انهيار الليرة السورية يعصف بشتاء السوريين\ات

انهيار الليرة السورية يعصف بشتاء السوريين\ات

داخل محل لبيع الملابس المستعملة وسط مدينة القامشلي تتأمل “رغد زكي” ما يُعرض فيه من أحذية وألبسة شتوية قديمة متنوعة الأحجام، وتقف حائرة في انتقاء ما يناسب أطفالها الخمسة من كسوة الشتاء وتشكو: “لم نعد قادرين على إكساء أولادنا من محلات الألبسة الجديدة بسبب الغلاء والأزمة الاقتصادية بعد انهيار الليرة السورية أمام العملة الأجنبية (الدولار) فأسعار الثياب والأحذية الجديدة ارتفعت ثلاثة أضعاف مقارنة مع أسعار العام الماضي”.

وتقف إلى جانبها الشابة العشرينية  “روشن” ممسكة بزوج حذاء أسود تتفحصه لتتأكد أنه يستحق السعر الذي قدره البائع لها بـ 8آلاف ليرة سورية وتعلق: “شراء قطعة من (البالة) ذات جودة عالية، أفضل من شرائها من المحلات الجديدة التي أغلبها بضاعة صينية لا تتميز بالجودة العالية، إضافة لأسعارها الباهظة التي تقدر بين بـ15ألف ليرة سورية إن كانت بمواصفات متوسطة الجودة”.

أسعار الغذاء

في بدايات شهر كانون الأول الفائت وصل سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار لـ 950، وسط تداول احتمالات عن وصول سعر الدولار إلى ألف ليرة.

وفي جولة بالأسواق لتفحص أسعار بعض الخضروات، فقد وصل سعر كيلو البطاطا إلى300  ليرة  وكيلو البندورةإلى 700 ليرة وكيلو الموز إلى 1400 ليرة، وتجاوز سعر كيلوغرام اللحمة الـ 7000 ليرة بدل ال4000 ليرة.

وبحسب التجّار فقد زاد سعر كيلو السكر من 400 ليرة إلى 550. وشملت موجة الغلاء مواد غذائية أخرى، حيث زادت بمقدار الضعفين أسعار زيوت الطعام والأرز والأجبان والعدس والبيض، وهي من أساسيات الغذاء السوري.

ولم يقتصر تأثير ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية على ارتفاع أسعار الألبسة والمواد الغذائية والمحروقات بل وصل لمواد البناء مما أدى لعرقلة الحركة العمرانية التي تشهدها مناطق شمال شرق سوريا؛ فبحسب المكاتب العقارية ارتفعت أسعار تأجير وبيع الشقق السكنية والمحلات التجارية  للضعفين.

تقليص الاحتياجات الضرورية 

وتعاني سوريا نقصاً حاداً في النقد الأجنبي، وترتفع  في السوق السوداء  قيمة الدولار على نحو متزايد، وهو ما يتسبب في ارتفاع الأسعار ودفع المواطنين لتقليص احتياجاتهم الضرورية.

وعلى سبيل المثال، قرر “ابراهيم سعد” ( عامل في خياطة الملابس النسائية) تقليل احتياجات عائلته الغذائية كحلول لمواجهة غلاء السلع، لكنه ينوه “على الرغم من ذلك لم نسلم من العجز والديون الثقيلة.”

ولا يختلف حال “أحمد” (سائق سرفيس عمومي لخط قناة السويس) إذ يشكو تدهور وضعه المعيشي، ويؤكد أنه يصرف نصف دخله اليومي على بنزين سيارته، بينما يسخر الباقي لمصروف عائلته المكونة من سبعة أشخاص والذي لا يغطي ربع احتياجاتها الضرورية كما يوضح.

وتقول “سمية غانم” (زوجة حلاق رجالي في مدينة الحسكة وأم لأربعة أبناء) إن فاتورة تسوقها ارتفعت من 100 ألف ليرة سورية إلى 200 ألف  وتضيف: “اضطررتُ لاختصار الكثير من الحاجات، وتخليتُ عن شراء المعلبات كالسردين والتونة والمربى، واستبدلتُ بعض أنواع الصابون ومستحضرات النظافة التي كنت أستخدمها بأنواع أرخص”.

الإدارة الذاتية ترفع أجور موظفيها

و بعد ارتفاع سعر صرف الدولار وغلاء البضائع والمستلزمات الرئيسية للحياة في الأسواق، أعلنت الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا رفع أجور الموظفين لديها خلال اجتماع عقدته الهيئة الرئاسية للمجلس التنفيذي مع هيئة المالية في 27 من تشرين الثاني (نوفمبر)، ويبلغ عدد موظفي الإدارة نحو 220 ألف موظف بين مدني وعسكري.

وبحسب القرار فإن الزيادة وُزعت على ثلاث شرائح: الأولى تخص الفئة التي تتقاضى 80 ألف ليرة وما دون، وستكون الزيادة بنسبة 35% من الراتب. أما الشريحة الثانية فتخص الفئة التي تتقاضى من 81 ألف إلى 100 ألف ليرة، وسوف تكون الزيادة بنسبة 25% من الراتب. والشريحة الثالثة: تخص الفئة التي تتقاضى 101 ألف وما فوق، وستكون الزيادة 15% من الراتب.

ومع ذلك، فإن الزيادة بعيدة عن تلبية مطالب الأسرة السورية المتوسطة نتيجة لارتفاع الأسعار والانخفاض الحاد في قيمة الليرة السورية.

وقام بعض التجار بإغلاق متاجرهم عن طيب خاطر بسبب الفوضى في أسعار الصرف وأسعار الدولار، حيث أن الأسعار ارتفعت بالفعل عشرة أضعاف منذ بداية الحرب السورية إلى الآن. فالحرب التي دخلت عامها التاسع هدمت الاقتصاد السوري وأوقفته بشكل شبه كامل، وتسببت في كارثة إنسانية مهولة للسوريين.

وبلغت الموازنة السنوية بحسب تقارير اقتصادية لعام 2019 خمسة مليارات دولار بعد أن كانت 17 ملياراً في 2011، وهي موازنة تعجز عن سداد رواتب موظفي الدولة.

ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن خسائر الاقتصاد السوري من جراء الحرب بلغت 400 مليار دولار، إضافة إلى أن 9 ملايين سوري أصبحوا عاطلين عن العمل.

وأشار الخبير الاقتصادي “يونس السعيد” أن الناتج المحلي للبلاد سجل منذ بداية الأزمة والحرب خسائر بقيمة 226 مليار دولار، مشيراً إلى أن نسبة 67% من القدرة الصناعية دُمرت بالكامل، وتحولت سورية إلى بلد مستورد للمحاصيل الزراعية بعد أن كان مصدر لها. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن سوريا بحاجة إلى أكثر من 250 مليار دولار من أجل إعادة تحريك الاقتصاد.

السوريون ولعنة الدولار في دمشق

السوريون ولعنة الدولار في دمشق

يختبر السوريون منذ حوالي الأسبوعين حرباً من نوع مختلف، كانوا وكأنهم ينتظرونها، لكن ليس من موقع المرحّب، بل من موقع العالم بمسيرة الأحوال التي تعني لهم اقتراب موت كان مؤجلاً، لكنه الآن انحرف بسرعة حادة وجنونية وبات لصيقاً بهم ومشرفاً على اختناقهم ومتدخلا ًبنهايتهم الموجعة.

المحال التجارية مغلقة، وجوم حاد في قسمات الوجوه العابرة، والجميع مشغول بمتابعة أسعار الدولار الذي حلّق عالياً ويبدو أنه مصرٌّ على بلوغ الذرى دون تهيب أو تردد.

في الحافلة العامة الصغيرة يدور حديث واحد (حديث الأسعار الجديدة)، ويطوف رعب واحد (الرعب من تغول التجار ومن فشل أي تدخل حكومي)، يجمع ما بين قلوب الجميع ويوحد ترقبهم الحذر لدرجة القلق الوجودي الحاد وسؤال البقاء من عدمه.

اعتاد السوريون على الاعتراض بالسخرية من أحوالهم البائسة بدلاً من لغة الصمت أو الفعل المهدد لسلامتهم الشخصية، لكن ردود الفعل الساخرة هذه المرة اكتست بالمرارة وبالتعاطف شبه العام مع اللبنانيين في مخاض ليرتهم العسير، في صيغة نقلت فرح السوريين بالثورة اللبنانية وخوفهم على أشقائهم في حالة خاصة كسرت الحساسية المعهودة والاتهامات المتبادلة.

واعتادت السياسات الحكومية على التهديد والوعيد للتجار الصغار والتهديد بعقوبات رادعة وقاسية. وسارت دوريات المراقبة التموينية لتخالف بأرقام كبيرة الباعة الذين لم يضعوا لوحة للتسعير أو ممن لم يظهروا فواتير نظامية، مما دفع الباعة للتوقف عن البيع وإغلاق محالهم خوفاً من الغرامات التي يعجزون عن سدادها وكي يأخذوا وقتهم ويتلمسوا طبيعة السوق الراهنة وحالة الأسعار أولاً فأول في حالة يسمونها اللوحة الواضحة خوفاً من خسارات محققة، لدرجة قال لي صاحب أحد محال السمانة بأنه يخاف من بيع أية مادة ولو بربح إضافي خوفاً من اضطراره لشرائها مجدداً بسعر لا يقدر عليه، وإن قدر على شرائه ومن ثم بيعه فلن يحقق له ربحاً يكفي معيشته وحاجاته الضرورية. أي أن هامش الربح تضاءل بصورة مرعبة وباتت محصلة الأرباح لا تفي بأبسط الاحتياجات. وتجدر الإشارة إلى أن الباعة السوريين يصفون حالة الكساد بتعبير (إننا نأكل رأسمالنا)، بمعنى أنهم مضطرون للإنفاق من قيمة رأس المال الفعلية التي يجب أن تبقى مصانة لشراء البضائع وليس للإنفاق.

للمرة الأولى أيضاً طفا على السطح تعاطف غير مسبوق بين الباعة وخاصة باعة الخضار وبين عامة السوريين. كنت شاهدة حين منح بائع الخضار سيدة ثلاث رؤوس من القرنبيط مجاناً، وكل ما فعلته بعد شكره بأن وجهت السطح العلوي للرؤوس نحو أسفل الكيس لأنها مصابة بالسواد نتيجة قدم قطافها وببعض البقع العفنة خجلاً من تعليق الجوار أومن المارة بأنها قد اشترت نفايات الخضار وما لا يصلح للطعام البشري.

رتبت مها خزانة المونة في حالة هيستيرية، قسمت كل ما لديها ليكفيها ثلاثة شهور، قسّمت الأرز بكأس الشاي وكذلك العدس والبرغل، أما زيت الزيتون فقررت أن تستعمل منه ملعقة واحدة لكل طبخة. الخوف الأكبر كان فيما يخص ما تمتلكه من مازوت شحيح للتدفئة (في ظل تقنين حاد طال الكهرباء)، إضافة لقلة حبات الدواء التي لن تكفيها لآخر الشهر مما دفعها للتخلي عن شراء اللحم ودفعت ما كان مرصوداً له لشراء علب دواء في حركة استباقية خوفاً من ارتفاع متوقع وغير قابل للمهادنة بأسعار الأدوية الدائمة الموصوفة لمعالجة الأمراض المزمنة.

كل ما فعلته الحكومة لتطمين السوريين هو إعلانها عن توفر سلة غذائية تحتوي على خمسة كيلوغرامات من السكر وثلاثة من الأرز و ثلاثة من البرغل وعبوة زيت نباتي سعة ليترين وعلبة سمن نباتي سعة كيلوغرام واحد وكيلو من الحمص وكيلو من العدس وكيلو من الشعيرية وربطتي معكرونة بمبلغ مقداره عشرة آلاف ليرة. لكن وعلى الرغم من أن كافة الأصناف المذكورة هي من الدرجة الثانية ومتدنية الجودة، إلا أن أعداد السلة المذكورة تبخرت بسرعة فائقة ولم يستفد منها إلا من تتوفر بين يديه العشرة آلاف وواسطة نقل سهلة أو مجانية، أي وبصريح العبارة فإن المستحقين الفعليين لهذه السلة لم يستفيدوا منها لضيق ذات اليد ولتعثر وصولهم إليها.

تخلى البعض عن عادة شرب القهوة بعد أن وصل سعر كيلو القهوة المهيّلة إلى خمسة آلاف والقهوة بدون هيل وفي المحال الشعبية إلى ثلاثة آلاف ومائتي ليرة، والبعض توقف عن التدخين نهائياً. أما التوقف عن تناول اللحوم فقد وصل إلى حده الأعلى في مسيرة طويلة تمتد منذ سنين بعيدة تدّرج عبرها السوريون من الشراء بالكيلو وصولاً إلى الشراء بمبلغ مقطوع مقداره خمسمائة ليرة فقط وهي لا تكفي ثمناً لمائة غرام من اللحم المدهن ومن النخب الثالث.

لكن الصورة الأشد قتامةً تكمن في ترافق هذا الارتفاع الهائل مع قدوم فصل الشتاء وغياب الكهرباء في ظل عملية تقنين تصل إلى غياب كامل للكهرباء لمدة ست عشرة ساعة يومياً مترافق مع غياب شبه كامل  للمحروقات وخاصة المازوت والغاز بالأسعار النظامية. هذا الوضع يعني أن السوق السوداء باتت هي المجال الوحيد أمام السوريين لتأمين احتياجاتهم الأساسية، والتي تتضاعف فيها أسعار كافة المواد دونما حسيب أو رقيب، لابل وعلى سبيل المثال لا الحصر يتوفر المازوت وبصورة علنية ومستجر مباشرة من المصدر الرسمي للتوزيع ولكن بسعر مضاعف تماماً للسعر الرسمي المعلن عنه.

يفتقد السوريون الراحة حتى في قسمات وجوههم ويخافون من ارتفاع سعر الخبز المدعوم من قبل الدولة، ويدب الهلع في نفوسهم من مجرد التفكير بأنهم سيفقدون نصف أرغفتهم التي تحشو بطونهم وبطون أطفالهم إن تم رفع سعر الخبز أو نقص عدد الأرغفة في الربطة، لا شيء يرعب السوريين أكثر من خطر فقدانهم لخبزهم اليومي، يقول أجود لابنه: “من اليوم وطالع رغيف بزيت وزعتر أو بلبنة والرغيف الثاني حاف.”

فكيف إذا عرفنا أن الزيت المرافق للزعتر هو الزيت النباتي وبأن اللبنة مغشوشة وممزوجة بالنشاء ليشتد قوامها. ولقد كنت شاهدة عيان على تخلي شاب يعمل مياوماً في سوق باب سريجة عن سندويشته الثانية التي اعتاد أكلها في وجبة الغداء نظراً لارتفاع سعر السندويش عامة. يبدو أن السوريين يتدربون بشكل متتال على إدارة أمعائهم الخاوية بتقنين عجيب يستهلك طاقتهم على مواصلة العيش ويفتك بقوتهم وبأسباب بقائهم.

يتضامن السوريون في الحد الأدنى المتاح، لكن الأفق غامض وداكن السواد، وما تعجز عن امتلاكه لا يمكنك تقاسمه مع غيرك وإن كان ابنك. ارتفاع سعر الدولار وضبابية أشكال التدخل الرسمي للجم الآثار المدمرة لهذا الارتفاع يسم الحاضر والقادم بالخشية حيال إمكانات العيش في صلب احتياجاته الأساسية.

أمام دكان بيع الفلافل يقترب فتى على عربة مدولبة من أذني قائلاً لي في طريقة تشبه الهمس وكأنني قريبة مباشرة له: “تشتريلي سندويشة فلافل معك؟”. نعم أشتري له اليوم وبكل تضامن وبكل رضى، لكن ماذا عن الغد؟ وماذا عن احتياجات أخرى كاللباس أو الدوا؟ وأين أهله؟ أين يسكن؟ وكم من الوقت والمال يحتاج لشراء أو تركيب ساقين اصطناعيين؟ أو هل سيذهب إلى المدرسة أم أنه سيبقى في عرض الطريق متروكاً لكل العبث؟

تترافق الأزمة الحادة التي خلقها ارتفاع الدولار مع هشاشة بالغة في الوضع الاقتصادي بشكل عام، تتجاوز الجمهور الأكثر فقراً، لتلامس أصحاب الورش الصغيرة التي توقفت عن العمل وسرحت عمالها وكما يقولون قطعت برزق عائلات بأكملها، حتى أن بعض المعامل المتوسطة قد أجبرت موظفيها على أخذ إجازات من عملهم للعجز الحاصل في السيولة وفي تأمين المواد الأولية التي يتم الحصول عليها بالدولار فقط.

العجز الساطع إن صح التعبير، يهيمن على البنية الهشة فيخلع عنها ما كان يعتقد البعض أنه ركائز داعمة في مسيرة تحصيل ما يلزم من أجل عيش غير كريم لكنه أقوى من الموت أو الانهيار. الطمأنينة في غياب مضطرد ومخيف، والحياة تبدو مجرد ترتيب لما تبقى من الوقت، والموت متدفق كالسيل بالجلطات والسكتات القلبية والأغلبية تمشي وهي تكلم نفسها وكأنها شريك العمر الأوحد.

أين يلتقي العشاق؟

أين يلتقي العشاق؟

أصبح منظر العشاق في الأزقة وعند مداخل البنايات المُعتمة وفي الحدائق البائسة في اللاذقية مألوفاً لكنه يثير استنكار الأكثرية من شعب المدينة (وأظن أن هذه الظاهرة منتشرة في سوريا كلها). لأن هؤلاء العشاق الذين لا مكان يلتقون فيه ليعبروا عن حبهم واشتياقهم لبعضهم سوى الشارع. فمهما كان الفقر قاسياً وقوياً في سحق كرامة الإنسان؛ فإن الحب أقوى منه، وهؤلاء الشبان (شباباً وشابات) في عمر الصبا والهوى والوله والحب، وكما يقول سمرست موم في مذكراته حين يُعرف الحب: بأنه مستوى الهورمونات في الدم. وهو تعريف رائع لأنه حقيقي جداً ودقيق جداً. ففي عمر الصبا (من العشرين سنة زائد عدة سنوات أو أنقص عدة سنوات) تكون الهورمونات الجنسية في أوجها. وهي بطانة الحب والشغف، والحياة رجل وامرأة، وجريمة أن نحرم الحبيب من لقاء محبوبته. و لا يجد هؤلاء العشاق (وغالبيتهم طلاب جامعيون) وسيلة للقاء سوى الشارع والحدائق ومداخل البنايات والأزقة المُعتمة، بسبب الفقر المدقع في اللاذقية (وسوريا كلها) إضافة للعقلية الإجتماعية المتشددة والظالمة للعشاق التي تعتبر أن لقاء العاشقين خطيئة وعار وقلة شرف.

وأظن أنهم وحدهم في سوريا غير متذمرين من قطع الكهرباء لأن الظلمة حنونة وتحميهم، لأن أجسادهم الفتية تقاوم البرد والمطر والظلام وتتشابك الأيدي المحمومة بالشوق وتتلاقى الشفاه في قبلات مشتاقة يصعب عليهم السيطرة عليها وعلى مشاعرهم الجامحة بالحب تجاه بعضهم البعض. تنظر الأغلبية لهم بإحتقار وتتهمهم بقلة الشرف (وتطلق عليهم خاصة على الفتيات) شتائم فاحشة تركز كلها على الانحلال الأخلاقي وانعدام الشرف. وأحب أن أذكر رواية عظيمة لنجيب محفوظ وأعتبرها من أهم الروايات العربية وهي رواية (السراب)، وهي تصلح أن تُعتبر كتاباً تحليليلاً في علم النفس للكبت الجنسي وآثاره على الشخصية، فبطل رواية السراب الطفل المدلل والثري والذي يعيش مع أمه ونادراً ما يلتقي والده (لأن الأم والأب مطلقان). هذا الطفل لديه عقدة الخجل ولا يلتقي بالجنس الآخر مُطلقاً (أي الأنثى) بحكم العادات والتقاليد الإجتماعية. ويلجأ إلى ممارسة العادة السرية ويُدمن عليها وتصير متعته الجنسية مُستمدة من جسده فقط، وحين يتزوج من شابة جميلة ومثيرة ورغم الحب الذي ينشأ بينهما فإنه لا يستطيع معاشرتها لأنه مُصاب بالعجز الجنسي نفسي المنشأ، لأن كل فيزيولوجية جسده تبرمجت أنه لا يحصل على المتعة الجنسية إلا بشكل انفرادي أي من العادة السرية وهو غير معتاد على لمس امرأة وممارسة الجنس مع امرأة. وتصمت الشابة وتتحمل تلك المشكلة وتبقى عذراء لأشهر، حتى يفاجئنا العظيم نجيب محفوظ بأنها حامل من رجل آخر، وبأنها عاشت علاقة مع رجل في السر وحملت منه. لست بصدد مناقشة هذه الرواية الآن، لكن لا يمكن التغاضي عن مشكلة خطيرة تهدد الشباب العربي بشكل عام (ويهمني هنا شباب سوريا) وهي الكبت الجنسي، وعدم قدرة شريحة كبيرة من الشباب والشابات على الزواج بسبب الفقر. واضطرارهما أن ينفسا عن مشاعرهما بأيه طريقة حتى لو أُهينت كرامتهما وأصبحا مثل قطط وكلاب الشوارع يتبادلان الغزل والحب في الشوارع ويتحملان نظرات الاحتقار من المارة إن لم يبادر البعض إلى تقديم شكوى لدى الأجهزة الأمنية المختصة بحماية الأخلاق في الوطن!

وكثيراً ما يُجرجر هؤلاء العشاق إلى الأجهزة الأمنية لأنهم يخدشون الحياء العام ولا يراعون العقلية المُحافظة السائدة. وتدفع الفتاة الثمن باهظاً إذ تُوصف فوراً بالمنحلة أخلاقياً والساقطة، وتراود عناصر من أجهزة الأمن أنفسهم للتحرش بالفتاة لأنها سهلة وبلا أخلاق كما حدث مع كثيرات. وأتعجب من هؤلاء الناس وهم الأغلبية كيف ينظرون إلى عشاق الشوارع تلك النظرة التحقيرية ويشمئزون منهم ويلعنونهم لأنهم لا يحترمون العقلية المحافظة السائدة (وإذا ارتكبتم المعاصي فاستتروا). بينما منظر رجل يبول في الشارع لا يخدش الحياء العام ولا يشتكي عليه أحد. ومنظر الشبيحة بسياراتهم المُفيمة (زجاجها غير شفاف) حين يترجلون من سياراتهم ويجلسون في أفخم المقاهي والمطاعم ويضعون مفاتيح سياراتهم المُفيمة ومسدساتهم على الطاولة لا يخدش الحياء العام. إن منظر مسدس لشبيح على طاولة في مقهى أو مطعم هو أكبر تهديد واحتقار للمواطن، وهو تهديد علني كأن الشبيح صاحب المسدس يقول للناس: أستطيع أن أطلق عليكم الرصاص بمزاجي وساعة أريد. والرسم السنوي للسيارة المُفيمة هو 500000 ليرة سورية أي نصف مليون ليرة. وتتكاثر السيارات المُفيمة بشكل كبير، فلو حسبنا كم من الملايين تدخل خزينة وزارة الداخلية بسبب تفييم السيارات لكان الرقم خيالياً، ولكان هذا أولى أن تصرفه الدولة على المساكين بتأمين فرص عمل لهم أو رفع الرواتب كي يُصبح الراتب راتب احترام وليس راتب احتقار.

لقد درستُ ثلاث سنوات في المعهد الطبي وكان طلابي شباباً وشابات بعمر الورود، ودرستهم قبل بداية الثورة السورية بسنوات ومع ذلك كانوا يائسين ومُحبطين لأسباب عديدة أولها أن الدولة غير مسؤوله عن توظيفهم! أي أنهم يتخرجون من الجامعة ويرمونهم في الطريق، ولأنهم فقراء وأهلهم غير قادرين على إعطائهم مصروفاً خاصاً، إحدى الطالبات قالت لي: لو اشتهيت قطعة حلوى لما تمكنت من شرائها. الارتفاع الخطير لنسبة تأخر سن الزواج (أو ما يُعرف بالعنوسة) ظاهرة تفرض نفسها على المجتمع العربي، لأن هؤلاء الشبان الذين يشكلون أكثر من 70 بالمئة من نسبة السكان سيضطرون للجوء إلى طرق عديدة ليلتقوا، ليعبروا عن مشاعرهم وليشبعوا غريزتهم.

وقد اطلعتُ مؤخراً على موقع بالغ الأهمية مُختص بما يُسمى الإجهاض الآمن، حيث تشرف على هذا الموقع عدة طبيبات وأطباء يردون على رسائل الفتيات المتورطات بعلاقات حب أثمرت عن حمل، لكن الزواج غير ممكن بسبب الفقر وبسبب انعدام الأمل وانسداد الأفق بأن هؤلاء العشاق يمكن أن يُوفقوا بعمل يؤمن لهم دخلاً محترماً ليؤسسوا أسرة وليعيشوا تحت سقف واحد. هذا الموقع تنهال عليه آلاف الرسائل يومياً من شابات عربيات يطلبن الطريقة للإجهاض الآمن، ويقوم المسؤولون عن الموقع بإرشاد الشابة الحامل لطريقة الإجهاض الآمن بإستعمال أدوية معينة. وكلفة الإستشارة الطبية عبر الإنترنيت 90 دولاراً. أين أنتم يا حماة الأخلاق! أين أنتم لو تطلعون فقط على هذا الموقع للإجهاض الآمن وترون تهافت الفتيات العربيات عليه، لأن الحب مشوه في بلادنا ولأن مفاهيمنا الأخلاقية زائفة ويُمكن اختصارها بعبارة: وإذا ارتكبتم المعاصي فاستتروا أي أن المعاصي مسموحة لكن المهم السترة.

ازدواجية الأخلاق ظاهرة تميز مجتمعاتنا العربية، يكفي تأمل الارتفاع الهائل في عمليات ترقيع غشاء البكارة واستعادة العذرية، هذا يدل أن أخلاقنا زائفة ولا يهم سوى المظهر. وقد أبلغتني إحدى أهم الناشطات في المجتمع المدني والتي تشرف على أكبر جمعية لإعانة النازحين أنها اضطرت بنفسها لكتابة رسائل إلى موقع الإجهاض الآمن لأن العديد من الفتيات الفقيرات وخاصة النازحات تورطن في الحمل ولا مجال لأن يتزوجن فالفقر المدقع يحول بين لقاء الحبيبن. أية مشاعر قهر وذل وانعدام كرامة تحسها تلك الشابة التي بدل أن تفرح أنها ستصير أماً وبأنها حامل من رجل تحبه فإنها تتخلص من هذا الحمل كما لو أنه سرطان، تشويه الروح والمشاعر الجميلة الراقية بالحب والرغبة هو ما يحصل لشبابنا العربي وخاصة في بلاد الحروب. وما أشكال الزواج الغريبة مثل زواج المتعة وزواج المسيار وزواج الفريند إلا تحايل على القوانين كي يتمكن هؤلاء الشبان من أن يعيشوا حبهم ومشاعرهم، ولأن هذا حقهم وهكذا خلقهم الله بهورمونات جنسية تعطي الفرح وتجسد الحب وتؤسس لأسرة معافاة.

أجدر بهؤلاء القيمين على الأخلاق والذين ينظرون باحتقار وقرف لهؤلاء الشبان العشاق (عشاق الشوارع) أن يتفهموا ظروفهم ويرأفوا بهم ويُشفقوا عليهم من قبلات الظلام والبرد الزمهرير والجوع والفقر المدقع. مجتمعاتنا العربية مجتمعات شابة، وهؤلاء الشباب والشابات هم من سيبنون المستقبل. فكيف سيتمكنون من بناء المستقبل وهم مهمشون يرمون بأنفسهم في البحر وفي قوارب الموت بحثاً عن لقمة العيش. بينما تزداد نسب العنوسة ارتفاعاً ويزداد بشكل خطير الحمل خارج مؤسسة الزواج ولجوء الفتيات إلى موقع الإجهاض الآمن. والأخطر أن النفوس تتشوه وتغرق في اليأس والإحساس باللاجدوى وانعدام الأمل. عشاق الشوارع ظاهرة خطيرة يجب أن يلتفت إليها المسؤولون لأن إحباط جيل الشباب سينعكس سلباً وكارثة على الوطن. ولأنني معنية حتى نقي عظامي بالمواطن السوري؛ فأنا أطالب باسم عشاق الشوارع بأن تهتم الدولة بهم وأن تنشئ لهم ما يُسمى ببنك للزواج (كما في دولة الإمارات) مثلاً حيث يُعطى هؤلاء قروضاً تساعدهم على الزواج كي تصون إنسانيتهم ولا يتحولون إلى عشاق الشوارع.

عقول مبدعة يحتضن الإعاقة في ريف حلب الغربي

عقول مبدعة يحتضن الإعاقة في ريف حلب الغربي

بجهود فردية تطوعية وتحت شعار “أطفالنا طاقة لا إعاقة”، افتتح مركز عقول مبدعة بتاريخ 1/أبريل 2019 في بلدة كفر ناصح بريف حلب الغربي للوقوف إلى جانب شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة الذين زاد عددهم بشكل ملحوظ في الشمال السوري بعد ثماني سنوات متواصلة من الحرب.

يضم المركز فئة الإعاقة الجسدية ، شللاً نصفياً، بتراً، تشوهاً، أمراضاً مزمنة، صماً وبكماً، ومكفوفين، ومتلازمة داون.

يُدير المركز عمار هلال (٢٧عاماً) وهو مجاز بإدارة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وقد أصبح من ذوي الاحتياجات الخاصة بعد إصابة حربية تسببت ببتر قدمه اليمنى وقصر بالطرف الأيسر. ويقول هلال عن المركز وأهدافه ونشاطاته: “نظراً لتهميش فئة ذوي الاحتياجات الخاصة وحاجة هذه الفئة للوقوف بجانبها تم افتتاح المركز وبكلف تشغيلية تطوعية بغية تحسين الواقع التعليمي والثقافي والنفسي لهذه الفئة من خلال إطلاق العديد من الأنشطة”.

ويشير الهلال بأن الأنشطة التعليمية تتضمن تعليماً مسرعاً لفئة الإعاقة الجسدية، ولغة الصم والبكم، وأساسيات مبسطة في التعليم، ولغة متزامنة داون من الدرجة الأولى والثانية.

ولتحويل فئة ذوي الاحتياجات الخاصة من فئة مستهلكة إلى فئة منتجة أطلق المركز أنشطة مهنية “تُسهم في زرع الثقة بالنفس ودفع عجلة اندماج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع، وتلك المهن هي تعلم حياكة الصوف، صيانة الأدوات الكهربائية، الحلاقة، الخياطة وغيرها من الأنشطة ” وفق ما بين هلال.

يضم المركز جميع الفئات العمرية، ويبدأ التعليم فيه من سن الرابعة وحتى السابعة عشرة وفق تعليم بنظام المدارس ودوام يومي مقسم حسب الفئة. أما لسن الثامنة عشرة وما فوق فهناك أنشطة تعليم مسرع ودورات محو أمية ودورات مهنية لجميع الفئات القادرة على العمل. وتعد فئة الشيخوخة من المستفيدين بالمركز بخدمات طبية وأدوية. ويعمل أيضاً المركز على المتابعة الطبية من خلال تأمين اللوازم الطبية من أجهزة مساعدة حركية وأطراف صناعية وسماعات أذن ونظارات طبية وأدوية.

يغطي المركز مناطق ريف حلب الغربي وإدلب، ويعمل حالياً على افتتاح فروع جديدة للمركز في المناطق البعيدة بعد الدراسة والاستطلاع عن أعداد المعاقين المتواجدين في تلك المناطق.

يهتم مركز عقول مبدعة بإطلاق المبادرات، وقد أطلق مؤخراً مبادرة بصمة التطوعية التي تهدف لإنشاء ممرات  لذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس العامة، ويقول الهلال عن أنشطة المبادرة: ”تجهز لوحات جدارية في المدارس العامة والرسم عليها برسومات دمج بين الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة والطلاب السليمين ورسومات للدعم النفسي.” وهنالك أنشطة تغيير ألوان أبواب المدارس من اللون الأسود إلى ألوان فاقعة تحفز على التفاؤل والأمل.

كما اهتمت المبادرة بعقد جلسات تدريب لمعلمي المدارس وشرح خلالها مفاهيم ذوي الاحتياجات الخاصة ومفهوم التربية الخاصة بهم وطريقة التعليم، وتم منح المعلمين في نهاية التدريب حقيبة معلم تحوي أدوات تعليمية مقدمة لهم هدية من تلك الفئة.

ضمن برامج المبادرة، كان إقامة حفلات ترفيهية ودعم نفسي لطلاب المدارس شارك فيها عدد من الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة مع إرسال دعوات للأهالي كخطوة في تشجيعهم على إكمال العملية التعليمية لأطفالهم المنقطعين عن الدراسة بسبب إعاقاتهم المختلفة.

لاتخفي الطفلة راما فرحتها باندماجها مع أقرانها السليمين في المدارس النظامية، فهي ومنذ فقدت ساقها بالقصف منذ عامين تحلم بالعودة إلى المدرسة وقد أتاحت لها مبادرة بصمة تلك الفرصة. تقول راما “غدوت قادرة على التوجه للمدرسة بعد أن ضمت الكثير من التجهيزات المؤهلة لاستقبال حالاتنا، هنا يمكننا التعلم واللعب بحرية دون حرج كون المدرسة تضم الكثير من الحالات المشابهة والتي أشعر معها بوحدة المصير والحال”.

يجدر بالذكر أن مركز عقول مبدعة يضم 70 حالة دون السابعة عشرة وأكثر من 130 حالة لعمر الثامنة عشرة ومافوق، والعدد في ازدياد مع زيادة القصف  حركة النزوح في تلك المناطق.

احتجاجات الجوع تنطلق في السويداء

احتجاجات الجوع تنطلق في السويداء

“بدنا نعيش” جملة صغيرة كُتبت على رغيفِ الخبز لتكون شعاراً لاحتجاجاتٍ شعبيةٍ انطلقت في مدينة السويداء السورية نتيجةً لتردّي الواقع المعيشي لأغلب السكان ووصول الفقر إلى مستوياتٍ غير مسبوقة في ظلّ انهيارٍ متسارعٍ لليرة السورية حيث وصلَ سعر صرف الدولار الواحد 1200 ليرة سورية في السوق السوداء إن وُجِد أصلاً؛ كما ارتفعت الأسعار بشكلٍ جنونيٍ في الوقت الذي لا يزال دخل الفرد عموماً متدنياّ ومحدوداّ بحيث لا يتجاوز بشكلٍ وسطي 50 ألف ليرة شهرياً (أي ما يُعادل نحو 45 دولاراً) ولا يمكن أن يغطي حتى أبسط الاحتياجات الأساسية اليومية.

مما لاشكّ فيه أنّ الواقع الاقتصادي المتدهور ليس وليد اللحظة، فخلال سنوات الحرب المتواصلة لم يكن الحال بأفضل منه اليوم، فالسويداء وإن بقيت خارج نطاق العمليات العسكرية المباشرة إلا أنها عانت من ضائقة معيشية وتهميشٍ كبيرٍ وغلاء أسعارٍ جعل خط الفقر يتدنى إلى مستويات غير مسبوقة حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنّ 80 بالمائة من السكان باتوا يعيشون تحت خط الفقر.

ما يبدو جديداّ اليوم هو حالة الإفلاس العامة التي وصل إليها الجميع، والتي دفعتهم للمطالبة بالنزول إلى الشارع كحلٍ أخيرٍ، فالوعود الحكومية بتحسين المعيشة والنهوض بالاقتصاد بقيت حبراّ على ورق ولم تقدّم الحكومة أي إجراءات أو خطط لحل الأزمات الموجودة وسط مناشدات متكررة من الجميع، بل على العكس من ذلك فقد قامت الحكومة بإيقاف تحويل الأموال من والى سورية وحصرها بالمصرف المركزي أو ببعض الشركات المحسوبة عليه وبسعر صرف (434 ليرة) مما لا يتناسب أبداً مع غلاء البضائع الذي تفرضه أسعار الصرف بالسوق السوداء. انعكس هذا الأمر سلباّ على أحوال الناس المعيشية وساهم في زيادة فجائية في الأسعار واحتكار السلع وتدهور الليرة وخصوصاً في السويداء التي تعتمد على التحويلات والأموال القادمة من المقيمين خارجها بشكل رئيسي.

 بدايةً كانت الدعوات لمقاطعة الأسواق والعيش لمدة أسبوع على الخبز فقط ثمّ تطّور الموضوع إلى الدعوة للنزول إلى الشارع والاعتصام أمام مبنى المحافظة وخاصةً بعد التصريح الاستفزازي التي أدلت به المستشارة الإعلامية والسياسية بثينة شعبان في حوارٍ بثته قناة الميادين حيث زعمت شعبان بأنّ الاقتصاد السوري اليوم أفضل مما كان عليه في العام 2011 بخمسين ضعفاّ. الأمر الذي أثار موجةً من الاستنكار والتذمر لدى الجميع.

 انطلقت الاحتجاجات يوم الأربعاء 15 كانون الثاني إلا أّن أعداد المشاركين في الاحتجاج تعتبر قليلة حتى اليوم حيث قًدّرت في اليوم الرابع بين 150 -200 شخص.  الشعارات التي رُفعت كانت واضحة ومحددة بعيداّ عن أي بعد سياسي ودون أن تتبناها أي جهة، واقتصرت على المطالبة بتحسين الوضع المعيشي والحدّ من غلاء الأسعار وانهيار الليرة ومحاسبة المسؤولين والفاسدين وتجار الأزمات، وأيضاً الدعوة إلى إقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة جديدة، كما نددت الاحتجاجات بالإعلام السوري الغائب عن هموم الناس ووصفته بأنه إعلام كاذب.

لاقت الاحتجاجات الكثير من ردود الأفعال المتباينة سواء داخل السويداء أو خارجها وتجلّى ذلك بشدة على مواقع التواصل الاجتماعي، فنجد الكثير من الآراء المؤيدة للاحتجاج ولعفويته وسلميته معتبرةً أن الخروج للشارع هو الحل الوحيد لإيصال صوت الناس والتعبير عن مظالمها وخاصةً أنّ الاحتجاج اتّسم بالسلمية المطلقة سواء بالشعارات أو بالتطبيق حيث لم يحدث أي صدام مع القوى الأمنية الموجودة بل بالعكس قام المحتجون بتوزيع الورد على عناصر الشرطة عند مدخل مبنى المحافظة وتنظيف الساحة بعد الانتهاء من الاعتصام. المؤيدون لهذه الاحتجاجات يعتبرونها لسان حال كافة المناطق والمدن السورية مطالبين بوحدة الحل على مستوى الدولة ومطالبين باقي المدن بالخروج في احتجاجاتٍ مشابهة للضغط على الحكومة، وقد أُنشِئت عدّة صفحاتٍ على الفيس بوك تدعو إلى تنظيم مظاهراتٍٍ محلية كصفحة “بدنا نعيش-مدينة السلمية”، كما نشر أفرادٌ من مختلف المناطق السورية صوراً للوحاتٍ كرتونيةٍ تضامنية مع حراك السويداء نُشرت على صفحة “بدنا نعيش” الرئيسية.

 لكن لم تنجو هذه الاحتجاجات من سخرية البعض، وخاصة من معارضي النظام السوري في الخارج، حيثُ استهجنوا بخروجها في هذا الوقت، معتبرين أنها تأخرت 10 سنوات على حد قولهم في إشارةٍ لربطها باحتجاجات 2011 والتقليل من شأنها حيث المطالبة بالخبز لا ترقى لتضحيات “ثورة الكرامة” على حدّ تعبيرهم. لكن لم يقتصر الأمر على المعارضين فهناك طرفٌ آخر موالٍ للنظام السوري ممن عارضها معتبراّ إياها مؤامرة ًمن الخارج لتقويض الاستقرار الذي وصلت له البلد بعد سيطرة الحكومة على أغلب المناطق التي كانت خارج سيطرتها محذرين بأنها ستؤدي إلى الفوضى في آخر الأمر على غرار ما حدث في باقي المدن السورية.

من جانبٍ آخر، هناك الكثير ممن يؤيدون توقف الاحتجاجات حالياّ وإعطاء فرصة للحكومة على أن تتجدّد لاحقاً إذا لم يكن هناك إجراءات حقيقية لتحسين الواقع المعيشي المتردِّ، وبذلك يتم قطع الطريق على أي مخططٍ لإثارة العنف وحرف المطالب من أي جهة كانت على حسب رأيهم.

وبالمقابل أصرّ المحتجون على سلمية حراكهم وعلى حقهم في التعبير دون صدامٍ مع أحد أو إثارة أعمال شغب معتبرين أنّ هذا حقهم الذي يكفله لهم دستور بلادهم ونصوص القانون، وأنّ غايتهم فقط إيصال صوتهم ورسائلهم عبر الشعارات التي رفعوها والتي كان من أبرزها “بدنا نعيش بكرامة ” و”لحتى نعيد الإعمار ما بدنا الليرة تنهار”، “إذا ابنك شبعان ابني جوعان يا بثينة شعبان”، “مطالبنا شعبية ما بدنا حرامية ” وغيرها الكثير.

حتى اليوم لم يصدر أي تصريح رسمي من الحكومة باستثناء مرسومين جمهوريين صدرا بتاريخ 18 كانون ثاني مرسوم رقم 3 ورقم 4 ينصان على مضاعفة العقوبة والغرامات على من يتعامل بغير الليرة السورية في تداولات الأسواق وعلى ملاحقة ومعاقبة كل من ينشر “أخباراً مغلوطةً” تضرّ بالاقتصاد والعملة.

لا يمكن لأحد أن يتكهن بما ستؤول عليه الأوضاع في السويداء في قادم الأيام، هل سيستمر الاحتجاج ويتوسع؟ أم سينكفئ ويبقى محدوداً تحت ضغط الخوف والقلق من ردود الفعل العنيفة سيما وأنّ للمدينة ملفاتٍ شائكةً كثيرة ليس أولها موقفها المحايد من الحرب والتجنيد ولا آخرها وجود عصابات القتل والخطف والسرقة التي رّوعت المدينة ولا تزال.