كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

كيف تهشّمت الهويةُ الوطنية في سورية؟

لم تُكسر مرآةُ الهوية السورية بضربةٍ واحدة. تشقّقت على مهلٍ، بخيطٍ رفيع يبدأ من الطابور الصباحي في المدرسة، ولا ينتهي عند حاجزٍ يسأل فيه عنصرٌ شاب رجلاً في الخمسين: “من وين حضرتك؟” فلا يجيب باسم مدينته فحسب، بل باسم طائفته ولهجته وشبهة انتمائه. ستة عقود كان فيها الولاء فكرةً عسكريةً تُلقَّن، والذاكرة نشرةَ أخبارٍ واحدة، والقانونُ هيكلاً يقف على ساق الأمن. كلّ تفصيل صغير في الحياة اليومية كان يضيف شرخاً جديداً في المرآة، حتى صرنا نرى أنفسنا شظايا أكثر من كوننا شعباً واحداً.

في الصفوف الأولى من المدرسة، كانت الدولة تقول للطفل أنت “رفيق طليعي، ابن الحزب القائد”. كان الكتاب يعرّف الوطن من خلال اسم الرئيس، ويقدّم صورة القائد على أنها أعلى من الجغرافيا والتاريخ معاً. في ساحة المدرسة، يُرفَع العلم، لكن العيون معلّقة بصورةٍ على الجدار. ينسى التلميذ اسم الدرس، ولا ينسى الشعار المحفوظ: “قائدنا إلى الأبد…”؛ ينسى التاريخ الدقيق للثورة السورية الكبرى، ولا ينسى تاريخ ميلاد الرئيس أو تاريخ “حركته التصحيحية” أو ميلاد حزبه الحاكم!

في هذا الجو، يستبدل الطفلُ، من دون أن يدري، معنى الانتماء: لا يعود الوطن مكاناً يسكنه الناس، بل شخصاً يُخشى الخروج من صفّه. عند النقطة التي يُستبدَل فيها السؤالُ بالنشيد، يتكسّر أوّل ضلعٍ في معنى المواطنة.

بعد سنوات، حين يكبر ذلك الطفل ويقف في طابور خدمة العلم، يكتشف أن مؤسسته العسكرية ليست بوتقةً جامعة كما قيل له، بل ذراع حكمٍ تتحرك بمنطق الثقة السياسية والولاء. الشاب القادم من قريةٍ مهمّشة في الشرق يلاحظ سريعاً أن زميله “المضمون” يترقّى أسرع، وأن الأوامر التي تُقال بصوتٍ عالٍ في قاعة التدريب لا تُكتب دائماً في اللوائح، بل تُهمَس في غرفٍ جانبية. هكذا ينتقل الشاب من الإيمان بأن الجيش يحمي الوطن إلى شعورٍ غامض بأن الجيش يحمي نظاماً-عصابة، وأن مكانه في هذه المعادلة يتحدد بحسب أصله و”ضمانته” لا بحسب كفاءته.
في اللحظة التي يشعر فيها أن أقوى مؤسسات الدولة منحازةٌ لا محايدة، تتصدّع الرابطة الوطنية من جديد؛ يغدو الانتماء إلى الوحدة العسكرية أو الفرع الأمني أقوى من الانتماء إلى الراية العامة، ويصير الحديث عن السيادة كلاماً مهدّداً، لأن السلاح لم يعد على مسافةٍ واحدة من الجميع.

في الخلفية، تُعاد كتابة ذاكرة البلد على نارٍ هادئة. كتاب التاريخ، نشرة الأخبار، الخطب الرسمية، كلها تروي الحكاية ذاتها؛ منتصرٌ واحدٌ لا يُهزم، عدوٌّ واحدٌ يتربّص بنا، وشعبٌ واحدٌ سعيد بقيادته. حدثٌ مثل مجزرةٍ في مدينةٍ صغيرة يُمحى من الكتب، فيما تُضخَّم معركةٌ في خارج الحدود لتصير علامةً على العبقرية التاريخية للحاكم.
في بيتٍ ما، يجلس أبٌ علويٌّ يروي لابنه خوفه القديم من أن تتحوّل أي هفوة سياسية إلى تهديد وجودي للطائفة. في بيتٍ آخر، في مدينةٍ سنّية كبيرة، تروي أمٌّ لابنتها عن أخيها الذي اعتقل في الثمانينيات ولم يعد. في قريةٍ كردية في الشمال الشرقي، يحكي جدٌّ عن لغةٍ مُنعَت من المدرسة وعلمٍ لم يُسمح له أن يُرفع. كل بيتٍ يكتب تاريخاً موازياً، لا يجد مكاناً له في الكتاب الرسمي.
لا تعترف الدولة بهذه الذاكرات المتوازية، ولا تسمح لها بالالتقاء. تترك الجروح مكشوفة بلا عدالة انتقالية ولا اعترافٍ متبادل. وهكذا يتحوّل البلد إلى أرشيف من الحكايات السرّية؛ أجيال تسلّم أجيالاً وصايا مكتوبة بالحذر والمرارة.

أمام نافذة الموظف، يأخذ التشقّق شكلاً آخر. المواطن الذي يحمل أوراقه كاملة، ويقف في الطابور منذ ساعات، يكتشف أن ملفه لا يتحرك إلا حين “يتعرّف” على شخصٍ يعرف شخصاً. القانون موجود، لكنه لا يعمل إلا حين يُرفَق بورقة توصية، أو مكالمة من مسؤول، أو مبلغٍ يغيّر اتجاه التوقيع.
كل معاملةٍ لا تُنجَز إلا بوساطة هي درس إضافي في معنى الهوية؛ أنت لست مواطناً متساوياً أمام القانون، بل زبون في “كشك دولة”؛ تُعرَّف بحسب قربك من الشبكة لا بحسب حقوقك. تتحوّل الهوية الوطنية من بطاقةِ مواطنةٍ إلى بطاقةِ تعريفٍ إلى مكتب المتنفّذ: “فلان ابن فلان، من طرف فلان”.

في الاقتصاد، تتخذ الهشاشة شكلاً أكثر قسوة. في الثمانينيات، يحفظ دفتر التموين حياة عائلاتٍ كثيرة لكنه يشدّ الحبل حول عنق الولاء؛ الخبز والزيت والسكر مشروطةٌ ببقاء “الوضع مستقرّاً”. في الألفية، يتحوّل الشعار إلى “اقتصاد سوق اجتماعي”، لكن المعنى الحقيقي يُكتَب في مكانٍ آخر؛ خصخصة انتقائية لصالح دائرة ضيقة من رجال الأعمال المتصلين بالعائلة الحاكمة.
شابٌّ من ريف حلب يهاجر إلى المدينة بحثاً عن عمل، فيجد المصانع الصغيرة تغلق أبوابها، فيما تتضخّم مشاريع كبرى في يد قلّة. مزارع في الحسكة يرى القطن والقمح يتأرجحان بين سياسات شراءٍ مجحفة وجفافٍ لا يلقى استجابة. في الأحياء الفقيرة حول المدن الكبرى، تنمو أحياءٌ عشوائية تحمل شوارعها أسماء أملٍ لا يتحقّق؛ “شارع الوحدة”، “حارة الإخلاص”، لكن الواقع فيها يقول شيئاً آخر.
تتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تشكّل عادةً أعصاب أي هوية وطنية. يصبح الشعور العام أن الدولة ليست بيتاً مشتركاً، بل شركة مغلقة تبيع الخدمات لمن تريده شريكاً وتترك الآخرين على الباب.

ثم تأتي الحرب لتستخدم كل هذه الشقوق القديمة كوقودٍ جديد. ما إن تهتف حناجر في درعا وحمص ودوما “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”، حتى تُستخرج من الأدراج أقدم الأسلحة؛ التطييف، التخوين، تخويف الأقليات، واستدعاء أشباح الماضي. يُطلق سراح متشددين من السجون، وتُترك لهم الساحة كي يلوّثوا مشهداً كان يمكن أن يبقى مدنياً سياسياً.
في حيٍّ مختلط، يسقط أول قتيلٍ في حادثةٍ غامضة: رصاصةٌ في جنازة، شتيمةٌ مكتوبة على جدار مسجد، اعتداءٌ على موكبٍ ديني. تتكاثر الإشاعات أسرع من الحقائق، ويصبح الجارُ “تفصيلاً طائفياً” لا شخصاً من لحمٍ ودم.

مع الوقت، تتكاثر البنادق خارج الجيش. تُنشأ ميليشيات محلية، لجان شعبية، فصائل ثورية، تشكيلات عقائدية، مجموعات مدعومة من الخارج. لكل بلدةٍ علم، لكل طائفة علم، ولكل شارع رايةٌ صغيرة. على الحواجز، لا يُسأل السوري فقط عن هويته الشخصية، بل عن لهجته و”منطقه” ومظهره. ومع دخول الفاعلين الإقليميين والدوليين، تتعلّق مناطق كاملة بضامنٍ خارجي؛ هنا منطقة “تحت حماية” دولةٍ إقليمية، وهناك أخرى تحت جناح تحالفٍ آخر. خريطة الولاءات تتحوّل إلى فسيفساء نفوذ، لا دولةً واحدة.

في قلب هذا الخراب، يولد اقتصاد ظلّ؛ حصارٌ يغذّي التهريب، معابرُ تُنبت “أمراء حرب”، وإتاواتٌ تُدفع على كل شاحنةٍ وكل كيس طحين. يكتشف الناس أن الأمان والخبز والدواء صاروا يُشترون لا من الدولة، بل من حامل السلاح الأقرب. حتى صناعة المخدّر، التي تُنسب في سردياتٍ كثيرة إلى دوائر داخل السلطة، تغدو علامةً على موت العقد الاجتماعي؛ الولاء لم يعد إحساساً بالانتماء، بل صفقةً يومية تُبرَم مع من يملك القدرة على الأذى.

عند عتبة عام 2024، يتبيّن كل ذلك دفعةً واحدة. نصف الشعب بين لجوءٍ ونزوح، اقتصادٌ يزفر، مؤسساتٌ تحوّلت إلى أصداف فارغة. وحين تسقط قبضة الحكم في 8 كانون الأول/ديسمبر، لا يجد النظام من يموت لأجل بقائه. لا تندلع معارك شرسة دفاعاً عن “القائد”، بل تنفتح مخازن الذاكرة.
في دمشق، تُرفَع راية الاستقلال التي حُوصرت لعقودٍ في صورٍ قديمة. في الشرق، ترفرف الألوان الكردية في ساحات لم تكن تُرى فيها من قبل. في الجنوب، تحضر رموزٌ درزية، وفي الساحل، تظهر تشكيلات مسلحة تتقوقع في القرى بحثًا عن “ضمانة”. لا يولد “كيان علوي” بالمعنى الكامل، لكنه يُطرَح علناً بوصفه احتمالاً؛ مجرّد تداول الفكرة على هذا النحو يكفي لنعرف إلى أي حدّ تهتّك المشترك، وإلى أي حدّ صار الحديث عن التقسيم أقلّ فظاعةً من استمرار الوضع السابق.

تأتي المرحلة الانتقالية بعناوين جديدة؛ إعلانٌ دستوري، حكومةٌ مؤقتة، وعودٌ باللا مركزية، لجان حوار، مؤتمرات مصالحة. لكن الأرض التي تسير عليها هذه العناوين رخوة؛ حساسيات تمثيلٍ بين مكوّناتٍ تشعر أن أحداً لم يسمعها من قبل، اشتباكات ظلّ بين فلول القديم وأمراء الحرب الجدد، ودولٌ خارجية تختبر قدرتها على تعطيل كل خطوةٍ لا تخدم مصالحها.
ومع ذلك، يحدث شيء مختلف؛ يعود مئات الآلاف من اللاجئين إلى الداخل، لا بدافع الثقة الكاملة، بل لأنهم تعبوا من حياة الانتظار. في الأحياء التي كانت مهدّمة، تُفتح مدارس مؤقتة، ويقف أستاذ تاريخ في منتصف الفصل ويسأل طلابه: “كيف تحبّون أن نروي هذه السنوات؟” للمرة الأولى، لا يقدّم الكتاب إجابةً جاهزة، بل يفتح الباب لأسئلةٍ صعبة.

السؤال اليوم لم يعد: ماذا فعل بنا الماضي؟ بل: ماذا يمكن أن نفعل بهذا الماضي كي لا يبتلع المستقبل؟ كيف نعيد بناء هويةٍ سياسيةٍ لا تُقصي الذاكرات ولا تستدعيها كسلاح؟ كيف نكتب عقداً اجتماعياً لا يحتاج المواطن فيه إلى “واسطة” ليكون مواطناً؟ كيف نسمح للمحليّة أن تزدهر: لغةً، وثقافةً، وإدارةً، من دون أن تتحوّل إلى محميّات مغلقة ترفع كلٌّ منها علمها الصغير في مواجهة علمٍ أكبر؟

ترميم الهوية هنا ليس شعاراً أخلاقياً، بل مشروعٌ سياسيّ ملموس. يعني قبل كل شيء إعادة بناء المؤسسات بحيث تقطع رزق الزبائنية. قضاءٌ يملك ميزانيته وأدواته، يستطيع قاضٍ فيه أن يحكم ضد جهازٍ أمني من دون أن يُنفى إلى محافظةٍ نائية. وزارة داخلية مدنية تقود شرطةً موحّدة، لا عشرات الأجهزة التي يتوه بينها المواطن. جيشٌ مهني، لا أداة حكم.
يعني أيضاً عدالة انتقالية لا تكتفي بالشعارات؛ لجان حقيقةٍ تستمع علناً إلى شهادات الضحايا، تسمي الأشياء بأسمائها، تُفرّق بين المسؤولية الفردية والجماعية، وتكتب ضمانات عدم التكرار في الدستور والمناهج والسجون. ليست العدالة هنا ثأراً، وليست عفواً شاملاً يغسل كلّ شيء؛ هي محاولةٌ لتثبيت ذاكرةٍ عادلة، لا ذاكرة منتصرة.
ويعني أخيراً لا مركزيةً رشيدة؛ بلدياتٌ تعرف شوارعها بأسمائها لا بأسماء المتنفّذين، ومحافظاتٌ تملك حصةً حقيقية من مواردها، تستطيع أن تقرر خطّة ماءٍ أو كهرباء من دون أن تنتظر توقيعاً من العاصمة على كل تفصيل. لكن هذه اللامركزية لا تُترك سائبة كي تتحول إلى “فدراليات مزاجية” السيادة، والدفاع، والعملة، والموارد السيادية تبقى في مركزٍ واضح، والرقابة المتبادلة تمنع أن تتكرر تجربة “أقاليم غنيّة” وأخرى منسيّة.

سنَعرف أننا نسير في الطريق الصحيح ليس من خلال بيانات الحكومة، بل من مشاهد صغيرة في اليوم العادي؛ يوم يقف مواطنٌ بسيط في محكمةٍ محلية ويعترض على مخالفةٍ مرورية، فيجد قاضياً يحكم له ضد شرطيٍّ متجاوز، ولا يحدث له شيء بعد ذلك. يوم يقرّر رئيس بلديةٍ أن يبدأ إصلاح شبكة الصرف الصحي في حيٍّ لم يصوّت له، لأن الحاجة هناك أكبر. يوم تبثّ نشرة أخبارٍ عامة تقريراً نقدياً عن وزارة سيادية، من دون أن يتهم المذيع بالخيانة. يوم يفتح الناس كتاب تاريخٍ جديد فيجدون فيه المأساة السورية مرويةً بوصفها مأساة وطنية مشتركة، لا “معركة انتصر فيها طرفٌ على طرف”.

في تلك اللحظات، سيشعر السوري أن القانون يعمل فعلًا في حياته اليومية؛ أن بإمكانه اللجوء إليه كمسار واضح لحماية حقه، لا كنصّ يردَّد في المناسبات. وستبدو العدالة أداةً لتنظيم المسؤوليات والحقوق بين الضحايا والمرتكبين، لا وسيلةً لزيادة نفوذ الغالب. أما اللامركزية فستُفهَم بوصفها طريقةً لتحسين الإدارة وتقريب القرار من الناس، مع الحفاظ على وحدة الكيان السياسي واحترام تعدّد المجتمع.

الانهيار السوري لم يأتِ من حادثةٍ واحدة، إنه تراكم طويل حوَّل مؤسسات الدولة إلى أدوات سيطرة، وأضعف ثقة الناس بكل ما هو “عام”. إعادة بناء الهوية الوطنية تعني، في جوهرها، تصحيح هذا الخلل؛ قانونٌ يُطبَّق على الجميع بلا استثناءات، مؤسساتٌ تعمل وفق قواعد معلنة لا وفق الاتصالات الشخصية، وذاكرةٌ جماعية تعترف بكل الضحايا وتمنع تكرار الانتهاكات.

المطلوب ليس معجزة، بل معيارٌ واضح يمكن القياس عليه؛ هل يستطيع المواطن تسجيل ابنه في المدرسة من دون توصية؟ هل يحصل على عدّاد كهرباء من دون رشوة؟ هل يُحاسَب مسؤول كبير لأن عقد اتصالاتٍ وقّعه أضرّ بالمال العام؟ عندما تصبح الإجابة عن هذه الأسئلة متاحة في الواقع اليومي لا في الأمنيات، يمكن للاسم “السوري” أن يستعيد معناه كاسم يضمّ الجميع، لا كإشارة إلى طائفة أو منطقة أو شبكة نفوذ.

نحن نعرف اليوم، من خلال التجربة، كيف تآكلت الهوية الوطنية؛ مدرسة تُقصي السؤال من الصف، قانون يُطبَّق بانتقائية، اقتصاد يوزّع المنافع على قلة، وإعلام يتجاهل ذاكرة الناس وآلامهم. وبالمقدار نفسه نعرف العناصر التي يمكن أن تساعد على ترميمها وهي: تعليمٌ يفسح مكاناً للنقد والسؤال، منظومة قانونية تعيد للحقّ اسمه، اقتصاد يربط المنفعة بالمصلحة العامة لا بالقرب من السلطة، وإعلام يقدّم حكاية هذا المجتمع بكل تناقضاته بدل أن يختزلها في رواية واحدة.

في لحظةٍ ما، إذا سارت هذه المسارات في الاتجاه الصحيح، لن يكون سؤال السوري على بوابة الدولة عن طائفته أو منطقته، بل عن موقعه كمواطن وما له من حقوق وما عليه من واجبات. عندها يقترب الشعار الذي تكرّر كثيراً حتى فقد معناه من أن يستعيد محتواه الفعلي: “سورية للجميع”.

ليلة السكاكين بمشحذ السرد لعروة المقداد

ليلة السكاكين بمشحذ السرد لعروة المقداد

ما إنْ تقرأ عنوان رواية/ نوفيلا: (ليلة السكاكين، لعروة المقداد والصادرة عن دار هاشيت أنطوان/ نوفل لعام 2025) حتى تتداعى لذاكرتك: “ليلة السكاكين الطويلة” في ألمانيا الثلاثينيات التي أمر فيها هتلر بتنفيذ مجموعة من الاغتيالات بحقّ خصومه من الحزب النازي. حقيقة، ليس من رابط فعلي، حتى لو لويت أعنّة المعاني، بين ليلة السكاكين الطويلة وليلة السكاكين لعروة المقداد، لكن هناك نيات وأفعالًا نازية تواطأ عليها أهل القرية، فمن هنا جاء الشبه. لقد اتفق كبيرهم ابن فهد مع السلطة في العاصمة، وكل فرقاء الحرب على تصفية ابن سلامة؛ فأوكلوا لعصابة بنات آوى اغتيال (ابن سلامة) بأشنع الطرق كي تتطهّر القرية والبلاد من ذكراه، ويتوقّف وجوده عن فضح خيانتهم للثورة وارتهانهم لمصالحهم.

من هو ابن سلامة؟ هو يتيم ربّته أمّه برموش عينيها، لكن من أين جاءه اللقب؟ لقد رفضت أمّه التقاليد والأعراف، وخرجت عن قيودها، فنذرت نفسها لتربية ابنها، رافضة طالبي الزواج ومشتهيها من الذكور بالحرام، مغلقة سمعها عمّا وصفتها النساء به من نعوت مقذعة، فتارة يقلن عن ابنها، ابن فلان، وتارة ابن علتان. وللحقيقة لم يكن إلّا ابن أبيه الذي مات مبكرًا، وانتقامًا من أمّه، أنكر أهل القرية نسبه لأبيه وكنّوه بأمّه، استحقارًا، لأنّها تمرّدت على تقاليدهم البالية! لقد كانت طهارة سلامة وأخلاق ابنها تقضّ مضجع أهل القرية، وعندما عصفت الحرب بالقرية وما جاورها في البلاد، تصدّى ابن سلامة لعصابات الأمن وأنقذ فتاة من محاولة اغتصابها، فقاتلهم من منزل إلى منزل، ومن المسافة البعيدة والقريبة والمسافة صفر.

ودارت رحى الحرب والهدنات ونسيت بطولات ابن سلامة، بل اختلط ذكراه بمن اتهمه، بأنّه كان أحد أسياد هذه الحرب، أو أنّه أحد الثوار الذين انتفضوا بوجه الظلم، أو أنّه مجرد مرتزق محظوظ لتنسب إليه تلك الصفات الثورية. لقد مضت خمس عشرة سنة عندما عاد ابن سلامة، والبلاد هي البلاد، لم ينتهِ القتل والخطف والتهجير، لكن بعد عودته أفزع أصحاب السلطة والتاريخ الكاذب وأقلق الأساطير والخرافات التي تعتاش عليها هذه القرية، لذلك قرّر بعضهم قتله، فيما صمت الآخرون.

ولأنّ الحكاية يجب أن تُحكى، فهناك دومًا شاهدٌ؛ وشاهدنا في هذه الرواية؛ هو الراوي الذي لا يتذكّر من ابن سلامة إلّا لحظة دخوله إلى بيتهم وهو يناور ويتخفّى عن عناصر الأمن، فيعطي قطعة من الحلوى للطفل الخائف، الذي سيصبح الراوي فيما بعد، وكان في الثامنة من عمره آنذاك. كبر الراوي في زمن الحرب وأصبح مدرسًا في قريته وفي لحظة برزخية، رأى ابن سلامة/ الأسطورة/ الواقع/ الوهم، عائدًا إلى بيته، فخرج إلى دروب القرية وشوارعها يصرخ: عاد ابن سلامة، عاد ابن سلامة!

لقد قتل ابن سلامة بأشنع الطرق؛ ولكي نفهم لماذا قُتل رمز الطهارة والثورة، رجع الراوي القهقرى إلى بدايات تشكّل قريته التي أقيمت على سهل، تراكمت مدنه فوق بعضها البعض، من رومانية ومسيحية وإسلامية. هذه القرية كانت منقسمة طبقيًا بين الذوات والعوام، يتولى حكمها ربيب سلطة العاصمة، وحدث أن سيطرعليها أحد الزعران الذين تنافسوا على حكمها منذ نشأت، وهذا الأزعر يُدعى فهد، حيث استطاع أن يلعب بالبيضة والحجر، ويثبت على سدّة المخترة، بعد أن سلبها بالمكر والعنف والدهاء، فأصبح من الذوات وترك طبقة العامة المحتقرين خلفه، وعندما حان الزمن ليورث ابنه، لا أملاكه فقط، بل سلطته أنفذه إلى العاصمة ليستمع للأستاذ؛ ذلك الرجل الغامض الذي لا يدين إلّا بدين السلطة، فعلّمه كيف يكون ثوريًا ورجعيًا، حسب ما تقتضي الظروف وتبدّل المصالح والولاءات. رجع ابن فهد سيدًا على القرية وعندما قامت الثورة أو الحرب الأهلية، فكلٌّ يطلق عليها التسمية التي تتوافق مع ميوله! لعب ابن فهد لعبة أبيه بالبيضة والحجر، فيدٌ مع السلطة، ويدٌ مع المجرمين، ويد ثالثة مع رجال الدين، يرضي هذا، وينتقم من ذاك ويقتل هذا وذاك. لقد كان ابن فهد يتمنّى في دخيلته أن يكون له تاريخ ابن سلامة، لكن من أين له ذلك! فلا أفعاله ولا أخلاقه، ولا نواياه، تتفق أن يكون له ذلك التاريخ، وإذا كان مايرغب به من المحال، فليصنع تاريخًا من الأكاذيب، ولا يكون ذلك إلّا في قتل ابن سلامة، لتنتهي المقارنة وتخلص له زوجته ساجدة. 

الحبّ القاتل: 

أغلق الأمن الطرق المؤدية إلى القرية بالاتفاق مع ابن فهد، وتقرّر أن تُرتكب المجازر في القرية، لتكن عبرة لمن تجرأ على مواجهة السلطة. كان ابن سلامة عائدًا من عمله عندما مُنع من الدخول إلى القرية، لكنّه ابن هذه الأرض وهو أدرى بشعابها، فتسلّل إلى داخلها، وهناك رأى عناصرًا من الأمن يستعدون لإعدام مجموعة من الشباب، فهجم عليهم وقتلهم وأنقذ فتاة من الاغتصاب. تقع الفتاة في حبّ ابن سلامة، لكنّها تنتهي كزوجة لابن فهد، تحقد على كلّ حبّ ودقّة قلب. وعندما عاد ابن سلامة إلى بيته تسلّلت إليه، لكنّه خيّب عواطفها وشهواتها، ورغبتها أن تتسلّط عليه، فأصرت أن يقتله زوجها. هكذا توافقت المصالح بين بنت العائلة الدينية وابن عائلة المال على قتل ابن سلامه، ووافقهم في ذلك المخبرون ورجال الدين وعصابة ابن آوى التي تعمل في بيع المخدرات، وكأنّ ابن سلامة عدوهم الوحيد، مع أنّ هؤلاء هم من ارتكب القتل باسم السلطة، وهم من سهل الانتقام أهل القرية باسم الدين وهم من أفقر البلاد. ومع ذلك خضع لهم أهل القرية، ووافقوهم عندما قرّروا قتل ابن سلامة الذي تحدّى أصنامهم وكسرها، وكأنّ هذه القرية لا تعرف معنى الحياة، إلّا بالعبادة لشخص الحاكم كائنًا من يكن. 

عاد ابن سلامة بعد خمس عشرة سنة! لا أحد يعرف لماذا عاد؟ فمنهم من خمّن، بأنّه رجِع ليشعل ثورة بوجه السلطة القديمة الجديدة! ومنهم من فهم، بأنّه عاد للانتقام! ومنهم من… ! لكن ابن سلامة لم ينبس ببنت شفة، فهل عاد ليموت بعدما رأى الثورة تأكل أولادها وتنتج ديكتاتورًا آخر؟ أم أنّه عاد ليموت في مسقط رأسه بشكل طبيعي أو يُقتل على يد من دافع عنهم من أهل القرية، من المخبِر، إلى رجل الدين، إلى والد الراوي الرعديد، وجدّة الراوي الثائرة التي علّمت الراوي سرد الخرافات والأساطير؟ فهكذا قرية لا يمكن أن يكتبها علم التاريخ، لأنّها خارجة عن منهجه وأحكامه؛ خاضعة للعنات قديمة وأرواح هائمة وآمال كالأشباح، فلا تكتب إلّا بالأساطير والخرافات، فهل عاد ابن سلامة ليدفع الراوي/ المدرِس ليسرد قصته، كي تكتمل الحكايا وتخبأ في صدور الأجيال القادمة  كأساطير وخرافات؟

الرمز والإشارة والإيماء: 

لا تحدّد الرواية أرضًا، ولا شعبًا، ولا حاكما معينًا، مع أنّه من خلال الإشارة والإيحاء من الممكن إسقاط رموز وأحداث الرواية على سورية بكل بساطة، بما أنّ كاتبها سوري. وفي الوقت نفسه لا يحدّد زمنًا، فمن الممكن أن تكون في هذا العصر أو الأسبق منه، أو اللاحق له، لكن المدّة التي حدّدها الراوي في بداية الرواية لعودة ابن سلامة إلى قريته بعد خمس عشرة سنة من يوم أصبح ثائرًا، تشير إلى سنوات الحرب السورية ما قبل السقوط وما بعده. لم يكن ابن سلامة عندما قام بثورته منتميًا سياسيًا ولا دينيًا، فكل ما أراده إنقاذ أهل قريته وتلك الفتاة ساجدة التي صاقب وجودها في القرية في ضيافة صديقة لها، مع أنّ ساجدة من عوائل الذوات الدينية التي تتقاسم مع عوائل المال والسياسة السلطة في هذه البلاد، وكأنّ ثورة ابن سلامة تقول، لا يعنيني إلّا الإنسان، مهما كان منبته أو منشأه أو ميوله! ألم تكن هذه شعارات الحراك السوري في أوائل خطواته ومن بعدها انحرف يمينًا ويسارًا. إنّ تطور شخصية ساجدة من فتاة تنتسب إلى عائلة دينية، إلى عاشقة مجنونة لابن سلامة، إلى زوجة براغماتية لابن فهد، يعدّ من أفضل الأمثلة على الانحرافات التي أصيبت بها الثورة، لقد فجّر انقاذ ابن سلامة لها ثورة الحبّ/ الحرية فيها، وعندما لم تحصد من هواماتها العاطفية إلّا السراب تحوّلت إلى وحشٍ لا يعيش إلّا على القسوة. كذلك أهل قريته والثوار ورجال السلطة والمال والدين كلّ منهم ذهب وراء مصالحه الخاصة، وكأنّهم لم يهتفوا يومًا للحرية والعدالة والمساواة. وعندما أيقظتهم عودة ابن سلامة إلى القرية من انتصاراتهم المزيفة أرادوا قتله، فكأنّ لكلّ منهم ثأره الخاص معه، حتى هؤلاء الذين لم يعايشوا بداية الثورة أو الحرب، فلقد رأوا عودته إعادة للتاريخ، فنبذوه، مع أنّه بعد رجوعه لم يبرح بيته، وكأنّه يعلن خيبته، حتى ممّا خرج لأجله في الماضي. 

كان الراوي شاهدًا على كل تلك الأحداث، وسببًا بمقتل ابن سلامة، فلو أنّه صمت عن الإعلان عن عودته، لكان نُسي مع الكثيرين الذين طحنتهم الحرب، فأهل قريته نساءون مادام النسيان يخدم مصالحهم وذاكرتهم قوية لأجل مصالحهم. سدّد الراوي دينه لابن سلامة، لأنّه تسبب في موته بدون قصد، فجمع أشلاءه، بعدما قطّعنه بنات آوى إربًا إربًا، ومن ثم دفنه في أحد وديان القرية الأسطورية. لكن الأفظع من ليلة السكاكين، كان بأن اجتمعت القرية وأقامت تأبينًا عظيمًا لأجل ابن سلامة! ومن ثمّ دفنوه في تابوت خاليًا من جثمانه، أمّا الأعجب، فقد كان ظهور ولد حليق الرأس بين جموع المشيعين صارخًا: “حرية، حرية” وغاب بعدها بين البيوت والأزقة. لم يعد ابن فهد مهدّدًا بزوال سلطته، أمّا ساجدة فأوغلت بجنونها، وعاد كاتب التقارير إلى تقاريره، وإمام الجامع إلى خطبه، وبنات آوى إلى جرائمهم، بعد أن دفنوا ابن سلامة، وكأنّ لا ثورة قامت، ولا حربًا طاحنة دارت رحاها يومًا هنا. يغادر الراوي قريته إلى المنفى في شمال هذه الأرض، ولسان حاله يقول: “ظل وجه ابن سلامة لا يفارقني، وبقيت صرخته يوم قُتل تزأر في روحي وتُؤجج رغبة داخلي بالانتقام والثأر، لكن ممّن سأثأر؟ من نفسي الجبانة التي لم تحرك شيئًا طوال تلك السنوات، أم من بنات آوى؟ أومن العائلات ذات النسب؟ من ابن فهد؟ من ساجدة؟ من الأستاذ؟ من المدن والحضارة؟”. 

قد تكون نوفيلا عروة المقداد من أوائل الروايات التي تتناول الحرب في سورية بعد السقوط. وهنا تكمن ميزتها، بأنّها لم تعد ترى مآلات الثورة طهرانية أبدًا، فالنظام قد سقط، وما يحدث في سورية الآن، يحتاج إلى سردٍ لا يكتفي بتمجيد الثورة، وإنّما نقدها بشدّة، لكي لا تصبح مقولة: من كثرة ما وقع الشعب السوري في الحفرة ذاتها؛ أصبحت قبرًا له.  

سيكولوجيا الحشد والطاعة: كيف يتحوّل الجمهور إلى قاتل؟

سيكولوجيا الحشد والطاعة: كيف يتحوّل الجمهور إلى قاتل؟

“الشعب” تلك الكلمة المقدسة التي ناءت بما حُمّل عليها من معان ومسؤوليات، وما يقابلها من مفردات بذات المعنى، “الشعب الذي يعرف طريقه”، الحشد الجماهيري أو “الجمهور”، البوصلة التي تنتهي عندها غايات السياسيين والمفكرين وما يتغنى به البعض من أنه نبض الحقيقة وصوت الشارع الصارخ بالحق وما إلى ذلك. هـذه الكلمة تُعالج بشكل مختلف في كتاب جديد  لنبيل ملحم صادر هذا العام يأتي بما يناقض هذا المفهوم ويفكك بنية وسلوك الجمهور” ذاك الحشد الذي لا يرى ويحلل عميقًا تحولاته متنقلاً بين الأدب والسياسة وعلم الاجتماع بروح الروائي الذي يستحضر ما ثبت في ذاكرته الخصبة من نتاجات سابقيه. 

يستند بداية إلى كافكا في نص “المحاكمة” ففي قلعته تكون السلطة غير مرئية ويكتشف وجودها من آثارها وسطوتها غير المباشرة وحتى الأدوات التي تستخدمها لا تدرك الغاية من سياساتها ومع ذلك تلتزم هذه الفئة بالتعليمات لأنها تكون بحسب ظنها من واقع الضرورة أو دافع البقاء فحالة الغياب للسلطة يخلف هالة من القداسة حولها. 

منذ البداية يحاول تفكيك نظام الطاعة الذي يحكم الألوف المؤلفة من الناس، بسؤال حساس ما لذي يجعل القطيع قطيعاً من دون سوط، فالطاعة هنا ليست نقيض الحرية بل يمكن أن نسميها استراتيجية البقاء، فهذا الحشد يعمل كداعم قوي للسلطة غير المرئية حيث الاغتراب والعزلة والخوف يمهد الأرضية للطاعة والصمت واللامبالاة ما يجعله تربة خصبة لمفهوم “الجمهور القاتل”، وقبل أن يوضح مفهوم هذا الأخير يستعرض بعض النماذج من النازية للفاشية وصولاً للتطرف لدى الإسلام السياسي تلك التي حملت خطاب الكراهية مما أعطى شرعية للعنف الاجتماعي في مراحل صنع العدو فقد صعدت النازية الكراهية ضد اليهود والسلاف والغجر وكذلك الفاشية حين نفت أي صفة حضارية عن الأفارقة  والتمجيد العنصري للذات عبر الأسطرة التاريخية لجد ماثل بالأذهان للعصر الآري الذهبي وأيضاً إحياء التاريخ الإمبراطوري لروما، فخطاب الكراهية يأتي من خلال شيطنة الآخر عبر الدعاية والبروباغندا، فالدعاية النازية هي التي حشدت الشعب وراء الفكرة القاتلة خلف مشروع عنصري قاتل وقول وزير خارجيتها الشهير غوبلز “اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس” حيث اللعب على العاطفة لا العقل فالحشود تعامل بالشعارات لا بالعقلانية، ومن خلال هذه المقارنة يحاول تفسير متى يتحوّل الجمع إلى وحش؟ ومتى ينقلب التصفيق إلى أداة قتل؟ 

إن خطورة التماهي مع السكوت والإجرام بوصفه أمراً طبيعياً تكمن في أن الجمهور القاتل لا يكتفي بالطاعة بل يتماهى مع الطاغية طارحاً السؤال المتجدد لماذا يقدس الناس طاغية مثله، ماهي دوافعهم! 

في بيئة الخوف المزمن يبرز الناس ميلاً للتعاطف مع الجلاد الذي يحب أن يطرح نفسه كأب ورمز للاستقرار، ففي حالة الفراغ الأيدلوجي السياسي يميلون للتشبث بمن يظنونه منقذاً. وهناك البعض منهم ممن يعتبره تجسيداً لرغباتهم المكبوتة في الانتقام والسحق، إذ إن سورية تحولت بالقوة إلى ماهي عليه، فهي كانت دولة ناشئة فيها أحزاب وحياة سياسية ونقابات في فترة الخمسينات، والطغمة مسخت الوطن على صورة الزعيم، ففي عهد هتلر كان الطبيب النازي جزءًا من منظومة نازية لها فلسفة بينما الطبيب السوري الذي مارس التعذيب والتنكيل والقتل في زنازين الأسد كان يدور في فراغ أيدلوجي قوامه الطاعة والامتثال لقوة عليا، ولم يكن المقتول معارضاً دائماً بل يمكن أن يكون سورياً صامتاً عن التمجيد، وبين القاتل والمقتول امتدت سورية في خرابها.

يؤكد صاحب “خمارة جبرا” بأن السوريين لا يعرفون بعضهم وهو يربط ما سبق  مع الحالة السورية اليوم وقد فشلت دولة الأسد في بناء مواطنة صحيحة، إذ يجري الآن أسلوب شيطنة العلويين فهم ” نصيريون  كفار”؛ والدروز” زنادقة وكفار باطنية” والأكراد “انفصاليون وعملاء للغرب، وحتى يشكك بانتمائهم لسوريا بالتالي إعادة إنتاج خطاب الكراهية من خلال التحريض الطائفي في خطب الجوامع  والدروس الدينية بل هناك مشاهير من الدعاة والقنوات مثل “صفا والوصال” تبث سمومها باستمرار ويصبح تدريجياً الخطاب المتشدد سلطة تشريعية وإقصائية تبرر وتمنهج القتل ويصبح العنف والقتل واجباً شرعياً  يجند لها وسائل الإعلام كافة من تلفزة وسينما وصحافة ومناهج دراسية للأطفال وخوارزميات الفيس بوك واليوتيوب تنتصر للفعل المثير مما جعل مشاهد القتل تنتشر بسرعة كبيرة، مع ما يقابلها من تفعيل الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني،مثال الدرزي الذي سب النبي وتبين بعدها  إنه مغرض ولكن ما يراد منه قد تم، كما يتم الترويج لدعاية مضللة كتهجير الكرد للعرب أو تصوير الدروز كعملاء لإسرائيل دون أن يشار للأسباب التي دعت البعض لذلك وتكبير المشهد دون حاجة لإعمال العقل والتفكير. والغريب أن يشهد الجوار علاقات سمحة مع إسرائيل رغم الموت في غزة ولا يستفز المشهد أحداً  ومن هنا تفسر مجازر العلويين ومجازر الدروز وخطف النساء، ومن الغريب أن يستغرب البعض هذه الحالة والشروط مستوفاة لوجودها، وحالات سبي الايزيديات وسبيهن ماثلة للاعين بذات الايدلوجية.

هناك شخصيات قاتلة لها جمهور قاتل دون أن تمسك بالسلطة ممثلة بالحركات الراديكالية خارج الدولة مثل الإسلام الجهادي الـذي يمثل الإله عبر القتال والتكفير في خطاب تزييني للموت (أسامة بن لادن) مما أسس لسيكولوجية الانتحاري الذي يموت لأنه يحب فكرة التمجيد المرضي للموت الاستشهادي.

كذلك شهوة العنف لدى “أبو مصعب الزرقاوي” الذي وصف بأنه “شخصية حدية ذات نزوع سادي” حيث يبرز القتل والذبح والتصوير وكأنه فعل تطهري والتكفير هوية له، ففي حين اعتمد الزعيم الجهادي على سلطة العقيدة والانتماء العقائدي الأممي والجمهور كمنفذ لواجب إلهي في حين اعتمد الزعيم القومي على سلطة الدولة والجهاز الأمني وعلى الانتماء الوطني وعلى الشعب كمطيع.

وقد صنع “بن لادن” جمهوره القاتل باعتماده على مظلومية إسلامية كونية  (فلسطين والبوسنة- العراق الحجاز) واستثمر في الرموز العاطفية الكبرى (القدس كربلاء الأندلس) في تمثل فكرة الولاء والبراء حيث التقارب والمودة مع إخوة الدين وإعلان البراءة والتنصل من أعداء الدين، لأن توجيه الغضب ضد العدو له ميزتان إحداها جنسية حيث الحور العين والثانية روحية تأمل برضا الرب، ولكن الزرقاوي  أنتج جمهورًا أشد دموية وتطرفًا لأنه يقوم على قتل الشيعي والعلماني والمسيحي والمسلم المرتد ومسرحة القتل عبر التصوير والنشر والتلذذ بالقتل وهذا ما كان في سلوك تلامذته في مجازر الساحل والسويداء وعشرات المجازر قبل استيلائهم على السلطة.

يعرف غوستاف لوبون الجمهور في ثلاث حالات الجمهور الغبي والقاتل والمهدور فالأول جمهور تحكمه العاطفة لا العقل. يقول لوبون: “الجماهير لا تفكر بل تقاد” فهي عفوية وساذجة وتصفق وتهتف وتستجيب لرموز السلطة ولكنها قابلة للتحول السلمي وتحتاج لمن يقودها ومن هذه المقارنة يحلل لوبون أن الساذج عندما يعطى شحنة لاهوتية أو أيديولوجية دموية يتحول من جمهور غبي إلى جمهور قاتل.

فالجمهور القاتل معبأ ومؤدلج دينياً لأن يفجر ويذبح متحولاً إلى أداة سلطة وموجه للعنف ويخلق من نفسه قائداً أو قاتلاً. 

وهناك تفصيل آخر هو الإنسان المهدور: فالإنسان العربي يعيش مهدور الكرامة والحق والرأي متعرضًا للقمع السياسي والإفقار الاقتصادي وإلى التهميش النفسي، لهذا يتحول إما لسلبي خانع أو ينفجر في عنف هدام قد يكون عنفًا دينيًا أو ثورة، فالإنسان المهدور يعيش اغتراباً وخوفاً وفقدًا للكرامة لأنه ضحية منظومة هدر مستمرة لذا فهو قابل للانفجار أو للانسحاب مما يهييء لتحوله إلى جمهور قاتل، يتجاوز وضعه عبر القتل في إثبات الذات مستعيداً كرامته فيها، حيث العنف عقيدة لا أداة والخلاصة في ذلك أن الجمهور القاتل هو الإنسان المهدور حين يتحول من ضحية إلى جلاد حيث  يقضي بضربة واحدة عدوه وتاريخه وماضيه،  وهو جمهور لا فرادة له فهو بلا عقل يقوده يقين وكل يقين قاتل لأنه على الضد من فكرة المواطنة، فالهدر والتعبئة يقودان إلى الجريمة المقدسة.  

يعود الملحم إلى واقع الحراك الذي انفجر بسوريا في 2011 وكيف تناسل الرد الطائفي من بعضه مع دعم وتهيج الجوار لجزء من هذا وجزء من ذاك، بين الخليج العربي وتركيا وبين إيران وروسيا، فالطائفية لم تدمر اللحظة الثورية بل أنتجت السوريين كغرباء عن بعضهم وبات أنتم ونحن صيغة متداولة بين أصدقاء الأمس. فالطائفية وظفها النظام والمعارضة وقعت في فخها ودول الجوار صبت الزيت على نارها وعليه سقط شعار الشعب السوري واحد. 

كل ضحية مهيأة لتقوم برد فعل عنفي وتتحول من ضحية إلى جمهور قاتل فهي تعيد إنتاج نفسها من عقدة المظلومية، والأمر ليس محصوراً بالراديكالية الإسلامية بل هناك تحول للأقليات الضحايا إلى جمهور قاتل مثلاً مشاركة الميلشيات الدرزية بالحرب اللبنانية،–هجوم الأرمن على قرية الأذريين في قرة باخ، وبعض المجازر بحماة قام بها علويون من منطلق طائفي.

ولهذه الأقليات شروط لتحولها إلى القتل الجمعي تأخذ شكلها عندما تتحول المظلومية إلى خطاب سياسي يومي إذ سرعان ما تتحول إلى ماكينة لإنتاج جمهور قاتل وأحياناً يلعب الخوف من الإبادة للقيام بفعل استباقي وخاصة عند تشكل ميليشيات لحماية الأقليات قد تتحول لأدوات قتل خارج سياق الحماية وخاصة إذا استقوت بالتحالف مع دولة قوية. 

لقد نشأت سورية عمارة هشة كنتاج للقوى العالمية ووريثة فشل الدولة العثمانية وتاليها فشل الدولة الوطنية، والسؤال هل يمكن لسورية أن تبنى على أساس غير طائفي؟

نبيل الملحم في كتابه يلامس مفاصل حساسة ويفكك واقعاً حلوله شائكة ويطرح أسئلة حرجة مثل كيف نتجنب هذا السقوط في فخ الكراهية والقتل، ربما نقارب ما قالته حنا أرندت:” إن ما يحمي الإنسان من الانخراط في القتل ليس الخوف من القانون بل القدرة على التفكير الأخلاقي” لذا هل نستطيع إعادة تربية المجتمع على الأخلاق؟ 

أسئلة صارخة برسم الضمير الأخلاقي لمن يريد لسورية أن تنهض من جديد.

العلاقة بين الزمان والمكان والشخوص في القصة القصيرة السورية 

العلاقة بين الزمان والمكان والشخوص في القصة القصيرة السورية 

مع تبلور القصة القصيرة كجنس أدبي؛ خرج الحدث من حالة اللاتعيين التي كان يتسم بها في الحكاية، فقد صار له فضاء مكاني وزماني، ولم يعد الزمان كان يا ما كان، والمكان عائماً خيالياً، أماً الشخوص فقد تنوّعت وصارت بصفات محددة وليس على سبيل التعميم كما كانت ملكاً أو صياداً أو أميراً…

يحكم هذه العناصر الثلاثة علاقة تفاعلية مع بعضها بدرجات مختلفة، وذلك في سياق النص القصصي، وتتبدى هذه العلاقة وفق منطلقات ثلاثة هي:  

العلاقة من منطلق الزمان

ليس من الضروري أن يكون الزمان في القصة زماناً كرنولوجياً، والذي يعني تسلسل الأحداث وفق تاريخ وقوعها. فالزمان هنا؛ هو زمان فني يأتي بصيغ مختلفة وفق تقنية الكتابة التي يعتمدها الكاتب.   

تحديد الزمــان قد يأتي بشـــكل غير مباشــر كما في قصة (الجمار) لأنيس إبراهيم، حيث الزمان يتحدد بتبديات الطبيعة، سقوط الجمرات، والحدث يتمحور ويتمفصل على هذه التبديات، سقوط الجرة الأولى.. الثانية.. الثالثة.

تتضح علاقة الزمان بالمكان والشخوص في هذه القصة، فالزمان يحدده سقوط الجمرات من الجمرة الأولى، والمكان الأرض التي تسقط فيها الجمرات والشخصية هي أنثى “بادية” التي ينعكس سقوط الجمرات في كيانها كما الأرض، فالعناصر الثلاثة تتناغم مع بعضها في سياق سردي محكم حتى نهاية القصة.

بينما نجد في قصة (مسافر نسيه القطار) لوليد معماري أنّ الزمان محدد بشكل واضح في مطلع القصة “دخل المدينة ساعة منتصف الليل..” رغم ذلك تبدو علاقة الزمان بالمكان علاقة مشوشة وعلاقة الشخصية بهما مرتبكة. تمضي القصة بنقلات سردية يحكمها تحديد الزمان، الذي يحدد بدوره المكان وتواجد الشخصية وحالتها حيث تعاني هنا من فائض الزمان، مما يشعرها بالضياع والفوضى “تحت ضغط ميوعة الوقت” في الساعة الواحدة “ساحة باب الفرج، في الساعة الثالثة في محطة القطار…في الساعة السادسة فاته القطار ونفد الزمان وصار له معنى آخر، يمكن اعتبار هذه القصة قصة زمان بامتياز. 

علاقة الزمان بالمكان تأخذ طابعاً آخر في قصة (القطار) لجورج سالم، ففي هذه القصة يندغم المكان بالزمان، وصولاً إلى تحقيق حالة ينطبق عليها مصطلح الزمكان أدبياً، علماً أن دلالة المصطلح أدبياً تقترب منها علمياً، والتي تعني أيضاً “دمج مفهومي المكان والزمان ضمن استمرارية معينة” وهذا المفهوم يعود لــ”هيرمان ميتوفسكي” وقد صاغه على أساس نظرية النسبية بعد ثلاث سنوات من وضعها من قبل ألبرت أينشتاين. 

في هذه القصة يشكّل القطار مكاناً وزماناً للحدث، فالحدث يبدأ زمنياً من لحظة اكتشاف الشخصية بأنها على متن القطار دون أن تدري كيف وصلت إليه، وسيرورة الحدث تمضي مع سير القطار.. 

من ناحية العلاقة بين العناصر الثلاثة؛ تبدو الشخصية غير متوافقة مع ما يجري، تشعر بغربة وبخلل كبير لا يمكنها ضبطه، فهي منصاعة مع سير القطار (الزمكان) بلا إرادة، وهذا يحيلنا إلى مسألة تشوه المكان ببعده الرابع، الزمان وفق النسبية أيضاً.

العلاقة من منطلق المكان

لا يمكن للمكان أن يكون حيادياً في العمل الأدبي، بعبارة أخرى”المكان ليس بريئاً” ووفق جماليات المكان لغاستون باشلار “المكان الذي ينجذب إلى الخيال لا يمكن أن يبقى لا مبالياً، ذا أبعاد هندسية وحسب.”

علاقة العناصر الثلاثة من منطلق المكان نراها في قصة “السبعا وأربعين” لسعيد حورانية، فالمكان هو من يرسم حدود الزمان وطبيعة الشخوص ويشترع العلاقة بينها.

المكان في القصة مكانان؛ مكان متحرك “الباص” ومكان ثابت ” العراء الذي يمضي فيه على طريق الرقة، وشخوص القصة مشتتة بينهما خوفاً من تعطل الباص، والزمان بدأ في المكان المتحرك واستمر زمان ترقب وخوف. المكانان لا يلبثا أن يتوحدا في مكان واحد عند تعطل الباص ليصبح وكأنه جزء من العراء. علاقة الزمان بالمكان في هذه القصة تكون في حالة تقاطع حيناً وتواز حيناً آخر، أماّ بالنسبة للعلاقة مع الشخوص فهي مشوشة مرتبكة عند البعض متسقة عند الآخر، وذلك حسب قربه وبعده من البيئة، فالمعلم الدمشقي يبدو غير منسجم لا مع المكان ولا الزمان، بين الآخرين يبدو كل شيء عندهم معتاداً مألوفاً.

يأخذ المكان سمات مختلفة في قصة “الأرض القديمة” لناظم مهنا، فالمكان تاريخي باسمه ومكوناته رغم ذلك ليس حقيقياً، والشخوص كذلك، ولا بد للزمان من أن يكرّ إلى الوراء ليتسق مع المكان والشخوص.

في هذه البيئة لا يمكن فصل الزمان عن المكان أساساً، ولكن ليس وفق مصطلح الزمكان، فالحدث هنا كيفما انتهى هو حدث سالف، ولا يمكن أن يكون محمولاً على تغيير ببعد مستقبلي. 

  في قصة (هذه المرة) لإبراهيم صموئيل لا تحديد للمكان ولا للزمان، غير أن ذكر أشعة الشمس بشكل عابر يشي بأن الوقت نهار وعلى الأرجح في الصباح، أماّ المكان فمن سياق الحدث نخمّن أنه يمكن أن يكون في المنزل.

تبدو الشخصية التي تروي الحدث غير عابئة بالزمان والمكان، مأخوذة بالحدث البسيط والمفاجئ في مجراه والمفجع في نهايته، وكأن المكان لم يحدد لعدم أهميته ولضعف دوره في الحدث وبما يؤول إليه.

العلاقة من منطلق الشخوص:

الشخوص في القصة هي من يقوم بالفعل ومن يعبّر عن تبدلات الإحساس والشعور.  قد تكون موصوفة بالهيئة (الفيزكس) أو جوانية تعبر عن نفسها وسماتها بالموقف والفعل. 

 بغض النظر عن التنظير لنماذج الشخوص بسيطة أم مركبة… من المفترض أن تكون حاملة للدهشة، فليست كل شخصية قادرة على الحضور في العمل الأدبي بأثر جمالي.

 تختلف علاقة الشخوص بعنصري الزمان والمكان، ففي قصص ما تكون الشخصية حاضرة بقوة، كما في قصة (فارس) لاعتدال رافع، الشخصية في القصة هو (أبو شفيق) والمكان هو (مقهى أبو شفيق) المعروف في مدخل دمشق الغربي، والزمان غير محدد، يمكنه اعتباره زمان استمرار أبو شفيق في المقهى.

علاقة الشخصية بالمكان في هذه القصة علاقة تناغم واتساق، فهو الناظم للمكان والمتحكم به، بينما العلاقة بالزمان إشكالية يحكمها التناقض بين ما مضى والآن، بين المتغير الذي يرفضه أبو شفيق، فهو يجهد لأن يوقف الزمان على ظرف وحال معين. 

 نجد في بعض القصص شخوصاً ليست آدمية، حيوان كما في (حكاية الرجل الذي رفسه البغل) لوليد معماري، (النمور في اليوم العاشر) لزكريا تامر، أو نبات كما في قصة (شجرة الغَرَب) لإبراهيم الخليل. في هذه القصص تقوم علاقة هذه الشخوص بعناصر القصة الأخرى على أنسنتها، إن كانت العلاقة مع الزمان أو المكان، والأخص علاقتها بالشخوص الأخرى.

قد تأتي شخصية القصة جماداً كما في قصة (التمثال) لإبراهيم خريط. التمثال هو تذكار لشاعر ميت وعلاقته بعناصر القصة، خاصة شخوصها الأخرى تنهض على إرث هذا الشاعر، وكأنه ما زال حياً، أي كأنه شخصية القصة الحقيقية. 

هناك شخوص تتصف بخصوصية مميزة كما في قصص زكريا تامر، حيث تقترب شخوص قصصه من شخوص أعمال الواقعية السحرية، وهي ذات تفاعلية وعلاقة وطيدة كبيرة مع المكان والزمان، نجد ذلك في قصة (موت الياسمين)، فالشخصية معلمة مدرسة وهي واقعية بوجودها وسماتها لكنها ليست كذلك بما يتعلق بالحدث.

تلعب التفاعلية بين العناصر الثلاثة: الزمان والمكان والشخوص؛ دوراً كبيراً في نجاح وتميّز النص القصصي، حتى في التجارب القصصية التي نحت باتجاه التجريب والتجريد لم يسقط أي من هذه العناصر، بل أخذت طابعاً افتراضياً تخيلياً.

حين يصبح الحرف موقفًا: منير الشعراني يتكلّم

حين يصبح الحرف موقفًا: منير الشعراني يتكلّم

استطاع الفنان منير الشعراني أن ينتقل بالخط العربي من أداة للتواصل، وفنّ تطبيقي إلى فن تشكيلي ولوحات فنية عصرية لافتة للانتباه، بما يكشفه ويضفيه على الكتابة والخطوط التقليدية من جماليات التشكيل بأبعاد مختلفة وعبر رؤيته التجديدية الخاصة، أقام الفنان معرضاً للوحاته في حمص بالتعاون مع مؤسسة تراثنا على المسرح الأرثوذكسي العريق في المدينة، فكان لنا هذا اللقاء معه:

يجدر بالذكر أن الفنان منير الشعراني من مواليد سلمية 1952 عاش في دمشق وتعلم فيها الخط، ثم درس في كلية الفنون الجميلة وتخصص بالتصميم الغرافيكي.

ضد قتل السوريين في كل مكان وضد القتل عموماً

السؤال الأول: في كل حدث كان يمر على البلاد كنا نشاهد لوحة أو ملصقًا للأستاذ منير الشعراني. هل ترى اللوحة أو الملصق مشاركة لمعاناة الناس أم إشهار لموقف؟

أرى الاثنين يتفاعلان مع بعضهما ليعبرا عن الموقف وليقوما بالدور المطلوب، ويتكاملان ليصلا إلى الناس، نعم اللوحة والملصق مشاركة وإشهار موقف بشكل مرئي، فالناس غالباً ليس لديها وقت لقراءة منشورات طويلة، بينما يصل محتوى الملصق للناس بشكل أسرع، وكنت أفعل ذلك لأني معني بإظهار موقفي  فأنا، علاوة على كوني فناناً، واحد من المواطنين السوريين يهمه ما يجري في سوريا، وهذا ليس بجديد فأنا لدي اهتمام سياسي لوحقت من أجله 25 عاماً أي منذ عهد حافظ الأسد، بقيت  خلالها خارج البلد ولم أستطع العودة إلا في عام 2004 بعد عفو عام، وبقي موقفي واضحًا ومعلنًا بعد ذلك مع شعبنا وحريته وقضاياه، وضد ما يجري بحقه من قمع وعسف، لمواجهة إرادة الناس ومطالبها بالحرية والديموقراطية والمساواة، فكنت مع الحراك وانتفاضة شعبنا عام 2011 منذ البداية، إضافة لذلك شاركت بتأسيس (تجمع التشكيليين  السوريين المستقلين) ونشاطاته المناهضة للنظام البائد والداعمة لانتفاضة الشعب، وبإدارة صفحته على الفيسبوك، وصفحة (الفن والحرية) التي كنا ننشر فيها أعمالًا لفنانين يقفون في صف الانتفاضة والنضال السلمي، إضافة لما كنت أنشره على صفحتي الخاصة، وبعض مانشرته آنذاك معروض هنا في المعرض. 

ومازال موقفي في صفّ شعبنا وقضاياه مستمرًا حتى اليوم، لأنه ما زال أمامنا الكثير مما يجب فعله بعد سقوط النظام البائد. ولم يتوقف تصميمي ونشري للملصقات، ففي أحداث الساحل، أقصد مجزرة الساحل، كان لي موقف واضح ونشرت ملصقًا في مجموعة “أنقذوا” بعنوان “أنقذوا الساحل” ثم بعد ذلك نشرت أيضاً ملصقات مشابهة في أحداث جرمانا وصحنايا و”غزوة” السويداء.

أنا ضد قتل السوريين في أي مكان، وضد القتل عموماً، وهذا الموضوع يعنيني مباشرة وأجد من الواجب علي أن أعلن موقفي وأساعد الناس على إعلان موقفهم منه.

السؤال الثاني: العبارات المكتوبة في اللوحات هل هي أقوال مأخوذة من فلاسفة أو أشعار أو حكم وأقوال مأثورة، وكيف تختارها؟

العبارة بالنسبة لي هي مسألة أساسية فأنا منذ بداية عملي الفني، لا أتبنى نظرية الفن للفن، بل أرى أن للفن دوراً مهماً ويجب أن يكون له دور مؤثر في كل وقت، وبالتالي فكل العبارات منتقاة بعناية، وهذا حدث وما يزال بطريقة تراكمية وعلى مدى سنوات طويلة كنت خلالها أجمع كل ما يقع تحت نظري من مقولات مكثفة وبليغة تتفق مع رؤيتي للحياة والإنسان والحق والخير والجمال والحرية، وكنت أحياناً أقرأ بصورة قصدية مؤلفات محددة كديوان المتنبي لأخرج من شعره أهم ما فيه من حكمة وغير ذلك مما له علاقة بالإنسان والقيم وكذلك فعلت مع المعري. كذلك الحال مع القرآن الذي ركزت في اختياراتي منه على ما لا علاقة له بالميتافيزيقيا، مما يتعلق بالناس وشؤونهم وحياتهم والقيم العليا، وكذلك فعلت مع الإنجيل والمتصوفة، بالإضافة إلى الأقوال المترجمة لكتاب وشعراء أجانب. أختار العبارة بحيث تكون متسقة مع فكري وتصوراتي عن الإنسان والحياة والحب والجمال، ومحتوى كل عبارة يجب أن أكون مقتنعاً به وأرى فيه ما يمثلني، وبالتالي يمكن قراءة توجهي الفكري والإنساني من خلال مجمل أعمالي.

السؤال الثالث: تتعامل مع الخط كلوحة فنية فماهي الجمالية التي وجدتها فيه لتحول الخط إلى لوحة؟

المسألة متكاملة: الإنسان حين يتربى على امتلاك الذهن النقدي يكون نقديًا تجاه كل القضايا والمسائل ومنها الخط العربي في حالتي،  الخط كان مستنقِعًا برأيي، لأن الخطاطين حتى الآن مازالوا يعيدون إنتاج الخطوط التقليدية بنفس الآلية وبنفس الطريقة وبنفس القواعد، و في رأيي أن هناك إمكانيات لتطوير الخطوط قد عرقلت أو أهملت، وأن هناك خطوطًا أبعدت أو استبعدت من الصورة، وكان ممكناً أن يكون هناك تجديد يضيف شيئًا ويطور أشياء لأن قراءتي لتاريخ الخط تؤكد انه كان حياً يتطور ويتنامى ويتجدد طوال فترات الصعود الحضاري، وحين توقفنا عن هذا الصعود وخضعنا للاحتلال العثماني بدأ هذا الانحدار والاستنقاع واستبعاد كثير من الخطوط التي كان يمكن الاستمرار بتطويرها لتعطينا إمكانيات فنية عالية لدرجة أن الخط تحول بأذهان الناس إلى فن تقليدي، لكتابة عبارة مقدّسة تزين بها البيوت، أو لأشياء من هذا القبيل، بعد أن كان له دور معرفي مهم ومرتبط بالحضارة والتطور، الأمر الذي افتقدناه، و ما حاولته في تجربتي كان لتغطية هذا الجانب، وهذا يقتضي العمل على التطوير من حيث الشكل والمحتوى، ومن حيث علاقة العبارة بخطّها، وإنجاز العمل الفني بوسائل متطوّرة بعيداً عن الوسائل التقليدية، هذه المنظومة المتكاملة عملت عليها لتكون بالنتيجة مختلفة عما نرى من حيث المحتوى والشكل.

وانا أرى أن الخط العربي يحل إشكالية طرحت كثيراً تتعلق بموضوع الشكل والمحتوى وعلاقتهما ببعض فالخط العربي فن تجريدي، لكننا بالوقت نفسه نستطيع من خلال لوحة الخط العربي المشكلة من خط لعبارة أن نجعله جامعًا للشكل ولمحتوى منسجم مع روحه، ويستطيع المتلقي أن يتعامل معه من حيث الشكل والدلالة في الوقت نفسه.

السؤال الرابع: على هذا هل تعتقد أنك قادر أن تصل إلى المتلقّي بسهولة وأن لوحتك تصل إليه ويقرأ العبارة بسهولة؟ 

لا، عمومًا ليست لوحة الخط العربي وحدها لا تصل بسهولة إلى المتلقّي،  فحتى اللوحة التصويرية (الرسم مثلًا) لا تصل إليه بسهولة ولا تصله كل التفاصيل مباشرة، أول عامل مهم يجب أن يكون متوفرًا هو أن  تمتلك اللوحة عامل جذب بصرياً للمتلقي يدفعه للتفاعل معها ومحاولة فك رموزها، والخط العربي كفن حتى في محتواه التقليدي لم يكن محتواه يومًا سهل القراءة إن لم يكن متلقيه حافظًا للنص المشكّل فيه، لكن يمكن أن يفك المتلقّي الكلمات ويعمل على إعادة تركيبها ليصل إلى العبارة التي تحتويها، وهذه العبارة  تقوده إلى آفاق جديدة لرؤية العمل ثانية وبشكل متجدد، فالعمل الفني لا يُرى بنظرة واحدة ولا يُحل بنظرة واحدة، لكن  التفاعل معه قد يضيف للمتلقي أمورًا عديدة من الناحية الفنية ومن الناحية البصرية ومن ناحية المحتوى .

السؤال الخامس: كيف وجدت الإقبال على المعرض؟

الحقيقة أنا متفاجئ، نحن للأسف لدينا مركزية في كلّ شيء، ودمشق هي المكان الذي تحدث به معظم الأنشطة والفعاليات، لذلك سبق لي وعرضت في حمص، وكان الإقبال جيدًا أيضًا، لكني لم أتوقع ان يكون هذا الإقبال مستمرًا بعد الافتتاح ولطوال مدّة المعرض، وسرني أن الجمهور متعدد ومتنوع يضم شبابًا وكبارًا من أجيال ومشارب مختلفة ومن المهتمين بالثقافة والاطلاع على جديد لا يعرفونه، فحتى في دمشق وهي المركز يحدث الازدحام عادة في الافتتاح ثم يقل الحضور في الأيام التالية كثيرًا؛ في حمص بالإضافة إلى ما سبق كان هناك أناس كثيرون مهتمون بالاستفهام عن مسائل فنية ومسائل لها علاقة بالمحتوى وعلاقتهما في تجلي العمل، وعن كيفية  رؤيتهم  للوحة، مثلاً حضر ثلاثة مطارنة واستغرق كل منهم وقتاً طويلاً في تتبع العبارات ومعانيها وتجليها الشكلي وحدثت حولها وحول مصادرها حوارات وأعجبوا جميعًا بالخيارات وتشكيلها الخطّي، كذلك تفاعل كثير من الناس مع شكل ومحتوى العبارات فشدتهم الأعمال من حيث الشكل وتفاعلوا مع العبارات التي وظفتها في لوحات المعرض. 

السؤال السادس: هل لديك تجارب في فنون تشكيلية أخرى أم اختصيت بالخط العربي فقط؟

أنا خريج فنون جميلة مختصّ بالتصميم الغرافيكي وعملت بتصميم الكتب والشعارات والملصقات والهويات البصرية طويلًا، وأنا خطاط قبل ذلك كلّه، فقد أولعت بالخط منذ الصغر وبدأت بتعلمه في سنتي العاشرة، وصرت بالخامسة عشرة خطاطاً معروفاً في محيطي، وبعض من يحتاجون إلى الخطّ كالمطابع ومكاتب الدعاية والإعلان، قبل أن يبتدئ مشروعي الفني الذي أشعل شرارته تراكم الأسئلة حول الخط الكلاسيكي الذي تمّ تنميطه وصار تقليديًا، ألحّ علي السؤال: ماذا بعد؟ هل سنبقى نكتب بنفس الأنواع والأساليب التي وصلتنا وكتب بها السابقون؟ هل علينا أن نستمرّ في تقليدهم؟ أم أن من الضروري أن نضيف إلى ما أنجزوه؟ وهل علي أن يكون لي بصمتي الخاصة، فأعمل على المضيّ إلى الأمام في إنجاز ما أستطيعه إضافة أو تطويرًا أو ابتكارًا؟
كنت أرسم وأخطط وقد درست في مركز أدهم إسماعيل للفنون في دمشق أثناء دراستي الثانوية، وكنت أشارك في المعارض المدرسية بلوحات رسم وأعمال فنّية أخرى،  ثم التحقت بكلية الفنون الجميلة واخترت التصميم الغرافيكي  كتخصص، وكان مشروع تخرّجي بعيدًا عن الخط، استخدمت فيه  الصورة الفوتوغرافية والمونتاج والطباعة بالشاشة الحريرية، وكان مجموعة ملصقات إعلانية موضوعها “القمع والتسلط العسكري” وكان ممكنًا حتّى ذلك الوقت ومتاحاً للطالب حسب نظام الكلية اختيار الموضوع الذي يريده لمشروع تخرجه، ليتم تحكيمه من الناحية الفنية من قبل لجنة من الأساتذة، لكنهم منعوا حضور نقاش المشروع  وتحكيمه لأي كان من الطلاب وحتى من أهلي، وقد كان ذلك في آذار 1977 فتخرّجت بتفوق وكنت الأول على تخصصي.

السؤال السابع: في هذا السياق أود أن أسألك ما رأيك حالياً بمنع الموديل العاري في كلية الفنون الجميلة؟

حين دخلنا الكلّية ودرسنا فيها كان لدينا موديلات بالكلية وهم موظفون ويتقاضون راتباً لقاء ذلك، وكان هناك موديلات تأخذ أجرًا على كل مرّة يقفون فيها أمام الطلاب ليرسموهم، واستمر ذلك بعد تخرجنا حتّى بداية الثمانينات، بخلاف ما ادّعاه عميد كليّة الفنون الحالي من أن الموديل  قد منع منذ عام 1974؛ هذه الموديلات كانت تقف عارية تماماً، وأذكر أنه كان هناك موديلان هما أم وابنتها وكانتا مصريتان، كما كان هناك موديل سورية اسمها ميري، وأذكر أن الممثلة نبيلة النابلسي وقفت عدة مرات كموديل قبل أن تصبح نجمة، كما كان هناك موديل اسمه أبو الفوز، ولم يكن الغرض من الموديل العاري رسم العري، لكنه كان ليفهم الطلاب التشريح الذي ينبني عليه كل شيء في رسم الأشخاص بكلّ الأساليب.

منع الموديل لم يأت بقرار في الثمانينات، لكنه منع بقرار شفوي من عميد تولى المنصب وكان ذا عقلية متزمتة، وصار الطلاب يرسمون بعض التماثيل بدلًا من الموديل الحي، أو يجلسون أمامهم شخصًا بثيابه ليرسموه، هذه التماثيل معروفة وتستخدم كوسيلة مساعدة في كليات الفنون الجميلة في العالم للتمرين على رسم  الوجه والجسد إلى جانب الموديل الحي الذي يساعد على فهم الحركة وتغيرها بشكل حيوي عبر رسمه من زوايا مختلفة وبأوضاع متعددة، بعد ذلك أتى عميد آخر سار على خطا الذي سبقه ودعمه النظام في مراضاة ضمنية للاتجاه الإسلامي الذي كان النظام البائد يود الاستمرار في استمالته واسترضائه وتحييده خلال المواجهة مع الحركة الإسلامية  المسلحة في الثمانينات وهذا الاتجاه هو من أفرز في مجتمعنا القبيسيات ومدارس تحفيظ القرآن التي ملأت البلد أكثر من المدارس التعليمية.

مسائل جديدة بحاجة إلى حل 

السؤال الثامن: لماذا اخترت حمص لإقامة المعرض بعد (التحرير)؟

تقصدين سقوط النظام، فهناك فرق، أنا معارض قديم للنظام البائد منذ سنوات الأب، لكني اليوم حين يقال انتصرت الثورة، أرى هذا غير صحيح نعم سقط النظام، لكن   المطالب الأساسية التي طالب بها شعبنا لم تتحقق، وصار لدينا مسائل جديدة تحتاج إلى حل، لقد انتقلنا من أحادية الاستبداد والفساد، إلى أحادية اللون المذهبي، والتمييز بناءً عليه.

الحقيقة كان قد تشكل لدي موقف من أسلوب عمل وزارة الثقافة، وأسلوبها في العمل والتعاطي مع الثقافة عمومًا، وفي تعاطي مؤسساتها وغيرها من المؤسسات مع موضوع الفنون والفنون التشكيلية خصوصًا ومن زوايا مختلفة، وأتى القرار الذي صدر في كلية الفنون الجميلة، وما جرى بموضوع سينما الكندي، وغير ذلك من تفاصيل دفعتني إلى أن أقرر الامتناع عن العرض في الصالات الحكومية في دمشق، ولم أكن أرغب أن يبدو غرضي من العرض ماديًا لو تمّ في صالة خاصة بعد امتناعي عن العرض لأكثر من 14 سنة. 

كنت قد تعرفت على مؤسسة “تراثنا” منذ عدة سنوات ورأيت الأفكار التي يعملون عليها مفيدة ومثمرة ولها علاقة بما نحرص على تحققه واستمراره بشكل صحيح في مجال التراث، والترميم، والذاكرة، والتاريخ، لهذا وافقت على دعوة المهندسة لمى لإقامة المعرض في صالة المسرح الأرثوذوكسي، أما بالنسبة لدمشق فسأقيم معرضي فيها في مرسمي على الأغلب.

بعد آخر معرض لي في حمص توقفت عن العرض طوال 14 عاماً لأني كنت ضد محاولة النظام إظهار أن الأمور عادية وطبيعية بينما كنت أراها غير عادية أو طبيعية فلقد كان القتل والتدمير والتهجير شغالًا في البلد، لذا كنت أرفض إقامة معرض لأعمالي خلال السنوات الماضية، ولم أكن أود أن أعود للعرض بطريقة تعبر عن رضى بأشياء غير مرضية بعد هذه الغيبة فما يهمني الآن أولًا أن يكون معرضي فنيًا وثقافيًّا أولاً، وأن يحمل رسائل جمالية ومعنوية.