مازن الحُمادة سيرة الشاهد والشهيد المُغيَّب في كتاب للفرنسية غارانس لوكان

مازن الحُمادة سيرة الشاهد والشهيد المُغيَّب في كتاب للفرنسية غارانس لوكان

كتاب “اِنسَ اسمك- مازن الحُمادة، طريق المختفي” (Oublie ton nom – Mazen el Hamada, itinéraire d’un disparu)، للمخرجة والكاتبة والصحافية الاستقصائية الفرنسية، “غارانس لوكان” (Garance Le Caisne)، الذي صدر باللغة الفرنسية عام 2022، هو كتابها الثاني بعد إصدارها لكتاب “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية” باللغة الفرنسية في عام 2015، والذي تروي فيه قصّة المصوّر العسكري السوري “قيصر” الذي التقط آلاف الصور الفوتوغرافية التي تفضح جرائم نظام بشار الأسد البائد، والذي تُرجم إلى العربية، وصدر عن دار “ميسلون للثقافة والترجمة والنشر” عام 2018. 

في يونيو/ حزيران 2024، صدرت الترجمة العربية لكتاب “اِنسَ اسمك..” بعنوان “لم يعُد معنا: سيرة مُغيَّب“، عن “دار الجديد” البيروتية، وفيه تقدّم “لوكان” قصّة مازن كما رواها لها خلال عامي 2017 و2018، والتي تحكي مأساة التعذيب في أقبية سجون نظام الرئيس المخلوع الهارب بشار الأسد، وفوضى الحياة الجديدة التي طال انتظارها وحلمها.

  • ذكريات المعتقل الناجي، والشاهد والشهيد

بعد عِلم “لوكان” بتردّي حالة مازن النفسية ورفضه الخضوع للعلاج جمّدت مشروع الكتاب، واحتفظت به ثلاثة أعوام، حتى إذا ما علمت من أخيه أنّه لم يعد موجوداً، أفرجت عن الكتاب بعد أن استأذن عائلة الحُمادة لالتزامها الأخلاقي، ولرغبة منها أن لا تموت قصّة مازن الشُّجاع، إذ تقول إنّها في اللقاءات كانت تشعر كأنّها تلمّ شظاياه بيديها “بينما كانت مدينته تُقصَف قصفاً يفوق الخيال”، وفقاً لشهادة أخيه.

قضى مازن (مواليد عام 1977) تحت التعذيب، قبل سقوط نظام بشار الأسد وهروبه إلى موسكو بأسبوع واحد، إذ عُثر على جُثّته في “مستشفى حرستا الوطني” بريف دمشق، وعليها آثار تعذيب انتقامي وحشي، فالكدمات وآثار التعذيب التي ظهرت على جسده كانت كافية لرسم صورة التعذيب الذي تعرّض له، وكانت عودته إلى دمشق في شهر فبراير/ شباط 2020. وعند وصوله إلى دمشق أدرك خطأه. وكانت عبارة “ادعوا لي” آخر الكلمات التي سُمعت من مازن.

استندت “لوكان” في تأليفها للكتاب الذي نستعرضه في هذه المقالة، إلى عدّة مقابلات أجرتها مع مازن عندما كان في أوروبا؛ في باريس، وفي شقة مازن في قرية هيلغوم الهولندية، وفي مزرعة قديمة في ريف النورماندي، قبل عودته إلى دمشق عبر مطار رفيق الحريري في بيروت، يوم 22 فبراير/ شباط 2020، وتغييبه بعد يومين، إثر اعتقاله من قِبل المخابرات الجوّية في دمشق، ثم قتله تحت التعذيب عمداً، عشية سقوط النظام في 8 ديسمبر/ كانون الأوّل 2024.

في عام 2015، كان اللقاء الأوّل بين الصحافية الفرنسية ومازن الحُمادة، الذي يتحدر من أسرة كبيرة في دير الزور تعمل في الزراعة وتربية الماشية، والذي كان يعمل قبل الثورة كفنّي لدى إحدى شركات النفط العاملة في محافظته شمال شرق سوريا، والذي انتظم في ثورة شعبه السلمية، واعتقلته الأجهزة الأمنية في نظام الأسد أربع مرّات، وكان الاعتقال الأخير (في سجن المخابرات الجوّية بدمشق) هو الأصعب، إذ مكث فيه ما يزيد على عام ونصف العام (بين 2012- 2014) تعرّض خلالها لأشدّ أنواع التعذيب التي تركت آثارها المدمّرة على صحته الجسدية والنفسية، وكان شاهداً على العديد من ممارسات النظام الوحشية بحقّ آلاف المعتقلين السياسيين والثوّار. 

في ذلك اللقاء الأوّل بين “لوكان” ومازن، وافق المعتقل الناجي-حينها، والشاهد والشهيد في نهاية المطاف، على الإدلاء بشهادته حول كتابها الأوّل “عملية قيصر في قلب آلة الموت السورية”، بحسب ما تروي “لوكان”، لافتة إلى أنّ مشروع كتابها معه وحوله بدأ في عامي 2017 و2018، عندما بدأت جلسات استماعها إليه، وهو يروي ذكريات وجعه التي عايشها في سجون نظام الأسد، مستعينةً بصديقتها الشاعرة السورية الفرنسية عائشة أرناؤوط كوسيط ترجمة بينها وبينه.

  • إعادة بناء الصوت للوجوه المنسية

جاء الكتاب في 190 صفحة موزعة على أربعين فصلاً، جاء كل فصل منه في شكل ثنائية كتابية متناغمة تتضمّن حديث مازن وسرده لذكرياته، ثم تعقيبات وإضافات من المؤلّفة عليها. 

ووفقاً لما كتب الناشر على الغلاف الخارجي الأخير للكتاب، فإنّه “حينَ تيقّنتْ غارانس لوكان أنّ مازن الحُمادة، الذي أمضتْ معه ساعاتٍ طويلةً تصغي فيها إلى قصّة سجنه وتعذيبه ولجوئهِ لن يعود، قرّرت إنشاء كلامه كتاباً.

خانته عدالة الغرب، ففضّل العودة إلى سوريا بلدِ المطامير والإهانةِ وهو يحلُمُ بدير الزور والفرات وبدولةٍ عادلةٍ لا تفترسُ أبناءَها. وصلَ إلى مطار دمشق واختفى. صحيحٌ أنّ التِّنِّينَ لا يرتوي من دماء أبنائهِ، بيدَ أنّ شقائق النّعمان عنيدةٌ كالرّبيع.”

يُقدّم الكتاب شهادة إنسانية قاسية ومؤلمة عن الاعتقال السياسي والتعذيب في “سوريا الأسد”. أما أبرز المحاور التي تناولتها “لوكان” فهي: نشأة مازن في دير الزور، وانتماؤه لعائلة كبيرة من 18 أخاً وأختاً، وتجربة الاعتقال والتعذيب في سجون النظام، خاصّة في سجن المخابرات الجوّية بين 2012 و2014، والمنفى واللجوء في أوروبا، ومحاولاته إيصال صوت المعتقلين عبر جولاته الإعلامية في بعض المدن الأوروبية والأميركية، والخذلان الدولي وصراعه النفسي بعد تجاهل العالم لمعاناة السوريين، وأخيراً عودته الصادمة إلى دمشق وتغييبه مجدّداً في الشهر الثاني من عام 2020. ولعل أهم ما يميّز عمل “لوكان” هذا هو: الطرح الإنساني العميق إذ تُركّز على الإنسان لا الحدث السياسي، واللغة الأدبية التوثيقية حيث تمزج بين السرد والتحليل والشهادة، والتأريخ للحدث السوري من الداخل بتقديمها الثورة من خلال وجوهها المنسية. إضافة إلى التحرير الحيادي فلا نرى “لوكان” تُعلّق بل تُنصت وتُعيد بناء الصوت، ناهيك عن الرمزية النفسية بتجسيدها كيف يتحوّل الألم إلى ذاكرة مقاومة.

مازن، بقامته النحيلة كما لو أنّ معاناته ابتلعته، وبكتفيه البارزتين، ويديه الطويلتين كثيرتا الحركة، وخديه الأجوفين، ونظراته الخالية من الأمل، “قطع وعداً على نفسه بأن يشهد”، تقول “لوكان”، وتضيف: “بالإضافة إلى الإيذاء الجسدي، شهد مازن على تدمير الأرواح. كلماته التي تم جمعها على مدى عدّة أشهر، أصبحت مفكّكة بشكلٍ متزايد وكشفت الحيرة التي سقط فيها بسبب استحالة سماعه من قبل القادة الغربيين الذين كان ينبغي عليهم القبض على المجرمين. تعكس عزلة مازن شهادات الناجين من معسكرات الاعتقال وشهادات الناجين من الإبادة الجماعية”. 

تناولت “لوكان” في فصول الكتاب نشأة مازن، وذكريات الطفولة في مسقط رأسه دير الزور، ومعايشته للثورة السورية، وذكريات الوجع والآلام في سجون نظام الأسد، التي قضى فيها في الاعتقال قبل الأخير ، مدّة 18 شهراً تقريباً، وبعد الإفراج عنه خلال الربع الأوّل من العام 2014، قرّر مغادرة السجن السوري الكبير عبر قوارب الموت، وكله عزيمة وإصرار على رواية عذابات ووجع أبناء وبنات شعبه الثائر ضدّ ظلم نظام “الدولة المتوحشة” على حدِّ وصف الباحث والكاتب الفرنسي “ميشيل سوار”، الذي لقي حتفه في سوريا إعداماً عام 1986، وبقي رفاته محتجزاً لمدة عشرين عاماً، لا لشيء إلّا لأنّه فضح نظام حافظ الأسد الدموي.

  • طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا 

بعد إطلاق سراح مازن عام 2014، واضطراره لمغادرة سوريا، وبعد عبوره البحر الأبيض المتوسط​​، انتهى به المطاف في هولندا، “البلد الذي ستذكره قنواته بنضارة نهر الفرات في طفولته. سيصبح أحد السوريين القلائل الذين يندّدون علانية بالتعذيب الذي تعرّض له في سجون نظام الأسد” بحسب ما ورد في تقديم الكتاب.

تنقل “لوكان” عن مازن قوله: “أنا عينة من أبناء البلد وسأحدّثكم عما حصل: طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا. فقط لأنّنا طالبنا بالحرّية، قتلونا واعتقلونا وعذبونا وذبحونا. قصفونا بكل أنواع الأسلحة، البراميل المتفجرة، الصواريخ، الفوسفور… وبكل شيء يمكنكم تخيله”. يضيف متسائلاً: “ماذا كان سيحدث لو طالبنا أيضاً بثروات البلد! أضحك ولكن كما تعلمون، لقد دمّروا ذاكرتنا. دمّروا طفولتنا وذكرياتنا وأحلامنا. حتى أنّهم هدموا الجسر المعلّق فوق نهر الفرات. لقد حاولوا محو الإنسان بداخلنا وأخلاقنا ومبادئ عالمنا، وأرادوا دفعنا نحو التطرّف، وقذفوا بنا إلى البحار”.

ويتابع قائلاً: “عشت بدايات الثورة؛ السجن، الحرب. كنت مطلوباً من قبل الأسد و(داعش) والفصائل المتطرّفة، وفي إحدى الأمسيات، التقيت بإخوتي الأكبر سناً وأبلغتهم أنّ وضعي قد أصبح صعباً، وقد حان وقت الرحيل”.

تواصل “لوكان” سرد أوجاع مازن وما خلفه نظام الأسد الوحشي في نفسه الهشة من رعب وترهيب، فتنقل على لسانه: “نحتاج إلى متخصّص يمكنه فتح رؤوسنا وتفكيك أدمغتنا ورؤية ما بالداخل، والتحقّق من الروابط وجعل كل شيء على ما يرام. شخص قادر على الترتيب والتنظيف. يجب إزالة البراميل والصواريخ والمواد الكيماوية والتعذيب والسجن وإزالة ما حدث على مدى السنوات السبع الماضية وسنتين في الاعتقال. يجب إزالة 70 بالمئة من هذه الذاكرة. عندما وصلت إلى أوروبا، لم يكن الأمر كما لو أنّني لم أرَ شيئاً، فأنا أعلم بأوجاع أولئك الذين عانوا. لم يكن هناك تلفاز في زنزانتي، لذا فإنّ شهادتي للعالم هي جزء ضئيل مما عشناه في السجن. أن تتكلم وتسمع ليس كما ترى، والنظر إلى الوراء يكسرني. يجب أن أعيش، لكنّ العيش صعب أيضاً، فعندما أكون وحدي تعود بي الذكريات إلى هناك..”.

تتوقّف “لوكان” مطولاً عند وحشية نظام الأسد وكيف غرق في ذُعره من السوريين المنتفضين ضدّ حكمه الفاسد والمستبدّ، فلم يتردّد باستخدام كل أساليب ووسائل التعذيب اللاإنسانية لقمع الثوّار. وتنقل في متن الكتاب عن مازن قصصاً لا تصدق عن القمع والتعذيب اللاإنساني الذي مارسه جلادو الطاغية بحقّه من اليوم الأوّل لدخوله إلى السجن منذ المرّة الأولى، وتعرُّضه للضرب قبل الاستجواب والاستمرار به حتى يقوم بالاعتراف بما يريده السجانون، أما الإنكار فليس لصالحه إذ سيفقد القُدرة على التحمُّل ويعترف بأي شيء يريده سجانه. ومن الضرب والشبح (التعليق من اليدين حتى يشعر السجين المشبوح أنّها ستنقطع، أو تُخلع من الأكتاف)، وحين يصرُخ من الألم يسدّون فمهُ بالحذاء، إلى الضرب بماسورة المياه والاغتصاب بالعصا، والتعذيب بشدّ مشبك معدني على العضو الذكري، والحبس في زنزانة قذرة حتى تتقيّح الجُروح، ثم الحبس في زنزانة حُشر فيها 180 شخصاً، بينما لا تتّسع لخمسين شخصاً، حتى يصبح الاختناق وارداً، والموت يومياً حيث يُكلّف السجناء بنقل جُثث من يموت منهم ويرمونها خارجاً.

يواصل مازن حديثه إلى “لوكان” عن أساليب التعذيب الأخرى التي تفنّن السجانون في استخدامها لتعذيب نفوس وأجساد المعتقلين من الثائرين ضدّ حكم عائلة الأسد، كـ إطفاء السجائر في الساقين، والصّعق بالكهرباء بعد سكب الماء البارد على جسد السجين، وتعذيب الأبرياء للضغط على ذويهم لتسليم نفسهم، كحكاية الشاب من داريا الذي حرقوا وجهه ويديه للضغط على والده، ويروي أيضاً حادثة إعدام الضباط الذين انشقّوا عن جيش النظام وحُبسوا معهم في “سجن المزة” ثم اختفوا.

يتذكّر مازن في أحاديثه واللقاءات الطويلة مع “لوكان” ذكرياته المؤلمة، وكيف أنّ النظام “دمّر ذاكرتهم”: بستان العائلة، الخبز المُعدّ على التنّور فوق سطح المنزل، مخبأ الكتب الممنوعة، المظاهرات الأولى، وبالطبع الحياة… ابتُلعت جميعها في الزنازين المكتظة حيث اُحتجز مازن مع اثنين من أبناء أخته.

وتخبرنا “لوكان”، كيف بدأ وعي مازن السياسي يتشكّل من خلال المكتبتين الموجودتين في منزله، واللتين تضمّان روايات وكتباً سياسية، وذلك بالإضافة إلى زاوية سرية في حائط حديقة المنزل، أين حفرت العائلة كوة وخبأت فيها مجموعة من الكتب التي كانت من المحرّمات في ظل الحكم الديكتاتوري العسكري الشمولي للأسدين الأب والابن. 

وفي السياق، تحدّثنا عن بلدته “الموحسن” التابعة لمحافظة دير الزور، والتي دخل إليها الفكر الشيوعي منذ عام 1947، على يد المدرّس مدّاح الصايغ، حتى عُرفت بـ”موسكو الصُّغرى”، وهي موطن عائلة الحُمادة.

  • عودة إلى دمشق اكتنفها الغموض 

كان مازن يقول: “أُريد العودة إلى بلادي، لقد اكتشفتُ العالم وأكاذيبه ورأيت… أُريد العودة إلى سوريا للدفاع عن بلادي”، لقد أصبح حُرّاً في هولندا لكنّه مقيّد بالذكريات والواجب. وفي اتّصال أخير للناشطة السورية ميسون بيرقدار معه في بيروت، قال لها: “سأضحّي بنفسي لوضع حدّ لحمّام الدّم، هذا كل ما في الأمر”. وبعدها تواصل مع نتالي لاريسون، مديرة البرنامج الإنساني في “الجمعية السورية للمهمّات الطارئة”، قائلاً: “صلّوا من أجلي”.

اكتنف الغموض عودة مازن في 22 فبراير/ شباط 2020 إلى دمشق، وبدون سابق إنذار، الأمر الذي فتح باب الشكوك واسعاً لدى الناشطين السوريين بخاصّة المقرّبين منه، إذ ليس من المعقول والمنطقي أن ينجو أحد من سجون نظام الأسد ثم يعود إليها بإرادته. لا سيّما وأنّ مازن كان قد حصل على لجوء في هولندا قبل أن يتردّد بكثرة إلى ألمانيا قبيل عودته المثيرة للجدل إلى سوريا.

يصف أحد أقربائه المقيمين في هولندا ما حصل مع مازن بأنّه “اختطاف”، مرجّحاً أن تكون عودته تمت بمكيدة أعدّتها سفارة نظام الأسد في برلين. ونفى ما تم تداوله عن عودته بشكل طوعي بسبب تردّي أحواله المادّية والنفسية.

وأفاد قريب مازن بأنّه تواصل مع أشخاص شاهدوا الأخير في مطار برلين قبيل وقت قصير من عودته إلى دمشق برفقة سيدة موالية ومقرّبة من سفارة النظام بألمانيا. وحين سألوه إن كان ذاهباً إلى دمشق، أجاب بالنفي وقال لهم بأنّه ذاهب إلى بيروت، لتردّ السيدة التي بجانبه قائلة: “بل إلى دمشق”.

في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي، شيع آلاف السوريين مازن الحُمادة، الذي لم يمهله القدر أسبوعاً واحداً فقط قبل سقوط حكم آل الأسد لينعم بالحرّية التي طالما حلم بها، وسيسجّل التاريخ أنّه رحل ولم ولن يبقى لنا من أثره سوى صدى صوته الحرّ وكلماته التي ستبقى توجعنا كسوريين نلنا حرّيتنا بفضل نضالات مازن وأمثاله من الضحايا والناجين: “لقد دمّروا ذاكرتنا بيد أني أستمدُّ قوّتي من ذاكرة وجعي”.

مؤلّفة الكتاب في سطور:

“غارانس لوكان”، مخرجة وكاتبة وصحافية استقصائية فرنسية مستقلة، تعمل في المجلة الأسبوعية الفرنسية “لو جورنال دو ديمانش” (Le Journal du Dimanche)، وفي المجلة الإخبارية “لو نوفيل أوبسرفاتور” (Le Nouvel Observateur) منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. عندما كانت تعيش في القاهرة قامت بتغطية القضايا السياسية في الشرق الأوسط والاحتجاجات والانتفاضات والثورات في العالم العربي. قامت بتغطية الثورة السورية بشكل خاص منذ عام 2011 وكتبت مقالات عن طب الطوارئ في الصراع السوري.

حظي كتابها الوثائقي “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية”، باعتراف دولي بعد ترجمته إلى لغات عديدة بينها الإنكليزية والألمانية والإيطالية. وحصلت “لوكان” عنه على جائزة “غيشويستر شول للأدب” في ألمانيا عام 2016. وفي مدينة هونج كونج على ساحل الصين الجنوبي، صُنف ضمن أفضل الكتب التي تتناول حقوق الإنسان.

في عام ۲۰۲۲ حقّقت “لوكان” ككاتبة ومساعدة في الإخراج، بالتعاون المخرج ستيفان مالتير، فيلماً وثائقياً بعنوان “أرواح ضائعة” (Les âmes perdues)، الذي يعرض العذابات التي تعرّض لها الشعب السوري من قبل سلطات نظام الأسد كما يسلط الفيلم الضوء على ضحايا قيصر بالإضافة إلى تناوله قضية المخفي قسرياً مازن الحُمادة، كذلك يتحدّث الفيلم أيضاً عن الجريمة التي ارتكبتها أجهزة المخابرات السورية بحقّ الفرنسي من أصل سوري مازن دباغ وابنه باتريك. وهو إنتاج فرنسي- ألماني.

استسهال القتل والضحية هـذه المرة الشاب يوسف لباد 

استسهال القتل والضحية هـذه المرة الشاب يوسف لباد 

كأن الموت بات قدرًا يلازم السوريين على اختلاف انتماءاتهم وتباين توزعهم الجغرافي، إما فرادى أو جماعات، من مجازر الساحل إلى أحداث صحنايا إلى المجازر المرتكبة في السويداء تلك التي ظل أهلها معتصمون في الشوارع على مدى عام ونصف احتجاجًا على الطاغية قبل سقوطه.

 تصدمنا جميعاً الوقائع المتصاعدة من أحداث قتل وتنكيل وخطف بعد أن استبشرنا بعهد جديد ينفض الاستبداد عن كاهل الناس ويعد بحرية مأمولة بُذل الغالي والرخيص لأجلها، لنعاود الرجوع إلى واقع غوغائي ما قبل الدولة لا يعرف المرء فيه لماذا يُقتل وكيف.

 كان الكثير من معارضي النظام البائد أول الناس الذين استهدفوا في مجازر الساحل نتيجة انتمائهم الطائفي ولم تشفع لهم سنواتهم الطوال في معتقلات الأسد وكأن عبارة الفلول أصبحت مشجبًا يعلق عليها كل من يريد الانتقام والتخلص من أي كان نتيجة أحقاد طائفية ترجع لألف وأربعمائة سنة خلت لخلاف بين أناس لا نعرفهم بل انتمى كل منا إلى فئة بحكم الصدفة ورغم تكرار الحوادث والارتكابات ورغم ما حصل ويحصل وما هو مستمر بالحصول لم نسمع أنهم ألقوا القبض على أي منهم.

وكما كرة الثلج التي تكبر شيئًا فشيئًا تتصاعد حكاية مصرع الشاب “يوسف لباد” التي تصدرت وسائل الميديا والتواصل الاجتماعي من آراء واجتهادات بين مدافع ومدين؛ بين مبرر ومتهم لحادثة موت غير طبيعي، فيوسف الشاب القادم من ألمانيا لرؤية بلده بعد طول غياب قضاها في غربة عنه وقد أخذ عهداً على نفسه إن تحررت سورية من الأسدية أن يبات ثلاثة أيام في المسجد الأموي، وكانت النتيجة وكأنه جاء لحتفه. لا نستطيع الاختباء وراء إصبعنا في تفسير الحادثة وقد سبقتها أكثر من حكاية مشابهة لمن يدخلون للتحقيق ونسمع عن جثثهم ملقاة في مكان آخر في مشفى أو طريق وخاصة أن الرواية المتناقضة للأوساط الحكومية تكشف اضطرابًا غير مقنع في تفسير لحالة الموت التي تباينت بين إصابته بجلطة وبين تسمم وإدمان كحولي وآخرها أن المغدور يعاني من اضطراب نفسي جعله يقتل نفسه أثناء وجوده في غرفة الحراسة حيث أقدم على إيذاء نفسه بشكل عنيف عبر ضرب رأسه بأجسام صلبة، ما تسبب له بإصابات بالغة، وقد تم الاتصال بالإسعاف على الفور، إلا أنه فارق الحياة رغم محاولة إسعافه، وعلى إثرها تقرر تشكيل لجنة للتحقيق بملابسات الحادث وحصر وتحميل المسؤولية لمن يتهم بالأمر أو يثبت تورطه، وقد صار معروفًا لدى العامة أننا اذا أردنا تمييع قضية نشكل لها لجنة للتحقيق ووضع من يتحمل المسؤولية أمام مسؤولياته. 

 لا يوجد اثنان يختلفان على التشكيك بمحاولة التغطية على الحادثة فالشاب لم يكد يمضي على وصوله للبلد ثماني وأربعون ساعة ويحمل الجنسية الألمانية ولم يكن يعاني من شيء حسب إفادة زوجته وأقاربه ولم يكن ليسمح له بالسفر بالطائرة لوكان يعاني أي شيء من هذا القبيل، ولم يكن الشاب المغدور ينتمي للأقليات فهو ليس علويًا أو درزياً أو مسيحيًا بعد أن صار قتل هؤلاء أمراً عاديًا وتهمتهم جاهزة. 

ولم يكن سنياً كافراً فهو جاء ليعتكف بالمسجد الأموي ويؤدي صلاته للخالق سبحانه وتعالى فما الحكاية ولماذا استهدف؟ هل هو استسهال للفعل بحكم العادة أو سطوة السلطة والغرور الذي يتملك بعض أفرادها بقدرتهم على العنف واحتكارهم له، باعتقادي لا يمكن الابتعاد عن البنية التكفيرية التي تقضي بقتل أي مخالف في العقيدة وندخل هنا في تفاصيل الفرق والنحل الدينية التي تكفر بعضها في المذهب الواحد وخاصة أن المرتكب هنا يقنع نفسه بأنه يؤدي واجبًا دينيًا يخفي شهية الدم خلفه، وهذا سيستمر ويتصاعد إذا لم يتم التأسيس لقوانين وضعية واضحة وصريحة باعتبار أي حادثة  مشابهة جريمة قتل عمد تعرض صاحبها للمحاكمة العلنية بتهم بينة،  لأن السيناريو تكرر وسيتكرر مالم يوضع له حد وإلا فالقصة تنذر بفوضى عارمة لن يستطيع أحد إيقافها وخاصة بتزايد عدد الضحايا الذين يقضون بلا سبب واضح أو تهمة محددة. 

نهر الدم يجب أن يتوقف، وخاصة عندما يفقد الفرد إيمانه بأي عدالة وعندما يفكر كل شخص بحل مشكلته بشكل فردي. 

 لا يمكن أن تقام دولة على اجتهادات مشايخ في فهم الدين والتشريع وهناك مئات التجارب لقوانين مدنية عالمية ومحلية ثبت من ممارستها أهميتها في ضبط الأفراد في حقوقهم وواجباتهم ودائمًا هناك قانون مكتوب ومعروف مبنى على عقد اجتماعي معروف لدى الجميع وقبل أن نلغي قوانين معمول بها من المفروض أن تنشر بدائلها على الإعلام والتصويت المجتمعي لقبولها، خاصة في واقع صار أشبه بغابة نتيجة تكرار حوادث القتل التي لا تنتهي وأحبولة التعامل معها كحوادث فردية لا يحاكم أصحابها بتجاهل متعمد يخفي ما وراءه. 

وفي كل جولة للموت لا نستطيع منع أنفسنا من تذكر كل ما مر على هذه الأرض خلال هذه الأشهر السبعة المنصرمة والتي كنا جميعا محملين أثناءها بطاقة هائلة من الأمل بزوال حقبة الاستبداد والطغيان لتضمحل تلك الأماني شيئًا فشيئاً ولتتصاعد كارثية الأمر عندما لا يعرف المرء ذنبه أو خطيئته وينفذ به الحكم قبل أن يدان من أي جهة.

في الحقيقة لا نستطيع إلا رفع الصوت عالياً بأن دم سوري على السوري حرام وأن دم الإنسان على الإنسان حرام وهذا أضعف الإيمان وأضعف ما نستطيع فعله في هذه المقتلة المستمرة ونردد ما قاله أحد الشعراء: يا دجلة الخير لقد هانت مطامحنا حتى لأدنى طماح غير مأمول.  

“أشهد أني قد عشت”: سعيد حورانية

“أشهد أني قد عشت”: سعيد حورانية

لم تبخل سوريا – منذ سالف العصور – على العرب والعالم بمبدعين وسياسيين وفنانين ومفكرين، أثروا العالم بما تركوه من أثرٍ لا يزول..
ومن هؤلاء الأدباء الذين ساهموا في وعي أجيال متلاحقة المعلم الكبير سعيد حورانية، أما لقب “المعلم” فلم نختره جزافاً إذ يكفي الاطلاع على محطات حياته الفكرية والأدبية والسياسية لنضع هذا الرجل في مصاف المفكرين الأوائل ليس في سوريا وحسب، إنما في العالم العربي أجمع.
ولد سعيد حورانية لأسرة ميسورة في الميدان في العاصمة دمشق من عام ١٩٢٩ بعد أن نزحت من حوران، حيث تلقى تعليمه في العاصمة السورية وحصل على إجازة في الأدب العربي ثم نال دبلوم التربية من جامعتها.
بدأ حورانية الكتابة في وقت مبكر فكانت بوادر إبداعه أثناء دراسته الثانوية إذ كتب العديد من القصص ونشر معظمها في مجلة “المنار” ثم قام بنشر مسرحيتين في مجلة الجامعة، أما القصة التي اعتبرها النقاد تحدياً صارخاً على السائد آنذاك فقد كانت “الصندوق النحاسي” وشاركت في مسابقة (النقاد) التي على إثرها نال لقب تشيخوف العرب.

كان سعيد يكتب بغضب كل من كتب في الخمسينيات من القرن العشرين حاملاً بين سطوره فاجعة النكبة الكبرى، تقسيم فلسطين واحتلالها، حيث بشّرت مجموعته الأولى “وفي الناس المسرة” التي صدرت عام 1952 بميلاد كاتب جديد ذي عالم خاص استطاع وضع حد فاصل بينه وبين السلف من الكتاب، فكانت قصصه بمثابة ثورة ترفض الواقع المأساوي الآني الذي هو استمرار للماضي .. ليصبح الصراع في كتاباته هو صراع بين الماضي والحاضر، القديم والجديد، ذلك الصراع الذي أخذ صورته وبعده الاجتماعي في المجموعات القصصية اللاحقة “شتاء قاسٍ آخر” و “سنتان وتحترق الغابة” .

رفض أن يبني سرده القصصي على القدرية والمصادفة، فعالم سعيد حورانية هو عالم الكفاح والتغيير الذي تأثر أيما تأثّر بالصراعات السياسية التي شهدتها الساحة السورية في ذلك الوقت.. لينتهي ذلك الصراع –دائماً– بانتصار الشعب والقوى المُستضعفة وبرهان الكاتب الدائم على الإنسان الحر.

لم يقف سعيد عند عالم الخمسينيات وتغيراته السريعة والمتلاحقة بل فتح في جدرانه نافذة تحاكي المستقبل.. خاطب من خلالها القوى الشعبية كي تثور على حكم العسكر وأعوانه، فكان للعامل والفلاح المناهض لنظم الإقطاع والاستعمار النصيب الأكبر من شخوصه المبنية بإتقان مدهش.
أما مكان الصراع فهو الأرض السورية على امتداد ترابها من الجنوب حيث السويداء وحوران إلى الشمال والشرق حيث القامشلي.. ومع ذلك لم يكتفِ كاتبنا بتصوير الواقع (المحلي) كبطل من أبطال قصته بل تجاوزه لواقع كوني وإنساني ليكون الإنسان –أولاً وأخيراً– هو محور ذلك الصراع وعصبه..

وأكثر ما ميز سعيد حورانية عن غيره من كتاب عصره، البساطة في السرد والابتعاد عن التكلف في التصوير والاقتراب من اللهجة العامية، وقد بدا ذلك جلياً في قصته “عريظة استرحام” تلك (العريظة) التي يرفعها فلاحو قرية مضطهدة في وجه الإقطاع الجائر، ولنا هنا أن نقف ولو قليلاً عند مصطلح “عريظة” التي أرادها عن قصدٍ رمزي – بديلاً لكلمة “عريضة” الفصيحة، مخاطباً الآخر المعني بلسان (الظاء أو الظه) الريفي النقي عوضاً عن لسان الضاد العربي المزخرف، فإنّ ارتفاع قيمة الترميز وارتفاع قيمة ملاصقة الواقع بدون رمز في عالم سعيد حورانية القصصي يثبت حقيقة أدبية وهي: أنّ الشكل بذاته لا يعني دائماً الكثير طالما أنه منفصل عن المضمون.

فكانت تلك المشافهة العلنية والقوة في المباشرة إلحاحاً صارخاً لقراءة الواقع المعيش لتصبح – هذه المباشرة المحكية – فيما بعد الحجر الأساس لكثير من كتاب القصة بعده أمثال جميل حتمل وابراهيم صموئيل.
لم يكن سعيد حورانية – كما أسلفنا – مجرد كاتب عادي غريب عن ألم الشارع السوري والعربي .. بل على النقيض كان ابن ذلك الألم ووليد تلك التطلعات المطالبة بالحرية والعيش الكريم .. ما دفعه مع نخبة من اليساريين والكتاب لتأسيس “رابطة كتّاب سوريا” والتي توسعت فيما بعد باتحادها مع نقابات الكتاب العرب في كل من لبنان ومصر ودول عربية أخرى ليصبح اسمها “رابطة الكتاب العرب” حيث شغل فيها سعيد رئاسة الفرع السوري.

كما انطلق حورانية في مجمل كتاباته من واقع الأسرة والعلاقة مع العائلة المتسلحة بمفاهيم رجعية – على حد تعبيره – فكان لا بد من الوقوف في وجهها، ليس بقصد التدمير وإنما بقصد البناء والإصلاح ويبدو ذلك جلياً في مجموعته الأولى التي حملت عنوان “وفي الناس المسرة” لكنّ حياة كاتبنا لم تخلُ من المنغصات سيما السياسية منها، فعند قيام الوحدة بين سوريا ومصر عام ١٩٥٨ اعتقل من المدرسة التي كان يدرس بها ضمن جملة اعتقالات الشيوعيين واليساريين وزج به في سجن “السراج”.

وبعد خروجه فر هارباً من سلطات الوحدة إلى لبنان حيث عمل فيها مدرساً، وبعد الانفصال عاد إلى سوريا برفقة الشاعر شوقي بغدادي لكنهما اعتقلا مرة أخرى لمدة اثنين وخمسين يوماً ثم قضيا في سجن المزة تسعين يوماً، وفور خروجه عاد إلى لبنان ليعمل من جديد في سلك التعليم في مدرسة “الفرير” بين عامي ١٩٦٣ – ١٩٦٥ ونشر في بيروت المجموعتان اللتان أشرنا إليهما سابقاً سنتان وتحترق الغابة وشتاء قاسٍ آخر بينماكان يعمل في الوقت ذاته على كتابة روايته “بنادق تحت القش” وقام بنشر فصلين منها في مجلة “الثقافة الوطنية” إلا أنها لم تنشر كاملة بسبب إحراق الأمن اللبناني للرواية إضافة لاثنتين وخمسين قصة عند مداهمة منزله في لبنان على إثر مسرحية حملت عنوان “إنسان اسمه فرج الله الحلو!” كان قد نشرها في أربعة أجزاء في جريدة الأخبار، إذ تكمن أهمية وخطورة هذه المسرحية في وثائقيتها وفي وصفها الدقيق لموت الحلو وتعذيبه إضافة إلى الحوارات التي جرت بينه وبين معذبيه والمأخوذة –نقصد الحوارات– عن عبد الكريم محملي ورفاق آخرين.. ورغم أن سعيد كان يكتب في تلك المرحلة باسم مستعار وهو “سهيل صالحاني” إلا أنه لم ينجُ من الاعتقال عاماً كاملاً في سجن الرمل – من قبل سلطات الوحدة – بعد نشر المسرحية آنفة الذكر وعرض مسرحية “صياح الديكة”.

وفي عام ١٩٦٩ آثر كاتبنا السفر إلى الاتحاد السوفييتي وعمل في موسكو كخبير لغوي وقام بترجمة “فلتثمل سترندبيرغ” ليعود أخيراً إلى سوريا عام ١٩٧٤.. متابعاً نشاطه الأدبي والسياسي حتى وافته المنية عام ١٩٩٤ مخلفاً وراءه إرثاً عظيماً في القصة والمسرح.. والأدب الواقعي الذي وقف ضد النزعات الذاتية وحرض الإنسان على الحرية ودفع أغلى الأثمان من أجلها.

*تنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا حول “المنعطف السوريّ

حين يهدد العفو السلم الأهلي وينذر بالفوضى

حين يهدد العفو السلم الأهلي وينذر بالفوضى

منذ ستة أشهر أي منذ سقوط النظام في سوريا، كانت العدالة الانتقالية ٌإحدى أهم النقاط التي يتفق عليها السوريون مهما كانت الاختلافات بينهم، وتجتمع الأصوات على المطالبة بها كطريقة منصفة لرد الحقوق والعدالة بانتزاع حق الضحايا وخاصة بعد الظهور العلني لشخصيات ثبت تورطها بالدماء السورية وبالمجازر التي ارتكبها النظام، إذ كانوا جزءاً من منظومة القمع والقتل الخاصة به. كما شاهدنا إجراء تسوية لمسؤولين كبار كانوا على صلة مباشرة بإعطاء الأوامر خلال الحرب السورية الطويلة. ولهذا صار الشغل الشاغل للناس هو الخوف أن يذهب الدم السوري وحق الضحايا أدراج الرياح.

وهذا الخوف كان أحد الدوافع التي ساقت البعض لأخذ حقهم بيدهم وهذا ما يلاحظه أي متتبع لحوادث الخطف والقتل والسطو على البيوت بإخراج أهلها منها، خاصة بعد ما تغنت السلطة بشعار اذهبوا فأنتم الطلقاء، منذ البداية إذ أنذرت هذه العبارة بعدم المحاسبة وأعطت الضوء الأخضر للعقلية الثأرية التي مازالت تحرك الرؤوس. وانعكس هذا سلباً على الواقع العام، فأخذ الحق باليد من وراء كواليس سماحة السلطة، شجع كثيرين أيضاً لاستغلال الفرصة وللقيام بأعمال عنف وفوضى ما زالت تهدد السلم الأهلي وحياة المواطنين.

من هنا كانت العدالة الانتقالية ضرورة ملحة تتفق عليها الأصوات الواعية للانتقال إلى عملية البناء ومطلب حقيقي للحفاظ على أمن البلاد وحياة الناس وعلى السلم الأهلي الذي دونه لن تنجو البلاد من حرب دموية، وهذا  ما أكدته كل البيانات الصادرة بعد كل حدث.

كان للمؤتمر الصحافي الذي أجراه حسن صوفان رئيس لجنة السلم الأهلي وقع الماء البارد في وجه السوريين وصدمة أثارت ضجة كبيرة، وردود أفعال غاضبة وجدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ صار مناسبة لسرد مظلوميات الأفراد والعائلات والجماعات، الذين لحق بهم أذى غيّر مصير حياتهم وذهب بحياة الكثيرين من أحبتهم، يحركهم في ذلك ليس فقط هذا الأذى والألم بل أيضاً الإحساس بالخذلان جراء مساومة السلطة على ألمهم وتناسيها له بالقدر الذي يخدم مصالحها مع القتلة، وكأن دمهم هو مثار المساومة. ولو كان للقتلى فم يحكي لصرخ في وجه القتلة الذين يتحركون علناً وعلى المنابر والشاشات. 

وما أثار الناس في المؤتمر ليس فقط نسيان جرائم شخصيات بعينها بل تقريب هذه الشخصيات.  أما العذر الذي قدمه صوفان للسلطة القائمة، فهو دور هؤلاء في المساعدة بإسقاط نظام بشار الأسد. فهل يبدو هذا مقنعاً كمبرر للعفو عن شركاء الأسد وداعميه؟ 

 والسؤال المطروح هل تخلى هؤلاء عن نظام الأسد حباً بالثورة أو جراء تغيير في موقفهم من النظام البعثي المجرم؟ أم أنها خيانة لأصحابهم في النظام، تضاف لسجلهم غير النظيف أم أن هذا كله كان بأثمان قبضوها لتسليم نظام الأسد؟ وهل كان هذا العفو هو ثمن دماء السوريين؟

بكل الأحوال هذا لا ينظف أيديهم من الدم السوري الذي ما زال يسفح حتى الآن فمن شعر أن السلطة قد خذلته بتقريب فادي صقر وغيره من شخصيات داعمة لنظام بشار الأسد عسكرياً واقتصادياً قد يلجأ إلى أن يأخذ حقه بيده من أشخاص مقدور عليهم، كما حدث الانتقام من فلول النظام بقتل القرويين البسطاء وسكان قرى الساحل الأكثر فقراً وتغييباً عن أي تأثير، أو من الشباب الذين أجبروا على الخدمة الإلزامية بعد أن اقتنصتهم حواجز النظام دون أن يتمكنوا من السفر خارج البلاد، والذين تحملوا عبء استخدام النظام الانتماء الطائفي.

ففي الوقت الذي تعفو فيه السلطة عن هؤلاء المثبتة إدانتهم، ما زالت تتحفظ على العسكريين والشباب الذين قبضت عليهم في الحملات الأمنية ومنذ خمسة أشهر أو أكثر دون توجيه تهمة محددة لهم ودون أن يتمكن الأهالي من معرفة إن كانوا على قيد الحياة أم لا، فلا زيارات ولا اتصال معهم ولا توكيل محامين، تبقى قضيتهم معلقة تحت الشبهة ودون توجيه تهمة. مع كل ما يترتب من ذلك على حياة أسرهم اقتصادياً.

ونستطيع العودة إلى تجارب الشعوب التي خرجت من حروب أهلية كالوضع السوري للاستفادة منها بأشكال عديدة من طرق تطبيق العدالة الانتقالية كراوندا وجنوب إفريقية وغيرها.

يتم تداول الإشاعة بأن الحساب سيأتي فردياً ومن خلف الكواليس، إذ قد تتم تصفية هذه الشخصيات بطرق خاصة تباعاً. يعيدنا هذا لفكرة أهمية العدالة الانتقالية والانتقائية فضرورتها، ليس فقط المحاسبة وأخذ الحق الشخصي، ومن يفكر بأن موت هؤلاء أو سجنهم هو الهدف يرتكب خطاً فادحاً، فمحاسبتهم لها شقان : الأول أنها سترد الحق لأصحابه، حق المظلومين، وتشير باليد لمن استهان بدم الناس، إلى المسؤول الحقيقي عن جرائم النظام الأسدي وأعمدته التي ساهمت في تفتيت البلد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وبالتالي ستعيد تمكين النسيج الاجتماعي السوري وتكون الأساس المتين لبناء المجتمع الجديد، أما الشق الثاني: فإنها ستكرس مبدأ القانون وتعزز مكانة الدولة وكيانها كحامي لحقوق المواطنين، ومسؤول عن رد الحقوق لأصحابها. وتعيد للقانون سلطته في المجتمع، القانون الذي يقف عنده الجميع على خط المساواة وتقضي على حالات الثأر الفردية وفورة الدم وتعزز السلم الأهلي  وهذه أولى خطوات تمكين الدولة و بناء المجتمع.

حريق اللاذقية المُؤَدْلج ونظريات المؤامرة

حريق اللاذقية المُؤَدْلج ونظريات المؤامرة

”إن العالم الذي نعتقد أننا نعرفه يتغيّر تحت أقدامنا لأننا قمنا بتغييره. نحن ندخل مرحلة المناخ المجهول.“
جون فايلانت

حين ينعدم اليقين، ويُوظَّف الخطاب الإعلامي الرسمي ليخدم رواية محدّدة بدلاً من أن يكون مصدراً للمعلومة الدقيقة، غالبًا ما تأتي نظريات المؤامرة بأسلحتها من الشائعات وتسدّ الفراغ، وتنتشر كمثل النار في الهشيم محمّلة بشحنات عاطفية، وتُعيد تشكيل فهم الناس للأحداث. والسبب هو أنها تتوافق مع طرق التفكير السائدة، وتخدم الانتماءات الإيديولوجية. نشهد هذا على أوضح وجهٍ في الجوّ السوري حيث تتواصل الاتهامات والاتهامات المضادة حول أسباب حريق اللاذقية، وترسم صورة مشوهة له وهو يلتهم الرئة الخضراء لسورية.
من الأجدى أن نقرأ حريق اللاذقية في سياق التغير المناخي، لا بمعزل عنه، وأظن أن كتاب الصحافي الكندي جون فايلانت ”طقس النار: على الخطوط الأولى لعالم يشتعل“ يقدّم رؤية عميقة لفهم هذا النوع من الكوارث. يذهب فايلانت إلى أننا دخلنا عصراً جديداً لم تعد فيه الحرائق ظواهر طبيعية مألوفة كما عهدناها، بل تغذيها قوى مناخية. فمع ارتفاع درجات الحرارة، وجفاف الهواء، واشتداد الرياح، يتشكل الجو المثالي للاشتعال. ذلك أن النظام المناخي بات يحتوي على قدر غير مسبوق من الطاقة الحرارية، ومع الاحترار العالمي تتعرض الغابات للجفاف بوتيرة متسارعة، وتتحول النباتات إلى وقود هش سهل الالتهاب. لكن الحرارة، كما يشير فايلانت، ليست سوى طرف واحد في المعادلة، فالرطوبة المنخفضة تمثل عاملاً خفياً لكنه بالغ التأثير. إذ حتى عندما لا يبدو سطح الأرض جافًا، قد يكون الهواء نفسه شديد الجفاف، ما يؤدي إلى سحب الرطوبة من الأشجار والتربة والأعشاب. وبهذه الشروط، يتكوّن ما يُعرف لدى رجال الإطفاء بـ ”الوقود المتفجر“، حيث تكفي شرارة صغيرة لإشعال حريق لا تمكن السيطرة عليه. أما الرياح فهي العنصر الأخطر في رأيه، ولقد قدم وصفاً شعرياً لحريق فورت ماكموري في كندا قائلاً إن النار لم تكن تشتعل فحسب بل تتحرك بسرعة وكأنها مُطَاردة. فالرياح لم تكن تدفع الحريق فحسب بل تغذّيه. يشير فايلانت أيضاً إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن الحرائق صارت قادرة على صناعة طقسها الخاص. ففي ظل الحرارة الشديدة يمكن لأعمدة الدخان والهواء الصاعد أن ينتجوا سحباً تُطلق برقاً ورياحاً عنيفة كالعواصف الرعدية فيتحول الحريق إلى نظام ذاتي التغذية. يطلق فاليانت على هـذا الطقس الجديد اسم طقس الحرائق الـذي يعكس تحولاً في سلوك الحرائق لأن العواصف الرعدية باتت تصل دون مطر وتشعل الأراضي الجافة.

حرائق مضيئة ومؤامرات لا تحتاج إلى نظرية

ثمة حرائق سابقة حدثت في مناطق أخرى من العالم يوضحُ الجدلُ الـذي دار حولها كيف تؤثر الإيديولوجيا والانقسامات السياسية في الروايات المتداولة حول أسبابها: أثناء حرائق ولاية أوريغون الأمريكية عام ٢٠٢٠، اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي مزاعم لا أساس لها من الصحة بأن نشطاء مناهضين للفاشية ومتطرفين يمينيين أشعلوا الحرائق عمداً. انتشرت الشائعات بسرعة وتدفقت على مراكز الطوارئ اتصالات من مواطنين تحدثوا عن اعتقالات لم تجْر. وعلى الرغم من نفي الشرطة، ومكتب التحقيقات الفيدرالي لهذه المزاعم، إلا أن كثيرين واصلوا تصديق أن الحرائق نجمت عن مؤامرة سياسية منظمة. لكن كل ما فعلته هذه الاتهامات هي أنها حاولت تقويض الخطاب البيئي حول الاحتباس الحراري، ورسّخت المعلومات المضللة، وأثرت في الطريقة التي فسّر بها الناس الأزمة.

يكشف لنا الإعلام الاجتماعي أننا لم نعد بحاجة إلى منطق أو أدلة تدعم ما نقوله أو نسوقه على أنه الحقيقة والسبب هو أننا دخلنا في ما دعتْه الفيلسوفة السياسية الأمريكية نانسي روزنبلوم مرحلة المؤامرات التي لا تحتاج إلى نظرية. في جوّ كهذا تصبح المزاعم العاطفية، حتى وإن كانت غير صحيحة، بدائل مؤقتة حيث يفتقر الناس لليقين. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعل من المستحيل تقريبًا احتواء نظريات المؤامرة، إذ تتم تغذيتها بمحتوى يعزز القناعات المسبقة، الأمر الذي ينتج حلقات مغلقة تتكرر فيها الأكاذيب حتى تبدو حقيقية. يشبه هذا ما يجري في الواقع السوري حيث تُشْحَن بطاريات الاتهامات بكهرباء طائفية تصرف أنظارنا عن الأسباب البيئية للكوارث الطبيعية. في جو مشحون كهـذا تغيب التفسيرات العلمية، ويُغطّى موضوع التغير المناخي بحجابٍ إيديولوجي يخفيه، ويُصوَّر الأمر على أنه صراع بين سلطة تحاولُ تأمين الاستقرار وفلولٍ يحاولون زعزعته من طريق إشعال الحرائق بدعمٍ وتمويل من جهات خارجية تتربّص بالنظام الجديد. فيما يشيع البعض الآخر أن ما يجري محاولة لتهجير سكان هذه المناطق من أجل مشاريع اقتصادية قادمة.

تدخلت الإيديولوجيا في حريق اللاذقية، وتعددت حول أسبابه روايات تلائم مصلحة كل طرف. وبصرف النظر عن قصة هذا أو ذاك، تكشفت النار عن وضع مأساوي سوري ينذر بمخاطر جمة تهدد الأفق المتوسطي. ورغم هذا الخطر الداهم لم تحدث فزعةٌ رسمية لإطفاء الحريق كالفزعة التي حدثت لإخماد تمرد الفلول وارتكاب المجازر ضد المدنيين العلويين في بيوتهم. ولم تحدث فزعة عربية أو دولية فورية لاحتواء الكارثة وإنقاذ المساحات التي احترقت.

عالم جديد

يقول الصحافي الكندي جون فاليانت إن العالم الذي كنّا نعيش فيه ونطمئن إلى ثقافته قد تهاوى، وولد مكانه عالم جديد تتربّع على عرشه النيران. يقترح استبدال مصطلح “الإنسان العاقل” بـ”الإنسان الناري”، وهو اسم مشتق من ولائنا للاحتراق واعتمادنا عليه. فنحن، في نظره، كائنات نارية، لأن النار هي محرّك حياتنا وقوتنا العظمى. لكن المفارقة أن هذا الاعتماد الكبير على الاحتراق جعل العالم أكثر قابلية للاشتعال من أي وقت مضى في تاريخ البشرية. وفي هذا العالم القابل للاشتعال، لا يمكن حصر حريق اللاذقية – الذي قضى على أكثر من ١٦ ألف هكتار من الرئة الخضراء لسورية – ضمن حدود التأويل الإيديولوجي، أو تلوينه بلون الانقسامات والاستقطابات التي نعيشها. فالنار التي التهمت غابات الساحل لا تسأل عن هوية من تضرهم، بل تحرق بيئة السوريين جميعًا، وتحدث آثارًا بعيدة المدى تهدد حياتهم ومستقبل أبنائهم. ومع اشتداد النيران، يكتشف السوريون الحريصون على بلادهم مرجعية جديدة تتشكل من رماد الحرائق يصنعها أبطال متطوعون من مختلف الطوائف، يقفون على الخطوط الأولى للحريق في جبال اللاذقية، بإمكانات محدودة وعزيمة لا تلين. هؤلاء، وليس المرجعيات الطائفية العابرة للحدود، القادمة من قُم أو من نجد، هم من يستحقون أن يكونوا نواة لوعي وطني جديد، وركيزة لبناء سورية على أسس تتجاوز الطائفية والانقسام.