارد ليبينسكي (الناشر: بريبولس، تومهويت، 1992، ص: 45-46.) على أنَّ SR يدلّ على مكان: آشور (Assyria)، لكن فُسّرَ الاسم نفسه [‘SR=سور] في معجم ف.ل.بينز “الأسماء الشخصية في النقوش الفينيقية والبونية، ص: 73.” (الناشر: المعهد الكتابي للطباعة، روما، 1972.) على أنّه اسم للإله آشور.
وإذا تتبّعنا النقوش الفينيقيّة سنجد الاسم نفسه SR=SOR=سور يرد في “معجم الحضارة الفينيقية والبونية، ص: 477-480” بمعنى آخر هو صُور، أي المدينة الفينيقيّة المعروفة، كما نجد الاسم نفسه (SRY= SORI=سوري) يرد في معجم ف.ل.بينز “الأسماء الشخصية في النقوش الفينيقية والبونية، ص: 178” بمعنى صُوري، أي أحد سكان مدينة صُور، أو أحد سكان فينيقيا بوجه عامّ.
إذن، هنا يظهر التباس كبير فاسم [‘SR=سور] يدل وفق هذه المعاجم في وقت واحد إما على بلاد آشور أو مدينة صور، على نحو يكشف التباسًا في تأويل النقش، فما سبب الإحالة في التأويل إلى آشور أو صُور دون الإحالة إلى سوريا وفق وصف هيرودوت لها، لذلك تحتاج هذه المسألة إلى إعادة نظر بعمق لأنَّ البحث الدؤوب لا بدّ أن يكشف ورود اسم سوريا في النقوش الكنعانيّة أو الفينيقيّة بما يتضمن الدلالة على سوريا نفسها. مثلًا يرد اسم مدينة صُور باليونانية Τύρος=تيروس=ويرد أيضًا باللاتينية Tyrus=تيروس، ولا يرد بما يتفق مع نطق الاسم الفينيقي [‘SR] =سور. لذلك يمكن أن يكون اسم سوريا الفينيقيّ الأصلي قد طُمِس في اسم صور، وفُسِّرت النقوش الفينيقية التي تحتوي على أسماء من قبيل سوريا، سوري…على أنها تدل على صور، صوريّ، أو آشور، آشوريّ، وهذا بحث يحتاج من دون شك إلى دلائل أركيولوجيّة حاسمة على أساس إعادة تفسير النقوش بناء على معايير علمية دقيقة.

في “الكلمة المرفوضة” الهامش بيت الشعر

في “الكلمة المرفوضة” الهامش بيت الشعر

القصيدة ـ الديوان “الكلمة المرفوضة”، صدرت عن “خان الجنوب” في برلين، للشاعر الكردي السوري جولان حاجي لا تنحو لقول شيء بعينه ولا تتمحور حول موضوع واحد، على الرغم من أن الديوان كله محوره العين.
العين الحقيقة العلمية، العين والحياة المحيطة المرئية، العين التي تحول كل ما خارجي إلى داخلي، والتي تظل نظيفة خالية، إنها العين اللغز، حسّاً ومعنى وصورة. “الوجه لغزٌ لغزُهُ العينُ/ من أي كلمة تُستخرَج الحقيقة لتُرمى كلُبّ الجوز إلى كلب الموت فيشمّها ويتركها/ بأي حدقة كالفلس الصدئ سيُرشى/ خائفةً وصلت الروح، جريحةً بالسوط في يدها، الذائقة علقمَ النظرات، المستظلة بالخفاء/ الحالمةَ بأجمل الأجساد، المحرومة رَجَت لرحلتها صاحباً أوفى من الغبار، مؤونةً أخفَّ من الذاكرة، يداً أرحمَ من الشمس ـ خوفُها أقوى من أي حنين ص100.”

يبدأ الديوان بمقدمة “ابتسامة جمجمة” عود إلى التذكير بأيام الملتقى الأدبي لجامعة حلب سنة 1980. كان بين شعراء الملتقى فؤاد محمد فؤاد الذي أصدر مجموعة شعرية بعنوان مستعار من أرسطوطاليس “أجزاء الحيوان”. يرى جولان حاجي في أجزاء الحيوان “استقراءً لأعضاء الجسد عبر قصائد غنائية قصيرة. يبدأ هذا الديوان الصغير بالحيوان وبه ينتهي… يقرأ فؤاد ما لا يُرى من الجسد، تدخل الكلمات تحت الجلد، وراء الصورة التي يحب أن يراها الناس. يخاطب الغضروف ويستنطق المخيخ والحبل الشوكي والمعثكلة والطحال..، كل عضو يحمل نهايته موسوماً باسمه، فيما الحيوان لا ينطق ولا يسمّي ولا يفسّر شيئاً ولا يعي موته”.

في القسم الثاني من كتاب جولان حاجي نجد نص “العصا والمخروط”. تذكير بآلية عمل العين، حاسة البصر، مع شروح علمية حول مسار الضوء وأثره على الرؤية، وتأثير الصور المرئية على الذاكرة والفكر وبالتالي اللغة والتعبير “نصف المعلومات التي ينهمك بها الدماغ هي معلومات بصرية، عيوننا لا تلتقط صورة طبق الأصل عن أي شيء.”. وفي القسم الثالث يبدأ “المنفذان” وهو متن ديوان “الكلمة المرفوضة”.

القصيدة لدى جولان في هذا الكتاب تنبسط من تلقاء نفسها، مثل راحة يد مفتوحة، تتلقى الضوء ولا تطلب ولا تشكو ربما إلا له. القصيدة شكوى الجلد إلى الضوء. تقفز من حال إلى حال، تعلو وتتداعى، مثل حال أنفاسنا ومخاوفنا، توجز وتسهب وتقتبس بعضها من بعضها في كل جامع غير متشابه.
هكذا غير عابئة بشكل محدد، ولا بصيغة ثابتة، تنتقل من طور إلى آخر، من زمن الطفل إلى مأوى الشيخ، في رحلة طويلة متشعبة، جامعة المعاني والأسئلة، الذكريات والآمال والكوابيس، لكن غير غافلة عن النسيان سيد الأزمان كلها: “جسده مدينة خاوية استعجل الوصول إليها ليجلس على بابها كالحراس الوحيدين، حراً وسجينا كالبحر، سرق أحدهم الكلمات من أفواه النائمين فيها، رفع ثوب السماء واندس تحت الأفق، هارباً بحقيبتين من النفائس ـ لن يجد المستيقظون فيها في الغد كلمة واحدة لا تستحق النسيان، لن يجد الجار تحية صغيرة يلقيها على جاره ص51”.

قصيدة طويلة تتناسل عبر سرد نثري متواصل متقطع في آن واحد. نحن أمام شعر لا يغنّي ولا يعظ ولا يأمر. لا صوت عالياً ولا حماسة ثائرة . القصيدة في غِنىً عن كل ذلك. هنا نجد الشعر وقد تحول إلى تلقٍ حاضنِ الضوءَ والظلامَ، الليل والنهار مختلطين. بل هو احتضان رحب يتجاوز الضوء والظلام، ذلك أن الشعر في الكلمة المرفوضة أوسع وأرق وأقسى من أن يتحول إلى لقاء سهل لتناقضات بلا منفذ بلا نهاية! ربما هو شعر كتب بمزاج الفجر ورحيقه الحارق.
القول إنه شعرٌ أوسع وأرق وأقسى إنما يعني أن الاكتفاء بالمرئي قد تحول إلى ثراء هادئ، والرقة أخذت بيد التائه والمنبوذ إلى ملاذ الناسك، والقسوة غدت مرآة الماضي الذي لا يكف عن العودة بالخيبة الثقيلة والمرارة الجارحة.
سرد متعاقب متقطع من خلال ذاكرة بصرية حافلة، ذاكرة هي رحلة للجسد والنفس عبر العين وحدها.

الشعر مع جولان حاجي شاهدٌ نزيهٌ ومراقبٌ صامتٌ. الهامشُ بيتُهُ، بعدما ضاق المتن بالجميع وأفسدهم. من الصمت يأتي كل هذا الصخب الدفين، وهذا العبور الهائل فوق الأسئلة، العبور الرافض لقيود الجواب الرنانة.

 سوريا: تمزيق الوطنية كإحساس والمواطنة كمفهوم

 سوريا: تمزيق الوطنية كإحساس والمواطنة كمفهوم

ألا تدخل حروب اليوم حصانَها الطروادي الجميل عبرَ بوابةِ مفاهيمنا المشوّهة؟ ربّما تشويه المفاهيم أو بالأحرى تسطيحَها هو السِمة الأهم لعصرنا، مع أن البشرية سلكت من أجلِ بلورتِها وتقويمِها الطريقَ المُنهك للألمِ و التجربة، لكنّ السياسة العالمية اليوم تميلُ إلى تزيين انحرافاتِها بشعاراتٍ برّاقةٍ، ففي مجتمعاتٍ ودولٍ بُنيَـت على أسُس الديمقراطية والعدالة والحريات الشخصية، لا بدّ من أن تُقنعَ الجماهير، بينما مجتمعاتُنا التي لا تزالُ تتخبّط بين موروثِها الديني والمُنجز الحضاري الغربي، يسهُلُ كذلك اختراقُها، طالما أنّها تردّدُ مفاهيمَ لم تُعِدْ فيها النظر.

فيما يخصّ الموروث الديني، ربّما كانت الرسالات السماوية، ثمرة تطوّر فكري وتجربة روحية، قدّمت مفاهيم وقيماً سامية للبشرية، لكنّ تسييسَها وتسخيرَها من أجل تسيير القطيع البشري والتحكّم به، أدى إلى وقوعِها في فخّ الجمود، وسوء التفسير، والتأويل بما يخدم مصالح الرعاة، و ليس بما يخدم الفهم والفكر والتجربة الروحية. فتحوّل الكلام المقدّس الذي كان من المفترض، كي يظلّ حيّاً، أن ينمو ويعمل، إلى حجارةٍ ميّتة، نحتاجُ إلى إزاحتِها عن صدورِنا كي نتحرّر، أو ربّما، وتلكَ المهمّة الأصعب، أن نعيد له دبيبَ الحياة عبر إعادتِه إلى المنابع العذبة، ليس من بابِ التشبّث بالسلف، بل من بابِ البناء على ما هو حيٌّ لدى أسلافنا.

من المعروف أن الثقافة الغربية الحديثة قامت في جزءٍ كبيرٍ منها، على إعادة قراءة موروثها الديني المسيحي اليهودي، ونقدِه، ورفضهِ، ورَميهِ، إلى أن توصّلت إلى بناء مجتمعاتها على أسسٍ علمانيةٍ تحملُ قيمَ التعايش والتآخي والعدالة الاجتماعية والحريّة الفردية، إلى ما هنالك من المفاهيم التي بنى عليها الغربُ نهضتَهُ، لكنّ النيوليبرالية، وما بعد الحداثة، واقتصاد السوق، حرفوا البوصلة وسطّحوا المفاهيمَ واستهلكَوها بحيث تخدم سياستهُ التي تقومُ على الربح بشتى الوسائل  المُمكنة، المجتمعات العربية عرفت كذلك نهضة فكرية أخرجتها من ركودها الذي سبّبته مراحل الحرب والاستعمار، إلا أنّها سرعان ما ارتكست إلى الموروث الديني واتّهمت كل فكر نهضوي بالخيانة والتغريب.

ربّما كانت الحرية عبرَ التاريخ من أكثرِ المفاهيمِ ضبابيّةً، فمن ناحية تمّت شيطنتَها، ومن ناحيةٍ أخرى اشتعلت من أجلها، وباسمها الحروبُ والثورات، في الواقع السوري مثلاً هناكَ جدلٌ مُحتدمٌ منذ اندلاعِ الثورة حول مفهوم الحريّة، لقد خاضَ الثوّار حربهم كي يتحرّروا، بينما يعتقد البعض أنّهم جلبوا الدمار والتدخلات الخارجية إلى البلاد، بين هذا وذاك نشبت حربٌ لم تصل بمفهوم الحرية، حتى بعد التحرير، إلى برٍّ آمنٍ يبشّر السوريين بمستقبلٍ أفضل.

  بالعودة إلى المفهوم الغربي، تعدّ الحرية من الركائز الأساسية للفكر السياسي والاجتماعي ،لقد طوّرها عبر قرونٍ من الفلسفةِ والثورات، إذ تقوم الدولة في الغرب على احترام الحريّات الفردية، من حرية التعبير والرأي، وصولاً إلى حريّة المُعتقد، والدين والعمل والحركة، كما تقومُ على احترام الحريّات السياسية، والتي تعني مشاركة الأفراد في الحكم واتخاذ القرار عبر حقّ التصويت، وتشكيل الأحزاب، وصولاً إلى حرية المعارضة السلميّة، يذهب الفيلسوف الألماني المثالي هيجل، صاحب الفكر المرتبط بالتقليد الأفلاطوني اليوناني، إلى أنّ الحرية مرتبطة بالوعي، وعي الإنسان لذاته و تجاوزه لرغباتِه الغريزية كي يصبح عقلاً حرّاً مسؤولاً، كما يعتقد هيجل أنّ الحرية لا تتحقّق إلا من خلال الدولة، التي من المفترض أن تكونَ تجلّياً للعقلِ الحرّ، يربط هيجل الحرية بمسار تطوّر الوعي الإنساني عبر التاريخ، كما يرفض الفكرة السلبية للحرية، التي تقوم على رفض القيود الخارجية على الفرد فحسب، و يؤكد على مفهوم الحرية الايجابية، التي هي القدرة على تطوير وتحقيق الذات.

أمّا الفيلسوف الألماني نيتشه، الذي يعدّ مُلهم ما بعد الحداثة، فقد رفض المثالية الأفلاطونية والمسيحية والأديان، وأعلن “موتَ الإله”، يعتقد نيتشه بالتحرّر الجذري من كلّ القيود، الدينية، والأخلاقية، والإجتماعية، إنّه يؤمن بإرادة القوة، وبالإنسان الأعلى القادر على تجاوز القطيع من أجل إبداعِ قيمهِ و معاييره الخاصة. 

أمّا من وجهة نظر الفكر الديني المسيحي، والإسلامي، الذي ولدَ على أرضنا،  فتربط المسيحية بين مفهومَي الحقّ و الحرية، إذ تقول الآية على لسان المسيح “تعرفونَ الحقّ و الحقّ يحرّركم”، كما تربط الحقّ بشخص السيد المسيح الذي أتى إلى العالم ليحرّرنا ” أنا هو الطريقُ والحقُّ والحياة” ، تعتقد المسيحية أنّ حياة المؤمن هي طريقُ جلجلةٍ من أجلِ التحرّر، التحرّر هنا بمعنى التحرّر من الشيطان، الذي إن تمكّن وسيطرَ على حياتِنا سيُحيلها إلى جهنّم، الخطيئةُ في المسيحية هي إذن النيرُ المؤلمُ والعبوديةُ الحقيقيّة، هناكَ مقولةٌ جوهريّةٌ لبطرس الرسول “كأحرار، و ليس كالذين الحريةُ عندهم سترةٌ للشرّ، بل كعبيدٍ لله” هناك بالتالي فرق بين الحرية كقيمةٍ إنسانيةٍ عليا و بين ما يرتكب باسمِها من حروبٍ وصراعات.

يتشابه المفهوم الإسلامي مع المفهوم المسيحي من حيث ربطهِ لحرية المرء بتحرّره من كل ما هو دنيوي من أجل عبادةِ الله وحده، كذلك بربطه مفهوم الحقّ بالربّ الذي هو الفيصل بين الهدى و الضلال، تقول الآية ( وقُلِ الحقُّ من ربّكمْ فمن شاءَ فَليؤمِن ومَن شاءَ فليكفرْ)، طريقُ الحقّ إذن هو طريقٌ الايمان بالله ، المؤمن في الإسلام  مأمورٌ كذلك بإقامةِ القسط، الذي يعني نفي العدوان ورفضه، ونيل كلّ ذي حقًّ حقّه، العدلُ في الإسلام بالتالي قيمة مُطلقة و شرط من شروط الايمان القويم ( يا أيّها الذينَ آمنوا كُونوا قَوّامينَ بالقسطِ شهداءَ لله وَلَو على أنفُسِكمْ.. ).

إذا كان الفكر الديني هو ثقافة أجدادنا التي لن نتمكّن من القفز فوقها، فإنّ الثقافة في جوهرِها،هي بحثٌ وتجدّدٌ، يقوم على القدرة المستمرة على مواجهةِ ذاتنا، الفردية والجماعية، من أجلِ نقدِها وإعادة تشكيلها، وهذا لا يحصل إلا عبر الكثير من الألمِ والخسارة، المعضلة أنّ هناكَ من يفضّل أن يبقى رازحاً تحتَ ثقلِ الخسارة على أن يعيدَ النظرَ في ذاته، فتلكَ لحظةٌ تصيبهُ بمقتل، لذا يكتفي بتزيين الواقع المُهترئ بشعاراتٍ وانتصاراتٍ وهمية، أما وفي أقصى درجات التطرّف،  هناكَ من يفضّل أن يرتكب جريمة على خوضِ هذه المواجهة مع ذاته، فإمّا يقتل الآخر الذي لا يشبهه، أو ينتحر، فيفجّر نفسهُ ومن حولَه.

بالعودة إلى الواقع السوري، لقد غدا واضحاً أنّ التحرّر من نظام ظالمٍ هو خطوة لازمة، ولكنّها غير كافية ، فالحرية طريقٌ طويل ومرتبط في كل مرحلة بقدرتنا على توسيع رقعةِ وعينا وإعادة صياغة ذاتنا، و بالتالي فهمنا و مفاهيمنا، يرفض السوريونَ اليوم مع كلّ الخسارة والدم والألم التي تكبّدوها خلال أربعة عشرة عامٍ من الاقتتال، إعادة النظر في ذاتهم من أجلِ الوقوفِ على برّ أقرب إلى الحقيقة،  له أن ينقلهم إلى بناء دولةِ المواطنة و الحريّة التي ناضلوا من أجلها.

 وإذا كنا نحن أرضَ الديانات السماوية التي طالما ربطت بين مفهومَي الحقّ والحرية، ألا يجبُ علينا أن ندركَ أن كرةَ الحقد التي تتدحرجُ على أرضنا  مرتبطة بالقفزِ فوق عتبةِ العدالة الانتقالية؟ يحتاجُ الشعب السوري إلى تلكَ العدالة كي يشكّل سرديّة واقعيّة عن أربعةَ عشر عامٍاً من الاقتتال، يُحاسبُ من خلالها الجلادين وتتحمّل الأطرافُ المتصارعة مسؤوليّتَها عن المقتلة، الحقّ وحده ما سيحرّرالشعب السوري من الحقدِ والاحتقان، تلكَ أولى و أهمّ الخطا نحو الحرية.

أمّا تجييش المجموعات العرقية والطائفية على بعضها،  فهو حصانُ طروادة الجديد اليوم ، يعبرُ عبرَ الحسّ الوطني المُهترئ لدى بعض السوريين، مُشعلاً حرباً جديدةً قد يطولُ أمدها، لقد نسيَ البعض أنّ الوحدة كانت حلم أبناءِ المنطقة بكافة طوائفهم، ويعملون اليوم بيادق لدى مشروع التفتيت، طبعاً ليس بريئاً الخارج من الاستثمار في انقساماتِنا الداخلية من أجلِ خلق سوريا الضعيفة المُشتّتة التي عمل طويلاً من أجلها، كما ليس بريئاً مشروع بناء دولة على أساس طائفي،إقصائي، في حين تُبنى الدول على أساسِ المساواة في المواطَنة.

أخيراً فإنّ تمزيق الوطنية كإحساس، والمواطَنة كمفهوم، ليس مرتبطاً بالمعضلة السورية فحسب، إنّهُ سياسة عالمية، إذ تقوم النيوليبرالية الغربية وما بعد الحداثة على تَسييل المفاهيم بما يخدم اقتصاد السوق، المواطنة السائلة هي أحد سمات مجتمعات ما بعد الحداثة، حيث يجري تحطيم مفهوم الدولة القومية في سبيل انتماء عالمي، عَولمي، لا يعترف بالأرض والجذور واللغة والتاريخ والجغرافية، إنما بسوقٍ عالميةٍ، يتم فيها تَسيير القطيع البشري عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي بما يخدم مصالح الرعاة، ورؤيتهم لكرةٍ أرضيةٍ يجلسون على عرشها ويتصرّفون كآلهة.

النهضة والشعر:تطوّر وأثر الحامل المادي في النص الشعري

النهضة والشعر:تطوّر وأثر الحامل المادي في النص الشعري

تطوّر المنجز الإبداعي الشعري في الشكل وأداة التوصيل وأغراض الشعر، على ضوء متغيرات عصر النهضة، هذا ما عمل عليه الدكتور “إياس حسن” في كتابه ” النهضة والشعر ” الذي صدر عن دار “أرواد” للطباعة والنشر؛ عام 2025.

أتبع العنوان الرئيس بعنوان شارح هو “أثر النهضة العربية في الشعر العربي” وحدد مجال البحث الذي تضمنه الكتاب في الصفحة الداخلية للعنوان ببندين هما: نشوء المجموعة الشعرية وتطوّر بيئة الشعر التواصلية وظهور المنهج النقدي. 

خصّص الباحث الفصل الأول لنشوء المجموعة الشعرية وقدّم لذلك بالتعريف بالمجموعة الشعرية؛ وتناول المواضيع التالية: 

ظهور المجموعات الشعرية

يرى الباحث أنه كان للإرساليات الدينية القادمة من الغرب، وللنهضة التي شملت نواحي الحياة كلها أثر جليّ في ظهور المجموعة الشعرية. هذا الشكل الجديد المادي من حوامل الشعر، كذلك يعيد الباحث التطور الذي حدث على نظم الشعر وتجميعه إلى ظهور الجمعيات الثقافية كجمعية شمس البر التي أعلن عنها عام 1868 وجمعية زهرة الآداب التي أعلن عنها عام 1869 إضافة إلى تأثير انتشار الطباعة التي أدت إلى ظهور المكتبات كمكتبة بطرس الأمريكاني التي افتتحت عام 1876 والمكتبة الظاهرية التي افتتحت عام 1879. تأثير آخر كانت له أهمية كبرى هو الاستشراق الذي ساهم في نشر التراث العربي وإن كان بنظرة مغايرة للمعتاد التقليدي الذي تناوله كموروث ثابت جامد يقترب من الكامل لا يجوز تناوله بالنقد. 

أثر الكتاب المطبوع كحامل مادي جديد:

تغيّرت وسيلة التواصل الشعري بالخروج من الحالة الشفاهية التي كانت تقوم على المنشد الراوي، إلى وسيلة جديدة تمثلت بالكتاب كحامل مادي، وبذلك انتقلت الوصاية على النص من المنشد إلى الناسخ في حالة الكتابة، الوراقة، ثم الناشر في حالة الطباعة.  

تبدّلت هذه الوصاية بعد ذلك، فعملية تجميع القصائد، صار الشاعر يقوم بها، بينما كان سابقاً أصدقاؤه أو المهتمون يتكفلون بهذا العمل. هذا ما فعله أحمد شوقي في ديوانه “الشوقيات”.

 لكن سلطة الشاعر ظلت ناقصة؛ فمراجع الديوان أو الناشر ظلّ يغيّر في عناوين القصائد وترتيبها، كما فعل أحمد الخوفي في ديوان أحمد شوقي، توضّح ذلك بعد ظهور الديوان المطبوع، والذي اقتضى عنواناً للديوان ومكاناً خاصاً لهذا العنوان، كذلك ظهر الغلاف وصار عتبة للديوان بتطوّر شكله وإخراجه، بدل أن كان مجرد حافظ مادي في المخطوطات. 

تطوّر العنوان وعلاقته بالحامل المادي:

يتناول الباحث التطورات التي مرّ بها العنوان، في خضّم تطورات أخرى شملت المنتج والحامل الشعري، بيّن أن العنوان لم يكن مفرداً على الغلاف، بل كان يسبقه تعريف بجنس الكتاب والكاتب، مثل “كتاب كذا ” و “ديوان فلان”، ويورد مثلاً لذلك ديوان (ناصيف اليازجي) الأول الذي نشره عام 1852 وعلى غلافه نبذة عن الديوان. 

ظهر بعد ذلك العنوان الترويجي لكنه لم يكن مستقلاً مثل ” نفحة الريحان ” مالبثت مسألة التعريف بجنس الكتاب أن أخذت سمة عامة كما في ديوان (خليل الخوري) المعنون “زهر الربى في شعر الصبا” والذي نشر عام 1857 وقد سبق هذا العنوان كلمة “كتاب” لكن (الخوري) تخلى عن التعريف بجنس الكتاب في ديوانه التالي واقتصر على عنوان ترويجي هو ” العصر الجديد”. 

تابع الباحث تطوّر العنوان حتى صار جزءاً من العملية الإبداعية وذلك بفعل عوامل منها الطباعة وانتشــار الصــحف والمجلات، كجريدة (الوقائع) التي صدرت في القاهرة عام 1828، وجريدة (حديقة الأخبار) التي صدرت في بيروت عام 1858، وجرائد ومجلات أخرى.

يربط الباحث بين ظهور الصحافة وانتشارها وظهور عناوين جديدة للمجموعات والدواوين الشعرية؛ مركزاً على الدواوين التي صدرت في سورية ومصر وذلك كون المنطقتين تشكلان وحدة ثقافية بتجارب مشتركة متقاربة.

تطور النص الشعري في الشكل والأسلوب:

يعزي الباحث للصحافة تأثيراً هاماً على النص الشعري؛ هو تجديد أسلوب الكتابة بالابتعاد عن الإنشاء، فقد بدأت النصوص الشعرية تتخلّى عن السجع والبديع، وهذا ما أوجد الحاجة لعلامات الترقيم لتدّل أين تنتهي الجملة ولضرورتها في إيصال المعنى، جرى استعمالها في أواخر الثلاثينات من القرن التاسع عشر، مما دفع “أحمد زكي باشاستة” لوضع دليل بعنوان “الترقيم وعلاماته في اللغة العربية” وقد صدر عن المطبعة الأميرية في مصر.

تحوّل آخر للمجموعات الشعرية والقصائد؛ هو التحقيب الذي يدّل على زمن إنشاء القصائد، وزمن نشر الديوان، والتحقيب كما ذكر الباحث-أتى بصيغ مختلفة قد يكون بالترقيم الذي يدّل على تسلسل إصدار المجموعات، أو الإشارة إلى مرحلة من العمر مثل ” أشعار الصبا” أو “عبرات الشباب”. 

يذكر الباحث أنّ جماعة “الديوان” اعتمدوا صيغة أخرى للتحقيب وهي المواربة، وفيها يشار إلى زمن إنشاء القصيدة بالإيحاء أو الدلالة كاستخدام تسلسل زمني (الفجر، الصباح، الظهيرة.) مثل “أنداء الفجر” لـ “أحمد زكي أبو شادي “.

الفصل الثاني من الكتاب جاء بعنوان: التطوّر الموازي في بيئة الشعر التواصلية وظهور النقد المنهجي.

استعرض الباحث في هذا الفصل روافع الشعر الذين كانوا يروّجون له ويشرحونه على مدى تاريخه، ثم تطرّق إلى ظهور الرواة في العصر الأموي والعباسي، لنصل إلى عصر النهضة حيث ظهرت الدواوين والمجموعات، وعلى إثرها ظهر المقرظون الذين كانوا يقومون بالتراجم وتقريظ العمل بما يقوم مقام المقدمة فيما بعد.

أغراض جديدة للشعر ومقدمات بدل التقريظ: 

يقارب الباحث النص الشعري من ناحية الذائقة، فالذائقة التي كان يعبّر عنها بالتقريظ لم تستمر أمام التغيرات الكثيرة التي شملت العلاقات الاجتماعية في أواسط القرن التاسع عشر، إثر الإصلاحات العثمانية، والتي أدت إلى انتهاء حكم العائلات وبروز دور المؤسسات، فمع هذه التغيرات تغيرت وحل محل التقريظ التقويم الموضوعي الذي شكّل إرهاصاً للمقدمة.

المقاربة الأخرى أتت لموضوع الشعر وغرضه، فالتغيّر الأهم والذي كان من المفترض أن يعطى مساحة أكبر في البحث، هو تغيّر مواضيع الشعر وأغراضه، حيث بدأت القصائد تدور حول مواضيع غير مطروقة شعرياً، بدأ ذلك على يد “خليل الخوري” و”سامي البارودي”، هذه المواضيع رتبت ظهور المقدمات بمحتواها الجديد الذي علب عليه مناقشة ماهية الشعر ومفهومه. 

موصلات أخرى للشعر:

يعود الباحث إلى ما حسبناه أغفله سابقاً، حيث يتناول مجالات أخرى لتوصيل المنتج الشعري، مجالات تقليدية كانت معروفة تاريخياً منها “الأغورا” عند اليونان، و “الفوروم عند الرومان، والأسواق عند العرب، إلى أن يصل إلى حلقات المساجد التي كانت تعقد في المساجد والجوامع في البلاد الإسلامية، كحلقة الشيخ “طاهر الجزائري” في دمشق.

ونتيجة للإصلاحات التي أقرتها السلطات العثمانية عامي 1839 و1856 والتي منحت الأقليات بعض حقوقها؛ ظهرت الجمعيات العلمية، ثم المجالس التي أخذت لنفسها خطاً تنويرياً.

كذلك لعبت المقاهي دوراً هاماً في التوصيل الثقافي والشعري، ثم ظهرت مجالس البيوت التي اضطلعت بها الطبقة العليا، كمجلس الأميرة نازلي فاضل ومجلس محمود باشا البارودي، أعقب ذلك ظهور الصالونات الأدبية كصالون “مريانا مراش” في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في حلب، وصالون “ألكسندرا الخوري؛ أفرينوه” في أواخر القرن التاسع عشر في مصر. الصالون الأشهر كان صالون مي زيادة التي أعلنت عن مولد صالونها عام 1913.

ظهرت بعد ذلك الجمعيات والروابط الأدبية التي لعبت دوراً هاماً في النقاش والسجال حول الشعر كنتيجة لعملية التطّور والتحوّل الذي كانت تحدث، هذا السجال والنقاش شكّل أساساً للنقد المنهجي. 

الكتاب تضمن بحثاً هماً وجديداً ربط بين النهضة بمفاعليها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وبين تطور الحامل والموصل الشعري على صعيد العنوان والتبويب، المواضيع والأغراض الشعرية؛ لكنه لم يأخذ بالاعتبار تطوّر المنجز الإبداعي الشعري العربي من الناحية الفنية إلاّ لماماً، ربما لأن ذلك لم يكن موضوع وغاية البحث، التي حددها الباحث في الخاتمة بقوله “كانت غاية هذا البحث تقصّي العوامل التي ساهمت في ظهور المجموعة الشعرية بصفتها ظاهرة تاريخية.”