الإعلام المستقل: طريق نجاة العدالة الانتقالية السورية!

الإعلام المستقل: طريق نجاة العدالة الانتقالية السورية!

لم يكن تاريخ 8-12- 2024، مجرد حدث غيّر مجرى الحياة السياسية والاجتماعية في سورية، بل إنها الساعة السادسة وثماني عشرة دقيقة التي أعلنها الإعلام العربي، أن سوريا بلا بشار الأسد، هذه الدقائق شكلت اختباراً جديداً للإعلام السوري، الذي ظهرت على شاشته الرسمية مجموعة تعلن سقوط النظام، في حين، كانت كل القنوات الأخرى العامة والخاصة، مصابة بالخَرس الصحفي. 

قاد الإعلام السوري الحكومي والخاص، المؤيد والمعارض معركةً لا تقل وقعاً عن المعارك العسكرية، بل ربما قادها في أحيان كثيرة، ورفع سقف الدم إلى أعلى مستويات. وخلال سنوات الحرب بدأت تظهر مناظرة الإعلام المستقل، وهل يوجد إعلام مستقل فعلاً؟ اختلفت وجهات النظر على الأرض بين الجمهور وبين الصحافيين أنفسهم. 

عام 2015 أو حسب ما سمته الدراسات الإعلامية العصر الذهبي، الذي ظهر فيه ما يقارب 16 وسيلة إعلامية مستقلة تعمل من تركيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة، مدعومة بتمويلات مختلفة غالبيتها من المنظمات الدولية، تجاوزت التغطيات الإخبارية وذهبت للعمل الاستقصائي والحقوقي وتوثيق الانتهاكات لمقاومة الرواية الرسمية، ولتكون أدلة موثقة أمام المحاكم استعداداً لمرحلة كانت ربما ستمهد لقدوم العدالة الانتقالية يومًا ما. 

في رواندا شكل الإعلام الفتيل الذي أشعل حرب الإبادة والماء التي أطفأت النار، وفي عام 1994 لعبت إذاعة ميل كولين وصحيفة “kangura” دوراً في التحريض على العنف والقتل وتحديد أماكن الاستهداف، وبعد انتهاء الاقتتال عمل الإعلام على إعادة بناء سردية وطنية، وبناء مسارات العدالة الانتقالية، فكيف يجب أن يساهم الإعلام السوري المستقل تحديداً في بناء سرديات العدالة الانتقالية؟ وهل يستطيع أن يبني سردية وطنية جامعة في ظل عدم قبول الإعلام الحكومي من كافة فئات الجمهور؟  أم أن الحالة السورية استثناء يجب أن تشق مساراً مختلفاً ليشارك الإعلام في العدالة الانتقالية للبلاد؟ 

ما بعد الخبر! 

تقر الأدبيات الإعلامية أن وظائف الإعلام الرئيسة هي خمسٌ، ( الإخبار، التوعية، الرقابة، الترفيه” الثقافي والاجتماعي”، والوظيفة التشاركية)، وبناء على هذه الوظائف يمكن للإعلام المستقل أن يساهم في سرديات العدالة الانتقالية، وهنا يقول مارسيل موسى خبير العدالة الانتقالية: “الإعلام ليس فقط ناقلاً للخبر بل يجب أن يكون متوافقًا مع المرحلة الانتقالية وحقوق الإنسان، لأنه يساهم بتشكيل الوعي العام، فهو يجب أن يتحدث عن الماضي والحاضر والمستقل، بسردية متوازنة غير منحازة لطرف واحد، وفي حال انحازت يساهم بتشكيل مظلوميات جديدة تؤثر على مسار العدالة الانتقالية”، وتكمل الصحفية لودي علي أن “دور الإعلام في مسارات العدالة الانتقالية زيادة الوعي العام بحقوق المتضررين وآليات المحاسبة وكشف الحقيقة والاعتراف بالجرائم وربط العدالة بالمجتمع، مع التأكيد على عدم إطلاق الأحكام”. وحتى يكون كذلك ويساهم إيجابياً بالدور المنوط إليه ألا يتلقى تعليماته من السلطة أو الأشخاص أو حتى الأجندات الخارجية، وعلى الصعيد السوري يوجد إعلام مستقل، وصحافيون مستقلون، لكن وسائل الإعلام المستقلة قليلة، ومن بقي منها يتهاوى أحياناً، والبعض منها لم يقدر على الصمود بسبب نقص التمويل، في حين أشار الباحث سامر ضاحي إلى فكرة أن تبدل قوى السيطرة خلال سنوات الحرب، عرت بعض من يدعي أنه ” إعلام مستقل”   وبناء عليه يتوجب على الإعلام  المستقل أن يساهم بكل مراحل العملية الانتقالية، ويكون شريكًا في بناء سرديات وطنية عادلة وتوافقية.

باتت تترد كلمة العدالة الانتقالية بمفهومها المجتزأ، على ألسنة العوام أو الجمهور في سوريا، من أقصى قرية في الريف الجمهورية الشرقي إلى أقصى قريةٍ في ريف الجمهورية الغربي، لكن هل يكفي أن تتردد الكملة، والجمهوران بعيدان عن بعضهما بعد الثريا عن الثرى؟ 

نظرية البعض والكل!

” السنة قتلونا، البدو قتلونا، أهل إدلب هنن الدولة، العلوية الفلول، عناصر فلول النظام في الساحل السوري، الدروز الهجريون، الكرد القسديون، الشبيحة الجدد” هذه جمل تصدرت على لسان بعض العوام والكثير من الإعلام منذ سقوط نظام الأسد عام 2024. 

” أهل الغوطة الإرهابين، إرهابيو إدلب، السنة الدواعش، المجموعات الإرهابية من المعارضة المسلحة، شبيحة النظام، العلويون الشبيحة” هذه جمل أيضاً جاءت على لسان بعض العوام، و الكثير من الإعلام منذ عام 2011 وحتى 2024 م

وخلال 16 عامًا، زادت الاستقطابات، وأصبح البعض يذهب ليندمج بالكل الذي يناسبه خوفاً، أو ربما حفاظاً على حياته، وازدادت الاتهامات وأحكام القيمة، وبين هذين التاريخين، وربما في نفس اللحظة والدقيقة أمهات وزوجات وبنات فقدن الشريك، المعيل والحبيب، وبنفس اللحظة أيضاً نساء ورجال  كانوا يِعذبون في سجون الأسد وسجون الفصائل الأخرى التي كانت تحت جناح المعارضة المسلحة،  لم يفكر أي إعلام خلال سنوات الصراع، الحرب، الثورة، سموها ما شئتم أن يلقي السلام على مبدأ الفيلسوف Kant”  ونظرية ” البعض والكل”، تقول النظرية إن العلاقة بين البعض والكل تستعمل في التمييز بين الأحكام، فإذا كان المحمول جزءاً من الموضوع كان الحكم تحليلياً، لأننا نضيف شيئاً جديداً إلى المعرفة، وإذا كان المحمول خارجًا عن الموضوع كان الحكم تركيبيا لأننا نضيف معرفة جديدة إلى الموضوع”. 

   وبناء على هذه النظرية، عمل الإعلام السوري المؤيد للسلطة والمعارض للسلطة على مبدأ التعميم، الذي ضرب بعرض الحائط العدالة الانتقالية، وبقي الإعلام المستقل هو القشة التي يتعلق على ظهرها السوريون لعدالة انتقالية توصف المجرم وتخلد الذكرى، وهنا يقول الباحث في العدالة الانتقالية: مارسيل موسى: “يجب أن يستخدم الإعلام لبث رسائل السلام وتعليم السلام، ويستخدم السردية المتوازنة، وهذا لا يعني مساواة الجلاد بالضحية، بالعكس تماما الجلاد يبقى جلاداً، لكن السردية المتوازنة تعاني أن ليست كل الأطراف متساوية بالجرم، والسردية المتوازنة تتخلص من التعميم كلغة وخطاب، فلا يجوز أن أبقى أوجه كلامي لطائفة كاملة وأن أميز بين الانتقام والعدالة”.

الإنصاف أم الحياد!
مصطلحان اشكاليان، حتى في النظريات الإعلامية، هل يمكن لإعلام أن يكون حيادياً؟ حسب نظريات الإعلام لا يمكن لإعلام أن يكون حيادياً، لكن تشير الصحفية لودي علي أن الإعلام المستقل يمكن أن يكون موضوعياً ومنصفا، بالاعتماد على الأدوات المهنية ليكون بوصلة العدالة، باتباعه القواعد المهنية التالية والتي توصل بالضرورة إلى ضمان عدم التكرار:

وهنا يعرج الخبير في العدالة الانتقالية مارسيل موسى على مثال واقعي عن دور الإعلام المستقل يوم حدثت الانتهاكات الأخيرة في الساحل السوري والسويداء وحلب أن الإعلام المستقل أصاب عندما وثق الانتهاكات وأعطى للناس مساحة للحديث “وأخطأ باستخدام اللغة العاطفية في بعض الأماكن بدل اللغة العقلانية واللغة العاطفية تؤجج الانقسام” وتوافقه لودي علي قائلة “أخطأ في التركيز على ما حدث كتقارير مستقلة دون ربطه بضرورة تحقق العدالة الانتقالية، ومنع تكرار الانتهاكات فسقط أحيانا في فخ التحريض وأحيانا في فخ ملاحقة التريندات بعيدا عن التحليل المعمق.
القضية.. أولويات!
عام 1972، أسس المنظران في الإعلام “ماكسويل ماكومبس” و”دونالد شو”، نظرية ترتيب الأولويات في الإعلام، التي تقول: “إن وسائل الإعلام ليست مجرد مرآة تعكس الواقع، بل هي تحديداً تختار ما تريد أن تسلط الضوء عليه، وبالتالي تؤثر في ما يعتبره الجمهور مهماً أو أولويّة”، فكم يمارس الإعلام المستقل هذا الدور في ملف العدالة الانتقالية كأولوية يحتاجها السياق السوري، بل الأحرى كم يمارس دور ترتيب الأولويات ضمن مسارات العدالة الانتقالية، وهنا يطرح سؤال نفسه من أي مسار يجب أن يبدأ، كشف الحقيقة، جبر الضرر، بناء الذاكرة”؟ تشير الصحافية علي: إن المسار الأول في ترتيب الأولويات يقتضي اليوم رفع الوعي المجتمعي بالمفاهيم القانونية التي تتعلق بالعدالة الانتقالية، يليه الاعتراف بالجرائم السابقة وإعطاء مساحة للبوح، والتركيز على حقوق الضحايا، وجبر الضرر. يتعمق الباحث موسى مستفيضاً: البداية بالسرديات المتعلقة بالعدالة الانتقالية من الحديث عن الحقيقة الموثوقة، القائمة على الحق الذي هو أساس الحقيقة، إضافة لوضع الضحايا كأشخاص كاملين في مركز السرد، ويجب الحصول على المعلومات من أفوههم إن وجدوا، ولا يجوز استخدامهم كرموز فقط أو أدوات سياسية، وبعدها ينطلق إلى التمييز بين الضحية والجاني، والمسؤولية الفردية والمسؤولية المؤسساتية. ويوافق الصحافية علي، أنه على رأس أولويات وسائل الإعلام المستقلة، هو توضيح المصطلحات، إضافة إلى استخدام مصطلحات قانونية، تبنى على أساسها سرديات العدالة الانتقالية، فلا يجوز استخدام مصطلح عفو في العدالة الانتقالية، الصحيح استخدام مصطلح عدم الإفلات من العقاب، وتوجيه الناس أن القانون هو فوق كل شيء وهو من يأخذ الحقوق.
لا يمكن تجاهل أن هناك خطورة يعيش ضمنها الإعلام المستقل، لأنه هو إعلام قائم على تمويل المنظمات، فكيف سيكون مسار هذا الإعلام في حال اختفى التمويل، فهل يختفي صوته؟ بالعموم العدالة الانتقالية لا يخشى عليها من الموت بل يخشى عليها من الإصابة بالشلل، إذا انقطع التمويل عن الإعلام المستقل يعني أن يصبح هناك روايات موجهة شعبوية سلطوية للإعلام، وبالتالي يزيد خطاب الكراهية وخطاب الثأر، لكن الحلول لهذا الإعلام موجودة والمتمثلة بالتمويل المجتمعي، وهذا ماحدث في ألمانيا حسب الباحث مارسيل موسى، وتضيف الصحافية علي أن غياب التمويل سيترك التمويل لوسائل إعلام تحمل أجندات وسيكون عناك ضياع بالحقوق، ويترك المجال للسوشال ميديا أن تثير الرأي العام وتزيد التحريض.
يقف مسار العدالة الانتقالية السورية اليوم، على المحك عالميا، عربياً وسورياً، البعض يقول إنها عدالة انتقامية لأنه مازال الناس يأخذون حقوقهم بيدهم، والآخرون يشيرون أنها تحتاج وقتاً طويلاً للتحرك، لكن حان الوقت بعد عام للبداية.

جنوب سورية بعد عام على سقوط الأسد

جنوب سورية بعد عام على سقوط الأسد

بعد قرابة عام على سقوط نظام بشار الأسد وصعود إدارة انتقالية جديدة برئاسة أحمد الشرع، لا يزال الاستقرار والأمن في جنوب سورية حالة هشّة تتجاذبها تناقضات الميدان. تضم محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة مشاهد متباينة لكنها مترابطة ترسم صورة معقدة؛ صراع نفوذ بين قوى محلية، وتصاعد دور التشكيلات الأهلية المسلحة، وتنامي التهديدات الخارجية عبر الحدود، وكل ذلك في ظل غياب فعالية الدولة المركزية، وفق ما تظهره تقارير رصد ميدانية ومصادر محلية تواصلنا معها على الأرض خلال الأسابيع الماضية.

شهدت مناطق الجنوب خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من الوقائع التي أبرزت أن ضمان الأمن بات رهيناً لموازين قوى غير تقليدية. ففي السويداء، تصاعد التوتر بين فصائل محلية درزية والسلطة الانتقالية، بينما تمكنت درعا جزئياً من احتواء العنف عبر الأعراف العشائرية رغم استمرار الاغتيالات وعمليات التهريب والتفلت الأمني في الأطراف. أما القنيطرة ومحيطها على الحدود مع إسرائيل، فقد أصبحت مسرحاً لتوغلات عسكرية إسرائيلية متكررة، واجهها أهالي القرى بالسلاح أو بالاحتجاج العلني على وجود القوات الغازية. هذه التطورات المتزامنة تكشف مشهداً أمنياً مضطرباً في جنوب سورية، حيث يتداخل الداخلي بالخارجي في صياغة معادلة الاستقرار.

السويداء

في السويداء، لا يمكن الحديث عن “اضطراب أمني” فقط؛ ما يظهر من تقارير خاصة ومصادر محلية هو تفكك منهجي لمنطق الأمان نفسه. وفقاً لمعلومات حصلنا عليها خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بدت ليلة التاسع والعشرين من الشهر لحظة مفصلية؛ تشكيل محلي يسمّي نفسه “الحرس الوطني”، يشكّل ضباط وأمنيون سابقون من النظام السابق عموده الصلب وقد أعادوا تدوير أنفسهم تحت مظلة مرجعية دينية، ينشر حواجزه عند مداخل المدينة، يقتحم بيوتاً بأسماء محددة سلفاً، يعتقل شيخاً معارضاً مثل رائد المتني ورجال أعمال وقياديين محليين، ثم تُنقل جثة المتني بعد يومين فقط إلى المشفى الوطني. في روايات الأهالي التي وثقناها في تقارير رصد، يظهر المتني كرجل دين كان جزءاً من محاولة لتنظيم السلاح بعد سقوط النظام، اختُطف عملياً من بيته، وتعرّض للضرب والإهانة أمام الكاميرات المحلية، ثم خرج من هذه الحلقة جثة بلا تحقيق ولا رواية قضائية مقنعة. هكذا تتحوّل السويداء، في عين أهلها، إلى ساحة تصفية حسابات مغلقة بين تشكيل يستقوي بشرعية “حماية الجبل” وسلطة انتقالية تكتفي بإصدار بيانات متأخرة.

الفلتان ليس في السياسة فقط؛ إنه في تفاصيل الحياة اليومية. وبحسب معلومات ميدانية جمعناها من منطقة ظهر الجبل وريف السويداء خلال الأيام نفسها، سُجِّلت سلسلة من عمليات السلب المسلّح: سيارات تُوقَف تحت التهديد، مبالغ بالدولار تُسحَب من أصحابها، مزارعون يتعرضون لإطلاق النار وهم في طريقهم لقطاف الزيتون غرب المدينة، وراعي مواشٍ يُصاب بجروح بعدما حاول مسلحون سلب قطيعه قرب صميد قبل أن يتدخل شبان من القرى المجاورة ويجبروا المهاجمين على الانسحاب. بالتوازي، شهدت مناطق أخرى مناوشات بالرشاشات الثقيلة بين “الحرس الوطني” والقوات الحكومية “الأمن العام” فوق رؤوس المدنيين، مع تحليق طائرات مسيّرة في أجواء الريف الشمالي والغربي بحسب تقارير ميدانية وثّقت لحظات الاشتباكات.

في يوم آخر، استيقظت إحدى بلدات الريف على خبر وفاة شابة في الثامنة عشرة ووالدتها داخل المنزل نفسه، بعد أن تحولت بندقية موجودة في غرفة الجلوس إلى مصدر ثلاث رصاصات أنهت حياتهما في ثوانٍ. سُجِّلت الحادثة رسمياً كسوء استخدام سلاح، لكنها في وعي المجتمع جزء من قصة واحدة؛ سلاح بلا ضابط، يدخل غرفة النوم كما يدخل الحقل والحاجز.

العنف القادم من “فوق” لا يقلّ قتامة. تقارير الرصد في الشهر نفسه تشير إلى أن قوات الأمن الداخلي استخدمت طائرات مسيّرة ورشاشات ثقيلة على محوري سليم وعتيل شمال المدينة؛ إحدى الضربات أصابت شاحنة نقل من نوع “انتر” كان يقودها عامل عائد من عمله في إحدى المداجن، فقُتل على الفور، وأُصيب ما لا يقل عن خمسة مدنيين آخرين في المنطقة نفسها. في 25 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، تحوّل الطريق بين اسليم وعتيل إلى خط نار لمجرّد أن نقطة أمنية قررت الرد على توتر عند حاجز بعيد.

بالتوازي، يُكشف عن مصير غسان نواف البدعيش، الذي خُطف من منزله خلال اجتياح تموز/يوليو الماضي، قبل أن تتعرف عائلته بعد أشهر على صور جثمانه في دمشق عبر هيئة الاستعراف؛ جسد يحمل آثار تعذيب بأدوات حادة إضافة إلى طلقات رصاص عدّة، ومدفون في مقبرة جماعية في منطقة إزرع بريف درعا الشرقي، وفقاً لشهادات أفراد من عائلته. هنا أيضاً، لا توجد رواية قضائية، بل مسار واحد متكرر؛ اعتقال في حملة “رسمية”، صمت طويل، ثم جثة في مقبرة بعيدة.

حتى الحقول ومراكز البحث لم تُستثنَ من هذا الانهيار. وفق إفادات مهندسين زراعيين نشرت على لسانهم تقارير إعلامية في المحافظة، تتعرض حقول مركز البحوث العلمية الزراعية ومحطات “مزارع الدولة” لعمليات استيلاء منظّمة؛ محاصيل تفاح وإجاص وبندق تُقطَف بالقوة، مبانٍ بحثية يُستوطَن فيها من دون أي سند قانوني، ونتائج تجارب استغرقت سنوات تضيع في موسم واحد. في الكفر، سُرقت ثمار نحو 300 دونم من التفاح كان قد اتُّفِق أن تُستثمر لصالح المحافظة عبر الجمعية الفلاحية بإشراف لجنة قانونية عليا، قبل أن يضع “بضعة أشخاص” يدهم على الأرض ويرفضوا الخروج أو دفع أي ضمانات. في مكان آخر، في مزارع مفعلة شرق السويداء، ينجح الأهالي في حماية نحو 600 دونم من التفاح باتفاق أهلي–تعاوني؛ المفارقة أن حماية الملكية العامة لم تعد وظيفة الدولة، بل وظيفة قرى تستطيع أن تفرض احترامها بالقوة الاجتماعية.

يُضاف إلى ذلك ملف الجثث المجهولة التي تُنتشَل متحللة بعد شهور من دفنها قرب بلدات مثل الثعلة، وتسليم الأردن جثامين شبان من عشائر السويداء قُتلوا خلال محاولة تهريب مخدرات عبر الحدود، وأخبار عن عشرات السجناء الدروز المضربين عن الطعام في سجن عدرا احتجاجاً على توقيف بلا مسوّغ قانوني. فوق هذا كله، يتغذى المشهد السياسي على انقسام حاد بين ما يوصف محلياً بـ”المشروع الإسرائيلي” المرتبط باسم حكمت الهجري، و”مشروع الدولة السورية الجديدة” الذي يُرفع حول شخصيات أخرى، وصراع رمزي–سياسي بين مرجعيات دينية يُختصر شعبياً بعنوان “طريف – الهجري”. في العمق، تُنظَّم مراسم تأبين لـ”شهداء اجتياح تموز” تتحول إلى منصة دعائية لـ”الحرس الوطني”، وتُغلَق الطرق لحماية الفعالية، فيما يراقب السكان كيف يُعاد تركيب هرم القوة في الجبل بسلاح قديم وخطاب جديد.

بهذه الصورة، تبدو السويداء نموذجاً مكثفاً لانهيار الاستقرار؛ محافظة تُدار عملياً بمنطق المربعات الأمنية المتنافسة، لا بمنطق ولاية واحدة. من يَختطف، ومن ينهب مزارع الدولة، ومن يطلق النار من حاجز رسمي أو من تلة يتمركز عليها فصيل محلي، يتحرك في فضاء واحد عنوانه أن السلاح هو الضمانة الوحيدة، وأن القانون، حين يُذكَر، يُستخدم إما لتبرير حملة اعتقال أو لإقفال ملف جثة جديدة بلا أسئلة مزعجة.

درعا

على عكس المشهد المتأزم في السويداء، تبدو محافظة درعا أكثر هدوءاً نسبياً من الناحية الأمنية، وإن لم يخلُ الأمر من حوادث عنف موضعية. يؤكد سكان محليون تحدّثنا إليهم أن وتيرة الحياة اليومية في معظم مدن وبلدات درعا ظلت طبيعية رغم الأحداث المتفرقة؛ الأسواق نشطة، وحركة التنقل بين القرى والمدن آمنة إلى حد كبير، وساهم انتشار الدوريات الأمنية وتعزيز الحواجز بعد الحوادث في طمأنة الأهالي. يصف كثيرون الوضع بأنه “استقرار هشّ”؛ تتركز فيه المشاكل الأمنية في الأطراف والنواحي الريفية وعلى الحدود، من دون أن تتحول إلى انفجار شامل في المراكز الحضرية الرئيسية.

رغم هذا الهدوء النسبي، شهدت المحافظة خلال نحو ستة أسابيع سقوط عشرات الضحايا في حوادث متفرقة (قرابة تسعين بين قتيل وجريح)، بينهم أكثر من عشرة قتلى جراء عمليات اغتيال أو اشتباكات محلية، وفقاً لتقارير رصد ميداني. تنوّعت دوافع هذه الحوادث بين الثأر العشائري، كما في جريمة ثأرية في إزرع أوقعت ثلاثة قتلى، واستهدافات لتصفية حسابات مرتبطة بالماضي الأمني أو الجهادي لبعض الأفراد، حيث تم اغتيال عناصر سابقين في الأجهزة الأمنية أو مقاتلين سابقين في تنظيم داعش في حوادث متفرقة، فضلاً عن خلافات شخصية تحولت إلى عنف، إحداها في نوى قُتل فيها شخص إثر اتهامه بممارسات “سحر”. كما بقيت بعض الجرائم غامضة الدافع، يُعتقد أنها نتيجة صراعات نفوذ محلية أو تنازع على موارد التهريب.

إلى جانب ذلك، نشطت في درعا – وخصوصاً في الريف الجنوبي والشرقي – شبكات تهريب المخدرات عبر الحدود الأردنية، مستغلة ضعف الرقابة واتساع مناطق الفراغ الأمني. وقد ضبطت الأجهزة الأمنية السورية خلال الفترة نفسها كميات كبيرة من الحبوب المخدرة في ريف درعا الجنوبي، فيما أعلن الجيش الأردني مراراً إحباط عمليات تسلل وتهريب من الجانب السوري. ويمثل انتشار تجارة المخدرات في الجنوب تحدياً أمنياً خطيراً يهدد استقرار المنطقة الحدودية بكاملها، ويحوّل مساحات واسعة إلى اقتصاد جريمة متشابك مع السلاح والفقر.

مصادر محلية في ريف درعا الغربي تحدثت أيضاً عن تزايد حالات التنقيب غير الشرعي عن الآثار والذهب في المواقع الأثرية والقرى، غالباً ليلاً، بواسطة معدات بدائية أو آليات خفيفة، في تعبير واضح عن بحث يائس عن الثروة في أرض تُستنزف منذ سنوات. هذا النمط الجديد من اقتصاد الظل يُفاقم الصراعات المحلية، إذ تحاول مجموعات مسلحة صغيرة فرض سيطرتها على “المواقع الواعدة” واقتسام العائدات، في غياب واضح لدور الدولة في حماية الموارد الأثرية والقانونية.

في المقابل، لعبت الأعراف العشائرية دوراً مهماً في الحفاظ على هذا الاستقرار النسبي. فشيوخ القبائل ووجهاء المجتمع يتدخلون فور وقوع أي حادث ثأري أو نزاع عائلي لاحتوائه عبر مجالس الصلح والعرف الاجتماعي، بالتنسيق أحياناً مع قوات الأمن المحلية. وقد ساهم ذلك في منع توسع دائرة العنف كما حدث في واقعة ثأرية بإزرع في تشرين الأول/أكتوبر الفائت، حيث فرضت السلطات حظر تجول مؤقت، وتدخل الوجهاء لتهدئة الوضع بعد سقوط ثلاثة قتلى. هذا النفوذ العشائري يحافظ على تماسك مجتمعي يردع – حتى الآن – ظهور ميليشيات محلية جديدة خارجة عن سيطرة الدولة، إذ يفضّل معظم الأهالي حل خلافاتهم بالطرق التقليدية وبالتعاون مع أجهزة الأمن، على الانخراط في حمل السلاح عشوائياً. لكن هذا النمط يحمل في ذاته هشاشته أيضاً، لأنه يبقي الأمن رهناً بتوازنات أعراف لا بمنظومة قانونية مستقرة.

القنيطرة

أما جبهة القنيطرة ومناطق غرب دمشق المحاذية لها، فقد شهدت في الفترة ذاتها تصعيداً خطيراً كان مصدره الأساسي تدخلاً عسكرياً خارجياً. لم تعد إسرائيل تكتفي بالمراقبة الجوية البعيدة وضربات الطيران السريعة، بل أخذت تنفّذ عمليات توغل بري واستخباراتي متكررة داخل عمق الجنوب السوري. يؤكد أهالي القرى الحدودية الذين تحدثوا إلينا أنهم باتوا يرون الجنود الإسرائيليين بأعينهم داخل محيط قراهم في بعض الليالي، بعد أن كان الوجود الإسرائيلي يقتصر سابقاً على الطائرات في السماء.

خلال شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2025 نفذت القوات الإسرائيلية سلسلة عمليات مباغتة في ريف درعا الغربي وريف دمشق الغربي، تمثلت في توغلات محدودة داخل قرى حدودية كمعرية وكويا، تخللتها مداهمات واعتقالات خاطفة، وقصف مدفعي لأهداف يُشتبه بأنها مواقع لتنظيمات مسلحة محلية أو نقاط رصد. لم تسفر هذه العمليات في معظمها عن قتلى، لكنها نشرت الذعر بين المدنيين الذين لم يعتادوا مشاهدة الجنود الإسرائيليين داخل بلداتهم، وحوّلت الحقول والطرق الزراعية إلى مناطق خوف دائم.

وفي 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بلغت المواجهات ذروتها بعملية إسرائيلية كبيرة استهدفت بلدة بيت جن في ريف دمشق الغربي. تسللت قبل الفجر وحدة خاصة كبيرة مؤلفة من عشرات الجنود والآليات إلى البلدة لاعتقال مطلوبين محليين. ورغم نجاحها في اعتقال ثلاثة أشخاص في بداية الهجوم، قوبلت القوة بمقاومة شرسة من أهالي البلدة ومقاتلين محليين تداعوا للدفاع. دار اشتباك عنيف من مسافات قريبة داخل الأحياء الضيقة، أدى إلى إعطاب آلية إسرائيلية وإصابة عدد من الجنود المهاجمين، مما أجبر القوات الإسرائيلية على التراجع بعد حوالي ساعتين.

عقب انسحابها، شرعت المدفعية والطائرات الإسرائيلية في قصف أطراف بيت جن بكثافة لتأمين تغطية الانسحاب ولإيقاع أكبر ضرر ممكن بالمنطقة. وأسفر القصف عن سقوط ضحايا مدنيين ونزوح عشرات العائلات، فيما أفادت مصادر محلية وتقارير ميدانية بسقوط أكثر من 13 شخصاً من أبناء البلدة، بينهم أفراد عائلة كاملة، إضافة إلى عشرات الجرحى وتدمير عدد من المنازل والمزارع.

وفي تطور لاحق يؤشر إلى استمرارية نهج “التوغلات القصيرة والضغط البري”، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في محيط بلدة خان أرنبة بتاريخ 9 كانون الأول/ديسمبر 2025، ونصبت حواجز مؤقتة عند مداخل البلدة الثلاث: جبا–خان أرنبة، خان أرنبة–الكوم، وخان أرنبة–عين النورية، بحسب ما وثقته مصادر ميدانية في القنيطرة. تزامن ذلك مع وصول رتل لـ”الأمن العام” من دمشق، حيث حاولت القوات الإسرائيلية عملياً عرقلة دخوله إلى مركز محافظة القنيطرة وإظهار قدرتها على التحكم بحركة القوات السورية الرسمية.

وعند المدخل الشرقي على طريق خان أرنبة–الكوم، أطلقت قوات الاحتلال النار مباشرة على مدنيين عبّروا عن رفضهم لوجودها في النقطة، ما أدى إلى إصابة اثنين منهم، قبل أن تنسحب القوة مستخدمة قنابل دخانية. كما أُصيب مدني ثالث في منطقة الحميدية بشظايا ناتجة عن رصاص متفجر أطلقته القوات الإسرائيلية في أثناء انسحابها. 

شكلت معركة بيت جن وما تلاها من توغل في خان أرنبة اختباراً غير مسبوق للأوضاع الأمنية الجديدة في جنوب سورية بعد سقوط النظام. فللمرة الأولى تخوض إسرائيل اشتباكاً برياً بهذا الحجم داخل الأراضي السورية، ثم تكرّس نمطاً من التوغلات القصيرة المتعمدة لإرسال رسائل على مستوى الشارع والسلطة معاً، وتجد نفسها في مواجهة مجموعات أهلية تحركها دوافع الدفاع عن الأرض، دون ارتباط تنظيمي واضح بجهات خارجية. هذه المجموعات اللامركزية يصعب ردعها بالأساليب التقليدية (مثل الاغتيالات الجوية المحددة)، لأن سقوط أي فرد منها يستنهض سريعاً غيره من أبناء منطقته لحمل السلاح. وهكذا تتبلور ملامح معادلة أمنية جديدة في الجنوب؛ توغلات إسرائيلية أعمق وأجرأ تقابلها مقاومة محلية عفوية تزداد صلابة مع كل مواجهة، في ظل غياب سلطة سورية مركزية قادرة على ضبط هذه المساحات وإعادة تعريف “الأمن” بما يتجاوز منطق الأمر الواقع.

أخيراً، يبدو جنوب سورية بعد عام من التغيير السياسي في حالة فراغ أمني وصراع مفتوح على النفوذ. لم تتمكن الحكومة الانتقالية بعد من فرض سيطرتها الكاملة أو تقديم نموذج مختلف جذرياً عمّا سبقه؛ القوى المحلية تملأ الفراغ كلٌ وفق أجندته وسلاحه، فيما تستغل أطراف خارجية هذا الوضع لترسيخ حضورها وتحقيق أهدافها، كما هي الحال مع التدخلات الإسرائيلية على الحدود أو ازدهار التهريب وتجارة المخدرات والتنقيب غير الشرعي عبر خطوط التماس. وبين هذه وتلك يبقى المدنيون متعطشين لعودة استقرار حقيقي، لا استقرار مبني على الصمت والخوف.

يبقى مستقبل الجنوب مفتوحاً على عدة احتمالات؛ فإما أن تنجح السلطات الجديدة، بالتفاهم مع القوى المحلية، في بناء هيكل أمني–سياسي موحّد يعيد الاعتبار لمنطق الدولة والقانون، أو يستمر الوضع الحالي بتوازناته الهشة ومراكزه المتعددة وسلاحه المتنازع. وفي جميع الأحوال، فإن الحفاظ على استقرار جنوب سورية يستدعي أكثر من مجرد نشر حواجز ومسيّرات؛ يحتاج إلى قرار واضح بأن هذه الجغرافيا ليست حقل تجارب لعقائد أمنية، بل وطنٌ لمجتمعات تريد أن تعيش دون أن تُحاسَب كل يوم على خطيئة وجودها قرب الحدود.

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات قصر المهاجرين.

في ذلك العام، قرّر الأسد إزاحة ابن خاله رامي مخلوف تمامًا عن المشهد الاقتصادي، في خطوة واحدة ومفاجئة، أعقبها عزله الكامل عن أي نشاط اقتصادي أو تجاري، ومصادرة أصول أمواله وشركاته وتجميدها، وهي التي كانت تُعدّ بالمئات. كان رامي مخلوف وريث عائلة مخلوف الإقطاعية تاريخيًا، والمنحدرة من قرية بستان الباشا في قضاء جبلة بريف اللاذقية. وإضافة إلى هذه التركة الكبيرة، ورث عن والده محمد مخلوف (خال بشار الأسد) إدارة الاقتصاد السوري بكل مفاصله وتفصيلاته وعقوده واحتكاراته.

أحد الذين عملوا ضمن الدائرة الضيقة لرامي مخلوف، ويقيم اليوم في دبي، قال لـ«صالون سوريا»، مفضّلًا عدم الكشف عن اسمه، إن «رامي مخلوف لم يكن رجلًا نشأ من العدم؛ فقد شارك في تربيته والده وحافظ الأسد معًا. ومع استلام بشار الأسد الحكم عام 2000، انتقلت مفاتيح السلطة السياسية إلى الأسد الابن، فيما آلت مفاتيح السلطة الاقتصادية إلى مخلوف الابن. ولم يُمنح رامي حينها امتيازات أو تفضيلات تميّزه عن بقية التجّار السوريين أو المستثمرين الأجانب، بل مُنح الاقتصاد السوري كاملًا، دون نقصان ولو بمقدار ذرّة، ليصبح هو من يوزّع فتات الكعكة على بقية التجّار».

وأضاف المصدر: «كان مطلوبًا من مخلوف، بالضرورة، أن يترك استثمارات صغرى وغير حيوية لغيره، حتى وإن بلغت قيمتها مليارات الدولارات، لكنها لم تكن تُشكّل شيئًا يُذكر في موازين الربح والخسارة لديه. هكذا صار واحدًا من أقوى رجال الاقتصاد في العالم العربي، ومنافسًا محتملًا لأثرياء العالم. غير أن السلطة، بوصفها سلطة تُطوّع ذراعًا ماليًا خارج مؤسساتها لسدّ فراغاتها، ووفق فكرٍ عصبيٍّ وتعصّبيّ، لم تكن تسمح، حتى في آخر لحظاتها، بالكشف عن ملاءتها المالية، باستثناء الإعلان السنوي عن الموازنة العامة».

تلك الموازنة، التي أشار إليها المصدر نفسه، كانت موضع شكّ دائم، إذ بقي النفط خارجها لعقود طويلة، ليُسوَّق جانبيًا تحت مسمّى «مكتب النفط» في رئاسة الوزراء. وكان عبد الرؤوف الكسم ومحمود الزعبي، رئيسا الحكومات السورية بين عامي 1980 و2000، من أبرز من أتقنوا إدارة هذا الملف.

في عهد بشار الأسد، كان أكثر ذكاءً في إدارة ملف النفط، وأكثر غباءً فيما عداه، وفق توصيف أشخاص عملوا معه. فقد أعلن عن كميات الإنتاج السنوي، وما يُخصّص للاستهلاك الداخلي، وما يُصدَّر إلى الخارج، غير أنّ الواقع بقي على حاله: عائلتا مخلوف–الأسد تديران القطاع وفق منطق الربح الفردي، دون أن يجرؤ أي سوري على السؤال. ولأجل تطوير القطاع، أُدخلت شركات أجنبية، لكنّ السلطة استحوذت على الحصص الأوسع منها، فيما كان رجال الدولة، في قصورهم، شركاء حتى في «حصة الطير من صيده».

بداية الانهيار الداخلي

في صيف عام 2019، وتحديدًا في شهر آب/أغسطس، وضعت السلطات السورية يدها على جمعية «البستان» الخيرية، العائدة بملكيتها إلى رامي مخلوف، والتي كانت تتبع لها قوة عسكرية كبيرة تُعرف باسم «قوات البستان». وصدر قرار متزامن بحلّ الجمعية والقوة التابعة لها، وصرف عشرات الآلاف من مقاتليها.

وفي نهاية العام نفسه، صدر قرار بالحجز على جميع أموال مخلوف وزوجته وأولاده، بتهم تتعلق بالتهرّب الضريبي والتربّح خلال الحرب. كما طالت العقوبات المحلية أصول أمواله وكيانات شركاته في الخارج.

ومع بداية عام 2020، فُتح ملف شركة «سيرياتيل»، أكبر وأضخم شركة تُدرّ عوائد مالية عالية تصبّ في حسابي السلطة ورامي مخلوف معًا. وعمليًا، تُعدّ «سيرياتيل» واحدة من شركتي الاتصالات الوحيدتين في سوريا: الأولى مستحوذ عليها بالكامل، والثانية، بشكلٍ أو بآخر، تعود ملكيتها إلى السلطة أيضًا. في هذا السياق، كان مخلوف عرّاب قطاع الاتصالات، ومع فقدان السلطة المركزية سيطرتها على منابع النفط والغاز الرئيسية في شمال شرق سوريا بعد عام 2011، إضافة إلى معارك حقول تدمر مع تنظيم «داعش»، باتت عوائد الاتصالات الباهظة تشكّل العمود الفقري للاقتصاد السوري، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ«بترول البلد»، كما يُوصف في البلدان التي لا تمتلك موارد نفطية وتعتمد على قطاعات أخرى لتعويض أرباحه المفترضة.

في 30 نيسان/أبريل من العام نفسه، قرّر مخلوف الخروج إلى العلن عبر فيديو مطوّل، شرح فيه للمرة الأولى ملابسات ما جرى. ومن مكان إقامته الإلزامية، وعبر سلسلة مقاطع مصوّرة متعاقبة ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأ مخلوف برفع سقف خطابه، كاشفًا الأسرار والخبايا، ومخاطبًا ابن عمته بلسان العاتب، قبل أن يتحوّل خطابه لاحقًا إلى هجومٍ صريح، بعد أن فقد أي أمل في استعادة ما كان يراه حقّه وجنى عمره وتعبه، ولا سيما بعد أن جرى «تشليحه» من كل شيء تقريبًا.

خلف الكواليس

لم يكن الخلاف بين رامي مخلوف وبشار الأسد ليقع، نظريًا، تحت أي ظرف. فقد شكّلا، لسنوات طويلة، جناحين للسلطة: أحدهما للسياسة، والآخر لضمان ديمومة الاقتصاد المُنقِذ، ولو في حدوده الدنيا. غير أنّ شيئًا ما تبدّل في لحظة مفصلية، حين طالب بشار الأسد رامي مخلوف بمبلغٍ مالي ضخم لتسديد ديون واستحقاقات وضرائب شخصية. هذا الطلب لم يلتفت إليه السوريون جيدًا في حينه، لكنّ الدائرة المقرّبة من مخلوف شرحته لاحقًا بتفصيل، ولا سيما بعد سقوط النظام.

وبحسب تلك الدائرة، فإن رفض مخلوف الدفع، انطلاقًا من اعتقاده بأن الدولة قائمة أساسًا على أكتافه، أشعل شرارة الصراع. ولم تكن تلك الحرب، في جوهرها، بين نسيبين كما بدا ظاهرًا، بل كانت أعمق من ذلك بكثير. فقد أكّدت مصادر مقرّبة من مركز القرار آنذاك، ما صار واضحًا لاحقًا، من أنّ أسماء الأسد، المحسوبة بشدّة على الجانب الروسي، رتّبت كل شيء لإقصاء مخلوف جانبًا، والاستيلاء على ممتلكاته، وعلى الأرباح القادمة من مختلف القطاعات والشركات والاتفاقيات.

ورغم أنّ الإعلان الدستوري الجديد يجرّم المديح في آل الأسد، لم يكن واضحًا ما إذا كان رامي مخلوف مشمولًا به، ولا سيما في ظل تسريبات صحافية تحدّثت مؤخرًا عن لقاء جمع أحد أشقاء الشرع بمخلوف خارج سوريا، لبحث إجراء وساطة تسوية لا تزال شديدة التعقيد. وتُحاول تركيا رعاية هذه الوساطة، فيما يسعى الشرع إلى التهرّب منها، خشية نقمة الشارع على حكمه.

المهم في كل ذلك أن التاريخ لا ينسى. فلا يختلف اثنان على أنّ مخلوف كان داهية في الاقتصاد، وفي الوقت نفسه لصًا وناهبًا ورجل مافيا. لكنه فعل ما لم يفعله غيره بالطريقة ذاتها؛ إذ رهن جمعيته الخيرية «البستان» لإجراء عمليات جراحية وغيرها، مهما تعاظمت تكلفتها، لكل محتاج، ومن أي طائفة كان.

يقول الدكتور ماهر حمّور، الذي عمل ضمن مجموعة مخلوف وكان مطّلعًا على هذه الملفات، لـ«صالون سوريا»: «بمعزل عن قِصر ذاكرة الشعوب، فإن الجمعية بالفعل أجرت عشرات وربما مئات آلاف العمليات للمحتاجين من مختلف الانتماءات. إلى جانب ذلك، كانت تتكفّل بتوزيع حصص مالية وغذائية شهرية للمحتاجين ولكل من يقصدها. وبهذا تحقّق المثل القائل: “كان يعطي من الجمل أذنه”. لكنه، على الأقل، كان يعطي؛ يسرق كثيرًا ويعطي قليلًا. أما بقية رجالات الأسد، فكانوا يسرقون كثيرًا ثم كثيرًا».

ويضيف حمّور: «مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ من يعرف بشار الأسد عن قرب كان يدرك أنّه ربما واحد من أبخل قادة التاريخ، هو وزوجته، وقد عرفتهما عن قرب. وبالعودة إلى مخلوف، ومساعداته ومنحه، فإنه، في الوقت نفسه، قضى على الاقتصاد الحر، وتسبّب في هجرة آلاف الصناعيين والتجّار والمستثمرين. كانت أرباحه تعنيه على صعيده الخاص لا على صعيد تطوير البلد. ومن هذه الزاوية، يرى كثير من السوريين أنّ الجمعية كانت غطاءً لقول كلمة “شكرًا” له، فيما ترحّم آخرون عليه بعد إبعاده عن المشهد».

صاحبة التاج

منذ زواج أسماء الأخرس، الفتاة الحمصية التي كانت تعمل في أحد المصارف في بريطانيا، من وريث الحكم الأسدي في سوريا، نظرت إلى نفسها بوصفها صاحبة التاج والملك. لم تتعامل يومًا مع البلاد كجمهورية، بل كإقطاعيةٍ ملكية.

ومع مرور السنوات، ازدادت قدرتها على التأثير في زوجها وسلوكه، وبدأت تنشط في قطاعات إغاثية وتنموية كبرى، ليتصدّر اسمها واجهة الأخبار، حتى مُنحت قسرًا لقب «سيدة الياسمين». غير أنّ لقبها في المجالس السورية الضيّقة كان «سيدة الصبّار»، بحسب ما قالت رقية الأحمد، التي عملت في إحدى مؤسسات أسماء خلال الحرب، لـ«صالون سوريا».

عمليًا، لعبت أسماء الدور الأكبر والحاسم في توجيه الضربة القاضية لرامي مخلوف. ولم تكن تلك الضربة ارتجالية تُدخل البلاد في فراغٍ اقتصادي تاريخي، بل جاءت ثمرة إعدادٍ سابق، سبق الخلاف برمّته، وتهيئةٍ لما بعده. ومع إخراج مخلوف من المشهد على نحوٍ فوري، عرف السوريون بوجود مكتب داخل القصر يُعرف باسم «المكتب السري»، وهو عمليًا «المكتب الاقتصادي» الذي أُنيطت به مهمة الحلول مكان مخلوف، ولكن هذه المرة لتركيز الثروات كلّها في اتجاهٍ واحد: القصر الرئاسي.

أدار هذا المكتب أحد المقرّبين من أسماء الأسد، وهو يسار إبراهيم، إلى جانب أربعة آخرين، من بينهم فارس كلاس، المدير العام السابق للأمانة السورية للتنمية التابعة لأسماء، ورجل الأعمال المعروف خضر علي طاهر، الشهير بـ«أبو علي خضر». بدأ الأخير حياته بائعًا للدجاج، لتصنع منه الحرب وأسماء لاحقًا اسمًا اقتصاديًا موازيًا لمخلوف، متدرّجًا عبر شبكة العلاقات والمعارف وصولًا إلى دائرة القرار، من دون امتلاكه أدنى مقوّمات الذكاء الاقتصادي–الاستراتيجي، إذ اقتصر دوره على الحصاد والابتلاع والجباية، وهي نقطة قوّته الوحيدة.

كان «أبو علي خضر» أقوى ذراع في مكتب يسار إبراهيم، فأُنيطت به إدارة المعابر، وجمارك السيارات، والتبغ والدخان، والهواتف الخلوية، والمشروبات الكحولية، والمواد الغذائية، فضلًا عن ابتزاز التجّار وإدارة الملفات الجمركية عمومًا. وقد قاد ذلك إلى عملية إعادة تسعير شاملة، كانت بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير.

لماذا قصمته؟ يجيب الأستاذ السابق في كلية الاقتصاد نجيب سليمان قائلًا: «لأن إزاحة مخلوف بين عامي 2019 و2020، وولادة المكتب السري، تزامنتا مع جائحة كورونا وسريان تطبيق “قانون قيصر”. ومع غياب الرؤية التنموية وخطط المعالجة وضرورة العمل على التعافي المبكر، اجتمعت هذه العوامل كسيارةٍ تسير بسرعة هائلة لتقود أكثر من 90 في المئة من السوريين إلى ما دون خط الفقر»، بحسب تأكيدات الأمم المتحدة.

أسماء تحكم وتدمّر

سارت أسماء الأسد على نهج زوجها ووالده، وعلى خطى الأنظمة الشمولية عمومًا. فلطالما اختارت رجالها من المطيعين وأصحاب الولاءات المثبتة، مقابل تأمين الحماية لهم وإسنادهم والسماح لهم بالاستفادة الجزئية. وهذه الاستفادة، على محدوديتها، أتاحت لبعض رجالاتها جمع مئات ملايين الدولارات وأكثر. والسؤال الذي ظلّ يتردّد بين السوريين: كم كان في سوريا من مال، فيما الشعب لا يجد رغيف خبز؟

بعد الأحداث التي وقعت بين عامي 2020 و2024، وما خلّفته من تأثير بنيوي عميق جرّاء تفكيك «الاقتصاد العميق» للدولة، واعتماد منطق التجربة بدل الرؤية، بدأ بشار الأسد يفقد، شيئًا فشيئًا، أهليته الشرعية في الشارع، وحتى بين مناصريه ومواليه شعبيًا وطائفيًا. فالناس الذين اقتنعوا، يومًا، بأن البلاد تتعرّض لمؤامرة، وأن الوقوف إلى جانبه ضرورة وطنية، باتوا يرون بوضوح أنّه لم يعد مكترثًا بأحوالهم.

وقد أتاح توقّف حرب الجبهات عمليًا، وفق مساري أستانا وسوتشي عام 2018، فرصةً مثالية للبناء والإنعاش. غير أنّ المقارنة التي عقدها الناس لاحقًا كانت فادحة: إذ يرون أن «هيئة تحرير الشام» استغلّت الفترة بين 2018 و2024 في التجهيز والتدريب والتحضير للحظة الحاسمة، بينما قضى الأسد على مواليه وجيشه، وأدخلهم في متاهة غير مسبوقة من الجوع والحرمان والتضييق، وصارع حلفاءه، ورفض مصالحة خصومه، وتعامل مع نفسه بوصفه زعيمًا منتصرًا بكل المقاييس.

ومع مرور الوقت، بات واضحًا أن اهتماماته، هو وزوجته، انحصرت في جني المال، المال وفقط. ويرى السوريون في ذلك العلامة الفارقة والنهائية التي مهّدت لسقوط النظام القمعي بعد سنوات طويلة.

ديوك الحي

تحدّث كثير من السوريين، علويين وسنّة، ومن مختلف الشرائح الاجتماعية، لـ«صالون سوريا» عمّا فعلته بهم أسماء الأسد وزوجها والسلطة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2024. ففي تلك السنوات، كان الأمن العسكري وأمن الدولة مكلّفين بضرب أي مصلحة تجارية، صغيرة كانت أم كبيرة، بأساليب أقرب إلى عمل العصابات: اعتقال أصحابها، وفرض فديات مالية لإطلاق سراحهم، وصلت أحيانًا إلى مليارات الليرات السورية، فضلًا عن احتجاز نحو 150 تاجرًا من دون تهمة في فرع المداهمة «السرية 215 أمن عسكري – دمشق»، بغرض الابتزاز، وذلك في الربع الأخير من عام 2023.

الصادم في تلك الوقائع أنّ عمليات الاعتقال والابتزاز جرت، وفق مصادر مطّلعة، من دون علم أسماء الأسد أو زوجها. فقد نُفّذت بتشاركٍ مباشر بين «أبو علي خضر» واللواء أسامة صيوح، رئيس الفرع. هذا الأمر استدعى لاحقًا نقمةً عارمة من القصر تجاه الطرفين، بعدما تبيّن أنهما شرعا يعملان لحسابهما الخاص في الظل. وعلى إثر ذلك، صودرت أموال «أبو علي خضر» وطُبّقت عليه إجراءات عزل وعقوبات مشابهة لتلك التي فُرضت سابقًا على رامي مخلوف، فيما أُودِع اللواء أسامة السجن، قبل أن يهرب ليلة «التحرير» إلى لبنان، حيث يقيم حاليًا.

«أنا أو أحرق البلد»

في الصحافة، ثمّة حيّزٌ يسمح بالتوثيق لا بالتدخّل أو الإملاء. وخلال سنوات طويلة من الحرب، امتلك بشار الأسد قاعدة شعبية واسعة داخل سوريا، كانت المسيرات المليونية تعبّر عنها أحيانًا، كما عكستها أعداد القوات العاملة والمتطوّعة، وآراء شريحة من السوريين التي رأت فيه ضمانةً وصمّام أمان. وكان ذلك كلّه، في حينه، جزءًا من حق التعبير المكفول.

غير أنّ هؤلاء أنفسهم، اليوم، ينظرون إليه – بحسب تعبيرهم – بوصفه «لصًا هاربًا بخيرات سوريا»، تركهم بلا سند أو حماية، فيما كان قادرًا، في أي لحظة، على المغادرة. ويرى كثيرون أنّ هذه القناعة لم تولد لحظة السقوط، بل بدأت تتشكّل قبل ذلك بوقت طويل.

يتساءل مناصرون سابقون للأسد عمّا إذا كان قد هرب في نهاية المطاف تحقيقًا لشعار «أنا أو أحرق البلد». ولماذا لم يسلك مسار القرار الدولي 2254 الصادر عام 2015، والذي بقي متاحًا أمامه حتى لحظة رحيله؟ ولماذا لم يكن أكثر شجاعة ووطنية في الأشهر والسنوات الأخيرة، حين كان بوسعه نقل السلطة، أو التفاوض، أو حماية من وقفوا إلى جانبه، أو الانخراط في تسويات إقليمية، أو التوقّف عن استعداء شريحة واسعة من السوريين المعارضين له؟

قبيل هروبه، كان في متناول يده الكثير ممّا لم يفعله: الجلوس إلى طاولة تفاوض، حماية حلفائه، الانفتاح على المسارات الإقليمية، والتخفيف من كلفة العداء الداخلي. غير أنّ ذلك لم يحدث.

خلاصة القول، كما يراها كثير من السوريين اليوم، أنّ ما ظهر من بشار الأسد وزوجته لم يكن سوى أنانية ديكتاتور ترك خلفه مجتمعًا ممزّقًا، يتقاذفه الفقر، والانتقام، والتهجير، والاضطهاد، والأحقاد، والرغبة الجماعية في الهجرة ومغادرة الوطن.

وكما قال أحد سكّان طرطوس لـ«صالون سوريا»:

«بشار وزوجته كانا يصلحان، في أفضل الأحوال، لإدارة حديقة ملاهٍ. ومع ذلك، فاحتمال فشلهما كان كبيرًا، لأنهما كانا سيسرقانها، ولن يدفعا ليرة واحدة في تطويرها أو حماية عمّالها. وهذا تمامًا ما فعلاه، هما ورجالاتهما، في سوريا».

ليلة السكاكين بمشحذ السرد لعروة المقداد

ليلة السكاكين بمشحذ السرد لعروة المقداد

ما إنْ تقرأ عنوان رواية/ نوفيلا: (ليلة السكاكين، لعروة المقداد والصادرة عن دار هاشيت أنطوان/ نوفل لعام 2025) حتى تتداعى لذاكرتك: “ليلة السكاكين الطويلة” في ألمانيا الثلاثينيات التي أمر فيها هتلر بتنفيذ مجموعة من الاغتيالات بحقّ خصومه من الحزب النازي. حقيقة، ليس من رابط فعلي، حتى لو لويت أعنّة المعاني، بين ليلة السكاكين الطويلة وليلة السكاكين لعروة المقداد، لكن هناك نيات وأفعالًا نازية تواطأ عليها أهل القرية، فمن هنا جاء الشبه. لقد اتفق كبيرهم ابن فهد مع السلطة في العاصمة، وكل فرقاء الحرب على تصفية ابن سلامة؛ فأوكلوا لعصابة بنات آوى اغتيال (ابن سلامة) بأشنع الطرق كي تتطهّر القرية والبلاد من ذكراه، ويتوقّف وجوده عن فضح خيانتهم للثورة وارتهانهم لمصالحهم.

من هو ابن سلامة؟ هو يتيم ربّته أمّه برموش عينيها، لكن من أين جاءه اللقب؟ لقد رفضت أمّه التقاليد والأعراف، وخرجت عن قيودها، فنذرت نفسها لتربية ابنها، رافضة طالبي الزواج ومشتهيها من الذكور بالحرام، مغلقة سمعها عمّا وصفتها النساء به من نعوت مقذعة، فتارة يقلن عن ابنها، ابن فلان، وتارة ابن علتان. وللحقيقة لم يكن إلّا ابن أبيه الذي مات مبكرًا، وانتقامًا من أمّه، أنكر أهل القرية نسبه لأبيه وكنّوه بأمّه، استحقارًا، لأنّها تمرّدت على تقاليدهم البالية! لقد كانت طهارة سلامة وأخلاق ابنها تقضّ مضجع أهل القرية، وعندما عصفت الحرب بالقرية وما جاورها في البلاد، تصدّى ابن سلامة لعصابات الأمن وأنقذ فتاة من محاولة اغتصابها، فقاتلهم من منزل إلى منزل، ومن المسافة البعيدة والقريبة والمسافة صفر.

ودارت رحى الحرب والهدنات ونسيت بطولات ابن سلامة، بل اختلط ذكراه بمن اتهمه، بأنّه كان أحد أسياد هذه الحرب، أو أنّه أحد الثوار الذين انتفضوا بوجه الظلم، أو أنّه مجرد مرتزق محظوظ لتنسب إليه تلك الصفات الثورية. لقد مضت خمس عشرة سنة عندما عاد ابن سلامة، والبلاد هي البلاد، لم ينتهِ القتل والخطف والتهجير، لكن بعد عودته أفزع أصحاب السلطة والتاريخ الكاذب وأقلق الأساطير والخرافات التي تعتاش عليها هذه القرية، لذلك قرّر بعضهم قتله، فيما صمت الآخرون.

ولأنّ الحكاية يجب أن تُحكى، فهناك دومًا شاهدٌ؛ وشاهدنا في هذه الرواية؛ هو الراوي الذي لا يتذكّر من ابن سلامة إلّا لحظة دخوله إلى بيتهم وهو يناور ويتخفّى عن عناصر الأمن، فيعطي قطعة من الحلوى للطفل الخائف، الذي سيصبح الراوي فيما بعد، وكان في الثامنة من عمره آنذاك. كبر الراوي في زمن الحرب وأصبح مدرسًا في قريته وفي لحظة برزخية، رأى ابن سلامة/ الأسطورة/ الواقع/ الوهم، عائدًا إلى بيته، فخرج إلى دروب القرية وشوارعها يصرخ: عاد ابن سلامة، عاد ابن سلامة!

لقد قتل ابن سلامة بأشنع الطرق؛ ولكي نفهم لماذا قُتل رمز الطهارة والثورة، رجع الراوي القهقرى إلى بدايات تشكّل قريته التي أقيمت على سهل، تراكمت مدنه فوق بعضها البعض، من رومانية ومسيحية وإسلامية. هذه القرية كانت منقسمة طبقيًا بين الذوات والعوام، يتولى حكمها ربيب سلطة العاصمة، وحدث أن سيطرعليها أحد الزعران الذين تنافسوا على حكمها منذ نشأت، وهذا الأزعر يُدعى فهد، حيث استطاع أن يلعب بالبيضة والحجر، ويثبت على سدّة المخترة، بعد أن سلبها بالمكر والعنف والدهاء، فأصبح من الذوات وترك طبقة العامة المحتقرين خلفه، وعندما حان الزمن ليورث ابنه، لا أملاكه فقط، بل سلطته أنفذه إلى العاصمة ليستمع للأستاذ؛ ذلك الرجل الغامض الذي لا يدين إلّا بدين السلطة، فعلّمه كيف يكون ثوريًا ورجعيًا، حسب ما تقتضي الظروف وتبدّل المصالح والولاءات. رجع ابن فهد سيدًا على القرية وعندما قامت الثورة أو الحرب الأهلية، فكلٌّ يطلق عليها التسمية التي تتوافق مع ميوله! لعب ابن فهد لعبة أبيه بالبيضة والحجر، فيدٌ مع السلطة، ويدٌ مع المجرمين، ويد ثالثة مع رجال الدين، يرضي هذا، وينتقم من ذاك ويقتل هذا وذاك. لقد كان ابن فهد يتمنّى في دخيلته أن يكون له تاريخ ابن سلامة، لكن من أين له ذلك! فلا أفعاله ولا أخلاقه، ولا نواياه، تتفق أن يكون له ذلك التاريخ، وإذا كان مايرغب به من المحال، فليصنع تاريخًا من الأكاذيب، ولا يكون ذلك إلّا في قتل ابن سلامة، لتنتهي المقارنة وتخلص له زوجته ساجدة. 

الحبّ القاتل: 

أغلق الأمن الطرق المؤدية إلى القرية بالاتفاق مع ابن فهد، وتقرّر أن تُرتكب المجازر في القرية، لتكن عبرة لمن تجرأ على مواجهة السلطة. كان ابن سلامة عائدًا من عمله عندما مُنع من الدخول إلى القرية، لكنّه ابن هذه الأرض وهو أدرى بشعابها، فتسلّل إلى داخلها، وهناك رأى عناصرًا من الأمن يستعدون لإعدام مجموعة من الشباب، فهجم عليهم وقتلهم وأنقذ فتاة من الاغتصاب. تقع الفتاة في حبّ ابن سلامة، لكنّها تنتهي كزوجة لابن فهد، تحقد على كلّ حبّ ودقّة قلب. وعندما عاد ابن سلامة إلى بيته تسلّلت إليه، لكنّه خيّب عواطفها وشهواتها، ورغبتها أن تتسلّط عليه، فأصرت أن يقتله زوجها. هكذا توافقت المصالح بين بنت العائلة الدينية وابن عائلة المال على قتل ابن سلامه، ووافقهم في ذلك المخبرون ورجال الدين وعصابة ابن آوى التي تعمل في بيع المخدرات، وكأنّ ابن سلامة عدوهم الوحيد، مع أنّ هؤلاء هم من ارتكب القتل باسم السلطة، وهم من سهل الانتقام أهل القرية باسم الدين وهم من أفقر البلاد. ومع ذلك خضع لهم أهل القرية، ووافقوهم عندما قرّروا قتل ابن سلامة الذي تحدّى أصنامهم وكسرها، وكأنّ هذه القرية لا تعرف معنى الحياة، إلّا بالعبادة لشخص الحاكم كائنًا من يكن. 

عاد ابن سلامة بعد خمس عشرة سنة! لا أحد يعرف لماذا عاد؟ فمنهم من خمّن، بأنّه رجِع ليشعل ثورة بوجه السلطة القديمة الجديدة! ومنهم من فهم، بأنّه عاد للانتقام! ومنهم من… ! لكن ابن سلامة لم ينبس ببنت شفة، فهل عاد ليموت بعدما رأى الثورة تأكل أولادها وتنتج ديكتاتورًا آخر؟ أم أنّه عاد ليموت في مسقط رأسه بشكل طبيعي أو يُقتل على يد من دافع عنهم من أهل القرية، من المخبِر، إلى رجل الدين، إلى والد الراوي الرعديد، وجدّة الراوي الثائرة التي علّمت الراوي سرد الخرافات والأساطير؟ فهكذا قرية لا يمكن أن يكتبها علم التاريخ، لأنّها خارجة عن منهجه وأحكامه؛ خاضعة للعنات قديمة وأرواح هائمة وآمال كالأشباح، فلا تكتب إلّا بالأساطير والخرافات، فهل عاد ابن سلامة ليدفع الراوي/ المدرِس ليسرد قصته، كي تكتمل الحكايا وتخبأ في صدور الأجيال القادمة  كأساطير وخرافات؟

الرمز والإشارة والإيماء: 

لا تحدّد الرواية أرضًا، ولا شعبًا، ولا حاكما معينًا، مع أنّه من خلال الإشارة والإيحاء من الممكن إسقاط رموز وأحداث الرواية على سورية بكل بساطة، بما أنّ كاتبها سوري. وفي الوقت نفسه لا يحدّد زمنًا، فمن الممكن أن تكون في هذا العصر أو الأسبق منه، أو اللاحق له، لكن المدّة التي حدّدها الراوي في بداية الرواية لعودة ابن سلامة إلى قريته بعد خمس عشرة سنة من يوم أصبح ثائرًا، تشير إلى سنوات الحرب السورية ما قبل السقوط وما بعده. لم يكن ابن سلامة عندما قام بثورته منتميًا سياسيًا ولا دينيًا، فكل ما أراده إنقاذ أهل قريته وتلك الفتاة ساجدة التي صاقب وجودها في القرية في ضيافة صديقة لها، مع أنّ ساجدة من عوائل الذوات الدينية التي تتقاسم مع عوائل المال والسياسة السلطة في هذه البلاد، وكأنّ ثورة ابن سلامة تقول، لا يعنيني إلّا الإنسان، مهما كان منبته أو منشأه أو ميوله! ألم تكن هذه شعارات الحراك السوري في أوائل خطواته ومن بعدها انحرف يمينًا ويسارًا. إنّ تطور شخصية ساجدة من فتاة تنتسب إلى عائلة دينية، إلى عاشقة مجنونة لابن سلامة، إلى زوجة براغماتية لابن فهد، يعدّ من أفضل الأمثلة على الانحرافات التي أصيبت بها الثورة، لقد فجّر انقاذ ابن سلامة لها ثورة الحبّ/ الحرية فيها، وعندما لم تحصد من هواماتها العاطفية إلّا السراب تحوّلت إلى وحشٍ لا يعيش إلّا على القسوة. كذلك أهل قريته والثوار ورجال السلطة والمال والدين كلّ منهم ذهب وراء مصالحه الخاصة، وكأنّهم لم يهتفوا يومًا للحرية والعدالة والمساواة. وعندما أيقظتهم عودة ابن سلامة إلى القرية من انتصاراتهم المزيفة أرادوا قتله، فكأنّ لكلّ منهم ثأره الخاص معه، حتى هؤلاء الذين لم يعايشوا بداية الثورة أو الحرب، فلقد رأوا عودته إعادة للتاريخ، فنبذوه، مع أنّه بعد رجوعه لم يبرح بيته، وكأنّه يعلن خيبته، حتى ممّا خرج لأجله في الماضي. 

كان الراوي شاهدًا على كل تلك الأحداث، وسببًا بمقتل ابن سلامة، فلو أنّه صمت عن الإعلان عن عودته، لكان نُسي مع الكثيرين الذين طحنتهم الحرب، فأهل قريته نساءون مادام النسيان يخدم مصالحهم وذاكرتهم قوية لأجل مصالحهم. سدّد الراوي دينه لابن سلامة، لأنّه تسبب في موته بدون قصد، فجمع أشلاءه، بعدما قطّعنه بنات آوى إربًا إربًا، ومن ثم دفنه في أحد وديان القرية الأسطورية. لكن الأفظع من ليلة السكاكين، كان بأن اجتمعت القرية وأقامت تأبينًا عظيمًا لأجل ابن سلامة! ومن ثمّ دفنوه في تابوت خاليًا من جثمانه، أمّا الأعجب، فقد كان ظهور ولد حليق الرأس بين جموع المشيعين صارخًا: “حرية، حرية” وغاب بعدها بين البيوت والأزقة. لم يعد ابن فهد مهدّدًا بزوال سلطته، أمّا ساجدة فأوغلت بجنونها، وعاد كاتب التقارير إلى تقاريره، وإمام الجامع إلى خطبه، وبنات آوى إلى جرائمهم، بعد أن دفنوا ابن سلامة، وكأنّ لا ثورة قامت، ولا حربًا طاحنة دارت رحاها يومًا هنا. يغادر الراوي قريته إلى المنفى في شمال هذه الأرض، ولسان حاله يقول: “ظل وجه ابن سلامة لا يفارقني، وبقيت صرخته يوم قُتل تزأر في روحي وتُؤجج رغبة داخلي بالانتقام والثأر، لكن ممّن سأثأر؟ من نفسي الجبانة التي لم تحرك شيئًا طوال تلك السنوات، أم من بنات آوى؟ أومن العائلات ذات النسب؟ من ابن فهد؟ من ساجدة؟ من الأستاذ؟ من المدن والحضارة؟”. 

قد تكون نوفيلا عروة المقداد من أوائل الروايات التي تتناول الحرب في سورية بعد السقوط. وهنا تكمن ميزتها، بأنّها لم تعد ترى مآلات الثورة طهرانية أبدًا، فالنظام قد سقط، وما يحدث في سورية الآن، يحتاج إلى سردٍ لا يكتفي بتمجيد الثورة، وإنّما نقدها بشدّة، لكي لا تصبح مقولة: من كثرة ما وقع الشعب السوري في الحفرة ذاتها؛ أصبحت قبرًا له.  

حين تتحول الفاشية إلى فخ سياسي

حين تتحول الفاشية إلى فخ سياسي

ليست اللغة بريئة، ولا المصطلحات أدوات محايدة. فقبول تعبير ما، حتى لو على سبيل نقده، قد يرسّخ حضوره في التداول ويمنحه سلطة غير مقصودة. ولعلّ تعبير “الفاشية السنية” مثال حي على هذا الفخ؛ مصطلح يبدو للوهلة الأولى تفسيراً جذاباً لمشهد سلطوي جديد في سورية، لكنه سرعان ما يتحوّل إلى وصم جماعي، يختزل ملايين البشر في استعارة لغوية ملتبسة. خطورة المصطلح لا تأتي فقط من فجاجته الطائفية، بل من كونه يعيد إنتاج المنطق الذي تغذّى عليه الاستبداد لعقود؛ تفسير السياسة بالهويات، لا بالبُنى.

ظهر هذا النقاش على خلفية التحوّلات التي أعقبت سقوط دمشق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، حين انسحب النظام المركزي وفرضت هيئة تحرير الشام وفصائل ثورية معارضة أخرى سيطرتها على العاصمة. بدا المشهد متناقضاً؛ شعب يطيح بديكتاتورية الأسد، لكنه يجد نفسه بعد فترة وجيزة في مواجهة سلطة قد لا تقل عسكرة ولا انغلاقاً، وإن لبست خطاباً دينياً هذه المرّة. في هذا السياق لجأ أحد الكتّاب إلى استعارة قاموس الفاشية الأوروبية لوصف الظاهرة الجديدة، معتبراً أن الإسلام الجهادي هو “نسختنا المحلية من الفاشية”، وأن ما جرى في سورية ليس إلا بعثاً جديداً للأمة السنية بعد عقود من التهميش. ربط الكاتب بين أسطورة الأصل الأموي، والتعبئة الجماهيرية من المساجد والعشائر، وممارسات عنف إبادي ضد الأقليات، ليخلص إلى أن الحكم الجديد يكرّس “فاشية سنية” قائمة على نقاء الجماعة وتفوقها.
هذا الطرح، مهما كان مثيراً للجدل، يستحق التوقف عنده لا لصحته بقدر ما يكشفه من ميل إلى القراءة الغائية. فهو يلتقط بالفعل سمات سلطوية واضحة: النزعة الشمولية، مركزية العقيدة، تمجيد العنف كأداة، والتعبئة ضد الأقليات. لكنه يسقط في فخ أخطر وهو تحويل تلك السمات إلى “قدر مذهبي” يلتصق بأهل السنة جميعاً، بدل أن يُرى كإعادة إنتاج لبنية استبداد تستثمر الدين كما استثمر الأسد من قبل القومية والبعث. هنا يصبح المصطلح أداة وصم، ويختلط فيه النقد بالاتهام، والتحليل بالتحريض.

ومن بين أبرز عناصر القراءة التي تبنّت وصف “الفاشية السنية” فكرة العودة إلى الأصل الأموي، باعتبار أن صعود هيئة تحرير الشام بعد سقوط الأسد هو بعث سياسي جديد لأهل السنة، الذين يفترض أن يستعيدوا سلطتهم التاريخية. لكن هذه الاستعارة التاريخية تقوم على استدعاء انتقائي للماضي، وتحويله إلى أسطورة تبرّر الحاضر، على نحو يذكّر فعلاً ببعض ممارسات الفاشيات الأوروبية التي ربطت نفسها بـ”أصل نقي” أو “أمة عظيمة”. غير أن خطورة هذا الربط في السياق السوري تكمن في أنه يجرّد التاريخ من تعدديته، ويحوّل طائفة دينية واسعة ومتنوعة إلى جماعة سياسية متخيلة، وكأنها امتداد مباشر لبني أمية أو لمشروع تاريخي واحد. بينما الواقع السوري الحديث يبيّن أن أهل السنة لم يشكلوا يوماً كتلة سياسية موحدة، بل كانوا موزعين بين تيارات ليبرالية وقومية ويسارية وإسلامية وصوفية، ما يجعل الحديث عن “بعث سني” أقرب إلى الوهم الأيديولوجي منه إلى الواقع الاجتماعي.

الركيزة الثانية في هذا التوصيف كانت التعبئة الجماهيرية التي شهدتها بعض المدن والبلدات؛ حشود تخرج من المساجد، نداءات عشائرية للفزعة، خطابات تحشد ضد العلويين أو الدروز. هذه الصور تذكّر فعلاً بمشاهد التعبئة الفاشية في أوروبا، حيث الجماهير تُستدعى لتبرير العنف. لكن الخطر هنا أن يُفهم الأمر كدليل على “طبيعة سنية” للفاشية، في حين أن ما نراه هو توظيف ظرفي للأدوات الدينية والاجتماعية المتاحة. فكما استثمر البعث النقابات والمدارس والجيوش في تعبئته، تستثمر السلطة الجديدة المنابر الدينية والعشائرية. إنّ تحويل أدوات التعبئة إلى جوهر طائفي يُغفل أن هذه الأدوات متاحة في كل بنية سلطوية تسعى للسيطرة، وأن الجماهير نفسها ضحية الاستخدام لا شريك في مشروع “قدر تاريخي”.

عنصر ثالث استندت إليه القراءة هو فكرة التطهير الداخلي داخل الجماعة السنية نفسها، من خلال خطاب الولاء والبراء، والتهديد بإقصاء كل من يخرج عن الصف، بل وملاحقة المختلفين من داخل الطائفة بتهم الانحراف أو العمالة. هنا أيضاً تلتقي التجربة السورية الجديدة مع ملامح سلطوية عالمية؛ كل استبداد يسعى لإحكام قبضته يبدأ من الداخل، من ملاحقة الأصوات النقدية وشيطنة المختلفين. لكن اعتبار هذا السلوك “فاشية سنية” يُحوّل الطائفة إلى كيان واحد متماسك له مشروع ذاتي، بينما الواقع أن الانقسامات بين السنة أنفسهم، بين مؤيد ومعارض لهيئة تحرير الشام، بين صوفي وسلفي، بين مدني وعشائري، تكشف هشاشة أي ادعاء عن “نقاء داخلي”. ما يجري هو محاولة سلطة جديدة لتأبيد بقائها عبر منطق النقاء، وليس مشروعاً جماعياً للطائفة.

في ضوء هذه العناصر الثلاثة السابقة، يتضح أن المشكلة ليست في رصد الظواهر، بل في طريقة تسميتها. فالاستبداد الجديد الذي قد ينمو في دمشق، يتغذى على أساطير الأصل، ويستثمر أدوات التعبئة الدينية والعشائرية، ويستخدم خطاب النقاء للتخلص من خصومه. لكن كل هذا لا يجعل منه “فاشية سنية”، بل نموذجاً آخر من السلطوية الدينية الراديكالية، أو ما يمكن تسميته “استبداداً مؤدلجاً بالشرع” (المقصود الشريعة الدينية!). هذا التوصيف يضع المشكلة في مكانها الصحيح؛ البنية السلطوية التي تعيد إنتاج نفسها عبر أدوات مختلفة. مرة بالبعث، مرة بالشرع، وربما غداً بواجهات أخرى. هكذا نحتفظ بدقة التحليل، ونتفادى تحويل المذهب إلى قدر سياسي أو هوية قاتلة.
تجربة السوريين تكشف أن الاستبداد لا يزول بسقوط رأسه، بل ربما يتكاثر بأشكال جديدة، متكئاً على الرموز والرايات الطائفية واللغة المغلقة. هنا تكمن الخطورة؛ فالمصطلحات لا تبدو انعكاساً محايداً للواقع، إنما هي جزء من إنتاجه. إنّ شيوع تعبير مثل “الفاشية السنية” لا يصف الاستبداد بقدر ما يرسّخ منطقه، إذ يُعيد صياغة السياسة كصراع هويات، لا كبنية سلطوية يمكن تفكيكها.
المطلوب إذن البحث عن لغة دقيقة تقرّ بالوقائع دون أن تقع في فخ الوصم. فالاستبداد الذي يلبس عباءة الدّين اليوم لا يختلف في جوهره عن الاستبداد الذي لبس عباءة البعث بالأمس، وكلاهما يعيد إنتاج المنظومة ذاتها؛ قمع التعددية وتأبيد السلطة. لكن ما يحدد مسار المستقبل هو كيف نصف هذه الظاهرة: هل نحمّلها لهوية مذهبية، أم نضعها في إطارها الصحيح كسلطوية عابرة للأقنعة؟ إن التحرر السياسي يظل رهناً بتحرر معرفي يسبقُه؛ لا يكفي إسقاط الطغيان ما لم نحرر خطابنا من أدواته. المعركة الأولى ليست في الشارع وحسب، إنما في المعجم الذي نختار أن نتكلم به. ومن دون هذا التحرر اللغوي، سيظل الاستبداد يجد لنفسه دائماً اسماً جديداً ليعود به من أي خطاب أو مقال أو قانون.