سقوطٌ بلا انتقال: لماذا انخفض سقف الأحلام بعد عامٍ من الفرح؟

سقوطٌ بلا انتقال: لماذا انخفض سقف الأحلام بعد عامٍ من الفرح؟

بعد سقوط نظام الأسد، نهض الشعب السوري بكامل طاقاته ليحتفل بتحقيق حلمه المنتظر، أُفرغت السجون من المعتقلين، استفاقت الآمال مجدداً، عاد حُلم بناء الوطن لدى كثير من السوريين الوطنين، وعاد جزء كبير ممن هجَّرهم نظام الأسد وحرمهم من زيارة البلاد لسنوات. ولكن، على الرغم من الفرح الكبير الذي عاشه السوريون، وما زال بعضهم يعيشه حتى اليوم، وبعد مرور عامٍ على السقوط، أصيب جزء كبير من الشعب بخيبة أملٍ كبيرة، وانخفض سقف الأحلام والتوقعات، بعد ما شهدته البلاد من أحداثٍ مُقلقة وخطيرة، فتحت الباب أمام جملة من الأسئلة المُلحة والمؤلمة: هل تغير واقع البلاد إلى الأفضل؟ هل تغيرت المنظومة الاستبدادية والعقلية الأمنية والسياسية التي أسقطها الشعب بثورته؟ هل ولَّى زمن التطبيل والتشبيح؟ وهل تغير واقع الإعلام  وأزيلت القيود عن حرية الرأي والتعبير؟ … الخ.

الطائفية تهدد السلم الأهلي 

بدلاً من تطبيق العدالة الانتقالية وإنصاف جميع الضحايا، وبناء شرعية سياسية عبر تفاهماتٍ وحوارات وطنية حقيقيةٍ وناجعة، تُشرك جميع مكونات الشعب، دخلت البلاد في دوامة عنفٍ طائفي دموي قد يجرّها نحو الانقسام. فَتحتَ ذريعة مُحاربة فلول النظام، ارتُكبت المجازر وعمليات القتل الطائفي خارج نطاق القضاء، بحق آلاف المدنيين العلويين في الساحل وحمص وغيرها، وهو ما أدى إلى إحداث موجات نزوحٍ داخلي وخارجي، حيث فرّ مئات المدنيين إلى القرى الجبلية النائية وقاعدة حميميم الجوية الخاضعة للجيش الروسي، ونزح جزء آخر إلى دمشق وريفها وإلى مناطق أخرى، فيما عَبر جزء آخر الحدود السورية باتجاه الأراضي اللبنانية. وحتى اليوم، لم يتمكن جزء كبير من هؤلاء النازحين من العودة إلى بيوتهم نتيجة غياب الأمان واستمرار الانتهاكات.  

 الطائفة الدرزية تعرضت بدورها لسلسلة من المجازر والانتهاكات، التي بدأت نهاية شهر نيسان، عقب انتشار تسجيل مُفبرك يُسيء للنبي الكريم محمد، أعقبه محاولة اقتحام لمدينة جرمانا، ثم اقتحام لمدينة صحنايا والأشرفية وارتكاب عشرات الجرائم والانتهاكات وعمليات القتل الطائفي، ومن ثم وقوع عدد من الاشتباكات  في محيط  محافظة السويداء التي تعرضت لعدة هجمات مسلحة من المحور الشمالي والغربي. وإثر ارتفاع حدة الخطاب الطائفي خَلت الجامعات السورية من معظم الطلبة الدروز، بعد أن تعرضوا لكثيرٍ من المضايقات والتهديدات وشعروا بخطرٍ يتهدد حياتهم.  

ولم تكد تهدأ نار الخطاب الطائفي ضد الطائفة الدرزية حتى اشتعلت من جديد، بعد أحداث تموز الدامية التي شهدتها محافظة السويداءعَقب اقتحامها من قبل قوات الأمن وعناصر من وزارة الدفاع ومن ثم أرتال العشائر التي قَدِمت بعشرات الآلاف من مختلف أنحاء البلاد.  ويوضح الواقع الكارثي الذي خلَّفه اقتحام المحافظة حجم الحقد الطائفي ونزعة الثأر والانتقام، وقد تجلى ذلك بإحراق وتدمير أكثر من 35 قرية وتهجير أكثر من 100 ألف شخص، وارتكاب مئات المجازر عبر الإعدامات الميدانية والتصفية الطائفية، والانتقام من  أبناء المحافظة وإذلالهم و معاقبتهم  من خلال حلق شوارب الشباب والشيوخ، وخطف النساء وإهانة الرموز الدينية، وغير ذلك من الانتهاكات الإنسانية التي لا يمكنها أن تُمحى من ذاكرة أبناء المحافظة. 

وقد عكست تلك الأحداث الطائفية التي شهدتها البلاد عجز الحكومة الحالية عن حماية السلم الأهلي وعن إنتاج خطاب وطني جامع يُهدئ من الاحتقان الطائفي الكامن داخل المجتمع السوري، وهو ما ساهم في زرع الشقاق بين مكونات الشعب، وجَعل مرجعيات دينية ووطنية واجتماعية في السويداء والساحل تدعو إلى الانفصال أو الفيدرالية في ظل انسداد آفاق الحلول السياسية وتعذر إيجاد أي حوار وطني مع الحكومة السورية الحالية، وهو ما قد يهدد وحدة البلاد مستقبلاً. 

الواقع الأمني 

رغم مرور عام على سقوط نظام الأسد مازال الوضع  الأمني في البلاد يعاني من خللٍ وهشاشةٍ كبيرة، إذ تستمر عمليات الخطف (خاصة في مناطق الساحل) وعمليات القتل والتصفية والإعدام الميداني خارج نطاق القضاء في مختلف أنحاء البلاد، هذا بالإضافة إلى استمرار عمليات السطو المسلح والنهب و مختلف أشكال النشاط الإجرامي، وكان من بينها سرقة المتحف الوطني في دمشق ومركز الوثائق التاريخية في قصر العظم وتمثال مار بولس من مدخل الكنيسة في باب شرقي، وذلك في ظل غياب المساءلة القانونية بحق كثيرٍ من مرتكبي الجرائم والانتهاكات. إلى جانب ذلك ارتكبت جماعات مسلحة، تتبع للحكومة الجديدة، الكثير من الانتهاكات بحق أفراد، يُشتبه في تعاونهم أو ارتباطهم بحكومة النظام البائد، شملت الاعتقالات التعسفية، التعذيب الجسدي، وعمليات الاغتيال والإعدامات، ومعظمها تمت بدافع الثأر والانتقام، في ظل غياب القوانين وتطبيق العدالة الانتقالية.

وحتى اليوم ماتزال الكثير من مناطق الساحل، وخاصة الأرياف، تشهد انتهاكات يومية ويتعرض الكثير من سكانها لمضايقاتٍ متكررة، وممارسات ابتزاز، في ظل استمرار العمليات الأمنية التي تهدف إلى فرض السيطرة بشتى الطرق على السكان المحليين الذين تأثرت حياتهم المدنية والاجتماعية والاقتصادية على نحو كبير. إلى جانب ذلك تعرضت عدة قرى علوية لعمليات تهجير قسري ممنهج واستيلاء على المنازل والأراضي، من بينها قرى كفر عقيد والعزيزية وأرزة في سهل الغاب، وهو ما يشكل استهدافًا واضحًا للسكان المحليين ومحاولات لتغيير التركيبة السكانية في المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك، يضطر كثير من سكان  القرى العلوية، التي مازالت تعيش حالة من الحذر والترقب، إلى الالتزام في منازلهم عند حلول الساعة الثامنة مساءً، تحسبًا لأي انتهاكاتٍ أو تهديداتٍ محتملة.

ورغم محاولات السلطات السورية مأسسة أجهزة الأمن والشرطة والجيش، لا يزال هناك انتشار كبير للسلاح غير المنضبط في عموم البلاد، في ظل وجود الكثير من الجماعات والفصائل المسلّحة التي تنشط خارج إطار الدولة. وإلى جانب ذلك ما زالت العقلية الفصائلية تطغى على سلوك الكثير من عناصر الأمن والشرطة والجيش الذين يواصلون عملهم اليوم بذات العقلية التي سادت في البلاد خلال سنوات الحرب، والتي يحمل بعض أصحابها أيديولوجيات دينية تغلب على الأيديولوجيات الوطنية، ويسعون لتحقيق مكاسب فردية وسلطوية بدلاً من المكاسب الوطنية، فيما لا يزال جزء منهم يحمل خلفية جهادية، وأفكاراً متطرفة قد تهدد الأمن في أي لحظةٍ بدلاً من ضبطه، وما حدث في هجوم تدمر قبل أسابيع هو خير دليل على ذلك، إذ أقدم أحد عناصر الأمن السوري على قتل جندين أمريكيين ومترجم وجرح آخرين، خلال لقاء أمني جمع عسكريين أمريكيين مع مسؤولين من وزارة الداخلية السورية في مقر فرع الأمن الداخلي في تدمر. 

إلى جانب ذلك، ومنذ سقوط الأسد، صعّدت إسرائيل نشاطها العسكري في سوريا، حيث استهدفت البنية التحتية العسكرية، وقامت بتدمير مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة لتحطم بذلك القوة القتالية للمؤسسة العسكرية، وما زالت تتوغل يوماً بعد يوم عَبر الحدود في القنيطرة ودرعا، من خلال عملياتٍ عسكرية، لتحتل مساحاتٍ جديدة من الأراضي السورية، حيث فرضت سيطرتها على أكثر من500 كم مربع، وقد أسفرت تلك العمليات عن وقوع كثير من الخسائر البشرية والمادية إلى جانب نزوح عددٍ من السكان. وكل ذلك يحدثدون أي مواجهةٍ تذكر أو حتى إصدار بيانات احتجاج أو استنكار حتى ولو شكلية.  

مطبلون وشبيحة جدد 

بدلاً من تحطيم فكر وممارسات شبيحة ومطبلي نظام الأسد، ولدت، بعد سقوطه، فئة جديدة مشابهة، تستميت في امتداح السلطة والدفاع عنها بشتى السبل، لتعيد استنساخ النموذج البعثي ولكن بطرق وممارسات إيديولوجية مختلفة،  يُسيّرها الخطاب الديني أو”الثوري”. فبينما كان موالو الأسد يبررون دكتاتوريته واستبداده، قبل الثورة، تحت ذرائع الممانعة والمقاومة والتصدي للمشاريع الخارجية، ومن ثم محاربة الإرهاب خلال الثورة،  يحاول معظم موالي السلطة الحالية تبرير ممارساتها تحت ذرائع محاربة فلول الأسد وإقامة الحكم المثالي، والمصلحة العليا للدين، والواقعية السياسية، وعلاج التركة الثقيلة التي خلَّفها نظام الأسد وغيرها من التبريرات، مستقوين بشعار”من يحرر يقرر”، متناسين، عن قصدٍ أو غير قصد، أنهم يعيدون إنتاج خطاب التبرير ذاته، وانتاج استبدادٍ وديكتاتورية جديدة، من خلال قمع وانتقاد كل معارضٍ أو مخالفٍ في الرأي، وتجريم الفكر النقدي البنَّاء، وتقديس وتبني الخطاب الواحد،  والولاء المطلق للزعيم، بوصفه القائد الأوحد الذي لا يُخطئ. وقد تجلى ذلك في أكثر من مناسبة، من بينها ما حدث خلال الوقفة التضامنية   مع ضحايا مجازر الساحل،  التي أُقيمت في ساحة المرجة في شهر آذار الفائت، فعلى الرغم من رفع المحتجين شعاراتٍ تتضامن مع شهداء الأمن العام وتترحم على أرواحهم، خرجت أصوات معارضة من الموالين الجدد  لتتصدى للمشاركين في الوقفة وتردد عبارات طائفية تسيء للمواطنة والانتماء الوطني وتتهمهم بأنهم فلول وعملاء، رغم أن معظمهم كانوا من معارضي نظام الأسد ومن المعتقلين السابقين والمنتمين للثورة.

الأمر ذاته تكرر خلال الوقفة الصامتة التي نظمها ناشطون أمام البرلمان للتضامن مع ضحايا مجاز السويداء. ورغم أن الوقفة لم تتضمن أية شعارت تتعلق بالسويداء أو تُندد بممارسات السلطة، ورغم أنها حملت شعاراً وطنياً: “دم السوري على السوري حرام”، لم ترُق للشبيحة الجدد، الذين شعروا أنها تشكل انتقاداً، بل ربما تهديداً للسلطة الجديدة، فقاموا بالهجوم على المشاركين فيها وشتمهم والإعتداء على بعضهم بالضرب، وقد انتشر فيديو يظهر شاباً يهاجم الصحافية والناشطة زينة شهلا ويشتمها بأبشع الشتائم.    

إلى جانب ذلك، ومنذ تولي السلطة الجديدة حكم البلاد وحتى اليوم، اكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بالكثير من الناشطين المطبلين الذين أصبحوا، ولكثرتهم، جيوشاً إلكترونية، هدفهم رصد منتقدي السلطة ليقوموا بإهانتهم وتهديدهم وشيطنتهم، وفبركة الأخبار الكاذبة عنهم، وقذفهم بعشرات الاتهامات الجاهزة مثل: “فلول النظام”، “أيتام الأسد”، “العمالة” و”السعي للانفصال والتقسيم” وغيرها. 

وبالنظر لما ذُكر، قد تغرق البلاد في إرثٍ جديد من الخوف والعقلية المخابراتية وثقافة الإقصاء واحتكار السلطة، وحَرف بوصلة الانتماء الوطني نحو الانتماء الديني والسلطوي، وهو ما سيشكل تهديداً لمفهوم الشراكة الوطنية  ولمستقبل الهوية السورية الجامعة.

إعلام السلطة 

رغم خلاص البلاد من الرقابة والتضييق وغير ذلك من الممارسات الأمنية التي كان يفرضها الأسد على حرية الإعلام، مازال الإعلام الرسمي يُشبه، في نقاط كثيرة، ما كان عليه خلال حكم الأسد. فلم تكد البلاد تنسى الإعلاميين المُطبلين لسلطته، حتى جاء إعلاميون مشابهون، هدفهم  امتداح السلطة وتلميع صورتها، عبر خطابٍ إعلامي يُطلق صفة الوطنية على من يشاء، ويحصر الانتماء إلى سوريا بالولاء المطلق للسلطة الجديدة. إعلاميون يفتقد معظمهم إلى الموضوعية والمهنية وأبسط قواعد العمل الصحافي. جزء كبير منهم كانوا مجرد “تيكتوكرز” أو “يوتيوبر” أو نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، تم إطلاقهم في فضاءات مواقع التواصل، ليقوموا بتسطيح وإفراغ العمل الإعلامي من مضمونه ودوره الريادي، وتحويل الخطاب السياسي والوطني إلى مادة استهلاكية، تقوم على المهاترات والمشاحنات والسخرية من معارضي السلطة وشتمهم وتقزيمهم، بشكلٍ يذكرنا بما كان يفعله مثقفو وإعلاميو سلطة الأسد، دون أن يكون لديهم أية محاولة لتقريب وجهات النظر أو مدّ جسور الحوار مع منتقدي السلطة. وقد جعلهم ولاؤهم المطلق للسلطة  يتصدرون المشهد الإعلامي، ويحتلون مختلف المنابر والمساحات الإعلامية والثقافية، ليتحدثوا من خلالها عن إنجازات الحكومة، ومشاريع إعادة الإعمار والاستثمارت  وتعافي الاقتصاد وتطبيق الحكم المثالي، ومقارنة الواقع الحالي للبلاد بما كانت عليه خلال حكم الأسد، فيما يتجاهلون الحديث عن الفساد وتسريح الموظفين، وعن فشل جزء كبير من الوزراء والمسؤولين في أداء عملهم الوظيفي، وعن الجرائم والانتهاكات وغير ذلك من ممارسات الحكومة التي تحتاج للكثير من النقد والتصويب.  

تحتاج سوريا اليوم في هذه المرحلة الخطيرة والمفصلية، إلى شراكة وطنية حقيقية بين جميع السوريين، تبدأ من حوار وطني وسياسي حقيقي وفاعل بين جميع المكونات والطوائف من جهة، وبين الحكومة السورية والمكونات المعارضة لها من جهة أخرى، وهذا لن يحدث دون التخلي عن العقلية الفصائلية، ودون قطيعة جذرية مع ثقافة الإقصاء والطاعة العمياء واللون الواحد، ومع كل خطاب يُبرر العنف والديكتاتورية تحت أي من المسميات. 

الطائفيّة وصراع الهويّة في سورية

الطائفيّة وصراع الهويّة في سورية

إذا كانت طائفتُنا هي الجذر الوحيد الذي يربطُنا بأرضِنا، فربما نحنُ أشجارٌ ميّتة، كي نعشقَ هذه الأرضَ لا بدّ أن نعرفها، وكي نعرفَها، يجبُ أن ننبشَ عميقاً في التراب، لا أبالغُ إن قلتُ إنّ الحقيقةَ تكمنُ هناك، بين رفاتِ الأجداد، فأن نعرفَ تاريخنا يعني أن نعرفَ من نحن، إنّها الخطوة الأولى على طريقِ تشكيل الهويّة، أمّا طائفتنا فما هي إلا جزءاً من هذا الكلّ، الذي إن ركبنا الزمنَ وسافرنا عبره، سنجدُ أنّ وجودَنا أقدم و أعمق، وإذا كنّا نميلُ إلى التمترسِ خلفَ لحظةٍ تاريخيّةٍ فرّقتنا، فإنّ الخلاص ربما يكمنُ في البحثِ عن لحظاتٍ مُضيئةٍ، وقواسمَ مُشتركةٍ تُحيلنا إلى جذورنا الأعمق في هذه الأرض.

يُقالُ إنّ الأوروبّيون استلهموا نَهضتهم من النقاطِ المُضيئة في تاريخهم، إذ وجدوا في الجذور اليونانية اللاتينيّة ما أعاد دبيبَ الحياةِ إلى ثقافتهم الراكدة، خاصةً مع موجات لجوء العلماء اليونان حاملين معهم مخطوطاتهم القديمة إثرَ سقوط القسطنطينيّة، أمّا النهضة العربية التي بدأت في مصر وتسارعت وتيرتَها أواخر القرن التاسع عشر، حيث كانت بيروت و القاهرة و دمشق و حلب، مراكزَها الأساسية، فإنّ أهم ما تمخّضَ عنها هو إحياء اللغة العربية و فكرة القومية العربية، والمطالبة بإصلاح الدولة العثمانية، ثمّ المطالبة بالاستقلالِ عنها، لقد وجدَ روّاد النهضة في منطقتِنا آنذاك في الجذر العربي ما يوحّدهم و يبعدُهم عن الاقتتال والتنافر.

بحسب أمين معلوف، صاحب الهويات القاتلة، علينا أن نبحث عن التعدّد في هوّيتِنا الفرديّة لنكونَ أكثر تسامُحاً مع ما نسمّيه الآخر المُختلف، والذي إذا أمعنّا النظرَ في تاريخنا سنجدُ أنّنا نحملُ طائفتَهُ أو عرقَهُ أو حتى وطنَهُ الأم، أمّا اختزال الهوية إلى انتماءٍ واحدٍ، يضعُنا في موقفٍ مذهبيٍّ و متعصّبٍ وأحياناً انتحاريّ. يعتقد أمين معلوف بأن كل المذابح التي حدثت خلال السنوات الأخيرة ترتبط بملفّات معقّدة وقديمة عن الهويّة. 

 أما على المستوى الجماعي، كي تصنعُ الشعوبُ نهضتَها فعليها أن تقفَ على عتبةٍ تُعيدُ فيها تعريف ومعرفة ذاتِها، فأن نبحثَ عمّا يجمعُنا كشعوبٍ ولدَت على بقعةٍ جغرافيّةٍ واحدة لا يلغي التنوّع، ربّما عندما نقفُ على حقيقةٍ جذورِنا المشتركة سوف ننظر إلى الفروع مهما تعدّدت باحترام، إن لم يكن بحُبّ، فقبل أن يكون الإسلام على أرضنا كانت المسيحية، وقبل المسيحية كانت اليهودية والديانات التي أطلقنا عليها وثنيّة. لقد أدى البحث الروحي الطويل الذي تفتّحت بذوره على هذه الأرض، والذي حملهُ أجدادنا على أكتافهم ومشوا الطريق، إلى ولادة ما يسمّى بالفكر التوحيدي، مشكلة الفكر التوحيدي أنّه مع الوقت أصبح إقصائيّاً، أي أنّه فرض نفسهُ على أنّه حقيقة مُطلقة، تلغي كل ما جاء قبلها تحت مسمّيات كالوثنيّة والجاهليّة، وتكفّر كل ما جاء بعدها، ما أدى إلى تنشئةِ شعوبٍ تنظرُ بريبةٍ أو استعلاءٍ إلى بعضها البعض، والأخطر أنّها تجهلُ تاريخها المُمتدّ إلى ما قبلَ التوحيد. ربّما نحتاجُ إلى عينٍ ثاقبةٍ، جريئةٍ، تنظر عبرَ الجدران التي بنَيناها بين بعضنا البعض، كأديان، وطوائف، وإثنيات وُلدَت وعاشت على هذه الأرض، وبين تاريخنا المُمتدّ، لنكتشفَ أنّنا بالحقيقةِ مُتشابهون، نتداولُ القيَمَ و القصصَ ذاتَها، حتى كتُبنا التي نؤمنُ بفرادتِها، ما هي إلّا امتدادٌ لما جاء قبلَها من أساطير.

 طبعاً إعادة تعريف ومعرفة الذات ليس بهدفِ الارتكاس أو التعلّق ببرهةٍ زمنيّةٍ تعمينا عن واقعِنا، إنّما بهدف رمي الموروث الميّت والبناء على ما هو حَيّ، تلكَ سيرورة تحرّر لا يخوضها سوى الشجعان، أمّا تشويه الجذور أو إنكارَها فسوفَ يرمي بنا في أتونِ الإقتتالِ و التنافر الذي يسبّبُهُ الإنتماء المُتعصّب، إذ سيتمترَسُ كلّ طرفٍ خلف طائفتِه أو إثنيّته، و لأنّ جذورَه في أرضِه ضعيفة، سوف يرى في الآخرِ تهديداً يجبُ أن يقضي عليه، إنّه إذن قتلٌ دفاعاً عن النفس، لكن أيّ هشاشةٍ تجعلُنا مهدّدين لدرجةِ أنّنا نقتل كل مُختلف، إذ أنّه ربّما وعن غير قصد، يدعونا إلى إعادةِ النظر. المُلفت أيضاً أنّ الصراعات الطائفيّة تكون أشدّ فتكاً من تلكَ الدينيّة، كما أنّ الصراع بين الأخوة هو الأكثر دمويّة، نحنُ نتقبّل على مضض اختلاف من نعتبرهم غرباء، في حين لا نتساهل مع الأقرباء أو الإخوة.

بحسب المفكّر المغربي محمد عابد الجابري “للهوية الثقافية مستوياتٌ ثلاثة، فردية، و جمعويّة، ووطنيّة قوميّة، والعلاقة بين هذه المستويات تتحدّد أساساً بنوع الآخر الذي تواجهُه، وهي كيانٌ يصير و يتطوّر وليست مُعطى جاهزاً و نهائيّاً”، البناءُ السليمُ إذن يقتضي ألّا يكون هناك تعارض أو تناقض بين الهويّات الجمعويّة والهويّة الوطنيّة القوميّة، بمعنى آخر، بين هويّة الجماعات الدينيّة أو الإثنيّة، والهويّة الوطنيّة الجامعة لهم باعتبارهم شركاء التاريخ والجغرافية واللغة، وأحياناً الدين. تميلُ الجماعاتُ إلى الانكفاء على ذاتِها عندما تشعر أن الخطاب الوطني القوميّ إقصائي ولا يمثّلها، أو بالأحرى، عندما يكونُ هو كذلك خطاباً جمعويّاً، أي يمثّل هويّة وثقافة جماعة ما سيطرت على الحكم. ربّما من أهم متطلّبات بناء الهويّة الوطنيّة القوميّة، هو توجيه العقول و القلوب نحو الجذور المشتركة، و ليس صوب الفروع تعزيزاً للتنافر.

هناكَ تيارات تربط الإنتماء اليوم، على اعتبارنا في عصر العولمة والاتصالات، بعاملين أساسيّين، هما الدين واللغة، لكن أليس الانتماءُ للأرضِ أسبق و أعرق من الدين، و نحن المختلفونَ إثنيّاً وطائفيّاً، ألم يتشارك أجدادنا الترابَ و التاريخَ ذاته، نتشارك كذلك الذاكرة الجمعية ذاتها، ونحن عندما نخونَها في سبيلِ انتماءٍ ضيّق، ألا نخونُ حينَها ذاتَنا؟ بمعنى هوّيتَنا بمعناها الأوسع، حتى الجماعات المهاجرة، ألم تضرب مع الزمن جذوراً لها في الأرض؟ 

أمّا اللغة المُشتركة، فقد تكون البوتقة، أو الوعاء الذي حمل وشكّلَ ثقافتَنا بما فيها ديانتَنا، اللغة بالتالي أسبق من الدين، وهي كذلك ستحرّرنا من النظرةِ الضيّقة إلى هوّيتِنا، إنّها المركب الذي سيقودُنا في رحلةِ معرفةِ الذات، و من ثمّ نقد هذه الذات، بمعنى إعادة النظر في الموروث من أجلِ رمي الميّت و البناء على ما هو حَيّ، إنّها سيرورة إبداعيّة تقودُنا نحو النمو و التجدّد، وسنتشارك بها نحن أصحاب اللغة المشتركة. أليس كل ما يُكتب اليوم باللغة العربية، من شعر و أدب و قصّة و فلسفة هو بمثابةِ حوار، سوف تتمخّض عنه رؤى مُشتركة و أحياناً متناقضة، و لكنّها في النهاية عمليّة تراكميّة سوف تؤدي إلى بناء ثقافة عربيّة مُشتركة، وباالتالي هويّة مُشتركة.

يتحدّث الكاتب و المفكّر السوري، جورج طرابيشي، في كتابه “المثقّفون العرب و التراث”، عن النكسة، أو على حدّ تعبيرهِ، الرضّة التي سبّبتها هزيمة حزيران 1967، ومن ثمّ الهزيمة المدوية للمشروع العروبي مع الوفاة المُبكّرة لعبد الناصر، ما أدى إلى انقلاب المثقّفين العرب على نهضتِهم و نكوصِهم صوبَ التراث، التراث هنا بمعنى التراث الإسلامي وليس التاريخ بمعناه الأعمق. بالنسبة لطرابيشي، أصبح التراثُ أباً رمزيّاً، هدفهُ التعريف بسنّة الآباء و تقاليدهم “. من المُمكن تأويل كل موجة السلفيّة التي انزاحت في أعقاب الهزيمةِ الحزيرانيّة على أنّها فعل لواذ بحمى ذلك الأبّ المعنوي الكبير الذي اسمهُ التراث، ولا سيّما في الوجه المُحاط منهُ بهالة الدين، والذي يُقالُ لنا، على نحو ما يُقالُ للطفل الفاقد لسببٍ من الأسباب، شعورَه بالطمأنينة، إنّه هو الدرع الواقية للشعب، وهو الحامي لمكاسبِه والمحافظ  على هوّيتِه.” كما ينقد طرابيشي ما يسمّيه بالرابطة الأموية، تلك التي تختزل التراث إلى بعدهِ اللغوي، فتجعلُ من اللغة القومية رابطة رحميّة، إذ ظهرت لدى بعض المثقّفين ممن يعتقدون أنّهم أصحاب عرق عربي صافي، حالة من الاستعلاء على أولئكَ الذين تحوّلوا عن لغاتهم الأم، و كتبوا باللغة العربية.

 العودة إلى التراث الإسلامي  بعد فشل المشروع العروبي، لم تكن إذن فعلاً تحرّريّاً يطلّ على الماضي بهدف إعادة قراءته ليكون عتبةً صوبَ المستقبل، بل كانت نوعاً من النكوص، أي الاعتقاد أنّه علينا أن نعيد مقولات الأسلاف كي نستعيدَ أمجادهم، ربما استيقظت لدينا عقدة الذنب التي يحملها كل من عصا والدَيه ولم يحصد سوى الفشل، إذ كانت النهضة العربية بالنسبة للبعض عصياناً، وتغريباً، وتمرداً على الموروث لا يمتّ إلى ثقافتِنا بصلة.

 يعتقد بعض المفكّرين العرب اليوم، أنّه علينا وعلى منوال ما بعد الحداثة الغربية أن نرمي التراث الديني ونشكّل هويّتنا على أسس العلمانية الماديّة والمجتمع الليبرالي الحديث، في حين يرى آخرون، أنّه من الأجدى أن نجمع بين التراث وما يناسبُنا من الحداثة ، بين هذا وذاك، هناك من يعوّل على القراءات الجديدة للنصوص المقدّسة، أو الموروث الديني، بهدف تأويله من وجهة نظر أكثر رحابة و انفتاحاً على الآخر المختلف.أخيراً، إذا كانت الوطنية هي الجذر الذي يربطنا بأرضنا شعباً وتاريخاً و جغرافيةً، فإنّ طائفتَنا هي فرعٌ إذا بقينا مُستندينَ عليه فسوفَ نسقط، صحيحٌ أنّنا اليوم في سوريا ممزّقين، وطناً و شعباً، لكن لدينا فرصة من أجلِ إعادة تشكيل هويةٍ وطنيةٍ جامعة تنقذُ وطننا من التفكّك والضياع، فنحن نمتلكُ أرضاً مشتركةً، ولغةً مشتركةً، وإرثاً روحيّاً انطلقَ من ثقافةٍ مشتركة، ربّما علينا كي نقتنع، أن ننفتح على إرثنا المُمتَدّ إلى ما قبل التوحيد، علينا أن ندرسَ ما سمّيناه وثنيّةً أو جاهليّةً، كي نتحرّرَ من الفكر الأحادي و الهويات المُغلقة، تلكَ الأصنام التي حطّمناها في الماضي بحجةِ أنّنا وصلنا إلى الحقيقة المُطلقة هي أكثر ما نحن بحاجةٍ إليه اليوم كي نعرف ذاتَنا، ونعيدَ التواصل مع ذاكرتنا الجمعيّة، ربّما عندما نشعرُ بأنّنا امتدادٌ لحقائق نَمت وتطوّرت وتغيّرت مع الزمن، سوف نتحرّر من سجن الحقيقة المُطلقة التي هبطت في لحظةٍ زمنيّةٍ معيّنةٍ، كفّرَت ما قبلها، وألغت ما بعدها، ذاك السجن الذي يقودُ إلى الآن مشروع التكفير والاستعلاء الذي يقوّض منطقتَنا، ويرمي بها في أتون الاقتتالِ و الحروب.

الإعلام الاجتماعي والتحريض على القتل الطائفي

الإعلام الاجتماعي والتحريض على القتل الطائفي

لا يختلف اثنان حول دور الإعلام سواء في السلم أو في الحرب، ومدى استخدامه في تأجيج الصراعات والنزاعات وتغطية الحروب والأحداث المصيرية للشعوب. تتراوح شدة تأثيره من مكان لآخر وتعتمد على قدرة العاملين فيه والتزامهم بالمهنية ويتأثر ذلك بعوامل كثيرة كطبيعة الصراع القائم من جهة ودعم الأطراف المتصارعة من قوى عالمية قد تكون متحكمة بوسائل التأثير الالكترونية من جهة أخرى. ولهذا تم دوماً استهداف الصحافيين في الحروب وكلنا يتذكر الصحافيين الفلسطينيين الذين قضوا بالقصف مرة تلو أخرى في حرب غزة حيث قتل أكثر من 183 صحفياً في عام واحد بعضهم أثناء عمله وبعضهم مع عائلاتهم.

  كما تم تعديل خوارزميات الإنستغرام بعد حرب غزة لتشديد الرقابة على المنشورات التي تتحدث عن إبادة الفلسطينيين/ات، وهذا ما فعلته شركة “ميتا” في الفيس بوك إذ قامت بمحاصرة وصول الصوت الفلسطيني وتقديم الحرب للعالم على أنها حرب عادلة لتحرير المختطفين اليهود.

غياب الإعلام في سوريا

منذ سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول تم إغلاق القنوات التلفزيونية والإذاعات الرسمية والخاصة مما ترك فراغاً واضحاً وجعل الناس تسعى للوصول إلى الخبر عبر مصادر  تنوعت بين الوكالات الخارجية، مع قلة مراسليها في الأنحاء السورية، أو شبكة  العلاقات الاجتماعية الخاصة أو وسائل التواصل الاجتماعي، أي تحت تأثير ما يسمى بالإعلام المجتمعي والتي تظهر في حالات مماثلة عبر جماعات مؤثرة (صفحات عامة) مع الانتباه أنها من أطراف مختلفة المواقف ومتنوعة الاتجاهات ولهذا قد تكون مضللة وليست مهنية سواء من حيث التحيز أو لأن بعضها خارج البلاد يفتقر إلى الدقة في نقل المعلومة، أو عبر أشخاص مهتمين ومعروفين يحظون بمتابعين كثر سواء كانوا موثوقين أو لا، كصفحات بعض الاعلاميين السابقين أو الجدد، دون الانتباه إلى المهنية التي كانت تتأرجح على الدوام بكل ما تحمل من مخاطر. ظهر ذلك واضحاً بالنظر إلى مواقف وردود أفعال الناس التي وقعت تحت ضغط التجييش والضخ الطائفي الضمني أو العلني في وقت تم تداول الدعاية للمظلومية بالتبادل مرة تلو أخرى بين مكونات المجتمع السوري وطوائفه. وتم التحريض عبر رجال الدين على المنابر غير مرة للتعبئة الطائفية.

 لا نستطيع إنكار دور هذه الوسائل في التلاعب بالرأي العام والخاص والتأثير على شرائح المجتمع عبر البث المتواصل للمعلومة دون أي تدقيق أو إثبات، وكحالات انفعالية بعيدة عن المهنية والمسؤولية تستجر ردود أفعال متوالية.

لم يدرك أي من هؤلاء الذين يمارسون الصحافة المجتمعية خطورة الكلمة في الواقع السوري المنقسم منذ عشرات السنين على يد نظام الأسد الذي زرع الطائفية وسقاها ليحفظ استمراره على مبدأ فرق تسد ومنذ 2011 عمد على زرع الخوف من الآخر محولاً الحراك من سياسي إلى طائفي.

فكانت مقاطع الفيديو الكثيرة تنتشر على السوشال ميديا دون توقف حاملة خطاب العنف ومثيرة زوابع الرعب والحقن الطائفي خاصة بعد مواجهات الساحل وما اعقبها من مجازر انتقامية.  كانت عدة فيديوهات مليئة بالدم والعنف والحقد الطائفي إذ لم يتورع مرتكبو المجازر عن التصوير باستخفاف بالمشاعر الإنسانية.

تجارب مماثلة  

بالعودة إلى تجارب شعوب مماثلة للواقع السوري تحضر فوراً تجربة رواندا إلى الذهن إذ كان لوسائل الإعلام أثر مهم وكبير في التحريض على الإبادة الجماعية حسب قول الصحافي آلان ميلي الذي عاصر ذلك في حديثه عن أثر الإعلام فيما حدث هناك. ويقول أحد مرتكبي الإبادة معترفاً: “تحولتُ إلى إنسان متوحش من الدعاية التي كنا نسمعها في الإذاعة. كنا نقتل بحماسة وجنون كأننا نقتل الصراصير أو الثعابين”. نسب لهذه الإذاعة الدور الكبير في التحريض على أعمال العنف والقتل إذ ذكر انها كانت تسوق للإبادة بأقوال مثل: (هؤلاء القوم قذرون، أو علينا أن نبيدهم–يجب التخلص منهم–هؤلاء الصراصير متى سيرحلون؟ وشاعت في الإذاعة أغنية كلماتها: علينا ان نبيد الصراصير، لو أبدناهم سنكون المنتصرين). لقد حول الإعلام الكلمة إلى سكين أو منجل وهي الأدوات التي كانت تقتل الناس بوحشية ودون رحمة. 

وحين بدأت المفاوضات لم يتم تغطيتها وإيصال أخبار تقدمها للناس، بل تم التعتيم عليها مما ترك أعمال العنف والكراهية مستمرة أثناء ذلك. بعض الصحف كانت تنشر صور لأحد أطراف الصراع على هيئة ثعابين. إن نزع الصفة الإنسانية عن الطرف الآخر يسهل تقبل فكرة القيام بقتله إذ يستبعد الإثم جراء القتل في اللاشعور لدى الفرد، بل يبرر عملية القتل على أنها فعل مقدس. 

قامت المحكمة الجنائية الدولية بإصدار حكم على أربعة وثلاثين شخصاً لتورطهم في الإبادة الجماعية والمثير في ذلك أن بينهم صحفيين هما حسن نجيزي من جريدة كانجورا وهو أول من وصف التوتسي بالصراصير. والثاني فرديناند ناهيمانا، مذيع في راديو وتلفزيون التلال الألف الحرة (RTLM) والذي قام بالتحريض علناً على القتل.

وأمام الدور السلبي لهذا الإعلام قامت منظمة مراسلون بلا حدود وبمساعدة الأمم المتحدة وحكومة سويسرا بإنشاء راديو أجاتاشيا بهدف مساعدة الروانديين لتلقي المعلومات الصحيحة ومواجهة الدعاية التي تبثها إذاعة RTLM   لتعميق الصراع وبث الكراهية، وهي المحاولة الدولية الأولى لتحييد وسائل الإعلام الذي بدأ بعد ذلك بأخذ دوره النبيل لنشر ثقافة السلام والحوار وقبول الآخر بتعزيز النقاط المشتركة بين السكان على اختلافهم وبث قصص التعايش الإيجابية والتأكيد على التنوع والحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة.

الحاجة الملحة للإعلام الرسمي والمستقل الحر

لا يعاني السوريون\ات فقط من فقدان الثقة في نقل الخبر ومزاجية الأشخاص الذين ينقلونه حسب خلفيتهم السياسية والطائفية وغيرها من الانتماءات التي فرضت وجودها بعد سنوات الأزمة السورية وعمل السلطة البائدة بضخ الأحقاد والخوف من الآخر، بل أيضاً من كثرة الإشاعات حتى فقدان التمييز بين الحقيقة والوهم ومن لغة الخطاب التي تعمق الشرخ الاجتماعي بين الناس دون أن تمتلك مشروعاً داعماً للمرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد كالمطالبة بتحقيق العدالة الانتقالية عبر السلطات. فهي لا تتورع عن العنف اللفظي بوسم طائفة أو مجموعة بألفاظ مهينة، بينما تحفل صفحات المثقفين على الإنترنت بالشجار وتبادل التهم، والغرق في الخلافات والانجرار لسلطة اللحظة سواء الفرح بسقوط النظام أو الانتقام الشخصي لمعاناة طويلة جراء ما كرسه النظام من قمع واضطهاد، إذ راجت الحالة الانتقامية خلال الفترة الماضية وراجت عبارة (وين كنتو من 14 سنة؟). واللافت للانتباه هو عدم دقة هذه الادعاءات فمثلاُ هناك من قال هذه العبارة لرغيد الططري الذي قضى 42 عاما في سجون الأسد. يسود عدم التبصر بتحديد العدو وهذا كان واضحاً حين استهدف الانتقام في الساحل بسبب الانتماء الطائفي عدداً من معارضي الأسد الأب والابن والذين قضوا زهرة أعمارهم في السجون الأسدية. 

ساهم الإعلام المجتمعي عدم المسؤولية في حمل الأمانة المهنية بتشكيل الدافع لدى الكثيرين وظهور حالة الاندفاع والهياج. وعلى سبيل المثال استخدم هكذا إعلام العنف اللفظي الذي تجلى بإطلاق الأحكام على فئة كاملة ووصفها بالحيوانات (الخنازير) وذلك لتسهيل الإساءة لها وإسقاط صفة الإنسانية عنها، وبالتالي الحط من قدرها وتسهيل القتل والعنف بحقها، كما حدث حين أطلق النظام الساقط صفة الإرهابيين على كل من عارض الأسد.

هل سننتظر يوماً محاكمة هؤلاء الإعلاميين الذين يفتقرون للمسؤولية، وهل ننتظر إطلاق القنوات الرسمية للإعلام والسماح للمحطات الخاصة البدء بالنشاط خاصة تلك التي لها تاريخ في الذاكرة الشعبية السورية ويمكن أن تكون جامعا للشعب ومهدئاً فهي على الأقل كانت دوماً قادرة على أن تجمع السوريين على روتين الحياة اليومية كفيروز الصباح.

لا يقل عن أهمية إطلاق الإعلام الرسمي أهمية الإعلام المستقل الحر والذي ينتظر منه العمل على تكوين الوعي المجتمعي القادر على تحرير الفرد من تأثير الدعاية والضخ المستمر للضغينة والتحريض، وذلك بتكوين وعي ذاتي مسؤول يضع المصلحة الوطنية أولاً ويؤسس لثقافة الحوار واللاعنف حتى لا نكون تلاميذَ للنظام الساقط في إدارة الراهن.

هذا ما قاله ناجون من مجازر الساحل السوري 

هذا ما قاله ناجون من مجازر الساحل السوري 

سقط نظام الأسد الدكتاتوري المتوحش في 8 كانون الأول، وهرب الأسد إلى موسكو، بعد استعصاء سياسي وعسكري طويل رفض فيه الأسد الابن التنازل عن حكم البلاد، بعد تحويل البلاد لحلبة صراع دموية ما أدى إلى تدمير البلاد بالكامل وتشريد ما يقارب ثلث من عدد سكانها، وارتكاب عدد من المجازر الموثقة بحق المدنيين الأبرياء والمعتقلين السياسيين يندى لها جبين الإنسانية، ورغم أن عملية السقوط واجتياح قوات هيئة تحرير الشام البلاد من الشمال ووصولها الى دمشق بتفاهمات سياسية مع تركيا، لم تُحدِث خسائر كبيرة في الأرواح يوم السقوط، رغم حالة الهلع التي أصابت معظم المواطنين، لأنها لم تلقَ إي مقاومة، وكأن هناك اتفاقات مبرمة على التسليم. ورغم تخوف معظم الأقليات من المرحلة القادمة إلا أنهم باركوا للحكم الجديد بعد محاولته طمأنتهم، إلا أن حوادث الخطف والقتل والإهانات والإذلال  على أساس طائفي بدأت بشكل عشوائي مستهدفة الأقلية العلوية التي ينتمي لها رأس النظام السابق، منذ الأيام التالية لسقوطه، لكن هذا ترافق مع  خوف وصمت وتكتم من الجميع خاصة في القرى البعيدة عن مراكز المدن، إذ سُجلت حوالي 600 حالة خطف وقتل خارج القانون على أساس طائفي قبل حدوث المجازر الكبيرة التي  بدأت في 6 آذار واستمرت خلال 7و8و9 آذار  بعد إعلان النفير العام، وذهب ضحيتها عدد كبير من الأبرياء المدنيين. لم يتمكن أحد من إحصاء عدد الضحايا الذي وثق منه حتى الآن 2161 حالة حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، لكن هذا العدد غير حقيقي ولا يتناسب مع عدد المفقودين، لأن عدداً كبيراً من الضحايا رمي في البحر لتأكله الأسماك لإخفائه، وعدد آخر تم دفنه في مقابر جماعية. 

 بدأت المجازر بعد عملية نفذتها مجموعة من عناصر النظام السابق كرد فعل على عمليات القتل العشوائي والإهانات الطائفية التي تعرض لها عدد من أبناء الأقلية العلوية، إذ تعرض عدد من عناصر الأمن العام التابع للسلطة الجديدة لكمين قتل خلاله 140 عنصراً، أُعِدَ له من قبل رجل أعمال مقيم في روسيا مع مجموعة من عناصر النظام السابق، ما أدى لرد فعل عنيف من قبل السلطة الجديدة وبدء حملة عسكرية انتقامية ضخمة قامت بها الفصائل المتشددة ومنها فصائل تابعة لوزارة الدفاع الجديدة مع إعلان النفير العام حيث انضم لمؤازرتها عدد كبير من الأشخاص من معظم المناطق السورية وشاركوا بالقتال. ذهب ضحية هذه الحملة عدد كبير من المدنيين الأبرياء في عدد من قرى الساحل السوري، ولا تزال عمليات الخطف والقتل على أساس طائفي مستمرة حتى اليوم لكن بشكل متفرق وعشوائي، رغم الإعلان عن انتهاء الحملة العسكرية بعد المجازر المرتكبة بعدة أيام.

نحاول في هذا التحقيق تقديم شهادات عدد من الناجيات من المجازر، من بعض القرى التي تعرضت لهذه المأساة.

تنويه: استخدمنا أسماء مستعارة حفاظاً على أمن الناجيات، كما أبقينا اللغة كما هي من دون تدخل أو تصحيح نحوي. 

الشير

السيدة (شام) 45 عاماً، زوجة وأم وأخت (أطفالي لا ينامون من الرعب)

تقول السيدة: أخذوا ابن الجيران منذ 10 شباط واليوم أفرجوا عنه، في 27آذار، يعمل بياع في كولبا، احتجزوه وقاموا بتعذيبه، وأجبروه على حلق شواربه، وعلى قراءة القرآن والصلاة على طريقتهم، أخذوه في الليل عن حاجز، الخطف على الحواجز لايزال مستمرا حتى اليوم، خطف البنات والشباب وسرقة السيارات منذ سقوط النظام وحتى وقوع المجازر، الفتيات اللواتي خطفن لم يعرف مصيرهن بعد. خطفت بنات من قلب المدينة. يقولون أخذوهم سبايا. سرحوا العمال والعساكر وكل الرجال قعدوا في البيوت بدون عمل. أنا كنت أشتغل بمعمل وتزوجت من شاب في هذه القرية وأقمت بعد الزواج بقريته، منذ سقوط النظام تذهب النساء للعمل بينما يلازم الرجال البيوت خوفاً على حياتهم، وهرباً من الإذلال الذي يتعرضون له على الرغم من أنهم أجروا تسوية وضع، كل هذا جعل الناس تضوج. ثلاثة أشهر بدون رواتب، والجميع يعاني من فقر شديد، أخي (ع) كان يسكن بمساكن مخصصة للعسكر أيام النظام السابق، وكان يملك بيتاً في قرى الأسد، طردوه من منزله بالمساكن العسكرية ولم يسمحوا له بالإقامة في منزله الذي يملكه في قرى الأسد لأنهم لا يريدون علوية هناك، ثم انتقل إلى اللاذقية. 

تقول السيدة (شام) هناك رؤوس كبيرة تعمل هنا في الضيع حاولت إعطاء سلاح ونقود لبعض الشبان قبل المجازر بساعات، لكن معظم الشبان رفضوا حمل السلاح، لم نسمع أن هناك حركة. لا نعرف من دبر هذا الأمر، هناك (رجل غريبة تعمل في المنطقة)، تعدت على طائفتنا لتقوم بالمجازر الطائفية قبل المجزرة 7آذار مساء الخميس وصباح الجمعة 8آذار امتدت ولم تنته عمليات القتل. قبل ذلك كنت أخرج للعمل أنا وزوجي أنا أذهب للمعمل وزوجي يذهب للبيع في سوق الخضار وكنت أترك أطفالنا لوحدهم في البيت. 

يوم الخميس كنا سهرانين أتى أخ زوجي، وهو ساكن بالبلد مع زوجته وابنه عمره عام ونصف بعد الإفطار ذهبت أنا وزوجي وأولادنا لبيت عمي وسهرنا مع بيت أهل زوجي وأخ زوجي وابنة عمه وأولادهم وأخ زوجي الثالث كان معنا بالبيت. كنا جميعنا سهرانين، ثم سمعنا طرقاً على الباب. أتى شاب من الضيعة وطلب الحديث مع الشباب خارج المنزل، وقال لهم نحن نقوم بوضع حواجز حماية للضيعة وطلب منهم أن ينضموا له وأن يقدم لهم سلاح، لكن الشباب الثلاثة رفضوا لأنهم يعملون بالخضرة ولا يريدون مشاكل دخلوا وأغلقوا الباب بعد ساعة تماماً خرج صوت رصاص كثيف ولم نعد نعرف من أين يأتي الرصاص.  نزل المسلحون من أوستراد الخرافي الذي يصل أريحا باللاذقية ومن جهة أوستراد الحفة.

مساء الخميس سمعنا إطلاق رصاص كثيف وصراخاً، لم نعرف ما يحدث ولم يجرؤ أحد على الخروج من المنزل.  رش رصاص أسلحة ثقيلة دوشكا على الطرقات وكنا نسمع صراخ شباب اشتباكات ثم هدأ الوضع، عند طلوع الفجر كان هدوء من الساعة 6 للساعة 7ونصف، ثم بدأ اطلاق نار كثيف من مدخل القرية. هجموا. صار الضرب على بيوتنا بالأسلحة الثقيلة، حبسنا حالنا بزاوية الصالون. ضرب وصراخ آخر طلبت من أطفالي قراءة الشهادة لأننا عرفنا أنهم أتوا لقتلنا، دقوا الباب، اقترب زوجي ليفتح لهم لكنهم أطلقوا النار عليه من خلف الباب، وكانوا يصرخون (هاتوا شهداءنا يا كلاب). قال زوجي (لا يوجد لدينا شهداء أو سلاح) ثم صرخوا فينا، طلعوا كلكم لبرا رجال ونساء طلبوا من زوجي وابني الصغير وأخوات زوجي يروحوا على الساحة وراح بعضهم. قلت للمسلح دخيلكم بوس أجريكم ابني صغير كتير رجعوه عمره  14 سنة بس رجعوه، ما ردوا علي. واحد من المسلحين رش رصاص فوقنا وتحتنا بقيت أنا وبنت عمي وسلفتني وابنها عمرو سنة ونص وعمي قلو رجاع لمحلك حجي، رجع، حط السلاح براس بنتي وقال بدنا الذهب والمصاري قلتلوا ما في عنا دهب، قامت سلفتي بإعطائه كل شيء معها مصاري، وسرق أربع موبايلات منا ومصاري. لكنهم أرجعوا لي ابني. أغلقنا بابنا وقعدنا نسمع صراخ وضرب ولم نعرف ماذا يحدث في الخارج. مر يوم الجمعة رعب كبير والسبت والأحد لم يهدأ الرصاص. الأحد الصبح سألنا عن الشباب، الناس قالوا لنا أن الطريق ممتلئ بالجثث. في الصباح أتى أخي وقال لعمي بسلامة راسك الأخوة الثلاثة قتلوا. من حارتنا قتل 17شاباً وكل عائلة دفنت شبابها في قبر واحد، عندما حاولت النسوة الاقتراب من جثث أولادهن أطلقوا النار باتجاههن.  ثم سمح لنا بدفن موتانا وكانوا يقولون (قبروا فطايسكم بهدوء)، الحارة جميعها ساعدت لسحب الشهداء ودفنهم، أطلقوا رصاص كثيف خلف بيتنا وأطلقوا هاون على البيوت نزل في أرض، لكن لم يتأذ أحد من الهاون طلعوا لفوق الطريق من الجمعة للأحد لسحبنا الجثث عن الطريق ودفناها، وصاروا يجيبوا سيارات من إدلب فيها نسوان ليتعرفوا على الشباب. 

كانوا عاملين حواجز حماية للضيعة، لا أحد يعرف من دبر هذا الأمر، لم يعرف أهل القرية هل هي حواجز حماية أم مداهمة، لأن من كان مشترك بالعملية من أهل الضيعة هرّبَ أهله وعائلاته من القرية ثم بدأوا الضرب فيهم، أرسلت الهيئة مؤزارة فصائل الحمزات والعمشات وغيرهم وفعلوا ما فعلوه بالبيوت، ثلاث أيام متتالية بقوا يهجموا على بيوت الضيعة. أهانوا النساء وشتموهن وتهجموا عليهن، وسرقوا البيوت كلها وحرقوا عدداً كبيراً من البيوت والمحلات والسيارات، ثم أتى الأمن العام وأخرجهم من القرية. قيل لنا أن الأمن العام يقوم بتحقيقات الآن ويلاحق المطلوبين، لكننا متأكدون أن هناك أحد غريب وراء هذا الأمر،  وللأسف الأمن العام أيضاً يقوم بتخويفنا، يوجهوا السلاح على الأطفال والنساء ثم يطلقون الرصاص في الهواء، ويعملوا حواجز حتى لا تأتي الفصائل. نحن نريد أن نعرف لماذا من يحكم سوريا لا يقدر على التحكم بالفصائل منذ يوم إسرائيل ضربت الفصائل في منطقة اسمها العصافيري نقلوهم لمنطقة اسمها سقوبين يهاجمون البيوت للسرقة، الأمن العام لا يسمح لهم، ابن عمي استشهد وثلاثة من أخوته، نريد حكم قوي يعيد الأمان للناس، الأطفال يعيشون برهاب ورعب كبير، أطفالي لا ينامون، بعد قتل والدهم لا أجرؤ على الذهاب للعمل وتركهم، هناك أم قتلوا ابنها عندما نادته ياعلي فقط لأن اسم ابنها علي قتلوه أمام أمه، منذ سقوط النظام ونحن نتعرض للإذلال وللشتائم الطائفية.

تقول السيدة: بعض الضيع التي حدثت فيها المجازر المختارية، الشلفاطية، الشير، صنوبر جبلة، وضيع بانياس وجبلة وطرطوس وبرابشبو، لكن في ريف اللاذقية صنوبر جبلة كانت الضحايا أكثر. تتابع السيدة في المختارية ساق المسلحون النساء والأطفال والرجال إلى ساحة وقتلوهم.

أخي وزوجته (عمر الزوجة 37) كانا في قرية صنوبر جبلة في بيت حماه وكان هناك أخ زوجته وصديقه كانوا ثلاثة شبان وبينما كان أخي و زوجته في غرفة بالبيت دخل عليهم المسلحون وهم يطلقون النار عندما رأهما المسلح وهو يطلق النار قال لزوجة أخي ابقي هنا سوف نأخذك سبية  خرج المسلح من الغرفة شدت زوجة أخي من سترته وقالت له دعنا نهرب الآن قبل ان يعود لكن عندها سقط جسد زوجها بجانبها اذ لم تكن تعرف أنه تلقى رصاصه في رأسه اختبأت في اقصى زاوية تحت سرير  بقيت مختبأة لساعات حتى تأكدت أنهم غادروا عندما خرجت من مخبأها شاهدت أخوها وصديقه مقتولين. 

عندما سألنا السيدة عن وضع الأطفال أجابت الخوف والرعب تغلب على الحزن في الأسابيع الأولى ثم بدأ الأطفال يفتقدون والدهم وخالهم، الأطفال لا ينامون من الرعب. 

خاصة أن قوى الأمن العام أتت لتحمي القرية لكن حتى هم يخيفون الأهالي بإطلاق الرصاص أمام الأطفال والنساء على الأوسترادات لا نريد شيء غير الأمن والأمان. 

قيل لنا إن الفصيل الذي قام بالمجزرة ذهب لكن هناك فصيل آخر متمركز في قرية سقوبين هناك سيدة بيتها قريب من ثكنتهم تركت منزلها وانتقلت إلى قرية أخرى خوفاً منهم لم يعد أحد. 

قبل أن تحدث المجزرة كان هناك رجال أقاموا حواجز وقتلوا عناصر من الأمن العام الحواجز من شهر هناك من دفع أموال ليتم قتل العلويين لا نعرف. 

سقوبين قرية مختلطة فيها علوية وسنة وأدالبة وحلبية قاموا بسرقة الناس هناك وقتلوا العلوية فقط منهم. بالنسبة لي ولعائتي لا نريد الحرب نريد الأمان فقط لا نريد الطائفية أنا أعمل مع زملاء من السنة وعلاقتي بهم جيدة جدا أتوا وقاموا بواجب العزاء. كنا رضيانين بالنظام الجديد حتى بدأ التحريض من خارج سوريا .

الرميلة

تقول السيدة (أم علاء) اخذو ا أولاد أختي المقيمة في الرميلة بجبلة أخذوا ابنها الأول قبل شهرين والثاني كان يعمل في الأرض، أخذوه منذ يومين، ولا نعلم عنهما أي شي منذ ذلك الحين أما أختي الثانية فقد قاموا بحرق منزلها ومنزل أولادها الثلاثة وقاموا بسرقة بيت ابنة أختي.


الشير

أم محمد: ولدي أرسل لي قبلة الوداع.

تقول السيدة (أم محمد) العمر 41 سنة استشهد زوجي وعمره 50 سنة وهو مزارع وابني طالب جامعي كان سيتخرج من الجامعة عمره 23سنة كان يدرس الحقوق وسلفي استشهد وعمره 47 سنة وكان صاحب دكان. 

هجموا علينا من الصبح 7آذار يوم الجمعة أول فصيل دخل إلى القرية وهو يصرخ يا علوية يا خنازير وين السلاح فتح لهم زوجي. كان زوجي وابني وسلفي في البيت. 

أتى فصيل ثاني أخذ أجهزة الموبايل وسرق وهو يصرخ يا علوية يا خنازير انزلوا زوجي وسلفي وابني ثم عاد ابني وهو يبكي وقال لي ماما بدهم مفاتيح سيارتنا سألته لماذا يبكي قال ضربوا بابا على رأسه بكعب البارودة ورأسه ينزف دم انزلونا أنا وسلفتي وهم عم يطلقوا الرصاص  بين أرجلنا أخذوا سيارتنا ووضعوا زوجي وابني وسلفي فيها وانطلقوا بين البساتين ولدي أرسل لي قبلة من السيارة وهو يودعني، بقيت أبحث عنهم يومين كاملين، ثم جاء فصيل ثالث كبير قلت لهم أريد أن أبحث عن زوجي وابني وسلفي ابني أخدوا ثيابه قلي خلي النسوان يساعدوك بدفنهم بلا صوت وعند البيت هون رجعنا وقت قلي فيكي تدفني ممنوع يطلع صوت وإلا رح نرميهم بالبحر لأن السمك جوعان بالبحر.  عمي عم زوجي قتلوه مع أولاده الثلاثة واحد دكتور وتنين مهندسين قتلوهم جميعاً. 

رحنا جبناهم أول شي لأنهم أقرب، جبناهم الأربعة، نقلناهم بعربات الليمون على أرضنا حطيناهم بالأرض والفصيل موجه السلاح علينا رحنا لنجيب زوجي وسلفي وابني كان في رتل كبير هاجم ثلاثة سيارات كبار فيهم نساء مجاهدات منقبات أتين لعند العناصر وقلن لهم اقتلوا النساء والأطفال ما تتركوا أحد حياً.

ما قدرت جيب سلفي وزوجي وابني ليوم 9 الشهر لأن كان في منع تجول ضربوهم كتير للساعة عشرة جابلنا ياهم أخي، كمان رتل جديد هجم تالت يوم قالولنا أنهم العمشات صرخوا علينا النسوان على الحيط وهم عم يقوسوا اخدوا الرجال الذين أتوا لمساعدتنا نزلوهم مسافة كبيرة. قال أخي لهم معي أمر من الهيئة بدفن الجثث قالوا بترجع بلا صوت بتدفنهم مع ثلاث نساء فقط هون بيت عم زوجي النساء والأطفال تركوا الضيعة كم يوم  أنا ما طلعت من بيتي بقيت أنا وسلفتي ضلينا بالبيت وضلوا عناصر الرتل عم يراقبونا كل الوقت منشان ماحدا يصور ضلو يقوسوا على الشابيك آخر شي بلغونا أنو الأمن العام وصل. نفسهم كل الفصائل لابسين نفس اللبس اللباس العسكري واللباس الأسود. 

كان معهم هاون و23 سرقوا كل شيء استشهد 65 رجل وشباب صغار بعمر 14 -15-18 عاماً ابن خالي ابنه طالب بكالوريا قتلوهم عائلة كبيرة مكونة من تسعة أشخاص قتلوهم وأخدوهم معهم كي يرمونهم بالبحر العائلة من بيت مرتكوش وعاطف الشيخ قتلوه وأخدوا جثمانه أخذوا كل السيارات بالقرية والسيارات التي لم يأخذوها دمروها تدميراً كاملاً سرقوا كل شي وحرقوا عدد كبير من البيوت. 

أيضاً كان هناك مصابين ماتوا لأنهم لم يسمحوا للهلال الأحمر  بالدخول إلى القرية وعمي أخو أبي وحيد قتلوه وقتلوا ابنه الوحيد لأن أخاه كان قد استشهد في الحرب و هو قتلوه قبل أن يسافر بعدة أيام حصل على  الفيزا وكان سيسافر، وصهر عمي زوج ابنته قتلوه أيضاً  وقتلوهم، كان مع المسلحين واحد من الصليبة،  أطلقوا النار على ابنة عمي فقال لهم أنا أسعفها على المستشفى وبعد أن قام بتشغيل السيارة و تقدم بها قليلا عاد وقتل أبوها وزوجها وأخوها الوحيد، أطلق عليهم الرصاص،  وهي أخذها إلى المشفى واحتجزها وقلها إذا بدك ضلي بأمان لازم تعيشي سنية ومع السنة لأن العلوية خنازير، لكن بعد ما طلع من المشفى  أتت طبيبة سنية بالمشفى وساعدتها لتوصلها لعيلة سنية هربوها خارج المشفى وقت رجع يسأل عنها قالوا هربت من المشفى بالليل لا نعرف أين ذهبت، تتابع السيدة أم محمد  تقول من تقلوا زوجي وابني وسلفي من أهل البلد من الصليبة والسكنتوري في فيديو الهم وهنن عم يعذوبهم ويقتلوهم زوجي قالوا له عوي قال لهم فشرتم نحن ما منعوي.

الزوبار

 تقول السيدة (دانة )50  عاما من قرية الزوبار: من أهل زوجي استشهد 14 شخص من زوبار التي تقع على طريق حلب، بعضهم استشهد خارج القرية.

وتقول السيدة (شيرين) 40 عاماً من الزوبار: دخل فصيل إلى القرية يوم 7 آذار الساعة 8 والربع صباحاً جمعوا شباب القرية كلهم في الساحة وبدأوا بتعذيبهم وأطلقوا النار على أرجلهم أثناء التعذيب وبقوا تحت التعذيب من الساعة الثامنة صباحا وحتى الساعة الخامسة من بعد الظهر أصيب عدد كبير من الشباب وسيدة أسعفناهم بعد خروج الفصيل إلى المستشفى، من عائلتي خرج ثلاثة شهداء. وتقول السيد هناك 8 شهداء من القرية بينهم طفل في الثانية عشر من عمره.  

وعندما سألنا مختار قرية الزوبار ماذا تريدون أو ماذا تحتاجون أجاب أنهم لايريدون شيء غير الأمان على الرغم من فقرهم الشديد وحاجتهم الماسة لمعظم ضروريات الحياة.

أسقبله

في قرية أسقبلة تحدثت زوجة شابة اسمها نايلة لصالون سوريا قائلة: إنها بقيت مختبئة في الأحراش الجبلية ثلاثة أيام هي وأطفالها الصغار وعدد كبير من النساء والأطفال ومعظم أهالي الضيعة فعلوا الشيء نفسه هرباً من الفصائل، وتقول إن قريتها بقيت خمسة أيام بلا ماء أو كهرباء او اتصالات، استشهد من قريتنا 10 شهداء منهم عائلة كاملة كانت تقيم في حي القصور في مدينة بانياس، وهي زوج وزوجته وابنه الشاب وأخ الزوجة. 

برابشبو

تقول السيدة (هالة) من قرية برابشبو: حدثت المجزرة لدينا يوم الأحد 9 آذار لدينا 45 شهيد وعدد كبير من المصابين، لقد هربت في الأحراش عندما عرفت أنهم قادمون وتمكنت من إنقاذ نفسي، لكن والدي كبير في السن وعاجز لم يتمكن من القدوم معي. 

تقول هناك 500بيت في القرية، يوجد 27بيت محروق منها وعدد كبير من البيوت خُرِبت وبحاجة لإصلاحات كبيرة، والماء منذ أكثر من 25 يوم مقطوعة، لأن مضخة المياه سرقت، لكن أولاد الحلال يقدمون لنا ماء بالصهاريج لأن مواسير المياه خُرِبت وحُطِمت، القرية في حالة فقر شديد كل شيء محطم نحتاج إلى أغذية وأدوية وحليب للأطفال. 

المختارية

تقول سيدة من المختارية هناك 250 شهيد دفن منهم عند استشهادهم 168شهيد، ولايزال هناك عدد كبير من الجرحى. 

ملاحظة:

العدد الأكبر من الأشخاص المقتولين هم من الذكور. بعض القرى قُتِلَ معظم ذكورها، لم يوفر القتلة النساء والأطفال والعجائز. للأسف يحصل اليوم ما كان يحصل أيام النظام السابق، لا يسلم جثمان مفقود في مشافي الساحل إلا بعد توقيع الأهل على وثيقة تقول إن من قتله هم فلول النظام. 

ملاحظة هامة أخرى

 عدد من الناجين وأهالي الشهداء تحدثوا عن سرقة الأوراق الثبوتية لأهلهم المقتولين، من هويات وجوازات سفر ودفاتر عائلة وسندات ملكية.

بين الأمس واليوم

سبق وتعرض عدد من قرى ريف اللاذقية لمجازر في 4 أغسطس عندما قامت المعارضة السورية في ريف اللاذقية بعمليات إعدام ميداني وإطلاق نار عشوائي واتخاذ رهائن من النساء والأطفال. وبحسب تقرير هيومن رايتس قتل 190 مدنياً بينهم 57سيدة وما لا يقل عن 18 طفلاً و14 رجلاً مسناً الأدلة تشير إلى أن هؤلاء قتلوا في اليوم الأول للعملية وهو 4آب أول أيام عيد الفطر من عام 2013.ما عرف لاحقاً بآب الأسود.

اليوم معظم أهل الساحل لا يشعرون بالأمان، وهم قلقون على مستقبل أبنائهم وبناتهن حيث تعرضت خمسون سيدة للخطف حتى الأن بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

دمشق مدنٌ في مدينة.. وبيوت تلفظك لأنك من مناطق الطائفة التي بدأت بـ”الشي”

دمشق مدنٌ في مدينة.. وبيوت تلفظك لأنك من مناطق الطائفة التي بدأت بـ”الشي”

“بخوف سألتني ابنة أختي الصغيرة همساً عندما جاءنا أحد الأشخاص باحثا عن سقف يؤويه: خالتو هاد من عنا؟!.. ما خطر ببالي يوما بأني سأتعرض لهكذا سؤال من طفل أو طفلة” تقول نيرمين محمد لـ”صالون سوريا”، وتتابع: “نزل سؤالُ الصغيرة على رأسي كصاعقة، أجبتها: إي خالتو هاد سوري، لم تقتنع، عاجلتني بعبارةٍ أخرى، قالت: بس بابا قال ما بدنا نأجر حدا مو من عنا”.

أخذتني كلمات نوارة بعيدا، لَحِظَتْ نيرمين ذلك، وعندما اصطدمت عيناي بعينيها، طأطأت رأسها أمامي خجلاً، وعادت لتحدثني “مازالت ابنة أختي في حيرة من أمرها تبحث عن أي معالم لهوية أو انتماء”.

تقول أسما التي نزحت من دير الزور، عن دمشق: “هذه المدينة منحتني الأمان بفترات كنت كتير بحاجتو، لكنها اليوم تلفظني لأني من الطائفة التي بدأت بـ(الشي)”.

تعيش أسما في حي المزة 86 وعنه تقول “كل المفاتيح هناك في الحي بيد العلويين، فصوتهم أعلى وامتيازاتهم أكبر، ودائما ما تُحسم أي مشكلة لشبابهم، ولا أعتقد أن هذا سيتغير في المستقبل، نحنا مكسور جناحنا.. فينا نعيش هون طالما نحنا أوادم”.

تغيير وجه دمشق

بجولة طويلة بين أحياء دمشق المختلفة٬ مشيت في الشوارع التي أعرفها وتعرفني، تحدثت مع قاطنين أصولهم من هنا، ومع وافدين قُدامي وجدد، عبر حكاياهم وما تحمله أرواحهم من انطباعاتٍ عن المدينة٬ حاولت رصد ماهية الأرض المشتركة التي تجمعهم أو تفرقهم٬ ما ملامحها كما يصفونها٬ وما إذا كانت هناك مساحة لانتمائهم لها أم لا.

كانت دمشق الممتلئة حُبا وصخبا وضجيجا وكذبا من يوم إنشائها ملجأ لكل المظلومين والمساكين والفقراء والمطرودين، أما اليوم فهناك وضعٌ جديد يُرسم على الأرض، وهو ما يحذر منه الباحث في علم الاجتماع السياسي فايز عدنان في حديثه لـ”صالون سوريا”، يؤكد فايز: “أن محاولات حثيثة تتم لإفراغ العاصمة السورية وما حولها من طائفةٍ بعينها، فقبل سنوات من الآن وتحديدا قبل اندلاع الحرب السورية كان من السهولة بمكان أن تجد مكانا يؤويك في دمشق أيا كانت منطقتك أو طائفتك، في تلك الأيام لم تكن بحاجة لأكثر من ورقة ممهورة باسمك وباسم صاحب العقار لتستأجر منزلا في العاصمة. أما اليوم فتشابكت الأمور كَكُرَة صوف مع تزايد الحاجة للمنازل في قلب دمشق الذي يشهد اختناقاً سكانياً وانتشار الخوف بين مكونات المجتمع السوري، ناهيكم عن العراقيل الأمنية التي توضع في وجه الباحثين من طائفةٍ أو مناطق معينة عن مسكن يُظلهُم تحت سقفه، ويزيد من الوضع مأساوية ما تقوم به المكاتب العقارية من تأجير البيوت وفق خريطةٍ طائفية”.

يتابع فايز عدنان حديثه قائلا: “يُمنع السَكَن مثالا لا حصرا في عش الورور, وهي منطقة تقع على أحد سفوح جبال قاسيون مُطِلة على منطقة برزة، إلا لمواليدها أو العاملين بها أو المالكين لعقاراتٍ فيها، كما يُمنع أيضا تجديد إيجار السكن في بعض المناطق الدمشقية كحي (المزة 86)، إلا للعلويين والشيعة وبعض الحالات الخاصة الأخرى”.

قدرٌ اختير لنا

في “الكيكية” على سفح قاسيون استقر سامر العشا في منزلٍ مستأجر هو عبارة عن غرفة صغيرة لا يصلها ماء ولا تُنيرها كهرباء، سامر النازح من الحجر الأسود جنوب العاصمة دمشق ما كان قادراً برغم ما عرضه من مال على تأمين منزل له ولأسرته في حي “المزة 86” الرخيص نسبيا مُقارنة بالمناطق المنظمة في العاصمة دمشق كحي “ركن الدين” الذي يصل فيه بدل الإيجار لمنزل تبلغ مساحته 120 متراً حوالي الـ600 ألف ليرة سورية شهريا، والسبب هو “طائفته.”

يروي سامر حكايته لـ”صالون سوريا”: “قالها السمسار لي علناً، لن تجد من يؤجرك منزله مهما دفعت من مال، فأنت غريب عن تركيبة الحي الطائفية للسكان، وقعت كلماته عليَّ كزلزال، زَعَقتُ في وجهه، يا أخي أنا لست إرهابياً ولا مطلوباً، فلماذا لا استطيع السكن وسط دمشق؟”.

وفي حي باب توما الدمشقي، تتحفظ نجاح طنوس، وهي صاحبة منزل في الحي الذي تسكنه غالبية مسيحية، عن استقبال بعض المستأجرين، تقول: “ما بدي مشاكل،  أخوتنا المسلمين عالعين والراس، لكنهم سيسببون المتاعب لي، وأنا لا أريد أي متاعب، هم أخوتنا ولم نكن نميز، لكن اليوم الحذر واجب”.

ويرى الباحث الاجتماعي فايز عدنان: “أن النزعة الطائفية التي يلمسها أي شخص في مناطق كعش الورور والمزة 86 ذات الغالبية العلوية، عند بعض السكان بعد الحرب هي نتيجة استفزاز الهوية المُعرَضة للخطر”.

ليست الطائفية وحدها مشكلة في السعي لاستئجار منزل في دمشق، بل المناطقية أيضاً. عمار الشيخ بكري نازح من “كفر بطنا”، وسمه أهل المنطقة بالـ”عوايني” أي جاسوس النظام، فخرج منها، إلا أن تعاونه مع الدولة لم يشفع له  عند السماسرة وأصحاب العقارات في حي “المزة 86” العشوائي.

فالجهة الأمنية المشرفة على المنطقة “المخابرات العامة” والتي قصدها تباعا لثلاث مرات متتاليات بصحبة ثلاثة من أصحاب المنازل التي حاول استئجارها في الحي، أخضعته “لسلسلة من الإهانات” بحسب قوله.

في النهاية رفضت المخابرات بعد الاطلاع على بطاقة عمار الشخصية منحه الموافقة الأمنية اللازمة لتوقيع عقد الإيجار، والسبب انتمائه لمنطقة تعتبرها دمشق حاضنة شعبية للمعارضة السورية المسلحة، و بات واضحا أنه في منطقة “المزة 86″، يستحيل أن يسكن من هو قادم من الغوطة الدمشقية.

الموافقات الأمنية تعزز الانقاسامات

يقول المحامي وسام طه لـ”صالون سوريا”: “إن عمليات إيجار البيوت والعقارات في مناطق النظام، تخضع إلى رقابة أمنيّة مشددة، إذ تفرض السلطات على المستأجر والمؤجر مراجعة مقارها الأمنية والحصول على موافقة خطيّة، قبل إبرام العقود أو عند تجديدها”.. وصدرت في عام 2014 أوامر أمنية تمنع منعا باتا الموافقة على تأجير منزل أو غرفة في دمشق دون الحصول مسبقا على الموافقة الأمنية.

ويقتضي الحصول على الموافقة الأمنية، أن يذهب المواطن ويملأ استمارة تفصيلية عن وضعه وعائلته وعمله وتوجهه السياسي، قبل أن يجري تصديقها من البلدية المعنية في المنطقة المراد السكن فيها، وانتظار أسبوع إلى 15 يوماً بل وربما شهراً ريثما تصل الأوامر بالموافقة أو الرفض. يأتي ذلك في ظل تشديد النظام السوري الإجراءات الأمنية في العاصمة خوفا من تسلل عناصر المعارضة.

يُتابع المحامي وسام حديثه بالقول: “يُنفّذ هذا الإجراء بصرامة خصوصا في العاصمة دمشق ومحافظة حلب، ويبدو أن النازحين من المناطق التي شكلت بيئة حاضنة لمعارضة النظام هم الأقل حظاً في الحصول على الموافقة”.

لا يواجه سماسرة العقارات مشاكل كبيرة في الحصول على الموافقة الأمنية إن كان المستأجر فتاة، حتى لو كانت من طائفة مختلفة وفقاً لسومر سلوم، وهو صاحب مكتب عقارات في حي المزة 86، يقول السمسار لـ”صالون سوريا”: “يحتاج الرجال للحصول على الموافقة الأمنية لواسطة كبيرة، في الواقع نحن لا نستطيع توقع النتيجة دائماً ولكن طلبات عديدة تُرفض، بما فيها طلبات تجديد عقد الإيجار، وذلك لاعتبارات أمنية أو طائفية”.

يتابع السمسار سومر حديثه بالقول: “كنا نتحايل ونلتف على الأمر لمساعدة المستأجرين بتنظيم العقد باسم أحد نساء العائلة التي تريد استئجار أحد المنازل وتقديم تفاصيل هوية المرأة للجهة الأمنية لتسهيل الحصول على الموافقة وتوقيع العقد، لكن المشكلة المستجدة التي منعتنا من الاستمرار في هذه الحيلة هي المداهمات الشهرية والتفتيش الأمني الدقيق الذي باتت تقوم به الجهات المختصة بين حينٍ وحين للمكاتب العقارية، وبشكل عشوائي للمنازل المُستأجرة للاطلاع على بيانات وأسماء المستأجرين في تلك المنازل”.

يختلف البعض مع ما ذهب إليه سومر عن معاملة أمنية مختلفة للنساء، اذ تروي أم حسن وهي أم لخمسة أطفال ما عاينته في أحد المراكز الأمنية، تقول: “كان عناصر الأمن يعاملون الجميع بدونية وكأننا مُجرمون، أما النسوة اللواتي كن يتشحن بالجلابيب أو بالخمار فكان لهن نصيب الأسد من الإهانات”، وتُردف: “أن الضابط تحرّى عن اسمي واسم زوجي المتوفى بحادث سير، وكذلك عن اسم أبي وإخوتي وأمي وحتى جدي وجدتي، بعدها سألني الضابط عن حادثة زوجي الأمر الذي استغربته، قبل أن يطلب مني الإنصراف مصحوبةً بتحذير شديد من استضافة أياً كان في منزلي المُستأجر”.

فوبيا أصحاب العقارات الأمنية

يتملك الخوف أصحاب العقارات من عدم الامتثال للإجراءات الأمنية، فقد تم استدعاء عدد من أصحاب البيوت لفرع الأمن العسكري حتى أن بعضهم اعتُقل بتهمة إيواء مطلوبين

وفي هذا السياق يشير حيان علي، وهو مالك لأحد العقارات في “حي تشرين” الدمشقي، في حديثه لـ”صالون سوريا”: “لا يمكنني تحمل مسؤولية تأجير المنزل من دون الموافقة الأمنية، لا أحد مستعدٌ لتحمل مسؤولية وجود مطلوبين، أو حتى من يتعاطف مع المسلحين في منزله، هذه مسؤولية كبيرة”.

ويشير متطوع إغاثي في دمشق، يوسف بلاط (اسم مستعار) إلى أن “الجهات الأمنية تُعاقب عدداً كبيراً من المطلوبين لإجبارهم على تسليم أنفسهم من خلال اعتقال أقاربهم ممن يتوجهون إلى المقرات الأمنية للاستحصال على موافقة تخولهم استئجار منزل في العاصمة دمشق”، ويضيف: “حتى في مراكز الإيواء التي عملت فيها ومنها مركز الحرجلة في الريف الدمشقي، كان علينا كفرق إغاثية تقديم بيانات مفصلة عن النازحين إليها، وطرد بعض النازحين بالفعل بسبب خلفياتهم المناطقية وأحيانا الطائفية”.