بواسطة مفيد عيسى أحمد | أغسطس 21, 2025 | Culture, Poetry, العربية, بالعربية, مقالات
تطوّر المنجز الإبداعي الشعري في الشكل وأداة التوصيل وأغراض الشعر، على ضوء متغيرات عصر النهضة، هذا ما عمل عليه الدكتور “إياس حسن” في كتابه ” النهضة والشعر ” الذي صدر عن دار “أرواد” للطباعة والنشر؛ عام 2025.
أتبع العنوان الرئيس بعنوان شارح هو “أثر النهضة العربية في الشعر العربي” وحدد مجال البحث الذي تضمنه الكتاب في الصفحة الداخلية للعنوان ببندين هما: نشوء المجموعة الشعرية وتطوّر بيئة الشعر التواصلية وظهور المنهج النقدي.
خصّص الباحث الفصل الأول لنشوء المجموعة الشعرية وقدّم لذلك بالتعريف بالمجموعة الشعرية؛ وتناول المواضيع التالية:
ظهور المجموعات الشعرية
يرى الباحث أنه كان للإرساليات الدينية القادمة من الغرب، وللنهضة التي شملت نواحي الحياة كلها أثر جليّ في ظهور المجموعة الشعرية. هذا الشكل الجديد المادي من حوامل الشعر، كذلك يعيد الباحث التطور الذي حدث على نظم الشعر وتجميعه إلى ظهور الجمعيات الثقافية كجمعية شمس البر التي أعلن عنها عام 1868 وجمعية زهرة الآداب التي أعلن عنها عام 1869 إضافة إلى تأثير انتشار الطباعة التي أدت إلى ظهور المكتبات كمكتبة بطرس الأمريكاني التي افتتحت عام 1876 والمكتبة الظاهرية التي افتتحت عام 1879. تأثير آخر كانت له أهمية كبرى هو الاستشراق الذي ساهم في نشر التراث العربي وإن كان بنظرة مغايرة للمعتاد التقليدي الذي تناوله كموروث ثابت جامد يقترب من الكامل لا يجوز تناوله بالنقد.
أثر الكتاب المطبوع كحامل مادي جديد:
تغيّرت وسيلة التواصل الشعري بالخروج من الحالة الشفاهية التي كانت تقوم على المنشد الراوي، إلى وسيلة جديدة تمثلت بالكتاب كحامل مادي، وبذلك انتقلت الوصاية على النص من المنشد إلى الناسخ في حالة الكتابة، الوراقة، ثم الناشر في حالة الطباعة.
تبدّلت هذه الوصاية بعد ذلك، فعملية تجميع القصائد، صار الشاعر يقوم بها، بينما كان سابقاً أصدقاؤه أو المهتمون يتكفلون بهذا العمل. هذا ما فعله أحمد شوقي في ديوانه “الشوقيات”.
لكن سلطة الشاعر ظلت ناقصة؛ فمراجع الديوان أو الناشر ظلّ يغيّر في عناوين القصائد وترتيبها، كما فعل أحمد الخوفي في ديوان أحمد شوقي، توضّح ذلك بعد ظهور الديوان المطبوع، والذي اقتضى عنواناً للديوان ومكاناً خاصاً لهذا العنوان، كذلك ظهر الغلاف وصار عتبة للديوان بتطوّر شكله وإخراجه، بدل أن كان مجرد حافظ مادي في المخطوطات.
تطوّر العنوان وعلاقته بالحامل المادي:
يتناول الباحث التطورات التي مرّ بها العنوان، في خضّم تطورات أخرى شملت المنتج والحامل الشعري، بيّن أن العنوان لم يكن مفرداً على الغلاف، بل كان يسبقه تعريف بجنس الكتاب والكاتب، مثل “كتاب كذا ” و “ديوان فلان”، ويورد مثلاً لذلك ديوان (ناصيف اليازجي) الأول الذي نشره عام 1852 وعلى غلافه نبذة عن الديوان.
ظهر بعد ذلك العنوان الترويجي لكنه لم يكن مستقلاً مثل ” نفحة الريحان ” مالبثت مسألة التعريف بجنس الكتاب أن أخذت سمة عامة كما في ديوان (خليل الخوري) المعنون “زهر الربى في شعر الصبا” والذي نشر عام 1857 وقد سبق هذا العنوان كلمة “كتاب” لكن (الخوري) تخلى عن التعريف بجنس الكتاب في ديوانه التالي واقتصر على عنوان ترويجي هو ” العصر الجديد”.
تابع الباحث تطوّر العنوان حتى صار جزءاً من العملية الإبداعية وذلك بفعل عوامل منها الطباعة وانتشــار الصــحف والمجلات، كجريدة (الوقائع) التي صدرت في القاهرة عام 1828، وجريدة (حديقة الأخبار) التي صدرت في بيروت عام 1858، وجرائد ومجلات أخرى.
يربط الباحث بين ظهور الصحافة وانتشارها وظهور عناوين جديدة للمجموعات والدواوين الشعرية؛ مركزاً على الدواوين التي صدرت في سورية ومصر وذلك كون المنطقتين تشكلان وحدة ثقافية بتجارب مشتركة متقاربة.
تطور النص الشعري في الشكل والأسلوب:
يعزي الباحث للصحافة تأثيراً هاماً على النص الشعري؛ هو تجديد أسلوب الكتابة بالابتعاد عن الإنشاء، فقد بدأت النصوص الشعرية تتخلّى عن السجع والبديع، وهذا ما أوجد الحاجة لعلامات الترقيم لتدّل أين تنتهي الجملة ولضرورتها في إيصال المعنى، جرى استعمالها في أواخر الثلاثينات من القرن التاسع عشر، مما دفع “أحمد زكي باشاستة” لوضع دليل بعنوان “الترقيم وعلاماته في اللغة العربية” وقد صدر عن المطبعة الأميرية في مصر.
تحوّل آخر للمجموعات الشعرية والقصائد؛ هو التحقيب الذي يدّل على زمن إنشاء القصائد، وزمن نشر الديوان، والتحقيب كما ذكر الباحث-أتى بصيغ مختلفة قد يكون بالترقيم الذي يدّل على تسلسل إصدار المجموعات، أو الإشارة إلى مرحلة من العمر مثل ” أشعار الصبا” أو “عبرات الشباب”.
يذكر الباحث أنّ جماعة “الديوان” اعتمدوا صيغة أخرى للتحقيب وهي المواربة، وفيها يشار إلى زمن إنشاء القصيدة بالإيحاء أو الدلالة كاستخدام تسلسل زمني (الفجر، الصباح، الظهيرة.) مثل “أنداء الفجر” لـ “أحمد زكي أبو شادي “.
الفصل الثاني من الكتاب جاء بعنوان: التطوّر الموازي في بيئة الشعر التواصلية وظهور النقد المنهجي.
استعرض الباحث في هذا الفصل روافع الشعر الذين كانوا يروّجون له ويشرحونه على مدى تاريخه، ثم تطرّق إلى ظهور الرواة في العصر الأموي والعباسي، لنصل إلى عصر النهضة حيث ظهرت الدواوين والمجموعات، وعلى إثرها ظهر المقرظون الذين كانوا يقومون بالتراجم وتقريظ العمل بما يقوم مقام المقدمة فيما بعد.
أغراض جديدة للشعر ومقدمات بدل التقريظ:
يقارب الباحث النص الشعري من ناحية الذائقة، فالذائقة التي كان يعبّر عنها بالتقريظ لم تستمر أمام التغيرات الكثيرة التي شملت العلاقات الاجتماعية في أواسط القرن التاسع عشر، إثر الإصلاحات العثمانية، والتي أدت إلى انتهاء حكم العائلات وبروز دور المؤسسات، فمع هذه التغيرات تغيرت وحل محل التقريظ التقويم الموضوعي الذي شكّل إرهاصاً للمقدمة.
المقاربة الأخرى أتت لموضوع الشعر وغرضه، فالتغيّر الأهم والذي كان من المفترض أن يعطى مساحة أكبر في البحث، هو تغيّر مواضيع الشعر وأغراضه، حيث بدأت القصائد تدور حول مواضيع غير مطروقة شعرياً، بدأ ذلك على يد “خليل الخوري” و”سامي البارودي”، هذه المواضيع رتبت ظهور المقدمات بمحتواها الجديد الذي علب عليه مناقشة ماهية الشعر ومفهومه.
موصلات أخرى للشعر:
يعود الباحث إلى ما حسبناه أغفله سابقاً، حيث يتناول مجالات أخرى لتوصيل المنتج الشعري، مجالات تقليدية كانت معروفة تاريخياً منها “الأغورا” عند اليونان، و “الفوروم عند الرومان، والأسواق عند العرب، إلى أن يصل إلى حلقات المساجد التي كانت تعقد في المساجد والجوامع في البلاد الإسلامية، كحلقة الشيخ “طاهر الجزائري” في دمشق.
ونتيجة للإصلاحات التي أقرتها السلطات العثمانية عامي 1839 و1856 والتي منحت الأقليات بعض حقوقها؛ ظهرت الجمعيات العلمية، ثم المجالس التي أخذت لنفسها خطاً تنويرياً.
كذلك لعبت المقاهي دوراً هاماً في التوصيل الثقافي والشعري، ثم ظهرت مجالس البيوت التي اضطلعت بها الطبقة العليا، كمجلس الأميرة نازلي فاضل ومجلس محمود باشا البارودي، أعقب ذلك ظهور الصالونات الأدبية كصالون “مريانا مراش” في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في حلب، وصالون “ألكسندرا الخوري؛ أفرينوه” في أواخر القرن التاسع عشر في مصر. الصالون الأشهر كان صالون مي زيادة التي أعلنت عن مولد صالونها عام 1913.
ظهرت بعد ذلك الجمعيات والروابط الأدبية التي لعبت دوراً هاماً في النقاش والسجال حول الشعر كنتيجة لعملية التطّور والتحوّل الذي كانت تحدث، هذا السجال والنقاش شكّل أساساً للنقد المنهجي.
الكتاب تضمن بحثاً هماً وجديداً ربط بين النهضة بمفاعليها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وبين تطور الحامل والموصل الشعري على صعيد العنوان والتبويب، المواضيع والأغراض الشعرية؛ لكنه لم يأخذ بالاعتبار تطوّر المنجز الإبداعي الشعري العربي من الناحية الفنية إلاّ لماماً، ربما لأن ذلك لم يكن موضوع وغاية البحث، التي حددها الباحث في الخاتمة بقوله “كانت غاية هذا البحث تقصّي العوامل التي ساهمت في ظهور المجموعة الشعرية بصفتها ظاهرة تاريخية.”
بواسطة دعد ديب | أغسطس 19, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
يمثل الترند “”The trend أًحياناً رأياً عاماً يطغى على كل الخطابات السائدة مما يدفع المعنيين في أي شريحة اجتماعية لركوب الموجة والسيطرة على هذا الرأي وتوجيهه بما يتفق مع مصلحة هذه الجهة أو تلك، والترند كمفردة إنكليزية تترجم على أنها ميل أو اتجاه وقد صار استخدامها وإدراجها في اللغة والحديث العام من الأشياء البديهية نظرا لكثرة تداولها في جميع الأوساط والمواقع، والحقيقة إن الدخول في تفنيد هذه القصص وعزل الحقيقي منها وتنقيته من الشوائب الإعلامية هو كالخوض في عش دبابير حيث لن ترضى عنك أي جهة، وسترى ألف جهة تخوّن وتتهم وتزور أحيانا ولكننا نقول إن محاولة عرض كل الوقائع على الملأ، يمكن أن يساهم في تكوين رأي عام لصالح الضحايا، الضحايا أينما كانوا .
تحفل الذاكرة السورية بحمص من أيام نظام الطاغية ما عُرف وقتها بحادثة الطفلة “جنى” التي راحت ضحية جشع عصابات الكبتاغون والمافيات التابعة لها حيث انتشرت قصتها لتصبح رأياً عاماً وطلب الناس مباشرة من رأس النظام التدخل لإنقاذ حياتها الأمر الذي لم يحصل، وتمت المماطلة والتسويف إلى أن قضت الطفلة نحبها، وهنا كان لزامًا على الحكومة اختراع قصة تسكت الناس في الكشف عن ملابسات الحادثة وتقبض على الفاعلين وتحاسبهم. جاءت القصة المفضوحة باتهام إنسان بسيط يعيش حياة بائسة ومتخلفة وسط المزابل، وتم أخذ إفادته بالاعتراف بقتل الطفلة بعد اغتصابها، القصة التي جاءت منفصلة عن تفاصيل وأوصاف الطفلة: ماذا تلبس وألوان لباسها وما إلى ذلك. ويبدو أن القصة تسربت كذلك إلى وسائل الإعلام الشعبي والخارجي وخوفًا من تداعيات الأمر الذي قد يستدعي لجنة تحقيق خارجية أو تدخل جهة ما قيل إن المرتكب مات لمعاناته من مشكلة صحية طارئة وانتهى الأمر هنا وسكتت كل الجهات بفعل السطوة الأمنية المعروفة بشدتها وتدخلها بكل شيء وضاع حق الطفلة المجني عليها.
رجع هــذا الحادث وملابساته الآن للذاكرة مع ملابسات حادثة مقتل السيدة الراقية” ديالا الوادي التي تحمل الجنسية البريطانية، ابنة صلحي الوادي الفنان العريق والتي يشهد الجميع بثقافتها ورقيها ليتم القبض على الفاعل خلال أربع وعشرين ساعة وهنا تأتي التفاصيل التي يكمن الشيطان فيها، فقد عرف الفاعل بشهادة أحد الجيران الذي طارده مسافة لابأس بها ووثقت الكاميرات صورة الفاعل، وكان من الواضح شعر الرأس الأسود لتأتي صورة الفاعل واعترافاته بهيئة مغايرة للصورة الأولى التي انتشرت وبدا حليق الرأس ويرتدي ثياب السجن. واعترف أن القتل تم بهدف السرقة بعد الاتفاق مع الخادمة، وهذه السرعة تلفت الانتباه وتثير المخاوف في بلد يشكل لجنة طويلة الأمد لمرتكبي جرائم موثقة بالصوت والصورة، قد يكون الهدف منها تسكيت وتطمين الرأي العام عن الشوشرة واللغط الذي يدور عبر ألسنة البعض كونها شخصية معروفة جدًا والتسريبات بأن منزل المغدورة كان مرصوداً لأنه في منطقة المالكي أغلى بيوت الشام وأفخمها وقد تعرضت لزيارات متعددة من قبل جهات مسؤولة من أجل بيتها وملكيتها. ويحكى أنها رجعت من الخارج خوفًا من استملاك بيتها كما يحصل مع الكثير من البيوت الفارغة التي يجري السيطرة عليها بحجة امتلاكها بطريقة غير مشروعة من قبل النظام البائد أو أنها عائدة لأحد رجالاته الهاربين، طبعًا في كل حادثة لا يمكن الجزم بصحة رأي أو عدمه أو التيقن من حقيقة ما الحكاية بخواتيمها وهل الحقيقة هي ما قيل أم سيكشف الستار عن حكاية أخرى وهل سيصار المنزل إلى الورثة أو سيؤول إلى جهة ما.
وتأتي قصة اختفاء سيدة من الساحل لتتصدر الترند فترة من الزمن ليكون اختفاؤها الترند المستمر بعد إنكار شامل مغطى من قبل جهات حكومية وإعلامية لحوادث الخطف التي أقضت مضجع السوريين جميعاً ورغم كل ذلك، في كل يوم تصدر صرخة من إحدى الجهات بغياب فتاة أو امرأة وفقدان الاتصال معها في بقعة ما، ويبقى الإنكار سيد الموقف للجهات العامة رغم توثيقها من قبل جهات خارجية “كلجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا التابعة للأمم المتحدة” التي قامت بتوثيق بعض الحالات وتعمل على المزيد منها. وقد نشرت وكالة “رويترز” تقريراً يفيد بوقوع حالات اختطاف لفتيات ونساء في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، حيث يطالب الخاطفون بفدى مالية ويهددون بتصفية المخطوفات إن لم تستجب عوائلهن لمطالبهم.
السيدة فُقد أثرها قرابة أكثر من شهر رغم أنها متزوجة ولديها ثلاثة أولاد وقد توصل أهلها عبر وساطات عدة لمكانها وجاءوا بها، ولكن المفارقة أنها لم تتعرف على أهلها وزوجها وأخيها الذين طلبوا أن تعرض على لجنة طبية توضح وضعها النفسي والصحي، ولكن نمي عنها أنها رجعت لزوجها الآخر في الأتارب بإرادتها والذي يقيم معها علاقة شرعية وهـذا طبعًا يلفت النظر إلى التساهل في قضية زوجة تترك زوجها ليُعترف بعلاقتها بآخر دون طلاقها من الأول مما يشير أن وراء الأكمة ما وراءها
لكن الترند الجديد في ظهورها في فيديو مصور فجر القصة من جديد وحكاية جديدة لما حصل بأنها هربت من عنف زوجي وعائلي وهي سعيدة جدًا بحياتها الجديدة ولن ترجع عنها، وبالنسبة لأولادها تخيرهم في أن يلحقوا بها أم لا ولا تشير لارتباطها بآخر من بعيد أو قريب. الحقيقة أن القصة غير مقنعة رغم إقرار صاحبة الشأن بذلك والثقة المبالغ بها بصوابية ما فعلت لسبب بسيط وهو تناقضها مع الإحساس الأمومي الطبيعي ودعم الجهات الوصائية لفعلتها وخاصة أنها جهات لا تسمح بوجود رجل وامرأة على مقعد في باص، وتضع مصاعد خاصة للرجال والنساء في معظم دوائر الدولة وتمنع تنزه شاب وشابة في حديقة مما يثير الريبة أنها تتسامح وببساطة مع بقصة من هذا النوع وتدافع عنها وكأنها قصة ميرا تعاد من جديد حيث يتجند إعلاميون وجهات مانحة لاحتضان حالتها وكأني بهم يمررون فكرة هروب الفتيات من منازلهم فداء للحب طبعاً. لا يمكن التنبؤ بما قد يحصل لها فيما بعد لإسكات صوت قد يقول الحقيقة يوماً ما.
كل ذلك من أجل إنكار وجود خطف بالبلد رغم الصيحات المتتالية التي تعود في كل حين حول فقدان أثر امرأة ما والأمر هنا لا يتعلق بالنساء وحسب، ولكن أيضاً هناك شباب يُختطفون ولكن سرعان ما تظهر جثثهم في مكان ما دون أن يعرف أحد ملابسات الأمر.
وطبعا لا تتدخل أي جهة حكومية لغاية اللحظة لتفسير وتبرير ما يحصل باعتبارها الجهة المسؤولة عن الأمن والأمان بغض النظر عن فاعلية هذا الأمر.
وتتحول القضية إلى قضية رأي عام يصمت فيه من حاول أن ينفي حوادث الاختطاف ويعلو صوت من هو متضرر من تلك الحوادث المريبة التي تصنف تحت يافطة السبي والاتجار بالبشر المحرمة دولياً وقانونياً بالوقت الذي كانت الضحية الأخيرة موجودة ولتوصم جميع المختفيات بوصم الانفتاح والتهتك الأخلاقي وعن مسؤوليتهن الشخصية فقط في الخروج عن العائلة والأعراف لا بصفتها قضية عامة تنشأ بفترة النزاعات والحروب كوسيلة ضغط عل الجهة المهزومة أو كفكرة عقائدية جهادية تعيد إلى الأذهان ما فعلته داعش بالايزيديات التي مرت ذكرى استعبادهن من فترة وجيزة ولكن هنا في هذه الحالة التي بين أيدينا قد يخشى من الضغط الدولي من المجاهرة بالهدف منها.
حيال كل هذا لا غنى عن تفعيل دور القضاء المستقل والأهم اعتماد قوانين وضعية معترف بها دولياً وعدم الركون إلى رؤية فقهاء أو مشايخ لم يحدد إمكانيتهم الفكرية والمعرفية والاعتماد على القوانين المتعارف عليها ريثما يتم الإجماع على قوانين بديلة وتبقى الشفافية والوضوح الوضع الأمثل لمن يريد ويبغي الحقيقة كل الحقيقة.
بواسطة وداد سلوم | أغسطس 17, 2025 | العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
ارتبط الشرف في مجتمعاتنا العربية بالأنثى وصار معيار شرف الرجل هو التزام الأنثى التي تصله بها رابطة الدم بما يفرضه المجتمع وعاداته وتقاليده عليها وما زالت جرائم الشرف تنتشر في مجتمعنا وتعتبر رمزاً لغسل العار، سواء أكانت المرأة هي السبب أو حتى كانت ضحية. وتعرف جرائم الشرف حسب هيومن راتس بأنها :” أعمال العنف التي يرتكبها أفراد الأسرة من الذكور ضد أفراد الأسرة من الإناث باعتبارهن قد جلبن العار إلى الأسرة”. ويدخل تحت هذا البند، الخروج عن إرادة الأهل في اختيار الزوج، أو عند الشك بقيامها بسلوك أو تصرف مخزي أو تعرضها لاعتداء جنسي. وبينما انهارت مجموعة القيم الأخلاقية بالتزامن مع التدهور السياسي الحاصل، بقي المجتمع حرفياً في مواقفه من مفهوم الشرف وكأنه يلجأ بذلك للتعويض عن الانهيار الأخلاقي العام وارتكاب المزيد من جرائم الشرف التي يخففها القانون وغالباً ما تتم قبل التأكد من سلوك المرأة المشين بينما ينجو الرجل الشريك أو المعتدي غالباً . فكثير من النساء تم إثبات عفتهن والتي تتلخص بالمحافظة على غشاء البكارة بعد أن قتلن. كما في حادثة قتل الفتاة ليليان أبو سرحان على يد والدها في مدينة السويداء في كانون الثاني الماضي والتي أثبتت التقارير الطبية عذريتها بعد قتلها.
وتعتبر الإهانة الكبرى لأي رجل أن يتم شتمه بنساء عائلته أو التعرض لهن بألفاظ مسيئة أو السب بالأعضاء الجنسية النسوية وقد يجر ذلك إلى جريمة حقيقية.
ولهذا عمدت الأنظمة الديكتاتورية إلى إلصاق التهم الأخلاقية بالسجينات والناشطات السياسيات ليتم نبذهن مع أفكارهن من قبل المجتمع وإنكارهن من قبل الأهل وأقرب المقربين. يقول غياث الجندي الناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان والمستشار لدى جمعيات حقوقية دولية عن إلحاق تهمة الدعارة بالناشطات: “تلجأ إليها الأنظمة الحاكمة في دول عربية عديدة من أجل تشويه سمعة ناشطات ومعارضات، وأحيانا قتلهن، مع تحميل المسؤولية للأب أو الأخ أو الزوج، على أساس أن الجريمة كانت غسلا للعار”.
هل المقصود بخطف النساء إلحاق العار بجماعة أو طائفة معينة؟
قضية خطف النساء في سوريا لم يعد بالإمكان إنكارها ولا التستر عليها ورغم أنها قد تكون بدأت رغبة بالثأر، لكنها الآن تخطت ذلك، لتظهر كفعل إجرامي ممنهج ينال النساء ويندرج تحت استباحة الأعراض بعد أن تمت استباحة الحياة. بات القتل سهلاً ومبرراً كردة فعل كما حدث في جرائم الساحل والسويداء وحوادث قتل متفرقة في المدن الأخرى أو الاعتداء على أشخاص وانتهاك كراماتهم والأشياء الرمزية التي تخصهم، وترافق مع ظهور طريقة تفكير بدائية تم النكوص إليها تدعم سلوكيات من عصور سالفة وتدعو إلى الاستقواء ضد الآخر وخاصة نسائه.
يقودنا هذا كله إلى تساؤل: ألا يتعدى ما يجري من أعمال الخطف حالة الانتقام الفردي إلى الاذلال الجماعي للنيل من مجموعة أو طائفة خاصة بعد تصوير كل امرأة تختطف على انها قد ذهبت بإرادتها أي أنها خارجة عن المعيار الأخلاقي العام مع ما تتعرض له من اعتداءات؟
تدعم ذلك الأصوات التي تعج بها صفحات التواصل الاجتماعي والتي تنكر الخطف وترمي التهم على النساء وتبرير اختفائهن بعلاقات غير شرعية ويأتي ضمنها تصريح أنس عيروط عضو لجنة السلم الأهلي وهو يقسم قائلاً:” والله لا توجد أي حادثة خطف للنساء في الساحل والحادثة التي سمعنا بها كانت مزورة ومفتراة”. يبدو هذا الانكار اللامسؤول مكشوف إعلامياً واجتماعياً وهو فصام صارخ بين المسؤولية الاجتماعية والإنكار غير المثبت لما يحدث ولحقوق الضحايا من النساء المغيبات قسراً والصامتات خوفاً.
ومن هنا تبدو خطورة عمليات الخطف هذه التي تحدث دون توقف بما تحمله من إحداث شرخ جديد في النسيج السوري وهو الإذلال الموجه والإهانة بتدنيس الشرف.
وقد يسبب هذا فقدان الثقة ورفع جدار بين الأقليات والدولة القائمة الملزمة بحماية كل المواطنين على اختلاف انتماءاتهم فالعائدات من الخطف كن يصرحن أن السيارة التي حملتهن لم يتم توقيفها على أي حاجز للأمن العام .وفي تقرير منظمة اللوبي النسوي السوري أن أهل إحدى الفتيات قمن بتسليم الأمن رقم هاتف المختطف الذي يتواصل مع الأهل لكن لم يسفر ذلك عن تلقي أي معلومات بشأن الفتاة .
يتم الخطف عبر القوة أو استخدام التخدير برش مادة في وجه المرأة المقصودة حسب ما صرحت به إحدى النساء. ويتوافق هذا مع تقرير منظمة العفو الدولية الذي يقول إن حالات الخطف تتم في وضح النهار ويقابلها التقاعس من قبل أجهزة الدولة وإلقاء اللوم على الضحايا وعائلاتهم والاتهام بالاهمال وسوء التعامل مما يدل على تجاهل منهجي للأدلة القاطعة.
ويشير تقرير اللوبي النسوي السوري إلى مؤشرات موثوقة على أن بعض المختطفات قد تعرضن للزواج بالإكراه أو الاستغلال أو الاحتجاز في ظل ظروف تهدد السلامة والكرامة ” كما تؤكد الشهادات والأدلة الموثقة فهناك حالة تزويج لفتيات قاصرات تم اختطافهن وهناك إشارات استفهام كثيرة حول بعض القضايا (كقضية مي سلوم) مثلاً أو الفتيات اللواتي يعلن زواجهن بعد الخطف مع طلب الطلاق من أزواجهن.
لا يمكن تفسير هذا إلا في سياق الاتجار بالنساء ومهمة السلطة القائمة إيقاف ذلك. فما يحدث يجب أن يسبب إحراجاً حقيقياً لها دولياً ومحلياً وتحدياً داخليا حقيقياً.
ومع استمرار حالات الخطف في الساحل تم مؤخراً تسجيل حالات اختطاف جماعية لنساء من السويداء وأكد ناشطون أن العدد يتجاوز ال80 ويبدو لقاء مراسل محطة تلفزيونية مع شباب مسلحين يقومون بنقل نساء درزيات في سيارتهم بدعوى الحماية فاضحاً ومريباً فالشخص الذي يقتادهن قام بتوثيق مشاركته بإعدام ميداني لمجموعة من الشباب الدروز العزل وهو ما تؤكده الناشطة سوسن أبو رسلان قائلة أن العديد من المختطفات ظهرن أمام الإعلام برفقة عناصر مسلحة ولا يعرف حتى الآن مصيرهن.
عصابات تستغل التفكك الاجتماعي
لا يمكن أن نتغافل عن حوادث في دمشق وحلب ففي نيسان الماضي تم خطف امرأتين في ريف حلب من قبل جماعة تعمل بتجارة المخدرات وللأسف فقد تم قتل الفتاتين من قبل أهلهما بعد الإفراج عنهما بدافع غسل العار.
كما تم دفع الفدية في حالات خطف أخرى ولم تتم إعادة النساء مما يؤكد دخول عصابات أيضاً تعمل على استغلال الوضع لأهداف متنوعة لا أحد يعرف حدودها تبدأ من طلب الفدية إلى الاتجار بالنساء أو الأعضاء أو المخدرات.
هكذا تدفع النساء الأثمان من حياتهن ومن وجودهن الإنساني، و الموقف تجاه قضية المختطفات إنسانياً على المحك ويجب عدم الاستهانة بخطره على النسيج السوري، سواء أكان حالات انتقامية أم أعمال عصابات تمتهن الأفعال الخارجة عن القانون، فالدفاع عن كل إنسان هو واجب السلطة والدفاع عن كل امرأة هو واجب كل شخص بغض النظر عن انتمائها الطائفي أو السياسي ولنتوقف عن الإنكار والاهتمام الحقيقي بكل قصة لأنها تمس قيمنا الإنسانية.
بواسطة سالي موسى | أغسطس 15, 2025 | العربية, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
من جنوب أفريقيا إلى البوسنة ورواندا تبيّن التجارب أنّ العدالة الانتقالية منظومةٌ متكاملة تجمع بين كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر، وتقتضي تفكيك شبكات المسؤولية بين من خطّط، ومن نفّذ، ومن تواطأ بالصمت. في سوريا، حيث تتشابك البنى الأهلية والدينية، لا تكفي أدوات القانون المجردة؛ إذ يلزم مواءمتها مع الموروث الثقافي، ولا سيّما مفهوم الإحسان في الفقه الإسلامي الذي يشترط الاعتراف والتوبة ويُمهّد لعقدٍ اجتماعي جديد يعيد تعريف الشرعية.
بغياب ذاكرة جمعيّة متفق عليها لتوصيف الجريمة والضحية والجاني، تتلاشى الحماية القانونية لعبارة «أنا سوري» أمام اصطفافاتٍ طائفية وعشائرية. هكذا يتحوّل القانون من أداة توحيد إلى ساحة نزاع رمزي، ويُهدَّد بناء سردية وطنية للعدالة قبل أن يبدأ.
كانت مجازر تموز/يوليو 2025 في السويداء لحظةً مفصليةً كشفت انهيار العقد الاجتماعي وانسحاب الدولة من دورها كضامنٍ للحقِّ والقانون. وفقَ توثيق «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» قُتل خلال أربعة أيام أكثرُ من 310 مدنيٍّ، بينهم 68 امرأة وطفلاً، وأُحرِق ما يزيد على 120 منزلاً.
هذا الانتهاك الجماعي يخرق صراحةً المادة 19 من الإعلان الدستوري لعام 2025، التي تؤكد أنّ «المساكن مصونة، ولا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا في الأحوال المبينة في القانون». فإذا كان الدستور يحصّن البيت بصفته آخر حصنٍ لكرامة المواطن، فإنّ إحراقه يعبّر عن نزعٍ رمزيٍّ لتلك الكرامة، ويحوّل الحماية الدستورية إلى حبرٍ على ورق. كما أنّ حرق المنازل ليس الهدف منه تهجير السكان مادياً، إنما تدمير ذاكرة المكان ويطوي إمكانية العودة، ما يجعله جريمة مركّبة: هدم مسكن، واقتلاع هوية، وتفريغ جغرافيا من ذاكرتها..
ازداد وقعُ الصدمة حين حاول بعضُ الشبان إلقاء أنفسهم من أسطح الأبنية؛ وقد أفادت شهادات محلية بأنّ عناصر من الجيش أو الأمن العام ضغطوا على هؤلاء الشبان وطلبوا منهم القفز بهدف بثّ الرعب وترهيب بقية السكان. هنا يتحوّل الانتحار من فعل احتجاجي فردي إلى إكراهٍ منظَّم، ما يرفع مستوى الانتهاك من إهمالٍ سلبي إلى تعذيبٍ معنوي مُمنهج.
يتقاطع هذا المشهد مع المادة 18 من الإعلان الدستوري لعام 2025، التي تنصّ على أنّ «الدولة تصون كرامة الإنسان وحرمة الجسد وتمنع الاختفاء القسري والتعذيب المادي والمعنوي، ولا تسقط جرائم التعذيب بالتقادم». فإذا كانت السلطات الأمنية هي مَن دفعت المواطنين دفعاً إلى تهديد أجسادهم، فإنّها لا تخرق واجب الحماية فحسب، بل ترتكب تعذيباً معنوياً يُدينه الدستور ويُجرِّمه القانون الدولي. وبذلك تُهدر كرامة المواطن مرتين: مرةً برصاص العنف، وأخرى عندما يُحوَّل جسده إلى رسالةٍ مرعبة يكتبها الأمن على جدران الخوف.
اجتماعياً، أحدثت المجازر شرخاً عموديّاً داخل النسيج الدرزي–السوري، إذ تزايدت نزعات الاعتماد على «الفزعة» العشائرية كآليةٍ للدفاع الذاتي، مقابل تراجع الثقة بأي بنيةٍ وطنية قادرة على الحماية. وقد وثَّقت منظمات محلّية موجةً من المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية بين قرى مختلطة درزياً–سنّياً كانت حتى وقت قريب تتقاسم الأسواق والمدارس. كما أُعيد تشكيل الذاكرة المحلية عبر طقوس جنائز جماعية تكثِّف إحساساً بالمظلومية الجماعية وبالحاجة إلى «ثأرٍ مؤجَّل» ما لم تُحسم المساءلة.
قانونياً، تُمثّل عمليات القتل الواسع والاستهداف على أساس الهوية صفاتٍ واضحة لـ جريمة ضد الإنسانية بموجب المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إلا أنّ خطاب الدولة الرسمي لم يذهب باتجاه فتح تحقيقٍ قضائيّ مستقلّ، على العكس اختار شكر «هَبّة العشائر» بوصفها أداةَ ضبطٍ اجتماعي، ما يكرّس مبدأ الإفلات من العقاب ويُضعف أي مسعى لاحق لعدالةٍ انتقالية.
إنّ التناقض بين الواجب القانوني الدولي والدستور الوطني من جهة، وخطاب السلطة العشائري من جهةٍ أخرى، يخلق معضلةً مزدوجة: الأولى تتعلّق بفقدان الثقة المحلية بإمكان تحقّق المساءلة، والثانية بتعقيد أي إجراءات جنائية مستقبلية قد تتولاها محاكم وطنية أو ولاياتُ القضاء العالمي خارج سوريا. لذلك، فإنّ المجازر حجر اختبارٍ لقدرة العدالة الانتقالية على الجمع بين إنصاف الضحايا وترميم العقد الاجتماعي دون الوقوع في فخّ الانتقام أو شرعنة العنف القبلي.
في أنظمة ما قبل الدولة، كان الصلح العشائري آليّةً لوقف القتال عبر الثأر أو «الفدية»، متجاهلاً الحقيقة والإنصاف. أمّا العدالة التصالحية الحديثة فتقوم على اعتراف المعتدي، وردّ الاعتبار للضحية، وصوغ سردية مشتركة تمهّد لعقدٍ اجتماعي جديد.
يُذكِّرنا «الإعلان الدستوري» الصادر عام 2025، ولا سيّما مادته التاسعة، بأنّ الجيش «مؤسسة وطنية محترفة مهمّته حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامتها ووحدة أراضيها»، وأنّ السلاح يُحصر بيد الدولة ويحظر على أي جهة إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية. على الورق، ينسف هذا النص شرعيّة «الفزعات» العشائرية ويُحمِّل الدولة كامل مسؤولية احتكار العنف. لكنّ المفارقة أنّ السلطة نفسها باركت تشكيلات مسلّحة خارج إطار الجيش ثمّ استدعتها لتحلَّ محلّه. الفجوة بين النص والتطبيق تحوّل المادة 9 من ضمانٍ لوحدة البلاد إلى شاهدٍ على ازدواجية الحكم: جيشٌ صامتٌ في الثكنات وميليشياتٌ مشرعَنة في الحقول. في مثل هذا السياق، تتعثّر العدالة الانتقالية لأنّ الدولة تتجاهل دستورها وتوكّل احتكار العنف إلى منطق العشيرة.
غير أنّ سؤالاً حاسماً يظل مطروحاً هنا: هل ستُحسَم الخلافات بين العشائر وجيرانهم الدروز وفق قانونٍ وطني يرعى العدالة التصالحية، أم سيُترك الأمر لمبادئ الصلح العشائري التي اكتسبت – بحماية الدولة أو مباركتها – شرعيةً موازية؟ فعندما تمنح السلطة مساحةً للأعراف الأهلية وتُضفي عليها غطاءً رسمياً، يبرز إلى جوار قانون الدولة نظامٌ عرفيٌّ متكتّل يهدّد بتهميش المرجعية القانونية الجامعة.
هذا التداخلُ بين الصلح العشائري وغياب المساءلة الرسمية من وجة نظري يُعيد صياغة العقد الاجتماعي على صورةٍ معطوبة تنتقص من هيبة القانون : دولةٌ تنسحب إلى الظلّ، وعصبياتٌ تتسيّد المشهد، ومواطنٌ يهبط من موقع الشراكة إلى مقام الاستنجاد. عندئذٍ تسري في الوعي الجماعي فكرةٌ خطيرة: الشرعية يُمليها من يحمل السلاح، لا من يحتكم إلى النص، والعدالة امتيازٌ تفاوضي لا حقٌ دستوري. إذا استمرّ هذا المنحى، فنحن أمام تعاقدٍ اجتماعي يُعاد تدويره على أسس الطاعة والنجاة الفردية، لا المواطنة المتساوية.
في المؤتمر الصحفي الذي خُصِّص لاستعراض نتائج لجنة تقصّي الحقائق في مجازر الساحل، لم يكن نقص المعلومات هو المعضلة، إنما انعدام الإرادة السياسية لبناء سردية تعترف بالجريمة. كان لافتاً أن يُعلَن: «أجّلنا المؤتمر بسبب أحداث السويداء»، عبارة تُلخّص المأزق الأخلاقي للمسار بأسره؛ فالسويداء قُدِّمت كعائقٍ إداريٍّ أخّر موعد المؤتمر، لا كحلقةٍ متصلة بانفجار العنف ذاته.
اعتقد أن التنوّعات الجغرافية والطائفية في سوريا مقاربةً متعددة الطبقات للعدالة الانتقالية، من دون التفريط في المعايير الأساسية. الخطر الأكبر أن تتحول القضايا إلى ملفاتٍ منفصلة تُغلقها الدولة متى شاءت، فتنتقل من عدالةٍ تفاضلية إلى عدالةٍ مجزّأة تُدار لإخماد الأزمات لا لبناء دولة القانون. تجارب البوسنة ورواندا تبيّن أنّ الاعتراف بالتنوّع يدعم وحدة العدالة حين تكون الدولة طرفاً ضامناً لا مُقسِّماً من فوق.
لن يُقاس نجاح العدالة الانتقالية في سوريا بعدد الأحكام ولا بضجيج المحاكم، إنما بقدرتها على رأب الصدع الاجتماعي الذي ما هو إلا تركة أسدية.
لذا لا بدّ من صيغةٍ قانونية–اجتماعية تُزاوج بين آليات العدالة الرسمية وطاقات المجتمع الحيّ: هيئةٌ مستقلةٌ لكشف الحقيقة ومساءلة المذنبين، ومساحاتٌ محلية للحوار وإعادة الاعتبار، يصدّقها قضاءٌ وطني يتبنى مبدأ المسؤولية المتمايزة ويضمن تعويض الضحايا. عندها يتراجع “قانون العشيرة” إلى رافدٍ ثقافي، ويستعيد “قانون الدولة” شرعيته من رضى الناس لا من خوفهم. وإن لم يلتقِ القانون بالمجتمع في منتصف الطريق، فستتكرر الدوائر الدموية، وسيظلّ كل قتيلٍ شهادةً على عجزنا عن تحويل الألم إلى عقدٍ اجتماعي جديد.
أثبتت التجارب الحيّة أنّ الدساتير لا تصنع العدالة وحدها؛ العدالة تُصنع حين يلتقي النصُّ بالفعل. لكن في سوريا، بدا الإعلان الدستوري لعام 2025 أقربَ إلى قائمة وعودٍ كُتِبت بالحبر نفسه الذي صودر به صوت الشارع.
هكذا انقلب الإعلان إلى مرآة مقلوبة: كل ضمانٍ فيه صار انتهاكاً على الأرض، وكل حقٍّ معلَنٍ تحوّل إلى استثناء عملي. والنتيجة عقدٌ اجتماعيٌّ مهشَّم قبل أن يكتب، يتقاذفه عرفُ العشيرة حيناً وصمتُ الدولة حيناً آخر.
لحظةُ السويداء جسَّدت المفارقة بأوضح صورها: مدينة صغيرة حاولت أن تُطلق صيغة وطنية جديدة تُنهي عهد الاصطفافات، فإذا بالدولة تُعيد تشغيل ماكينة القمع ذاتها، وتُلبِسها ثوب «الفزعات» العشائرية. المشكلة ليست في غياب النصّ، إنما في خطر إرادةٍ سياسية أعادت تدوير عقد الخضوع القديم بنصٍّ جديد.
وإذا كان السوريون قد خرجوا عام 2011 بحثاً عن عقد اجتماعي يُكتب بالكرامة، فإنّهم اليوم أمام مفترق أخير: إمّا أن يُجبِروا دولتهم على مطابقة الواقع مع الدستور- فيُلغي القانون الاستثنائي، ويُحاكم من سلَّح ومن حرَّض ومن صمت – أو يظلّ الإعلان الدستوري سجلاً إضافياً للتناقض بين الوعد والوفاء، وتظلّ سوريا وطناً يتخذ شكل سؤالٍ مؤجَّل.
بكلماتٍ أُخرى: إن لم تتحوّل مواد الإعلان إلى أفعال، فسيبقى اسم «سوريا» مجرّد لافتةٍ على خرائط الخوف، وسيبقى دمُ السويداء والساحل وحمص ودرعا جزءاً من حبرٍ أسود يكتب عقد الطاعة من جديد. أمّا إن تحوّل النصُّ إلى التزام، فستبدأ صفحةٌ يمكن فيها لعبارة «أنا سوري» أن تعود درعاً لا تهمة، ووعداً لا وعيد.
بواسطة عامر فياض | أغسطس 11, 2025 | News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
في منتصف شهر تموز الماضي، دخلت قوات الأمن العام إلى محافظة السويداء برفقة أرتالٍ كبيرة من عناصر وزارة الدفاع، ضمن عمليةٍ عسكرية استُخدمت فيها الدبابات والأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة، ثم تبعها بعد أيام دخول عشرات الآلاف من مجموعات العشائر التي قَدِمت من عموم سوريا تلبية لنداءات “الفزعة”. وقد زعمت سلطة الحكومة الانتقالية في دمشق أن سبب دخول المحافظة جاء نتيجة وجود عصاباتٍ مسلحةٍ خارجة عن القانون، إلا أن الواقع الكارثي الذي شهدته المحافظة وحجم القصف الوحشي العشوائي، وشهادات الناشطين وأهالي الضحايا وشهود العيان، وفيديوهات المجازر التي صُورت من قبل مرتكبي الجرائم والإنتهاكات، كل ذلك أوضح للقاصي والداني أن الهدف الأساسي لدخول المحافظة، بالنسبة لمعظم الفصائل المسلحة التي اقتحمتها، كان بغرض الانتقام من أبنائها وإذلالهم ونشر الرعب في قلوبهم، وقتلهم على أساسٍ طائفي، في مشهدٍ يُذكرنا بمجازر الساحل، دون التمييز بين مسلحٍ ومدني وطفل وامرأة ومُسنّ، وهو ما أكده القتلة بأنفسهم عبر نشرهم لمئات مقاطع الفيديو التي تُظهر إهانتهم ومعاقبتهم لكل من وقع في أيديهم، ابتداءً بحلق شوارب الشباب والشيوخ، وترديد العبارات الطائفية المشحونة بخطاب الحقد والكراهية والتوعد بذبح وسفك دماء “الدروز الخنازير”، مروراً بإهانة الرموز الدينية وخطف النساء وتمزيق صور الشيوخ والمجاهدين ودوسها وتحطيمها بالأقدام، وليس انتهاءً بالانتهاكات الإنسانية الفاضحة وعمليات التدمير والنهب والإعدامات الميدانية والمجازر الجماعية.
حتى اليوم يصعب الحصول على رقمٍ نهائي لأعداد الضحايا التي تجاوزت الألف وأربعمائة، وذلك نتيجة صعوبة الوصول إلى مئات الجثث المتناثرة في القرى المنكوبة، وعدم معرفة مصير كثير من المفقودين. ولو أردنا الحديث فقط عن المجازر الجماعية وعمليات القنص والتصفية الميدانية لاحتجنا لعشرات المقالات، لذا سنكتفي بالحديث عن بعضها.
“تالا يا عمري سامحيني لقد خذلتكِ ولم أحميكِ، خذلكِ الوطن، خذلكِ ما كنا نسميها ثورة، ولم تري منها سوى الظلام والموت، هل تألمتِ عندما اخترقت الرصاصة رأسك؟ ماذا أقول للغيتار والكمان؟ من سيعزف عليهما بعدك؟ ماذا أقول لدفتر الرسم والألوان؟” تلك الكلمات هي جزء مما نشره المهندس حسام الشوفي على صفحته في فيسبوك، ناعياً طفلته التي قَضَت برصاصة قناص. تالا عازفة الكمان والغيتار، التي لطالما رافقت والديها إلى ساحة الكرامة، خلال المظاهرات التي نادت بإسقاط نظام الأسد، ورفعت لافتات تُندّد بقتل المدنيين وتحلم بوطنٍ لجميع السوريين، تالا التي كتبت ولحّنت وغنت أغنية لسوريا الجميلة، التي حلمت بولادتها بعد سقوط نظام الأسد.
خلال نزوحها مع عائلتها، هرباً من الموت، لم تتمكن عازفة الكمان الطفلة غنى هلال من اصطحاب الكمان معها، لكنها، وبحسب ما قالته والدتها، وضعت في حقيبتها، إلى جانب ثيابها، دفتر الرسم والألوان، لعلها كانت تأمل أن تتمكن من ممارسة هواية الرسم في مكانٍ ما، أو ربما أرادت أن تُجابه سلاح القتل بسلاح ألوانها، لكن رصاص القناص كان أقوى من شغفها بالحياة. أصابتها إحدى رصاصته في عنقها، وهي جالسة في حضن والدتها، داخل السيارة التي كانت تنقلهم. أمالت رأسها على كتف والدتها وفارقت الحياة على الفور.
في مشهدٍ مشابه، قد تعجز السينما عن صناعته، وخلال محاولة عائلتها مغادرة المدينة نحو مكانٍ قد يكون آمناً، اُصيبت الطفلة تالا العبدالله مع جدتها برصاصة قناص. الرصاصة الحاقدة اخترقت كتف الجدة واستقرت في رأس الطفلة لتنهي حياتها.
خلال تعرض مدينة السويداء للقصف، وفي محاولة للنجاة من الموت، خرجت الطفلة تايلا الحمود (التي لم تكمل عامها الأول) من المدينة مع والدتها وعدد من أفراد العائلة باتجاه مدينة شهبا، وبحسب شهادة والد الطفلة، تعرضت السيارة التي كانت تنقلهم لإطلاق نارٍ، دون سابق إنذار، من قبل دورية تابعة لجهاز الأمن العام، ما أدى لاستشهاد تايلا مع خالها وجدتها.
وفي مصادفةٍ قد لا تحدث إلا في الروايات والأفلام: نجت الطفلة جودي عمار زغيبة من مجازر بانياس/ القصور (التي وقعت بحق أبناء الطائفة العلوية) بعد مقتل عددٍ من جيرانها بذات المبنى التي كانت تقطنه، لكنها قُتلت في إحدى المجازر التي ارتكبت بحق أبناء الطائفة الدرزية في السويداء، المدينة التي انتقلت إليها هرباً من الموت وطلباً لحياة آمنة.
في إحدى الشوارع صادف بعض المسلحين رجلاً مُسنّاً يسير بخوفٍ وارتباك، فسأله أحدهم: أنت درزي؟ وفي محاولة يائسة للنجاة، وظناً منه أن جوابه قد يُنجيه من الموت المُحقق، أجاب الرجل بذعر: “أني رايح جيب خبز“، وقبل أن يُنهي جملته قاطعه رصاص المُسلحين، الذي امتزج بقهقهاتهم وعباراتهم الطائفية.
أحد مشاهد القتل الطائفي ذكَّرنا بمجزرة التضامن التي ارتكبتها عصابات الأسد بحق عدد من المدنيين: يُظهر المشهد ثلاثة شُبان (طبيبان ومهندس) من عائلة عرنوس، أخرجهم المسلحون إلى شرفة منزلهم تحت تهديد السلاح، ثم أجبروهم على إلقاء أنفسهم من الشرفة، وخلال سقوطهم أطلقوا النار عليهم، تماماً كما حدث خلال مجزرة التضامن، التي طُلب من ضحاياها أن يسيروا نحو حفرةٍ كبيرة ليتم إطلاق النار عليهم خلال سقوطهم بداخلها.
وفي واحدٍ من أقسى المشاهد وأكثرها إيلاماً، يصور القتلة رجلاً يدعى منير الرُجمة وهو يجثو أمام إحدى مدارس بلدة الثعلة. يسألونه: أنت درزي؟ فيجيبهم بصدقٍ وألم: سوري أنا يا أخي. ولأن القتلة لم يفهموا ما قاله الرجل الضحية، ولا يعنيهم إن كان سورياً، أعادوا السؤال بنبرةٍ صارمة وتهديدية: أنت درزي؟ الرجل الذي تبوح عينيه بمدى صدقه، لم يستطع أن يُنكر من هو، وبمجرد أن أجاب:”يا أخي أنا درزي” إنهارت عليه طلقات الحقد ليُقتل على الفور هو و”سوريته” التي ظنَّ أنها ستنقذه.
رغم سنوات عُمره الذي تخطى الثمانين، ورغم جلوسه إلى كرسي متحرك وعجزه عن المشي وإصابته بمرض السكري، لم يرأف القتلة بحال الشيخ حسين أبو محمود، بل تفنّنوا في قتله، خلال اقتحام منزله، فقاموا بتقييده إلى الكرسي الذي يجلس عليه أمام بيته، وأطلقوا النار عليه، ثم قاموا بإحراق جثته، في مشهدٍ يعكس مدى حقدهم وشهوتهم للانتقام.
لم يشفع لمضافة آل رضوان تاريخها الوطني واستقبالها للنازحين والمعارضين الهاربين من بطش نظام الأسد البائد، إذ تعرضت لمجزرة مروعة بعد اقتحامها من قبل مسلحين أعدموا جميع من كان بداخلها (أكثر من 10 أشخاص) رمياً بالرصاص، بتهمة أنهم دروز، لتمتزج دماؤهم مع القهوة التي اندلقت في المكان بعد أن حطَّم الرصاص أباريقها. قبل تلك المجزرة، وللمصادفة المؤلمة، قام بعض المسلحين، خلال اقتحامهم للمدينة، بتحطيم وتفجير تمثال المجاهد حسين مرشد رضوان باني تلك المضافة، وأحد أبرز المناضلين ضد الاحتلال الفرنسي.
تلك المجزرة هي واحدة من المجازر الجماعية التي ارتُكبت لأسباب طائفية بحق عائلات بأكملها، ومن بينها عائلة بدرية، مزهر، الأشقر، وعائلة سرايا التي يحمل أحد أبنائها الجنسية الأمريكية، وعائلة بدر التي ينتمي إليها وزير الزراعة المهندس أمجد بدر، إذ تعرض نحو عشرة مدنيين من عائلته إلى عملية تصفية ميدانية، على يد مسلحين يرتدون زياً عسكرياً، داخل مضافةٍ للعائلة بالقرب من ساحة سمارة، بعد دخول قوات الأمن العام وعناصر وزارة الدفاع إلى المدينة في 15 تموز.
وللمفارقة المؤلمة، كثير من ضحايا المجازر كانوا ممن ينتمون للثورة السورية ومن أشد معارضي الأسد ومن رواد ساحة الكرامة. لم يسألهم قاتلوهم عن موقفهم السياسي والوطني، وإنما قتلوهم فقط لأنهم دروز، ومن بينهم الإعلامي بهاء الحناوي، والمهندس أنيس ناصر، والفنان التشكيلي توفيق شيا وغيرهم الكثير والكثير.
حالات اختفاء واختطاف للنساء
وثَّق العديد من نشطاء السويداء اختفاء نحو 80 امرأة وفتاة، يُرجح أن معظمهن قد تعرّضن لعمليات اختطاف من قبل بعض المجموعات المسلحة التي اقتحمت المحافظة، وهو ما أكده كثير من الشهود والفيديوهات التي صورها ونشرها الخاطفون بأنفسهم، إذ أظهر أحد تلك الفيديوهات مجموعة من النساء المحتجزات لدى مجموعة مسلحة، يتحدث أحد أفرادها عن إمكانية مبادلتهن بالأسرى الذين وقعوا في أيدي أبناء المحافظة، وفي مقطع فيديو آخر ظهر بعض مسلحي العشائر يدَّعون حمايتهم وإنقاذهم لمجموعة من النساء المحتجزات في أحد البيوت، إلا أن ملامحهن وهيئاتهن كانت تُظهر أنهن تعرضن لعملية اختطاف. وقد أظهر مقطع فيديو، من تقرير للتلفزيون العربي، إحدى عمليات الخطف على الهواء مباشرة، لثلاث نساء وطفلة يجلسن في سيارة لمسلحي العشائر، الذين ادّعوا أنهم أخرجوا النساء من المدينة بغرض حمايتهن، وعند سؤال المراسل لإحداهن عن حقيقة الأمر، أجابت بخوف وارتباك: “هني طلعو جابونا”، في مشهدٍ يُظهر أنهن اختطفن من بيتهن عنوة.
وبعد ظهور السيدة ماجدة ريدان مع ابنتيها وحفيدتها في فيديو نشره أحد مسلحي العشائر، الذي كان يدعي نقلهن إلى المستشفى بغرض علاجهن، تم تأكيد عملية اختطافهن من خلال مقابلة مع السيدة ماجدة (بعد تحريرهن من الخطف في عملية تبادل للأسرى) التي تحدثت عن تفاصيل اختطافهن من قريتهن (رضيمة اللواء) وعن نقلهن إلى محافظة حماة، التي بَقين فيها لعدة أيام. وقد تم تسليمهن للأمن العام خلال عملية التبادل، ومن ثم عدن إلى المحافظة عن طريق الهلال الأحمر.
أكثر من 35 قرية لم تعد صالحة للعيش
أدت الحملات العسكرية وما تبعها من هجماتٍ واقتحاماتٍ إلى تدمير وإحراق ونهب أكثر من 35 قرية، بالإضافة إلى أجزاء كبيرة من مدينة السويداء، حيث تعرضت جميعها إلى قصف بالأسلحة الثقيلة وقذائف الهاون والمسيرات، هذا إلى جانب ما تعرضت له خلال عمليات الاقتحام من تخريبٍ مُمنهج. وقد أدى ذلك كله لإحداث كارثة إنسانية كبيرة وتهجير أكثر من 100 ألف شخص، نزحوا إلى مدينتي شهبا وصلخد وبعض قرى وبلدات الريف الجنوبي، ومازالوا يعيشون حتى اليوم في مراكز الإيواء والمدارس والمقامات الدينية وفي كثير من البيوت التي قامت باستضافتهم.
من مدخل المحافظة الشمالي حتى بلدة أم الزيتون، ولمساحة تمتد لنحو أربعين كيلو متراً، جميع القرى المنتشرة محاذاة طريق دمشق السويداء أصبحت منكوبة ولم تعد صالحة للعيش وتم تهجير جميع سكانها، ومن بينها قرية الصورة الكبيرة، رضيمة اللواء، السويمرة، ذكير، لاهثة، الصورة الصغيرة، الخالدية، المتونة، خلخلة، أم حارتين، حزم، وغيرها.
المصير ذاته تعرضت له معظم قرى الريف الغربي والمحاذية لمحافظة درعا، ومن بينها، قرية الثعلة، الدور، المزرعة، الطيرة، الدويرة، تعارة، لبين، حران، نجران، قراصة، داما، المجدل، المجيمر، ريمة اللحف، ولغا وغيرها.
ولم تقتصر الهجمات المسلحة على حرق وتدمير ونهب البيوت والمقامات الدينية والسيارت والمحلات التجارية وغيرها، بل طالت أيضاً البنى التحتية و جميع مرافق الحياة في كثير من القرى، إذ تم تخريب وتدمير شبكات وأعمدة الكهرباء والبنى التحتية للمياه، إلى جانب تدمير معظم الآبار والخزانات المركزية الكبيرة، في أغلب المناطق التي سيطرت عليها الفصائل والمجموعات المسلحة، من خلال تفجيرها بالألغام والمتفجرات أو تخريبها ونهب معداتها، ومن بينها آبار قرية الثعلة التي كانت تزود مدينة السويداء بـنسبة 70% من مياه الشرب. ولم تنجُ خزانات المياه المنزلية بدورها من عمليات التخريب والتدمير الممنهج، في محاولة واضحة لحرمان الناس حتى من مياه الشرب. كل ذلك حدث في ظل أقسى موجات الجفاف التي تشهدها عموم البلاد، والتي أدت إلى نضوب معظم مياه السدود الحيوية في المحافظة، كسد الروم والجوالين والعين وغيرها.
وفي محاولة واضحة للانتقام من جميع سكان المحافظة، تم إحراق صوامع الحبوب في بلدة أم الزيتون وتخريب المطحنة المركزية التي تمدُّ عدداً من الأفران بمادة الطحين، كما تم نهب وحرق الكثير من الصيدليات ومستودعات الهلال الأحمر وسيارات الإسعاف، وخاصة في مدينة السويداء، ولم ينجُ المستشفى الوطني للمدينة من عمليات القصف والاقتحام والحصار، التي أدت لخروجه عن الخدمة لعدة أيام، ولحدوث أزمة إنسانية وطبية كبيرة ولتراكم الجثث في الممرات وفي العراء، هذا عدا عن الانتهاكات والإعدامات الميدانية التي ارتكبت بحق عدد من المصابين والكوادر الطبية.
ولاتزال محافظة السويداء، حتى اليوم، تعيش أوضاعاً إنسانية كارثية، وأزمات معيشية قاهرة، في ظل نقص المواد الغذائية والأدوية والطحين ومياه الشرب، وغياب المحروقات والوقود، وانقطاع الكهرباء، وكل هذا يحدث في ظل استمرار الحصار الخانق المفروض على المحافظة، منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، وإغلاق كافة الطرق المؤدية إليها من دمشق ودرعا، حيث يقتصر دخول الإمدادات والمساعدات على بعض القوافل الإغاثية التي تُدخلها منظمة الهلال الأحمر وبعض المنظمات الإنسانية عبر طريق بصرى الشام /السويداء، الذي بات معبراً إنسانياً وحيداً، وضمن كميات محدودة وإسعافية، لا تكفي لسدّ جزء بسيط من احتياجات المحافظة.