نازحات ادلب… لا خصوصية ولاحياة

نازحات ادلب… لا خصوصية ولاحياة

“حياة بلا حياة ”بعيون دامعة ، وبهذه الكلمات لخصت النازحة الثلاثينية فاطمة العبسي أوضاع النساء في مخيمات النزوح شمال غربي سوريا، اللواتي يتحملن العبء الأكبر من حياة التشرد والفقر، وسط ظروف قاسية لا تراعي أيا من خصوصيتهن، أو طبيعة حياتهن الاجتماعية المحافظة التي خرجن منها .
اضطرت العبسي وعائلتها لترك المنزل في ريف إدلب الشرقي قبل ثلاثة أعوام، هربا من نيران القصف، ليستقر بهم الحال في مخيمات سرمدا الحدودية. تروي لـ “صالون سوريا” ما تقاسيه مع بقية نساء المخيم، قائلة :“لقد غير سكننا في الخيام حياتنا بشكل جذري ، حيث تنعدم الخصوصية نتيجة تراص الخيام إلى جانب بعضها البعض، وتتقيد حريتنا في اللباس والكلام والحركة، فضلا عن عدم وجود أماكن مخصصة للاستحمام، والشعور بالحرج عند الذهاب أو العودة من دورات المياه المشتركة التي تكون بعيدة عن الخيام على مرأى الجميع”.
والأكثر سوءا هو الخوف الذي يلم بأم أرادت الذهاب للحمام ليلا بصحبة أحد أطفالها من حيوان تتفاجى بوجوده، أو شخص يحاول التحرش بها، خاصة وأن دورات المياه المخصصة للنساء قريبة من تلك المخصصة للرجال بحسب تعبيرها. وتقول :“هربنا من شبح القصف والموت لنقطن مخيمات أشبه بالعراء ، وليس هناك سبيل لتحسين حياتنا ، والخروج من هذا المكان بسبب غلاء إيجارات المنازل وجشع أصحابها .“
في ظل ضعف البنية الأساسية لمعظم المخيمات في الشمال السوري تكمن معاناة النازحات، وخاصة المسنات وممن لديهن إعاقة ليشكل الذهاب إلى الحمام تحديا حقيقيا كحال الأربعينية سناء الأحمد التي أصيبت بقصف جوي قبيل نزوحها الأخير من مدينتها خان شيخون إلى مخيم قاح على الحدود السورية -التركية، ماأدى إلى إحداث إعاقة دائمة لها في الساق ، لذلك تضطر عند الذهاب إلى دورات المياه للاستعانة بإحدى قريباتها أو جاراتها ليساندنها أثناء المشي إلى هناك، خاصة، أن طريق المخيم وعر ودورات المياه لها درج عال. تقول: ” هذا الأمر يشعرني بالخجل والحرج الشديد”.
وتشكو الشابة العشرينية، نوال العمر التي نزحت مع عائلتها إلى مخيم تل الكرامة في مدينة الدانا من عدم قدرتها على خلع الحجاب طوال الوقت حتى داخل الخيمة،لأن أغلب الخيام شفافة وقماشها رقيق تكشف كل حركة داخلها. أنها لاتستطيع تبديل ملابسها إلا بمساعدة أخواتها من خلال تغطية الخيمة بأقمشة إضافية، وعند الاستحمام تضطر لإخراج جميع من في الخيمة وذلك يسبب لها أعباء نفسية .
وتلفت الشابة إلى صعوبة تأمين مستلزمات النظافة الكاملة بسبب قلة المياه ومواد التنظيف والعناية الشخصية، كما أنها تضطر لحمل المياه برفقة أمها وأخواتها من مسافات بعيدة للحفاظ على النظافة ،وزاد الوضع سوءا مع انتشار فيروس كورونا الذي تحتاج فيه الأسرة إلى كميات أكبر من الماء للتنظيف المتواصل، بحسب تعبيرها.
وكانت الأمم المتحدة حذرت في تقرير صادر في الخامس من تشرين الأول (اكتوبر) الفائت من تضرر خمسة ملايين شخص من أزمة المياه المستمرة في شمالي وشمال شرقي سوريا.
وفي المخيمات، أصبحت المواقد الطينية أو الحديدية بديلا عن اسطوانات الغاز التي بات يفتقدها الكثير من النازحين، وخاصة بعد غلاء أسعارها والعجز عن تأمين ثمنها، لذلك تضطر معظم النساء للجلوس خارج الخيمة أمام الموقد عند إعداد الطعام لأسرهن .
الأرملة فريال الدبس (٣٥عاما ) تقطن في مخيم حربنوش بعد نزوحها من معرة النعمان، تقول بأنها قامت مثل باقي جاراتها بصناعة موقد طيني، بعد “الارتفاع الجنوني” لسعر اسطوانة الغاز وتستخدمه للطهي، وتسخين المياه خارج الخيمة. تقول بأنها تشعر بالحرج كون جميع المارة يشاهدونها أثناء إعدادها للطعام، ويعرفون نوع الوجبة التي تقوم بإعدادها .
ولاتخفي السيدة فريال في حديثها لصالون سوريا حنينها وشوقها الشديد للعيش في منزل له جدران ،يحفظ خصوصيتها ، كحق من أبسط حقوقها التي فقدتها بسبب الحرب .
من جهته، تقول الباحثة الاجتماعية رغداء السيد (٤٣عاما)وهي من مدينة إدلب لـ “صالون سوريا” :“النزوح فاقم معاناة المرأة، ولم تتمكن الكثيرات من التكيف مع واقع الخيام المؤلم بسهولة، والإنتقال من حياة البيوت والإستقرار والعيش الكريم إلى الخيام والتشريد وانعدام الأمان والخصوصية، مما سبب لهن الشعور بالقلق والإكتئاب، والإغتراب النفسي عن بيتهن وأسرتهن، وصعوبة التأقلم، والخوف الدائم من المجهول، بالإضافة إلى اضطرابات في النوم”.

وجوه كالحة في دمشق

وجوه كالحة في دمشق

حوّل الفقر المفجع حياة أغلبية الأسر السورية في دمشق ومناطق سيطرة الحكومة إلى “جحيم”، بسبب عدم تمكن المعيل من تلبية متطلبات أفراد العائلة، ذلك بعدما كان التآلف والتماسك الاجتماعي في الأسرة السورية، مضرب مثل للمجتمعات في الدول المجاورة والإقليمية والدولية.
“أم محمود” ربة منزل في العقد السادس من العمر، وتعيش مع زوجها وأربع فتيات وطفل في أحد أحياء دمشق، تروي لـ”صالون سوريا”، أن زوجها يعمل موظفا في شركة خاصة صباحا، و “بات مع ضيق الأحوال المعيشية يعمل في المساء سائق سيارة أجرة”.
وتشكو”أم محمود”، من أنه وبخلاف ما عرفته عن زوجها منذ أكثر من أربعين من طبع مرح وإنسانية لا توصف ومزاح دائم، بات عندما يطلب منه أحد أفراد العائلة طلبا حتى لو كان بسيطا، يصبح “عصبيا جدا، ويسمع صوته كل الجيران في البناية وحتى في الشارع”. واشارت إلى أن لسان حال “أبو محمود” المعيل الوحيد للعائلة، في رده على أي طلب، أصبح عبارات يكررها في كل مرة وهي، “ما معي. ارحموني. خافوا الله. بدكون بنك ما بيكفيكون (…)”، وتضيف: “المصيبة أنه وعندما يتم الإلحاح عليه بالطلبات، أصبح يوجه كلمات غير مألوفة لي وللبنات والولد”، وتتابع، “البنات طالبات جامعة وثانوي وأخوهم ثانوي وبدهم مصاريف، يعني منين يجيبوا؟!”.

وجه عابس
وجه “أبو محمود”، وحسب زوجته، أصبح منذ فترة طويلة، عبوس بشكل دائم، فهو يستيقظ في الصباح من دون أن يلقي السلام على أحد ويخرج إلى الوظيفة، وعلى نفس الحال يكون في منتصف الليل عندما يعود من عمله على السيارة، على حين البنات والولد باتوا يركضون إلى غرفهم وينزوون فيها “ريثما يأكل لقمة الأكل ويروح ينام”.
وبعدما تستذكر “لمة العيلة أيام الجمعة (العطلة الرسمية) والمرح والسهرات التي كانت تحصل والطبخات اللذيذة التي كنا نحضرها والفواكه والموالح والحلويات التي نجلبها عندما كانت أحوال العائلة جيدة” قبل سنوات الحرب والضائقة المعيشية التي ألمت بأغلبية الأسر، تؤكد “أم محمود” أن أيام الجمعة وكل أيامنا تحولت إلى “جحيم لا يطاق بسبب القلة”، إلى أن أقنعت زوجها “بالعمل على السيارة في أيام الجمعة لتفادي حصول مزيد من السجالات والمشاجرات بينه وبين جميع أفراد العائلة”.
ويعاني أغلبية السوريين من أزمة معيشية خانقة بسبب تواصل ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، واستمرار فقدان مداخيل العائلات الشهرية جزءاً كبيراً من قيمتها بسبب الانهيار القياسي لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي الذي يساوي حاليا نحو 3500 ليرة، بعدما كان بين 45 و50 ليرة في عام 2010.
وبات أكثر من 94 في المائة من المواطنين في مناطق سيطرة الحكومة يعيشون تحت خط الفقر، حسب الأمم المتحدة والعديد من الدراسات، بينما لا يتعدى متوسط الراتب الشهري لموظفي القطاع العام 25 دولاراً، ولموظفي القطاع الخاص 50 دولاراً، بعدما كان راتب الموظف الحكومي قبل الحرب نحو 600 دولار.

الف حساب
“أبو وسيم” وهو أب لأربعة أولاد ويعمل بائع خضار متجول، يؤكد لـ”صالون سوريا”، أنه بات “يحسب ألف حساب للحظة الرجعة على البيت، حتى الواحد صار يكره الرجعة، لأن الكل (الأم والأولاد يجدهم) قالبين خلقهم”، ويضيف “الولد ما عاجبو الأكل، والبنت بدها أواعي (ثياب) جديدة وتروح مشاوير مع رفقاتها، والأم بدها تصلح أسنانها، وكل يلي بطلعوا باليوم دوبو يكفي أكل ومن قريبو”، ويتابع “يلي بدو يلبس ويأكل متل العالم والناس بدو مليون ليرة بالشهر، هاد غير أجار البيت، وأنا بتطلع روحي لطلّع 5 – 7 ألالف باليوم”.
ويوضح الرجل، أن حياة العيلة “انقلبت وصارت كلها نكد بنكد، لأن الكل يصر على تلبية طلباته”، ويضيف “( عندما) أقول لهم طولوا بالكم شوي شوي.. واحد واحد، بيزعلوا والولد بصير لما بتحكي معو يرد من برّات منافسو دون احترام، والبنت بتعمل حالها مو سمعانة، والأم بترد بنرفزة. الله يحسن أحوالنا وأحوال الجميع، ويمضّي هالعمر ويخلص على خير”.
ويعي بعض الأبناء الضائقة المعيشية التي تعاني منها أغلبية العائلات ويرون أنه يجب مراعاتها في مسألة تلبية طالباتهم، وتقسم طالبة ثانوي في حدثيها لـ”صالون سوريا”، أنها لا تطلب “إلا الضروري الضروري”، لكنها تضيف “إذا لم أطلب من أبي ممن أطلب من الجيران؟ هو خلفنا وهو مجبر بنا”.

انتحار وطلاق
وخلال سنوات الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد من الزمن تشهد مناطق سيطرة الحكومة ارتفاعاً بمعدلات الانتحار، وكشف المدير العام للهيئة العامة للطب الشرعي، زاهر حجو، في يونيو (حزيران) الماضي عن تسجيل 80 حالة انتحار خلال العام الحالي، بزيادة تصل إلى خمس أضعاف مما كانت عليه قبل 2011.
ويرى اخصائيون اجتماعيون، أن الفقر والأوضاع الاقتصادية السيئة تعد في مقدمة الأسباب التي تدفع الرجال والشباب والفتيات إلى اتخاذ القرار بإنهاء حياتهم، فضلاً عن ظروف الحرب والبطالة والضغوط النفسيّة والاجتماعية.
وارتفعت حالات الطلاق خلال سنوات الحرب في سوريا إلى نِسَب غير مسبوقة مقارنةً مع ما قبل عام 2011 حيث باتت بعض الزيجات تستمر لأشهر أو أيام معدودة بسبب الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة والتفكك الأسري والاجتماعي.
وقال القاضي الشرعي الأول في سوريا محمود معراوي في ديسمبر (كانون الاول) العام الماضي، في تصريح لإذاعة محلية، أن أهم أسباب ازدياد حالات الطلاق في الوقت الحالي هو الوضع الاقتصادي وعدم تحمّل أحد الأطراف لظروف الحياة الصعبة بالإضافة لغياب دور الأهل في إصلاح ذات البين والاستعمال السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي سواءً من الزوج أو الزوجة .
وبحسب ما قاله مدير عام الأحوال المدنية الحكومية أحمد رحال، في تصريح لوسائل إعلام محلية، تم خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2020، تسجيل 19 ألف حالة طلاق، فيما بلغت في نهاية العام 2019، 34 ألف حالة طلاق، على حين كشف مستشار وزير الأوقاف، حسّان عوض، في إحدى مقابلاته الإذاعيّةعن ارتفاع نسب الطلاق في سوريا 5 أضعاف خلال فترة حظر التجوّل بسبب انتشار فيروس “كورونا”.

الحياة في دمشق… أشبه بالموت

الحياة في دمشق… أشبه بالموت

بيدين راعشتين، يخرج أبو أحمد ورقة نقدية من فئة ألفي ليرة سورية. يمسكها بحذر الخائف من السرقة، والحريص على ما يبدو أنّه آخر ما بجيبه. يتفحص الرجل السبعيني أقراص الفلافل، وهي تقلى من أمام واجهة أحد المطاعم الصغيرة في مدينة جرمانا بريف دمشق.
ينقل عينيه بين زبونين ينتظران دورهما، ينصت باهتمام لسؤال عابر من جواره، “كم سعر السندويشة؟”، يأتي الجواب: “1300 ليرة”، يتحسس العجوز ماله من جديد، وتبدو ملامحه وكأنّه يجري عملية حسابية بسيطة ومعقدة في آن، يسأل صاحب المطعم: “هل يمكنني أن آخذ سندويشتين بألفي ليرة”، يجيبه العامل: “نعم ولكن بعدد أقراص فلافل أقل”، يقول أبو أحمد: “لا بأس، واحدة بلا مخلل والثانية زيادة بندورة، لو سمحت”.
“لو سمحت”، بكل انكسار الكون يقولها الرجل السبعيني وبكل ما أوتي من عزة نفس مزقتها ظروف الأيام وأحوالها، أبو أحمد الذي عاصر أحداث “الإخوان المسلمين” نهاية سبعينات القرن الماضي، يقول لـ “صالون سوري”: “لم يحصل هذا وقتذاك، لم نجع أو نتشرد أو ننم دون طعام، لم نقف على واجهات المحال نشتهي ونتمنى، آخ على هذا البلد”. ببحة وقهر يقولها أبو أحمد، ويمضي ليأخذ سندويشتيه داخل كيس أبيض، على عكس ألوان أيام حياة السوريين، “تنتظرني أم أحمد في المنزل، اليوم قررت أن أدللها وأن نستعيض عن الزعتر واللبن بالفلافل، من حسن الحظ وسوءه في آن أنّه ليس لدينا أولاد”، وعن آخر مرة تناولا فيها اللحوم، يقول: “كان ذلك قبل أربعة أشهر حين كنا مدعوين لدى ابن عمي”.

وفي دمشق أيضاً
لا يبدو الحال في دمشق أفضل بأي شكل. سيدة في عقدها الرابع تقف على واجهة محل لبيع الألبان، في حي الشيخ سعد التجاري، على مقربة من وسط العاصمة، تراقب وتتمعن بالأسعار المعروضة، على الواجهة وضعت أسعار تقول أن كيلو الجبنة البلدي بـ 9400 ليرة سورية، والمغلية بـ 10000 والعكاوية بذات السعر، أما الشلل حب بـ 18000 ليرة، وكذلك المالحة والحلوة وحلوم، أما القشقوان فسعرها 19500 ليرة.
“حقيقةً وقفت مصدومة لهول الأسعار، بدايةً كنت أفكر بشراء بعض الجبن بألفي ليرة لزوم الإفطار والعشاء ربما، نحن خمسة أشخاص في المنزل، ولكن في ظل هذه الأسعار من الجيد أن يسمح لي بتذوق الجبنة فقط بألفي ليرة، يبدو أنّنا سنتناول الزعتر وبعض المكدوس أيضاً ليوم آخر”، تقول السيدة.
ولما أسمته شدة فضولها راحت تسأل عن أسعار الدجاج، رافقها “صالون سوري” ليرى طبيعة الأسعار فعلاً، ليتبين أنّ سعر كيلو الفروج 7400 ليرة، الشرحات 11500، الدبابيس 7100، وكيلو الجوانج 5400، هنا لم يكن من الضروري مراقبة ردات فعل السيدة وهي تقرأ، فكل ما كانت ستحسه كان واضحاً وجلياً يمكن لمسه وقراءته على جبين السوريين، السوريين الذين يبلغ متوسط راتب أفضل موظف فيهم سبعين ألف ليرة سورية، مبلغ بالكاد يكفي بضعة أيام، وبقية الشهر يقضيها السوريون بالشح والاستدانة و”تدبير راسهم”.

طعام اليوم
بحسبة اقتصادية سريعة، إذا أرادت عائلة مكونة من خمسة أفراد، تقليص وجبات طعامها الرئيسية من ثلاث وجبات إلى وجبتين فقط، وأن تقتصر هاتان الوجبتان على الفلافل، فستحتاج العائلة لـ 6500 ليرة على الفطور، ومثلها على العشاء، أي ما يعادل 390000 ألف ليرة ثمناً للفلافل فقط في الشهر، أي نحو خمسة أضعاف الراتب، وهذا دون دفع أي مصاريف للطبابة والمدارس والجامعات والفواتير وأجار المنزل والإصلاحات البسيطة وأجور النقل والملابس والخضار والفواكه… والخ
إذن، فإنّ راتب الموظف الحكومي يكفي في ظل هذه المعطيات ثمن فلافل لخمسة أيام بالضبط، لتبدأ رحلة يطلق عليها الشوام اسم “الحربقة” وتعني بصورة مبسطة “تدبير الراس”، لإيجاد طرائق وبدائل لإمضاء الشهر، قد تبدو المهمة مستحيلة حقاً، لكنّ السوريين خبروا أيام الفقر هذه، وعاينوها عن قرب، ووجدوا أساليب متعددة للتعايش معهما، بأقلّ القليل.

أكثر من عمل
سالم موظف حكومي ويعمل بعد الظهر سائق تكسي في دمشق، يخبر “صالون سوري” أنّه يعمل لدوامين متتاليين، فيعود إلى منزله بعد الحادية عشر ليلاً كل يوم، “أخرج صباحاً في السابعة والنصف، بالكاد أعود آخر اليوم لأرى زوجتي وطفلتي قليلاً، وأتعشى، ثم أنام فوراً، هذه حياتي وهذا شكلها، كذلك زوجتي تعمل من داخل المنزل في مهنة الخياطة، لا أقول أنّ دخلها سيء للغاية ولكنّه بالتأكيد ليس جيداً، إلّا أنّ دخلي ودخلها معها مجتمعين بالكاد يغطيان مصاريفنا الأساسية يضاف إليهما أجار المنزل المرتفع ومصاريف الطفلة الصغيرة”.

المشكلة بالدخل لا بالأسعار
تضحك ميرنا (طالبة جامعية) حين سؤالها عن انخفاض سعر الموز الذي وصل إلى أربعة آلاف بعد أن كان عشرة آلاف قبل أيام قليلة، “يبدو أنّ المشكلة ليست في سعره الذي انخفض، فرغم انخفاضه لا زلنا غير قادرين على شرائه، المشكلة في دخلنا، أنا أعمل بعد جامعتي في محل للمكياج براتب 60 ألف، ووالدي موظف، أما والدتي ربة منزل، ولدي أخوان، لولا أنّنا جميعاً نعمل، لما كنا تمكنا من الإكمال ولو بالحد الأدنى، وأقول الحد الأدنى لأنّ مرتبي كما هو، وفوقه مبلغ من إخوتي حتى يكفيني ثمن مواصلات وبضع محاضرات فقط، هل تعتقد أنّ زملائي لا يلاحظون أبداً أني لا أغير ملابسي كثيراً؟، ولا أصبغ شعري؟، ولا أروح لصالونات تجميل؟، نعم، هم يعرفون جيداً، ولكن كثر منهم مثلي، فليكن الله بعون الناس، ما يحصل ليس قليلاً”.

لقمة الذل
يقال أنّ السوريين شعب حي، ولكن قد يبدو مفهوم الحي مختلفاً قليلاً في هذه الأيام، فثمة حياة كالموت. هكذا يحياها ويصفها السوريون، وحياة لأجل الركض واللهاث خلف لقمة الطعام، فهذه عائلة تطالها وأخرى لا تصلها، وبين كل هذا وذاك، طبقة سوريةٌ أفرزتها الحرب، أناس لو اشتهوا الموز قد يشترون شاحنة، هذا ما يقوله المدرس الثانوي فاتح حمادة.
وفي كل الأحوال، يبقى أنّ الغالبية جائعة وخائفة وحزينة، تبحث عن خبزها كفاف يومها، عن لقمة كانت مغمسةً بالدم، وصارت مغمسةً بالذل، هل يصدق أحدٌّ أنّ سوريين كثر صاروا يتناولون طعامهم من القمامة؟!.

دمشقيون عراة أمام الألبسة المستعملة

دمشقيون عراة أمام الألبسة المستعملة

مع أول قطرة مطر هطلت في شوارع دمشق، بدأ الناس، كما كل شتاء، يستجمعون ذكرياتهم، عن مرويات صنعوها وعايشوها عن شتاء كان يوماً دافئاً. أيامٌ كانت تكتنز الكثير من النعمة لكل شيء فيها حتى بأبسط الأشياء. وأبسط الأشياء هنا، هو معطف محشو بالفرو الذي كان يقيهم برودة الطقس والأسى، ذلك ان السوري بات اليوم عارياً أمام يومياته المثقلة بالهموم.
لم يعد أحد يهتم بتلك الذكريات، مع الغلاء المبالغ به في أسعار الملابس الشتوية التي ترتفع أكثر فأكثر كل موسم. وكل موسم هنا تعني ما كتب للسوري أن يحياه موسماً بعد موسم ليشهد على الفقر المتنامي ينهش جسده وجسد أقرانه.
“أريد فقط أن أشعر بالدفء منذ ساعات الصباح الأولى للذهاب إلى عملي حتى الانتهاء والعودة إلى المنزل”، هذا ما قالته لنا هبة راجح (موظفة حكومية – 29 عاماً) عندما التقيتها في سوق البالة الشهير وسط دمشق والمعروف بـ “سوق الإطفائية”، وهو سوق البالة الأكبر في سورية، على مقربة من حي الحجاز الدمشقي. تضيف: “جئت إلى هنا لأشتري معطفا يدفئني في الأجواء المطرية والحرارة المنخفضة، لكني فوجئت بالارتفاع الكبير في الأسعار بعدما كانت تناسب الكثير من الزبائن مثلي في هذا السوق”.
تنظر في المعروضات، وتقول: “أنا موظفة في مؤسسة حكومية”، وتسأل: “كيف لي أن أدفع ثمن معطف يساوي راتبي الشهري كاملاً؟ هذا جنون!، وعندما اعترض يواسيني بائعو البالة بالقول هناك أنواع معاطف بجودة أقل وبها عيوب، ربما تلك تكون خياراً لا بأس به”، لكن “الغريب”، في رأيها، أنه حتى ملابس البالة أصبحت لها جودة وتصنيف وميزات وهي أيضا باتت تفرق ما بين الفقير والغني في هذه البلاد.

جولة في السوق
رافق “صالون سوريا” الشابة ميرنا عبد الباقي خلال جولتها في “سوق الإطفائية”. ترى ميرنا المشهد من بعيد: بائع على يمين السوق يصيح على مدخل محله: “الشتوي صار عنا ببلاش”، ويضيف آخر: “شو بدك بالجديد، الي ماله قديم ماله جديد”، تلك صيحات يطلقها البائعون لاستجلاب الزبائن في السوق، والمنافسة الأحد بينهم تتعلق بسعر الملابس الأرخص.
تقترب ميرنا لتسأل عن سعر معطف باللون الأسود الذي يليق على كل ملابسها الشتوية. يجيبها البائع بأنها اختارت أجمل القطع في المحل وأميزها، يضيف: “سعره ثمانون ألف”. وبعد الأخذ والرد ينهيه بخمسة وستين ألفا! (الدولار الاميركي يساوي حوالى ثلاثة الاف ليرة)، ما يدل على ضياع التسعير وكل هنا يعطي للقطعة سعرا على هوائه.
هنا تعلو على وجه ميرنا ابتسامة ساخرة، وتقول: “هذا السعر يعادل راتبي لشهر كامل، كيف لي أن دفع كل ذلك المبلغ؟”.
من مكان إلى آخر تتجول ميرنا بين المحلات للعثور على ضالتها المنشودة. وفي محل آخر لا يكلف البائع نفسه عناء النقاش مع الزبائن لأنه فعل كما كثر في السوق وعلق ورقة السعر على كل قطعة، لعله يرتاح من هم السؤال الذي أصبح على لسان الكثير من الزبائن نظرا لهول ارتفاع الأسعار في سوق البالة، السؤال الأقرب للاستغراب الذي يختصر كل ما في الخاطر من صدمة “أوووف؟”.
لم تطل جولة ميرنا كثيرا بين المحلات بعد أن فقدت الأمل في العثور على معطف مناسب بالجودة والسعر. وبعد عناء البحث عن المعطف الذي لا تجده ميرنا، تعود خالية الوفاض خارجةً من السوق عبر النفق القديم المفضي من وسط السوق إلى منطقة معروفة بمختار القنوات. تقول: “صحيح أنّني لم اشترِ المعطف الذهبي، لكني وضعت إعجابات كثيرة على الأسعار”. وتضيف: “هذه رحلتي إلى هنا وهي ليست الأولى أمضي كل يوم خميس هنا بين الأخذ والرد وفي النهاية أعود خالية اليدين لأنه إذا كان من أمل لو ضئيل أن أشتري شيئا من هنا. فبالتأكيد لا أمل لي أن اشتري شيئا من أسواق دمشق كشارع الحمرا والشعلان”، وعما سوقان شهيران في القسم الحديث من دمشق.

جنون الأسعار
“في الموسم الماضي كان سعر المعطف الشتوي يتراوح ما بين عشرة آلاف إلى عشرين ألف. اليوم أصبح سعره يتراوح ما بين أربعين إلى ثمانين ألف بحسب الجودة والنوعية وفي بعض الأحيان يصل إلى مئة ألف، أما الجينز فكان قبل أشهر يتراوح ما بين ثلاثة ألاف إلى ستة ألاف، وأصبح الأن يباع بأكثر من عشرين ألف، ناهيك عن أسعار ملابس الأطفال التي تباع بمثل أسعار ملابس الكبار، فيما تتجاوز أسعار بعض الأحذية الرياضية المئة ألف”، بحسب سالم حلوم الذي يعمل في مدرساً في احدى المؤسسات الحكومية. وسالم ، على حد وصفه، صار متمرساً ببسطات البالة لكثرة ما يقصدها لشراء ملابسه وملابس أولاده.
“كان سوق البالة الملجأ الوحيد لي ولزوجتي وأطفالي الثلاثة بعد أن هجرنا أسواق الملابس الجديدة منذ زمن، لكن الآن الوضع اختلف، الأسعار صارت جنونية، كيف لنا أن نكتسي كلنا جميعا وفق تلك الأسعار العالية والراتب الزهيد؟، وفوق ذلك مصروف المنزل وفواتير الكهرباء والغاز والماء التي بدأت هي الأخرى بالارتفاع، وإلى متى لا أحد يعلم!.”.

مبررات الجودة والسعر
يقول أحد تجار البالة لـ “صالون سوري”: “الدولار مرتبط بكل شيء حتى بأسعار ملابس البالة التي نشتريها على شكل حزم “صرة ملابس” ندفع ثمنها ابتداء من ألف دولار وصعوداً، بحسب نوعيتها، وتصل إلى سورية عبر التهريب، ما يحملنا مصاريف إضافية عادة ما تكون باهظة، وهو ما يدفعنا لرفع الأسعار، وبالطبع كل حزمة تتفاوت فيها درجة النوعية والجودة، نصنفها بحسب ما نطلق عليه “نظافة القطعة” من ممتازة، إلى جيدة، متوسطة الجودة، متوسط درجة ثانية، درجة ثالثة، سيئة، للبيع بالكيلو، للتنسيق، ولكن اليوم غالبية قطع الحزمة تكون ممزقة أو مثقوبة أو ملوثة وفيها عيوب متنوعة، وهذا ما يجعلنا نستند في ربحنا فقط على البضاعة السليمة”.
الواضح، انه باتت القدرة الشرائية للمواطنين من ذوي الدخل المحدود تكتوي بنار الأسعار، ولا يقتصر ذلك على سعر الملابس المستعملة بل أيضا على معظم الجوانب المعيشية بدءا من الطعام وليس انتهاء بالفواتير المعيشية والخدمية. وبعد أن كان سوق البالة الهدف المناسب لشريحة كبيرة من الناس يبدو أنه اليوم ما عاد يتسع لمعظمهم، ما يطرح السؤال: “ماذا بقي من خيارات للفقراء في هذه البلاد التي يسافر أطباؤها للعمل في الصومال؟”، حسب قول خبير اقتصادي يتابع الوضع المعيشي في دمشق.

كيف تمددت “الخريطة الروسية” جنوب سوريا؟

كيف تمددت “الخريطة الروسية” جنوب سوريا؟

ينتظر أبناء جنوب سوريا في درعا نتائج “الخريطة الروسية” على المناطق التي عرفت بـ “التسويات”، وهي عدة مدن وبلدات من شمالي وجنوب وغرب المحافظة وشرقها وافقت على تطبيق اتفاق التسوية في شهر تموز (يوليو) العام 2018 بعد تفاهمات روسية -اميركية -اردنية، تضمنت سيطرة الحكومة على المنطقة مقابل ابعاد ايران.
ووافقت روسيا حينها على بقاء السلاح الخفيف والمتوسط مع المقاتلين السابقين في المعارضة في درعا، وعاشت المنطقة بعدها حالة من الانفلات الأمني وانتشار الجريمة والقتل والاغتيال الذي استهدف شخصيات محسوبة على النظام أو المعارضة سابقاً أو قادة وعناصر مجموعات محلية انضموا بعد تسويات عام 2018 إلى الأجهزة الأمنية التابعة للنظام و “الفيلق الخامس” المدعوم من قاعدة حميميم الروسية.

بدايات
بدأت روسيا تطالب بسلاح العناصر والقادة الذي احتفظوا به وفق الاتفاق السابق، وكانت الانطلاقة من مدينة درعا البلد المدينة التي تحمل رمزية ثورية باعتبارها اولى مدن محافظة درعا التي انطلقت منها شراراه العبارات والمظاهرات المناهضة لدمشق في العام ٢٠١١، حيث طالب جنرال روسي مندوب إلى محافظة درعا لمتابعة ملف اتفاق التسوية في المنطقة من اللجنة المركزية للتفاوض الممثلة لأبناء وأهلي مدينة درعا البلد بعد اجتماع عقد بتاريخ 25 حزيران (يونيو) 2021، بتسليم السلاح الخفيف والمتوسط المتواجد في درعا البلد. رفض أبناء مدينة درعا البلد المطلب الروسي واعتبره مناقضا لما تم الاتفاق عليه في عام ٢٠١٨ الذي سمح لهم ببقاء السلاح الخفيف والمتوسط بعد تسليم السلاح الثقيل. وعقدت اجتماعات بعدها وحاولت اللجنة المركزية في درعا البلد التوصل إلى حل سلمي بدون تسليم السلاح لاسيما مع التهديد الروسي المستمر خلال جولات التفاوض باستخدام القوة العسكرية اذا لم تطبق مطالبه بتسليم السلاح الخفيف والمتوسط من درعا البلد.
ومع استمرار الاجتماعات كانت تتوافد تعزيزات عسكرية معروفه باسم “قوات الغيث”، نسبة الى العميد غياث دلا، التابعة لـ “الفرقة الرابعة” التي يقودها اللواء ماهر الأسد شقيق الرئيس بشار الاسد. واغلقت مداخل ومخارج مدينة درعا البلد وسمحت قوات دمشق، بخروج المدنيين من درعا البلد وطريق السد والمخيم من معبر طريق السرايا الفاصل بين درعا البلد ودرعا المحطة مركز مدينة درعا.
ومع استمرار رفض أبناء درعا البلد تسليم السلاح، بدأت “الفرقة الرابعة” تصعيدها العسكري على المدينة ومحاولات تقدم واقتحام للمدينة تزامنت مع قصف على أحياء درعا البلد، وكانت كل عملية تصعيد عسكرية على المدينة تترافق مع اجتماع بين الجانب الروسي واللجنة الأمنية التابعة لدمشق واللجنة المركزية للتفاوض في درعا البلد.
ومع استمرار التصعيد العسكري ومحاولات اقتحام المدينة وتطويقها وفشل محاولتين لتطبيق اتفاق التسوية وتهجير 35 شخصا من أبناء درعا البلد، واستمرار تطويق المدينة لأكثر من 50 يوما والمواجهات بين أبناء المدينة في درعا البلد وطريق السد والمخيم وقوات “الفرقة الرابعة”، طرح الجانب الروسي “خريطة طريق” جديدة للمنطقة الجنوبية ولجميع مناطق التسويات في درعا، تشمل “دخول قوة عسكرية روسية وقوة أمنية من الجيش إلى مناطق درعا واجراء تسويات جديدة تضمن إزاحة المطالب الأمنية عن المطلوبين وتسوية أوضاع الفارين والمتخلفين عن الجيش السوري، ودخول مؤسسات وخدمات الدولة السورية إلى المنطقة التي توافق على الاتفاق الجديد، مقابل تسليم السلاح الخفيف والمتوسط”.
وافقت مدينة درعا البلد بعد ذلك على تطبيق “الخريطة الروسية” واتفاق التسوية الجديد، ودخلت قوات من الشرطة العسكرية الروسية وقوة أمنية من النظام إلى درعا البلد واقامت مركز لتسوية الاوضاع وتسليم السلاح في حي الأربعين بدرعا البلد، وتم تسليم العدد المطلوب من السلاح الخفيف والمتوسط الذي حددته لجنة النظام السوري.

الريف الغربي
كانت أنظار الجانب الروسي واللجنة الأمنية تتطلع إلى ريف درعا الغربي بعد مدينة درعا البلد، وأجرت لجنة التفاوض في الريف الغربي من درعا المشكلة من قادة فصائل معارضة سابقاً ووجهاء وأعيان المنطقة مع الجانب الروسي واللجنة الأمنية اجتماعا توصلوا خلاله إلى اتفاق بتاريخ 15 ايلول (سبتمبر) يقضي بتطبيق بنود “الخريطة الروسية” في بلدات اليادودة والمزيريب ومدينة طفس أكبر مدن ريف درعا الغربي المشهورة بـ “مناهضتها للنظام السوري وتضم أعدادا كبيرة من قادة وعناصر المعارضة السابقين”.
وصرح حينها أحد أعضاء اللجنة المركزية في الريف الغربي إن “اللجنة المركزية للريف الغربي بعد تشاور مع وجهاء وأعيان المنطقة اتفقت على قبول الحلول السلمية المطروحة من الجانب الروسي، وإبعاد الحرب والآلة العسكرية عن المنطقة، وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب للأهالي وللمطلوبين للنظام السوري، دون تصعيد عسكري أو تهجير ودمار”. ودخلت قوات الشرطة الروسية وقوات من الجيش وبحضور أعضاء اللجنة المركزية إلى المنطقة واقامت مراكز للتسويات وتسليم السلاح، وحددت لجنة النظام السلاح الخفيف والمتوسط المطلوب تسليمه من كل مدينة وبلدة، ولم تشهد المنطقة عمليات تصعيد عسكرية لكنها قصفت مدينة طفس قبل توقيع الاتفاق بأيام بالقذائف راح ضحيتها 3 قتلى بينهم سيدة.

حوض اليرموك
وبعد أن انتهى تطبيق “الخريطة”، في مناطق الريف الغربي القريبة من مدينة درعا، انتقلت إلى عمق مناطق الريف الغربي المعرفة باسم مناطق حوض اليرموك التي كانت قبل عام ٢٠١٨ تحت سيطرة تنظيم “داعش”، واتفقت الأطراف الممثلة بالجانب الروسي واللجنة الأمنية ووجهاء وأعيان حوض اليرموك بتاريخ 25 ايلول 2021 على تطبيق “الخريطة الروسية”، وتسليم العدد المطلوب من السلاح الخفيف والمتوسط مقابل عدم تدخل قوات “الفرقة الرابعة” في عمليات التفتيش والتسوية، وانسحابها من جميع النقاط التي انتشرت فيها مؤخراً في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي.
وقسم تنفيذ الاتفاق في منطقة الحوض إلى مراحل باعتبارها منطقة كبيرة تشمل بلدات تتوزع على مساحة جغرافية كبيرة. وكانت بداية تطبيق الاتفاق من بلدات سحم الجولان وجلين ومساكن جلين وحيط والقصر، وأحدثت مركزا لتسوية أوضاع المطلوبين المدنيين والعسكريين الفارين والمتخلفين عن الخدمة الاحتياطية والإلزامية، وتسليم السلاح الخفيف والمتوسط من هذه المناطق، وفتشت بعض المناطق والمنازل بحضور وجهاء المنطقة واللجنة المركزية والشرطة الروسية.
كما شملت التسوية الجديدة أوضاع عناصر وقادة التسويات الذين انضموا إلى الفرقة الرابعة عقب اتفاق التسوية عام 2018، وانشقوا عنها مؤخراً وطالبتهم بتسلم سلاحهم وبطاقاتهم الأمنية، ثم انتقل تطبيق “الخريطة الروسية” إلى المرحلة الثانية التي شملت بلدات الشجرة وتسيل وعابدين وجملة وعين ذكر والمزرعة وكويا ومعرية، وطبق فيها ذات البنود بإحداث مركز للتسوية وتسليم السلاح الخفيف والمتوسط، وتفتيش بعض المناطق.
وتدحرجت “الخريطة” بذات البنود والوتيرة في عملية التطبيق عبر وساطة مع وجهاء وأعيان مناطق ريف درعا الغربي والشمالي الغربي التي تمتد في المنطقة من مدينة نوى غربي درعا إلى مدينة جاسم وانخل والحارة شمالي غرب درعا وكانت تلوح اللجنة الأمنية التابعة للنظام بالخيارات العسكرية واغلاق مداخل ومخارج أي مدينة أو بلدة يرفض أبنائها تسليم السلاح المطلوب منهم، كما حدث في مدينة جاسم، وتنتهي حالة التهديد والتصعيد بتقليل كمية السلاح المطلوب تسليمها أو تسليم مبالغ مالية مساوية لقيمه السلاح المطلوب والذي يصر وجهاء المنطقة بأنه غير موجود.

التمدد شرقاً
في تشرين الاول (اكتوبر)، انتهى تطبيق “الخريطة” واتفاق التسوية في مناطق ريف درعا الغربي والشمالي كاملاً لتنتقل إلى مناطق الريف الشرقي وكانت بدايتها من المدن والبلدات القريبة من معبر نصيب الحدودي وهي بلدات نصيب وأم المياذن والطيبة، حيث افتتحت الشرطة العسكرية الروسية واللجنة الأمنية مركزاً للتسويات وتسليم السلاح في بلدة نصيب وأن يتم فيه تسوية أوضاع بلدتي أم المياذن والطيبة أيضاً في 9 تشرين الاول.
واستمر تطبيق اتفاقات التسوية في بلدات ومدن ريف درعا الشرقي والشمالي الشرقي بذات الإجراءات عبر دخول لجنة لإجراء التسويات وتسليم عدد تحدده اللجنة الامنية، من السلاح الخفيف، واختلف عدد القطع المطلوب تسليمها من منطقة إلى أخرى، وتهديد للمناطق الرافضة، وشملت التسويات إقبالاً من المطلوبين، وخاصة الفارين من الجيش السوري على أن يحصلوا على حكم قضائي بالعفو من عقوبة الفرار والالتحاق بقطعهم العسكرية في الجيش وعدم ملاحقتهم مستقبلاً، والمطلوبين المتخلفين عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية في الجيش.

ختام… واستثناء
وأعلنت وسائل إعلام تابعة لدمشق في 20 تشرين الاول، عن انتهاء ملف التسويات في محافظة درعا جنوب سوريا، بعد استكمال تطبيقها في كامل المحافظة، وافتتاح مركز دائم لإجراء التسويات في مدينة درعا المحطة.
وشملت “الخريطة الروسية” والتسويات الجديدة كامل مناطق درعا باستثناء منطقة بصرى الشام معقل قوات فصائل التسويات جنوب سوريا بقيادة أحمد العودة الذي حضي باهتمام الروسي باعتباره أول قيادي كان محسوب على المعارضة وافق على تطبيق اتفاق التسوية جنوب سوريا عام ٢٠١٨.
وتزامن الإعلان عن انتهاء تطبيق الخريطة الروسية والتسويات الجديدة في مناطق درعا جنوب سوريا، مع أنباء عن تغير تبعية فصائل التسويات بقيادة أحمد العودة من قوات في الفيلق الخامس المدعومة من حميميم إلى قوات تابعة لشعبة المخابرات العسكرية. كما انسحبت مجموعات «الفرقة الرابعة» من مناطق ريف درعا الغربي إلى دمشق، وشملت عملية الانسحاب حتى المجموعات المحلية من أبناء ريف درعا الغربي الذين انضموا للفرقة الرابعة، إضافة إلى انسحاب حواجز ونقاط عسكرية كانت تنتشر على الاوتوستراد الدولي دمشق – عمان، وانسحاب حواجز من أرياف درعا الشرقي والغربي وعددها 5 حواجز ونقاط عسكرية.
كان لافتا ان تمدد “الخريطة الروسية” جاء بعد زيارة العاهل الاردني الملك عبدالله الى موسكو وواشنطن وبعد سلسلة زيارات قام بها مسؤولون سوريون الى عمان وقرار تشغيل “خط الغاز العربي” من مصر الى الاردن الى لبنان مرورا بجنوب سوريا، وقرار عمان ودمشق فتح الحدود بين البلدين.

حرائق تبدل وجه دمشق

حرائق تبدل وجه دمشق

على وقع ألسنة النار المتصاعدة، كان الخبر يتصاعد ويتسع: “حريق في زقاق المحكمة”. أعمدة خشبية عريقة تأكلها النار، تسقط قطعا متفرقة. كان موتها مضاعفا. احتراق، فسقوط ينهي عمرها الذي عاشته متصلة ببعضها وكاملة من جدار إلى جدار. وصلت الأخبار، انه “ماس كهربائي”، اشتعل في أحد المحال وانتقل إلى خمسة أخرى. وفاة عامل إطفاء، وثلاثة من الباعة وأصحاب المحال في المشفى.
رتابة الخبر، واعتياد توارد الأخبار السيئة في ظل وضع عام غير مستقر ينذر دوما بالأخطار، لا تخفف من فداحة المشهد في اليوم التالي، محال الزقاق كلها مفتوحة. اعتاد “الشوام” على ملاحقة أرزاقهم حتى وسط الحرائق. في مقدمة السوق، حطب محترق، بات بلا هوية وبلا تاريخ. رائحة الحريق تعبق في المكان، ثلاثة محلات فارغة من بضاعتها. محلان مغلقان ومحل يرتب أصحابه وعماله القماش من جديد. يبدو أنهم لم يناموا ليلهم، بقوا هنا لتنظيف المحل والرفوف وإعادة ترتيب الأقمشة عليها. نظرة إلى الأعلى، تلسعك قشعريرة مؤلمة، السقائف المليئة بالبضائع بلا سقف، بلا بضاعة، بلا رائحة التخزين والنفتلين. يبدو أنها قد فارقت الحياة دونما رجعة.

لامكان للفرح
أغلب المحال في زقاق المحكمة، ملك لعائلة واحدة، تتكرر الكنية على واجهات المحال، كلهم أخوة وأبناء عمومة. ويعتبر زقاق المحكمة سوقا موازيا لـ “سوق الحرير”، و “سوق تفضلي يا ست” أو “خان الجمرك” و “سوق الصوف”، لكنه يختص ببيع أقمشة البرلون والتنتنة والريكامو المطرز والنايلون السميك والرقيق وكلف قمصان النوم وقمصان النايلون الداخلية النسائية الطويلة والتفريعات. وتتواجد فيه بعض الورش الصغيرة لصناعة الجوارب المنوعة والمصنوعة من القطن أو القطن الممزوج أو من الأقمشة التركيبية، لكنه يصنف على أنه “سوق الدراويش”، سوق الأقمشة الأقل سعرا وربما بنفس الجودة، لكن لكل سوق زبائنه.
في سنوات الحرب تراجعت مبيعات تجار السوق بشدة، وتراجع الإقبال على السوق بفعل توقف مناسبات الأفراح ونزوح البعض وحصار البعض الآخر. وبسبب هجرة وغياب الفنيين مثل معلم الحبكة ومعلم القص والدرزة الخاصة بهذه الصناعة التقليدية والمميزة، وبسبب طبيعة الأقمشة المستعملة والتي تتطلب حياكة حرفية وأدوات وصنعة خاصة، أضاف الباعة أصنافا جديدة إلى تجارتهم لجذب جمهور جديد من الزبائن، مثل الأقمشة الرخيصة والتي تشترى بالكيلو أو بالبالة أي بالحاوية، وتحتوي على مزيج من أنواع الأقمشة للفساتين والسراويل والسترات والستائر وكلف المعاطف والتنانير والقمصان، كما أضاف منتجو وباعة الجوارب بضائع جديدة إلى محالهم مثل القبعات الصوفية والشالات، لتعويض نقص الطلب على بضائعهم بسبب قلة الزبائن وبسبب نقص السيولة.
داهم البكاء سيدة تعمل خيّاطة فور دخولها إلى السوق، كانت على موعد مع أبي معتز البائع الذي وعدها بإحضار كلفة جميلة وجديدة لتفريعات العرائس التي دخلت حديثا على خط الخياطة المنزلية لارتفاع أسعارها جاهزة، كان محل أبا معتز محترقا بأكمله.
عبرت النساء عن تعاطفهن مع الباعة بعبارات: “الله يجبر كسركم، والله يعوض، والحمد لله على سلامتكم”. كان الجميع مكسورا وقلقا، أحد الباعة قال لسيدة عاندته في سعر بضعة أمتار من القماش: “اليوم في! بكرا الله يعلم”. أكثر من سيدة قالت له: “طول بالك”، فأجاب: “كلنا تحت ألطاف الله”، عشرات الألسن أجابت: “الله يتلطف!”. حوارية مسكونة بالوجع والود، خوف وحسرة وإصرار على الشراء والمضي بالحياة في كل تفاصيلها، ترقبا لساعة فرح أو حزن لا فرق، طالما تعاضد السوريون والسوريات فيما بينهم بسردية معممة، إيمانية، ومجبولة بالمحبة والمساندة، حتى لو بالكلمات والأدعية.

فتى يسأل
فتى في الرابعة عشرة من عمره، يسأل عن نوع محدد من قماش تول أسود، يفرد القماش على كف يده ويتفحصه بدقة، ويجيب بأنه يريد نوعا آخر. والدته خياطة، ترسله للتسوق بدلا عنها توفيرا في الوقت وكسبا لراحة نسبية، يقول للبائع: “”هذا تول خشن”، ولآخر بأنه “تول مفرّغ جدا”. ويقول لثالث بائع بأن ما لديه من تول “يتمزق بسرعة”. يبدو أنه قد اكتسب خبرة من والدته، يظنه أحد الباعة خياطا، فيجيب، بأنه لا يحب الخياطة أبدا، وسيصبح لاعب كرة سلة، ولكنه لا ينسى بأن يقول لهم: بأنه ممتن لأمه ومهنتها التي تعينهم على حياتهم القاسية، ويؤكد بأنها تتكفل بكل تكاليف عيشهم .
في زقاق المحكمة ازدحام كبير، سيدة تطلب وصلة لتنورة، يجيبها صاحب المحل بأن ما لديه من قماش لونه أكثر اسودادا من لون تنورتها. يجيبها بكل أمانة قائلا: “سيبرز الفرق واضحا بين اللونين”. تتحاور السيدة مع خياطة موجودة في نفس المحل، تقترح عليها وصل التنورة من الأعلى، حيث لن يظهر الفرق في اللونين بعد تغطيته بالكنزة. توافق السيدة على مقترح الخياطة، فيعاود البائع تقديم نصيحة جديدة قائلا: “البسي فوق التنورة قميصا طويلا، تضمنين حينها عدم ظهور أي فرق بدرجة اللون، وتمنحين التنورة قيمة أكبر”. وافقت السيدة ممتنة للبائع، واشترت ما يكفيها للوصلة.
ثمة تعاقد مألوف ومتكرر ما بين الباعة والزبائن وخاصة الزبونات الدائمات والخياطات، تعاقد يرحب بالنصيحة ويثمنها عاليا، وقد يصل في بعض الحالات لأن يقوم بائع بإرشاد بعض السيدات إلى خياطة محددة بالاسم والعنوان، إما لمهارتها بالشك أو قصات فساتين السهرة مثلا، أو لبساطة أجرها، أو لأنها مقطوعة وتحتاج دعما، كل التبدلات واردة، إلا تلك العروة الوثقى ما بين مستفيدين اثنين، اجتمعا على المودة والرغبة بالدعم، كل من موقعه.

تاجر وكأس شاي
يتجمع خمسة من تجار السوق على إحدى الزوايا، يشربون الشاي، يقول أولهم: ” أنا متأكد بأن فلانا (ويقصد أحد الباعة الذين احترق محله) لن يعود أبدا إلى السوق”. ويقول آخر بأنه قلق على سلامة بائع متضرر آخر: “من أسبوعين أجرى عملية قسطرة قلبية، أتمنى أن ينجو قلبه من هذه المحنة”.
يُجمع الباعة والزبائن على أن كل شيء يتبدل بقوة وخارج المتوقع. الجميع يشير إلى أن حجم التبدلات أكبر من قدرة الناس باعة وزبائن على تحملها أو تصديقها.
في بلد الحرائق، قد يقول البعض: ” إن ما بعد حريق زقاق المحكمة ليس كما قبله”. لكن حريقا جديدا قد يطوي صفحة الحريق الذي بات قديما، ليعبث بالحياة من جديد.
الخسارات كبيرة وفرص التعويض معدومة، والتعاضد والتكافل المادي بات عملة قديمة لا قوة فعلية لها اليوم، لأن أسسه ضعيفة جدا وتكاد أن تكون مستحيلة، بسبب العجز المتراكم للأفراد وبسبب غياب الحماية والتعويضات وغياب برامج التأمين والمساندة بتعويضات فورية أو متدرجة، عبر غرفة التجارة أو النقابات أو المؤسسات.
تقول زبونة دائمة لأحد المحال، بعد أن هالها ما رأته من خراب: “ميت لا يجر ميت”. يصمت البائع، بانفعال بالغ ويجيبها: “كلنا موتى”.
على بعد دكانين من مركز الحريق، يعتذر أحد الباعة من سيدة تطلب قماش بطانة، يقول لها نحتاج عشرة أيام لمعاودة البيع، ترجوه: “عرس ابني بعد أسبوع والخياطة طلبت مترا إضافيا”. يكرر اعتذاره ولكن بغضب، ويقول: “لم نصحُ من صدمتنا بعد، نحن عدة شركاء وعلينا جرد البضاعة وإحصاء كل ما خسرناه وكل ما تبقى من البضائع كي نصفي الذمم المالية”. ترحل المرأة صامتة دون أي رد. يعود الشاب إلى عمله وهو يقول، لفتى يمسك ورقة وقلما، سجّل: “ثلاث أثواب بطانة سميكة لمّيع عرضين”.
دمشق 30 أيلول 2021