روسيا و “الاستفراد”بجنوب سوريا

روسيا و “الاستفراد”بجنوب سوريا

تحاول روسيا مؤخراً فرض نفسها ووجودها أكثر في مناطق الجنوب السوري خاصة في درعا والقنيطرة، من خلال استمرار الدوريات العسكرية الروسية وزيارات وفود روسية إلى درعا، ودخولها على خط تقديم الخدمات والمساعدات للقطاعات المدنية في المحافظة.
كما زار المحافظة مؤخراً عدة شخصيات روسية رسمية وغير رسمية منهم نائب رئيس مركز المصالحة الروسية الضابط كوليت فاديم والمنسقة بين وزارتي التربية السورية والروسية سفيتلانا روديفينا، ومسؤولين في جمعيات خيرية روسية، وأكد نائب رئيس مركز المصالحة الروسي خلال زيارته إلى محافظة درعا مؤخراً عبر وسائل إعلام محسوبة على دمشق، أن روسيا مستمرة في دعم سوريا ومحافظة درعا على وجه الخصوص.

نشيد… وعلم
وافتتح الجانب الروسي في درعا يوم الخميس 18 تشرين الثاني (نوفمبر) مركزاً لتعليم اللغة الروسية في مدرسة إسماعيل ابو نبوت في مدينة درعا المحطة، بحضور شخصيات حكومية رسمية سورية من درعا مثل قائد الشرطة ومدير التربية ونائب المحافظ، وحضر الافتتاح الجنرال الروسي كوليت فاديم وسفيتلانا روديفينا المنسقة بين وزارتي التربية السورية والروسية وقوات من الشرطة العسكرية الروسية.
حيث ابتدأ الحفل برفع النشيد السوري ثم الروسي، وتخلل افتتاح المركز فقرات فنية وشعرية باللغة الروسية، وعرض مجموعة من رسومات الطلاب تعبر عن التآخي بين الشعبين السوري والروسي، وقدمت نسخة من القرآن الكريم مترجمة باللغة الروسية، ثم ألقى الضابط الروسي كلمة تعبر عن استمرار الدعم الروسي للمركز الذي سوف يشمل عددا كبيراً من الراغبين في تعلم اللغة الروسية، وسيتم دعم المركز بالتجهيزات الحاسوبية والمراجع الأدبية لتعلم اللغة الروسية. واعتبرت اكسانا غنيم أن تعلم اللغة الروسية مسألة مهمة لتعميق العلاقات الثقافية والتاريخية بين الشعبين مبينة أن المركز سيوفر المكان المناسب لممارسة الهوايات في مجال الشعر والفنون والرسم.
كما قدم الجانب الروسي مؤخراً إلى المستشفى الوطني فى مدينة درعا السورية شحنة مساعدات طبية وغذائية روسية، أرسلتها إدارة شؤون الرئيس الروسي، تضم فرشات وبطانيات وأغطية وبعض اللوازم الطبية وأدوات التعقيم ومولد كهربائي بطاقة ألف كيلوواط، لضمان استمرار عمل المستشفى والمعدات فيه، لا سيما مع الضغط الكبير الذي تشهده المشفى مع تزايد حالات الإصابة بفايروس كورونا في درعا.
كما أرسل الجانب الروسي مولدا كهربائيا للمستشفى الوطني في مدينة إزرع شمال درعا، وحضرت الشرطة الروسية برفقة بعثة من الكنيسة الروسية ورابطة المحاربين القدماء وجمعية الإخوة الروسية إلى مدينة بصرى الشام بريف درعا الشرقي، وقدمت مساعدات إنسانية ومستلزمات مدرسية للمجمع التربوي في المدينة تضمنت قرطاسية وحقائب ومعاطف لعدد من طلاب المدارس، إضافة إلى أنها قدمت أدوية وبعض المستلزمات الطبية لمشفى بصرى الشام، واطلعت على واقع المشفى في المدينة.
من جهته، أكد المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف، ضمن فعاليات أعمال المؤتمر الدولي حول عودة اللاجئين والمهاجرين السوريين، أن «روسيا ستواصل تقديم المساعدة للشعب السوري بهدف تحسين الوضع الاقتصادي والإنساني، وهناك الكثير من العمل الدؤوب في هذا المجال مستقبلاً». وذلك بحضور ممثلين عن منظمة الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية. التي نشطت مؤخراً في درعا وخاصة في مجال الخدمات الإنسانية كترميم المدارس المدمرة خلال السنوات الماضية، وبناء مرافق صحية واقامة مشاريع زراعية كحفر الآبار وغيرها.

انفراد روسي
وفسر ناشطون في درعا ذلك بالرغبة الروسية بالانفراد بادراه المنطقة الجنوبية خاصة درعا بعد طرحها للتسويات الأخيرة، وسحب السلاح الخفيف والمتوسط من المنطقة، واعطاء صلاحيات أمنية جديدة للقوات الحكومية بملاحقة المطلوبين والرافضين للتسوية في المنطقة الجنوبية، وانهاء حالة التشكيلات والمجموعات العسكرية المسجلة لدى الأجهزة الأمنية أو الفرقة الرابعة أو الفيلق الخامس وتوحيد تبعيتها مؤخراً لإدارة المخابرات العسكرية، وتشكيل قوة عسكرية كبيرة وذات تبعية واحدة موالية لها في جنوب سوريا، تبعد أي منافسين لها في المنطقة.
ويرى مراقبون أن روسيا وإيران لا تتنافسان جنوب سوريا، وان “التعاون موجود في سوريا وحتى روسيا استخدمته مؤخراً في مشاركة قوات موالية لإيران في معارك درعا البلد قبل تطبيق التسويات الأخيرة، وهي نفسها من طلبت بانسحابها عند انتهاء مهمتها، فالتعاون بين الدول الحليفة لسوريا قائم ولكن روسيا تعارض إيران عند مصالحها في سوريا، وباعتبارات إقليمية وتعهدات روسية عام ٢٠١٨، بإبعاد ايران عن المنطقة الجنوبية، دفعت روسيا إلى ابراز سيطرة النظام الفعلية وايجاد قوة عسكرية لها في المنطقة وحكمتها مؤخراً بتبعية عسكرية واحدة تناسب النظام وتحت إدارتها وتناسب أبناء المنطقة الجنوبية الذين يفضلون البقاء في المنطقة وعدم المشاركة بأعمال عسكرية خارج المحافظة”.
فعلياً وبشكل علني لا تواجد لتشكيلات أو قوات عسكرية موالية لإيران و “حزب الله” في درعا، وإيران وحزب الله متواجدة في سوريا حتى قبل عام ٢٠١١، والظهور العسكري العلني هو ما أثار المخاوف من هيمنتها على المناطق السورية، وبقي جنوب سوريا المنطقة الأكثر حساسية بنسبة للدول الإقليمية والخليجية باعتباره بوابه سوريا الجنوبية، واستحسنت الدول فرضية سيطرة النظام على الجنوب السوري مقابل عدة تفاهمات أجرتها روسيا مع دول المنطقة قبيل السيطرة عليها عام ٢٠١٨ وكان أولها إبعاد إيران عن المنطقة، فتحاول روسيا اخذ ضمانات أكثر لسوريا أو تطبيع أكثر وإعادة قبول النظام السوري، مقابل استخدام ورقة إبعاد إيران عن المنطقة، وبالتالي إيران ووكلائها في المنطقة طالما اعتبروا سوريا صلة الوصل سابقاً مع العالم العربي، والتفاهمات أو المفاوضات الإيرانية العربية والعالمية الأخيرة تقرب المسافة من رغبات إيران بعدم دخولها بحرب ولو بالوكالة، ولن تعارض أن تكون سوريا نقطة لقاء جديدة بينها وبين الوسط العربي الذي يرغب بإبعاد إيران عن جنوب سوريا.
ولأن روسيا تشكل ثقلاً سياسياً وأمنياً وعسكرياً بالنسبة لسوريا، أن روسيا هي الدولة الوحيدة القادرة على ضبط الأمور السورية وإيقاف تسرب الممنوعات البشرية أو الاصطناعية حيث إن هناك القاعدة وداعش، هذا بالإضافة إلى قوات أجنبية كثيرة، والمخدرات والحشيشة، وقد تثق الجهات الدولية بروسيا أكثر بالحفاظ وضبط الحدود وهذا ما يرجح الكف الروسي جنوب سوريا على القوى الثانية في سوريا.

سوري نجا من “الجحيم”… وآخر عالق في بيلاروسيا

سوري نجا من “الجحيم”… وآخر عالق في بيلاروسيا

«أفضّل الموت هنا على العودة إلى الجحيم. حتى إن عنصر الشرطة في مطار دمشق سألني عن وجهتي، وما إذا كانت ألمانيا أم هولندا، ثم قال لي: نيّالك. ليتني كنت معك». هذه خلاصة ما قاله «فؤاد»، وهو اسم مستعار لشاب سوري عالق في بيلاروسيا منذ وصوله إلى منسك في 28 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. خوف هذا الشاب، و5 من «أصدقائه الجدد»، دفعهم للتواصل مع «سماسرة عرب» بحثاً عن «مخرج من هذا الفخ» بين عدم القدرة على العبور إلى بولندا الأوروبية، وبين الخوف من «الوقوع» في أيدي السلطات البيلاروسية لإعادته إلى سوريا.
أما «رفيق»، فكان بين المحظوظين الذين غادروا «الكابوس السوري» وقبضوا على «الحلم الأوروبي». فبعدما وصل إلى الحدود «جاء 6 جنود بيلاروس ضخام، رفعوا الأسلاك الشائكة لنا، وأشار أحدهم إلى بولندا، وقال لنا؛ اذهبوا، حظاً سعيداً». وبالفعل، وصل «رفيق» ووالده وآخرون إلى ألمانيا. ويقول نبيل: «المخاطرة تستحق، لن أعود إلى بلادنا في حياتي».

– كيف بدأت قصته؟
«فؤاد»، شاب كان يعيش في دمشق. تخرج من الجامعة قبل سنوات، وعمل لفترة قصيرة براتب لا يسد الحد الأدنى من كلفة العيش مع تدهور سعر صرف الليرة السورية إلى 3 آلاف مقابل الدولار الأميركي، ثم فقد عمله المتواضع وفقد معه الأمل. صار همه السفر إلى خارج البلاد. تواصل مع مكتب للسياحة والسفر في وسط دمشق مرخص من الحكومة، واستدان مبلغاً من أقاربه ودفع 3600 دولار للمكتب للحصول على تأشيره إلى بيلاروسيا. الصفقة تشمل التأشيرة وأجرة رحلة السفر عبر شركة «أجنحة الشام» وحجزاً في فندق في مينسك لبضع ليالٍ.
تأخرت التأشيرة من السفارة البيلاروسية بدمشق، لكنها وصلت. وخلال فترة الانتظار، اتصل «فؤاد» بقريب له كي يرتب أمور الاتصال مع مهرب من مينسك إلى حدود بولندا. ترتب الأمر، ودفع 2500 يورو. كان محظوظاً لأن آخرين دفعوا للمهرب 10 آلاف يورو لكل شخص. تبلغ «فؤاد» وصول التأشيرة، فجمع حاجاته البسيطة في حقيبة، ووضع هاتفاً نقالاً و1000 دولار في جيبه. وفي الساعة التاسعة من صباح 27 أكتوبر، تسلم الفيزا في مكتب السياحة المكتظ بعشرات الباحثين عن «الحلم الأوروبي»، أو «الخروج من الكابوس السوري». وركبوا الباص إلى مطار دمشق. يقول: «وصلنا إلى نافذة مسؤول أمن الحدود. تحقق من وجود تأجيل عن الخدمة العسكرية الإلزامية وجواز السفر، ثم سألني؛ إلى أين أنت ذاهب؟ ألمانيا؟». ثم أضاف: «ليتني كنت معك. نيّالك».
عبر «فؤاد» خط التفتيش الأمني ووصل إلى منصة الدخول إلى الطائرة؛ حيث كان عناصر الأمن التابعين لـ«أجنحة الشام» بالانتظار. كانوا ينتقلون من «مسافر» إلى آخر، طالبين منهم تسليمهم الأوراق النقدية السورية. يقول: «كانوا يفتشون كل واحد منا. أخذوا رزماً كثيرة من الأوراق النقدية السورية».

– راعٍ ورعية
كان على متن الطائرة نحو 200 شخص، معظمهم من الشباب، وبعض العائلات. وصلوا إلى مينسك بحدود الساعة السابعة مساءً. وعندما حطت الطائرة، جاء باص ونقلهم جميعاً إلى مبنى المطار. صعدوا إلى الطابق العلوي؛ حيث كانت «الصدمة. كان كل العالم هنا. شباب وعائلات من العراق وأفغانستان وسوريا ولبنان».
هنا، كانوا على موعد مع الانتظار والأمن البيلاروسي. بعد ساعات وساعات، جاء رجل أمن و«قادنا كالبقر. كان يسير في رأس الرتل، أمام نحو 200 شخص. كان يقودنا يساراً ويميناً، إلى أن وصلنا إلى قاعة»، حسب «فؤاد». ويضيف: «هناك أخذوا من كل شخص هاتفه النقال. وسجلوا الرقم التسلسلي له مع جواز السفر، كي يراقبونا على الأغلب». بعد ذلك، ينتقل كل شخص وحده إلى حاجز التفتيش للتأكد من جواز السفر والهاتف والفيزا، مع أخذ بصمة العين. استمرت هذه العملية وقتاً طويلاً.
ولدى الخروج من المطار في فجر 28 أكتوبر، كان هناك باص نقل الواصلين إلى الفنادق، التي كان المكتب السياحي في دمشق، تكفل بالحجز فيها. قليل من هؤلاء أمضى ليلته في الفندق، فيما توجه كثيرون فوراً إلى حدود بولندا وفق ترتيبات مسبقة مع مهربين. ويشرح «فؤاد»: «المهرب عادة، يرسل نقاط تنقل معينة على الهاتف النقال، وكل شخص يلتحق بهذه النقاط للوصول إلى الحدود ويقطع نحو 390 كيلومتراً، ثم تأتي مرحلة عبور الأسلاك الشائكة، ثم الوصول إلى بولندا».

– الحدود
عندما وصل فؤاد، تغير المزاج البيلاروسي، من «رفع الأسلاك لتسهيل عبور المهاجرين إلى بولندا، إلى ضربهم وإعادتهم إلى العاصمة». ويقول «رفيق»: «هناك قام رجال الجيش البيلاروسي برفع الأسلاك الشائكة وتشجيعنا للعبور إلى بولندا». ويضيف: «قام جندي ضخم برفع الأسلاك، وقام آخر بضرب الجنود البولنديين بالحجارة كي نعبر دون أن يرونا». عبر بعض المهاجرين، فيما تجمع نحو 1000 شخص على الحدود، وسط تفاقم الأزمة السياسية بين بيلاروسيا ودول أوروبية.
تجربة «فؤاد» تختلف عن «رفيق». الأول، تعرف على شباب سوريين آخرين جاؤوا إلى بيلاروسيا. وهو من دمشق، لكن مجموعته ضمت شباباً من وادي النصارى في حمص، وإدلب والساحل. كل واحد منهم كان قد رتّب أمر الانتقال إلى الحدود. وجرب فؤاد مرات عدة الانتقال من العاصمة إلى الحدود، ودفع 100 دولار. وفي كل مرة كان يصل إلى مبتغاه، ثم يقع بين أيدي الجيش البيلاروسي. يقول: «اتفقنا مع مهرب على دفع 2500 يورو لنقلنا من بولندا إلى ألمانيا بعد الالتقاء في نقطة معينة، ثم اتفقنا مع تاكسي. ودفع كل واحد 100 دولار، لكن السائق تركنا قبل 20 كيلومتراً من الحدود. مشينا في الغابات، وكان كل واحد منا يحمل معه حقيبة بوزن 15 كيلوغراماً، فيها مياه وأكل وخيمة للنوم. وعندما وصلنا إلى الحدود، جاء عسكر بيلاروسيا، وصوّرونا، وطلبوا مساندة من ضباط وجنود ضخمين. اعتقدنا أنهم سيرفعون الأسلاك أمامنا كما سمعنا. لكن، فجأة بدأ أحدهم بضربنا بالبندقية، وفتحوا الحقائب وفتشوا عن سجائر سورية وأخذوا بعضها، ثم طلبوا منا العودة. وبالفعل، مشينا 20 كيلومتراً، إلى أن وجدنا تاكسي، وعدنا إلى مينسك».
في طريق العودة إلى العاصمة، تواصل «فؤاد» مع «سمسار عربي» آخر كان تعرف عليه أمام الفندق حيث ينتشر كثير من «السماسرة العرب». رتّب لهذه المجموعة استئجار قبو في بناية للستة، ووعدهم بتكرار المحاولة. يقول «فؤاد»: «سمعنا أن طائرة تابعة لـ(أجنحة الشام) ستأتي إلى منسك في 28 من الشهر لإعادة مجموعة منا إلى دمشق. كلنا قررنا أننا لن نعود إلى الجحيم». ويضيف: «لقد استأجرنا شقة أمس، لشهر، بـ1000 دولار، بانتظار واحد من حلّين؛ إما أن نعبر تهريباً إلى بولندا، أو أن نذهب إلى موسكو، ومن هناك نأخذ تاكسي إلى فنلندا ثم أوروبا، حسب ما وعدنا أحد السماسرة العرب».

* نقلا عن “الشرق الأوسط”

في سجن “الدواعش” شرق سوريا

في سجن “الدواعش” شرق سوريا

مالك الشاب السوري البالغ من ثلاثين عاماً المتحدر من مدينة الباب بريف حلب الشرقي، “نزيل” مستشفى سجن الثانوية الصناعية مشددة الحراسة في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا، يبدأ رواية قصته من أن العام 2014 سيبقى “تاريخاً محفوراً” في ذاكرته طوال عمره بعدما تغيرت مسيرة حياته رأساً على عقب. يعتقد بأنه سيدفع ثمن هذه التجربة طوال عمره حيث شن جهاديو تنظيم “داعش” المتطرف أكثر من 100 هجوم انتحاري على مسقط رأسه، آنذاك ذاعت سمعته بالترهيب والقتل والأجرام وسقطت الكثير من المدن والبلدات سريعاً دون مواجهة في قبضته، الأمر الذي دفع هذا الشاب وغيره القتال الى جانب التنظيم وانتهى بهم المطاف أما أسرى في غياهب هذا السجن؛ أو انهم قتلوا.

طيران التحالف
في غرفة طبية داخل مستشفى السجن، جلس مالك وهو ضخم البنية ذو شعر كثيف، ظهرت يده اليمنى مربوطة بالجبسين تبدو مكسورة. قال ان يده وقعت بعد حادث تدافع أثناء أعمال عنف وشغب وقعت بداية الشهر الحالي. وعلى الرغم من صغر سنه، فان الشيب غزا شعره. ولدى حديثه إلى لـ “صالون سوريا”، حاول استرجاع بداياته، ليقول: “نعم شاهدت كيف قام عناصر التنظيم بالذبح وقطع الرؤوس وتنفيذ التفجيرات. وبعد سيطرتهم على الباب كثف عملياته الانتحارية عبر أحزمة ناسفة وعلى متن الدراجات النارية وبعض هذه المشاهد رأيتها بأم عيني”.
وبعد توسع حروب التنظيم في الأراضي السورية ووصوله الى مدينة إدلب غرباً وحلب شمالاً ودمشق، إضافة الى مدن تدمر وحمص وسط البلاد، أكد هذا المقاتل أن الكثير من قادة التنظيم أدركوا حينذاك أنهم “خرجوا عن المسار الدعوي الجهادي”. وعن المعركة التي قسمت ظهر التنظيم المتشدد علق قائلاً: “كانت معركة عين العرب (كوباني) بعد دخول طيران التحالف الدولي للمعركة التي الحقت الهزيمة بالتنظيم، وقتها لو أكملت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وشنت هجوماً على باقي المنطقة سيما الرقة لاستسلم التنظيم في معقله الرئيسي”.

الارض فراش
في جناح مشفى سجن الصناعة بالحسكة، أفترش أكثر من 500 مصاب ومريض الأرض أو كانوا يرقدون على أسرة قليلة. بعضهم، نام تحت السرير وهذا المكان عبارة عن عنبر كبير بالإمكان مشاهدة أكياس من الخبز الطازج أو المجفف معلقة على الجدران. وتحولت علب المواد الغذائية مثل الزيت والحلاوة والطحينية إلى كاسات لشرب المياه أو مخصصة لرمي النفايات. هنا يمنع بإدخال أي مواد قاسية حديدية او زجاجية خشية من تنفيذ استعصار او الهجوم عل عناصر الحراسة بالسجن.
وجميع نزلاء المشفى كانوا يرتدون زي موحد برتقالي اللون، لكن البعض قاموا بتحويل البطانيات والأغطية الى ملابس بلون رمادي داكن مصنوعة يدوياً للحماية من برودة الطقس.
ومنشأة سجن الثانوية الصناعية بالحسكة من بين 7 سجون منتشرة في شمال شرقي سوريا يحتجز فيها عناصر كانوا ينتمون إلى التنظيم، تخضع لحراسة وإدارة قوات “قسد”، ومراقبة ودعم مالي من التحالف الدولي بقيادة واشنطن. وتشير إحصاءات إدارة السجون بالإدارة الذاتية إلى وجود نحو 12 ألف شخص كانوا ينتمون إلى صفوف التنظيم المتشدد، بينهم 800 مسلح يتحدرون من 54 جنسية غربية، وألف مقاتل أجنبي من بلدان الشرق الأوسط، على رأسها تركيا وروسيا وشمال أفريقيا ودول آسيوية، بالإضافة إلى 1200 مسلح يتحدرون من دول عربية، غالبيتهم قدموا من تونس والمغرب، كما يبلغ عدد المتحدرين من الجنسية العراقية نحو 4 آلاف، والعدد نفسه يتحدرون من الجنسية السورية.

نادم… وينتظر
في غرفة للتحقيق تابعة لإدارة السجن، جلس التونسي مصطفى ودخله عامه الثاني بعد الثلاثين ينحدر من مدينة صفاقس الواقعة جنوبي تونس. يقول إنه كان يعيش في مدينة سوسة المطلة على البحر الأبيض المتوسط، حيث منزله يقع على بعد أمتار من شواطئ البحر وكان يهوى ارتياد المقاهي والحفلات ويقضي معظم وقته برفقة أصدقائه وأبناء الجيران.
شاب نحيل البنية قصير القامة ذو لحية وشعر أسود اللون. بقي صامتاً ولم يبد أي تعليق عندما سُئل عن مشاهد القتل التي طالت مئات الصحافيين والمتطوعين الغربيين والناشطين السوريين الذين فُصلت رؤوسهم عن أجسادهم، لكن تحدث بحماسة عن “طريق الجهاد” ليقول: “يجب على المرء ان يفكر مائة مرة قبل سلوكه، لم تكن هناك خطط واضحة لي في الحياة والكثير من الأمور اعترضت طريقي، والنتيجة أنا سجين ومحتجز هنا”، لافتاً ان أكثر الأشياء التي يستطيع التحدث عنها بإيجابية تعرفه على زوجته، وأضاف: “أحب زوجتي وانجبت منها طفلين وهذا أكثر أمر إيجابي بحياتي، اما باقي الأمور لست راضي عنها لكن لا استطيع تغير شيء”.
ونقل التونسي إنه كان يعمل في المكتب الإعلامي للتنظيم ينتبج التقارير والمواد المصورة المرئية وينشرها على حسابات التنظيم، إضافة الى إعداد كتيبات وأوراق دعوية تنشر بين صفوف المقاتلين وعوائلهم. أدعى كيف حاول الهروب أكثر من مرة برفقة زوجته وأطفاله وقبض عليهم بتاريخ بداية 2019، ومن أصعب الذكريات المثقلة لديه لحظة أخبار والدته وصله الى سوريا سنة 2012، وقال: “أغمي على والدتي وتوسلت كثيراً بالعودة للمنزل والعدول عن قراري، ما كان في مجال أبداً وفي كل مرة أتصل بها مع والدتي تقول لي يجب ان تعود للمنزل”.
وأعترف ان أصعب لحظة ستكون لديه عندما يلتقي بها مكبل اليدين ومتهم بـ “دعوى إرهابية”، ليقول: “صفحة الجهاد طويت عندي والسنوات كانت كافية حتى أتخذ قراري هذا، انتظر معرفة مصيري وعائلتي بعد خروجي من السجن لكن حتماً سأكمل حياتي بشكل طبيعي”.

زحمة… وأبواب
داخل إحدى الزنازين، مهاجع مكتظة موصدة بأبواب مطلية بلون أخضر مرقمة بأحرف إنجليزية، إحداها بلوك (C4) وكتب عليها رقم 120 حيث أشار الحارس إلى عدد نزلائه. بداخلها رجال لحاهم طويلة بملامح أوروبية وروسية وآسيوية وعربية وتركية، قدموا من آلاف الكيلومترات للعيش في وهم طالما حلموا بتحقيقه، بينما أضواء المكان كانت خافتة مع صعوبة وجود بقعة فارغة بسبب تمدد الرجال على الأرض أو الوقوف بجانب الجدران لزحمة المكان، بعضهم كان يقوم بحك جلده وكثيرون منهم ناموا على فراش بسيط وآخرون انتظروا عند باب الحمام الوحيد.

الخوف من الاعدام
في مجموعة ثانية مكتظة، ظهر رجل طويل بلحية غير مهذبة وشعر أشعث كثيف يبدو أنه روسي الجنسية من ملامح وجهه. كان يلبس سترة مصنوعة من أغطية السجن، قال بمفردات عربية ركيكة إن ظروف احتجازه هي “صعبة للغاية وأنه لا يرى الشمس ومتى سأخرج من هنا”، وبحسب حراس السجن، يخرج هؤلاء في كل أسبوع مرة واحدة ولمدة ساعة لساحة مخصصة للترويض.
وتساءل سجين عراقي هل سيتم تسليمه إلى حكومته حيث تنفذ أحكام الإعدام، ووقف عند الباب ليقول: “أخاف تسليمي للحكومة العراقية والميلشيات الشيعية، قاتلنا لجانب التنظيم خشية من هذه الجماعات، أملي تسليمي لدولة ثالثة او محاكمتي هنا على نقلي للعراق”.
وبعكس مطالب هذا السجين العراقي، قال أخر فرنسي الجنسية من أصول مغربية أنه سلم نفسه برغبته الى قوات التحالف، مضيفا: “لقد قمت بتسليم نفسي وأتحمل العواقب، على حكومتي إعادتي ومحاكمتي أمام قضاء بلدي”.
وحسب إدارة السجون ومسؤولي الإدارة لم يسبق لهؤلاء المحتجزين الخضوع لعمليات استجواب أو تقديمهم للقضاء، وهم منقطعون عن العالم الخارجي ولا يعرفون التطورات الميدانية التي شهدتها المنطقة خلال فترة احتجازهم، التي مضى عليها عامان ونصف العام، ويخضع لرقابة صارمة على مدار 24 ساعة عبر تفقدهم ومراقبتهم بكاميرات ضوئية وحرارية، وأجهزة لاسلكية متطورة لتتبع تحركاتهم وتصرفاتهم.

لغة فصحى
وفي غرفة التحقيق سمحت إدارة السجن بمقابلة مواطن ألماني تحدث بلغة عربية فصحى، ورفض ذكر أسمه أو مهامه القتالية في صفوف التنظيم. وبحسب ملفه كان رامي سلاح رشاش (بيكيسي) حيث سافر نهاية 2012 جواً الى مصر ومنها أكمل الرحلة نحو تركيا ودخل الى مدينة إدلب غربي سوريا عبر شبكة أسماء وهمية. خضع وقتذاك لـ “دورة قتالية وشرعية”، وبقي هناك قرابة عام وبعد انقسام “جبهة النصرة” (التي سمت لاحقا بهيئة تحرير الشام) عن تنظيم “داعش”، التحق بصفوف الأخيرة وقصد مدينة الرقة التي كانت يومذاك العاصمة الإدارية للتنظيم، ويعزو السبب الى انه “رفض تسميته بالتنظيم. لقد كانت دولة والراية والمنهج واضح لذلك أخترت القتال الى جانبها، وأكثر من 90 بالمائة من المهاجرين التحقوا بها”.
وبعد 3 سنوات من قدومه الى سوريا وتحديداً سنة 2015 دخلت حياته مواطنه ألمانية تعرف عليها عن طريق مكتب الزواج، وقال ان أحدهم دله عليها وقرر الزواج بها. واضاف: “كانت قبل سفرها لسوريا مطلقة ولديها أبنة، عشنا بالرقة وأنجبنا طفل هناك، وبعد عام تزوج من عراقية وأنجبت طفل ثاني منها”، وعن زواجه الثاني ارتسمت على وجهه الهادئ ابتسامة ليقول: “الشرع حلل الزواج من أربعة شرط العدل، فقررت الزواج من عراقية لتمتين العلاقة بين الأنصار والمهاجرين”.
وهذا الألماني والعراقي والتونسي والسوري وجميع القابعين في سجون تقع شرقي الفرات كانوا مقاتلين في صفوف التنظيم واستطاع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، بالتعاون مع “قوات سوريا الديمقراطية” الكردية – العربية، في مارس (أذار) 2018 القضاء على آخر جيوب (داعش) في بلدة الباغوز شرقي دير الزور الواقعة أقصى شرق سوريا، معلناً تحرير جميع المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم في سوريا والعراق منذ 2014.
آنذاك نقل الرجال إلى سجون ومحتجزات فيما أخرجت النساء والأطفال إلى مخيمي “الهول” و “روج” للنازحين بمدينة الحسكة. أما الأطفال الذين تجاوزت أعمارهم 10 سنوات فرحلوا إلى سجن الأحداث في قرية تل معروف التابعة لمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا.

قطاف الزيتون في دمشق… طقس للفرح

قطاف الزيتون في دمشق… طقس للفرح

بالتهاليل والأغاني التراثية الجميلة، يرددها الحاج ابو مصطفى (68 عاماً) مع أبنائه وأحفاده، تحت واحدة من أشجار الزيتون، أثناء جمع ما تم قطافه من ثمارها، بعد سقوطه على قطعة بلاستيكية كبيرة تم فرشها تحت الشجرة، وتعبئة حبات الزيتون في الأكياس، في مشهد يتكرر كل عام، في مزرعته الخاصة على أحد السفوح الجبلية القريبة من مدينة جسر الشغور غربي إدلب. وتعتبر محافظة إدلب وخصوصا جسر الشغور وسلقين وحارم وجبل الزاوية، الأولى في سوريا، من حيث المساحات المزروعة بأشجار الزيتون، والأولى بإنتاج الزيت بجودة عالية، وموسم الزيتون بالنسبة لأهالي محافظة إدلب، والمناطق الجبلية المجاورة لها، اي أجزاء من محافظات حلب وريف اللاذقية ومنطقة عفرين، من المواسم السنوية الهامة، التي يعتمد عليها أبناء قرى وبلدات هذه المناطق، في تلبية إحتياجاتهم، بعد جني مواسمهم، وبيعه إما زيتوناً أخضر في الأسواق، أو زيتاً، بعد عصره في المعاصر، وأيضاً تقوم العائلات بتخصيص كميات متفاوتة من الزيتون المكسر والزيت، كمؤونة لفصل الشتاء. يقول أبو مصطفى: “بيننا وبين شجرة الزيتون ثمة رابط روحي مشترك، يبدأ منذ اللحظات الأولى على زراعة الشجرة في الأرض، ويزداد حبنا للشجرة مع مراحل نموها والعناية بها حتى تصبح شجرة مثمرة، قادرة على إعطاء موسماً يلبي ثمنه، حاجاتنا الحياتية السنوية، ومصدر رزق رئيسي بالنسبة لأبناء محافظة إدلب، ونتوقع هذا العام الحصول على موسم جيد”. ويضيف، “ما أن تبدأ أشجار الزيتون إنتاج الثمار، تزداد العناية بها كالتقليم السنوي (الكساحة)، وتنظيف الأرض من الأعشاب الضارة والأشواك، وسقايتها، إما عبر خطوط ري بالتنقيط أو عن طريق سقايتها بصهاريج المياه، وكلن بحسب قدرته المادية، فالبعض يروي أشجاره لعدة مرات، بينما آخرون يقتصر عندهم ري الشجرة مرة أو مرتين، بسبب ظروفهم المادية المحدودة”. و أكمل، “مع إقتراب نضوج ثمار الزيتون في المزارع مع بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، تستعد العائلات، بتجهيز فرش من القماش أو النايلون، لفرشه تحت الأشجار أثناء قطاف الزيتون، ليسهل عليهم جمع الثمار، وتجهيز السلالم الخشبية والعصي الطويلة، للصعود عليها والوصول إلى الحبات التي لا تطالها الأيدي أو العصي القصيرة أثناء القطاف”، ومع نضوج الثمار، “تبدأ العائلات بالخروج صباحاً والذهاب بسيارات أو جرارات إلى المزارع بما فيهم الأطفال الرضع، ومعها كمية من الطعام تم إعدادها مسبقاً وغالباً ما تكون بطاطا مسلوقة وألبان أو أكلة (المجدرة) معدة من البرغل والعدس وزيت الزيتون والبصل، ويطلق عليها السوريون (الزوادة)، ومن ثم البدء بجني الثمار، ضمن فرق صغيرة”. أما الكبار ينتشرون على السلالم بمحيط الأشجار وضرب الثمار بالعصي، بينما باقي أفراد العائلة من فتيات وصغار ينتظرون تساقط الثمار وجمعه في أكياس، بعد عزل الأوراق والعيدان عن الثمار، وذلك شجرة تلو الشجرة، وفي منتصف النهار يجتمع أفراد العائلة ويتناولون وجبة الغذاء في أجواء مليئة بالفرح والسعادة، ويعود الجميع بعدها إلى متابعة العمل، وبعد الإنتهاء من جني محصول المزرعة الذي يستمر عادةً لأيام، يجري فرز كمية من الزيتون المخصص للعائلة، ليجري بعدها تكسيره وتخزينه في أوعية مخصصة بعد إضافة بعض المواد الحافظة والمياه والليمون ليكون مادة غذائية رئيسية على موائد الإفطار إلى جانب زيت الزيتون ذو الجودة العالية، بعد عصره في المعاصر. أبو جميل (58 عاماً)، أحد أبناء منطقة كنصفرة بجبل الزاوية في جنوب إدلب قال، “يمتاز جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي، بنوعية وجودة ثمار الزيتون وأيضاً الزيت المستخرج منه، ويتفوق من حيث الجودة والمذاق سواء كان زيتون أخضر أو زيت، على باقي المناطق السورية التي تشتهر أيضاً بزراعة الزيتون، كمناطق ريف حلب وتدمر وحمص وريف دمشق ودرعا، وأغلى ثمناً في الأسواق السورية سابقاً”. ويضيف، “يشتهر جبل الزاوية وباقي المناطق في محافظة إدلب، بأصناف متنوعة من الزيتون فمنها الزيتي والصوراني وأبو شوكة والكبربري والقرماني والنصاصي والشامي، وهذه الأصناف من أشجار الزيتون تمتاز بوفرة مواسمها، وجودة ثمارها والزيت المستخرج منها، فضلاً عن مقاومتها العوامل الجوية والمناخية وتحملها العطش والصقيع إلى حد ما”.

موسم وعقبات قال عبد المجيد الخليل، وهو مالك معصرة زيتون في سلقين، ” إن مواسم إنتاج الزيتون هذا العام في محافظة إدلب ومناطق الشمال السوري، أقل إنتاجاً عن الأعوام السابقة، ويصعب إحصائها بسبب كميات الإنتاج المتفاوتة بين حقل وآخر، ويعود ذلك إلى عدة أسباب، وفي مقدمتها وقوع مساحات كبيرة تقدر بحوالي 3 آلاف هكتار من حقول الزيتون ضمن الخطوط التماس (الفاصلة بين المعارضة وقوات النظام)، سواء في جبل الزاوية جنوب إدلب، أو مناطق عفرين ومارع واعزازبريف حلب الشمالي، الأمر الذي شكل خطراً كبيراً على حياة أصحاب حقول الزيتون والعمال، ومنعهم من الوصول إليها وجني مواسمها حتى الآن”. ويضيف،” هناك عوامل أخرى أثرت على كمية الإنتاج، ومنها الجفاف وإنخفاض نسبة الأمطار خلال العام الماضي، وعدم قدرة عدد من أصحاب حقول الزيتون من سقايتها أو العناية بها ومعالجتها من الأمراض، نظراً لظروفهم المادية الحرجة، لاسيما وأن أشجار الزيتون لا تحمل الثمار كل عام بذات الكمية بحسب المعروف عنها بـ (المعاومة)، أي أنه (في العام الذي تحمل فيه أشجار الزيتون ولم يحصل على مياه كافية يؤثر ذلك سلباً على إنتاج في ذات العام والعام المقبل)، وبالطبع هذا الأمر يؤثر سلباً أيضاً على عمل المعاصر، حيث كانت سابقاً تعمل أكثر من 103 معاصر، في إدلب وريف حماة وعفرين وريف حلب، لأكثر من شهرين (ليلاً نهاراً)، بينما في الأعوام الأخيرة الماضية، تراجع عملها إلى أقل من نصف المدة (شهر وما دون)، وأما عن الأجور فهي متدنية جداً وتكاد تكون رمزية نظراً لأحوال المزارعين”.

حطب وحرائق من جهته، قال عاصم اليوسف وهو مهندس زراعي في إدلب، “إن الحرب في سوريا أثرت على القطاع الزراعي كما القطاعات الأخرى، ومن أهم الزراعات الشجرية في سوريا، كانت زراعة حقول واسعة من أشجار الزيتون، على إمتداد المناطق الجنوبية والوسطى والشمالية السورية، ومع إستمرار الحرب، تضررت مساحات كبيرة من حقول الزيتون، وأدى بالتالي إلى إنخفاض إنتاج محصول الزيتون الاستراتيجي (السوري)، الذي كان يعد أهم الموارد الزراعية في سوريا، إذ كانت شجرة الزيتون قبل إندلاع الحرب تشكل نحو 66 % من إجمالي الأشجار المثمرة (خوخ وتفاح ودراق وكرز وغيرها من الأشجار المثمرة)، بينما كانت تعمل أكثر من 600 ألف عائلة بالزيتون، واحتلت حينها سوريا المستوى الثاني في مجال زراعة الزيتون عربياً، فيما احتلت المركز السادس في مستوى دول المتوسط، وذلك في ذروة إنتاجها عام 2010، وكان ويقدر متوسط الإنتاج السنوي بـ 1.2 مليون طن من ثمار الزيتون وينتج عنها حوالي 150 ألف طن من الزيت و 300 ألف طن من زيتون المائدة”. ويضيف، “أما اليوم فمساحات حقول أشجار الزيتون التي يجري العناية فيها حتى الآن، تقلصت إلى 30% في سوريا، نتيجة سيطرة قوات دمشق على مساحات واسعة منها، وتوقف العناية بها، فضلاً عن تضرر مساحات كبيرة اخرى بفعل القصف والقص الجائر لأشجار الزيتون من قوات دمشق وبيعها كحطب للتدفئة في الأسواق، في ظل تراجع كميات المحروقات وغلاء أسعاره ضمن المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري في البلاد”.

الحياة في دمشق… اشبه بالموت

الحياة في دمشق… اشبه بالموت

بيدين راعشتين، يخرج أبو أحمد ورقة نقدية من فئة ألفي ليرة سورية. يمسكها بحذر الخائف من السرقة، والحريص على ما يبدو أنّه آخر ما بجيبه. يتفحص الرجل السبعيني أقراص الفلافل، وهي تقلى من أمام واجهة أحد المطاعم الصغيرة في مدينة جرمانا بريف دمشق.
ينقل عينيه بين زبونين ينتظران دورهما، ينصت باهتمام لسؤال عابر من جواره، “كم سعر السندويشة؟”، يأتي الجواب: “1300 ليرة”، يتحسس العجوز ماله من جديد، وتبدو ملامحه وكأنّه يجري عملية حسابية بسيطة ومعقدة في آن، يسأل صاحب المطعم: “هل يمكنني أن آخذ سندويشتين بألفي ليرة”، يجيبه العامل: “نعم ولكن بعدد أقراص فلافل أقل”، يقول أبو أحمد: “لا بأس، واحدة بلا مخلل والثانية زيادة بندورة، لو سمحت”.
“لو سمحت”، بكل انكسار الكون يقولها الرجل السبعيني وبكل ما أوتي من عزة نفس مزقتها ظروف الأيام وأحوالها، أبو أحمد الذي عاصر أحداث “الإخوان المسلمين” نهاية سبعينات القرن الماضي، يقول لـ “صالون سوري”: “لم يحصل هذا وقتذاك، لم نجع أو نتشرد أو ننم دون طعام، لم نقف على واجهات المحال نشتهي ونتمنى، آخ على هذا البلد”. ببحة وقهر يقولها أبو أحمد، ويمضي ليأخذ سندويشتيه داخل كيس أبيض، على عكس ألوان أيام حياة السوريين، “تنتظرني أم أحمد في المنزل، اليوم قررت أن أدللها وأن نستعيض عن الزعتر واللبن بالفلافل، من حسن الحظ وسوءه في آن أنّه ليس لدينا أولاد”، وعن آخر مرة تناولا فيها اللحوم، يقول: “كان ذلك قبل أربعة أشهر حين كنا مدعوين لدى ابن عمي”.

وفي دمشق أيضاً
لا يبدو الحال في دمشق أفضل بأي شكل. سيدة في عقدها الرابع تقف على واجهة محل لبيع الألبان، في حي الشيخ سعد التجاري، على مقربة من وسط العاصمة، تراقب وتتمعن بالأسعار المعروضة، على الواجهة وضعت أسعار تقول أن كيلو الجبنة البلدي بـ 9400 ليرة سورية، والمغلية بـ 10000 والعكاوية بذات السعر، أما الشلل حب بـ 18000 ليرة، وكذلك المالحة والحلوة وحلوم، أما القشقوان فسعرها 19500 ليرة.
“حقيقةً وقفت مصدومة لهول الأسعار، بدايةً كنت أفكر بشراء بعض الجبن بألفي ليرة لزوم الإفطار والعشاء ربما، نحن خمسة أشخاص في المنزل، ولكن في ظل هذه الأسعار من الجيد أن يسمح لي بتذوق الجبنة فقط بألفي ليرة، يبدو أنّنا سنتناول الزعتر وبعض المكدوس أيضاً ليوم آخر”، تقول السيدة.
ولما أسمته شدة فضولها راحت تسأل عن أسعار الدجاج، رافقها “صالون سوري” ليرى طبيعة الأسعار فعلاً، ليتبين أنّ سعر كيلو الفروج 7400 ليرة، الشرحات 11500، الدبابيس 7100، وكيلو الجوانج 5400، هنا لم يكن من الضروري مراقبة ردات فعل السيدة وهي تقرأ، فكل ما كانت ستحسه كان واضحاً وجلياً يمكن لمسه وقراءته على جبين السوريين، السوريين الذين يبلغ متوسط راتب أفضل موظف فيهم سبعين ألف ليرة سورية، مبلغ بالكاد يكفي بضعة أيام، وبقية الشهر يقضيها السوريون بالشح والاستدانة و”تدبير راسهم”.

طعام اليوم
بحسبة اقتصادية سريعة، إذا أرادت عائلة مكونة من خمسة أفراد، تقليص وجبات طعامها الرئيسية من ثلاث وجبات إلى وجبتين فقط، وأن تقتصر هاتان الوجبتان على الفلافل، فستحتاج العائلة لـ 6500 ليرة على الفطور، ومثلها على العشاء، أي ما يعادل 390000 ألف ليرة ثمناً للفلافل فقط في الشهر، أي نحو خمسة أضعاف الراتب، وهذا دون دفع أي مصاريف للطبابة والمدارس والجامعات والفواتير وأجار المنزل والإصلاحات البسيطة وأجور النقل والملابس والخضار والفواكه… والخ
إذن، فإنّ راتب الموظف الحكومي يكفي في ظل هذه المعطيات ثمن فلافل لخمسة أيام بالضبط، لتبدأ رحلة يطلق عليها الشوام اسم “الحربقة” وتعني بصورة مبسطة “تدبير الراس”، لإيجاد طرائق وبدائل لإمضاء الشهر، قد تبدو المهمة مستحيلة حقاً، لكنّ السوريين خبروا أيام الفقر هذه، وعاينوها عن قرب، ووجدوا أساليب متعددة للتعايش معهما، بأقلّ القليل.

أكثر من عمل
سالم موظف حكومي ويعمل بعد الظهر سائق تكسي في دمشق، يخبر “صالون سوري” أنّه يعمل لدوامين متتاليين، فيعود إلى منزله بعد الحادية عشر ليلاً كل يوم، “أخرج صباحاً في السابعة والنصف، بالكاد أعود آخر اليوم لأرى زوجتي وطفلتي قليلاً، وأتعشى، ثم أنام فوراً، هذه حياتي وهذا شكلها، كذلك زوجتي تعمل من داخل المنزل في مهنة الخياطة، لا أقول أنّ دخلها سيء للغاية ولكنّه بالتأكيد ليس جيداً، إلّا أنّ دخلي ودخلها معها مجتمعين بالكاد يغطيان مصاريفنا الأساسية يضاف إليهما أجار المنزل المرتفع ومصاريف الطفلة الصغيرة”.

المشكلة بالدخل لا بالأسعار
تضحك ميرنا (طالبة جامعية) حين سؤالها عن انخفاض سعر الموز الذي وصل إلى أربعة آلاف بعد أن كان عشرة آلاف قبل أيام قليلة، “يبدو أنّ المشكلة ليست في سعره الذي انخفض، فرغم انخفاضه لا زلنا غير قادرين على شرائه، المشكلة في دخلنا، أنا أعمل بعد جامعتي في محل للمكياج براتب 60 ألف، ووالدي موظف، أما والدتي ربة منزل، ولدي أخوان، لولا أنّنا جميعاً نعمل، لما كنا تمكنا من الإكمال ولو بالحد الأدنى، وأقول الحد الأدنى لأنّ مرتبي كما هو، وفوقه مبلغ من إخوتي حتى يكفيني ثمن مواصلات وبضع محاضرات فقط، هل تعتقد أنّ زملائي لا يلاحظون أبداً أني لا أغير ملابسي كثيراً؟، ولا أصبغ شعري؟، ولا أروح لصالونات تجميل؟، نعم، هم يعرفون جيداً، ولكن كثر منهم مثلي، فليكن الله بعون الناس، ما يحصل ليس قليلاً”.

لقمة الذل
يقال أنّ السوريين شعب حي، ولكن قد يبدو مفهوم الحي مختلفاً قليلاً في هذه الأيام، فثمة حياة كالموت. هكذا يحياها ويصفها السوريون، وحياة لأجل الركض واللهاث خلف لقمة الطعام، فهذه عائلة تطالها وأخرى لا تصلها، وبين كل هذا وذاك، طبقة سوريةٌ أفرزتها الحرب، أناس لو اشتهوا الموز قد يشترون شاحنة، هذا ما يقوله المدرس الثانوي فاتح حمادة.
وفي كل الأحوال، يبقى أنّ الغالبية جائعة وخائفة وحزينة، تبحث عن خبزها كفاف يومها، عن لقمة كانت مغمسةً بالدم، وصارت مغمسةً بالذل، هل يصدق أحدٌّ أنّ سوريين كثر صاروا يتناولون طعامهم من القمامة؟!.

السويداء…خيارات صعبة بعد النأي بالنفس

رغم محاولاتها الحفاظ على الحياد، عانت محافظة السويداء جنوب سوريا ذات الغالبية الدرزية ويلات الحرب في سوريا، ووضعتها هجمات “داعش” و “جبهة النصرة” منذ العام ٢٠١٤ أمام خيارات صعبة جعلت حالة النأي بالنفس تبتعد عنها وانخرطت بها المحافظة ضمن طرق مختلفة. لم تعارض وجود قوات الحكومة عسكرياً وإدارياً وخدمياً، وشكلت فصائلاً محلية التسليح منفصلة عن مجموعات وتشكيلات الحكومة السورية مثل “قوات الدفاع الوطني” واللجان الشعبية ومجموعات الأمن العسكري التي تعتبر تابعة لجهات عسكرية سورية رسمية.
وبدأ صعود نجم الفصائل المحلية المسلحة في السويداء منذ تشكيلها في عام 2014 من قبل الشيخ وحيد البلعوس، إثر هجوم على دير داما في السويداء الشمالي الغربي بتاريخ 14 أغسطس (اب) 2014، بعد أن قدمت “النصرة” من مناطق اللجاة في درعا. واستطاع البلعوس برفقة 40 مقاتلا “تحريرها من عناصر الجبهة”. وأيضاً عندما هاجم “داعش” السويداء لأول مرة في 17 من مايو (ايار) من عام 2015 من قرية “القصر” التي سيطر عليها التنظيم باتجاه قرية الحقف أقصى شرق السويداء من جهة البادية، حيث دخل الحقف ٤٠٠ “داعشي” وقتلوا 3 من أهلها بينهم يافع وسيدة، وأُجبر عناصر التنظيم على الانسحاب بعد مقاومتهم من أهالي البلدة وتدخل القرى والبلدات المجاورة والفصائل المحلية.
وحظيت هذه التشكيلات بتأييد شعبي كبير في السويداء بعدها، خاصة وأنها وقفت مع المظلومين والمطلوبين من أبناء الجبل وضد حالات الاعتقال التعسفي والتجنيد الإجباري المفروض في سوريا، وحالات الخطف، وفرضت نفسها في المحافظة على الجميع بما فيها سلطة الحكومة السورية وباتت السلطة الحكومية شكلية في السويداء، باعتبار أن هذه التشكيلات تظم أعداد كبيرة من المسلحين المحليين من أبناء الجبل ووقفت في عدة مناسبات ضد خروقات نفذتها عناصر من النظام بطرق تظهر قوة وسلطة هذه الفصائل وتجبر الحكومة على التعاطي مع المسألة بطرق سلمية، التي تؤيدها أيضاً هذه التشكيلات.

حدثان مفصليان
بقي مواطنون في السويداء، حسب نشطاء معارضين، يتطلعون إلى سوريا رغم ما حل به من أمراض اجتماعية وسياسية منذ عام 2011 على أنه “الوطن العقائدي الغير طائفي الذي يمكن أن يتعافى ويتعاطون مع الأحداث السورية والحكومة السورية منذ عام ٢٠١١ بطريقة تحكيمية ومنطقية لا تبعدهم عن المجتمع السوري وعن الحكومة السورية”، لكن حدثين مهمين شهدتهما المحافظة ساهما بتغيرات جذرية فيها، الأول عام 2015 يوم اغتيال مؤسس “رجال الكرامة” وحيد البلعوس، وتفحير المشفى الوطني الذي راح ضحيته عشرات المدنيين، واتَهم مناصرو “الحركة” جهاز الأمن العسكري بتنفيذه. الثاني، هجوم “داعش” على السويداء في شهر تموز من عام 2018، الذي أسفر عن سقوط ما لا يقل عن 250 ضحية من النساء والأطفال والشيوخ، وخطف نساء وأطفال، بعد هجوم “داعش” على القرى الشرقية من ريف السويداء المتاخمة من البادية السورية بشكل مباشر.
حينها اتُهمت الحكومة السورية بتسهيل هجوم “داعش” على المنطقة وأنها سحبت مجموعاتها والسلاح من “الدفاع الوطني” واللجان الشعبية من تلك المناطق قبل ليلة من الهجوم، إضافة إلى قطع الكهرباء عن تلك القرى والبلدات في تلك الليلة القاسمة. كما ان المهاجمين تنظيم “داعش” كانوا من عناصر التنظيم الذين نقلوا إلى مناطق البادية السورية القريبة من السويداء من مناطق جنوب دمشق في مخيم اليرموك والحجر الأسود والقدم، بعد معارك عنيفة هناك خاضتها الطائرات الحربية الروسية والقوات السورية في عام 2018، وكانت الحالة الشعبية في السويداء قد حملت الحكومة السورية مسؤولية ما حدث.
فأرسلت الحكومة السورية تعزيزات الجيش إلى المناطق الشرقية في السويداء وخاضت حربا استمرت 3 أشهر مع عناصر التنظيم هناك واستطاعت بعدها فرض سيطرتها على المنطقة التي دخلها عناصر “داعش” والمتاخمة للسويداء، وثبتت نقاط عسكرية للجيش في المنطقة.
حاولت الحكومة السورية إعادة ضبط موقفها في السويداء بعد أن كانت الحالة الشعبية قد اتهمتها بتسهيل هجوم “داعش” عليهم، من خلال تعاطي الحكومة السورية مع ملف المختطفات من السويداء مع التنظيم وعددهن ثلاثين هم 14 امرأة و16 من أولادهن، وفشلت كل محاولات التفاوض مع التنظيم لإطلاق سراح المختطفين من السويداء وقتل التنظيم نتيجة لفشل المفاوضات مع السويداء 5 من الرهائن ثلاث سيدات وطفلين وشاب. وبعد المطالب التعجيزية من “داعش” وتلقي اللجنة المخولة بملف المختطفين في السويداء اتصالات داخلية وخارجية للتعاطي مع ملف المختطفين، فضل حينها أصحاب المشورة والرأي في المحافظة التعاطي مع الحكومة السورية وأجريت اتصالات رفيعة المستوى، وتم اطلاق سراح المختطفات الدرزيات من التنظيم عبر عمليتي تبادل حدثت أول عملية اطلاق سراح جزئية للمعتقلات في منتصف اكتوبر عام 2018 شملت سيدتين وأربعة أطفال، والعملية الثانية شملت بقية الرهائن المعتقلات في بداية شهر نوفمبر 2018.

امتصام الصدمة
بذلك امتُصت الصدمة في السويداء بعد تعاطي الحكومة السورية الفعلي مع ملف المختطفين والمعارك التي خاضتها القوات الحكومية وراح ضحيتها ما يزيد عن ألف جندي سوري من المصابين والقتلى، بعد تلك الحوادث باتت سلطة الحكومة السورية الأمنية شكليه. وانتشرت سلطة الفصائل المحلية أكثر وعززت عناصرها وسلاحها أكثر في السويداء، وباتت المرجع الوحيد لأبناء الطائفة في السويداء لتعاطي مع ملفاتهم الأمنية والعسكرية وغيرها. و بعد زيارة رئيس شعبة المخابرات العسكرية كفاح ملحم إلى السويداء ولقائه شخصيات من الفصائل المحلية، ُفتح باب تعاطي الفصائل المحلية في السويداء مع الحكومة السورية بالملفات الأمنية المتعلقة بأبناء السويداء، خاصة وأن هذه الفصائل لا ترفض وجود النظام السوري وأجهزته الأمنية في السويداء، ولم تهاجم أو تقف معه عسكرياً، إنما وجودها لحماية الأرض والعرض والدفاع عن السويداء من كل الاعتداءات، وفقاً لما كانت تقوله حين إعلان تشكيلها.
وعصفت بالسويداء مفرزات الحرب من انفلات أمني وانتشار الجريمة، حيث كثرت أعمال القتل والخطف والسرقة، وانتشار السلاح المنفلت، وتراجع الحالة الاقتصادية، وتشكيلات مسلحة غير مسجلة أو منتسبة أو تابعة لقوات النظام السوري أو أجهزته الأمنية. كما أنها شهدت مظاهرات مناهضة للنظام السوري بطرق سلمية منذ عام 2011 وحتى عام 2020، دون تخرج عن سلطة النظام التي باتت شكلية في السويداء وغير فعلية.

فوضى… وتعاطي
وسط عدم تعاطي الفصائل المحلية المسلحة مع المسألة، وابتعاد دور السلطة الأمنية للحكومة السورية أيضاً، فالجميع أصبح يحمل بعضه مسؤولية ما حصل وما أوصل المحافظة إلى هذه المرحلة من العشوائية. وبحسب ما قاله المكتب الإعلامي لـ “حركة رجال الكرامة”، “لا بد أن تكون العلاقة بين السلطة والشعب مبنية على واجبات والتزامات من كلا الطرفين، والحكومة مطالَبة اليوم بالدرجة الأولى بتحسين الوضع المعيشي والاقتصادي للسكان. وهناك مطالب عديدة من أهالي المحافظة للحكومة السورية، لإنعاش الوضع المعيشي، الذي يمر بأسوأ مراحله”.
ومؤخراً تحاول دمشق التقرب من السويداء أكثر خاصة بعد أن انتهت من ملف الجنوب السوري في درعا والقنيطرة عبر التسويات وتسليم السلاح الخفيف والمتوسط، وكانت أولى خطوات دمشق بالمرحلة الجديدة في السويداء تلقي اللجنة الأمنية في السويداء تعليمات بعقد اجتماع ورفع ملفات السويداء العالقة إلى دمشق لبحث طرق حلها. ولم يأت أي طرح بعد إلى السويداء التي اعتبر فيها شخصيات دينية وعشائرية أن المشكلة الأبرز هي الحالة الاقتصادية وتحسينها وتحسين خدمات الدولة في السويداء سوف يساعد على حل بقية الملفات، لا سيما وأن مصادر حكومية أكدت أيضاً أن السويداء “لا تحتوي على ملفات لجماعات إرهابية، وأغلب الملفات هي ملاحقات أمنية بحق أشخاص مسلحين لدى فصائل غير مسجلة في الدولة، ويتم حل موضوعهم بالتسوية الفعلية، ولكن يبقى موضوع السلاح المنتشر بحاجة إلى حل وضبطه ضمن مجموعات محلية رسمية مسجله، أو تأطيره بطرق منضبطة”.