الواقع الثقافي في القنيطرة ودرعا بين التوغلات والرقابة

الواقع الثقافي في القنيطرة ودرعا بين التوغلات والرقابة

خلف أبواب المركز الثقافي في درعا، لم تعد رائحة الورق أو صدى التصفيق هي السائدة، إنما صمتٌ مطبق يقطعه هدير جرافات الجيش الإسرائيلي في القنيطرة المجاورة. بين إعادة الهيكلة الإدارية والرقابة المجتمعية الصارمة، يعيش المثقف السوري في الجنوب اليوم اختباراً وجودياً؛ فهل تحوّل الفضاء العام من منبر للتعبير إلى ساحة اشتباك، بين إرثٍ بيروقراطي يحاول النجاة، وتيارٍ ديني قيمي يعيد رسم الخطوط الحمراء بصرامة غير مسبوقة؟

في درعا، المعروفة بـ “مهد الانتفاضة”، وفي القنيطرة، المحافظة المنهكة بعوامل جيوسياسية تتعلق بالحدود، لم تعد الثقافة تُعرَّف بوصفها نتاجاً لمؤسسات الدولة، بل غدت ساحةً تتنازعها قوى متصادمة: إرثٌ رسمي يحاول إعادة هيكلة نفسه وسط الفراغ، حراكٌ أهلي يبحث عن حدٍّ أدنى من الاستقرار وسط فوضى السلاح، وتيارٌ ديني قيمي يعيد رسم خطوط “الحلال والحرام” في الفضاء العام. وخلال الفترة بين كانون الأول / ديسمبر 2024 وشباط / فبراير 2026، يكشف الرصد الميداني الذي أجراه معد التقرير عن مشهدٍ ثقافي يعيش حالة “طوارئ دائمة”. هنا تغيب الفرق الموسيقية لتعلو أصوات الخطباء، وتُغلق المراكز الثقافية أبوابها أمام الشعراء لتفتحها أمام الوفود الدولية، في ظل واقعٍ يفرضه “مقص” الرقابة الاجتماعية وتوغلات عسكرية تقضم الجغرافيا يوماً بعد يوم.

في قلب مدينة درعا، يقف المركز الثقافي ككتلة إسمنتية صمّاء، شاهدة على انتقالٍ حذر وغامض. هذا المبنى الذي كان يوماً أداةً لترسيخ خطاب الحزب الواحد، بات اليوم هيكلاً يبحث عن هوية جديدة. يروي محمد الصالح “أبو عبد الله”، 52 عاماً، وهو عضو سابق في مجلس بلدي بمحافظة درعا، في حديثه لـموقع صالون سوريا، مشهداً يختصر الانتظار المرّ. يقول: “منذ كانون الثاني / يناير 2025 كان الموظفون يداومون بآلية الاستمرارية البيروقراطية؛ يحضرون صباحاً، يشربون القهوة، ويغادرون دون فعلٍ ثقافي واحد. كانت الأروقة باردة، والمسرح مهجوراً، والمكتبة ملاذاً أخيراً للهاربين من ضجيج الفوضى”. ويصف تلك المرحلة بأنها “موت سريري” للمؤسسة؛ إذ غابت الأجندة السنوية، وحلّت محلها مبادرات فردية خجولة تخشى الاصطدام بالواقع الجديد.

صدمة يوليو وإعادة الهيكلة الأيديولوجية

يصف أبو عبد الله تلك اللحظة في حديثه لموقع صالون سوريا: “صدر أمرٌ مفاجئ من جهة أُحدثت لملء الفراغ الحزبي والسياسي، وهي مديرية الشؤون السياسية التابعة للأمانة السياسية في وزارة الخارجية. طُلب من الموظفين تسليم المفاتيح والعودة إلى منازلهم بانتظار إعادة هيكلة”. منذ ذلك اليوم توقّف النبض الثقافي الرسمي في مدينة درعا. ولم يكن هذا الإجراء مجرد تبديل إداري، لقد انتقلت الوصاية على الفضاء العام من “الأدلجة الحزبية التقليدية” إلى “إدارة سياسية” تحاول ضبط توازنات جديدة في منطقة حدودية حساسة.

لاحظ مُعِدّ التقرير وجودَ استقطابٍ حادٍّ في تعليقات الأهالي؛ فبينما يدافع مثقفون عن المكتبة بوصفها كنزاً يضم الفلسفة والقانون والأدب العالمي، يروّج اتجاهٌ آخر لضرورة “تطهيرها” من كتب العهد البائد واستبدالها بمصنفات دينية حصراً. ويقول أحد المعلّقين: “لا نريد كتباً تمجّد الحزب، نريد كتباً في العقيدة والحديث”. ويكشف هذا الاستقطاب أن “إعادة الهيكلة” قد لا تكون إدارية بقدر ما هي إعادة تشكيلٍ لمحتوى المجال الثقافي في الجنوب.

أما في القنيطرة، فالواقع الثقافي محكوم بـ”إيقاع التوغّل”. فقد تحوّل المركز الثقافي في مدينة السلام، خلال كانون الثاني / يناير 2026، من منبر للشعر إلى “غرفة طوارئ” دبلوماسية لاستقبال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة جان بيير لاكروا. ويوضح أبو عبد الله في حديثه لموقع صالون سوريا أن الفعالية لم تكن ثقافية، بل اجتماعاً سياسياً إنسانياً لمناقشة التوغلات الإسرائيلية التي بلغت ذروتها باحتلال 9 نقاط حدودية واحتجاز 45 شخصاً. في القنيطرة يختفي المسرح ليحل محله مشهد الأهالي وهم يشرحون للمسؤولين الدوليين كيف تُجرف أراضيهم، وتُقطع أشجار السرو المعمّرة، وتُحرق سيارات تابعة للمحافظة. الثقافة هنا لم تعد “كتاباً”، بل صارت “غصّة” في حلق الفلاح الذي يرى جرافات الاحتلال تقتلع تاريخه.

لقد أدى الانهيار المؤسسي والضائقة الاقتصادية إلى تحويل “الكتاب الورقي” في الجنوب السوري إلى سلعة نادرة، بل شبه مستحيلة المنال للغالبية. تصف أسماء العلي، 40 عاماً، مدرسة لغة عربية من القنيطرة، واقع الحال لموقع صالون سوريا قائلةً: “سوق الكتاب منهارة تماماً؛ سعر الكتاب الواحد قد يوازي عمل يومين لعامل بسيط”. وتضيف مثالاً: مروان، شاب من ريف درعا يعمل في معمل خياطة، اضطر إلى الادخار أربعة أشهر ليتمكن من شراء “شرح صحيح مسلم للنووي” بسعر 70 دولاراً أميركياً، أي ما يقارب 800 ألف ليرة سورية. وتتابع: “هذا الغلاء، مع انقطاع طرق الشحن بسبب التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة وفوضى السلاح في درعا، جعل اقتناء أمهات الكتب الورقية ضرباً من الخيال للمواطن العادي”.

المكتبات الخاصة في درعا، التي كانت يوماً تعج بالرواد، أغلقت أبوابها أو تحولت إلى متاجر لبيع العطور والقرطاسية المدرسية البسيطة. ولم يعد الشراء المباشر خياراً متاحاً بسبب انقطاع الشحن وغلاء الورق. ولم يكن هذا الإفقار المعرفي مجرد تراجعٍ في القراءة، بل أحدث تحولاً في طبيعة العلاقة مع المعرفة؛ إذ تراجع النقاش العام لصالح استهلاكٍ فردي صامت، وانتقل الاهتمام من قراءةٍ متعمقة إلى اطلاعٍ سريع ومجزّأ، وغدت المعرفة ترفاً مؤجلاً أمام ضغط الاحتياجات المعيشية، ليحل محل الكتاب محتوى رقمي سريع غالباً ما يفتقر إلى التدقيق.

وفي حديث خاص حول التحول الرقمي، تشرح أسماء العلي لموقع صالون سوريا كيف أصبح ملف “بي دي إف” المنقذ والخصم في آنٍ واحد. تقول: “لم يعد أحد يملك رفوفاً ممتلئة بالكتب في القنيطرة؛ المكتبات الآن روابط تُرسل عبر واتساب وتلغرام. لكن تحت هذا السطح الرقمي تختبئ مخاطر؛ فغياب الرقابة يترك العقول الشابة وحيدة في مواجهة فيضٍ من التضليل والخداع. الكتاب الإلكتروني جعل القراءة فعلاً سرياً وفردياً، وغابت معه جلسات النقاش الجماعية التي كانت تعطي للثقافة روحها”. وتضيف: “تحوّل الهاتف المحمول إلى مكتبة متنقلة تضم آلاف الكتب الرقمية المقرصنة، لا حباً بالتكنولوجيا، بل هرباً من تكلفة الورق. المشكلة أن القارئ يضيع في غابة الملفات، فيقرأ مقتطفات مشتتة لا تبني وعياً حقيقياً”.

في موازاة ذلك، برزت ظاهرة “التوزيع المجاني الممنهج”. رصد معد التقرير، مثلاً، في معرض دمشق الدولي للكتاب، في مطلع شباط / فبراير 2026، طوابير طويلة من أطفال وشباب الجنوب لاستلام كتب دينية لابن تيمية وابن القيم تُوزّع مجاناً. ويقول أحد المراقبين: “هناك رغبة مجتمعية في البحث عن اليقين وسط هذا الانهيار، وهو ما يجعل الكتاب الديني يتصدر المشهد، بينما تتراجع الرواية والفكر النقدي إلى الهوامش”. أما الكتب التي تُطلب “همساً”، فهي تلك التي تناقش نظرية التطور أو الفلسفة الوجودية أو الأدب الجريء اجتماعياً. الرقابة هنا ليست “شرطياً” على باب المكتبة، بل خوفٌ من الوصمة والمساءلة الدينية التي قد تلاحق اقتناء مثل هذه العناوين.

في القنيطرة، لا ترف للثقافة بعيداً عن فوهة البندقية. فالتوغّل الإسرائيلي قضم 76 كيلومتراً من الشريط الحدودي بعمقٍ وصل إلى 4 كيلومترات. كما أن احتلال بلدات مثل “الحميدية” و”الرواضي” و”العدنانية” و”رسم الشولي” و”القحطانية” حوّل النشاط الثقافي إلى “فعل استغاثة”. وعمدت قوات الجيش الإسرائيلي إلى دخول مبنى المحافظة ونشر الفوضى؛ حطموا المكاتب، ونثروا القاذورات في الردهات، وأحرقوا سيارات المحافظة. ويصف أبو عبد الله هذا الفعل بأنه محاولة لكسر الهيبة المعنوية للمكان. ومع فقدان المكان المادي، المركز أو المحافظة أو النادي، يُفقد المنبر بالضرورة، فيتحول النشاط الثقافي إلى توثيقٍ حقوقي للمظالم.

في ظل هذا المشهد، كيف يرى المواطن في الجنوب “الفعل الثقافي”؟

رهام الناطور، 33 عاماً، خريجة كلية التربية من مدينة نوى، تتحدث بمرارة لـموقع صالون سوريا عن تحول مفهوم الثقافة من “هوية علنية” إلى “فعل سري”. تقول: “قبل سنوات كانت الثقافة هويتي وتعني لي التميز والظهور. اليوم أعتبرها منفاي الاختياري للهروب من واقعٍ لا يرحم. أقرأ الروايات في غرفتي، لكنني لا أجرؤ على مناقشتها علناً. بعد سقوط النظام صار المجتمع يراقب بدقةٍ أكبر؛ والخوف من العار أو النميمة، أو اتهامنا بالتبعية للغرب، صار أقوى من أي رقابة أمنية سابقة”.

وتحدد رهام أسباب غياب الجمهور عن أي فعاليات محتملة في ثلاثة عوامل: أولاً الأمن؛ الاغتيالات وفوضى السلاح تجعل الخروج بعد الغروب مخاطرةً غير محسوبة، وتحوّل التجمعات إلى أهداف محتملة. وفي القنيطرة، يجعل الوجود الإسرائيلي المكثف في 9 نقاط حدودية التجمعات هدفاً محتملاً. ثانياً العامل الاجتماعي؛ الخوف من النميمة واتهامات “إفساد المجتمع”، حيث تُواجه التجمعات المختلطة بحملات تحريض رقمية تصف الناشطين بـ”العلمانية المأجورة”. ثالثاً العامل الاقتصادي؛ تراجع القدرة الشرائية يدفع المواطن إلى تفضيل تأمين الخبز على تكلفة مواصلات لحضور ندوة شعرية. وعن الفضاء الرقمي، تؤكد رهام أن الفضاء الرقمي في الجنوب لا يعوّض دفء اللقاء الإنساني، بل يخلق غرفاً معزولة تعمق الاستقطاب، فتجعل الثقافة أداة فصل لا وصل، حيث يستهلك كل فرد ما يوافق هواه دون فرصة للحوار الحقيقي الذي كان متاحاً في المقاهي والمراكز سابقاً.

يجمع مراقبون في الجنوب السوري على أن تعريف “المقبول اجتماعياً” شهد انزياحاً كبيراً نحو التشدد. يقول الشيخ محمود أبو عبد الله، 50 عاماً، إمام جامع معتدل من درعا، في حديثه لموقع صالون سوريا: “المجتمع الحوراني كان دائماً محافظاً لكنه متسامح. اليوم نرى محاولات لفرض رؤية أحادية. الموسيقى والتصوير وحتى نوع اللباس أصبحت مواضيع تُحسم عبر التحريم والتحريض”.

من يرسم الخطوط الحمراء؟

يوضح الشيخ محمود أن الرقابة لم تعد مقتصرة على جهة واحدة، بل تُمارَس عبر تحالف غير معلن بين ثلاثة أطراف: تجمعات مؤطَّرة تستغل نفوذها المالي ومنصاتها الإعلامية لإحكام القبضة على المنابر الرقمية والمحلية، مروِّجةً خطاباً متشدداً يضع الفنون في دائرة التحريم؛ ثم رقابة ذاتية لدى المنظمين، إذ يتجنبون موضوعات قد تثير حساسية دينية، ويفضلون حصر الأنشطة في جوانب مهنية مثل الخياطة وعلوم الحاسوب لضمان الاستمرارية وتجنب الصدام؛ وأخيراً ضغط اجتماعي قائم على الوصم، تُشن عبره حملات تحريض ضد أي ناشط ثقافي بتهمة “إفساد المجتمع”، ما يؤدي إلى نبذه وتوقف نشاطه قسراً دون قرارٍ رسمي، بقوة الترهيب المعنوي الذي يفرضه الواقع الجديد.

ويتجلى ذلك في “الهروب إلى المناطق الآمنة”، حيث تقتصر أنشطة المراكز على دورات “الخياطة والحاسوب” مع تجنب المسرح والفنون الفكرية. ويروي الشيخ حادثة مسابقة القرآن للأطفال التي هاجمها البعض لمجرد حضور الأمهات، ما يعكس ضيق أفق صاعدين جدد ورغبتهم في فرض الفصل وتغييب المرأة عن المشهد.

لا يبدو التراث في الجنوب السوري، الممتد من سهول حوران إلى هضاب الجولان، مجرد فولكلور عابر، إنما هي مادة شديدة الحساسية؛ فهو يمثل “الهوية الجامعة” من جهة، لكنه بات هدفاً للنقد المتشدد ومحاولات التوظيف السياسي من جهة أخرى. وتختصر رهام الناطور هذا المشهد بالإشارة إلى “مؤشر صمود” لا يزال يقاوم الاندثار، وهو التراث الحي في المناسبات الاجتماعية؛ فالدبكة و”السحجة” الحورانية ما زالتا قاسماً مشتركاً رغم تصاعد فتاوى التحريم. وفي الوقت الذي يوقّع فيه الشباب بأقدامهم رسائل البقاء، بدأت تظهر “أعراس إنشادية” تخلو من الموسيقى بتوجيه فرق دينية تسعى لاستئصال هذا الإرث بدعوى “البدعة”.

أما في القنيطرة، فتتخذ الثقافة شكلاً أكثر تجذراً، حيث تتحول العلاقة بالأرض ورفض الإغراءات أو العروض الإسرائيلية إلى أسمى أشكال التعبير الثقافي؛ وهو أثرٌ لم ينجح أحد في انتزاعه من وجدان الأهالي. وعلى المقلب الآخر، يواجه هذا الإرث “معركة الرواية التاريخية”. تحاول إسرائيل توظيف الآثار المنتشرة في درعا والقنيطرة لخدمة سرديتها عبر ربط المنطقة بـ”مملكة باشان” التوراتية المزعومة. ويضع هذا التحدي المثقف السوري أمام جبهتين: جبهة التصدي لـ”الأسرلة” التي تسرق التاريخ، وجبهة الميل إلى التشدد الديني الذي يختزل الآثار في مفهوم “الأصنام” التي يجب إزاحتها. إنه صراعٌ على “من يملك القصة” في ظل فراغٍ مؤسساتي موحش كان يفترض أن يكون الحارس الأمين لهذا الإرث المهدد.

نحو “عقد ثقافي” جديد

يكشف الرصد الميداني في محافظتي درعا والقنيطرة بين عامي 2024 و2026 عن تحولات جوهرية ترسم ملامح مستقبل الهوية في الجنوب السوري. وتبرز ظاهرة “خصخصة الفعل الثقافي” كأحد أبرز مخرجات انهيار المؤسسات الرسمية؛ فمع انطفاء الأنوار في مراكز الدولة، كما حدث في درعا، انزاح الحراك الثقافي نحو فضاءات خاصة من مضافات وبيوت مفتوحة، بما يهدد بتكريس الاستقطاب العشائري والمناطقي على حساب الهوية الجامعة.

ويترافق هذا الانكفاء مع ولادة نظام رقابي جديد أكثر تعقيداً؛ إذ سادت “الرقابة الاجتماعية” التي استبدلت السطوة الأمنية المباشرة بـ”الرقابة الذاتية” وخوف الفرد من محيطه، وهو نوع من الوصاية الفكرية يبدو أكثر فتكاً لغياب مرجعية قانونية واضحة. وفي مقابل هذا التراجع في المدن، تكرست الثقافة في القنيطرة بوصفها “فعل مقاومة” وجودياً؛ حيث غدا “المحراث” وصمود المزارع في أرضه هو النص الثقافي الأكثر بلاغة في مواجهة محاولات التجريف واقتلاع التاريخ. غير أن هذا الصمود يصطدم بحالة “انفصام رقمي” لدى جيل الشباب، حيث اتسعت الفجوة بين الحرية في الفضاءات الافتراضية والقيود الصارمة على الأرض، ما خلق ازدواجيةً تحاول موازنة التطلعات العصرية مع واقعٍ محلي يزداد انغلاقاً وحذراً.

أديب الشيشكلي: وثائق جديدة تعيد قراءة حقبة مثيرة للجدل

أديب الشيشكلي: وثائق جديدة تعيد قراءة حقبة مثيرة للجدل

في طبعةٍ ثانيةٍ مزيدةٍ ومنقّحة، صدر عن دار رياض الريّس للكتب والنشر في بيروت مؤخراً كتاب “أديب الشيشكلي: الحقيقة المغيّبة” لمؤلّفيه بسام برازي وسعد فنصة، اللذين يوثّقان فيه حادثة اغتيال الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي (1909–1964) في مقاطعة غوياس بالبرازيل، في 27 أيلول/سبتمبر 1964، بإصابته بطلقٍ ناري من مسافةٍ قريبة، وذلك بالاستناد إلى وثائق محاكمة منفّذ عملية الاغتيال، الشاب نواف غزالة – من أبناء الطائفة الدرزية – إضافةً إلى الشهود والمرافعات القانونية التي جرى العثور عليها بعد جهودٍ شاقة ورقمنتها وأرشفتها.

يقدّم برازي (ابن شقيقة الشيشكلي)، وهو خريج جامعة تكساس في الهندسة المدنية ورئيس مجلس إدارة النادي السوري الأميركي في هيوستن، وفنصة (الباحث والمؤرخ السوري المقيم في واشنطن)، في كتابهما الذي صدرت طبعته الأولى عام 2020، محطاتٍ من سيرة وتاريخ العقيد الشيشكلي المولود في حماة عام 1909، والذي أصبح رئيساً للبلاد على إثر الانقلاب العسكري الثالث في تاريخ سوريا الحديث، في التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر 1949.

كما يتناول الكاتبان بالتحليل والنقاش رؤيتهما الخاصة لأحداث جبل الدروز وسياقها التاريخي في خمسينيات القرن الماضي، ويتناولان أعداد القتلى وأدوار الأطراف الدولية، ويقفان عند أساليب محامي الدفاع، في محاولةٍ لتقديم إضافة موثّقة لفهم مرحلةٍ مهمة من تاريخ سوريا في النصف الأول من القرن العشرين.

يقول الكاتب بسام برازي، في مقدمة وضعها للطبعة الثانية من الكتاب (575 صفحة)، تتخللها وثائق وصور تُنشر للمرة الأولى، إنه:
“حين فرغت من كتابة “الحقيقة المغيبة” مع سعد فنصة، كنت أظن أننا قد وثّقنا كل ما يحتاج إلى توثيق في السرد حول حقبة الشيشكلي، وأننا جمعنا كل ما أمكننا جمعه من الوثائق والشهادات والبيانات. ثم بعد صدور الطبعة الأولى وما أثارته من جدل ونقاش، المثمر منه وغير المثمر، وجدنا أننا أغفلنا توثيق الحادثة الأهم في سيرة الشيشكلي، وهي ببساطة حادثة اغتياله. فقد جرت محاكمة للقاتل ومن شاركوه في التخطيط للجريمة، لكن الكتاب لم يتضمن أي وثيقة من وثائق تلك المحاكمة أو دفاعات المحامين أو مرافعات الادعاء أو شهادات الشهود. وهكذا لم نعد نجد في أنفسنا ذلك الرضا التام عن الكتاب، فبدأنا جهوداً شاقة للحصول على وثائق تلك المحاكمة”.

ويلفت برازي إلى أنه وزميله سعد فنصة كانا يعرفان أن الأمر ليس سهلاً، إذ “إن المحاكمة جرت منذ أكثر من نصف قرن، وليس من السهل العثور على أشخاص يمكن أن يكونوا مرتبطين بها قادرين على تذكر أين أودعت هذه الوثائق – إن كانت موجودة أصلاً ولم تتعرض للإتلاف. وهذه الوثائق لا تنتمي إلى زمان بعيد فقط، بل أيضاً إلى بلد بعيد لا نعرف إلا اليسير عن مسالكه القضائية. لكن الله شاء ألا تضيع جهودنا وجهود أولئك البرازيليين الطيبين الذين تولّوا مهمة البحث، على الرغم من أنهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن الشيشكلي، بل لم يسمعوا باسمه من قبل. وهكذا عُثر على ملف المحاكمة وأُنقذ من الإتلاف الذي كان وشيك الحدوث. كما عمد المسؤولون عن ملف المحكمة، بعد اكتشاف هذا الاهتمام غير المتوقع بملف مضى عليه ستون عاماً، إلى رقمنة الملف وأرشفته، وتخزين النسخة الأصلية الورقية في متحف المحكمة، وتزويدنا بنسخةٍ منه”.

ويبيّن برازي أن هذا الملف الأصلي “يشرح الجهود المستميتة التي بذلها محامو الدفاع عن القاتل، وهم – بحسب الصحافة البرازيلية – من أشهر المحامين الجنائيين في عموم البرازيل، والذين أسرفوا في الافتراء على الشيشكلي واختلاق قصص مفبركة عنه، ووصفه بالمجرم الذي لم يتورع عن قتل الآلاف من أبناء طائفة القاتل، بمن فيهم النساء والأطفال. كما نجحوا في نقل مكان المحاكمة من البلدة التي وقعت فيها الجريمة إلى مكانٍ آخر بعيد، بحجة الخشية على سلامة القاتل، وأن الشهود من البلدة جميعاً متعاطفون مع الشيشكلي ومتأثرون بشخصيته الوادعة الدمثة”.

ويضيف أن ملف المحكمة “غني بالمعلومات، فهو لا يتعلق فقط بحادثة الاغتيال، بل يضع أحداث جبل الدروز في إطارها الحقيقي، ويبيّن أسبابها كما وقعت من خلال تقارير مفصلة ودقيقة وبالأسماء، كما دوّنها في حينه قائد درك السويداء عادل البغدادي ومحافظ السويداء رفعت زريق، من دون مبالغات إعلامية فجّة تسعى للإثارة. فقد ذكر أن مجمل عدد القتلى من الطرفين لم يتجاوز بضع عشرات، مقارنة بخمسة عشر ألف قتيل بحسب ادعاءات محامي الدفاع. ويشرح التقرير أدوار الجميع ويعيد – دون قصد – تعريف من هو الضحية ومن هو المعتدي، ويبرز أدوار الرجال المتورطين. ومن المؤسف أن محامي الضحية لم يحسنوا الإفادة من هذه المعلومات”.

معلومات عن حقبة الشيشكلي تُنشر للمرة الأولى

تتجلى أهمية الكتاب الذي نستعرضه في هذا المقال في سرده لسيرة الرئيس الشيشكلي منذ كان عقيداً في الجيش السوري وحتى وصوله إلى سدة الحكم عام 1953، أي بعد أربعة أعوام من تنفيذه انقلاباً عسكرياً في الشهر الأخير من عام 1949، وتأريخه لحقبته التي لا تزال حتى الآن موضع جدل في الكثير من الكتب والأبحاث والبرامج المتلفزة التي ظهرت خلال العقود الماضية.

إذ يورد الكتاب ما لم تورده الإصدارات السابقة عن سيرة الرئيس السوري السابق أديب الشيشكلي وحياته، وذلك بالعودة إلى قرابة ألفي وثيقة من الوثائق الخاصة بوزارات خارجية الدول العظمى الفاعلة آنذاك: الأميركية والفرنسية والبريطانية، وقد احتوت هذه الوثائق على كثير من المعلومات التي تُنشر للمرة الأولى.

وفي تأريخ حقبة الشيشكلي، بحسب المؤلفين، ثمة مسألتان تميزانها عن بقية الحقب التي مرت على سوريا بعد تخليه عن الحكم. أولاهما أن سوريا – بحسب الوثائق والشهادات – عرفت في عهده عصرها الذهبي في مجالات الحياة المختلفة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهو أمر لم يتكرر منذ استقلال البلاد وحتى اليوم.

وثانيهما أنه عندما شعر الشيشكلي، في اللحظات الأخيرة، أن القوى المتصارعة على الحكم بين مؤيدٍ لحكمه ومناهضٍ له قد تدفع البلاد والجيش الذي حرص على بنائه وتقويته إلى حربٍ أهلية أو صدامٍ مسلح بين فرقاء الجيش وقادته، آثر الاستقالة حقناً للدماء وغادر البلاد، رغم امتلاكه القوة العسكرية الكافية للقضاء على الانقلابيين.

ويطرح المؤلفان في كتابهما سؤالين مهمين:
الأول: هل كان أديب الشيشكلي، الرجل الأقوى سياسياً وعسكرياً في سوريا بين عامي 1949 و1954، ديكتاتوراً أم قائداً واقعياً براغماتياً تحوّل إلى ديكتاتور رغماً عنه بفعل الضغوط السياسية؟
والثاني: هل كان يستحق أن يُغتال في منفاه البرازيلي عام 1964 بعد عشرة أعوام على اعتزاله العمل السياسي؟

سيرة مبعثرة ومخفية لشخصية إشكالية

يعرّفنا الكتاب بالرئيس أديب الشيشكلي الذي كان يوم اغتياله في الرابعة والخمسين من عمره، ولم تتح له الفرصة لتدوين مذكراته أسوة بكثير من السياسيين والعسكريين الكبار من معاصريه.

ووفقاً لما يذكره برازي في المقدمة، فإن هدف الكتاب هو الإضاءة على “سيرة واحدة من الشخصيات العسكرية التي كان لها تأثير كبير في تاريخ سوريا المعاصر، وهي الفترة التي أعقبت جلاء الفرنسيين عن سوريا في 17 نيسان/أبريل 1946، وبالأخص مع بداية عصر الانقلابات العسكرية”.

ولا ينفي المؤلف أن الشيشكلي “شخصية إشكالية”، لكنه يشير إلى أنه عندما اغتيل “بقيت سيرته مبعثرة ومخفية في ثنايا الكتب والمراجع”.

ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة هو في الواقع تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة في كثير من الأحيان، إذ فسّر بعض المؤرخين الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن نية أو بسوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله.

ويرى برازي أن التطرق إلى هذه السيرة إنما هو “تطرق إلى حقبة زمنية مهمة من تاريخ سوريا لم تكن منصفة، وكان مؤلفوها في أحيان كثيرة يفسّرون الأحداث تفسيراً خاطئاً، بحسن أو سوء نية، والنتيجة واحدة: تصوير أديب الشيشكلي على أنه ديكتاتور قاسي القلب، لا يتورع عن سفك الدماء في سبيل الإمساك بالسلطة المطلقة، في حين أنه عفا حتى عن الذين حاولوا اغتياله”. ومن هنا ينطلق تدوين السيرة من فكرة “إنصاف” من رفع شعار “الجمهورية السورية لا تزول إلا على جثتي”، فقام بانقلابه الأول في 19 كانون الأول/ديسمبر 1949، ثم تسلّم السلطة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1951. ورغم عبوره بكل هذه المحطات، يستنتج برازي: “أقول بكل صدق وأمانة، وحسب معرفتي بشخص أديب الشيشكلي وطبيعته، إنه أصبح ديكتاتوراً رغماً عنه”.

ويشير برازي إلى أن الشيشكلي قاد انقلابه الأول “حين تأكد من عزم الزعيم سامي الحناوي، قائد الانقلاب السابق ضد المشير حسني الزعيم وضباطه، بالتعاون مع “حزب الشعب”، على ضم سوريا إلى النظام الملكي الهاشمي في العراق المرتبط بمعاهدة مع بريطانيا”. ويضيف أنه كان بإمكانه قمع ذلك الانقلاب لأن “معظم قطاعات الجيش الضاربة استمرت تحت إمرته، لكنه آثر حقناً للدماء وحفاظاً على وحدة الجيش السوري أن يتخلى عن الحكم ويغادر البلاد”.

ويضيف برازي وفنصة، استناداً إلى مصادر سياسية سورية، أن “حزب الشعب” هو الذي دفع بالرئيس الشيشكلي رغماً عنه نحو حركته العسكرية المباشرة، فيما كان يفضّل الاستمرار في قيادة العربة من المقعد الخلفي.

ويلفت المؤلفان إلى أنه خلال سنوات قيادة الشيشكلي للبلاد، كرئيس للجمهورية أو كرجل قوي وراء السلطة السياسية، كان مقرّباً من سلطة “الحزب الجمهوري” الأميركي بقيادة الرئيس دوايت أيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دالاس. غير أن علاقته بـ”الحزب الجمهوري” تأزمت بعدما فُرضت عليه شروط صعبة التطبيق، من بينها الاعتراف بالكيان الإسرائيلي والدخول في “مشروع أيزنهاور” للتعاون الإقليمي الدفاعي والعسكري مع أميركا لمواجهة تغلغل الاتحاد السوفييتي والشيوعية في المنطقة.

ويذكر برازي، في هذا السياق، أنه “في أيار/مايو 1953 قال الشيشكلي لوزير الخارجية دالاس إنه يقرّ بأن دولة إسرائيل حقيقة موجودة، كما أنه لا يريد السلاح الأميركي ليلقي بإسرائيل في البحر، بل يريده حتى لا تُلقيَنا إسرائيل في البحر. وهو يدرك أنه لا يمكن هزيمة إسرائيل عسكرياً، ولكن بإمكاننا هزيمتها اقتصادياً”.

ولا يكشف المؤلفان سراً بقولهما إنه خلال فترة حكم الشيشكلي لم تهدأ محاولات العراق وبريطانيا لضم سوريا تحت العرش الهاشمي، ولا محاولات رجل الأعمال اللبناني أميل البستاني (الذي قُتل في حادث طائرة مشبوه)، المعروف – بحسب برازي وفنصة – بصلاته الوثيقة مع الاستخبارات البريطانية، لإيصال رسالة نوري السعيد إلى القيادة السورية حول ضرورة انضمام سوريا إلى العراق.

ويرى المؤلفان، في الفصول المتعلقة بالانقلابات في سوريا الحديثة منذ عام 1949 وحتى عام 1970، أنه عندما قام أديب الشيشكلي بانقلاب في 19/12/1949 على اللواء سامي الحناوي – الذي سبق أن نفّذ انقلاباً عسكرياً على المشير حسني الزعيم واعتقله وأعدمه مع رئيس وزرائه محسن البرازي بعد محاكمة عسكرية سريعة في 14/08/1949 – كان الشيشكلي ينفّذ تعطيلًا للمشروع البريطاني–العراقي–الهاشمي لمصلحة المشروع الأميركي، وليس لمصلحة جهة عقائدية أخرى، قومية سورية أو غيرها.

ويدرج المؤلفان وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الفرنسية في 27/02/1954 (أي عند قرار الشيشكلي الاعتكاف والخروج من سوريا بعد انقلاب الضابط مصطفى حمدون، الذي كان بعثياً وموالياً لارتباط سوريا بالنظام المصري الجديد بقيادة جمال عبد الناصر) تقول: “أفاد لنا رئيس الجمهورية اللبنانية كميل شمعون بأن لبنان التزم الحياد حيال الأزمة في سوريا، وأقنع الشيشكلي بعدم العودة إلى سوريا، وأن الأخير سافر إلى السعودية على متن طائرة أرسلها إليه الملك سعود بن عبد العزيز”.

سوريا بعهد الشيشكلي في مركز متقدم بين الدول النامية
يوضح المؤلفان بسام برازي وسعد فنصة مواقف العديد من القيادات السورية المختلفة بعد الانقلاب على الشيشكلي، من بينها موقف خالد العظم الذي قال: “انتقم العراقيون والبريطانيون من أديب الشيشكلي عندما أثاروا ضده عام 1954 حركة معادية في جبل الدروز، وراحوا يمدحون حزب الشعب وغيره لإثارة الفتنة ضده وإبعاده عن الحكم المعادي لهم”. فيما قال العقيد حسين الحكيم، الذي تولى رئاسة إحدى الحكومات المؤيدة للشيشكلي: “شعرت بالحزن بعد استقالة الشيشكلي ويوم سمعت باغتياله. سامي الحناوي لم يكن مسؤولاً عن مقتل محسن البرازي والشيشكلي، ولم يكن مسؤولاً عن إثارة الفتنة في جبل الدروز، ولا عن اغتيال عائلة نواف أبو غزالة الذي اغتاله في البرازيل”.

ويؤكد برازي وفنصة أن قاتل الشيشكلي كان وزير الدفاع السابق البعثي اللواء حمد عبيد (من أبناء الطائفة الدرزية في عهد البعث)، الذي اعترف بجريمته بحجة أن الشيشكلي اضطهد الطائفة الدرزية.

ويبرز الكتاب كيف أولى الشيشكلي الاقتصاد أهمية كبرى منذ تسلّمه منصب رئيس الجمهورية العربية السورية عام 1953؛ إذ وجّه الحكومة لدعم الاستثمار الحر في البلاد، وسنّ القوانين المساهمة في تنظيمه ومراقبته، وأعاد قضية الموازنة العامة إلى دائرة النقاش النيابي بعد سنوات من غيابها. كما أصدر مراسيم لتشجيع الصناعات المحلية وزيادة الإنتاج، ووجّه بالاهتمام بشؤون التموين ومحاسبة المحتكرين.

ويذكر الكتاب تأثر الشيشكلي بنصائح الخبير الاقتصادي والمصرفي الألماني يالمار شاخت، التي دفعته إلى إقامة العديد من المشاريع الزراعية والصناعية التي أشرف عليها شخصياً، مستنداً إلى معرفته الأكاديمية باعتباره واحداً من خريجي المدرسة الزراعية في مدينة السلمية بمحافظة حماة، فتمكّن من تطوير النشاط والإنتاج الزراعي في البلاد بعد سنوات شهد خلالها القطاع الزراعي ركوداً، تأثر بالفساد والإهمال الحكوميين.

وقد وضعت مراسيم وقرارات الرئيس الشيشكلي سوريا في موقع متقدم بين الدول النامية، وجعلت مهاتير محمد (رئيس الوزراء الماليزي الأسبق ومهندس النهضة الماليزية) يقرّ بتأثره بتجربة الشيشكلي ورؤيته الشاملة والطموحة بعد زيارته سوريا عام 1952: “فأقسم صاحب الفضل في النهضة الماليزية بأن يجعل بلاده نسخة عن سوريا”، كما جاء في الكتاب.

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

حين يختزل الخطاب الثقافة: إشكالية المعنى في سوريا الجديدة

تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891–1937)، عند حديثه عن خيبة أمله بعد إخفاق الثورات في البلدان الأوروبية، مفهوم الهيمنة، مشيراً إلى أن «الهيمنة لا تُمارَس بالقوة وحدها، بل عبر بناء منظومة من القيم الثقافية والسياسية والأخلاقية والمعاني التي تُقدَّم بوصفها طبيعية وبديهية». ولأن الخطاب، بلغته وتعدد أشكاله، يُشكّل جانباً مهماً في عملية الاتصال والتأثير على مستوى الأفراد أولاً ثم الجماعات، وهو جزء من الخطاب العام للمجتمع، فإن أي خلل أو تباين فيه يعني بالضرورة خللاً داخلياً يستدعي التوقف عنده، والتنبه إليه، ومناقشته.

وبما أن الخطاب الثقافي الرسمي مساحة مركزية لإنتاج المعنى، فقد استوقفتني مجموعة من الخطابات الرسمية المتضاربة التي جاءت على لسان وزير الثقافة السوري في الحكومة الجديدة. من ذلك ما صرّح به في لقاء بمدينة حلب حول «تطوير الخطاب الثقافي الوطني»، بما يكرّس الهوية الوطنية السورية الجامعة ويركّز على التنوع الثقافي، بحيث تكون الثقافة أكثر التصاقاً بالمجتمع بعيداً عن النخبوية الضيقة. وهو تصريح يُمثّل إعلاناً للنوايا الثقافية، يحمل في طياته وعوداً تتجاوز القطاع الثقافي الضيق إلى المجال العام بأكمله، ويُقدّم الثقافة بوصفها سردية كبرى تنتظم حولها القيم والذاكرة والخيال الجمعي، وبذلك تتجاوز السلوك المفرد لتصبح منظومة معنى تُنتج الانتماء، وتُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. وهو تصريح يوحي بإدراك عميق لمفهوم الثقافة وأبعادها.

غير أنه، وفي حوار إعلامي لاحق خُصِّص لمناقشة الشأن الثقافي، اختزل مفهوم الثقافة في مجموعة من الممارسات التنظيمية اليومية، القابلة للقياس والمراقبة، والمتصلة مباشرة بالسلوك الفردي؛ فطرح الثقافة في سياق مختلف ينسحب إلى ثقافة النظافة الشخصية ونظافة المحال، وذلك عقب حادثة سرقة المتحف الوطني المؤلمة، التي شهدتها بلاد تمر بمرحلة انتقالية حرجة تتطلب الدقة والانضباط وعرض الرؤى والاستراتيجيات. ليأتي ردّه الرسمي منصبّاً على النظافة، ومقهقهاً عند الحديث عن سرقة المتحف!

إن تجاوزنا الجدل الحاصل عقب كل تصريح منفرد للوزير، وانتقلنا إلى رؤية شمولية أكثر اتساعاً، فنظرنا إلى مجمل التصريحات نظرة تتبّع ومقارنة، نلحظ سلوكاً متبايناً في التعاطي مع الثقافة وفي التعبير عنها. وهو سلوك يفتح باباً أوسع يتعلق بطبيعة الخطاب الثقافي الرسمي نفسه، وحدود مفاهيمه، ومدى خضوعه لهندسة واعية؛ بما يُحيلنا إلى ما قاله الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926–1984)، حين أكّد أن خطورة الخطاب لا تكمن فيما يقوله فقط، بل في الحدود التي يرسمها لما يمكن التفكير فيه بوصفه «ثقافة»، وما يستبعده أو يغض الطرف عنه. وهنا جوهر القضية؛ فالمشكلة ليست في الضحكة الساخرة غير المنضبطة، ولا في الحديث عن أهمية السلوك اليومي والنظام العام، ولا في هذا التصريح أو ذاك، بل في عدم إدراك أبعاد الخطاب الثقافي وماهيته، وفي نقل مفهوم الثقافة من مستواها الاستراتيجي إلى مستوى إجرائي ضيق دون بناء جسر مفاهيمي يربط بين المستويين.

ولأننا في مرحلة بناء سوريا الجديدة، فإننا أحوج ما نكون إلى الوعي بما يُعرف بـ«هندسة الخطاب الثقافي»، أي التخطيط المنهجي المدروس للثقافة. ولا نقصد بذلك التنظير الأكاديمي المجرد، بل العملية الواعية القائمة على تحديد مفهوم الثقافة المعتمد رسمياً، واختيار اللغة التي نتحدث بها عنها، وتحديد الجمهور المقصود، وضبط العلاقة بين الرمز والسلوك، وضمان الاتساق الزمني بين الخطابات المتعاقبة؛ بما يحقق تعدد المستويات لا خلطها، وتنوع الأدوات دون تفكيك المفهوم، بهدف إدارة الوعي الفردي والجماعي وتوجيهه، وبناء المفاهيم، وتشكيل السلوك بطريقة مؤسساتية لتحقيق أهداف اجتماعية أو حضارية أو اقتصادية.

وعليه، تكون المشروعات الثقافية، انطلاقاً من التصريحات الرسمية، جزءاً من مشروع فكري بعيد المدى يتجاوز الأفكار اللحظية، فلا يقتصر على تصريح عابر أو حملة إعلانية أو نشاط أسبوعي؛ إذ يصبح سياسة رمزية طويلة الأمد، يؤدي أي ارتجال فيها إلى تشويش المعنى، حتى وإن كانت الرسائل الجزئية في ذاتها إيجابية. فالفضاء العام يقوم على تماسك اللغة والمعنى، بعيداً عن الانحراف نحو الشعبوية الثقافية، إذ إن المضي في هذا المسار يفتح الباب أمام تسطيح الوعي وتفريغ الثقافة من بعدها المعرفي، مما ينتج عنه فوضى دلالية وتآكل في المسؤولية.

ولا يُراد بالشعبوية تبسيط اللغة أو الاقتراب من الناس، بل اختزال المفهوم نفسه إلى ما هو سريع الفهم، سهل الترويج، ومضمون القبول. وقد أوضح الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (1929) أن أخطر ما قد يصيب الخطاب الثقافي الرسمي في مرحلة دقيقة كبناء الدولة الجديدة هو الانزلاق نحو الشعبوية الثقافية؛ فعندما تُقدَّم الثقافة بوصفها انضباطاً سلوكياً، تتحول من أفق للمعنى إلى أداة ضبط، ومن فضاء للهوية إلى قائمة تعليمات. وحينها لا يعود الخطاب رافعاً للوعي، بل مُطمئناً للذائقة العامة على حساب العمق، وهو ما يفقده وظيفته التأسيسية. فالخطاب يجب أن يستند إلى العقلانية التواصلية لا إلى العقل الأداتي، لأن الاتكاء على الثاني سيضعنا في مواجهة خلل ممتد يتجاوز أثره حدود الداخل إلى الخارج.

ومن المعروف أن الخطاب الثقافي أحد أهم أدوات الاتصال بالعالم، في زمن تُقاس فيه الدول بقوتها الناعمة، وتُقرأ الثقافة فيه بوصفها سردية، وتُفهم اللغة الرسمية كبطاقة تعريف. فلا تنحصر الثقافة بما نفعله فقط، بل تمتد إلى ما نفهمه عن أنفسنا وما نرويه للعالم عنا. وقد أشار إلى ذلك أستاذ العلوم السياسية ومساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأمن الدولي جوزيف ناي، عندما تحدث عن القوة الناعمة التي تُبنى عبر الجاذبية الثقافية والرمزية، لا عبر التعليمات الإدارية. موضحاً أن كل خطاب ثقافي رسمي هو إعلان ضمني عن صورة الدولة التي نريدها؛ فخطاب يختزل الهوية الوطنية إلى ممارسات تنظيمية يومية قد يبدو داخلياً قريباً من الناس، لكنه يفتقر خارجياً إلى القدرة على تمثيل مجتمع معقّد وغني بالتاريخ والتعدد والإنتاج الرمزي، مما يفقده القدرة على مخاطبة العالم من موقع الندية الثقافية.

ولعلنا، بعد سنوات من العزلة الثقافية، نطمح إلى سوريا جديدة يتجاوز فيها الخطاب حدود اليومي نحو أفق أعمق. وهذه الرغبة ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً لبناء مشروع وطني قابل للحياة في الداخل، وقادر على التواصل مع العالم في آن واحد.

وعليه، فإننا بحاجة إلى بناء خطاب ثقافي وطني جديد يرفع مستوى الخطاب الرسمي، ويُعاد تخطيط بنيته العميقة في التعليم والذاكرة والمؤسسات. وهو ما تؤكده تجارب دول نجحت في إعادة بناء صورتها الثقافية بعد أزمات وصراعات متعددة، مثل جنوب إفريقيا التي راعت الانقسام والتعدد وانتقلت من نظام قمعي إلى أفق جديد، ورواندا التي جبرت ذاكرة العنف الجماعي، وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية التي واجهت الماضي ولم تنكره، فاختارت السردية المسؤولة بديلاً من المريحة.

ويكون ذلك عبر إعادة ضبط البوصلة المعرفية، وإزاحة منطق ما يريده الجمهور لصالح ما يحتاجه الوعي العام كي يتطور، والانتقال من الارتجال إلى الاستراتيجية التي تحقق الفصل الواضح بين الثقافة بوصفها قيمة ومعنى، والسلوك بوصفه نتيجة لهذه القيمة لا تعريفاً لها. وكذلك عبر تفكيك اللغة قبل إنتاجها، وتوظيف لغة رمزية تفتح أفق التفكير النقدي والإبداعي بدلاً من لغة تعليمات تُغلقه، مع الاستثمار في النقد بوصفه ممارسة تفسيرية مسؤولة، وتمكين المثقفين من مواقعهم، وإشراك الباحثين وصنّاع المعنى في بناء السردية الثقافية، لا الاكتفاء بإنتاجها ضمن دوائر إعلامية ضيقة أو التوجه نحو «المؤثر الثقافي» السريع. كل ذلك وغيره يمكن أن يسهم في رسم مسار واضح، ووضع خطة ناجعة نحو هندسة الخطاب الثقافي في سوريا الجديدة.

حين يصير النص خشبة: قراءة في “مسرح الطاولة” وأزمة العرض

حين يصير النص خشبة: قراءة في “مسرح الطاولة” وأزمة العرض

قُدِّم ضمن ما يُسمّى بـ(مسرح الطاولة) عرضان مسرحيان في مدينة حمص للفنان عبد الكريم عمرين؛ كان الأوّل في وقتٍ سابق بعنوان “سقوط الحصان”، وهو مونودراما مأخوذة عن نصّ لفرحان بلبل، الكاتب والمخرج المسرحي المعروف ومؤسّس فرقة المسرح العمالي في مدينة حمص، التي قدّمت مسرحيات كثيرة ومهمة منذ سبعينيات القرن الماضي، كـ”الفيل يا ملك الزمان” و”حفلة سمر على شرف خمسة حزيران” و”رأس المملوك جابر” و”طقوس الإشارات والتحوّلات”، وغيرها من المسرحيات التي بقيت إرثاً مسرحياً غنياً.

أمّا الثاني فكان بعنوان “ظلام”، وقد قُدِّم مؤخراً في كنيسة السريان بحمص، وهو أيضاً عرض مونودراما من تأليف وتمثيل وإخراج عبد الكريم عمرين، الكاتب والممثل وأحد أعضاء فرقة المسرح العمالي المؤسِّسين.

وقد نوّه عمرين بأنه اختار هذا الأسلوب في محاولة لإحياء اللغة والاعتراض على تهميش الإنسان من قبل التقنيات. ويقوم العرض على قراءة النص المسرحي من قبل الممثل جالساً خلف الطاولة، بينما اضطرّ في العرض الثاني “ظلام” للوقوف حتى يتمكّن الجمهور من المشاهدة.

يعيدنا ذلك إلى ما سُمّي بالمسرح الفقير الذي أسّسه غروتوفسكي، ويقوم على الاستغناء عن كلّ الوسائل المسرحية نتيجة رفضه التكاليف الباهظة للعروض المسرحية، فاعتمد اختزال العمل المسرحي بالممثل مقابل الجمهور، الذي قد يكون متفرّجاً واحداً.

أمّا قراءة المسرحيات، ففي الحقيقة كانت شائعة منذ القدم؛ فكانت تتم قراءة المسرحية أمام جمهور خاص من المثقفين. وفي القرن السابع عشر كان الهواة يقومون بقراءة النصوص بشكل تمثيلي في بلاط لويس الرابع عشر. وشاع في العصر الحديث تقليد قراءة المسرح في الاتحاد السوفييتي وإنكلترا، وذلك أمام مجموعة مختارة من المثقفين للتعريف بالكتابات المسرحية الجديدة قبل تقديمها، في نوعٍ من استمزاج الجمهور الخاص و”لبيان الجانب الدرامي في النص بمعزل عن العرض”. كما انتشر هذا الأسلوب في فرنسا ضمن ما سُمّي بالمسرح المفتوح لتعريف الجمهور بالنصوص الجديدة، واعتُبر ذلك نوعاً من الإخراج الصوتي للنص، إضافةً إلى تدريبات طلاب المسرح في قراءة النصوص أمام الجمهور.

في العرضين المقدَّمين في حمص باسم مسرح الطاولة، اقتصرت القراءة على ممثل واحد (مونودراما) أو قارئ واحد، ما يذكّرنا بأسلوب الحكواتي بصيغتيه:
الأولى الشعبية في المقاهي حيث كان الحكواتي يقرأ النص من كتابه، وغالباً ما يكون “ألف ليلة وليلة” أو “الزير سالم” أو “سيرة بني هلال” وغيرها، مع تطعيم القراءة بتلاوة بعضها غيباً نتيجة حفظها لكثرة التكرار، موحياً بصوته أجواء الحكاية والحدث، ولازمته الشهيرة: “كان يا ما كان”.
والثانية: الحكواتي المُـمَسرَح، الذي قدّمه كثير من الفنانين بدءاً من أبي خليل القباني، إلى استخدامه في النص المسرحي كما في نصوص كتبها سعد الله ونوس مثل “سهرة مع أبي خليل القباني” أو “حكاية رأس المملوك جابر”. وقد صار إحدى تقنيات المسرح لكسر الحاجز بين الممثل والجمهور، ولجأ إليها عدد من الفنانين أثناء الأحداث السورية بعد انطلاق الثورة لإيصال صوت السوريين للجمهور متشابكاً مع الذاكرة والتراث. ورغم أصالة الحكواتي وعلاقته بالمسرح، إلا أنّ التجربة تحتاج إلى تقنيات أولية تساعد على الأداء وشدّ المتفرّج.

يكتفي مسرح الطاولة المقدَّم بالاعتماد على صوت الممثل لوضع المشاهد في فضاء المشهد، ولهذا فإن العوامل الخارجية تؤثر على المتابعة. كما أن اعتماد الممثل على الإيقاع الصوتي في الإلقاء لإيصال الفكرة للجمهور يضعنا أمام إشكالية حصر المتفرّج في دائرة التأثّر الوحيدة، أي إملاء قارئ النص، وليس إطلاق خيال المتفرّج.

فإن كان هذا المسرح قد ظهر نتيجة فقر الإمكانيات، وفي واقعٍ توقفت فيه عروض الفرق المسرحية تقريباً كما اختفى المهرجان المسرحي الذي كان يُقدَّم على مسرح المركز الثقافي في حمص، مع ملاحظة التدهور الذي كان يحصل فيه على المستوى الفني والفكري منذ عدة أعوام، يطرح السؤال نفسه: هل هو البحث عن بدائل عبر هذا الشكل المسرحي؟ وإن كان كذلك، ألا يحتاج مسرحاً مُعَدّاً بشكل جيد حتى لا يتم تفتيت المشهد المسرحي بالفوضى والمقاطعة والضوضاء كما حدث في مسرحية “ظلام” للفنان عمرين في العرض الأخير؟ فتوقّف الممثل عن الإلقاء وعودته بعدها يسبّب بلا شك قطعاً في التواصل بينه وبين المتفرّج، خاصةً أنه لا يعتمد على أيّ من سينوغرافيا المسرح (الإضاءة – الديكور – الموسيقى) التي تضبط الانتباه وتحافظ عليه أمام العوامل الطارئة.

مسرحية “ظلام”
فكرة المسرحية “ظلام” تقوم على سرد معاناة الإنسان أمام آلة القمع المتعددة الأوجه، حيث تلتقي قوة القمع العالمية مع القوى المحلية لاستعباد البشر. فمن تعذيب السجناء في المعتقلات بدءاً من غوانتنامو وحتى سجون الأنظمة الدكتاتورية، يسرد الممثل عمرين حكاية شخصٍ أسير في غوانتنامو كمونولوج، وكيف تم تعذيبه والضغط عليه للاعتراف عبر التعذيب تارةً والإغواء تارةً أخرى. كما تم تعذيبه في بلده سوريا حين نُقل إليها، فآلة القمع واحدة والمصالح مشتركة بين القوى العالمية المسيطرة التي تستعبد الشعوب وبين الديكتاتوريات التي تستعبد الإنسان، حتى انتهى الأمر إلى فقدان الإنسان يقينه بالنجاة وسيطرة الظلام كدلالة على سلطة الظلم والقهر العامة.

لكن غاب عنا جرم الشخصية الخاص، فهي نُعِتت بالانتماء لطرف متشدّد (القاعدة)، وبهذا يبدو طبيعياً السؤال: أليس هو جزءاً من آلة قمع تدعو إلى محاربة المختلف وتكفيره وتنهج نهج إقصائه والقضاء عليه؟ ألم تقم بنفس الدور في الأماكن التي سيطرت عليها؟ أليست جزءاً من خريطة المصالح العالمية للقوى السياسية التي تمارس سلطتها بالتغييب والتعذيب والإقصاء وبيع النساء وتجنيد الأطفال؟ بينما سجناء الرأي والفكر الذين لم يحملوا السلاح يوماً ولم يحاولوا فرض رأيهم على أحد قد دفعوا نفس الأثمان في التعذيب والسجون والأقبية.

حاول عمرين بأدائه الصوتي شدّ انتباه الجمهور رغم تململهم بسبب الضجة التي قطعت الأداء عدة مرات وجعلت العودة للمشهد تبدو صعبة. ومع غياب شكل المسرح، ولأن طبيعة الأماكن العامة تسمح بحدوث الفوضى، يبدو نافلاً القول: لا بدّ من الإصرار على شروط عرضٍ جيدة لضمان جودة العمل الفني أثناء تقديمه للمتفرّج ليكون بالمستوى الذي يريد له الفنان أن يصل.

لا شكّ أن تجربة ما يُقدَّم باسم مسرح الطاولة هي إشعار بقدرة المثقف على الخروج من الواقع الصعب دوماً بحلول قد تكون مناسبة أو لا، لكنها تعني عدم التوقف عند حدود.

لننتظر توفّر الإمكانات لتقديم نصوص الطاولة على خشبة المسرح وعروضٍ أخرى. وهذا لا يلغي الجهد المبذول في تقديمها الحالي، وإنما يشكّل نوعاً من الإثراء والتنوّع؛ فكثير من القصص قُدّمت في أكثر من شكل، كقصة “ريا وسكينة” التي قُدّمت على المسرح والسينما والتلفزيون، مضيفةً كل مرة الجديد.

مروان قصاب باشي: الوجه كجغرافيا داخلية

مروان قصاب باشي: الوجه كجغرافيا داخلية

ينتمي الفنان التشكيلي السوري مروان قصاب باشي (1934–2016) إلى جيلٍ حمل الفن من ضفاف الشرق إلى قلب أوروبا، دون أن يتخلّى عن جذوره الروحية والإنسانية. وعلى الرغم من أنه قضى أغلب حياته في برلين، فإن أعماله ظلّت تحمل أثراً واضحاً من طفولته في دمشق، ومن ذاكرته الشرقية التي تشكّلت في بيئةٍ مشبعة بالرموز والتناقضات والانفعالات.

يُعد الراحل من أبرز الوجوه في الفن التشكيلي العربي الحديث، بفضل مكانته العالمية كفنان أقام وأنتج في ألمانيا، وابتكاره لغة فنية خاصة تتسم بعمق التأمل، وتستند إلى الوجه الإنساني بوصفه نافذة إلى النفس وميداناً لصراعاتها الداخلية.

من الكلمة إلى اللون

بدأ مروان حياته متأثراً بالأدب والكتابة؛ كان يكتب القصة القصيرة والمقالة، ويهتم بالفكر والسياسة، قبل أن يتحوّل إلى الرسم بوصفه لغة أكثر صدقاً للتعبير عن مشاعره وأفكاره. درس في كلية الفنون الجميلة في دمشق، قبل أن يسافر إلى برلين في الخمسينات لاستكمال دراسته في أكاديمية الفنون، وهناك سيبدأ مشروعه الكبير.

في بداياته، تأثر بالمدارس التعبيرية الألمانية، وبالفنانين مثل بول كلي (1879-1940) وأوتو ديكس (1891-1969) وجورج غروز (1893-1959)، لكنه سعى منذ وقت مبكر إلى تطوير أسلوبه الخاص، مستنداً إلى استنباط شيء فريد من الداخل، بعيداً عن التكرار والتقليد.

لكنه سعى منذ وقت مبكر إلى تطوير أسلوبه الخاص، متجنباً التكرار، مستنبطاً من الداخل شيئاً فريداً. كان الوجه البشري في نظره أكثر من مجرّد ملامح، فهو ساحة تتحرّك فيها الروح وتتجلّى فيها الهشاشة الإنسانية.

من منتصف الستينات، بدأ برسم الوجوه بطريقة متكررة ومتصاعدة. لم تكن تلك الوجوه واقعية، ولم يكن يسعى إلى تشابهها مع الأشخاص الحقيقيين، إنما تمثيلات داخلية، غالباً بلا أسماء أو هويات، لكنها مشبعة بالألم، بالغربة، بالقلق.

تطوّر الوجه عنده من صورةٍ لملامح بشرية إلى تضاريس داخلية، أشبه بخريطة روحية. أحياناً تتحوّل ملامح الوجه إلى جبال، إلى طيات طينية، إلى خطوط متشققة كأنها جروح أو وديان. هذا التركيب المعقّد جعل من الوجوه أشبه بمواقع للتأمل، لكل منها قصة، أو ربما آلاف القصص.

كثيراً ما يُطلق على هذا الأسلوب اسم “الوجه – الجبل”، وهي صيغة خاصة به، جعلت من وجه الإنسان رمزاً كونياً. هو يجاوز نقل التعبير اللحظي، ويحفر في الباطن، يعمّق التوتر بين الداخل والخارج، بين الجلد وما تحته، وبين الأنا والآخر.

عمل مروان على اللوحة كأنها عملية نحت أو حفر، لا مجرّد رسم. كان يكدّس الطبقات اللونية الواحدة فوق الأخرى، يضيف ثم يحذف، يكشط ثم يعيد البناء، حتى تتحوّل اللوحة إلى مادة عضوية حيّة، لها جلدٌ وعمقٌ ونبض.

كان يستخدم الألوان الترابية: الأحمر القرميدي، البني، الرمادي، الأخضر الداكن، وهي ألوان توحي بالأرض، بالجسد، بالدفء والوحشة في آن. 

كأنها طين يتفسّخ

ما يميّز تجربة الفنان مروان قصاب باشي هو ارتباطها بالذات؛ ذات فردية وإنسانية في آن واحد، تعيش العزلة، الاغتراب، وقلق الهوية. ويمكن قراءة وجوهه بوصفها انعكاسات لحالة الإنسان المعاصر: غارق في داخله، عاجز عن الفهم، يبحث عن الخلاص.

في كثير من أعماله، يبدو الوجه مسجوناً في الإطار، يملأ اللوحة بكثافته، لكنه لا ينظر إلى الخارج، غارق في داخله، كأنه يبحث عن معنى أو يصغي إلى صمتٍ داخليّ لا ينقطع.

هذه النزعة الوجودية، التي تأخذ من التعبيرية الألمانية أدواتها، ومن الشرق حمولته الروحية، جعلت مروان فناناً عالمياً، دون أن يفقد خصوصيته.

في تناوله الوجه البشري كفضاء تعبيري بالغ العمق والثراء، تميّز أسلوب مروان قصاب باشي بخصوصيّة جماليّة شديدة. في لوحاته، التي تبدو وكأنها نصف وجه متآكل أو غارق في ذاته، تعبّر ببلاغة عن التجربة البصرية والروحية التي اشتغل عليها مروان لسنوات طويلة، وهي تجربة لا تبحث عن “ملامح” بمقدار ما تسعى إلى تفكيك الذات وتصوير العزلة والاغتراب والاضطراب الداخلي.

في هذا النمط من أعماله، يبدو الوجه وكأنه يتشكّل ويتلاشى في اللحظة نفسها. تختفي الخطوط الحادة التي تفصل العين عن الأنف أو الفم، ويظهر تداخل عضوي يوحي بأن هذا الوجه ليس قالباً مستقراً، وإنما كتلة تتحرّك وتتفكّك تحت وطأة الزمن أو المشاعر أو الذاكرة.

التعبير الجسدي عن النفس

العين في اللوحة مظلمة، مجوّفة، غائرة، وكأنها أداة للرؤية تتحول إلى موقع لانهيار داخلي. تبتعد عن النظر إلى الخارج، وتسحب الناظر إلى عمقها، إلى فراغٍ روحيّ. وهذا يتوافق مع فلسفة مروان في رسم الوجوه: الوجه لا يراقب العالم، ينزوي في ذاته.

ربما يمكننا القول إن هذه العين هي جسد الروح، المرهقة، التائهة، العالقة في دوّامة لا اسم لها.

لا توجد حدود فاصلة وواضحة في هذه أعماله؛ الخطوط تتلاشى، الألوان تتدفق بحرية، كما لو أن الوجه ليس سوى انفعال أو اهتزاز داخلي. هذا الانمحاء التدريجي للملامح يُشير إلى أن مروان لا يهمّه “من” هذا الوجه، بل ما الذي يشعر به، أو ما الذي يتفتّت فيه.

هنا لا توجد هوية واضحة، ولا اسم، ولا جنس حتى. فقط وجه كونيّ، يصلح لأن يكون أيّ إنسان، وفي الوقت نفسه لا أحد. هذا ما يجعل من لوحات مروان مناطق تأمل أكثر منها بورتريهات.

اللون في لوحاته مادة تعبيريّة بالدرجة الأولى؛ مروان يضع اللون كمن يضع اللحم فوق العظم، هناك شعور بأن الجلد ينساب، يتقطّع، يتحوّل إلى مزيج عضويّ، يشبه الحمم أو الدم أو الطين. هذه المادية القوية في أسلوبه تدفعنا إلى فهم اللوحة كأنها جسدٌ يعاني، لا مجرد وجه يُرسم. 

نزاع بين الداخل والخارج

ما نجده في لوحاته، تجسّد تماماً الفكرة التي طالما دافع عنها مروان، وهي أن الوجه هو مرآة النفس، وليس قالباً جمالياً. نحن لا نرى الشخص، بل حالته. هذا الوجه ليس للعرض أو للتماهي، بل هو رؤية داخلية للانهيار الإنساني، لذا لا نجد أي محاولة للتجميل أو التزيين.

مروان يجرّد الوجه من “الجميل”، ليعيده إلى طبيعته الأولى: كمنطقة نزاع بين الداخل والخارج، بين ما نُخفيه وما يتسرّب إلينا رغماً عنّا.

لوحته تجسّد وجهاً يتحوّل إلى خريطة للألم وبورتريه للغربة عن الذات. مروان يرسم فكرة الإنسان في لحظة وحدته، حين يكون مع صمته وتاريخه وحطام ذاكرته، مجرّداً من ملامح فرد محدّد.

في هذا النوع من الأعمال، يقدّم مروان القصاب باشي فنه كنوعٍ من الاعتراف البصري، كأن كل لوحة تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله. ولهذا يُعدّ بحق أحد أكثر الفنانين العرب عمقاً واستقلالاً وتجريباً، وفنان الوجوه بامتياز.

تمثّل تجربة مروان قصاب باشي حالة فريدة في الفن العربي الحديث، وربما في الفن العالمي كله. لقد حوّل الوجه من كيان خارجي إلى حقل تأمّل داخلي، وارتقى بالرسم من مجرّد تمثيل للواقع إلى فعلٍ روحيّ يحفر في النفس. فنه مُكرّس للكشف والمساءلة والغوص في المجهول، غايته تتجاوز التزيين. 

لقد صمتت يد مروان قبل حوالي عقدٍ من الزمن، لكن وجوهه ما زالت تنظر إلينا من داخل اللوحات، تنظر ولا تتكلّم، لكنها تقول كلّ شيء.

حين تصبح الكلمات بيتًا: قراءة في ديوان هنادي زرقه

حين تصبح الكلمات بيتًا: قراءة في ديوان هنادي زرقه

في ديوانها الجديد “مثل قلب على مدخل بيت” (دار أثر، 2025) تقدّم الشاعرة السورية هنادي زرقه شعرًا في حالته الأولى: شعرًا خامًا، يولد في البدء والمباشرة، ويستمد مادته وأنفاسه من سيرة الذات وأيامها المعاشة. الشعر هنا، نداء وجداني، محاورة النفس وتكثيرها بالتذكر والحنين والظنون والأحلام والشكوك والمخاوف، بما هو مستقر في قاع النفس ملتصق بها ولا يغادرها.

تجربة فعلية  

تأتي الكلمات والعبارات من التجربة الفعلية، من الحياة المعاشة كما هي، من الإحساس الأوليّ، من الانطباع الفطري والآنيّ، مما هو خاطرة ويوميات، مما يشبه قصاً قصيراً، سرداً أقرب إلى مقاطع من سيرة. هو ذا شعر لا يتكل على عدة من خارجه. شعر قادم من الداخل الذي هو حياة متحولة وذكرى حياة. شعرٌ كهذا لا يجد فرقاً بين الحياة والكلمات، وهو على الأرجح يُلحم الاثنين يُطعّمهما ليغدُوا جديداً واحداً. شعرٌ يستنبت نفسه، يسقيها وينتظر إثمارها. لنقل إنه يُثمر من أي جهة طالما كانت معاشة ومختبرة. يأتي من الألم لكنه يتخطاه. شعرٌ هو بمكان ما يتنزه مع كلاب الوحدة.

تكتب هنادي كما تتحدث مع أصدقائها، كما تفكر وتشعر، كما تمشي وتشير، كما ترى وتتذكر. لا مسافة بين ما نتكلمه وما نكتبه. الفكر والشعر والسيرة والرؤية والتذكر أمر واحد، قصيدة. التأليف والترتيب الفنيان يأتيان على وقع ما نعيش وما عشناه. هنا نجد مثالاً أليفاً للشعر، مثالاً لا يأتي من الرمز أو التصعيد الجمالي أو التسامي الذاتي من خلال اللغة بما هي جوهر شعري ربما يبتعد عن مصدره وأصله. هنادي لا تبتعد عن المصدر “الأهلي” للشعر، عن التذكار العائلي والطفولي، عن نفسها كما كانت وكما هي الآن.  

 يأتي الشعر من الكلام المسموع والمقروء، مما قد تفتت وتناثر وهاجر، من الرحلة وركام التنقل والسفر والإقامة الجديدة. مصدر الشعر هنا ليس الكتب وحسب ولا القراءة فقط. كلمات الكَلام هي ما تصنع القصيدة، الكلمات بما هي حاجة وبما هي منهل وبما هي ناقل ورسالة ورجاء واستنطاق للصمت والعزلة والحيرة. لكن الشاعرة أيضاً تتكلم إلى نفسها، أو تسمع صوتها الذي لا تجد له مقابلاً في وجه آخر. الشعر والكلام هنا حاجة قبل أن يكون تأليفاً.  

تأملات في اللحظة العادية

يتميز ديوان “مثل قلب على مدخل البيت” بلغةٍ حيةٍ قريبة، تنبثق من التجربة الشعورية المباشرة، مما يشبه ما نتداوله من كلمات وعبارات لا من التنظير أو الزخرفة اللفظية. الشعر ان ترى وتقول ما تراه. لا تجد هنادي في الكلام المتناقل، قد لا يكون بالضرورة كلامها هي نفسه، والحدث العادي ورؤية الأشياء اليومية ما يبعدها عن الشعر. على العكس هي تجد في اللحظة العادية والمتكررة ما يستدعي التأمل وما يجلب الانتباه. لا بلاغة استعراضية ولا تغريب. فهي لغة بسيطة، لكنها عميقة المنشأ الحسي إذ تعتمد على التفاعل الفوري مع اللحظة، فتسجّل الانفعال كما هو، دون أقنعةٍ أو تصنّعٍ. ليست البساطة شحّاً لغوياً، بل هي هنا اختيارٌ فني وتكثيف حسي، ما يجعل الكلمة تعبّر بصوت الفرد الذي ربما لم تبق غير الكلمات تصوّره وتحميه، تتحول إلى خلق ثان وثوب جديد.

الكتابة في هذا الديوان أقرب ما تكون إلى التصوير الفوتوغرافي، حيث تتحول القصيدة إلى لقطةٍ حيّةٍ، تلتقط تفاصيل الواقع المحيط. الكلمات هنا ليست رموزًا غامضة، بل هي صور ملموسة، تُمكِّن القارئ من رؤية المشهد وسماعه ولمسه. 

هذه اللغة، بما تحمله من لمسٍ حسيٍّ ورجاءٍ دافئٍ وشكوى مريرةٍ، تُعبّر عن عمق التجربة الإنسانية التي تعيشها الشاعرة. فهي تجمع بين الأمل الصعب والإيمان الأصعب، بين الحلم والخيبة، وتنسج من هذه التناقضات نسيجًا شعريًا متماسكًا. لا مكان في هذا الديوان للمجاز الفضفاض أو الغموض المفتعل؛ فالمَجاز هنا ينبع من حرارة الشعور لا من صنعة البلاغة. وهكذا يصبح الديوان شهادةً على صدق القول الشعري وقدرته على الإمساك بجوهر الحياة في لحظتها الآنية.

تدوُّن هنادي كلمات قَصائدها كما تأتيها. هذا قد يعني أنها تكتب على السماع على ضوء الصدى، على نوعٍ من اليُسْر والتبسيط، على ما يتردد ويَتواتر في ذهنها. لكنها أيضاً تكتب وتنهل من معجم مرئي أمامها. من هذا المكان الجديد المتاح والمعاش والمفتوح أمام ناظريها. هي إذاً تسمع وترى وفي الآن تمزج المرئي بالمسموع في بنية واحدة في مقاطع صوتية قصيرة ومتتابعة. 

نضارة اللاشكل 

ليس ثمة شكلٌ واحد أو نموذجٌ شكليٌّ يتكرّر. فكل قصيدة، إذ تُكتب وتنمو، تبلغ خاتمتها من دون قيدٍ مسبق أو شرطٍ شكليٍّ مفترض. وقد يوحي ذلك للقارئ بأن هنادي تنطلق من اللاشكل، أو بأن البنية النهائية للقصيدة ليست ذات أولوية. الأهم هنا هو القول والكتابة وإيجاد المعنى؛ الأهم هو هذا الحوار الداخلي والنداء الذاتي، وإخراجهما إلى نور الكتابة ونهار القصيدة.

يحضر في هذا الديوان العالمان المكاني والنفسي جنبًا إلى جنب، الذاكرة والحاضر. نرى الأمكنة القديمة والجديدة تتجاوَرُ كأنها وجوهٌ مختلفة للذات نفسها. ما هو نفسيٌ قرينٌ لما هو زمنيّ، أحدهما يشكل الآخَر ويُدخله في نسيجه ومحتواه. الدقائق مشاعر وحالات، الساعات والشهور مراحل وتحولات. برلين، على وجه الخصوص، تتجسد حضورًا كثيفًا، ليست مجرد مدينة، ليست انتقالاً جغرافياً، بل كيانٌ شعوريٌّ نابض: مدينة الكلاب والعزلة والأشجار الكثيرة، اللغات التي لا تتحول أو تقدر ان تكون لغة واحدة متاحة ومفهومة حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى إشاراتٍ عن الوجود الإنساني في أكثر حالاته هشاشة ووحدة وتخبطاً كما في قصيدة “حيوان أليف يدخن” إذ نقرأ “تجلسين على الشرفة لتدخّني. التدخين، في برلين، ممنوع داخل المنازل! تنصاعين مثل حيوان أليف. يخرج سنجاب من ثقب في أسفل الشجرة. سنجاب متردد. يقف. يحك قدمه ثم أنفه. يصعد. ينزل. يواصل الصعود والنزول اعتباطاً من غير هدف واضح. أو هكذا يبدو. يسقط على الشرفة المقابلة. يقف حائراً لا يعلم أي اتجاه يسلك إلى الثقب-البيت. ساعة بأكملها، تراقبين السنجاب في ضياعه. تبرد القهوة. تنطفئ السيجارة، فيما سنجاب الوحدة يحفر ثقباً في روحك/ تحاولين الولوج منه إلى بيتك هناك”.

سجل حياة

الشاعرة تكتب سجلّ حياتها الشعري، الحياة بما هي معاش يومي ومكابدة مزدوجة، مكابدة المعنى ولغة المعنى. ثمة الواجب وثمة صورته الماثلة والثقيلة، ثمة الجديد الطارئ والقديم الذي يرفض أن يتقادم ويبتعد ويندثر. ثمة النموذج المفترض، وثمة غواية اللا نموذج. هنا الحاضر البرليني وهناك والماضي السوري. لكن القصيدة غير قادرة على النجاة من ماضيها وماضي بلد الشاعرة. هي عالقة بين زمنين مُقسَّمة، دون أن تنتمي الى اي منهما على نحو كلي وناجز. السؤال الشعري سؤال في الانتماء والهوية يطوف حول الذاكرة، الحنين لا يكفيه جواباً والنسيان لا يشفيه. لا أحد يمد طوق النجاة، لا سند ينقذ الشاعر والشعر نفسه.  القصيدة هي هذا التوهان هذا التأرجح المَرَضي، الانتقال غير المستقر بين زمنين وفكرتين. لكن هنادي تنقل هذه الاسئلة الحياتية والأدبية من عالم الفكر المجرد الى التجربة الفردية المحسوسة، وربما يكون الفرد هنا معياراً تُقاس به وعليه الحوادث ومعانيها. 

لا بوصفه تذكّراً للأحداث، بل بوصفه تأمّلًا في الشعر نفسه، في كونه طريقة حياة لا مجرّد كتابة. الشعر عندها مواز للحياة، نسخة عنها، بل شرطها وسرها ودافعها الأول، فهو الدليل في التيه، والاختبار المرير في مواجهة معنى ينسف الإيمان الشخصي. إنه اعتراف وكتمان في آنٍ واحد، تردّدٌ دائم بين التذكّر والنسيان، بين الرغبة والندم. يبلغ الشعر هنا مرتبة النشيد الشفاهي، فهو خطابٌ وحوارٌ ونداء. الكلمة ليست غاية، بل تفصيلٌ للنداء نفسه، حياكةٌ للقول حول التجربة.

إن مجموعة قصائد “مثل قلب على مدخل البيت” ليست مجرد نصوص ذاتية، بل رحلة في الوعي الحسي والشعور الحرّ، رحلة تثبت أن الشعر، حين يكون صادقاً، ووليد تجربة وترحال يصبح شكلاً من أشكال العيش، ووسيلةً لمحاورة الذات مع وحدتها. الشعر هو هذا القِران المستولد من عزلات متراكمة، هذا التزاوج، هذه النجوى وهذا الإسرار بالدعاء “إلهي.. إلهي/لا أريد أن أكون غزالة أو فيلاً/ أعد لي جديلتي/وعيني الواسعتين/وفمي الكبير/وضحكة واحدة/ تخلخل هذا الموت الجاثم فوق صدري”.