هدايا “التحرير” لأطفال سوريا

هدايا “التحرير” لأطفال سوريا

لم تكن الطفلة حلا قطان تنتظر بابا نويل فهي تعرف أن آب ليس الشهر الذي يمر به ليرمي الهدايا من الشرفات أو نوافذ المنازل ومداخنها، ورغم أنه كان دوماً بعيداً عن شوارع الفقراء في مدينتنا إلا أنها لربما كانت كما كل الأطفال، تحلم به وبهداياه في يوم ما. لم تكن الهدية التي رميت على بيت حلا تشبه هدايا بابا نويل الذي تعرفونه ولا في موعده، كانت هدية غير متوقعة ( قنبلة) رمتها يد الإجرام والعبث اليومي في شوارعنا فقصفت حلم حلا حتى بيوم عادي، حين مر أحدهم في الثانية بعد منتصف الليل في 13 آب 2025 ورمى قنبلة على منزل حلا الكائن في حي العباسية في مدينة حمص ودمر أحلامها البريئة والبسيطة بعد أن عانت بضع ساعات ثم ماتت.

 لم تكن الطفلة الأولى التي قتلت بهذه الطريقة، فقد تكرر فعل رمي القنابل وصار أحياناً يومياً في بعض الأحياء، تقريباً منذ الشهر الأول للتحرير، كان يذهب ضحيته أحياناً عدد من أفراد العائلة ذاتها، كما في يوم 12 آيار الماضي في الشارع رقم 17 كرم الزيتون حيث تهدم جدار المنزل وأصيب عدد من سكانه.

في 18 آب مساء، شابان على دراجة نارية أطلقا النار على شرفات المنازل، فقتلت الطفلة غنى الحسن إذ اخترق الرصاص رئتيها.

وكل يوم في منتصف الليل قد تسمع صوت انفجار في مكان ما وحين تسأل ستعرف فوراً أو بعد حين عبر صفحات التواصل أنها قنبلة انفجرت في مكان ما من الأحياء التي صارت تعتاد أعمال العنف.

قد يكون الهدف ليس القتل بل مجرد الاعتداء كما حدث في حي السبيل حين ألقى أحدهم قنبلة على سرفيس مركون فاحترق بالكامل، وتلك خسارة كبيرة في الحقيقة رغم أنها لا تساوي حياة إنسان. وقد تكون القنبلة صوتية لمجرد إحداث الرعب والفوضى حتى أن خبر انفجار قنبلة في أحد الشوارع صار يمر دون توقف إن لم يكن هناك ضحايا.

وبنفس الطريقة ذات يوم قتل الطفل حيدر سليمان أمام منزله في حي كرم اللوز.

كانت الأغنية تقول: “وقالو شلحلي ورد عا تختي” يا للمفارقة من كان يتخيل أن نقارن يوما بين الوردة والقنبلة؟ هل سمع المجرمون هذه الأغنية وهم يرمون قنبلة على سرير حلا؟ هل فاضلوا يوماً بين الورد والموت وهم يرمون الهدايا القاتلة؟ 

كيف يطغى السواد على العقول ويحجب عنها التفكير وهي تحرم البشر من حقهم بالحياة؟ يحجب التفكير بنتائج أفعالهم وتصور الآخرين مجرد أجساد تذهب إلى الموت ببرود، ألا يخطر للقتلة أن هؤلاء الأطفال الذين يموتون يشبهون أطفالهم؟ وهؤلاء وأولئك يشبهون الأطفال الذين قضوا بالكيماوي يوماً، أولئك الذين أعيد شريط صورهم إلى ذاكرتنا منذ أيام. كانت الأم تقول لطفلها: لا تتنفس الهوا رح يقتلك. وكأن الطفل يستطيع ان لا يفعل وكأن بإمكانها أن تحميه من غاز السارين الذي دخل رئتيه. بأجسادهم النحيلة ووجوههم الشاحبة يودعون الحياة دون أن يعرفوا منها، سوى الرصاص والقنابل والموت اختناقاً. بأي ذنب قتلوا؟ 

هل تذكرون أطفال الحولة، أي قلوب قدت من الصخر استطاعت أن تقتلهم ذات يوم؟

هل تتذكرون طفل الحزام (إبراهيم شاهين) الذي قتل في أول أيام عيد الفطر مع عائلته في قرية حرف بنمرة في الساحل السوري، في يوم على المؤمنين فيه فعل المزيد من الخير، ربما كان إبراهيم يحلم بحزام حقيقي لبنطاله الذي يشده على جسده النحيل بخيط، يا لوجع الطفولة المقهورة. تحولت صورة إبراهيم إلى رمز لسوريا. وإليه أهدى سميح شقير أغنيته الجديدة والتي تبدأ ب “تيشد خصرو ربطوا بخيطان عافقر حالو هالصبي ربيان أيا إله بيقبل يندبح ودموعلى الرصيف سايل” سيبقى السؤال مشرعاً.

في جنوب البلاد كان هناك حلا أخرى، حلا الخطيب التي فقدت عائلتها بالكامل في أحداث السويداء وكانت الناجية الوحيدة إذ اختبأت في خزانة الملابس لتنجو رغم إصابتها بطلق ناري في الوجه تركها في حالة أذى شديدة.

أما تالا حسام الشوفي ذات الأربعة عشر عاماً التي استشهدت بطلقة في الرأس من قناصة، فكتب والدها الطبيب حسام الشوفي: تالا يا عمري سامحيني لقد خذلتك ولم أحميكي. خذلك الوطن. خذلتك ما كنا نسميها ثورة ولم تري منها سوى الظلام والموت.”

 مات أطفال مع عائلاتهم، وهناك أطفال شهدوا قتل أهلهم وتركوا وحيدين، هل الموت أقسى من مشهد ينحفر في الذاكرة لأهل يقتلون؟ هكذا تقتل الطفولة وتبقى الأجساد تعارك الألم وجروح الروح. 

أبعدوا أيديكم عن الأطفال فلا ذنب لهم أو علاقة بالحروب والصراع من أي نوع، لا تجعلوهم يحملون آثامكم، أبعدوا الأطفال عن معارك الثأر القبيحة. لا فرق بين قاتل وآخر فالقتلة يتشابهون! 

دعوهم يعيشون ويحلمون بهدايا تسقط عليهم غير القنابل ورصاص القناصة، غير السكاكين التي تحمل الهول ورعب الذبح، دعوهم يحلمون ككل أطفال العالم ببابا نويل الذي يحمل الألعاب لا الموت.

حين عثرت الذئاب على الطفل الصغير ماوكلي لم تأكله بل أرضعته. هل تعقلون؟ 

حين تتحول الفاشية إلى فخ سياسي

حين تتحول الفاشية إلى فخ سياسي

ليست اللغة بريئة، ولا المصطلحات أدوات محايدة. فقبول تعبير ما، حتى لو على سبيل نقده، قد يرسّخ حضوره في التداول ويمنحه سلطة غير مقصودة. ولعلّ تعبير “الفاشية السنية” مثال حي على هذا الفخ؛ مصطلح يبدو للوهلة الأولى تفسيراً جذاباً لمشهد سلطوي جديد في سورية، لكنه سرعان ما يتحوّل إلى وصم جماعي، يختزل ملايين البشر في استعارة لغوية ملتبسة. خطورة المصطلح لا تأتي فقط من فجاجته الطائفية، بل من كونه يعيد إنتاج المنطق الذي تغذّى عليه الاستبداد لعقود؛ تفسير السياسة بالهويات، لا بالبُنى.

ظهر هذا النقاش على خلفية التحوّلات التي أعقبت سقوط دمشق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، حين انسحب النظام المركزي وفرضت هيئة تحرير الشام وفصائل ثورية معارضة أخرى سيطرتها على العاصمة. بدا المشهد متناقضاً؛ شعب يطيح بديكتاتورية الأسد، لكنه يجد نفسه بعد فترة وجيزة في مواجهة سلطة قد لا تقل عسكرة ولا انغلاقاً، وإن لبست خطاباً دينياً هذه المرّة. في هذا السياق لجأ أحد الكتّاب إلى استعارة قاموس الفاشية الأوروبية لوصف الظاهرة الجديدة، معتبراً أن الإسلام الجهادي هو “نسختنا المحلية من الفاشية”، وأن ما جرى في سورية ليس إلا بعثاً جديداً للأمة السنية بعد عقود من التهميش. ربط الكاتب بين أسطورة الأصل الأموي، والتعبئة الجماهيرية من المساجد والعشائر، وممارسات عنف إبادي ضد الأقليات، ليخلص إلى أن الحكم الجديد يكرّس “فاشية سنية” قائمة على نقاء الجماعة وتفوقها.
هذا الطرح، مهما كان مثيراً للجدل، يستحق التوقف عنده لا لصحته بقدر ما يكشفه من ميل إلى القراءة الغائية. فهو يلتقط بالفعل سمات سلطوية واضحة: النزعة الشمولية، مركزية العقيدة، تمجيد العنف كأداة، والتعبئة ضد الأقليات. لكنه يسقط في فخ أخطر وهو تحويل تلك السمات إلى “قدر مذهبي” يلتصق بأهل السنة جميعاً، بدل أن يُرى كإعادة إنتاج لبنية استبداد تستثمر الدين كما استثمر الأسد من قبل القومية والبعث. هنا يصبح المصطلح أداة وصم، ويختلط فيه النقد بالاتهام، والتحليل بالتحريض.

ومن بين أبرز عناصر القراءة التي تبنّت وصف “الفاشية السنية” فكرة العودة إلى الأصل الأموي، باعتبار أن صعود هيئة تحرير الشام بعد سقوط الأسد هو بعث سياسي جديد لأهل السنة، الذين يفترض أن يستعيدوا سلطتهم التاريخية. لكن هذه الاستعارة التاريخية تقوم على استدعاء انتقائي للماضي، وتحويله إلى أسطورة تبرّر الحاضر، على نحو يذكّر فعلاً ببعض ممارسات الفاشيات الأوروبية التي ربطت نفسها بـ”أصل نقي” أو “أمة عظيمة”. غير أن خطورة هذا الربط في السياق السوري تكمن في أنه يجرّد التاريخ من تعدديته، ويحوّل طائفة دينية واسعة ومتنوعة إلى جماعة سياسية متخيلة، وكأنها امتداد مباشر لبني أمية أو لمشروع تاريخي واحد. بينما الواقع السوري الحديث يبيّن أن أهل السنة لم يشكلوا يوماً كتلة سياسية موحدة، بل كانوا موزعين بين تيارات ليبرالية وقومية ويسارية وإسلامية وصوفية، ما يجعل الحديث عن “بعث سني” أقرب إلى الوهم الأيديولوجي منه إلى الواقع الاجتماعي.

الركيزة الثانية في هذا التوصيف كانت التعبئة الجماهيرية التي شهدتها بعض المدن والبلدات؛ حشود تخرج من المساجد، نداءات عشائرية للفزعة، خطابات تحشد ضد العلويين أو الدروز. هذه الصور تذكّر فعلاً بمشاهد التعبئة الفاشية في أوروبا، حيث الجماهير تُستدعى لتبرير العنف. لكن الخطر هنا أن يُفهم الأمر كدليل على “طبيعة سنية” للفاشية، في حين أن ما نراه هو توظيف ظرفي للأدوات الدينية والاجتماعية المتاحة. فكما استثمر البعث النقابات والمدارس والجيوش في تعبئته، تستثمر السلطة الجديدة المنابر الدينية والعشائرية. إنّ تحويل أدوات التعبئة إلى جوهر طائفي يُغفل أن هذه الأدوات متاحة في كل بنية سلطوية تسعى للسيطرة، وأن الجماهير نفسها ضحية الاستخدام لا شريك في مشروع “قدر تاريخي”.

عنصر ثالث استندت إليه القراءة هو فكرة التطهير الداخلي داخل الجماعة السنية نفسها، من خلال خطاب الولاء والبراء، والتهديد بإقصاء كل من يخرج عن الصف، بل وملاحقة المختلفين من داخل الطائفة بتهم الانحراف أو العمالة. هنا أيضاً تلتقي التجربة السورية الجديدة مع ملامح سلطوية عالمية؛ كل استبداد يسعى لإحكام قبضته يبدأ من الداخل، من ملاحقة الأصوات النقدية وشيطنة المختلفين. لكن اعتبار هذا السلوك “فاشية سنية” يُحوّل الطائفة إلى كيان واحد متماسك له مشروع ذاتي، بينما الواقع أن الانقسامات بين السنة أنفسهم، بين مؤيد ومعارض لهيئة تحرير الشام، بين صوفي وسلفي، بين مدني وعشائري، تكشف هشاشة أي ادعاء عن “نقاء داخلي”. ما يجري هو محاولة سلطة جديدة لتأبيد بقائها عبر منطق النقاء، وليس مشروعاً جماعياً للطائفة.

في ضوء هذه العناصر الثلاثة السابقة، يتضح أن المشكلة ليست في رصد الظواهر، بل في طريقة تسميتها. فالاستبداد الجديد الذي قد ينمو في دمشق، يتغذى على أساطير الأصل، ويستثمر أدوات التعبئة الدينية والعشائرية، ويستخدم خطاب النقاء للتخلص من خصومه. لكن كل هذا لا يجعل منه “فاشية سنية”، بل نموذجاً آخر من السلطوية الدينية الراديكالية، أو ما يمكن تسميته “استبداداً مؤدلجاً بالشرع” (المقصود الشريعة الدينية!). هذا التوصيف يضع المشكلة في مكانها الصحيح؛ البنية السلطوية التي تعيد إنتاج نفسها عبر أدوات مختلفة. مرة بالبعث، مرة بالشرع، وربما غداً بواجهات أخرى. هكذا نحتفظ بدقة التحليل، ونتفادى تحويل المذهب إلى قدر سياسي أو هوية قاتلة.
تجربة السوريين تكشف أن الاستبداد لا يزول بسقوط رأسه، بل ربما يتكاثر بأشكال جديدة، متكئاً على الرموز والرايات الطائفية واللغة المغلقة. هنا تكمن الخطورة؛ فالمصطلحات لا تبدو انعكاساً محايداً للواقع، إنما هي جزء من إنتاجه. إنّ شيوع تعبير مثل “الفاشية السنية” لا يصف الاستبداد بقدر ما يرسّخ منطقه، إذ يُعيد صياغة السياسة كصراع هويات، لا كبنية سلطوية يمكن تفكيكها.
المطلوب إذن البحث عن لغة دقيقة تقرّ بالوقائع دون أن تقع في فخ الوصم. فالاستبداد الذي يلبس عباءة الدّين اليوم لا يختلف في جوهره عن الاستبداد الذي لبس عباءة البعث بالأمس، وكلاهما يعيد إنتاج المنظومة ذاتها؛ قمع التعددية وتأبيد السلطة. لكن ما يحدد مسار المستقبل هو كيف نصف هذه الظاهرة: هل نحمّلها لهوية مذهبية، أم نضعها في إطارها الصحيح كسلطوية عابرة للأقنعة؟ إن التحرر السياسي يظل رهناً بتحرر معرفي يسبقُه؛ لا يكفي إسقاط الطغيان ما لم نحرر خطابنا من أدواته. المعركة الأولى ليست في الشارع وحسب، إنما في المعجم الذي نختار أن نتكلم به. ومن دون هذا التحرر اللغوي، سيظل الاستبداد يجد لنفسه دائماً اسماً جديداً ليعود به من أي خطاب أو مقال أو قانون.

أي برلمان، وأية انتخابات؟

أي برلمان، وأية انتخابات؟

إلى الآن لا يعرف أحد، سواء من المختصين بالقانون الدستوري أو الفاعلين السياسيين، أي شكل سياسي للسلطة يحكم سوريا في الحقيقة والممارسة، وما هو النظام السياسي والقانوني الذي ستستقر البلاد عليه في المستقبل. 

بات من المعروف والمتداول أن سوريا تمرّ في مرحلة انتقالية معقدة ومرتبكة، حيث سُلّمت السلطة للرئيس المؤقت أحمد الشرع، بعد توافق دولي وإقليمي غامض ومفاجئ في الثامن من كانون الأول 2024، وقد يعني هذا، بحسب رأي المرء المحايد، بارقة أمل وثقة بالمستقبل عقب زوال شبح الأسد والبعث،  أو يرتبط حيناً بالإنكار والخوف، بسبب ممارسات هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً المصنفة إرهابية).  والأغلب على الظن أن الخشية على مستقبل سوريا هي الراجحة، لا سيما بعدما جرى في الساحل السوري والسويداء جنوبي سوريا، من قتل للمدنيين العزل وحرق للبيوت وخطف على الهوية الطائفية، وعمليات اغتصابات موثقة، تبرأت منها سلطة دمشق، ووعدت بالمحاسبة والتعويض على أهالي الضحايا ممن فقدوا أبناءهم وأحرقت منازلهم ونهبت ممتلكاتهم!

لاشيء تحقق من الوعود. وهذا مؤشر واضح وحاسم أن الكلام في مكان والفعل في مكان آخر.أي أننا في فصام سياسي، فسوريا اليوم تعيش واقعاً سياسياً معقداً، مع انقسامات مجتمعية هائلة، مع تعدد في السلطات والهويات السياسية، ما يجعلها دولة منقسمة سياسياً رغم أنها ظاهرياً “واحدة” على الخريطة فقط. الوحدة السورية التي لطالما تمدح وترجح على غيرها من أشكال الدولة والسلطة، ليست سوى تسلط الحكم في دمشق على باقي سوريا. أي أن الوحدة هنا في جوهرها ليست سوى غطاء لحكم شمولي شديد المركزية وقابلية نهمة لاستعمال العنف في حل المشكلات السياسية، وهو نموذج جرى اختباره وباء بالفشل وإفقار السوريين وإذلالهم.  

المرحلة الانتقالية 

يرى البعض أن مصطلح “المرحلة الانتقالية” لا ينطبق على الحالة السورية لأسباب مختلفة. على الرغم من سلطة الرئيس الفضفاضة، فلن تُحكم سوريا بمراسيم بعد تشكيل البرلمان الجديد، بل من خلال هيئة تشريعية تسنّ القوانين. هكذا يفترض من الناحية النظرية الصرف.

في الحقيقة إن الكثير من التسميات خالية من معناها الموجب، وقد جرى تداولها من دون نقد وتمحيص. فالإعلان الدستوري مثلاً فُرض فرضاً، وعد أساساً لما يليه من تشريعات مؤقتة. والأمر نفسه ينطبق على “المرحلة الانتقالية” و”البرلمان” و”الهيئة الناخبة”. ما يجري على الأرض هو غير ما تعنيه هذه المصطلحات القانونية والدستورية. هكذا نكون أمام وجهين لحكم سلطة الأمر الواقع في سوريا.  من جهة هناك الميليشيات والفصائل التابعة لوزارة الدفاع السورية أي النمط العسكري للحكم بالتهديد والوعيد والترهيب، ومع مثل هكذا نمط حاكم فعلياً تتحول كلمات وتعابير مثل البرلمان والمرحلة الانتقالية إلى كليشيه ودعاية إعلامية لا غير. ومن جهة أخرى هناك الكلام في القانون والدستور والبرلمان، وهو ليس سوى كلام نظري خال من المضمون الفعلي. 

المرحلة الانتقالية، إذا كان الوصف صحيحاً، حتى الآن تعتبر فاشلة بسبب غياب سلطة انتقالية ذات مصداقية وموحدة، وبسبب الانقسام السياسي والجغرافي. اللجنة الدستورية الدولية تعطلت وجمدت وانتهى دورها. اللاجئون والمهجرون محرومون من أي تمثيل فعلي، بينما تغيب العدالة الانتقالية والمحاسبة القانونية. 

فشل الانتقال يعمق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي مما يبقي البلاد رهينة العنف والفوضى. 

الفجوة بين الكلمات والمعاني

والفجوة بين الكلمات ومعانيها عادة سورية متأصلة، فحزب البعث على مدى أكثر من ستين عاماً كان أحد المبدعين المتميزين في تجويف الكلام وإخلائه من فحواه. ويعود الأمر إلى أن سوريا كلها دولة نظرية رُكّبت تركيباً من دون أخذ رأي من يحيا داخلها. دولة تقام على التجريد السياسي من الممارسة والنقاش والفعل العضوي. ما هو حي وملموس لا يتحول إلى سياسة، وما هو سياسي يبقى مغلقاً ومحتكراً من فئة محددة، يبقى سرياً ومجهولاً. وإن اجتمعت السياسة المجردة والنظرية مع الممارسة الحية والفعلية لا نكون إلا في مواجهة سيدها القتل والكراهية. العنف المحض والعاري والقاسي هو الوجه الفعلي لتنظير لا يرى في المجتمع سوى أتباع ومؤيدين وفي الرافضين سوى من ينبغي تأديبهم أي إباحة قتلهم أو إجبارهم على الخضوع والسكوت. السياسة في محصلتها على النمط السوري الحاكم لا تفضي سوى إلى أمرين، إلى الصمت أو الموت. والحقيقة أن الصمت شكل من أشكال الموت، إذ المرء في جوهره أمام خيارين إما الكلام أو الموت. 

 شروط الحكم الديمقراطي  

بعد أكثر من خمسين عاماً من ديكتاتورية الأسدين الأب والأبن وبعد و14 عامًا من الحرب المدمرة، لا تزال الشروط الأساسية لانتخابات ديمقراطية غائبة، ولا إشارة توحي بأن الحال سيتغير قريباً. لذلك، لن يُنتخب البرلمان الجديد، المؤلف من 210 أعضاء، انتخابًا مباشرًا، بل انتخابًا غير مباشر للثلثين، أو تعيينًا من قبل الرئيس للثلث الباقي.

السلطة الحاكمة هي التي أقرت هذا النموذج، من دون مشاورة أحد إلا مؤيديها. 

لن تشارك الإدارة الذاتية الكردية في الشمال الشرقي (الحسكة والرقة) وكذلك نصف دير الزور والجنوب الشرقي الذي يسيطر عليه الدروز (محافظة السويداء)؛ وسيتم تخصيص العدد المقابل من المقاعد لممثلي هاتين المنطقتين (من هم ومن عيّنهم!) .

وهذا يعني فيما يعنيه أن قرابة ٣٠ بالمئة ممن يحق لهم التصويت لن يشاركوا في الانتخابات، عدا ملايين السوريين في دول الشتات كلبنان وتركيا والأردن وألمانيا ودول أخرى.  مع ذلك، يُبدي بعض السوريين ارتياحهم لـ”الانتخابات البرلمانية”، بينما يُبدي آخرون تشككهم، فيما يرفض آخرون العملية والحكومة الانتقالية برمتها.

ولضمان أن تتجه العملية الانتقالية نحو الديمقراطية، لا أن تبقى استبدادية ومركزية، نحتاج إلى  قانون للأحزاب السياسية يُمكّن جميع السوريين من المشاركة السياسية، و اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية بقيادة مظلوم عبدي في الشمال الشرقي، ومع الحرس الوطني الدرزي بقيادة حكمت الهجري في الجنوب. ولتحقيق ذلك، يجب أخذ مطالب اللامركزية والحكم الفيدرالي على محمل الجد فزيادة سلطات المحافظات سيوحّد البلاد أكثر من أن يمزقها، وهي التي ما زال شبح التقسيم يهيمن على مستقبلها. 

بالطبع، لن يكون البرلمان الجديد مستقلًا تمامًا، لكنه سيكون مخلصًا وتابعاً للرئيس. وهذه علامة واضحة أن البرلمان المنتخب شكليّ ولن يكون سوى واجهة تشريعية لحكم الرئيس الذي احتكر كل السلطات. 

خلاصة

تتجه سوريا إذن الى حكم الفرد الواحد، إلى نظام سياسي لا يختلف في جوهره عن نظام الأسد وحكم البعث السابق الذي أوصل سوريا إلى ما وصلت إليه. 

كائناً ما كان الحال، وما ستفرز عنه الانتخابات الشكلية، فإن وجه سوريا الجديد منهك ومخيف، طالما رأينا نصف الوجه مسبقاً وقد غمره الدم والندم على مستقبل بانت ملامحه الأولى المخيفة والمخزية. 

الوجع السوري في “كل عار وأنتم بخير”: وجوائز جديدة للأخوين ملص

الوجع السوري في “كل عار وأنتم بخير”: وجوائز جديدة للأخوين ملص

بديكور بسيط ومساحة صغيرة من المسرح الكبير استطاع الأخوان ملص أن يستحوذا على مشاعرنا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فاستنفرت دموعنا على ضفاف الضحكات واختلط الضحك بالبكاء وكأننا نختزن منذ سنوات هذه المشاعر التي ما إن وضعت أمامنا المرآة حتى رأينا عري ألمنا الفاضح، وكيف تتشابك لحظات ضعفنا وخيباتنا وتختلط ضحكاتنا بالدماء، وكم من قسوة تسترت بها ملامحنا لنستمر.

حدث ذلك في العرض الذي قدماه على خشبة مسرح دار الثقافة في حمص بعنوان ” كل عار وأنتم بخير”  وكانا قد تجولا به في المدن السورية بعد أن منع من العرض في وقت سابق، إثر منشور لهما على صفحتهما في الفيسبوك قبل أن تتراجع وزارة الثقافة عن ذلك في بيان لها تعتبر فيه أن ما حدث ليس أكثر من سوء تفاهم. ومع الأخذ والرد بين الأخوين ملص والوزارة كان تشويقنا يتزايد لرؤية العمل والحكم عليه خاصة أن صدى أعمالهما في أوربا قد سبقهما إذ حصل فيلمهما ” البحث عن عباس كيارستامي” على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان هوليود إنترناشيونال وفيلمهما “أيام الكرز” على جائزة الجمهور في مهرجان البوسنة، وكانا قد ترشحا قبل ذلك لموسوعة غينيس عن فئة أصغر مسرح في العالم عام 2009، بينما يشهد لهما خروجهما ضد نظام الطاغية بشار منذ بداية الحراك السلمي في سورية. 

ببساطة الحوار واللباس وتلك التلقائية لامس الممثلان الوحيدان على الخشبة في عرضهما هذا ومجابهاتهما فيه الألم السوري الذي سار بعيداً في الزمن رغم أوهامنا بأمل الخلاص. فالعرض لم يحدد زماناً أو مكاناً بل كان قطعة من الزمن السوري المحمل بالوجع تدور أحداثه في بقعة من الجغرافيا السورية. عبر اجتماع شخصين تربطهما صداقة للاحتفال بالعيد رغم أنهما متناقضا الهوى والاتجاه: فأحدهما جندي في الجيش السوري والآخر مثقف مضطهد في سجون النظام قضى أكثر عمره في المعتقل وخرج مكسوراً، انسحبت خيبته على حياته كلها فحتى على صعيد الحب لم يمتلك الجرأة في التعبير عن مشاعره لفتاة أحلامه واكتفى باجترار الخيبة والألم وكلمات الحب في رسالة كتبها ولم يرسلها.

أما الجندي فقد تضخم لديه مفهوم البطولة حتى لم يعد يعرف سوى التغني ببطولة لم تحدث تحت سيطرة مفهوم كان يربيه النظام في عقول الناس ضمن منظومته ليكون من السهل استخدامهم متى شاء. 

يحاول الجندي الذي لا يملك سوى وقت قصير جر صديقه المتثاقل للفرح بالعيد في رغبة لتجاوز الواقع الضاغط بما يحمله إرث سنوات متتالية من الحرب، لينتهي الاحتفال إلى مواجهات متكررة ثم إلى مشادة كلامية قاسية، يقوما فيها بتعرية أحدهما للآخر، فيهاجم الجندي المثقف ويتهمه بالجبن والتخاذل والاستسلام حتى على الصعيد الشخصي في إحجامه عن مصارحة المرأة التي يحبها بمشاعره طوال سنين كرمز عطالة عن الفعل، و يهدده بالقتل إن لم يتجاوز نفسه ويمتلك الشجاعة لمصارحة الحبيبة عبر الهاتف بمشاعره التي اختزنها خمسين عاماً، في مشهد درامي متصاعد استنفر أحاسيس الجمهور وجعله يصفق ويبكي معه. إذ كان كل منا يرى في جبنه هذا جزءاً منه ولحظة هاربة من الزمن الذي يريد ويتمنى استعادته ولو تحت التهديد.

 كان أداء الأخوين ملص يسحب المتفرج إلى خشبة المسرح وكأنه يتماهى مع الممثل ويشارك في الأداء إذ يشاهد صورته تتألم وتتمزق.

ومع استمرار الأداء المتميز في لحظة يتصاعد فيها المشهد إلى التحول فيتبادل الأخوان الأدوار في حركة سريعة لافتة تسجل لهما، ليصبح الجندي عجوزاً مصاباً بحرب لا يعرف سببها ولا يعرف إن كان قد انتصر فيها أم هزم يتنمر عليه المثقف الجديد وقد غدا شاباً يمثل جيلاً جديداً منتصراً، ويضعه أمام المرآة ليشهد خرافة البطولة المزعومة ووهمها بينما مضى عمره في عجلة النظام ولم يمتلك الجرأة لمصارحة حبيبته بمشاعره  خاصة بعد انتهائه للعطب الجسدي والنفسي ، ثم يهدده بالقتل إن لم يقم بمصارحتها بمشاعره وأحلامه بها  وبيئته التي دفعته إلى الانجرار إلى عجلة النظام :” نحنا أفقر بيت بالضيعة يا حلا”.

استخدم الأخوان ملص في حوارهما طوال العرض، إشارات وعبارات تعيد المتلقي  إلى مجابهات سورية مستمرة وحديثة العهد أي بعد سقوط النظام لكنهما أخذا المتلقي إلى زاوية من المشهد ليدرك أن كلا الشخصيتين ضحية ورغم تناقضهما في الموقع يتشابهان في المعاناة والأثمان المدفوعة وأن تلك المعاناة التي أكلت عمرهما جعلتهما بحاجة الواحد للآخر وتحسسهما لآلام بعضهما أيقظ بينهما مشاعر مختلطة بين الألم والمعاناة والرغبة بالعيش المشترك في سلام يتوقان إليه،  فحين يقرران الانتحار كحل لكل هذه المواجهات ونبش الآلام بالاتفاق على قتل أحدهما للآخر، وبعد بروفات عديدة يفشلان في التنفيذ في مشهد مؤثر جداً، لقد وجدا أن الموت ليس رغبتهما الحقيقية. 

لعل التوأمة البيولوجية للأخوين بما حملته من شبه بينهما واضح المعالم، كانت الحامل الذي لا لبس فيه لفكرة الشعب الواحد الذي مهما اختلفت مواقف أفراده وخياراتهم يبقى لهم جذر واحد يحكمه الانتماء لهذه البقعة من الأرض والجغرافيا، وبالشراكة كحالة لا يحق لطرف سلب الآخر وجوده فيها.

حمل النص المسرحي الإشارة إلى الألم السوري المستمر، منذ خمسين عاماً دون أن يجد براً ليرسو، كما حمل رسالة النبوءة بأنه لن يتوقف إلا عبر الشراكة الحقيقية والجلوس على الطاولة نفسها كرسالة موجهة لكل سوري. وبهذا فقد أعادا للمسرح دوره الحقيقي في تحقيق التواصل والإضاءة على لب القضية لتكوين رؤية جامعة تستنهض روح التشارك لواجهة الخراب العام.

تميزت حركة الممثلين بالسرعة والانتقال السلس من الكوميديا إلى التراجيديا وبراعة الأداء المتناسبة مع بيئة العمل والموسيقا وبالانسجام والتلقائية التي أوصلت العمل للمتلقي وانتزعت إعجابه، وكان اختيارهما للأغاني موفقاً لتطعيم العمل بالمواقف الكوميدية التي تواصلت من الحوار إلى حركة الجسد. فاستحوذا على تفاعل الجمهور وتصفيقه الطويل.

أعادا خلال ذلك للمسرح دوره الحقيقي منذ البوستر الذي كتب عليه “لأن المسرح فعل مقاومة حقيقي” في واقع ليس خافياً فيه تراجع العمل المسرحي بشكل عام وضحالة المهرجانات التي كانت تقام في الآونة الأخيرة.

يذكر أن مسرحية “كل عار وأنتم بخير” نالت في 30 آب 2025 جائزتين ضمن مهرجان مسرح الرحالة الدولي للفضاءات المغايرة في الأردن وهما جائزة أفضل ممثل مناصفة بين أحمد ومحمد ملص وجائزة أفضل نص مسرحي للأخوين ملص.  

قراءة في التقرب السوري إلى اليونان

قراءة في التقرب السوري إلى اليونان

شكّلت زيارةُ وزيرِ الخارجيةِ السوريّ أسعدَ الشيباني إلى أثينا ما هو أبعدُ من إجراءٍ بروتوكوليٍّ عابر؛ بل هي اختبارٌ مبكّرٌ لتموضعِ سوريّة الجديدةِ في شرقِ المتوسّط، ولقدرةِ أثينا ونيقوسيا على تأطيرِ هذا التموضعِ ضمنَ الحساباتِ الأوروبيّةِ الأوسع. وخلفَ اللغةِ الملساءِ للدبلوماسيّةِ برزت عناوينُ صلبةٌ: قانونُ البحارِ وترسيمُ الحدودِ، إدارةُ الهجرةِ، حمايةُ الأقليّات -وفي مقدّمها المسيحيّون- وبناءُ المؤسّساتِ بوصفِه مدخلاً إلى اعترافٍ عمليّ. كما طُرِح إنشاءُ إطارٍ ثلاثيٍّ يونانيٍّ–قبرصيٍّ–سوريٍّ على هامشِ اجتماعاتِ الأممِ المتّحدةِ في سبتمبر/أيلول 2025، ويُرجَّحُ أن الزيارةَ رسمتْ خطوطاً حمراءَ لأيّ تفاوضٍ سوريٍّ–تركيٍّ معزولٍ محتملٍ حول البحر.

اليونان

بداية من منظور أثينا، تبدو الزيارة فرصة لإعادة وصل ما انقطع مع دمشق، لكن بشروط واضحة لا لبس فيها. أولها مرجعية القانون الدولي عموماً وقانون البحار خصوصاً؛ أي رسالة مباشرة بأن أي صيغة لترسيم بحري سوري–تركي على غرار “المذكرة التركية–الليبية” ستُعامل كخطٍ أحمر لأنها تمسّ حقوقاً سيادية لليونان ولقبرص وتعيد خلط خرائط شرق المتوسط خارج قواعد الشرعية. ثانيها المطالبة بحوكمة شاملة غير إقصائية من قِبل الإدارة الانتقالية السورية، بما يطمئن أوروبا إلى أن دمشق الجديدة لا تعيد إنتاج أنماط الاستبعاد القديمة، ويُفهم في آنٍ واحد كإشارة سياسية إلى أنقرة بأن أثينا ترفض تحويل سورية إلى امتداد مباشر لنفوذها. ثالثها رفع حماية الأقليات، والمسيحية خصوصاً، من حيز التعاطف الأخلاقي إلى بندٍ مُعلَن في المعادلة: استمرار الدعم الأوروبي وممراته المالية–الفنية مشروطٌ بسلوك انتقالي لا يهدد حياة وحقوق الجماعات الدينية والإثنية.
ولا تتوقف المقاربة اليونانية عند الخطاب؛ بل تُترجم إلى أدوات عمل: لجانٌ فنية لملف الهجرة، وخبراتٌ في بناء المؤسسات، أي لغة “الاعتراف العملي” من دون شيكٍ سياسي على بياض. بهذا المعنى تعرض أثينا أن تكون بوابة عبور دمشق إلى أوروبا، شرط ألا تُجازف الأخيرة بمصالح اليونان وقبرص أو بإطار الشرعية الدولية.

قبرص 
وإذا كانت أثينا قد حدّدت إطار الإدماج المشروط تحت سقف القانون، فإن نيقوسيا تمسك بخيطٍ موازٍ أقلّ ضجيجاً وأكثر براغماتية؛ تُبقي قبرص نبرتها منخفضة لكنها لا تُخفي مصلحتها المباشرة في استقرار سورية، إذ تقوم مقاربتها على ثلاثية واضحة: أولاً، الحدود البحرية وموارد الطاقة، حيث إن أي اتفاق سوري–تركي يتجاهل حقوق قبرص في منطقتها الاقتصادية الخالصة يُعدّ التفافاً على مواقفها في البحر، ما يستدعي تثبيت قبرص طرفاً أصيلاً في أي هندسة إقليمية جديدة تمسّ سورية؛ ثانياً، الهجرة والأمن الداخلي، فالجزيرة في الخطوط الأمامية لمسارات العبور، والتعاون الفني مع دمشق -وعبرها مع أثينا- ينقل الملف من “صداعٍ مزمن” إلى برنامج عملٍ قابلٍ للقياس؛ ثالثاً، إعادة دمج سورية دولياً، إذ تميل قبرص مؤسسياً إلى صيغٍ ثلاثية مع اليونان (ومع مصر/ إسرائيل في ترتيبات أخرى)، وإدخال دمشق في إطارٍ مشابه يُدوّر حضورها ضمن شبكاتٍ شرعية ويقلّص هامش المقايضات الثنائية السورية – التركية على حساب الجزيرة؛ وبكلماتٍ أخرى، فإن الرهان القبرصي هو تطبيعٌ مشروط لدمشق داخل منصّات شرق المتوسط يجعل نيقوسيا شريكاً في الصياغة لا متلقّياً للنتائج، على نحوٍ يُتمّم المقاربة اليونانية بدل أن يتعارض معها.

سورية

بالنسبة إلى حكومة دمشق الانتقالية التي يقودها اليوم أحمد الشرع، فإن طرق باب أثينا يحمل أربع رسائل متوازية: أوّلاً، تنويع المنافذ بالخروج من ثنائية أنقرة/ موسكو نحو قناةٍ أوروبية تديرها اليونان وقبرص تَعِدُ بشرعيةٍ ومواردَ، لكن بثمنٍ سياسيٍّ معلوم: احترام القانون الدولي، والتهدئة البحرية، وإشاراتٌ عمليّة لحماية الأقليات. ثانياً، طمأنة الغرب عبر وضع ملفّ المسيحيين وسائر الأقليات في الواجهة لا كتنازلٍ مجاني، بل كأوراق طمأنة لازمة لتخفيف التحفظات الأوروبية وفتح أبواب تعاونٍ فنّي ومالي. ثالثاً، غموضٌ بنّاء حيال تركيا بإبقاء الباب موارباً أمام مفاوضاتٍ حول البحر والشمال السوري لرفع سقف المكاسب من الطرفين -أوروبا عبر أثينا ونيقوسيا، وتركيا عبر القنوات الأمنية والاقتصادية- مع إدراكٍ أن خطوةً خاطئة مع أنقرة قد تُطيح بما تعرضه أوروبا. رابعاً، المؤسسية عبر خطابٍ يتحدّث عن “بناء مؤسسات” و”لجان للهجرة” و”قنوات مع بطريركية أنطاكية”، بما يشي برغبةٍ في ترسيم انتقالٍ منضبط يبدّد هواجس الانفلات.

أوروبا

تنظر أوروبا إلى اليونان كمفوّض طبيعي لفتح قناة اختبار مع دمشق. الأولويات الأوروبية واضحة: منع موجات لجوء جديدة، خفض التوترات البحرية، إبقاء ملف الطاقة ضمن قواعد اتفاقية قانون البحار (UNCLOS)، وتحييد مساحات نفوذ تركية منفلتة في شرق المتوسط. وعليه تُرسم معادلة بسيطة: دعمٌ مشروطٌ بسلوك سوري منضبط. تعرض أثينا القيام بدور الضامن السياسي والمُصفّي الفني لهذا الدعم، على أن تمتنع دمشق عن مقايضات بحرية مع أنقرة على حساب اليونان وقبرص.

ماذا قال كل طرف… وماذا قصد؟

حين شدّدت أثينا على “القانون الدولي للبحار” لم تكن تُلقي درساً نظرياً؛ بل سمّت الخطر مباشرة: أيّ ترسيمٍ بحريٍّ سوري–تركي خارج إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، وبما ينتقص من حقوق الجزر ومن المنطقة الاقتصاديّة الخالصة القبرصيّة (EEZ). وحين تحدّثت عن “حُكمٍ شامل” فهي تربطُ الاعترافَ والتمويلَ الأوروبيَّيْن لسوريّة بإشراك الأقليّات وخفض منسوب الإقصاء والعنف. أمّا إبرازُ ملفّ المسيحيّين وسائر الأقليّات فحوّلته من قضيّةٍ إنسانيّةٍ إلى شرطٍ سياسيٍّ مُعلن لأيّ مسار تطبيعٍ مع دمشق. وأخيراً، طرحُ اللجان الفنيّة للهجرة هو اختيارٌ واقعيّ لبدء تعاونٍ عمليّ قابلٍ للقياس يسبقُ التطبيعَ السياسيَّ الشامل، بوصفه إجراءً من إجراءات بناء الثقة (CBMs).

الإطار الثلاثي: آلية ضبط التفاهمات الثنائية

الحديث عن اجتماع ثلاثي يوناني–قبرصي–سوري في نيويورك ليس تفصيلاً بروتوكولياً؛ بل أداة عملية لضبط الإيقاع الإقليمي. مؤسسياً، يحقق ثلاث فوائد متقاطعة: لليونان، تقييد هامش دمشق في أي مقايضة بحرية مع أنقرة عبر إدخال قبرص طرفاً أصيلاً؛ لقبرص، تحصين ملف منطقتها الاقتصادية الخالصة ونقل الهجرة من عبء مزمن إلى برنامج تعاون منظم؛ ولسورية، مظلة شرعية غير صدامية مع أوروبا وخيار بديل عن اصطفاف أحادي مع تركيا. بكلمات أخرى، الإطار الثلاثي أداة سياسية لإدارة المخاوف المتبادلة، لا مجرد صورة جماعية.

على مستوى المسارات الواقعية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات: الأول، مذكرة بحرية سورية–تركية تستدعي رداً يونانياً–قبرصياً–أوروبياً قاسياً سياسياً ومالياً وقانونياً وتغلق عملياً بوابة أثينا، مع تداعيات تتجاوز البحر إلى ملفات الهجرة والطاقة والمؤسسية؛ الثاني، انخراط منضبط تمضي فيه دمشق تدريجياً في تعاون فني للهجرة مع إشارات محسوبة لحماية الأقليات وامتناع عن خطوات بحرية استفزازية وفتح قنوات قانونية حول الطاقة، بما يفضي إلى دعم أوروبي مبرمج وعودة متدرجة إلى منصات شرق المتوسط؛ الثالث، توازن حاد تلعب فيه دمشق على الحبلين، تفاوض أنقرة بحساب وتحافظ على خيط أثينا–نيقوسيا، ما يطيل أمد الغموض المفيد لكنه يعلق أي دعم أوروبي على الاختبار التالي.

اختبار نيويورك

إذا انعقد اللقاء الثلاثي في نيويورك فسيكون الاختبار الأول لتحويل لغة البيانات إلى هندسة سياسية قابلة للاستمرار. مؤشرات المتابعة واضحة: تشكيل اللجان الفنية للهجرة وجدول عملها، أي تصريحات سورية حول قانون البحار، مستوى التواصل المؤسسي مع بطريركية أنطاكية، وخريطة الطريق القبرصية لدمج سورية في معادلة شرق المتوسط بلا صدام مع أوروبا. المعادلة بسيطة ومعقدة معاً: كلما اقتربت دمشق من قواعد القانون والتهدئة والاشتمال، اتسعت أمامها أبواب أثينا ونيقوسيا وبروكسل؛ وكلما انجرفت نحو صفقات بحرية وارتجالات أمنية عابرة، انغلقت تلك الأبواب سريعاً. الزيارة فتحت النافذة؛ أمّا العبور فمرهونٌ بواقعية رسائل الشيباني وبقدرة أثينا ونيقوسيا على تحويل الفرصة إلى إطارٍ مُلزِم.

الجامعات كفضاء للخطاب الطائفي ووضع الطلاب الدروز

الجامعات كفضاء للخطاب الطائفي ووضع الطلاب الدروز

يغيبُ اليوم عن مختلف الجامعات السورية، حكومية كانت أم خاصة، حضور أغلب طلبتها من أبناء الطائفة الدرزية، والذين باتوا مُهدَّدين بضياع سنوات دراستهم، وربما مستقبلهم التعليمي، بعد تعذّر ذهابهم إلى جامعاتهم لمتابعة دراستهم، وذلك نتيجة ما واجهوه من خطابات تحريضٍ طائفي، وما تعرضوا له من إهاناتٍ واعتداءاتٍ وتهديدات مباشرة من قبل عددٍ من زملائهم، ابتداءً بما حدث عقب انتشار التسجيل المُسيء للنبي الكريم محمد، وليس انتهاءً بما حدث خلال الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء.  

العودة إلى البداية 

صباح الثامن والعشرين من نيسان الماضي، وعقب انتشار التسجيل المُسيء، الذي نَسبَه البعض لأحد مشايخ الطائفة الدرزية، خَرج عدد من طلاب السكن الجامعي في حمص في مظاهرة هتفت بشعاراتٍ طائفية تدعو لمحاسبة أبناء الطائفة، ثم تطوَّرَ الأمر إلى هجومٍ على الوحدة التي يسكنها طلبة من أبناء الطائفة، حيث تعرَّض عدد منهم للشتم والضرب، ومن بينهم الطالب مجد الشيباني، الذي تلقى إصابة بليغة في الرأس، وهو ما استدعى تدخل الأمن العام لتفريق الطلاب الغاضبين. وبحسب ما قاله الشيباني في  مقابلة مصورة ، تم إسعافه من قبل بعض الطلاب المهاجمين، بعد رؤيتهم لدمائه النازفة بغزارة. وعقب تلقيه للعلاج تم نقله هو واثنين من زملائه إلى مدينة جرمانا من قبل السيد مهند التركاوي أحد أبناء مدينة حمص. 

على إثر حادثة الإعتداء على الشيباني، ومع ازدياد حجم المخاوف من اعتداءاتٍ مشابهة، تجمّعَ أغلب الطلبة الدروز على الفور وغادروا السكن الجامعي بواسطة باصاتٍ حضرت إلى المدينة الجامعية وقامت بإجلائهم. وفي اليوم التالي، ومع اتساع حجم المظاهرات التي حرَضت على عقاب الطائفة الدرزية، غادر من تبقى من الطلبة، وقد تم تأمين نقلهم إلى مدينة جرمانا مع عددٍ من طلبةٍ آخرين يعيشون خارج السكن الجامعي. 

بالتزامن مع مظاهرة السكن الجامعي في حمص، خرجت مظاهرة  مشابهة في السكن الجامعي في حلب، ما اضطر بعض الطلبة الدروز إلى مغادرة السكن على الفور والسفر إلى السويداء، خوفاً من أن يتعرضوا للاعتداء، فيما بقي العدد الأكبر منهم في سكنهم، بعد التطمينات التي قدمها لهم  المسؤول الأمني في الجامعة. لكن تلك التطمينات لم يَدُم مفعولها وقتاً طويلاً، فمع تصاعد الخطاب الطائفي وما حدث في جرمانا وصحنايا والسويداء من هجمات واعتداءات مسلحة، عادت هتافات التحريض الطائفي وعمليات العنف والاعتداء على الطلبة الدروز مجدداً، من قبل عددٍ من زملائهم، حيث تعرض الطالب أدهم غنَّام  إلى عملية طعن بسكين، كادت أن تودي بحياته. وعلى إثر تلك الحادثة تم نقل جميع الطلاب الدروز من وحداتهم إلى وحدة العرب والأجانب، تحت حمايةٍ أمنية مستمرة، فيما بقيت الطالبات في وحداتهنّ، مع وضع حراسةٍ مشدَّدة عليهن. وقد بقي أولئك الطلبة محاصرين في غرفهم لأكثر من أسبوع، محرومين من مواصلة دوامهم الجامعي ومتابعة دروسهم ومحاضراتهم، حتى تمكنوا من تأمين مغادرة آمنة بواسطة باصاتٍ قامت بنقلهم إلى السويداء يوم الخميس، الثامن من أيار.

ونتيجة ما حصل في السكن الجامعي في حمص وحلب، وبعد خروج عدة مظاهرات ، في دمشق ومحافظات أخرى، تدعو إلى معاقبة الطائفة الدرزية واجتياح السويداء، شعر معظم الطلبة الدروز المقيمون في المدينة الجامعية في دمشق (وقد التقينا ببعض منهم) بخوفٍ وخطرٍ يُهدّد سلامتهم، في ظل قيام عددٍ من الطلبة الغاضبين بشتمهم وتهديدهم، وغياب أية إجراءات أمنية تضمن حمايتهم وتردع الأصوات الطائفية التي تحرِّض ضدهم، وهو ما اضطرهم إلى مغادرة المدينة الجامعية في  خروج جماعي  (أثار ضجة إعلامية كبيرة) تحت حماية الأمن العام، الذي لم يُقدِّم لهم أية حلولٍ آمنة سوى مرافقة الباصات التي قامت بنقلهم إلى مدينة جرمانا، قبل أن يتمكنوا فيما بعد من العودة إلى السويداء تحت حماية فصائل مسلحة من أبناء المحافظة.  

أحداث السويداء الدامية

في الفترة الممتدة بين منتصف شهر أيار ومنتصف تموز، وبعد أن هدأت التوترات قليلاً، عاد جزء كبير من الطلبة الدروز إلى جامعاتهم، فيما عاد جزء أقل إلى السكن الجامعي، وقد اكتفى بعضهم  بالذهاب إلى جامعته عند الضرورة أو لتقديم الامتحانات، لكن تلك العودة القلقة لم تدم طويلاً.

في منتصف شهر تموز الماضي، وبعد ما شهدته محافظة السويداء من مجازر وانتهاكات وتدمير وحرق ونهب للبيوت وغير ذلك من أحداثٍ مأساوية كارثية، ارتُكبت بذريعة وجود عصاباتٍ خارجة عن القانون ومع ارتفاع حدَّة الخطاب الطائفي من قبل كثير من السوريين ضد أبناء الطائفة الدرزية، خاصة بعد قصف إسرائيل لمبنى الأركان في دمشق، عاد خطاب الكراهية والتحريض والتهديد ليعلو بقوة ضد الطلبة الدروز في مختلف الجامعات الحكومية والخاصة، حيث شهدت المدينة الجامعية في دمشق عملية اعتداء، من قبل بعض الطلاب الغاضبين، على عددٍ من الطلاب الدروز داخل مقصف المدينة، حيث تعرضوا للضرب وتم رميهم بالكراسي، مع إطلاق الشتائم وعبارات التحريض الطائفي، فيما تعرض جزء كبير منهم  إلى إهانات واعتداءات جسدية في أماكن متفرقة داخل المدينة. وإلى جانب ذلك هاجم  عدد من  المتظاهرين الوحدات السكنية التي يسكنها طلاب دروز، وقاموا  باقتحام الغرف وتحطيم محتوياتها. وبحسب بعض الطلبة الذين التقيناهم، لم يتدخل أحد من مشرفي الوحدات لحمايتهم ولتهدئة المتظاهرين، فيما فضَّل مدير السكن التزام الصمت وعدم التدخل، رغم أنه كان شاهداً على ما حدث. وعلى إثر تلك الاعتداءات نزح جميع الطلبة الدروز من المدينة الجامعية إلى جرمانا بعد تأمين باصات لنقلهم، ومازال معظمهم حتى اليوم يقيمون في بيوتٍ قامت باستضافتهم، أو في بيوتٍ تشاركوا في استئجارها، وذلك في ظل صعوبة العودة إلى السويداء. 

بالتزامن مع ما حدث في السكن الجامعي في دمشق، شهد السكن الجامعي في حلب خروج مظاهرات هتفت بشعارات تحريضٍ طائفي ضد الطلبة الدروز، كما قام المتظاهرون بالاعتداء     على عدد من الطلاب بالضرب ومهاجمة غرفهم ورميها بالحجارة وتكسير محتوياتها، لإجبارهم على مغادرة السكن، وقد تعرض بعضهم لإصابات نتيجة الاعتداءات، ومن بينهم طالب كلية الهندسة طلال أبو عاصي، وعلى أثر ذلك تم نقل أكثر من عشرين طالب وطالبة إلى فندق الميرديان، تحت حماية مكتب شؤون الطلاب، فيما بقي الطلاب والطالبات الذين يسكنون خارج السكن، وتحديداً في حي الشيخ مقصود، محاصرين داخل بيوتهم، في أجواءٍ من الخوف والرعب، غير قادرين على مغادتها. 

بيانات تحريضية 

في 17 تموز الماضي، وبالتزامن مع أحداث السويداء، ظهرت مجموعة من الطلبة، يحمل بعضهم علم التوحيد الأبيض، ليتلو أحدهم  بياناً   باسم “طلاب الهندسة في تجمع الهمك”، من داخل مبنى السكن الجامعي التابع لكليات الهمك. وقد حَمل البيان، الموجّه للطلبة الدروز، عنوان: “لا مكان لخبيثٕ بيننا، فإما نحن وإما نحن”، وقد جاء فيه: “لن نسامح ولن نصالح، فأرضنا وسكننا وجامعاتنا لا تتسع لهويتين، فإما نحن وإما نحن، ورقابنا دون ذلك”. وقد شهد السكن الجامعي التابع للهمك حملة تحريض ضد الطلبة الدروز ترافقت مع هجومٍ على غرفهم، ما أدى إلى نزوحهم إلى خارج السكن. وقد تعرض الطالب عبادة خداج، لعملية اعتداء فاضحة، إذ قامت مجموعة من الطلاب باقتحام غرفته، بعد أن حطّموا أبواب الغرف الأخرى، مرددين صيحات التكبير والتهديد، وقاموا بضربه ومن ثم حاولوا رميه من نافذة الغرفة في الطابق الخامس، قبل  أن يصل عناصر الأمن الداخلي ويقوموا بإخراجه من الوحدة السكنية.         

وبعد بيان طلاب سكن الهمك، خرج بيان  آخر لطلاب السكن الجامعي في المزة، اتهموا من خلاله الطلبة الدروز بجريمة “الصمت”، إذ جاء في البيان: “نُعلن رفضنا القاطع للصمت المُشين الذي خيَّم على معظم أبناء هذه الطائفة، مما يجعل سكوتهم مشاركة ضمنية بالجريمة”، كما أكد البيان على رفض دخول أي طالب درزي إلى المدينة، “حتى تصدر مواقف واضحة من داخل طائفتهم تُدين العصابات التي شوَّهت تاريخهم”، بحسب البيان. 

وفي المدينة الجامعية في حمص خرج عدد من الطلاب  ببيان  أعلنوا من خلاله: “لن نستقبل درزياً واحداً لا في جامعاتنا ولا وسكننا ولا حتى أوطاننا، ولن يكون هناك مكان لهؤلاء العملاء والخونة وأحفاد بني صهيون بيننا”. وبحسب ماقاله بعض طلبة إحدى الجامعات الخاصة في منطقة غباب، قام عدد من زملائهم بإصدار بياناتٍ مشابهة ضد الطلبة الدروز، لكن إدارة الجامعة عملت على حذفها عن السوشيال ميديا بشكلٍ سريع.

ورغم إصدار وزير التعليم العالي الدكتور مروان الحلبي،  بتاريخ 10 أيار، قراراً يحظر نشر أو تداول أو ترويج أي محتوى يتضمن تحريضاً على الكراهية أو الطائفية أو العنصرية أو يسيء إلى الوحدة الوطنية أو السلم الأهلي، لم يُتخذ إي إجراء قانوني بحق الطلاب الذين خرجوا ببياناتٍ طائفية تُهدّد زملاءهم وتحرّض على طردهم من الجامعات والانتقام منهم، فقط لأنهم ينتمون للطائفة الدرزية.

اعتقال عدد من الطلاب

بعد أن قام الأمن العام بإنقاذ الطالب عبادة خداج من عملية الاعتداء، وتهدئة الطلاب الذين هجموا على غرفته، تم اقتياده إلى سيارة الأمن الداخلي، ولم يُعرف عنه أي شيء منذ ذلك الوقت، رغم المحاولات المستمرة من قبل أقاربه وأهله لمعرفة مكان اعتقاله.

 وفي السكن الجامعي في الهمك أيضاً، وقعت حالة اعتقالٍ أخرى بحق الطالب حازم بلّان. وبحسب عدد من المصادر: غادر حازم السكن، يوم الخميس 17 تموز، بعد الاعتداء عليه ومهاجمة غرفته وتهديده من قبل عددٍ من الطلاب الغاضبين، لكنه لم يستطع أن يأخذ معه كل أغراضه الشخصية. تواصل معه مشرف الوحدة السكنية لكي يأتي في اليوم التالي لاستلام ما تبقى من أغراضه، فذهب حازم إلى الموعد المحدد لكنه لم يعد حتى الآن ولم يُعرف شيء عن مصيره.  

وفي فيديو نُشر بتاريخ 17 تموز الماضي، ظهر الطالب سيف القلعاني وهو يتعرض للضرب من قبل بعض الطلاب المحتجين، قبل أن يتم وضعه في سيارة للأمن الداخلي، ليختفي منذ ذلك الوقت. 

وفي السكن الجامعي في اللاذقية شنَّ الأمن العام حملة اعتقالات طالت عدداً من الطلاب الدروز، وكانت تهمة معظمهم  كتابة منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، تتضامن مع ضحايا مجازر السويداء. ومن الأسماء التي تم توثيقها: مجيد البني، قيس غرز الدين، عدي جغامي، تيم رحال، نواف غزالي، عمار الدعبل، غدير الكفيري، أكثم شرف، قيس عمارة، ونواف عمارة. وقد أُفرج عن بعضهم في تاريخ 25 تموز، وبحسب شبكة الراصد تم تسليم الطلاب المُفرج عنهم إلى سيارة تابعة للهلال الأحمر السوري، قامت بنقلهم إلى مدينة درعا، قبل أن يتم تأمين دخولهم إلى السويداء.

رسائل قد لا تجد آذاناً صاغية    

خلال إعداد هذه المادة التقيت بإحدى طالبات جامعة AIU /غباغب، وبعد حديثنا عن واقع الطلبة الدروز في الجامعة، أرسلت لي مجموعة رسائل كتبتها زميلاتها، كي نقوم بنشرها، لعلها توصل أصواتهن. وسننشر هنا بعضاً من تلك الرسائل:  

رسالة من طالبة في كلية الهندسة المعمارية: “نحن طلبة السويداء وجرمانا وصحنايا، أصبحنا عاجزين عن إكمال دراستنا الجامعية، أولاً بسبب تعرضنا لحملة تحريض طائفي، من قبل زملائنا، الذين ينشرون عبارات التهديد والإهانات الطائفية على غروبات الجامعة في وسائل التواصل الاجتماعي، وثانياً لعدم تأمين وحماية الطريق إلى الجامعة، وهو ما قد يُعرّضنا في أي لحظةٍ لعمليات الخطف والاعتداء”. 

رسالة من طالبة في كلية الصيدلة: “لن نجرؤ على الذهاب إلى الجامعة في الفصل الدراسي القادم، وربما طيلة السنة الدراسية، وذلك بسبب المخاوف الأمنية، وما يحدث داخل جامعتنا وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، من حملات تحريض طائفية ضدنا، وتمييز بين الطلبة على أساس طائفي. دماؤنا ليست رخيصة، ولن نتخلى عن حقنا في التعليم، لذا نُحمّل الجهات المعنية كامل المسؤولية عن منعنا، ولو بطرقٍ غير مباشرة، من الوصول إلى جامعاتنا، نحن الذين لم نرتكب أي ذنبٍ سوى أننا ننتمي لطائفة معينة”. 

رسالة من طالبة في كلية الهندسة المدنية: “بعد الأحداث الدامية التي وقعت في السويداء، وبعد إغلاق جميع الطرق إلى خارج المحافظة، لم يعد بإمكاننا الذهاب إلى جامعاتنا، وبعد أن نُهبت منازلنا، بما فيها من أموالٍ وممتلكات، أصبحنا عاجزين عن تسديد أقساط الجامعة، هذا عدا عن تدمير ونهب البنوك التي كنا نسدد رسوم الجامعة من خلالها، وعجزنا عن الذهاب إلى مكاتب الجامعة لتسديد الأقساط، في حال توفرت، لذا نأمل أن تُراعي الجامعة ظروفنا، وتتحمل مسؤولياتها تجاهنا”.  

رسالة من طالبة في كلية الفنون/ هندسة الديكور:” إن استمرارنا في الدراسة، أصبح مخاطرة كبيرة قد تُكلفنا حياتنا، في ظل استمرار عمليات الخطف والتهديد بالقتل، بعد ما شهدته عموم البلاد من حملات تحريض طائفي ضد الطائفة الدرزية، لذا نطالب الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق الطلاب الذين يقومون بتهديدنا ويستخدمون الخطابات الطائفية والتحريضية ضدنا ضمن الحرم الجامعي”.