بواسطة عماد الدين موسى | أكتوبر 13, 2026 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
ينتمي لقمان ديركي إلى جيلٍ سوريّ تشكّلت ملامحه الإبداعية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث برز كصوت شِعري ذي نبرة خاصة تمزج بين الحميمي واليومي، وبين التأمل الحادّ والالتقاط السريع للمفارقات. وُلد في مدينة الدرباسية شمال شرقي سوريا عام 1966، وحمل منذ بداياته حساسية شِعرية تنحاز إلى الإنسان العادي، وإلى تفاصيل العيش الصغيرة، والتوتر الخفي بين الفرد ومحيطه.
كتب الشِعر والمقالة، وشارك في الحراك الثقافي السوري والعربي، مستفيداً من خبرته الصحفية ومن حضوره في المنابر الأدبية. ومع تحولات العقد الأخير، انتقل إلى أوروبا، حيث واصل الكتابة من موقع جديد أتاح له مسافة تأملية أعمق، فصار نصّه أكثر انفتاحاً على أسئلة الهوية والاقتلاع والتحوّل.
في كتابه الجديد “مذكرات سائح بالصرماية”، الصادر عن منشورات المتوسط في ميلانو (2026)، يقدّم لقمان ديركي نصاً يراوغ التصنيف، ويتخفّف من أثقال الأنواع الأدبية، ليكتب سيرة جيلٍ كامل عبر مفردة شعبية يومية “الصرماية”.
يشتغل العنوان وحده كمفتاح تأويلي كثيف؛ فالسائح في المتخيّل العام يحمل خرائط ويدوّن انطباعات عابرة، غير أن سائح ديركي يحمل ذاكرة ثقيلة، ويتنقّل بين الحارات والسجون والمدارس والحدود، ويجرّ وراءه طبقات من الخيبة والتهكّم والنجاة المؤجّلة. أما “الصرماية”، فهي انحياز إلى اللغة الحيّة التي تمشي في الشارع، وتحتكّ بالتراب، وتعرف وجع الطريق.
بهذا يتحوّل العنوان إلى بيان جمالي وأخلاقي في آن؛ فالنص يكتب من الأسفل/ القاع، من يوميات البشر الذين عركتهم السلطة والعائلة والمنفى. يُعاد هنا ترتيب العلاقة بين العالي والواطئ، بين الفصيح والمحكي، بين البطولة والنجاة الصغيرة.
يقع الكتاب في نحو مئتي صفحة من القطع الوسط، موزّعة على فصول مستقلة في عناوينها، متكاملة في مضامينها، بحيث يمكن قراءة كل فصل كحكاية قائمة بذاتها، وفي الوقت نفسه كجزء من سيرة ممتدّة تتقاطع فيها الطفولة والمراهقة والشباب، البيت والحارة، المدرسة والسجن، الملعب والميناء.
تعني “الصرماية”، في لهجات الشام، الحذاء؛ غير أن ديركي يمنحها كثافة رمزية تتجاوز معناها المعجمي؛ فهي علامة على اليومي، وعلى الجسد الذي يسير في طرقات المدينة، وعلى اللغة التي ترفض التهذيب القسري. “الصرماية” تمشي، تُركل، تُستهلك، تتسخ، وتبقى شاهدة على المسافة التي قطعها صاحبها.
يقدّم الكاتب لوحات سردية متتابعة، كل لوحة تلتقط لحظة أو مشهداً أو حادثة، وتترك للقارئ مهمة ربط الخيوط. تتجاور الحكايات العائلية مع الوقائع السياسية، وتتداخل النوادر الطفولية مع مشاهد القمع، في فسيفساء مدينة تتشكّل عبر التفاصيل الصغيرة. هكذا تتحوّل “الصرماية” إلى عدسة ترى من الأسفل، وتعيد كتابة السيرة من الهامش.
حكايات البيت الأولى
تبدو الفصول في “مذكرات سائح بالصرماية” مستقلة في عناوينها، غير أن روحاً واحدة تسري بينها؛ كل فصل يحمل عنواناً دالاً يعكس مزاجه وموضوعه، من حكايات البيت الأولى إلى تجارب الاعتقال والتهريب والرحيل. ما يمنح الكتاب إيقاعاً متقطّعاً يشبه الذاكرة نفسها؛ فالذاكرة تميل إلى القفز بين الأزمنة، وتستدعي ما يلمع فجأة. تغدو الطفولة هنا مختبراً مبكّراً لتعلّم الخوف والسخرية، بعيداً عن صورتها المثالية. فيما تظهر المدرسة بوصفها فضاءً لتلقين الشعارات، والحارة مساحة للتواطؤ واللعب وتبادل النكات. كما تحضر العائلة بثقلها الرمزي، حيث تتقاطع السلطة الأبوية مع السلطة السياسية في شبكة من الأوامر الصغرى التي تمهّد لأوامر كبرى. يمرّ السجن كظلّ ثقيل، ويأتي الملعب كفسحة مؤقتة للفرح، وتغدو الحدود جداراً يفرض على الجسد أن يتحوّل إلى رقم.
يمنح هذا البناء القائم على اللوحات، الكتاب طابعاً سينمائياً؛ فالمشاهد قصيرة ومكثّفة، تعتمد على لقطة محدّدة وحركة سريعة وخاطفة، ثم تنسحب لتفسح المجال للّقطة التالية. وتعمل السخرية كخيط جامع بين هذه اللوحات، فتمنحها وحدة نبرية وتخفّف من وطأة الوقائع القاسية.
سخرية سوداء
يُعرف لقمان ديركي بمزجه السخرية السوداء بالمرارة السياسية والوجد الشخصي؛ في هذا الكتاب، تتكثّف هذه النبرة لتصبح استراتيجية وجودية، فالضحك هنا وسيلة لمقاومة القمع والخذلان، ودرع هشّ في وجه عالم يضغط على أفراده من كل الجهات.
تعمل السخرية في “مذكرات سائح بالصرماية” على تفكيك الخطاب الرسمي؛ فعندما تُروى الحكاية بلغة الشارع تسقط عنها هالة القداسة. وعندما يُعاد توصيف الحدث الجلل عبر استعارة يومية ينكشف تناقضه. هكذا تصبح “الصرماية” أداة نقد، تمشي فوق الشعارات وتترك عليها آثار الغبار.
من البيت إلى المنفى
تبدأ حكايات الكتاب من بيت دمشقي أو حارة حلبية لتنتهي عند أرصفة مطارات ومعابر حدودية. الهجرة هنا امتداد لمسار طويل بدأ داخل البيت والمدرسة والشارع. القمع الصغير في العائلة يوازيه قمع أكبر في الدولة، والخيبة الأولى تمهّد لخيبات لاحقة، حتى يجد الفرد نفسه مضطراً إلى التحوّل من مواطن إلى عابر سبيل.
يتقاطع النص مع سرديّة أوسع عن الانتقال القسري والاقتلاع وإعادة تعريف الذات في فضاء غريب. جيل كامل وجد نفسه موزّعاً في المنافي، يبحث عن ظلّ مدينته في مدن بعيدة. يكتب المؤلف هذه التجربة من الداخل، من موقع من عاشها وعاين تحوّلاتها. بعد عام 2011، ومع تصاعد الأحداث في سوريا، تبنّى مواقف معارضة للنظام، وغادر البلاد عام 2012 ليستقر في ألمانيا. يتسرّب هذا المسار الشخصي إلى النص من دون أن يتحوّل إلى خطاب مباشر، فيمنح الحكايات صدقاً إضافياً.
من أكثر المقاطع كثافة في الكتاب ذلك الذي يروي لحظة الصعود إلى اللنش في رحلة الهجرة البحرية. يُروى المشهد بنبرة تجمع بين التهكّم والذعر. يُنقل القادمون إلى الزورق كما تُنقل البطيخات من الأرض إلى الشاحنة؛ كل شخص، أو “نفر”، يمسك به حارسان ويرميانه إلى الداخل، حيث يتلقّفه آخرون.
تكثّف هذه الاستعارة تجربة التشييء التي يتعرّض لها الجسد في اقتصاد التهريب، إذ يتحوّل الإنسان إلى حمولة أو سلعة تُنقل وفق آلية محسوبة. “يُقسّم الدفع إلى نصفين؛ جزء عند الصعود، وجزء مودع لدى مكتب وسيط يُسلّم عند الدخول إلى المياه الإقليمية الإيطالية”. حتى البحر يخضع لشروط الدفع المسبق.
عندما تحوم دوريات خفر السواحل، تتكشّف شبكة من الاتصالات والتعليمات عبر هواتف الثريا. يُحرَّك زورق فارغ باتجاه الدورية لصرف الانتباه، ويقف قبطانه قربها ثم يرمي نفسه في البحر ويعود سباحة، بينما ينطلق الزورق المحمّل بالبشر مسرعاً بعيداً عن المراقبة. يحمل المشهد طابعاً عبثياً وسينمائياً في آن، حيث تتجاور الحيلة والمخاطرة، والذكاء الفطري مع استهتار القدر. يقول: “فجأة حدث ما لم يكن في الحسبان، دوريات خفر السواحل تحوم في المكان، لكن اتّصالاً من أبو صطيف جاء للحُرَّاس، وبدأت تليفونات الثُّريَّا بالظهور، كانت الأوامر أن يحرّكوا لنشاً خالياً باتِّجاه خفر السواحل، وبالفعل انطلق أحدهم بزورق فارغ باتِّجاه الدورية، وتوقَّف بالقرب منها، رمى قبطان الزورق الخالي بنفسه إلى البحر، وعاد سباحة إلى البرِّ، بينما انطلق قبطاننا مشفِّطاً بزورقنا، فتخَرْيَطنا أيَّما خَرْيَطة، يا أبو شريك، وهو يمضي بنا مسرعاً بعيداً عن دورية خفر السواحل التي كانت منشغلة بالزورق الخالي”.
يختزل المقطع السابق فلسفة الكتاب؛ فالإنسان يُعامل كشيء، غير أنه يحتفظ بقدرته على السرد والضحك، ما يخفّف من وطأة الرعب، ويحوّل المأساة إلى صورة قابلة للتداول، مع احتفاظها بقسوتها.
فسيفساء دمشق
تتوزّع دمشق في المنافي وتتحوّل إلى ذاكرة محمولة؛ فكل حكاية عن حارة أو مدرسة أو سجن تفتح نافذة على مدينة عبرت حدودها الجغرافية. هي جرح متنقّل، يرافق أصحابه حيثما ذهبوا. ما يمنح النص بعداً تأملياً. تُستعاد المدينة عبر اللغة والنكات وعبر تفاصيل صغيرة قد تبدو عابرة. ينسج المؤلف صوراً متفرّقة تترك للقارئ مهمة جمعها. في كل فصل، تلمع قطعة من الفسيفساء لتشكّل في النهاية صورة مركّبة لمدينة وسيرة جيل.
يمزج المؤلف بين الفصحى والمحكي، ويمنح المفردات الشعبية مكانة مركزية؛ فيما تأتي الجملة قصيرة في كثير من الأحيان، تعتمد على الإيقاع السريع والمفارقة. ويأتي الحوار عفوياً ومشبعاً بروح النكتة، مع احتفاظه بعمقه. حتى في المقاطع الأكثر قسوة يحافظ النص على خفّة محسوبة، كأن الكاتب يمشي على حبل مشدود بين الضحك والبكاء.
يروي “مذكرات سائح بالصرماية” سيرة فرد، ويقترح في الوقت نفسه سيرة جيلٍ عاش بين السلطة والعائلة والمنفى، عبر بنية فسيفسائية ولغة تمزج الفصيح بالمحكي وسخرية تتحوّل إلى استراتيجية نجاة، حيثُ يقدّم المؤلف نصاً يضع “الحذاء” في مركز الحكاية، ويجعل من المشي فعلاً تأويلياً.
بواسطة الياس حموي | أكتوبر 3, 2026 | Culture, News, Reports, Reviews, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
في الثلاثين من شهر أيلول/سبتمبر أقيمت احتفالية جائزة (خالد خلد خليفة للرواية) في دورتها الثانية في كنيسة اللاتين في مدينة اللاذقية هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الثالثة لرحيل الروائي والسينارست السوري خالد خليفة الذي توفي عام ٢٠٢٣ حيث ذهبت الجائزة للروائي التونسي عماد علي قيدة الذي حضر الاحتفالية واستلم الجائزة عن روايته غير المنشورة (المنصرمون) كما حضر حفل التكريم عدد من مثقفي وفناني اللاذقية وسوريا كالشاعر منذر المصري والفنان فارس الحلو أصدقاء الكاتب الراحل بالإضافة لأصدقائه الآخرين وعدد من المهتمين بالثقافة والأدب في المدينة، وترأست لجنة تحكيم الجائزة هذا العام الروائية الفلسطينية ليانة بدر وبعضوية الأديبة السورية شهلا العجيلي والناقد المصري خيري دومة وقد اختار القائمون على الجائزة التي قدرها ألف دولار أمريكي-مدينة اللاذقية لاحتفاليتهم لأن الرواية الأخيرة للراحل خليفة (سمك ميت يتنفس قشور الليمون) تدور أحداثها في هذه المدينة التي أحبها كثيرا والتي لم يسعفه الوقت كي يراها منشورة وصدرت بعد وفاته عن دار هاشيت /أنطوان (نوفل) في لبنان عام ٢٠٢٤ فقررت هذه المدينة رد الجميل له بإقامة احتفالية جائزته فيها بعد أن كرمها في روايته الأخيرة محتفيا بمجتمعها المتنوع وقد أشادت لجنة التحكيم ببناء الرواية التونسية الفائزة (المنصرمون) موضحة في بيانها أن الرواية: “تحاور تاريخ تونس السياسي تفصيليا عبر شخصيات واقعية وتخيلية، وتطرح أفكارا أساسية لما جرى في المجتمع التونسي منذ بداياته المبكرة وحتى الآن”، وأضافت اللجنة مسلطة الضوء على الأسلوب السردي: “تتمتع الرواية ببنية مركبة وتقنيات متداخلة، لكنها ورغم هذا التركيب وربما بسببه لا تخلو من تشويق حقيقي يدفع القارئ لمتابعة رحلة البطل عبر تداخلاتها الزمانية والمكانية، والشخوص الكثيرة التي عبرت حياته وحياة تونس”.
أما رواية “سمك ميت يتنفس قشور الليمون” فقد شرح فيها خليفة مجتمع مدينة اللاذقية شديد التعقيد في ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين حيث تتمحور قصتها حول عدد من الشخصيات التي عاشت فيها واندمجت في مجتمعها المتنوع طائفيا واجتماعيا حيث استلم دفة السرد فيها أربعة رواة تربطهم الصداقة والحب والعمل المشترك فروت كل شخصية من هذه الشخصيات قصتها وعلاقتها مع باقي الشخصيات الأخرى التي تتقاطع مصائرها معهم فكانت رواية بوليفينية (نسبة إلى ميخائيل باخت) متعددة الأصوات ضمن سرد متصاعد يتأرجح زمنيا بين ماضي الشخصيات وحاضرها وقسمت لأربع فصول كل فصل منها ترويه شخصية من هذه الشخصيات وهم على التوالي سام ومريانا وموسى ومنال وهناك شخصيات ثانوية أخرى تربطهم فيهم الصداقة والعمل ضمن الفرقة الموسيقية التي شكلوها كأنس ومروة وروني ويارا بالإضافة لشخصيات من خارج الشلة كميسون ولميس.
صورة مصغرة عن مدينة كبيرة
يصور خالد خليفة في روايته هذه مجتمع اللاذقية من خلال عيون شلة الأصدقاء الأربعة التي تنتمي لطوائف وطبقات اجتماعية مختلفة فسام الذي يسرد الفصل الأول بصوته ينتمي إلى عائلة متنفذة من الطائفة العلوية فعمه لواء في مخابرات نظام الأسد يدعى فوزي أبو مضر يقوم باستغلال منصبه للثراء وفرض السطوة الاجتماعية وتساعده في تسيير أعماله القذرة هذه أخته أمل من خلال استغلال سلطته فتقوم بشراء الاجازات للمجندين في جيش النظام وتسهيل مقابلات الأهالي لأبنائهم المعتقلين لدى الفروع الأمنية مقابل مبالغ مالية كبيرة وسام نفسه منخرظ في هذا الفساد من خلال استغلال نفوذ عائلته فهو موظف حكومي يقبض راتبه دون أن يداوم في وظيفته بينما ابن عمته الأخرى غسان فهو على النقيض منه تماما لأنه معارض لهذا النظام الذي يمثله عمه ويتم اعتقاله لاحقا مايدعو أمه فاطمة للفخر بهذا الشيء. أما الشخصية الثانية في الشلة فهي ماريانا الشابة المسيحية المتمردة والتي تروي الفصل الثاني من الرواية بصوتها هي إذ تجمعها علاقة حب بسام وتتباهى بأنه هو الذي فض بكارتها بينما الذي فعل ذلك هو محمود مدرس الرياضيات أخو موسى صديقهم عندما كانت طالبة في الثانوية لكن حبها لسام عازف الغيتار في الفرقة لايستمر بسبب دينه المختلف الذي يقف عائقا بينهما فتضطر للزواج بجورج الشاب البخيل الذي تسافر معه إلى أميركا لكن طيف سام لايفارقها “سأكون بينهم وهم يمارسون العلاقة الحميمة”. أما الشخصية المحورية الذي يروى الفصل الثالث بصوتها هو موسى الشاب الثري إبن العائلة الأرستقراطية الراقية المعروفة في المدينة الذي يحكي لنا كيف وقفت أمه شاهيناز وخالته جورجيت ذات يوم ضد قرار إزالة الكورنيش الغربي وتوسيع المرفأ حيث تم ردم البحر وشوهت أجمل منطقة في المدينة وواجهتها البحرية، وموسى يحب منال التي تروي الفصل الرابع والأخير بصوتها وهي الشاعرة الرقيقة النقية التي تنحدر من عائلة حقيرة لاتشبهها بشيء فوالدها قواد يسهل زواج القاصرات بكبار السن من أجل المتعة، ولايتوانى عن تزويج إحدى بناته منهم بينما ابنته الكبيرة عاهرة وابنه منعم جلاد في أحد سجون النظام العسكرية يقوم بتعذيب المعتقلين حتى الموت حيث يروي لعروسه خضرة في إحدى المرات في حوار يدور بينهم كيف يعذبون المعتقلين عندهم حتى يموتون ويستمرون بتعذيبهم مرة ثانية وثالثة بعد موتهم. ويحكي لها كيف يبول أخوها غديرصديقه في الفرع على جثث المعتقلين وهو منتشي “هذا مصير كل من يرفع رأسه في وجه الرئيس” فتجد منال في موسى مخلصا لها من هذا القاع الذي تعيش فيه: “أعتبر نفسي قد ولدت من جديد وأصبح لي أما جديدة”، فيتزوجان في النهاية. وهناك شخصيات أخرى في هذه الفرقة الموسيقية التي أقامت حفلا واحدا فقط عبر تاريخها داخل كنيسة فكان حفلها الأول والأخير في المدينة، ومن هذه الشخصيات أنس ومروة العاشقين لكن مروة ترفض الهرب معه إلى لبنان للزواج وتقرر معاقبة أهلها بعنوستها بينما هو يقضي وقته بتعاطي الحشيش وكتابة القصائد الموزونة ثم يتزوج من مها عنبري لكن زيجته تفشل لأن طيف مروى يتلبسه ويسيطر على علاقته بزوجته فصوتها لايفارقه: “النساء أصوات”، وينفصل عن مها في النهاية وهناك روني ويارا العاشقين أيضا: “لم أستمتع بالمعاشرة مثلما استمعت معها فكل من عاشرتهم من قبل فقمات”، وهكذا تتفرق هذه الفرقة التي كانت تجتمع ذات يوم وتشرب الحشيش والخمر بالسر وتتخذ كل شخصية منها طريقها في الحياة فهم السمك الميت الذي مازال يتنفس، وهم قشور الليمون: “قشور الليمون هي نحن حين نقاوم الاندثار”.
هناك شخصيات أخرى في الرواية كشخصية ميسون التي تكره الرجال وتشتمهم بعد ترك حبيبها لها وزواجه من فتاة أخرى بعد علاقة حب دامت عشر سنوات. وهناك لميس المخبرة في جامعة تشرين، التي زرعها النظام عام ١٩٨٧ بين مجموعة من الطلاب اليساريين المعارضين للتجسس عليهم، وكتب التقارير بهم فتم القبض عليهم جميعا، ودخلت هي معهم إلى السجن للتمويه، وخرجت بعد عدة أيام، وكافأها النظام بجعلها مذيعة في التلفزيون الرسمي وأصبحت تقدم برنامجا فنيا.
بالإضافة لشخصيات الرواية المتخيلة هناك شخصيات حقيقية ذكرت أسماؤها الحقيقية كشخصية المترجم أسامة منزلجي الذي توفي العام الماضي وذكرت ترجمته لرواية ( ربيع أسود) للكاتب الأميركي هنري ميلر والشاعر منذر مصري، الذي شجع منال على كتابة الشعر ومكتبته (فكر وفن) التي كانت ملتقى لمثقفي المدينة، والمفكر الياس مرقص الذي رحل عام ،١٩٩١ والذي كان يتحلق حوله رجال الفكر في اللاذقية. كما تم ذكر الموسيقى التي كانت رائجة في تلك الأيام كأغاني بوب مارلي وعازف الساكسفون الأميركي لويس آرمسترونغ فقدم خالد خليفة توثيقا لعقدين من تاريخ المدينة في روايته هذه من خلال شخصياته وحياتها فيها. ولم يفته ذكر حادثة توسيع المرفأ وتبليط البحر التي أحزنت أهالي المدينة في حينها وسببت ندبة في نفوسهم مازالت حتى الآن بسبب هذا الاعتداء على ذاكرتهم وأيامهم الجميلة في هذه الكورنيش البحري الذي تمت إزالته.
الثورة قادمة لا محالة
قدم خالد خليفة في روايته هذه نموذجاً مصغراً عن سوريا اختزله في مدينة اللاذقية مفككاً مجتمهعا المتنوع، وعرّى فيها نظاما سياسياً ديكتاتورياً كان يسيطر على كل مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في البلاد من خلال مخابراته ففخخ هذه المجتمعات وزرع الكراهية بين مكوناتها حتى وصلت للانفجار وثارت عليه في العام ٢٠١١ فكانت هذه الرواية هدية أخيرة من خالد خليفة لمدينة أحبها ولم يعش ليراها مطبوعة باستثناء صفحتين فارغتين تركهما وهما لقصيدة خاصة بمنال وعنوان لفيلم إيطالي على الأغلب هو (ميمي العامل المطعون بشرفه). ونوهت دار النشر أن الكاتب ترك هاتين الصفحتين فارغتين ولم يستطع إكمالهما لأن الموت باغته وتوفي بسكتة قلبية.
بواسطة وداد سلوم | سبتمبر 26, 2026 | Culture, Reviews, العربية, مقالات
ترصد رواية الدوار الجنوبي للكاتب السوري مفيد عيسى أحمد الصادرة عن محترف أوكسجين للنشر 2025 فترة زمنية مهمة من تاريخ البلاد، تم طمس وتغييب أحداث على أعلى المستويات جرت خلالها، وتلخص الصراع داخل السلطة، الذي انتهى بطريقة غامضة وفق مساومات غير معلنة، تمخضت عن رحيل المعلم وتفكيك فرقته العسكرية بشكل نهائي.
يجري ذلك في خلفية الرواية فالكاتب لا يخوض في تفاصيله لكنه يضع القارئ في المناخ العام لتلك الفترة حيث نرى قوة المعلم العسكرية ونفوذه ونمو صلاته الواسعة وصولاً إلى حدث مبهم انتهى برحيله، يعكس ذلك طبيعة النظام الشمولي القائم وطريقته في الادارة السياسية للبلاد التي رآها كمزرعة، وأدوات السيطرة التي استخدمها للتلاعب بالمكونات الاجتماعية سواء بالشراكة الاقتصادية أو بالقوة العسكرية أو باستثماره للذاكرة الجمعية والبنية النفسية لفئات محددة.
ينطلق مفيد عيسى أحمد من قصر المعلم ويوميات العاملين فيه ليسلط الضوء على طبيعة المجتمع السوري في تلك الفترة والواقع الاجتماعي والاقتصادي للبلاد، بدءاً من هجرة الريف إلى المدينة والتي كان جوهرها الحاجة الاقتصادية، التي دفعت بالكثيرين للانتساب إلى قوات المعلم سعياً للحصول على الراتب والحماية أمام الإحساس بالغربة واللا انتماء في المدينة الكبيرة، أو للعمل في التهريب وغيرها من أعمال عشوائية على هامش الاقتصاد والمدنية.
وينتقل إلى قلب المدينة وعالمها الاجتماعي والاقتصادي، لنرى كيف نمت العلاقة بين تجارها والسلطة وتزاوج رأس المال مع متنفذي النظام، ولعل هذا ما أطال عمر النظام ومنحه قوة التلاعب بهندسة بنية المجتمع السوري وفق مصالحه واحتفاظه بسدة الحكم.
تأخذ الرواية عنوانها ( الدوّار الجنوبي) من خط سير حافلة عامة تعبر دمشق بمسار حيوي دائري، يطلق الكاتب عليها اسم (حافلة سورية)، وتصبح حركتها مجازاً لحركة المجتمع وحياة المدينة، من القاع الذي نشأ على أطراف العاصمة خليطاً من الفقر والتهريب والعنف الكامن أو المرئي ممثلاً برجال التهريب ورجال المعلم وسلاحهم، متابعاً التحولات السريعة للمجتمع السوري التي رافقها توافد أبناء الريف للدراسة والعمل سواء من الساحل أو أكراد الشمال والجزيرة، ونشوء المناطق المستحدثة دون تخطيط على أطراف العاصمة لاستيعاب النمو السكاني الحاصل كالمزة 86 وغيرها.
تصبح دمشق ليس فقط التاريخ والأحياء القديمة والعراقة، بل وأحياء مستحدثة تتمدد أفقياً بشكل عشوائي وتضخ الكثافة السكانية، بما تحمله من عبء حاجات خدمية متزايدة على المدينة.
في ظل تنامي قوة العسكر وسلطته المطلقة، كان المعلم نموذجاً للرجل الذي لا يرد له أمر إلا بالموت، ينقل لنا الكاتب ما يدور خلف الأسوار فيخبرنا عن قصر المعلم والحفلات الصاخبة التي تقام فيه، راسماً صورة المعلم وحركاته وانفعالاته وشخصيته متعددة المواهب فهو شاعر وكاتب أغاني، يعمل في قصره كثيرون للسهر على راحته وعلى استمرار كل ما يريد وفق ما يريد دون أي خطأ، فحين تتعطل المولدة يجب إصلاحها قبل أن يشعر المعلم وعائلته بالانقطاع وإلا فثمن غضبه كبير.
يقدم الكاتب شخصياته بلسان الراوي العليم، وإذ يخبرنا عن حياتها وعلاقتها مع المحيط ومنبتها ومسيرتها، يقوم بالتسلل إلى عمق بنيتها السيكولوجية وأزماتها النفسية، ورصد انفعالاتها وطريقة تعبيرها وتأثرها بالمناخ العام، فمع ظهور شخصيات متنفذة (المعلم) تحلق حولها أتباع استفادوا من سلطتها المطلقة والحظوة التي منحها لهم مجرد الانتماء لرجال المعلم، لفرض سطوتهم على العامة وانتهوا بانتهائها.
دخل رجال المعلم إلى سوق التهريب وتكسبوا فارضين وجودهم لكنهم حافظوا على العلاقة الجيدة مع رجال السوق لحاجتهم لهم. انسجموا مع طبيعة القوة والعنف ولم تنج من تسلطهم حتى مؤسسات الدولة، إذ صار العنف لغة لفرض الوجود، وحل كل الأمور بالقوة، فهي وسيلة لا تحتاج بذل أي جهد، مثل عساف الذي كان يطلق النار على أي شيء، فبدل إطفاء اللمبة كان يطلق عليها رصاصة!
يعيد الكاتب العنف والعنجهية والسطوة التي يتصرفون بها إلى تناقضهم النفسي وتمزقهم بين طبيعة حياتهم البسيطة ومنبتهم الريفي الذي أورثهم الشعور بالدونية وبين واقع القوة والسلطة العنيف والتي صاروا يعيشون في ظلها كأتباع لا صوت لهم.
لكن هناك من كانوا بعد انتهاء دوامهم يعودون لطبيعتهم خجولين وطيبين وقد خرجوا من دائرة السطوة وثقلها.
يتابع الكاتب رصد القاع ، حيث إلى جانب سوق التهريب، بيت الدعارة ومديرته الجوجانية التي سخرت جسدها لإغواء الفحل وهو رجل من رجال المعلم المقربين وانتهى بتلميح لمشاركته بعملية اغتيال كبرى كان المعلم قد رتبها وانتهت بالفشل فكانت نهاية الفحل وأسطورة المعلم معاً.
يفكك مفيد عيسى أحمد العلاقات الاجتماعية، التي تركها نظام العسكر في شكل بدائي قائم على أساس المجتمع التراحمي، ولم ترتق إلى علاقات المواطنة سواء في علاقتها مع الدولة أو على مستوى الفرد ضمن المكونات الاجتماعية ومع بعضها، ولهذا لم تندثر تلك الصور النمطية لكل منها عند الآخر، بل دفع النظام لبقائها في توزيع على مستوى البلاد ضمن حُسن العلاقة (العسكر لكم والاقتصاد لنا)، وإلى هذا يعود رفض تجار المدينة علناً لوجود أبناء الساحل وعملهم في السوق أو تملكهم ولو بسطة وهو الإرث الذي حمله الطرفان من أيام السلطة العثمانية إذ بقي العلويون محط سخرية أبناء المدن طوال قرون، و بقي النظر إليهم كروافض وزنادقة، بينما بقي تاريخ الرفض حاضراً في ذاكرة العلويين يستحضره كبار السن بذاكرة مشبعة بالخوف وحكايات الاضطهاد وألمهم الخاص، فيسمون المختلف عنهم غريباً، لكن الجيل الشاب كان أقدر على النسيان، وحاول البحث عن روابط جديدة ومكان يضع قدمه فيه في هذا العالم المزدحم والمتحرك، متكئاً على أفكار تتماشى معه حول حقيقة النسبية في المجتمع فليس من طائفة جيدة كلها بالمطلق ولا من أخرى سيئة بالمطلق، والفقراء من كل الطوائف لهم آلام واحدة.
اصطدم الشاب رامي الطالب الجامعي حين عمل عند تاجر دمشقي للحصول على مورد مادي يساعده على إكمال دراسته في العاصمة، برفض تجار السوق دخوله لمجتمعهم رغم أنه أثبت إخلاصه لعمله وحسن أخلاقه، إلى أن فرض وجوده التاجر الأكبر شأناً في السوق. كان رامي واعياً التقط كل ملاحظة وحاول إتقان عمله فنجح وحاول الانخراط بالمجتمع الجديد بتوطيد العلاقات ودفع التهم المسبقة والصورة النمطية عن بيئته دون أن يفقد خصوصيته.
ينتقل رامي يومياً بين الجامعة والحميدية إلى سكنه في حي شعبي، بين حاضرة المدينة وقاعها ليصور الكاتب ذلك التناقض بين عالمين في مدينة واحدة. وحيث يبدأ الريفي القادم إلى المدينة بمحاولة الانخراط في المجتمع الجديد بتغيير مظهره ولباسه ثم رؤيته للحياة، كاشفاً البون الشاسع بين الواقع الذي يعرفه جيداً لبيئته وبين الصورة التي صُدرت عنها للآخر.
في الرواية نميز بين نوعين من الدعارة: السرية والمعلنة، فنرى الفتاة الضحية التي تعيش في دار المعلم، نموذجاً للسرية منها، كانت المسكينة، تنتظر أن يتزوجها بعد أن قضى الليلة الأولى معها، لكنه تركها للإهمال، مما سبب لها دماراً نفسياً وانحطاطاً ذاتياً في محاولة إنكار والقفز عن الواقع، فلم تستوعب أنها باتت شيئاً انتهت صلاحيته بالنسبة للمعلم وللمجتمع.
أما الجوجانية التي كانت تدير دار الدعارة فهي امرأة خرجت عن الظلم وامتلكت زمام قرارها، وحين التقت الفحل أحد رجال المعلم أحبته وأوقفت جسدها عليه، لكن هذه العلاقة في النهاية، ورغم كل قوتها كانت الفأس الذي حفر قبرها.
في الطريق بين قصر المعلم وخط الدوار الجنوبي بستان لعجوزين فلسطينيين، لم يعودا قادرين على استثماره، لشح المياه والعزم، إذ أكل الزمن من جسديهما ما أكل، كما أكل الأمل بالعودة إلى البلاد، أو لقاء الأولاد.
صار العجوزان رمزاً لقضية غائبة حاضرة، لا يملكان قوة الفعل فيها، ولا شيء إلا الانتظار. هدم العجوز جدار بستانه ليمر من خلاله العابرون حاملين الحياة لحياتهما البسيطة والراكدة، وكأنه يريد الاستعانة بهؤلاء للعودة إلى الحياة، لكن عجزه عن الحديث بسبب عطب حنجرته منعه من التواصل مع المحيط وشرح أفكاره، في إشارة للعجز الذاتي وإهمال المحيط الذي حاول الاستعانة به وانتظر منه المساندة والمشاركة، ولو بالجلوس على كأس شاي، يموت العجوز مقهوراً دون تحقيق أي من أحلامه حتى في رؤية أولاده. تعكس قصة العجوزين، حقيقة التعامل مع القضية وتهميشها بينما كانت ترفع شعارات القومية والوطنية والدفاع عن القضية المركزية فلسطين.
كانت علاقة الزوجين العجوزين نموذجاً واقعياً وإنسانياً بسيطاً، فالزوجة متفهمة ورغم أنها استنكرت سلوك زوجها أحياناً، لكنها تفهمته ووجدت له مبررات دائما حتى في التخلي عن حدود بستانه ووقفت إلى جانبه حتى النهاية.
رواية الدوار الجنوبي مليئة بالمشاهد والأفكار المدروسة سياسياً ونفسياً واجتماعياً بعمق وإحساس رائع، حمله سرد مشوق حاول الإحاطة الكاملة بالأحداث، ليقدم صورة عن البلاد في فترة زاخرة سياسياً، و نجح بشد القارئ مضيفا على كل ما كتب عن تلك الفترة الشيء الكثير.
بواسطة دعد ديب | سبتمبر 15, 2026 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
من نافذة الحدس والتوجس والماورائيات يلج محمد ديبو في روايته” خيانات لم يرتكبها أحد” الصادرة عن دار رياض الريس للطباعة والنشر في بيروت عام 2025 إلى أعماق الشخصية المحورية “مريم” التي تتنبأ بالألم كسيخ محمى ينفذ لأعماقها، هذا التنبؤ بالألم يحيل إلى الخلفية المثيولوجية للجماعة التي تنتمي إليها بإشارة إلى فكرة من يتذكر بشكل ضبابي أحداثاً جرت في حياة أخرى أو تهويمات لما تشعر وتحس به من خوف من جحيم الرسخ والنسخ والفسخ والمسخ وما تتوهم به، لينفذ من خلال الغوص في شخصيتها وتدرج وعيها ومداركها إلى تاريخ سورية والسلطة والمعارضة في اشتباك الأحداث والظروف والطوائف في سؤال للوعي الجمعي عمن يملك الحقيقة ومن يدعي تمثيلها، بدأها منذ العتبة النصية المراوغة في العنوان “خيانات لم يرتكبها أحد ” بين الإدانة والتبرئة في التباس مفهومي الخائن والبريء عبر اختزال لفظي لتحولات شخوصه المركبة التي أنتجتها ظروفها بماهي عليه، إذ ينطلق فيها من بؤرة الحدث بجنازة “حمزة” الأخ الأصغر لمريم المجند في جيش النظام والعائد من ساحات الصدام ولكن موسوم بالخيانة ويتم دفنه بسرعة وبلا طقوس ومن هذا المشهد تناسلت منه بقية أحداث العمل.
ومن هذا المشهد تتقدم مركبة السرد عبر تقنيتي الاستباق والاسترجاع مستفيداً منها في تبئير عبوره إلى وعي شخوصه وتتبع آلية تفكيرهم بلغة فيها بساطة وعمق محاولًا بذلك كسر خطية الزمن الطبيعي وتوظيفها في تقصي بواطن الشخصيات وفهم دوافع سلوكها ومواقفها عبر استدعاء زمن سابق أو استشراف مراحل زمنية آتية.
وعبر ماراتون الموت لبلد ينزف أبناءه يعمل ديبو على تأريخ للحياة السياسية والاجتماعية خلال ثلاثة أجيال لأسرة محاولًا فيها أن يغطي المرحلة الزمنية التي مرت على سورية من خمسينات القرن الماضي بدأت من مؤسسها “الشيخ جبل” الهارب بسلالته من مذابح العثمانيين واستقراره بقرية جبل الزيتون وسط الجبال القاسية حيث يتبين أنه شارك في معركة استقلال سورية مع قوات الشيخ صالح العلي موضحاً ظروف الطائفة التي كانت حاضنة للنظام السوري البائد فيما بعد من خلال الجيل الثاني ممثلاً بأولادها “محمود وحسن وفواز”.
شخصيات لكل منها انتماء مختلف فحسن والد مريم وحمزة الذي تربى في أجواء القومية العربية ما دفعه للانخراط بحزب البعث في بداياته حيث كان الحماس في أوجه لقضايا الأمة؛ ومحمود المعارض الشيوعي لنظام الحكم البعثي ولنظام حافظ الأسد؛ أما فواز المشحون بضغينة حقد للإهانة التي لحقت به من أحد الإقطاعيين لتجرؤه بطلب يد إحدى بناته فقد كان الانتقام هاجسه الأساسي في ردود الأفعال الثأرية لديه أدى لالتحاقه بقوات رفعت الأسد في سرايا الدفاع سيئة الصيت مع الوعد بالغنى والثراء المؤكد وتدرجه فيما بعد في مراتب السلطة الحاكمة.
ليكون الجيل الثالث مريم وحمزة وأبناء عمومتها وأصدقائهم وزملاء لهم عاصروا زمن الثورة السورية عام 2011 وما بعدها، في تبيان تناقضات واقع الطائفة الأكثر فقرًا كيف استمات أفرادها بالدفاع عن نظام مشهود له بشراسته وجبروته ضد معارضيه أياً كان حيث يعود إلى تفكيك جذور الخوف التاريخي المستحكم في نفوسهم والمجازر التي تعرض لها العلويون ما جعلهم لقمة سائغة لسلطة ركبت على خوفهم واستثمرته وأوحت لهم بأنها المنقذة لتاريخهم والظلم الذي لحق بهم بالإضافة إلى ما ترسخ في وعيهم الجمعي من الفتاوي التي كفرتهم ووضعتهم في مواجهة مع الفكر الجهادي ليبرزوا كحاضنة خلفية للسلطة، استفاد النظام منها وطوع موروثها التاريخي من الخوف لتجنيدهم في ركاب مشروعه المدمر.
بالإضافة إلى اشتغال الأجهزة الأمنية على مشايخهم بالترهيب والترغيب للعمل على إضفاء هالة قدسية على الزعيم وربطه بأوليائهم الصالحين وأن خلاصهم مرتبط بخلاص الوطن والقائد، وأنهم مهددون دائماً بآخر يكرههم ويكره دينهم ومن يخالفه يتهم بالخيانة دوماً، مما خلق أرضية مهيئة لتلقي كم هائل من الإشاعات التي أثثت لستارة الكراهية وتبنيها عن الآخر شريك الوطن، وذلك الوهم الذي طوقهم بفكرة أنه الحامي الذي صعد على موتهم وفقرهم وحشدهم في معركته ضد مناوئيه، إذ تتكرر على ألسنتهم ” عبارة هل ننتظر أن يأتوا ويقتلوننا في بيوتنا ” في إحالة للفترة التي طالت اغتيالات الإخوان المسلمين الطائفية عددا كبيراً منهم والتي وسعت الشرخ الاجتماعي وفاقمت الاصطفافات الطائفية، مما ساهم مستقبلًا بشحن النفوس بالكراهية والاحتقان المذهبي ضد الحراك الناشئ وخاصة عندما ترددت الشعارات المدمرة “المسيحيين ع بيروت والعلويين ع التابوت” وحجم الإشاعات التي استثمرت السلطة فيها وأدارتها لمصلحتها وكيف تحول الزعران والبلطجية إلى شبيحة تزاود على الناس بالوطنية والدفاع عن السلطة باستفادة مما يعنيه البقاء ضمن الجماعة ما يمنح الفرد من إحساس بالأمان قد يكون زائفاً في أغلب الأحيان.
بالمقابل يضيء على تاريخ الآخر بالاعتقال والتعذيب مشيرًا لمجزرة تدمر التي قام بها النظام كرد على مجزرة المدفعية التي طالت طلاب كلية المدفعية الحربية بحلب عام 1979
وفي مدينة حماة يعرج على واقع المدينة السياسي والاجتماعي التي كان من الطبيعي أن تتجاور أسرتان مختلفتا المذهب حيث كان المد السياسي والقومي ووجود الأحزاب أكثر انتشاراً وفاعلية، فمن الطبيعي أن يذكر اسم أكرم الحوراني من المؤسسين للحزب القومي كصورة عن الوضع العام، متجسدة في أسرة خالد طيفور الذي تشارك مع حسن الانتماء للأحزاب القومية وأهدافها قبل أن تهيمن على مدينة حماة ذاكرة ثقيلة من الموت والمجازر ارتكبتها السلطة إبان صراعها الدموي مع الإخوان المسلمين مستذكرًا أحداثاً تاريخية مثل حكم الإعدام على الشيخ مروان حديد المسؤول عن الطليعة المقاتلة ما أعطى النص بعداً توثيقياً وتاريخياً.
نعود إلى الخط التشويقي في نص صاحب “خطأ انتخابي” وهو تقصي مريم عن حقيقة موت وخيانة شقيقها، إذ نتعرف على المهمة الشائكة لجندي يرى نفسه يؤدي واجبًا حزبيًا وطنيًا ليكون الفساد الأخلاقي والمالي بوصلته لتعرية السلطة وأذنابها، إذ تتبين حقيقة موته عبر صدام مع رئيسه في إحدى المداهمات لمنعه من إتمام حالة اغتصاب ليلقى مصرعه على أثرها وليوصم بالخيانة ونكران البيئة الموالية واحتقارهم له دون أن يعرفوا حقيقة الأمر، ليأتي تعاون الناشطين بالحراك من أصدقاء ابن العم مكسيم لكشف الحقيقة ولتأتي شهادات مثل شخصية حسين المجند الذي سيق إلى حرب لا يريدها وكان أول الضحايا ليكون شاهداً على ما حصل، ومن خلال ذلك ومن خلال علاقتها مع الشباب الثائرين يطرأ التحول الكبير على وعيها حبت تقترب وتتعرف على الآخر شريك الوطن ولتصبح مطلوبة لأجهزة الأمن مثل الآخرين.
الأمر الذي كشف عن جهل السوريين لبعضهم البعض، إن لم نقل جهلهم لأنفسهم أولاً مما قاد إلى اتساع الشرخ الاجتماعي ضمن فئات المجتمع السوري وكل يرى نفسه على حق، غير واعين لليد العليا التي تحرك المشهد بعيداً عن التسطيح الأحادي لفكرة الخير والشر المطلق، فلكل منهم ذاكرة مدماة تشير إلى التمزق الذي حول المجتمع السوري إلى أشلاء لا نعلم متى تلتئم.
التساؤل أين كنا ولماذا لم نعرف مجتمعاتنا جيدًا، وهنا لا يكتفي ديبو بتقصي التاريخ الاجتماعي وانقساماته الإثنية بل يعرج على تاريخ التنظيمات المعارضة من قبل الحراك الثوري الذي انطلق في 2011، من حزب العمل الشيوعي وانشقاقات الحزب الشيوعي التقليدي والمنظمة الثورية وانقسامات الأحزاب الدينية والتهمة الدائمة للشيوعيين بأنهم يحللون الجنس مع أخواتهم وأمهاتهم بمعنى أنهم ساقطون أخلاقياً في مجتمع محافظ وما يترتب على ذلك من تقويض الحاضنة الاجتماعية ويجعل الباب مفتوحاً للتيارات الدينية التي استفادت من النزوع الفطري التقليدي لدى الناس.
عندما قتل حمزة اكُتشف أنه قضى بثلاث طلقات رغم أن شهادة الوفاة بينت أنه مات بسكتة قلبية مما كشف الغطاء عن حلقات الفساد المتغلغلة في أجهزة النظام، فمن لا يقتل يُقتل أو يُعاقب، وخاصة من يرفض إطلاق النار على المتظاهرين، أو من يرفض أن يقوم زملاؤه بتعفيش بيوت الناس وسرقتها، أو من يقوم بفضح مسؤولين يتقاضون أموالاً من أهالي المعتقلين بوعود خلبية بأن يساعدوا بإخراجهم من السجون.
يصرح ديبو بأن ما يقلقه هو التعامل مع الطائفة ككتلة صماء منسجمة ومتوحدة تشكلت منذ الأزل وحبست فيها وبقيت إلى الأبد وهذا يخالف الحقيقة، يؤكده العدد الكبير من أبناء الطائفة الـذين زج بهم في سجون النظام ومعضلة السياسيين العلويين “نحن أبطال في السجون وفي الخارج مشكوك بولائنا” موضحاً آلية عمل السلطة باستخدام فقراء يقاتلون فقراء، وكيف تخيف مؤيديها بالإشاعات التي تطلقها واتهامات الخيانة محاولة العمل على تفكيك الوعي وإثارة الرعب لدى الناس الذي يشلهم خوف من السلطة وخوف من الآخر ما يشير إلى هول ما يفعله الخوف بالبشر.
المشهد الأخير بين بكر ومريم واللذين ربطهما في الماضي عشق طفولي بريء في النهاية لم يكن فيه شفاء أو خلاص لأحد. كل منهما يظن أن الآخر هو الخائن ولم ندرك هل وصلا إلى بر الأمان أم أعادا الصراع إلى بداياته، فلكل منهما ثأره وخيبته وفهمه المغيب عن الآخر شريكه في الوطن بعد أن كانا مشروع عشق وغرام، ولا يذكر لنا الكاتب ما إذا توصلا إلى تبيان الحقيقة أم لا إمعاناً منه في إبقاء المشكلة قائمة، بقيت نهايتهما غير معروفة وأقرب إلى الضياع في مشهدية مازالت تمنع الجرح السوري من الالتئام في واقع ليله طويل وأسود.
بواسطة وداد سلوم | سبتمبر 4, 2026 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
من الأصوات الإبداعية السورية الشابة التي ظهرت في الحقبة الأخيرة وتميزت وسط فوضى الإنتاج الأدبي، الكاتبة ليلى الهاشمي من مدينة حمص، والتي نهلت من عمق الجرح السوري. نالت مجموعتها القصصية «محاولات إصلاح العالم» منحة بيت التلمساني، بالتعاون مع دار صفصافة وبدعم من صندوق آفاق. استطاعت فيها أن تكسب تعاطف القارئ ومشاعره، وأن توصل رسالتها عن معاناة الإنسان السوري عبر حرب طويلة كان لمدينتها النصيب الأكبر منها.
فعبر عشر قصص هي قوام المجموعة، تقدم صورة عن حياة الناس، ملتصقة بهموم المهمشين الذين يتلقون صدمات العالم في كل الأزمات؛ ممن فقدوا بيوتهم جراء القصف، وتعثرت حياتهم جراء الفساد ورجاله الذين يتاجرون بقضايا البشر ولقمة عيشهم في السلم والحرب، وما آلت إليه حياة السوريين في رحلتهم إلى اللجوء والمنافي، ومعاناة أولئك الذين علقوا في المكان، متغلغلة إلى العمق النفسي للإنسان الذي نجا من الموت لكنه لم ينجُ من الحياة، حيث تضيق الأزمة الاقتصادية الخناق على الناس، وتزيد آلام الفقد بالفقر وفقدان المأوى… وصولاً إلى تلك الكآبة الساكنة في وجوه العالقين تحت سقف الوطن، وقد انهار على أحلامهم وامتص حياتهم بلقمة العيش، حتى صار الناس، كما تقول في إحدى القصص، يتحركون ببطء وبأقدام ثقيلة، كأن الحياة تحولت إلى أوزان مربوطة بأجسادهم.
تقدم الهاشمي صوراً متنوعة ومتعددة من واقع المعاناة السورية، يمتزج فيها الواقع بالخيال بأسلوب تهكمي ساخر يمنح المجموعة مسحة من الكوميديا السوداء، وكأن الكاتبة، إذ تتكئ على السخرية، تستعير أسلوب مدينتها حمص، المعروفة بالنكتة الحاضرة دوماً. والسخرية هنا محاولة لاستيعاب الواقع المجنون الذي ألقى بكل ما هو إنساني خلفه. فكما يقول فولتير: «السخرية هي سلاح الأعزل المغلوب على أمره».
وبين الواقع المؤلم والخيال الخصب، وفي حبكة بسيطة تمزجها بالتهكم والسخرية، تقدم المفارقات الكاشفة عن قسوة الواقع وشدة الألم، بأسلوب رشيق وسرد شيق وماهر يمسك بعواطف القارئ ويهزها في الأعماق.
وإذ تصف الخراب المادي في المدينة والدمار، تتلمس الخراب النفسي والعاطفي لأولئك الذين يسكنونها، وما تخفيه الوجوه والابتسامات والملامح الجامدة.
تأخذ المجموعة عنوانها من قصة «محاولات إصلاح العالم»، في مقاربة لفكرة روبن هود. فالبطلة تحاول إصلاح الأمور في محيطها بحسب رؤيتها وفهمها لمنظومة الفساد والظلم القائمة، بعد أن خسرت والدها الذي اعتُقل بسبب تشابه الأسماء ولم يعد أبداً، وخسرت فرصة التعلم بسبب النزوح من جهة إلى أخرى هرباً من القذائف التي تمطر المدينة، كما خسرت الرجال الذين أحبتهم لأنها تعمل عاملة تنظيف. الأمر الذي سمح لها بأن تكون العنصر الخفي الذي يرى ولا يُرى، مما يتيح لها التصرف دون أن يشك بها أحد، خاصة في مكانين: الأول في مبنى إذاعة خاصة يديرها أحد رجال الطغمة المالية المتكسبة من تجارة المخدرات، والثاني في مشفى عام.
تفضح الكاتبة بنية المجتمع الفاسد الذي يتاجر فيه أصحاب النفوذ بكل شيء، من المخدرات والرقيق الأبيض إلى الأطفال. وبلغة رشيقة وسرد ممتع، تحمل القارئ عبر مفاجآت لا يتوقعها إلى تلك العوالم المظلمة حيث يكون الموت نعمة، وحيث تنقذ تلك الفتاة البسيطة كل ما تستطيع. لكن، في الحقيقة، لا يمكن للبطولة الفردية أن تكون حلاً، وقد لا تنجح دوماً، فبينها وبين الجريمة خيط رقيق قد يتحول فيه البطل إلى مجرم.
في قصتها الأولى «حياة مستعملة»، تنطلق من حكاية بسيطة مؤثرة لتقول لنا إنه في بلاد تنتهك حياة الفرد وخصوصيته، لا حياة حقيقية نختارها، بل إن أبسط الحقوق يتم اغتيالها، وتتحول الحياة إلى زمن علينا عبوره ولو بأسماء غيرنا. فهي ترث اسم أختها الميتة، وميلادها، وألعاب أخواتها. حتى إن لحظات الانفعال العاطفي والتعاطف صارت باهتة وفاقدة للشغف، أما القلوب فباتت باردة، بل كالمطاط الذي صار صلباً من دون ليونته التي أخذ منها اسمه، لكثرة الضغوط التي تطبق عليه. وترى أن كل عمليات التجميل لن تستطيع إخفاء الوجوه الميتة من الداخل.
الباب الثامن للمدينة
وفي قصة «تتسرب من سقف المدينة»، تصف الحي المدمر بفعل القصف، والأبنية التي سُرقت منها حتى قضبان الحديد، بينما تسكن البطلة وسط هذا الدمار. تخبرنا كيف تنشر ليلاً المشاعر المكبوتة مع الغسيل على السطح، وكأنها جنية طيبة آتية من الحكايات، إلى أن تقودها الصدفة إلى إنقاذ كاتب شاب من محاولة الانتحار، فتعده بنقل قصص الناس إليه ليكتبها؛ أولئك الذين تراهم في عملها البسيط في تغليف السكاكر، بعد أن فشلت في إيجاد عمل لها كمرشدة سياحية.
وتتحول معه إلى مرشدة سياحية تقوده إلى التعرف إلى المدينة وناسها. فكما تقول: للمدينة سبعة أبواب، والثامن هو الأهم، ألا وهو باب حكايات الناس.
تشبه السماء بسقف رُتقت ثقوبه بالنجوم اللامعة، بينما يرتق الناس ثقوب سقف حياتهم بالذكريات، ولهذا، حين تجف، تنزّ آلاماً جديدة.
الكوميديا السوداء والخيال الغرائبي
تتناول الهاشمي تلك الجوانب المسكوت عنها في خضم الأحداث، وهي ما تمارسه منظمات يُفترض أن تكون اليد التي تقدم المساعدة للناس، لكنها للأسف لا تتخلى عنهم فقط بعد مدة الاستعراض، بل تستغل قصصهم أيضاً.
ففي قصة «المسابقة العالمية» تعرّج على الإذلال اليومي الذي يتعرض له الضحايا في أماكن النزاعات على أيدي المؤسسات والمنظمات الإنسانية العالمية، التي تقوم بتقليص المساعدات شيئاً فشيئاً بسبب الرصيد المحدود، بينما تتكاثر بؤر النزاع والحروب في العالم. وفي مفارقة مدهشة، تقدم حلاً ساخراً، وهو إجراء مسابقة عالمية بين نماذج من المعاناة في العالم لتحديد الأحقية في نيل المساعدات، ثم تحويل ذلك إلى مهرجان وتظاهرة عالميين يتبارى فيهما الضحايا بإبراز قصصهم وشدة معاناتهم لنيل المعونات.
وهذا كله سيكلف أموالاً باهظة كان من الأجدر صرفها على غذاء هؤلاء المحتاجين إلى لقمة العيش، في إشارة ساخرة إلى فساد هذه المنظمات ومتاجرتها بآلام الناس تحت الشعارات الطنانة. فكرة جريئة تقدمها في قالب من الكوميديا السوداء، وبتفاصيل مدهشة مدروسة بعناية.
يتخذ الفقد في قصص ليلى ألواناً عديدة مستوحاة من الواقع؛ فهو فرار من التجنيد تارة، أو موت بطلقة طائشة، أو فرار إلى حي آخر، أو مدينة أخرى، أو بلاد بعيدة. وكثيراً ما بقي في البيوت كبار السن يسلّون وحدتهم بتربية قطة، على سبيل المثال. وفي قصتها «ألف باء مياو» نرى كيف أجلست المعلمة قطها لتعلمه بدلاً من تلاميذها.
أما في قصة «جرعة كيف»، فتمزج الغرائبية والخيال بالواقع، حيث توزع الحكومة على المواطنين مكملات غذائية كالخبز، في إشارة إلى كيفية حقن الأدمغة بالأفكار التي تخدمها والسيطرة عليهم من خلالها، عقلياً وجسدياً، إذ تحولهم إلى أجساد منومة تدب على الأرض وتطلب المزيد من تلك المكملات وكأنها تدمنها.
حتى إنها تشير إلى فكرتها التي تؤمن بها، وهي قول كونديرا عن عدم أخذ العالم على محمل الجد لأننا فاقدو القدرة على تغييره. ففي قصة «حلوى السخرية» تتحدث عن فساد التعليم الذي حرمها من الدراسات العليا، ودفعتها حاجتها إلى الشوكولا لمقاومة خيبتها إلى فكرة صناعة الحلويات، محولة كتبها ودفاترها إلى وقود لفرن بدائي، تخبز عليه حلويات تسميها باسم الكاتب أو المبدع الذي أحرقت كتبه؛ فمثلاً «حلوى وليم» لأنها أحرقت مسرحيات شكسبير تحتها، أو حلويات شو، أو كيكة تشارلي، وهكذا.
وتستخدم مهارتها الأدبية لتضيف لكل خلطة طعماً مميزاً، وكأنها تعطي رأيها بالكاتب، مشيرة إلى تلك الذائقة التي تمنحها القدرة على ربط كل نوع أدبي بطعم ونكهة خاصين، في مهارة لافتة في انتقاء الفكرة، لن تجيدها إلا امرأة تتذوق الأدب بكل حواسها. وتطعم تلك المهارة بمكرها الخاص حين تجمع اسمها إلى كلمة تتأرجح بين اسم الكيك واسم السخرية بالإنكليزية: «ساركازيم»، ليصبح اسم معملها البدائي الصغير.
تمرر ليلى في سردها إشارات إلى حساسية أنثوية متدفقة تضاف إلى تلك المهارات، فتقول مثلاً: «هل يجب أن نحرق كل ما نحب كي ننضج؟».
في النهاية، اكتفت بأنها قد خدشت وجه القوانين في مدينة ذهب نصفها إلى الدمار، واستمرت.
أنسنة الحيوان والأشياء
حاولت الهاشمي أنسنة الأشياء، كما أنسنت القط الذي تعلم على يد المعلمة التي ربته، وكذلك في قصة «الصدأ»، حين تتحدث بصوت اللغم الذي نُسي في أحد الأبنية المدمرة وصار يتشهى الانفجار ولو بواسطة زلزال.
وفي قصة «حقيبة خفيفة» نرى قدرة الإنسان على التكيف مع الواقع. فأهل المدينة، حمص، احتفظوا دوماً بحقيبة خفيفة تحمل المستندات والحاجيات الضرورية في كل هروب، ومع تكرار ذلك ملّوا، وحين جاء الزلزال لم يهتموا، إذ تساوت الأشياء في قيمتها وضرورتها، ولم يعد لديهم ما ينقذونه سوى أنفسهم.
لا تعرف المرأة الوحيدة في القصة ما ستأخذه في الحقيبة، بينما يأتيها المخاض أثناء الزلزال، وترى أن أغلى ما لديها هو الجنين. تصور الهاشمي بطلتها تجلس في الحقيبة مع طفلها الذي أتى وسط السائل الأمنيوسي، وتطفو كروح غادرت مع سكان المدينة الذين يسبحون فوق بخار كأنه السائل الذي يحفظهم، في مجاز لحلم الولادة المنتظرة التي ستنقذهم.
قصص ليلى الهاشمي ممتعة؛ تحول الواقع السوداوي إلى مزحة، وتشد عواطف القارئ ومشاعره من أذنها في تشويق مستمر وسرد جميل ومؤثر، تحلق فيه من دون ترهل أو استفاضة، مطعمة سردها بلغة أدبية مميزة من دون أن يكون ذلك على حساب الفكرة أو الصياغة.
مجموعة تستحق الاهتمام والقراءة. ويُذكر أن للكاتبة روايتين قصيرتين: الأولى بعنوان «أربع تذاكر للهروب»، والثانية بعنوان «حمم باردة».
بواسطة عايدة جاويش | أغسطس 25, 2026 | Culture, Poetry, Reviews, بالعربية, مقالات
الجسد لغة للوجود
قليلات هنّ الشاعرات اللواتي استطعن أن يحوّلن الجسد من موضوع للكتابة إلى وسيلة للتفكير في الإنسان. في شعر سنية صالح لا يظهر الجسد الأنثوي بوصفه رمزًا للجمال أو موضوعًا للرغبة، بل بوصفه ذاكرة تحمل آثار التهميش، والحب، والأمومة، والمرض، والموت. ومن خلاله امتزجت سيرتها بالقصيدة، وتحوّل ألمها الشخصي إلى سؤال يتجاوز حدود التجربة الفردية.
لم تكتب سنية صالح عن المرأة من موقع الدفاع عنها، بل كتبت من داخل تجربتها؛ من المكان الذي يتقاطع فيه ضعف الجسد مع الرغبة في الحرية، والخسارة مع الرغبة في الاستمرار. لذلك لم يبقَ الجسد في شعرها مجرد موضوع، بل أصبح العين التي ترى بها العالم، والجلد الذي تلمس به الأشياء.
من الجسد بدأت قصيدتها، لا لتروي سيرته، بل لتتلمس فيه معنى الوجود؛ في ألمه، ورغبته، وهشاشته، وفي ما يتركه الزمن عليه من آثار.
الجسد الذي وُلد في الهامش
لم يبدأ إحساس سنية صالح بالتهميش مع الكتابة أو المرض، بل ارتبط بلحظة ميلادها نفسها. ففي إحدى شهاداتها تقول إنها جاءت إلى العالم بعد وفاة شقيقها الذكر الوحيد: «وُلدتُ لأبوين عائدين من دفن ابنهما الذكر الوحيد، وكأنني جئت لأسدَّ فراغًا لا يُسدّ».
تكشف هذه العبارة عن بداية مبكرة في تشكّل وعي سنية بأنوثتها؛ فقد جاء حضورها إلى العالم في لحظة كان فيها غياب الابن الذكر هو الحدث الأثقل، وكأن وجودها ارتبط منذ البداية بفراغ لم يكن بإمكانها أن تملأه.
ومن هنا لم يكن التهميش عند سنية موقفًا اجتماعيًا طرأ عليها لاحقًا، بل خبرة مبكرة ارتبطت بموقعها كأنثى داخل الأسرة. غير أنها لم تحوّل هذه الخبرة إلى خطاب للدفاع عن نفسها، بل إلى سؤال أعمق عن ذاتها وحقها في أن تعرّف نفسها بنفسها.
أعباء الجسد
عاشت سنية صالح سنوات طويلة وهي تواجه أعباء الأسرة والمرض ومتطلبات الحياة، في الوقت الذي كان فيه الشاعر محمد الماغوط يرسّخ مكانته في المشهد الأدبي العربي. وهنا لا تعود المسألة مجرد علاقة زوجية، بل تصبح سؤالًا عن العمل الذي تقوم به المرأة خلف حياة المبدع، والذي لا يدخل عادةً في حساب الإنجاز الأدبي.
لم يكن الماغوط غافلًا عن دور زوجته، بل اعترف به بعد رحيلها في واحدة من أكثر كلماته إيلامًا، حين كتب:
«منذ ثلاثين سنة وأنتِ تحملينني على
ظهرك كالجندي الجريح، وأنا لم أستطع أن أحملكِ بضع خطوات إلى قبرك».
هذه العبارة ليست اعتذارًا شخصيًا فحسب، بل اعترافًا متأخرًا بحجم الجهد الخفي الذي بذلته سنية؛ ذلك الجهد الذي لم يظهر في السيرة الأدبية ولم تسجله كتب النقد، رغم أنه، في تقديري، كان أحد العوامل الأهم في استمرار محمد الماغوط وإتاحة المساحة التي واصل فيها إبداعه.
غير أن أهمية تجربة سنية صالح لا تكمن في أنها ضحّت من أجل شاعر كبير، بل في أنها لم تسمح لهذه التضحية بأن تلغي صوتها. فقد ظل شعرها محتفظًا باستقلاله ورؤيته الخاصة، ولم يتحول إلى صدى لتجربة الماغوط أو امتداد لها. كانت تكتب من جرحها الشخصي ومن أسئلتها الوجودية، لا لتثبت حضورها في ظل شاعر آخر، بل لتبني حضورًا يخصها؛ حضورًا لا يحتاج إلى أحد كي يبرره.
صوت الجسد
إذا كشفت سيرة سنية صالح عن أشكال التهميش التي يمكن أن تحاصر المرأة، فإن شعرها كشف الكيفية التي أعادت بها تحويل تلك التجربة إلى رؤية شعرية. فما عاشته لم يبقَ مجرد سيرة شخصية، بل أصبح مادة للقصيدة، ومن خلال شعرها بدأ الجسد يستعيد صوته بعد أن ظل طويلًا موضوعًا تُسقط عليه نظرات الآخرين وأحكامهم.
لا يظهر الجسد في شعر سنية صالح بوصفه مساحة للجمال أو الإغواء، كما درجت عليه صور كثيرة في التراث الشعري العربي، وإنما بوصفه موضعًا تتقاطع فيه الذاكرة والألم والحرية. حين قالت: «جسد النساء مظلم وحزين… فليكن الليل آخر المطاف».
إنها لا تصف حالة نفسية عابرة، ولا ترسم صورة تشاؤمية للمرأة، بل تمنح الجسد وظيفة رمزية جديدة. فالظلمة هنا ليست ظلمة الجسد، وإنما ظلمة التجارب التي تراكمت فوقه، والحزن ليس صفة بيولوجية، بل أثرُ تاريخٍ طويل من الصمت والإقصاء. لا تقف سنية صالح عند حدود تشخيص الألم، بل جعلت امتلاك الصوت بدايةً للتحرر منه. ففي ديوان «ذكر الورد» كتبت:
«حاذري أن تنسي أنك ذاهبة
لتصرخي وترفضي
لا لتنحني».
لا يبدو الصراخ هنا فعلًا احتجاجيًا عابرًا، وإنما إعلانًا عن استعادة الذات. فالصوت، في عالم سنية صالح، ليس وسيلة للتعبير فحسب، بل شرطًا من شروط الوجود؛ لأن الإنسان الذي يُحرم من الكلام يُحرم، في الوقت نفسه، من حقه في تعريف نفسه.
الجسد العابر إلى المستقبل
تصالحت سنية صالح مع جسدها عبر القصيدة، فأخرجته من حدود التجربة الفردية إلى معنى إنساني أوسع. لم يعد الجسد مجرد موضع للألم أو وسيلة للاحتجاج، بل أصبح وسيطًا تنتقل عبره خبرة النساء من جيل إلى آخر. ومن هنا تكتسب الأمومة في شعرها معناها الأعمق؛ فهي لا تنظر إليها بوصفها وظيفة بيولوجية أو دورًا اجتماعيًا يكتمل به تعريف المرأة، بل بوصفها علاقة إنسانية تحمل ذاكرة طويلة من الألم والصمود، وتنتقل من الأم إلى الابنة، لا لتثقلها بما مضى، بل لتمنحها معرفة تساعدها على العبور. في قصيدتها «مليون امرأة هي أمك» تخاطب سنية ابنتها قائلة:
«شدّي جذعك إلى جذعي
أدخلي عظامك في نفق عظامي
ثم اسحبي
ما تبقى من جسدك واعبري».
تبدو الصورة قاسية للوهلة الأولى، لكنها ليست احتفاءً بالألم، بل بالقدرة على تجاوزه. فجسد المرأة لا يورّث الجراح، بل يورّث القدرة على احتمالها وتجاوزها. والعظام هنا ليست علامة على الضعف، بل دليل على قوة تشكّلت في مواجهة الألم.
موت الجسد
في سنواتها الأخيرة، دخل الجسد في شعر سنية صالح مرحلة جديدة. فبعد أن حمل ذاكرة التهميش، وأعباء الحياة، وخبرة الأمومة، وجد نفسه في مواجهة المرض. غير أن هذه المواجهة لم تدفعها إلى كتابة مراثي الذات، بل جعلتها أكثر اقترابًا من هشاشة الجسد وحدوده، ومن السؤال عما يبقى للإنسان حين يواجه احتمال الفناء.
عندما أُصيبت بالسرطان، لم تتعامل مع المرض بوصفه هزيمة شخصية، ولم تجعل القصيدة سجلًا للألم الجسدي وحده، بل حوّلته إلى تجربة تتقاطع فيها هشاشة الإنسان مع قدرته على الحلم.
من غرفتها في المستشفى بفرنسا، كتبت قصيدتها «اللؤلؤة»:
«أيتها اللؤلؤة،
نمتِ في جوفي عصورًا
استمعتِ إلى ضجيج الأحشاء
وهدير الدماء
ريثما يُنهي التاريخ حزنه».
هنا لا يظهر المرض بوصفه حدثًا طبيًا فحسب، بل يتحول إلى رحلة داخل أعماق الذات. فاللؤلؤة التي تكوّنت في الجسد ونمت في جوفه تصبح صورةً للقصيدة نفسها؛ شيءٌ يتكوّن في الداخل، وسط الألم، ثم يخرج منه إلى اللغة. ومن هذه النقطة يصبح الموت جزءًا من التجربة الشعرية، لا خاتمةً لها.
لم يكن الموت، في عالم سنية صالح الشعري، نقيضًا للحياة بقدر ما كان امتدادًا للأسئلة التي شغلتها منذ بداياتها. فقد ظل الإنسان، في نظرها، قادرًا على الاحتفاظ بحريته الداخلية حتى في اللحظات التي يعجز فيها عن تغيير واقعه. ولهذا كتبت عبارتها المعروفة:
«أعجز عن تغيير العالم
لكني أحتفظ بحرية الحلم».
وهكذا ظل الجسد، في تجربة سنية صالح، حاضرًا في محطات التهميش والحب والأمومة والمرض؛ لكنه لم يبقَ مجرد جسد يتلقى ما يحدث له. بل حوّلته الشاعرة، في كل مرة، إلى مادة للمعرفة والكتابة، وإلى مساحة تختبر فيها حدود الإنسان وقدرته على تحويل الهشاشة إلى قوة شعرية.