بواسطة طارق علي | ديسمبر 13, 2025 | Cost of War, News, Reports, Roundtables, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات قصر المهاجرين.
في ذلك العام، قرّر الأسد إزاحة ابن خاله رامي مخلوف تمامًا عن المشهد الاقتصادي، في خطوة واحدة ومفاجئة، أعقبها عزله الكامل عن أي نشاط اقتصادي أو تجاري، ومصادرة أصول أمواله وشركاته وتجميدها، وهي التي كانت تُعدّ بالمئات. كان رامي مخلوف وريث عائلة مخلوف الإقطاعية تاريخيًا، والمنحدرة من قرية بستان الباشا في قضاء جبلة بريف اللاذقية. وإضافة إلى هذه التركة الكبيرة، ورث عن والده محمد مخلوف (خال بشار الأسد) إدارة الاقتصاد السوري بكل مفاصله وتفصيلاته وعقوده واحتكاراته.
أحد الذين عملوا ضمن الدائرة الضيقة لرامي مخلوف، ويقيم اليوم في دبي، قال لـ«صالون سوريا»، مفضّلًا عدم الكشف عن اسمه، إن «رامي مخلوف لم يكن رجلًا نشأ من العدم؛ فقد شارك في تربيته والده وحافظ الأسد معًا. ومع استلام بشار الأسد الحكم عام 2000، انتقلت مفاتيح السلطة السياسية إلى الأسد الابن، فيما آلت مفاتيح السلطة الاقتصادية إلى مخلوف الابن. ولم يُمنح رامي حينها امتيازات أو تفضيلات تميّزه عن بقية التجّار السوريين أو المستثمرين الأجانب، بل مُنح الاقتصاد السوري كاملًا، دون نقصان ولو بمقدار ذرّة، ليصبح هو من يوزّع فتات الكعكة على بقية التجّار».
وأضاف المصدر: «كان مطلوبًا من مخلوف، بالضرورة، أن يترك استثمارات صغرى وغير حيوية لغيره، حتى وإن بلغت قيمتها مليارات الدولارات، لكنها لم تكن تُشكّل شيئًا يُذكر في موازين الربح والخسارة لديه. هكذا صار واحدًا من أقوى رجال الاقتصاد في العالم العربي، ومنافسًا محتملًا لأثرياء العالم. غير أن السلطة، بوصفها سلطة تُطوّع ذراعًا ماليًا خارج مؤسساتها لسدّ فراغاتها، ووفق فكرٍ عصبيٍّ وتعصّبيّ، لم تكن تسمح، حتى في آخر لحظاتها، بالكشف عن ملاءتها المالية، باستثناء الإعلان السنوي عن الموازنة العامة».
تلك الموازنة، التي أشار إليها المصدر نفسه، كانت موضع شكّ دائم، إذ بقي النفط خارجها لعقود طويلة، ليُسوَّق جانبيًا تحت مسمّى «مكتب النفط» في رئاسة الوزراء. وكان عبد الرؤوف الكسم ومحمود الزعبي، رئيسا الحكومات السورية بين عامي 1980 و2000، من أبرز من أتقنوا إدارة هذا الملف.
في عهد بشار الأسد، كان أكثر ذكاءً في إدارة ملف النفط، وأكثر غباءً فيما عداه، وفق توصيف أشخاص عملوا معه. فقد أعلن عن كميات الإنتاج السنوي، وما يُخصّص للاستهلاك الداخلي، وما يُصدَّر إلى الخارج، غير أنّ الواقع بقي على حاله: عائلتا مخلوف–الأسد تديران القطاع وفق منطق الربح الفردي، دون أن يجرؤ أي سوري على السؤال. ولأجل تطوير القطاع، أُدخلت شركات أجنبية، لكنّ السلطة استحوذت على الحصص الأوسع منها، فيما كان رجال الدولة، في قصورهم، شركاء حتى في «حصة الطير من صيده».
بداية الانهيار الداخلي
في صيف عام 2019، وتحديدًا في شهر آب/أغسطس، وضعت السلطات السورية يدها على جمعية «البستان» الخيرية، العائدة بملكيتها إلى رامي مخلوف، والتي كانت تتبع لها قوة عسكرية كبيرة تُعرف باسم «قوات البستان». وصدر قرار متزامن بحلّ الجمعية والقوة التابعة لها، وصرف عشرات الآلاف من مقاتليها.
وفي نهاية العام نفسه، صدر قرار بالحجز على جميع أموال مخلوف وزوجته وأولاده، بتهم تتعلق بالتهرّب الضريبي والتربّح خلال الحرب. كما طالت العقوبات المحلية أصول أمواله وكيانات شركاته في الخارج.
ومع بداية عام 2020، فُتح ملف شركة «سيرياتيل»، أكبر وأضخم شركة تُدرّ عوائد مالية عالية تصبّ في حسابي السلطة ورامي مخلوف معًا. وعمليًا، تُعدّ «سيرياتيل» واحدة من شركتي الاتصالات الوحيدتين في سوريا: الأولى مستحوذ عليها بالكامل، والثانية، بشكلٍ أو بآخر، تعود ملكيتها إلى السلطة أيضًا. في هذا السياق، كان مخلوف عرّاب قطاع الاتصالات، ومع فقدان السلطة المركزية سيطرتها على منابع النفط والغاز الرئيسية في شمال شرق سوريا بعد عام 2011، إضافة إلى معارك حقول تدمر مع تنظيم «داعش»، باتت عوائد الاتصالات الباهظة تشكّل العمود الفقري للاقتصاد السوري، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ«بترول البلد»، كما يُوصف في البلدان التي لا تمتلك موارد نفطية وتعتمد على قطاعات أخرى لتعويض أرباحه المفترضة.
في 30 نيسان/أبريل من العام نفسه، قرّر مخلوف الخروج إلى العلن عبر فيديو مطوّل، شرح فيه للمرة الأولى ملابسات ما جرى. ومن مكان إقامته الإلزامية، وعبر سلسلة مقاطع مصوّرة متعاقبة ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأ مخلوف برفع سقف خطابه، كاشفًا الأسرار والخبايا، ومخاطبًا ابن عمته بلسان العاتب، قبل أن يتحوّل خطابه لاحقًا إلى هجومٍ صريح، بعد أن فقد أي أمل في استعادة ما كان يراه حقّه وجنى عمره وتعبه، ولا سيما بعد أن جرى «تشليحه» من كل شيء تقريبًا.
خلف الكواليس
لم يكن الخلاف بين رامي مخلوف وبشار الأسد ليقع، نظريًا، تحت أي ظرف. فقد شكّلا، لسنوات طويلة، جناحين للسلطة: أحدهما للسياسة، والآخر لضمان ديمومة الاقتصاد المُنقِذ، ولو في حدوده الدنيا. غير أنّ شيئًا ما تبدّل في لحظة مفصلية، حين طالب بشار الأسد رامي مخلوف بمبلغٍ مالي ضخم لتسديد ديون واستحقاقات وضرائب شخصية. هذا الطلب لم يلتفت إليه السوريون جيدًا في حينه، لكنّ الدائرة المقرّبة من مخلوف شرحته لاحقًا بتفصيل، ولا سيما بعد سقوط النظام.
وبحسب تلك الدائرة، فإن رفض مخلوف الدفع، انطلاقًا من اعتقاده بأن الدولة قائمة أساسًا على أكتافه، أشعل شرارة الصراع. ولم تكن تلك الحرب، في جوهرها، بين نسيبين كما بدا ظاهرًا، بل كانت أعمق من ذلك بكثير. فقد أكّدت مصادر مقرّبة من مركز القرار آنذاك، ما صار واضحًا لاحقًا، من أنّ أسماء الأسد، المحسوبة بشدّة على الجانب الروسي، رتّبت كل شيء لإقصاء مخلوف جانبًا، والاستيلاء على ممتلكاته، وعلى الأرباح القادمة من مختلف القطاعات والشركات والاتفاقيات.
ورغم أنّ الإعلان الدستوري الجديد يجرّم المديح في آل الأسد، لم يكن واضحًا ما إذا كان رامي مخلوف مشمولًا به، ولا سيما في ظل تسريبات صحافية تحدّثت مؤخرًا عن لقاء جمع أحد أشقاء الشرع بمخلوف خارج سوريا، لبحث إجراء وساطة تسوية لا تزال شديدة التعقيد. وتُحاول تركيا رعاية هذه الوساطة، فيما يسعى الشرع إلى التهرّب منها، خشية نقمة الشارع على حكمه.
المهم في كل ذلك أن التاريخ لا ينسى. فلا يختلف اثنان على أنّ مخلوف كان داهية في الاقتصاد، وفي الوقت نفسه لصًا وناهبًا ورجل مافيا. لكنه فعل ما لم يفعله غيره بالطريقة ذاتها؛ إذ رهن جمعيته الخيرية «البستان» لإجراء عمليات جراحية وغيرها، مهما تعاظمت تكلفتها، لكل محتاج، ومن أي طائفة كان.
يقول الدكتور ماهر حمّور، الذي عمل ضمن مجموعة مخلوف وكان مطّلعًا على هذه الملفات، لـ«صالون سوريا»: «بمعزل عن قِصر ذاكرة الشعوب، فإن الجمعية بالفعل أجرت عشرات وربما مئات آلاف العمليات للمحتاجين من مختلف الانتماءات. إلى جانب ذلك، كانت تتكفّل بتوزيع حصص مالية وغذائية شهرية للمحتاجين ولكل من يقصدها. وبهذا تحقّق المثل القائل: “كان يعطي من الجمل أذنه”. لكنه، على الأقل، كان يعطي؛ يسرق كثيرًا ويعطي قليلًا. أما بقية رجالات الأسد، فكانوا يسرقون كثيرًا ثم كثيرًا».
ويضيف حمّور: «مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ من يعرف بشار الأسد عن قرب كان يدرك أنّه ربما واحد من أبخل قادة التاريخ، هو وزوجته، وقد عرفتهما عن قرب. وبالعودة إلى مخلوف، ومساعداته ومنحه، فإنه، في الوقت نفسه، قضى على الاقتصاد الحر، وتسبّب في هجرة آلاف الصناعيين والتجّار والمستثمرين. كانت أرباحه تعنيه على صعيده الخاص لا على صعيد تطوير البلد. ومن هذه الزاوية، يرى كثير من السوريين أنّ الجمعية كانت غطاءً لقول كلمة “شكرًا” له، فيما ترحّم آخرون عليه بعد إبعاده عن المشهد».
صاحبة التاج
منذ زواج أسماء الأخرس، الفتاة الحمصية التي كانت تعمل في أحد المصارف في بريطانيا، من وريث الحكم الأسدي في سوريا، نظرت إلى نفسها بوصفها صاحبة التاج والملك. لم تتعامل يومًا مع البلاد كجمهورية، بل كإقطاعيةٍ ملكية.
ومع مرور السنوات، ازدادت قدرتها على التأثير في زوجها وسلوكه، وبدأت تنشط في قطاعات إغاثية وتنموية كبرى، ليتصدّر اسمها واجهة الأخبار، حتى مُنحت قسرًا لقب «سيدة الياسمين». غير أنّ لقبها في المجالس السورية الضيّقة كان «سيدة الصبّار»، بحسب ما قالت رقية الأحمد، التي عملت في إحدى مؤسسات أسماء خلال الحرب، لـ«صالون سوريا».
عمليًا، لعبت أسماء الدور الأكبر والحاسم في توجيه الضربة القاضية لرامي مخلوف. ولم تكن تلك الضربة ارتجالية تُدخل البلاد في فراغٍ اقتصادي تاريخي، بل جاءت ثمرة إعدادٍ سابق، سبق الخلاف برمّته، وتهيئةٍ لما بعده. ومع إخراج مخلوف من المشهد على نحوٍ فوري، عرف السوريون بوجود مكتب داخل القصر يُعرف باسم «المكتب السري»، وهو عمليًا «المكتب الاقتصادي» الذي أُنيطت به مهمة الحلول مكان مخلوف، ولكن هذه المرة لتركيز الثروات كلّها في اتجاهٍ واحد: القصر الرئاسي.
أدار هذا المكتب أحد المقرّبين من أسماء الأسد، وهو يسار إبراهيم، إلى جانب أربعة آخرين، من بينهم فارس كلاس، المدير العام السابق للأمانة السورية للتنمية التابعة لأسماء، ورجل الأعمال المعروف خضر علي طاهر، الشهير بـ«أبو علي خضر». بدأ الأخير حياته بائعًا للدجاج، لتصنع منه الحرب وأسماء لاحقًا اسمًا اقتصاديًا موازيًا لمخلوف، متدرّجًا عبر شبكة العلاقات والمعارف وصولًا إلى دائرة القرار، من دون امتلاكه أدنى مقوّمات الذكاء الاقتصادي–الاستراتيجي، إذ اقتصر دوره على الحصاد والابتلاع والجباية، وهي نقطة قوّته الوحيدة.
كان «أبو علي خضر» أقوى ذراع في مكتب يسار إبراهيم، فأُنيطت به إدارة المعابر، وجمارك السيارات، والتبغ والدخان، والهواتف الخلوية، والمشروبات الكحولية، والمواد الغذائية، فضلًا عن ابتزاز التجّار وإدارة الملفات الجمركية عمومًا. وقد قاد ذلك إلى عملية إعادة تسعير شاملة، كانت بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير.
لماذا قصمته؟ يجيب الأستاذ السابق في كلية الاقتصاد نجيب سليمان قائلًا: «لأن إزاحة مخلوف بين عامي 2019 و2020، وولادة المكتب السري، تزامنتا مع جائحة كورونا وسريان تطبيق “قانون قيصر”. ومع غياب الرؤية التنموية وخطط المعالجة وضرورة العمل على التعافي المبكر، اجتمعت هذه العوامل كسيارةٍ تسير بسرعة هائلة لتقود أكثر من 90 في المئة من السوريين إلى ما دون خط الفقر»، بحسب تأكيدات الأمم المتحدة.
أسماء تحكم وتدمّر
سارت أسماء الأسد على نهج زوجها ووالده، وعلى خطى الأنظمة الشمولية عمومًا. فلطالما اختارت رجالها من المطيعين وأصحاب الولاءات المثبتة، مقابل تأمين الحماية لهم وإسنادهم والسماح لهم بالاستفادة الجزئية. وهذه الاستفادة، على محدوديتها، أتاحت لبعض رجالاتها جمع مئات ملايين الدولارات وأكثر. والسؤال الذي ظلّ يتردّد بين السوريين: كم كان في سوريا من مال، فيما الشعب لا يجد رغيف خبز؟
بعد الأحداث التي وقعت بين عامي 2020 و2024، وما خلّفته من تأثير بنيوي عميق جرّاء تفكيك «الاقتصاد العميق» للدولة، واعتماد منطق التجربة بدل الرؤية، بدأ بشار الأسد يفقد، شيئًا فشيئًا، أهليته الشرعية في الشارع، وحتى بين مناصريه ومواليه شعبيًا وطائفيًا. فالناس الذين اقتنعوا، يومًا، بأن البلاد تتعرّض لمؤامرة، وأن الوقوف إلى جانبه ضرورة وطنية، باتوا يرون بوضوح أنّه لم يعد مكترثًا بأحوالهم.
وقد أتاح توقّف حرب الجبهات عمليًا، وفق مساري أستانا وسوتشي عام 2018، فرصةً مثالية للبناء والإنعاش. غير أنّ المقارنة التي عقدها الناس لاحقًا كانت فادحة: إذ يرون أن «هيئة تحرير الشام» استغلّت الفترة بين 2018 و2024 في التجهيز والتدريب والتحضير للحظة الحاسمة، بينما قضى الأسد على مواليه وجيشه، وأدخلهم في متاهة غير مسبوقة من الجوع والحرمان والتضييق، وصارع حلفاءه، ورفض مصالحة خصومه، وتعامل مع نفسه بوصفه زعيمًا منتصرًا بكل المقاييس.
ومع مرور الوقت، بات واضحًا أن اهتماماته، هو وزوجته، انحصرت في جني المال، المال وفقط. ويرى السوريون في ذلك العلامة الفارقة والنهائية التي مهّدت لسقوط النظام القمعي بعد سنوات طويلة.
ديوك الحي
تحدّث كثير من السوريين، علويين وسنّة، ومن مختلف الشرائح الاجتماعية، لـ«صالون سوريا» عمّا فعلته بهم أسماء الأسد وزوجها والسلطة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2024. ففي تلك السنوات، كان الأمن العسكري وأمن الدولة مكلّفين بضرب أي مصلحة تجارية، صغيرة كانت أم كبيرة، بأساليب أقرب إلى عمل العصابات: اعتقال أصحابها، وفرض فديات مالية لإطلاق سراحهم، وصلت أحيانًا إلى مليارات الليرات السورية، فضلًا عن احتجاز نحو 150 تاجرًا من دون تهمة في فرع المداهمة «السرية 215 أمن عسكري – دمشق»، بغرض الابتزاز، وذلك في الربع الأخير من عام 2023.
الصادم في تلك الوقائع أنّ عمليات الاعتقال والابتزاز جرت، وفق مصادر مطّلعة، من دون علم أسماء الأسد أو زوجها. فقد نُفّذت بتشاركٍ مباشر بين «أبو علي خضر» واللواء أسامة صيوح، رئيس الفرع. هذا الأمر استدعى لاحقًا نقمةً عارمة من القصر تجاه الطرفين، بعدما تبيّن أنهما شرعا يعملان لحسابهما الخاص في الظل. وعلى إثر ذلك، صودرت أموال «أبو علي خضر» وطُبّقت عليه إجراءات عزل وعقوبات مشابهة لتلك التي فُرضت سابقًا على رامي مخلوف، فيما أُودِع اللواء أسامة السجن، قبل أن يهرب ليلة «التحرير» إلى لبنان، حيث يقيم حاليًا.
«أنا أو أحرق البلد»
في الصحافة، ثمّة حيّزٌ يسمح بالتوثيق لا بالتدخّل أو الإملاء. وخلال سنوات طويلة من الحرب، امتلك بشار الأسد قاعدة شعبية واسعة داخل سوريا، كانت المسيرات المليونية تعبّر عنها أحيانًا، كما عكستها أعداد القوات العاملة والمتطوّعة، وآراء شريحة من السوريين التي رأت فيه ضمانةً وصمّام أمان. وكان ذلك كلّه، في حينه، جزءًا من حق التعبير المكفول.
غير أنّ هؤلاء أنفسهم، اليوم، ينظرون إليه – بحسب تعبيرهم – بوصفه «لصًا هاربًا بخيرات سوريا»، تركهم بلا سند أو حماية، فيما كان قادرًا، في أي لحظة، على المغادرة. ويرى كثيرون أنّ هذه القناعة لم تولد لحظة السقوط، بل بدأت تتشكّل قبل ذلك بوقت طويل.
يتساءل مناصرون سابقون للأسد عمّا إذا كان قد هرب في نهاية المطاف تحقيقًا لشعار «أنا أو أحرق البلد». ولماذا لم يسلك مسار القرار الدولي 2254 الصادر عام 2015، والذي بقي متاحًا أمامه حتى لحظة رحيله؟ ولماذا لم يكن أكثر شجاعة ووطنية في الأشهر والسنوات الأخيرة، حين كان بوسعه نقل السلطة، أو التفاوض، أو حماية من وقفوا إلى جانبه، أو الانخراط في تسويات إقليمية، أو التوقّف عن استعداء شريحة واسعة من السوريين المعارضين له؟
قبيل هروبه، كان في متناول يده الكثير ممّا لم يفعله: الجلوس إلى طاولة تفاوض، حماية حلفائه، الانفتاح على المسارات الإقليمية، والتخفيف من كلفة العداء الداخلي. غير أنّ ذلك لم يحدث.
خلاصة القول، كما يراها كثير من السوريين اليوم، أنّ ما ظهر من بشار الأسد وزوجته لم يكن سوى أنانية ديكتاتور ترك خلفه مجتمعًا ممزّقًا، يتقاذفه الفقر، والانتقام، والتهجير، والاضطهاد، والأحقاد، والرغبة الجماعية في الهجرة ومغادرة الوطن.
وكما قال أحد سكّان طرطوس لـ«صالون سوريا»:
«بشار وزوجته كانا يصلحان، في أفضل الأحوال، لإدارة حديقة ملاهٍ. ومع ذلك، فاحتمال فشلهما كان كبيرًا، لأنهما كانا سيسرقانها، ولن يدفعا ليرة واحدة في تطويرها أو حماية عمّالها. وهذا تمامًا ما فعلاه، هما ورجالاتهما، في سوريا».
بواسطة علي جازو | ديسمبر 12, 2025 | Culture, Poetry, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
في ديوانها الجديد “مثل قلب على مدخل بيت” (دار أثر، 2025) تقدّم الشاعرة السورية هنادي زرقه شعرًا في حالته الأولى: شعرًا خامًا، يولد في البدء والمباشرة، ويستمد مادته وأنفاسه من سيرة الذات وأيامها المعاشة. الشعر هنا، نداء وجداني، محاورة النفس وتكثيرها بالتذكر والحنين والظنون والأحلام والشكوك والمخاوف، بما هو مستقر في قاع النفس ملتصق بها ولا يغادرها.
تجربة فعلية
تأتي الكلمات والعبارات من التجربة الفعلية، من الحياة المعاشة كما هي، من الإحساس الأوليّ، من الانطباع الفطري والآنيّ، مما هو خاطرة ويوميات، مما يشبه قصاً قصيراً، سرداً أقرب إلى مقاطع من سيرة. هو ذا شعر لا يتكل على عدة من خارجه. شعر قادم من الداخل الذي هو حياة متحولة وذكرى حياة. شعرٌ كهذا لا يجد فرقاً بين الحياة والكلمات، وهو على الأرجح يُلحم الاثنين يُطعّمهما ليغدُوا جديداً واحداً. شعرٌ يستنبت نفسه، يسقيها وينتظر إثمارها. لنقل إنه يُثمر من أي جهة طالما كانت معاشة ومختبرة. يأتي من الألم لكنه يتخطاه. شعرٌ هو بمكان ما يتنزه مع كلاب الوحدة.
تكتب هنادي كما تتحدث مع أصدقائها، كما تفكر وتشعر، كما تمشي وتشير، كما ترى وتتذكر. لا مسافة بين ما نتكلمه وما نكتبه. الفكر والشعر والسيرة والرؤية والتذكر أمر واحد، قصيدة. التأليف والترتيب الفنيان يأتيان على وقع ما نعيش وما عشناه. هنا نجد مثالاً أليفاً للشعر، مثالاً لا يأتي من الرمز أو التصعيد الجمالي أو التسامي الذاتي من خلال اللغة بما هي جوهر شعري ربما يبتعد عن مصدره وأصله. هنادي لا تبتعد عن المصدر “الأهلي” للشعر، عن التذكار العائلي والطفولي، عن نفسها كما كانت وكما هي الآن.
يأتي الشعر من الكلام المسموع والمقروء، مما قد تفتت وتناثر وهاجر، من الرحلة وركام التنقل والسفر والإقامة الجديدة. مصدر الشعر هنا ليس الكتب وحسب ولا القراءة فقط. كلمات الكَلام هي ما تصنع القصيدة، الكلمات بما هي حاجة وبما هي منهل وبما هي ناقل ورسالة ورجاء واستنطاق للصمت والعزلة والحيرة. لكن الشاعرة أيضاً تتكلم إلى نفسها، أو تسمع صوتها الذي لا تجد له مقابلاً في وجه آخر. الشعر والكلام هنا حاجة قبل أن يكون تأليفاً.
تأملات في اللحظة العادية
يتميز ديوان “مثل قلب على مدخل البيت” بلغةٍ حيةٍ قريبة، تنبثق من التجربة الشعورية المباشرة، مما يشبه ما نتداوله من كلمات وعبارات لا من التنظير أو الزخرفة اللفظية. الشعر ان ترى وتقول ما تراه. لا تجد هنادي في الكلام المتناقل، قد لا يكون بالضرورة كلامها هي نفسه، والحدث العادي ورؤية الأشياء اليومية ما يبعدها عن الشعر. على العكس هي تجد في اللحظة العادية والمتكررة ما يستدعي التأمل وما يجلب الانتباه. لا بلاغة استعراضية ولا تغريب. فهي لغة بسيطة، لكنها عميقة المنشأ الحسي إذ تعتمد على التفاعل الفوري مع اللحظة، فتسجّل الانفعال كما هو، دون أقنعةٍ أو تصنّعٍ. ليست البساطة شحّاً لغوياً، بل هي هنا اختيارٌ فني وتكثيف حسي، ما يجعل الكلمة تعبّر بصوت الفرد الذي ربما لم تبق غير الكلمات تصوّره وتحميه، تتحول إلى خلق ثان وثوب جديد.
الكتابة في هذا الديوان أقرب ما تكون إلى التصوير الفوتوغرافي، حيث تتحول القصيدة إلى لقطةٍ حيّةٍ، تلتقط تفاصيل الواقع المحيط. الكلمات هنا ليست رموزًا غامضة، بل هي صور ملموسة، تُمكِّن القارئ من رؤية المشهد وسماعه ولمسه.
هذه اللغة، بما تحمله من لمسٍ حسيٍّ ورجاءٍ دافئٍ وشكوى مريرةٍ، تُعبّر عن عمق التجربة الإنسانية التي تعيشها الشاعرة. فهي تجمع بين الأمل الصعب والإيمان الأصعب، بين الحلم والخيبة، وتنسج من هذه التناقضات نسيجًا شعريًا متماسكًا. لا مكان في هذا الديوان للمجاز الفضفاض أو الغموض المفتعل؛ فالمَجاز هنا ينبع من حرارة الشعور لا من صنعة البلاغة. وهكذا يصبح الديوان شهادةً على صدق القول الشعري وقدرته على الإمساك بجوهر الحياة في لحظتها الآنية.
تدوُّن هنادي كلمات قَصائدها كما تأتيها. هذا قد يعني أنها تكتب على السماع على ضوء الصدى، على نوعٍ من اليُسْر والتبسيط، على ما يتردد ويَتواتر في ذهنها. لكنها أيضاً تكتب وتنهل من معجم مرئي أمامها. من هذا المكان الجديد المتاح والمعاش والمفتوح أمام ناظريها. هي إذاً تسمع وترى وفي الآن تمزج المرئي بالمسموع في بنية واحدة في مقاطع صوتية قصيرة ومتتابعة.
نضارة اللاشكل
ليس ثمة شكلٌ واحد أو نموذجٌ شكليٌّ يتكرّر. فكل قصيدة، إذ تُكتب وتنمو، تبلغ خاتمتها من دون قيدٍ مسبق أو شرطٍ شكليٍّ مفترض. وقد يوحي ذلك للقارئ بأن هنادي تنطلق من اللاشكل، أو بأن البنية النهائية للقصيدة ليست ذات أولوية. الأهم هنا هو القول والكتابة وإيجاد المعنى؛ الأهم هو هذا الحوار الداخلي والنداء الذاتي، وإخراجهما إلى نور الكتابة ونهار القصيدة.
يحضر في هذا الديوان العالمان المكاني والنفسي جنبًا إلى جنب، الذاكرة والحاضر. نرى الأمكنة القديمة والجديدة تتجاوَرُ كأنها وجوهٌ مختلفة للذات نفسها. ما هو نفسيٌ قرينٌ لما هو زمنيّ، أحدهما يشكل الآخَر ويُدخله في نسيجه ومحتواه. الدقائق مشاعر وحالات، الساعات والشهور مراحل وتحولات. برلين، على وجه الخصوص، تتجسد حضورًا كثيفًا، ليست مجرد مدينة، ليست انتقالاً جغرافياً، بل كيانٌ شعوريٌّ نابض: مدينة الكلاب والعزلة والأشجار الكثيرة، اللغات التي لا تتحول أو تقدر ان تكون لغة واحدة متاحة ومفهومة حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى إشاراتٍ عن الوجود الإنساني في أكثر حالاته هشاشة ووحدة وتخبطاً كما في قصيدة “حيوان أليف يدخن” إذ نقرأ “تجلسين على الشرفة لتدخّني. التدخين، في برلين، ممنوع داخل المنازل! تنصاعين مثل حيوان أليف. يخرج سنجاب من ثقب في أسفل الشجرة. سنجاب متردد. يقف. يحك قدمه ثم أنفه. يصعد. ينزل. يواصل الصعود والنزول اعتباطاً من غير هدف واضح. أو هكذا يبدو. يسقط على الشرفة المقابلة. يقف حائراً لا يعلم أي اتجاه يسلك إلى الثقب-البيت. ساعة بأكملها، تراقبين السنجاب في ضياعه. تبرد القهوة. تنطفئ السيجارة، فيما سنجاب الوحدة يحفر ثقباً في روحك/ تحاولين الولوج منه إلى بيتك هناك”.
سجل حياة
الشاعرة تكتب سجلّ حياتها الشعري، الحياة بما هي معاش يومي ومكابدة مزدوجة، مكابدة المعنى ولغة المعنى. ثمة الواجب وثمة صورته الماثلة والثقيلة، ثمة الجديد الطارئ والقديم الذي يرفض أن يتقادم ويبتعد ويندثر. ثمة النموذج المفترض، وثمة غواية اللا نموذج. هنا الحاضر البرليني وهناك والماضي السوري. لكن القصيدة غير قادرة على النجاة من ماضيها وماضي بلد الشاعرة. هي عالقة بين زمنين مُقسَّمة، دون أن تنتمي الى اي منهما على نحو كلي وناجز. السؤال الشعري سؤال في الانتماء والهوية يطوف حول الذاكرة، الحنين لا يكفيه جواباً والنسيان لا يشفيه. لا أحد يمد طوق النجاة، لا سند ينقذ الشاعر والشعر نفسه. القصيدة هي هذا التوهان هذا التأرجح المَرَضي، الانتقال غير المستقر بين زمنين وفكرتين. لكن هنادي تنقل هذه الاسئلة الحياتية والأدبية من عالم الفكر المجرد الى التجربة الفردية المحسوسة، وربما يكون الفرد هنا معياراً تُقاس به وعليه الحوادث ومعانيها.
لا بوصفه تذكّراً للأحداث، بل بوصفه تأمّلًا في الشعر نفسه، في كونه طريقة حياة لا مجرّد كتابة. الشعر عندها مواز للحياة، نسخة عنها، بل شرطها وسرها ودافعها الأول، فهو الدليل في التيه، والاختبار المرير في مواجهة معنى ينسف الإيمان الشخصي. إنه اعتراف وكتمان في آنٍ واحد، تردّدٌ دائم بين التذكّر والنسيان، بين الرغبة والندم. يبلغ الشعر هنا مرتبة النشيد الشفاهي، فهو خطابٌ وحوارٌ ونداء. الكلمة ليست غاية، بل تفصيلٌ للنداء نفسه، حياكةٌ للقول حول التجربة.
إن مجموعة قصائد “مثل قلب على مدخل البيت” ليست مجرد نصوص ذاتية، بل رحلة في الوعي الحسي والشعور الحرّ، رحلة تثبت أن الشعر، حين يكون صادقاً، ووليد تجربة وترحال يصبح شكلاً من أشكال العيش، ووسيلةً لمحاورة الذات مع وحدتها. الشعر هو هذا القِران المستولد من عزلات متراكمة، هذا التزاوج، هذه النجوى وهذا الإسرار بالدعاء “إلهي.. إلهي/لا أريد أن أكون غزالة أو فيلاً/ أعد لي جديلتي/وعيني الواسعتين/وفمي الكبير/وضحكة واحدة/ تخلخل هذا الموت الجاثم فوق صدري”.
بواسطة سالي موسى | ديسمبر 8, 2025 | Roundtables, العربية, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن “أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش”. من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم الناس بها العالم من حولهم. في هذا الإطار تصبح الأجهزة الأمنية والاستخباراتية جزءاً من هذا الاحتكار الرمزي؛ فهي التي تحدد ما يسمى تهديداً، وما يعرَّف استقراراً، ومن يقدَّم عدواً، ومن يُصاغ شريكاً. وحين تحتكر الدولة القدرة على تسمية الواقع، فإنها تحتكر في العمق القدرة على إعادة تشكيل الحقل السياسي نفسه.
من هنا ينبع سؤال هذا المقال: كيف أعادت لحظات التحول الكبرى التي عاشتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة تعريف وظيفة الاستخبارات، بحيث أصبحت فاعلاً يساهم في صياغة “حقيقة الشرق” وإعادة توزيع النفوذ؟
شكّل هجوم حركة “حماس” الفلسطينية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لحظة انهيار معرفي داخل البنية الاستخباراتية الإسرائيلية؛ فالجهاز الذي اعتاد تقديم نفسه بوصفه الأكثر اختراقاً لـ”الشرق” وجد نفسه أمام مأزق غير مسبوق؛ عمى شبه كامل عن استعدادات الحركة، وعن اللحظة التي ستتبدل فيها قواعد الاشتباك جذرياً. في قلب هذا الفشل برز ما جرى تجاهله سنوات طويلة وهو تآكل “المعلومة الإنسانية” داخل غزة بعد رهان شبه مطلق على التكنولوجيا.
يتضح حجم الانكشاف أكثر حين نتذكر أن الجنرال “أهارون هاليفا”، مدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، توجّه في خريف العام 2023 إلى مقر المخابرات الفرنسية في باريس، في زيارة كانت محاولة لتعويض نقص حاد في المعرفة. وبحسب مصادر فرنسية، احتفظت باريس بشبكة مصادر داخل القطاع، أثبتت قيمتها في اللحظة التي رأت فيها إسرائيل أن كل شيء ينهار. جزء من هذه الشبكة كان يمر عبر الفعاليات التي ينظمها “المعهد الثقافي الفرنسي” في غزة.
ووفقاً لمصدرين عملا في هذا الجهاز، توجه عناصر سريون فرنسيون لاحقاً أيضاً إلى غزة، هذه المرة تحت غطاء إنساني. تزداد الصورة وضوحاً حين نعلم أن دافيد برنياع، مدير جهاز الموساد، مرّ هو أيضاً بباريس قبل أيام من الهجوم، حاملاً ملفاً يتعلق بخطة تمويل لغزة لم يُكتب لها أن تستمر. كانت تلك التحركات اعترافاً بأن احتكار المعرفة داخل غزة لم يعد إسرائيلياً خالصاً، وأن باريس أصبحت – ولو بصمت – شريكاً معرفياً لا يمكن تجاهله.
مع ذلك، ورغم التقارب بين الجهازين الفرنسي والإسرائيلي، جرى استهداف المعهد الفرنسي في غزة بضربة إسرائيلية، ثم اقتحمت قوات الجيش الإسرائيلي المبنى، وصودرت ملفات ثقافية وأجهزة كمبيوتر تحتوي على معلومات مرتبطة بأنشطة استخباراتية كانت فرنسا تقوم بها داخل القطاع. هكذا تحوّل يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر من حدث أمني إلى لحظة أعادت توزيع القدرة على تسمية الواقع في غزة؛ من يملك المعلومة يملك المفاتيح الأولى لإعادة رسم خريطة التهديد.
ما حدث لإسرائيل في غزة وجد صداه – وإن بصيغة مختلفة – في التجربة الفرنسية في سورية. حين أغلقت باريس سفارتها في دمشق عام 2012، ظن صانعو القرار أنهم يتخذون موقفاً سياسياً وأخلاقياً ضرورياً. لكن الأجهزة رأت في هذه الخطوة خروجاً قسرياً من ساحة لا يمكن مغادرتها. أحد كبار المسؤولين في جهاز الاستخبارات قال لاحقاً، بحسب تقارير إعلامية فرنسية: “إغلاق السفارة جعلنا عمياناً وصمّاً في سوريا”. هذا الوصف يلامس جوهر ما يسميه بورديو “فقدان القدرة على تسمية الواقع”. فالدولة التي تفقد نافذتها على الميدان تفقد معها لغة تفسيره، فتضطر لاستعارة هذه اللغة من أجهزة أخرى.
بهذا المعنى أصبحت فرنسا تعتمد شبه كلياً على “جهاز الموساد” للحصول على المعلومات المتعلقة بالجنوب السوري، ومسارات المقاتلين، والميليشيات، والجماعات المتشددة. نشأت علاقة معرفية غير متكافئة؛ باريس بحاجة إلى المعلومة، وتل أبيب قادرة على توفيرها.
لكن هذا الوضع لم يكن قابلاً للاستمرار. فرنسا كانت تحتاج إلى موطئ قدم تستعيد منه جزءاً من قدرتها على الرؤية المباشرة. في هذا السياق تشغل باريس في شرق المتوسط سفناً ومنصات مخصصة لجمع المعلومات الاستخباراتية. وقد صرّح الجنرال كريستوف غومار، القائد السابق لإدارة الاستخبارات العسكرية بين عامي 2013 و2017، بأن “الإسرائيليين يعتبرون أننا نقدّم عملاً جيداً في جمع المعلومات”، في إشارة إلى أن فرنسا لا تكتفي بالمعطيات الإسرائيلية، بل تعتمد مقاربة متعددة المصادر.
باريس تحلل البيانات التي تجمعها عبر قدراتها الاستخبارية في قبرص، إلى جانب ما تنتجه حملاتها الجوية من رصد لسورية وجنوب لبنان. هذه القدرات سمحت لها تدريجياً باستعادة جزء من استقلاليتها التحليلية. ومع تراكم هذه الأدوات، تحولت قبرص – بموقعها ومحطاتها الاستطلاعية – إلى “دمشق جديدة” توفر لفرنسا نافذة متقدمة على المشرق، وتعيد لباريس توازنها الاستخباري الذي كانت قد فقدته خلال السنوات الماضية.
هذا التحول في أدوات الرؤية كان مقدمة ضرورية لتحول مواز في أدوات الفهم السياسي، خصوصاً مع اقتراب الساحة السورية من لحظة انفجار كبرى. حين بلغت التحولات ذروتها مع سقوط نـظام الأسد، بدا أن المشهد كله يدخل مرحلة جديدة تتجاوز الأمن إلى إعادة هندسة المعنى السياسي نفسه. في الساعات الأولى لما يمكن تسميته “الفراغ السوري الكبير”، تحركت باريس بحذر حتى لا ينقلب الوضع السوري على الداخل الفرنسي. فحتى لو سبقت برلين العاصمة الفرنسية بخطوات، فإن دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الإليزيه للقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كانت لحظة تأسيسية لاختبار قدرة فرنسا على إنتاج سردية جديدة عن سورية.
برأي كاتبة هذه السطور، كان اللقاء في جوهره لقاءً استخبارياً قبل أي شيء آخر؛ إذ حاولت الأجهزة الفرنسية أن تعيد التعرف إلى رجل يعرف تضاريس الشمال السوري معرفة لا يملكها أحد في الغرب اليوم، ويعرف تنظيم داعش من الداخل، ويمتلك شبكة علاقات لا يستطيع أي طرف غربي الوصول إليها من دون وسيط. وفي الوقت نفسه، وفّر اللقاء مساحة لتعارف الأجهزة الاستخباراتية إلى بعضها مجدداً، ولإعادة اختبار حدود التنسيق الممكن في مرحلة سورية يعاد بناؤها على عجل.
في هذا الإطار أعتقد أن باريس لم تكن تختبر “الشرع” كشخص بقدر ما كانت تختبر إمكانية النفاذ عبره إلى بيئة خرجت من الخرائط الرسمية ودخلت في منطق الشبكات غير المرئية. هنا يظهر أثر بورديو مجدداً؛ الدولة لا تتعامل مع الفاعلين كما هم، بل تقرر كيف تعرّفهم، وكيف تصنع حولهم “حقيقة سياسية” قابلة للاستخدام. لم تكن باريس معنية بالشرع كاسم فردي، بل بالوظيفة الرمزية والسياسية التي يمكن إنتاجها منه، وبالقدرة على تحويله إلى تصنيف يساهم في إعادة بناء سرديتها عن المرحلة السورية الجديدة.
هذا التوجه لم يمر من دون ثمن؛ فالتقارب مع الشرع أحدث انقساماً في البرلمان الفرنسي، وهاجم بعض النواب وزير الخارجية جان نويل بارو، معتبرين الخطوة “مخاطرة أخلاقية وأمنية”. مع ذلك لم تتراجع الأجهزة. بدا أن إيمانويل ماكرون، مدفوعاً بتقديرات استخبارية أكثر مما هو بحسابات سياسية داخلية، قرر المضي في إعادة بناء صورة الشرع عبر سلسلة اختبارات متدرجة؛ من ملف المقاتلين الأجانب في إدلب، إلى قياس قدرته على الانخراط في التحالف ضد داعش.
بهذا المعنى كان التقارب جزءاً من عملية تصنيع متعمقة لـ “فاعل سياسي” جديد يناسب إعادة بناء النفوذ الفرنسي في منطقة تتبدل هياكلها بسرعة. ورغم التوترات الداخلية التي تضعف النفوذ الفرنسي الظاهر، يبقى دور باريس الاستخباري صعب الاستغناء عنه بالنسبة إلى إسرائيل وأوروبا وشرق المتوسط. فبينما تغرق تل أبيب في وعود الذكاء الاصطناعي، تعرف أجهزتها أن لا خوارزمية تعوّض بلداً يمتلك تاريخاً طويلاً من الوصول إلى سورية ولبنان ومساحات لا تستطيع إسرائيل دخولها مباشرة. وقد لخّص إيرن ليرمان، أحد أبرز وجوه الأمن القومي الإسرائيلي، هذه الحقيقة حين اعترف بأن قدرات إسرائيل “ليست لا نهائية”، وأن فرنسا تبقى شريكاً لا يُستغنى عنه.
في النهاية تتضح حقيقة مركزية؛ معارك الشرق الأوسط تُخاض اليوم بالمعرفة قبل السلاح، وبمن يملك القدرة على صياغة الواقع قبل السيطرة عليه. هذا ما يجعل عبارة بورديو أكثر راهنية اليوم؛ فالقوة صارت في الدولة التي تعرّف ما يحدث وتفرض تعريفها على الآخرين، لا في الدولة التي تتحرك بلا لغة تشرح ما تفعل.
هكذا يعود السؤال إلى جوهره: من يملك اليوم سلطة إنتاج “حقيقة الشرق”؟ من يملك المعلومة، أم من يملك القدرة على تحويلها إلى معنى؟ في عالم يتشكل من تحت الرماد، تبدو الإجابة أبعد من أن تكون حكراً على قوة واحدة؛ بل موزعة على شبكة من الأجهزة تعيد رسم الخريطة في الظل، قبل أن تظهر الخطوط على السطح.
بواسطة مفيد عيسى أحمد | ديسمبر 7, 2025 | Cost of War, Roundtables, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
عام 2001 وعقب عرض مسرحية “المتنبي” للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.
عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم، قائلاً: لقد كان علوياً.
لم أجد مبرراً لهذا السؤال، فما علاقة الإبداع بالانتماء الطائفي!؟ خاصة وأنه في ذلك الحين لم تكن قد استشرت النزعات التي نعاني منها اليوم، وكان خطاب الانتماء الوطني هو السائد.
في اليوم التالي قال لي أحد زملائي مازحاً: لم أعد أحب المتنبي، تصوّر يا رجل أنه كان علوياً..
بالمقابل فاجأتني الخيبة التي اعترت أحد شعراء البحور حين عرف أن الفرزدق مدح أمراء بني أمية: سليمان بن عبد الملك والوليد بن عبد الملك بن مروان، ومدح يزيد بن عبد الملك وبشر بن مروان، حتى أنه مدح الحجاج بن يوسف الثقفي.
وقد قال بالحرف: لا بد أن القصائد منحولة، فلا يمكن لمن يمدح علي زين العابدين أن يمدح هؤلاء..
عادت إلى ذهني الحادثتان مؤخراً مع ما وصلـت إليه الحالة السورية من تداعي الانتماء الوطني وصعود الانتماء الطائفي.
من الطائفية المقنعة إلى المتفشية السافرة
على مدى سنوات طويلة كانت مقاربة الطائفية في سورية تتم بحذر ووجل، حتى الدراسات التي تتناول المسألة الديموغرافية والأنثربولوجية، والتي من المفترض أن تسمي الأشياء والأحوال بمسمياتها؛ لم تكن محبذة في الدوريات والكتب الصادرة في سورية.
ومن يفعل ذلك على الصعيد الشعبي؛ في الشارع أو في أي مكان عام، أو على الصعيد الرسمي إن كان في وظيفة أو في أي جهة عامة أخرى، كان يسارع إلى الاعتذار وإحالة الأمر إلى التندر والمزاح.
كان السؤال الأكثر انتشاراً والأكثر مباشرة وجرأة بما يخص الانتماء هو: من أين أنت؟ رغم أن الإجابة لا يمكن أن تحمل معلومة دقيقة تفيد بالانتماء الطائفي في ظل التنوع الديموغرافي الطائفي والإثني السائد في كل المناطق السورية.
يمكن القول إن التغيير في هذا الأمر بدأ يأخذ منحى آخر مع بدء الأزمة السورية، حيث بدأت المجاهرة بمسألة الانتماء الطائفي وذلك في سياق الاصطفاف السياسي الذي ساد الواقع السوري وتحوّل بسرعة إلى اصطفاف عسكري، وفي سياق هذا تم تبادل الاتهامات التي تتناول الحالة الوطنية لأطياف المجتمع السوري، فقد رأينا اتهامات تشكك بالانتماء الوطني لطائفة من قبل طائفة أخرى وبالتبادل.
بعد سقوط النظام السابق الذي كان يتظاهر أنه ليس طائفياً، وهو فعلاً لم يفضّل طائفة على أخرى إلا في سبيل مصالحه، وكان يطبّق ترويكا طائفية غير معلنة على كافة المستويات في أجهزة الدولة، طفحت الطائفية في الخطاب البيني السوري، وعلى كل السويات وفي كل المجالات؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على المستوى الشعبي والرسمي، وهذا كان متوقعاً مع وصول تيار يقوم على أيديولوجيا دينية تخص طائفة بعينها، تيّار موصوم بالتطرف، إلى السلطة، وذلك في سياق الفعل ورد الفعل، فتبني جهة ما للطائفية لا بد أن يفرز طائفية مضادة ولو بعد حين.
مثقفون في مهب التعاطي الطائفي
لم تقتصر الطائفية على الفعاليات التي ذكرناها، بل رشحت إلى الناحية الثقافية، كان ذلك مفاجئاً للبعض، والمفاجأة هنا تأتت من الحوار الذي كان يدور بين المثقفين السوريين من كافة الأطياف، ففي خضم هذا الحوار تبيّن النزوع الطائفي لكثير من المثقفين الذين كانوا يعرفون بالتنوير والعلمانية، هذا النزوع الذي تبلوّر فيما بعد في مواقف واضحة؛ وأداء وتصرفات طائفية صريحة لم تعد ترى ذلك عيباً أو خطأً ولا تخجل من ذلك.
أغلب الحوارات كانت في البداية تتسم بالعقلانية والمنطق البعيد عن الطائفية وتبني الطروحات التي تعزز الانتماء الوطني، لكنها يوماً إثر يوم بدأت تتبدّل وكأن هناك ما استيقظ في نفوس بعض المتحاورين، فالنزوع الطائفي كان موجوداً ومكبوتاً، كأنه كان نائماً فقط وأتى من يوقظه.
في تلك الحوارات والتي شاركت في بعضها، تم استحضار الحساسيات الطائفية المزمنة والاتهامات المعروفة باحتضان النظام البائد والتشكيك بمصداقية الانتماء من قبل مثقفين معروفين، ووصل الأمر بالبعض في إحدى جلسات الحوار إلى المطالبة بضرورة تفكيك الخطاب العلوي وتخليصه من خرافاته من قبل أحد مثقفي الطائفة السنية، ورد عليه مثقف علوي أن خرافات الخطاب العلوي ليست قاتلة، الأهم أن نتخلص من خرافات الخطابات القاتلة.
تصاعد التوتر الطائفي في تلك الحوارات وفي التعاطي بين المثقفين بشكل مباشر وغير مباشر، واستحضرت شخصيات تاريخية أدبية ليدور السجال على صفحات السوشال ميديا حول انتمائها الطائفي كأبي نواس وأبي فراس الحمداني والفرزدق وعلي بن الجهم وغيرهم، وفي الواقع صار الفرز الطائفي لدى الكثير من المثقفين واضحاً، وصارت أية خطوة أو إجراء يتم اتخاذه يفسّر طائفياً.
مثال ذلك، عندما قام رئيس اتحاد الكتاب العرب بفصل عدد من المنتسبين إليه، أعاد الكثيرون ذلك إلى دافع طائفي، رغم أن قائمة المفصولين كانت تضم كتابا من أطياف المجتمع السوري كافة.
لمست ذلك عقب نشري منشوراً تناولت فيه كيفية انتساب الكاتب “حسن م يوسف” للاتحاد حيث مُنح العضوية بشكل فخري من قبل رئيس الاتحاد حينها، المرحوم “نضال الصالح” وقد كنت حاضراً وشاهداً على ذلك، ورأيت أنّ ذلك “التنسيب” أثار أسئلة عدة حينها، فكيف لكاتب بحجم يوسف ألا يكون عضو اتحاد حتى ذلك الوقت؟ إمّا أنه لم يكن يرغب بذلك وإمّا أنه تقدّم ولم يقبل وهذه مفارقة، فكيف لمثله ألا يقبل؟ وكيف قبل بالعضوية الفخرية؟
سارع أحد الأصدقاء إلى الاتصال بي ولامني على ما نشرت قائلاً: حسن م يوسف فصل طائفياً وأنت بما نشرت تتفق مع ذلكّ!؟
لا بد من القول أنه إن صح أن الأمر وإن لم يصح تمّ بدافع طائفي، فرد الفعل كان طائفياً أيضاً فأغلب من تنطعوا للدفاع عن أسماء من طائفة معينة لم يذكروا أسماء المفصولين من الطوائف الأخرى.
كذلك قرأنا تصريحات تخص أعمالاً أدبية ودرامية أعيدت إلى الدافع الطائفي ومنعكسه السياسي كتصريح مدير المسارح في وزارة الثقافة والذي تناول فيه مسلسلي “ضيعة ضائعة” و”الخربة”.
الاحتفاء بالآخر البعيد ورفض الآخر القريب
توضح تبني الطائفية في الوسط الثقافي في قضية ترشيح أدونيس لجائزة نوبل للآداب، فقد أثار هذا الترشيح ردود أفعال متباينة؛ القليل منها تبنى وجهة نظر قائمة على أساس أدبي، نقدي أو متعلق بالذائقة فقط، بينما رأينا تعليقات كثيرة بصبغة طائفية، و الطائفية هنا تجلت في الحكم على أدونيس بناء على منبته و انتمائه الذي لا محيد عنه حتى و لو لم يتبن هو ذلك، فأدونيس رافضي و من فئة سعى البعض لحصرها في إطار اجتماعي وسياسي معين، فهي مهزومة بنظرهم وفوز أدونيس سيشكل عاملاً لتعويمها وإكسابها سمة جديدة، ثقافياً واجتماعياً على الأقل.
في المقابل نحى مثقفون آخرون المنحى الطائفي بما يخص قضية أدونيس، وهم من طائفته بطبيعة الحال، فقد تمّ تبنيه من قبل هؤلاء ومنهم من رفضه سابقاً، وذلك بدافع إثبات وجود الطائفة ثقافياً ومعرفياً وعلى نطاق عالمي بعد محاولات طمس وجودها سياسياً وتحميلها عبء ممارسات النظام البائد، فأدونيس في رأيهم حال فوزه سيشكل رافعة للطائفة.
المؤسف أن الكثير من الآراء التي طرحت لم تقم على أساس أدبي، ولا نقصد تلك الآراء التي صدرت عمن ليس لهم علاقة بالأدب؛ بل من أدباء ونقاد معروفين.
بعد فوز الكاتب المجري “لاسلو كراسناهوركاي” تباينت الآراء بخصوص أدونيس بين الأسف والارتياح، إن لم نقل الشماتة، وكأننا هنا في مهب مقولة القريب والبعيد، لكنها هنا معكوسة فالآخر البعيد مفضّل ومحبّذ عمن يعتبر “الآخر” القريب.
من المؤسف أن يصل الاستقطاب الطائفي في الوسط الثقافي إلى هذا الحد، ألاّ نستطيع التوافق على شخصية ثقافية سورية بانتمائها وأيديولوجيتها، وهي وجه من وجوه سورية الثقافية والمعرفية عالمياً بما حققته، ونختلف أيضاً حول قضايا ثقافية وشخصيات تاريخية على أساس طائفي. في الوقت الذي كان من الممكن أن يكون المثقفون عاملاً فاعلاً في تصويب الخطاب الطائفي اللاوطني.
بواسطة عامر فياض | ديسمبر 4, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
بعد تحول الثورة السورية إلى حربٍ دمّرت البلاد وقتلت مئات الآلاف، غادر جزءٌ كبير من السوريين المنتمين للثورة البلاد، طلباً للنجاة وبحثاً عن حياة جديدة، فيما آثر جزء آخر البقاء لاعتبارات عديدة. وطوال سنوات الحرب أثارت العلاقة بين جزء كبير من سوريي الداخل والخارج جدلاً كبيراً، كان يتفاقم في كل حدثٍ أو مناسبة، ليتم تبادل الاتهامات وتوزيع أدوار الوطنية. اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد البائد، وعودة كثير من السوريين المحسوبين على الثورة إلى البلاد، خلال الأشهر الماضية، عاد الجدل مجدداً، رغم فرحة معظم سوريي الداخل بعودتهم.
سياحة ثورية
يرى جزء من السوريين الذين لم يغادروا البلاد طوال سنوات الحرب، أن معظم من عادوا، بعد سقوط النظام البائد، أتوا كزائرين يدفعهم الحنين والاشتياق، وليسوا كأبناء وطنٍ، يرغبون في المساهمة في بناء سوريا التي حلموا بها ورفعوا لأجلها شعارات الثورة في عام 2011. كما أصيب جزء آخر بخيبة أمل بعد عودة بعض المعارضين البارزين في الثورة، إذ اكتفوا بزياراتٍ استعراضية لأبرز معالم العاصمة، كانت أقرب إلى “السياحة الثورية”، وكان هدفها الظهور الإعلامي والتقاط الصور، فيما اقتصرت معظم نشاطاتهم على الجلوس في المقاهي، التي اكتظت بالنشطاء المدنيين والسياسيين العائدين، كمقهى الروضة. وبدل أن يحاولوا الاقتراب من الحياة الحقيقية التي يعيشها الشعب السوري ليروا جزءًا من معاناته ويحاولوا أن يشاركوه ببعضها، كانوا يعيشون حياةً مترفة لا تشبه حياة أغلب السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، إذ أقام الكثير منهم في الفنادق أو البيوت الفاخرة ضمن الأحياء الراقية.
“كانت سعادتي لا توصف بعودة صديقي الذي لم أره منذ نحو عشر سنوات، كنت مستعداً لاستقباله في بيتي، خلال زيارته لدمشق، لنستعيد التفاصيل والذكريات التي جمعتنا في السابق، لكنني فوجئتُ بأنه قد حجز في أحد الفنادق ليقيم فيها طوال فترة زيارته، وعند لقائي به شعرت أنني أمام شخصٍ آخر، لا يشعر بشيءٍ من معاناتنا وأوجاعنا”. هكذا يصف الفنان التشكيلي طارق (46 عام) لقاءه بصديقه العائد من أوروبا، مضيفاً: “ورغم أنني كنت عاطلاً عن العمل، نتيجة الواقع المؤلم الذي تعيشه البلاد، وبالكاد أجد ثمن علبة سجائر، لم يُبد صديقي أي تضامن أو تعاطف معي، على الرغم من أن المبلغ الذي أنفقه في إحدى سهرات البار كان يكفيني ثمن طعامٍ لأسبوع، والمبلغ الذي كان يدفعه كإيجار يومي لغرفتة في الفندق يعادل إيجار بيتي المتواضع لشهر. كل ذلك جعلني أشعر بشرخٍ كبير في علاقتي معه، وبالمقابل مازالت علاقتي بأصدقائي، الذين لم يغادروا سوريا طوال الحرب، تزداد عمقاً، إذ كنا وما نزال سنداً لبعضنا، نحفّز بعضنا على التطور والإنجاز، ونتقاسم الفرح والحزن وما في جيوبنا من نقود”.
ذاكرة جديدة وانتماء جديد
طوال سنوات الحرب، كان معظم المنتمين للثورة من الذين لم يغادروا البلاد، لا يخرجون من محافظاتهم أو حتى مدنهم وقراهم إلا فيما ندر، بقوا محاصرين بذكريات الثورة، يستذكرون تفاصيلها الجميلة فيما بينهم، وبقيت أحلام بعضهم تتعلق بواقع البلاد وسقوط نظام الأسد وتحسن الواقع المعيشي والاقتصادي، وبالمقابل كثير ممن غادروا البلاد أصبح لديهم حياة جديدة وأحلام مختلفة وبعيدة عن الواقع السوري، بل تعودوا على نمط مختلف من العلاقات الاجتماعية، التي يغلب عليها الطابع الأوروبي، وتحول بعضهم إلى شخصيات غريبة، لا تشعر بأي حنينٍ إلى البلاد وما فيها، ولا تُشبه ما كانت عليه خلال الثورة.
تحدثنا المدرّسة رشا (45 عام) عن لقائها بعددٍ من أصدقائها الذين عادوا إلى سوريا، بعد غيابهم عنها لسنوات: “بعد عودتهم تفاجأت (أنا وأصدقائي الذين لم يغادروا البلاد) بهم وتفاجؤوا بنا. كنا ننتظر منهم الكثير ونطالبهم بأن يكونوا مثلنا، لكننا اكتشفنا أنهم تغيّروا بشكلٍ جذري، أصبح لديهم حياة بعيدة عن نمط حياتنا. ببساطة هم لم يعيشوا خوفنا وظروفنا المعيشية الصعبة، إذ كنا طوال السنوات الماضية نضيّع أيامنا ونحن نلهث خلف لقمة العيش، ونقاوم الموت بشتى السبل ونبذل كل طاقتنا لنتكيَّف ونتأقلم مع ظروف الحرب ونحافظ على شيءٍ من توازننا العقلي والنفسي”. وتضيف: “كنا فقط ننتظر منهم شيئاً من العزاء والمواساة، وأن يلاقونا بلهفةٍ واشتياق أو على الأقل بنوعٍ من الحنين إلى ماضينا المشترك، لكننا، وللأسف، اكتشفنا أننا وحدنا من يحتفظ بذكريات الماضي، الذي تجاوزوه وصنعوا بدلاً عنه ذاكرة جديدة، فباتوا ينظرون إلى ذكرياتنا المشتركة كنوع من الفلكلور، بل بات ذكر ذلك الماضي بالنسبة لهم غير مُحبّبٍ، ربما لأنه يُشكل لهم عبئاً وحساسية تتعلق بخروجهم من البلاد”.
من جهته يرى الموظف والناشط السياسي عمار (40 عام) أن جزءًا كبيراً ممن عادوا إلى سوريا قد تغير انتماؤهم الوطني وأصبح لديهم بطاقات أمان، كونهم يحملون جنسياتٍ أخرى أو إقاماتٍ تخوّلهم العودة إلى بلدانهم البديلة متى شاؤوا، لذا “تجدهم يتحدثون من برجهم العاجي وبكثيرٍ من المثالية والطوباوية، ولديهم الكثير من الوقت لكي ينظرّوا ويتثاقفوا، ويقدموا لنا الاقتراحات حول آليات بناء الأوطان وتطوير الإنسان، دون أن ينظروا عن قرب إلى الواقع الاقتصادي والسياسي والأمني الحقيقي للبلاد الممزّقة، والتي بإمكانهم مغادرتها بمجرد نفاذ ما يملكونه من أموال، بينما نحن لا نملك أي خيارٍ للخروج منها في حال اخترنا ذلك، وليس لدينا أي انتماءٍ إلا إليها” بحسب عمار الذي يضيف: “بعض أصدقائي الذين عادوا كانوا يتذمرون من كل شيء يرونه، يتذمرون من الازدحام في الشوارع وتراكم القمامة حول الحاويات، ومن انقطاع الكهرباء والماء، وفوق ذلك كانوا ينظرون إلينا بفوقيةٍ وتعالٍ، ويتحدثون طوال الوقت عن الفوارق بين بلادنا وبلدان إقامتهم في أوروبا وغيرها، ويذكروننا بأننا نعيش في بلادٍ متخلّفة ومُعدمة، بعيدة عن التطور ولا تصلح للحياة البشرية، وكأنهم بذلك يبررون قرار خروجهم منها ويرون فيه انتصاراً، ويتهموننا، نحن الذين آثرنا البقاء لأسباب وطنية، بالغباء لأننا لم نغادر البلاد”.
تصدر المشهد السياسي وتولي المناصب
يرى جزء كبير من المعارضين والمنتمين للثورة، ممن لم يغادروا البلاد، أنهم، ورغم ما عانوه من خطر الموت والاعتقال، ورغم الثمن الكبير الذي دفعوه نتيجة بقائهم، لم يُنصفوا كما يجب بعد سقوط النظام البائد، بل تم إقصاؤهم عن المشهد السياسي والثقافي، وهو ما يؤكده الناشط المدني تمّام (44عام) حيث يقول: “معظم الذين عادوا بعد السقوط تصدروا المشهد الثقافي والسياسي، فور عودتهم، وكأنهم فاتحون، أقاموا في العاصمة ليبقوا على مقربة من الأنشطة والفعاليات الثقافية، وعلى تماس مباشر مع وسائل الإعلام، وراحوا يعقدون الندوات والاجتماعات لكي يسرقوا الأضواء، بينما كان بعضنا عاجزًا عن تدبير تكاليف المواصلات لكي يذهب إلى الفعاليات والمحاضرات، بل كنا أحياناً نستدين النقود لكي نؤمن ثمن المواصلات”. ويضيف” جزء كبير من معارضة الفنادق الذين أساؤوا لأهداف الثورة ونهبوا الكثير من الأموال باسمها، عادوا كالأبطال لينظّروا على الشعب الذي صمد طوال سنوات الحرب في أسوأ شروط الحياة، ويقدموا له محاضرات عن المواطنة والعدالة، وليثبتوا وجودهم على الأرض ويحصلوا على المناصب السياسية والثقافية”.
وحول تولي المناصب والحصول على فرص العمل يقول : “جزء كبير من المعارضين البارزين ارتموا بأحضان السلطة فور عودتهم وراحوا يتملقونها، ليحصلوا على المناصب، ناسين أنهم كانوا ثواراً ومعارضين للسلطة السابقة. وإلى جانب ذلك، ثمة جزء ممن استغلوا الثورة لسنوات، وعاشوا على مكتسباتها، وعملوا مع المنظمات المشبوهة، حتى صار هدف بعضهم هو الحصول على التمويل فقط، عادوا بعد السقوط ليقتنصوا فرص العمل مع وسائل الإعلام والمنظمات الممولة أو قاموا بالحصول على تمويلات من مصادر مختلفة لإقامة بعض الورشات الشكلية، حول المواطنة والعمل المدني، وتنظيم بعض الفعاليات الاحتفالية، ليحققوا بذلك مزيداً من الدخل دون أي جهدٍ فاعل يذكر، بينما نحن الذين عملنا طوال الحرب كمتطوعين في الإغاثة والعمل الإنساني، مازلنا نعيش في ظروف معيشية واقتصادية متردية”.
على الرغم من الآراء السابقة لا يمكننا أن ننسى بأن جزءاَ كبيراً ممن خرجوا من سوريا خلال الحرب أُجبروا على ذلك نتيجة معارضتهم الشرسة للنظام، ونتيجة تدمير بيوتهم وموت أقاربهم، وتعرضهم للتهديد المباشر بالقتل، وخشيتهم من الاعتقال، كما أنهم دفعوا ثمناً كبيراً نتيجة خروجهم، فعاشوا لسنوات في المنافي وحُرِموا من رؤية أحبتهم وعائلاتهم ومن إمكانية زيارة بلادهم، بل حرموا حتى من وداع من فارق الحياة من أحبتهم، كما حُرم جزء كبير منهم من حقوقهم المدنية وتمت مصادرة أملاكهم من قبل النظام البائد، لذا يشعر بعض هؤلاء بأنهم الثوار الحقيقيون وأصحاب الانتصار الحقيقي، ولهم الأحقية بتصدر المشهد السياسي والثقافي وتولي المناصب والحصول على فرص العمل.