بواسطة Hadia Al Mansour | فبراير 28, 2020 | Cost of War, Reports, غير مصنف
لا تعلم المعلمة جميلة كشتو (32عاماً) ما الذي يمكن أن يؤمنه لها راتبها الشهري من حاجيات بعد الغلاء الكبير الذي تشهده مناطق الشمال الخاضع لسيطرة المعارضة، فهي لا زالت تتقاضى راتبها من النظام بالليرة السورية وهو راتب لا يكفيها لتغطية أدنى متطلبات الحياة .
تقول جميلة شارحة معاناتها مع دخلها المحدود “أعمل في المجال التعليمي وأتقاضى راتبي من مدينة حماة بعد أن أضطر لدفع نصفه أجور مواصلات ليتبقى منه في النهاية ما لا يكفي لأكثر من عشرة أيام رغم كل محاولاتي للتقنين”. وتوضح بأن راتبها يبلغ 45 ألف ليرة سورية أي ما يعادل 60 دولاراً أمريكياً شهرياً وهو مبلغ زهيد قياساً بما يجتاح المنطقة من غلاء فاحش.
يشهد الوضع المعيشي في منطقة إدلب تراجعاً يوماً بعد يوم في ظل استمرار القصف وارتفاع الأسعار وتراجع حاد بسعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي فضلاً عن قلة المساعدات الإغاثية المقدمة وانتشار البطالة.
“بسرعة بلشو يتضربو بتنين” هكذا أبدت الحاجة الخمسينية مريم استغرابها مما وجدت من ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية المفاجئ وتقول” البارحة فقط كانت الأسعار مختلفة ما الذي حدث اليوم مع ارتفاع الدولار، لما كل هذا الغلاء” وتنتقد إجابات الباعة الذين أرجعوا الأمر لارتفاع الدولار وأن بضائعهم يشترونها بالدولار وليس بالعملة السورية وتقول “متى كنا نشتري ونبيع بالدولار ، طوال عمرنا لانتعامل إلا بالليرة السورية ماالذي حدث اليوم”.
معظم الأهالي في محافظة إدلب أبدوا استياءهم من تلك الأوضاع لا سيما ارتفاع الأسعار بشكل يومي، وعدم توفر المحروقات، وقلة فرص العمل، وهو ما انعكس سلباً على حياة المواطن الذي يعاني أساساً من وضع اقتصادي متردٍ .
السائق هيثم طعمة اضطر لإيقاف سيارته عن العمل التي تعد مصدر رزقه الوحيد بعد أن ارتفعت أسعار المحروقات أضعاف مضاعفة يقول مؤكداً ”أعمل بنقل الأثاث والحاجيات والبضائع، أسعار نقلاتي كانت ملائمة وتناسب دخل الزبائن، أما اليوم فأنا مضطر لرفع أجرة الطلب ضعفي الأجرة القديمة بسبب الغلاء وهو ما أدى لعزوف الكثيرين عن استدعائي والاستعانة بسيارتي بنقل حاجياتهم .
أما بالنسبة للأرملة سهام دندوش فلها حكاية أخرى مع ارتفاع الأسعار فهي تضطر للتوجه لحاويات القمامة ومكبات النفايات لجمع ما يمكن جمعه من أحذية مهترئة وأكياس نايلون للاستفادة منها في تدفئة أبنائها الثلاثة من برد الشتاء القارس، تقول سهام ”بعد وفاة زوجي استطعت تأمين عمل كمستخدمة في إحدى المشافي، غير أن الراتب الذي أحصل عليه لا يكفي لتغطية حاجيات الشهر وخاصة مع ارتفاع الأسعار الجنوني” وتتابع متسائلة “إن كنت بالكاد أستطيع تأمين قوت يومي فكيف لي بتأمين وسائل التدفئة وقد وصل سعر برميل المازوت لمئة وخمسة وعشرين ألف ليرة سورية أي ما يعادل راتبي لشهرين متتاليين، أما الحطب فوصل سعر الطن ل100 ألف ليرة سورية وكذلك البيرين والفحم”.
ومع الارتفاع الجديد في سعر الصرف للدولار الذي سجل840 ليرة سورية عند إغلاقه صباح الأربعاء 11كانون الأول 2019 فقد توالى ارتفاع أسعار السلع في الأسواق المحلية، ولم ينعكس التحسن السابق في قيمة الليرة السورية الأسبوع الماضي بأي شكل على انخفاض أسعار السلع ومن أهمها الغذائية، وهي ظاهرة سورية باتت معروفة لمواكبة الأسعار للارتفاع الفوري وامتناعها عن الهبوط مع تحسن سعر الصرف، ما يجعل من ارتفاعات السعر المتكررة بعد كل إرتفاع تفوق نسبتها المحسوبة على سعر الصرف.
في أسواق مدينة إدلب أغلقت بعض محلات الصرافة والصياغة بانتظار ما ستؤول إليه الليرة إذا توقفوا عن العمل بها ، كما رفضوا تسليم الحوالات المالية القادمة من الخارج نتيجة انهيار الليرة وهو ما أحدث حالة عجز في أسواق المدينة مع ارتفاع كبير جداً في الأسعار وصلت حتى الضعف .
أبو محمد مالك أحد محال الصياغة يقول”نحن نمتلك أموالاً بالليرة السورية وتصريفها الآن يعني خسارة مضاعفة وحتى بيع الدولار الآن هو خسارة أخرى بالنسبة لنا نظرا لترنح سعر الصرف وعدم استقراره لذلك اخترت إغلاق محلي وانتظار ما سيؤول إليه وضع الصرف”.
انهيار الليرة السورية دفع بالبعض لتقاضي أجرته بالدولار كما فعل بعض الأطباء الذين سعروا معاينة المرضى بالدولار، الأمر الذي أثار موجة غضب واستياء لدى السوريين على مواقع التواصل الإجتماعي معتبرين أن هؤلاء الأطباء لا يراعون أحوال الناس في إدلب التي يعيش فيها حوالى خمسة ملايين شخص نصفهم نازحون ومهجرون قصرياً وسط قصف مستمر للنظام وحليفه الروسي.
يعتبر أكثر المتضررين من ارتفاع الدولار هم أصحاب الدخول الثابتة التي لا تتغير بمقدار انخفاض قيمة العملة، أما أكثر المستفيدين من ذلك فهم التجار وأصحاب المعامل والمطاعم وكل من هو قادر على تغيير سعر منتجاته بمقدار التضخم وأحياناً أكثر، وأيضاً يستفيد من ارتفاع أسعار السلع المخزنة لديه في محله وهذه الفئة عادة ما تكون قادرة على امتصاص زيادة الرواتب لصالحها وحرمان أصحابها منها، بعد أن عمد النظام لزيادة رواتب موظفيه بمقدار عشرين ألف ليرة سورية لمواكبة ارتفاع الدولار وانخفاض قيمة العملة السورية ،هذا الإجراء رأى فيه محللون بأنه سيعمل على تعميق الأزمة في انهيار الليرة السورية وسيؤدي أيضا لرفع نسبة التضخم النقدي وانخفاض أكبر في قيمتها.
تصل تكاليف معيشة أسرة وسطية مكونه من خمسة أشخاص في إدلب إلى نحو 350ألف ليرة سورية عدا نفقات أجور السكن للنازحين، في حين ذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في سوريا في تقرير له أن 83 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر إضافة لأن 33بالمئة من السكان في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي.
بين إرتفاع الدولار وتهاوي قيمة صرف الليرة السورية، وبين صمت مريب للمسؤولين عن الأمر، يزداد إرهاق الأهالي في الشمال الواقع تحت سيطرة المعارضة الذين أتعبهم الفقر والنزوح والقصف والبطالة والتشريد.
بواسطة Safi Khattar | فبراير 27, 2020 | غير مصنف
بمشاريع صغيرة يتحايل السوريون اليوم على واقع معيشتهم المرير بعدما أصابت الحرب اقتصادهم في الصميم، ورغم ضعف الإمكانات وبساطة الأدوات إلا أنها شكلت نوعا من الأمان لهم بعدما أصبح الخوف من الجوع همّاً يسيطر على أيامهم.
تنوعت هذه المشاريع وتعددت حسب ظروف المكان نفسه، إلا أن الغاية الأساسية منها هو تأمين اكتفاء ذاتي بالدرجة الأولى معتمد على ما تقدمه البيئة الموجودة وعلى نمط الإنتاج السائد سواء كان في الريف أو المدينة.
المشاريع الزراعية الصغيرة
وهي المشاريع التي تقوم على زراعة مساحات صغيرة من الأرض وغالبا ما تكون بجانب المنازل أو في أحواض خاصة لتأمين بعض الخضراوات الأساسية للطعام، وقد تتطور هذه المشاريع قليلا لتشكل دخلاً وان كان محدوداً لأصحابها إذا ما توافرت مساحة مناسبة من الأرض وكمية جيدة من الماء.
أهمية المشاريع الزراعية البسيطة أن كلفتها شبه معدومة وتؤمن طعاماً صحياً ومتنوعاً وبخاصة في المدن حيث لا تتوفر مساحات للزراعة وغالباً ما تتم في صناديق وأحواض على شرفات وأسطح المنازل أو في الحدائق المنزلية الصغيرة.
تخبرنا (نادية 42 سنة) عن تجربتها في الزراعة المنزلية فتقول: “أحب الزراعة بشكل عام وكنت قد حولت سطح بيتي لحديقة صغيرة أزرع فيها أنواعاً مختلفة من نباتات الزينة والورود، لكن سوء الأحوال المعيشية وغلاء الأسعار دفعني لاستبدال أحواض الورد بمشاتل صغيرة أزرع فيها بعض الخضار، وعموماً كانت النتائج جيدة واستطعت تأمين أغلب الخضر الضرورية وبتكلفة بسيطة جداً.”
العودة إلى أدوات وعلاقات الاقتصاد البدائي القديمة أصبحت سمة واضحة اليوم ونلاحظها بوضوح في الريف وخاصة في ظل غياب شبه تام لأي سياسة اقتصادية حقيقية، عدنا لنرى أدوات الزراعة البدائية والتي كانت شبه معدومة سابقا لكنها اليوم تشكل حلا جيدا للفلاح في ظل غلاء المحروقات وعدم توفرها، بالإضافة إلى إهمال المواسم والمحاصيل الصناعية والتي كانت مزدهرة فيما مضى والالتفات للمحاصيل الأساسية المطلوبة في السوق أو التي يسهل تخزينها وتسويقها وبخاصة بعد توقف التصنيع والتصدير للمنتجات الزراعية.
مشاريع صغيرة على هامش الزراعة
وجد الفلاحون أنفسهم أمام مشكلات عديدة واجهت القطاع الزراعي غير أن مشكلة تسويق المحاصيل كانت الأبرز في ظل توقف التصدير الخارجي وضعف القوة الشرائية عموماً وارتفاع تكاليف الإنتاج، لذا لجأ العديد منهم إلى إيجاد بدائل لبيع محاصيلهم عن طريق تصنيعها إلى منتجات يسهل بيعها وحفظها مدة أطول.
لجأ (أيمن 53 سنة) إلى تسويق محصوله من العنب بتصنيعه إلى منتجات مختلفة، فنرى في مستودع بيته الذي حوله لورشة عمل صغيرة أواني تحتوي بعضها على النبيذ وأخرى على دبس العنب أو الخل بالإضافة لسلال الزبيب، يقول أيمن: “منذ أن بدأت مشروعي لم أعد أخشى من كساد إنتاجي ورغم الصعوبات التي واجهتها في البداية إلا أنني نجحت في كسب ثقة الزبائن وبيع كامل محصولي وبأسعار جيدة”
تنوع الإنتاج الزراعي جعل (سمر43 سنة) تفكر في استثمار بستانها بطريقة غير تقليدية، فجعلت من الفواكه أنواعا مختلفة من المربيات والمجففات التي لاقت رواجاً كبيراَ في السوق، ما دفعها لفتح محل صغير تعرض فيه ما تنتجه في منزلها، تخبرنا سمر عن مشروعها وتقول: “بدأ مشروعي بتجفيف بعض الفواكه وعرضها وسرعان ما توسعت في الإنتاج ليشمل تصنيع المربيات المنزلية بطرق صحية ولذيذة، بالإضافة لصنع بعض أنواع الحلويات المنزلية أيضا، وبسبب نجاح عملي أصبحت أشتري الفواكه من بعض الأصدقاء وأساعدهم في بيع محاصيلهم لألبي الطلب المتزايد لدي، وعلى هامش مشروعي بدأت مؤخرا بالشراكة مع أختي بتجفيف أنواع مختلفة من الأعشاب الطبية المتوفرة في الطبيعة أو التي نقوم بزراعتها في حديقة البيت وعرضها في قسم خاص في المحل.”
المشاريع التعاونية الصغيرة
نشأت العديد من المشاريع التعاونية الصغيرة من حاجة أفرادها إلى عمل تشاركي منظم يعتمد بالدرجة الأولى على خبرة الأشخاص في العمل وعلى ما يقدمه كل فرد منهم من إمكانيات، وإيجاد حلول مناسبة في إدارة الإنتاج وتسويقه لتلافي الصعوبات الناتجة عن الحرب من توقف التصدير والاستيراد وغياب الدعم الحكومي والمؤسساتي لأغلب القطاعات الإنتاجية، أغلب هذه المشاريع انطلقت من ما توفره البيئة المحلية من مقومات وعلى حاجة السوق أيضاً، وشملت هذه المشاريع المتوسطة الحجم كافة القطاعات سواء الزراعية أو الصناعية أو التجارية وساهمت بشكل كبير في بقاء حركة الأسواق مستمرة ولو بالحد الأدنى بالإضافة لتوفيرها فرص عمل ودخلا للكثير من الأسر.
(أحمد، منصور، ورائد) ثلاثة أصدقاء قاموا بإنشاء مشروعهم الصناعي الخاص بهم وهو عبارة عن كراج كبير يقدم خدمة متكاملة للسيارات على اختلاف أنواعها من عمليات الصيانة الميكانيكية والكهربائية والدهان وإصلاح الإطارات والتنجيد وغيرها. وعن ورشتهم الصغيرة يقول أحمد: ” بدأت الفكرة من حاجتنا لمكان للعمل بعدما عجزنا عن تأمين محلات في المنطقة الصناعية بسبب غلاء أسعار الإيجارات إضافة لكثرة المحلات المنافسة، فكان الحل بإقامة ورشة متكاملة بالشراكة مع أصدقائي في مدخل قريتنا بجانب الطريق الرئيسي على أرض يمتلكها أحد أصدقائي، في البداية كان المشروع بسيطاً وصغيراً ولكن سرعان ما توسع بسبب الإقبال الجيد والسمعة الطيبة والأسعار المخفضة، واليوم يضم المشروع 5 أقسام مختلفة ويعمل به ما يقارب العشرين عاملا.”
وفي تجربة مشابهة قام أولاد العمومة (بدر، سليم، قصي، وتمام) بإنشاء مزرعة لتربية الأبقار بالشراكة فيما بينهم فتقاسموا التكاليف ووزعوا الأدوار والمهام بحيث يشرف كل واحد على عمل محدد. يوضح (بدر 28 سنة) كيف يتم العمل بالمزرعة فيقول: “أقوم أنا وسليم برعاية الأبقار وتقديم الخدمات الأساسية لها من أكل وشرب وطبابة وتنظيف، بينما يتولى قصي وتمام العمل في الأرض وزراعتها لتأمين الأعلاف الضرورية للمزرعة والاستغناء عن شراء الأعلاف من السوق”. ويضيف بدر: “مزرعتنا تعتمد على الإنتاج المتكامل بحيث نؤمن كل ما يلزمنا تقريبا باستثناء الطبابة فقط، لدينا أرض جيدة تؤمن لنا طعاماً للأبقار، وقمنا بحفر بئر صغيرة لتأمين الماء اللازم، عدا عن أننا حولنا روث الحيوانات إلى سماد طبيعي نستخدمه بفاعلية كبيرة في زيادة محاصيلنا وتحسين الإنتاج وأحيانا نقوم ببيع الفائض منه إلى الفلاحين، عدا عن أننا نعتمد في تسويق الإنتاج على محل أنشأناه خصيصاً لبيع الألبان والأجبان تشرف عليه وتديره زوجاتنا ويحقق لنا أرباحاً جيدة.”
ضعف الإمكانات الفردية ومحدوديتها من أهم الأسباب التي أدت إلى انتشار الأعمال والمشاريع التشاركية عدا أنها أكثر مرونة وأكثر قدرة على حل الإشكالات المتعلقة بتقلبات السوق والأسعار وفرص نجاحها واستمرارها أكبر بكثير من المشاريع الفردية الضعيفة التي لا تمتلك مقومات كافية.
ومن أكثر المشاريع التشاركية نجاحاً وانتشاراً ما يتعلق بورشات الخياطة والملابس، والتي كانت منتشرة ما قبل الحرب بشكل واسع في أغلب المدن إلا أنها اليوم أصبحت أكثر تخصصاً وأقل حجماً وتعتمد غالباً على مهارات نساء حولن منازلهن إلى ورشات صغيرة ساهمت بشكل كبير في تأمين فرص عمل جيدة للكثيرات منهن، (سوسن 45 سنة) تعمل خياطة منذ أكثر من عشرين عاماً تنقلت خلالها بين أكثر من مصنع وورشة عندما كانت تسكن في دمشق، لكن ظروف الحرب دفعتها لمغادرة العاصمة والاستقرار في قريتها بريف السويداء، حيث لم تجد عملاً لها إلا في محل لبيع الملابس وبراتب ضئيل، فقررت العمل على إنشاء ورشة خياطة صغيرة في منزلها بالشراكة مع بعض صديقاتها وأقاربها، وبعد فترة وجيزة تحول منزلها لورشة عمل فيها 7 نساء يعملن قرابة 8 ساعات يوميا. تقول سوسن شارحة حال ورشتها: “لم يكن لدي مال كافي لإنشاء مشروعي وحدي، كل ما أملك هو ماكينة الخياطة الخاصة بي، وكذلك الأمر بالنسبة لبعض صديقاتي فقررنا أن نجمع ماكيناتنا الخاصة في منزلي ونعمل سوية، حصلت بعدها على قرض صغير من أحد البنوك الخاصة وكان كافيا لأشتري المستلزمات الأولية من خيوط وبعض العدة والأقمشة، وبدأنا العمل كل واحدة منا كان لديها مهارة مميزة في الخياطة واستطعنا أن ننشئ عملاً متكاملاً يجمع بين الأزياء الشعبية التي تطلبها بعض نساء القرية وتلبية طلبات بعض المحلات العصرية في المدينة من فساتين وغيرها وبأسعار تعتبر رخيصة ومناسبة للجميع، واليوم بعد مرور 4 أعوام يعتبر المشروع انجازا مهماً لنا ويؤمن دخلاً جيداً لـ7 عائلات.”
حلول لا تسمن لكنها تقي من الجوع
بالرغم من كل المؤشرات السلبية اليوم في بلد يعاني من توقف إنتاجه ومن انهيارات سريعة في العملة والاقتصاد، تبقى هذه المشاريع الصغيرة حلاً وإن كان مؤقتاً وبسيطاً لكنه يعين على تحمل قسوة الظروف الحالية، هو اقتصاد بديل ليس إلا، يتأرجح بين الممكن والمتاح قد لا يسمن حقا لكنه يقي من بعض جوع.
بواسطة مازن أكثم سليمان | فبراير 26, 2020 | Culture, غير مصنف
/لنْ يقترِبَ أحدٌ من هذياني لن يُجفِّفَ عرَقَهُ بمنديلٍ مَسروقٍ من وقتٍ يركضُ مُسرِعاً كي يلحقَ باصَ المدرسةِ الهارِبَ من وقتِهِ مُمتلئاً بتلاميذَ حفظوا درسَ النِّسيانِ كقطعة حلوى قُدَّتْ من سَفَرِ الغُيومِ/
قدَري
أنْ أرفُضَ الضِّفَّةَ التي يجرفُني إليها التَّيّارُ
وأنْ أتطلَّعَ إلى النَّقيضِ في كُلِّ نافذةٍ.
حالِماً بحَسْمِ الخُطى التي تجسُّ الرِّيحَ
للَّحاقِ بابتسامةِ الحريقِ العُليا مُباشَرَةً قبلَ لحظَةِ نُضوبِهِ
حيثُ تظمَأُ المُخيِّلَةُ لمُراوَغةِ الدَّقائقِ العنيدةِ
بسْطاً للذَّريعةِ المُسلِّيَةِ في المَخاضِ.
هكذا هيَ الفَرادةُ:
أنْ تكونَ الجُزءَ المَخفيَّ مِنَ المَخفيِّ
وأنْ يرميَ كُلُّ عابِرٍ
تخميناً حولَ الحدَثِ
أنْ تكونَ نصفُ الإشاعاتِ
عمّا لم نفكِّرْ بهِ من قبلُ
وأنْ تَزرعَ فوقَ ظلِّكَ قوسَ قزَحٍ حادٍّ كشفرةٍ
لتظلَّ الأُحجيةُ
زوجاً غيرَ مُعلَنٍ للفَرادةِ.
مُبارَكٌ شُذوذي
المُستلهَمُ من زهرةٍ مسعورةٍ
لهُ رنينٌ أحدبُ
كسقوطِ الرَّحيقِ
في يدٍ تلوِّحُ
كاصطحابِ الفراشةِ طلْعَها
إلى مغارةٍ مُظلِمةٍ
للمرَّةِ الأُولى في تاريخِ الوردِ.
مُبارَكٌ تدريبي الفصاحةَ على اللَّحنِ والمَنحولِ
حيثُ تسيلُ الفسحةُ مُتسارِعةً
وعلى رأسِ الكلماتِ تاجُ المُفاجآتِ
وإذ يحملُ الغدرُ الآسِرُ
باقةَ المُغازَلةِ والقنابلِ
إلى أقصى النَّهبِ الذي أتى وعادَ سريعاً
تُبعثَرُ النَّدبةُ
كي يُفسِّرَها كُلَّ يومٍ كتابٌ جديد.
ما من حاجةٍ الآنَ لمَا يُجدي
الهزائِمُ لا تَهزمُ مُتمرِّغاً بالزَّوايا العمياءِ
يُنقِّبُ المُلهَمُ بالغَرابةِ عن وهمٍ ساحرٍ
يَعدُهُ بساعتيْن من يأسٍ
بجَمالٍ قبيحٍ نصفُهُ قيْحٌ
وعلى مُحيطِهِ مُروِّجونَ للألمِ
ذاكَ هو الاندثارُ المُعظَّمُ
مهنةُ العباقرةِ المُنقرضينَ
حيثُ تُعانِقُ جنوني
نُسخةٌ من الفراغِ المعصورِ
بقوَّةِ شوكةٍ جرَّبتْ كيفَ أنَّ ما لا يتبخَّرُ طوعاً
ليسَ موثوقاً:
الصَّباحُ قلادةٌ منزوعةٌ
من عُنُقِ المَواثيقِ
ومرميةٌ في بئرِ القلبِ
كهودجٍ راحلٍ للتَّوّ.
في جعبتي تذوبُ السَّكاكرُ
وتلتصقُ بالقُماشِ
فيستبدلُ المُلحِّنُ بالأغنيةِ
عقاربَ ساعةٍ ترقصُ
يتصاعَدُ دخانٌ فجٌّ
من أرجُلِ المُحدِّقينَ
فلا يبدو من الضَّروريِّ
تقديمُ الأعذارِ
ما دامتْ شفتيَّ تُردِّدانِ:
ليستِ الأشياءُ بكثرتِها
لكنْ بعُمقِ زلزالِها
هكذا تصرخُ مرآتي ضدَّ الحنينِ
وأصرخُ تعاطُفاً معها.
/لو شُبِّهْتُ بسُلحفاةٍ تُهاجِرُ آلافَ الأميالِ كي تضَعَ بُيوضَها على شاطئٍ عامرٍ لكسَرْتُها جميعاً قبلَ أنْ تفقسَ وفضَّلْتُ الإياب ولو في سجنٍ مُعتمٍ في قبوِ سفينةٍ يقودُها القراصنةُ/.
بواسطة هيفاء بيطار | فبراير 25, 2020 | Cost of War, غير مصنف
في بداية هذا الشهر، اشتريتُ كيلوغراماً من اللحم من عند لحام أشتري من عنده منذ سنوات بـ 14 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ صعقني لأن الأسعار لكل المنتجات الغذائية وغير الغذائية ترتفع بسرعة جنونية ولامنطقية.عدتُ إلى البيت بشعور بالخجل أنني قادرة على شراء كيلو اللحم بـ 14 ألف ليرة سورية، أي بما يعادل نصف أو على الأكثر ثلث راتب موظف جامعي في الدولة السورية. وأحسستُ بغضب وأنا أعي هول الذل الذي يتحمله الشعب السوري الجائع والمروع من الخوف والصامت. ووجدتني أضع كيلو اللحم في صحن وأستف بجانبها أوراقاً من العملة السورية، من فئة ألفين ليرة، ووضعت الصورة على صفحتي على الفيس وكتبتُ بأنني (وكوني طبيبة) أحب أن ألفت نظر الناس أن ثمة ثمانية بروتينات رئيسية في اللحم غير موجودة في الخضار والبقول والفاكهة، وهذه البروتينات الثمانية في اللحم ضرورية جداً لبناء العضلات والعظام والدماغ. وكتبتُ أيضاً: بما أن سوريا شعب فتي وأكثر من 70 بالمئة من سكانه أعمارهم تحت 23 سنة لذا يجب أن يتغذى هذا الجيل جيداً لأن العقل السليم في الجسم السليم، ولأن هؤلاء الأطفال والشبان الذين نعلق عليهم الآمال لبناء سوريا يجب أن يتغذوا جيداً. بعد أقل من ربع ساعة على نشري الصورة إياها ( صورة اللحم مع أوراق العملة السورية ) أتاني إنذار قوي اللهجة وصلني كرسالة على الفيس بوك بأن علي أن أمحو الصورة فوراً، ووجدتني أسكن الذهول، وأظن كل الشعب السوري يسكن الذهول، وفيما أنا أفكر من عساه بتلك السرعة الخيالية أن ينتبه لهذا المنشور ويسارع ليطلب مني بلهجة تهديدية أن أمحوها. وأنا في ذهولي وصلتني رسالة ثانية تضمنت المرسوم 3 والمرسوم 4 حول الليرة السورية والعقوبات الفظيعة التي يتعرض لها المواطن الذي يمس هيبة الليرة السورية والتي قد تصل إلى السجن لسنوات. فما كان مني إلا أن استشرت محامياً مشهوراً فقال لي موبخاً: “امحيها فوراً”. ومحوتُ الصورة.
فكرتُ أي عيش ذليل نتحمله، وتعجبتُ من السرعة العجيبة لإنذاري بمحو الصورة، يبدو أن ثمة طاقم محترف يراقب كل ما نكتبه أو ما يكتبه البعض. لقد رجعتُ إلى اللاذقية تاركة أمان العيش في باريس وتاركة أسرتي عارفة سلفاً أيه صعوبات فظيعة سوف أتعرض لها في حياتي هنا في اللاذقية، كوني امرأة وحيدة وكاتبة قرفت من الخوف وقررت أن تكون صوت الصامتين وأن أنقل وجعهم وآلامهم وأكتبها عارفة أنني أجازف بكل أمان زائف في حياتنا، هذا الأمان الأشبه تماماً بأمان الدجاجات في القفص. وعرفتُ أنني كمن يضع نفسه في قارورة ويرميها في البحر تاركاً مصيره للموج، لكنني قد وصلت إلى مرحلة القرف من الخوف. ونظراً لأن الموت صار سهلاً جداً وعادياً جداً في سوريا، فإنني صرت أشعر بصداقة مع الموت فكل النشاطات الإجتماعية في سوريا تنحصر في التعازي. وصرت أشعر أن روحي ليست أغلى ولا أكثر قيمة من أرواح السوريين الذين ماتوا غرقاً أو في المعتقلات أو على يد الجماعات الإسلامية المتطرفة.
تحولت سوريا لمسرح كبير يقدم كل يوم تنويعات للموت، حتى أن بعض الأطفال في سوريا ماتوا بسبب توتر عالي للكهرباء التي صعقتهم بعد انقطاع خمس ساعات، يعني عندنا شهداء الكهرباء، وشهداء الغاز لأن الحصول على جرة غاز يتطلب انتظاراً لأيام في البرد والليل والصقيع والذل. واقع يزيده ألماً وقاحة التلفزيون السوري الذي يعرض حواراً بين مواطن ومذيعة تسأله: “هل وصلتك رسالة على الأنترنيت أو هاتفك الخليوي عن موعد استلامك جرة الغاز”، فيرد المواطن:”طبعاً ” (ووجهه يعكس أسى يمزق القلب)؛ وتسأله: “وهل مركز توزيع جرات الغاز قرب بيتك”، فيشير بإصبعه إلى مبنى لا يبعد عنه أمتاراً ويقول” “قريب جداً ها هو”!!! لا أعرف إن كان أحد في سوريا يصدق هذه التمثيلية، فحتى الموالون للنظام أخذوا يتذمرون بشكل صارخ من نفاق تلك الرسائل التي تصلهم على هاتفهم الخليوي عن موعد استلام جرة الغاز، وسرعان ما يتبعوها برسالة أخرى بأن الموعد تأجل شهر، ثم برسالة ثالثة بأن الموعد تأجل إلى أمد غير محدد. ويلهث الناس وراء الغاز كما يلهثون وراء رغيف الخبز وكما يلهثون للحصول على راتب الاحتقار عند الصرافات، وتتحول الحياة إلى لهاث.
وقد وصل سعر جرة الغاز في السوق السوداء 40 ألف ليرة سورية وأنا شاهدة على صديق اشتراها بهذا المبلغ. وحين كتبتُ مقالاً بأن سقف الحرية في سوريا هو فقط انتقاد وزارة الكهرباء لأننا بتنا نعيش في ظلام، وصلتني رسائل كثيرة من أصدقاء كثيرين إضطروا أن يتركوا سوريا بعد أن اعتقل معظمهم لاشتراكهم بمظاهرات أول الثورة السورية، كتبوا لي انتبهي أنت تتجاوزين الخطوط الحمراء، وكانوا يطلبون مني أن أمحو المحادثة بيني وبينهم حال انتهاء الكتابة على تطبيقات الواتس آب أو إيمو، وكنت أتساءل ببراءة جاهل: “ما هي الخطوط الحمر”!! صدقاً كنت أتساءل طويلاً وأعصر دماغي لأحدد ما هي الخطوط الحمر في سوريا، ويأتيني الجواب من عقلي الذي يتابع باهتمام كل ما يجري في وطني بأن كل شيء خط أحمر، حتى وجودنا نفسه خط أحمر.
لا يجرؤ سوري ممن يعيش داخل سوريا أن يُلمح أو يذكر أنه حضر فيلم سما مثلاً، الذي شاهده العالم كله، ففيلم سما خط أحمر، وأحدهم يدعي أنه فنان وهو شبيح قذر كتب على صفحته وقدم شكوى لفرع أمني بأنني يجب أن أحاكم لأنني لست وطنية ولأنني كتبت ذات يوم عن فيلم علي الأتاسي (بلدنا الرهيب) الذي حضرته في معهد العالم العربي في باريس، ولأنني كتبتُ عن الخوذ البيضاء، ولأنني.. لا أعرف بماذا خونني أيضاً. ومن المهم أن أذكر أن هذا الشبيح القذر من الطائفة المسيحية ولا يتطاول إلا على المثقفين والناشطين المسيحيين كي يثبت للنظام أنه مُخلص أكثر من إخلاص الكلب لصاحبه. وجاءت حادثة الصورة إياها (صورة اللحم مع كومة الأوراق النقدية السورية) لتبرهن لي أنه فعلاً في سوريا كل شيء هو خط أحمر، وأن الوطن كله صار أحمر بلون دماء الشعب السوري. وكم أحسستُ بالخزي حين أطلقوا شعار (ليرتنا عزتنا) ولم يجرؤ أحد على الاعتراض على هذا التعبير، أيه عزة هذه وقد انهارت تماماً ليرتنا وصار لفظ كلمة دولار خط أحمر فسماه الناس “الشو اسمو”. وتعجبتُ من كم الذل والخوف حين قرأتُ على صفحات سوريين هُجروا من حلب وإدلب وغيرها من المناطق الملتهبة في سوريا ويشكون من الفقر والغلاء الفاحش لأجارات البيوت في اللاذقية ووجعهم الكبير لترك مدنهم وبيوتهم التي دمر معظمها، هؤلاء الخاسرون المروعون كلهم كتبوا على صفحاتهم (ليرتنا عزتنا) وتمنيت لو أكتب: “ليرتنا عرّتْنا”، لكنني لم أجرؤ وكنتُ أعاني من وجع كتم الحقيقة وهو أقسى وجع يمكن أن يواجهه إنسان وأتحدى كل ما درسته في كلية الطب عن أن أقسى الآلام هي ألم حصاة في الكلية أو آلام الأسنان وأقدم براءة اختراع عشتها بأن أقسى ألم هو ألم كتم الحقيقة لأنني لم أجرؤ على كتابة ما أتوق إليه وأؤمن به بأن “ليرتنا عرّتْنا”، وصرنا عراة بالمعنى المجازي والحقيقي للكلمة، على أي عيش سأشهد!!
حين كتبتُ عن الجوع في سوريا تلقيت رسالة من مُدرسة في الرمل الفلسطيني والسكنتوري وهي من الأحياء الشعبية الفقيرة، وطلبت أن نلتقي وحكت لي كيف يأتي طلاب الابتدائي إلى المدرسة وهم بحالة دوار من الجوع، يترنحون من الجوع ولا يحملون حتى مجرد رغيف خبز، وتقوم المدرسة بالتعاون مع إدارة المدرسة بشراء الخبز والحلاوة أو اللبنة لأطفال سوريا الجياع، كيف سيفهمون الدرس وهم جياع!! كيف ستنمو عضلاتهم وعظامهم ودماغهم وهم جياع، ويبدو أن الكلام عن الجوع خط أحمر أيضاً، والدليل التهديد الذي وصلني لمجرد نشري صورة اللحم مع العملة السورية. كل شيء في سوريا خط أحمر. لكنني أؤمن بشرف الكلمة كما قال ألبير كامو وأجد أن من الخيانه والعار أن أكون شاهدة زور أو أن أكون يهوذا وأخون شعبي وهذا ما فعله الكثير من المثقفين للأسف. لقد عدت من باريس لأشهد. وقد كتبت هذه الشهادة والكهرباء مقطوعة منذ أربع ساعات ودرجة الحرارة 3 مئوية.
بواسطة Abdullah Al Hassan | فبراير 20, 2020 | Cost of War, غير مصنف
لم تعد مشاهد النزوح الجماعي السوري هرباً من الموت تلفت أنظار وسائل الإعلام الغربي أو استنكار قادة العالم، لقد أضحى السوريون رهينة لمصالح اللاعبين الأساسيين بكل ما تحمل الكلمة من فجاجة وقبح. منذ ديسمبر2019 نزح أكثر من مليون شخص من مناطق ومدن محافظة إدلب في أكبر موجة نزوح منذ تسع سنوات، حيث هربت آلاف العائلات من مناطق القصف والقتال من مدينتي معرة النعمان وسراقب وما حولهما، تبعها تدّفق آلاف أخرى من مدنِ وبلدات الريف الغربي لمدينة حلب باتجاه مناطق ”درع الفرات“ و”غصن الزيتون“ حيث سيطرة الجيش والحكومة التركية.
لكن لا مكان للهاربين من الموت، البرد قارص، وآلاف العائلات مبعثرة على طرقات المدن وأطراف البلدات، حيث يبيت معظمهم داخل الشاحنات والسيارات التي تضيق بركابها وما تحمله من متاع، ومن كان محظوظاً ويحمل قليلاً من المال دفعه مقدماً لإيجار بضعة أشهر بأسعارٍ لم تشهدها تلك المنطقة سابقاً. ما يزيد من قتامة المشهد غياب المجالس المحلية والمنظمات الإغاثية تماماً عن هذا المشهد المهول، فلا مراكز إيواء أو حتى رغبة بتقديم مكانٍ مخصصٍ لإيواء النازحين، وحدهم المتطوعون من الأهالي ومن الناشطين بعيداً عن منظماتهم ومجالسهم المحلية التي تخشى على تمويلها وتراخيص عملها في المنطقة التي تهيمن عليها منظمة إدارة الكوارث والطوارئ التركية “آفاد” (AFAD)، هم وحدهم من يناضلون في محاولةٍ لتلبية الاحتياجات التي أصبحت محصورة في إيجاد أماكن لنصب الخيام. أحد النازحين المسنين يشتكي” لا يسمحون لنا بأن ننصب الخيام في تلك المناطق، يدّعون بأنها أراضي تركية“، ويتابع بحرقة ”ما أعرفه بأن هذه أراضي سورية وليست تركية“، ويكتب قائد فريق ”ملهم التطوعي“ على حسابه الشخصي على الفيسبوك ”للأسف نحن لا نملك من أمرنا شيء، هناك قرار بعدم إقامة مخيمات في مدن شمال سوريا، بدون ضغط من أعيان هذه المدن لحماية أهلنا من المناطق النازحة. مدراء المنظمات يخافون على تراخيص منظماتهم، مدراء المجالس المحلية يخافون على مناصبهم، قادة الفصائل … نحن ممنوعون من إقامة مخيمات علي أراضينا!“
في المقابل يستنفر الجيش التركي ويزيد من تدفق عتاده وجنوده لرسم حدود جديدة داخل محافظة إدلب مدّعياً بأنها حدود متفق عليها مع الروس ضمن ”مذكرة سوتشي“ في 17 أيلول 2018، بينما تظهر ملامح تصادم بين الجيشين السوري والتركي غداة قصف سوري لقاعدة تفتناز الجوية مما أودى بحياة خمسة جنود أتراك، يقابله إسقاط مروحية للجيش السوري بواسطة صاروخ محمول على الكتف من قبل عناصر نقطة المراقبة التركية قرب بلدة دارة عزة بحسب التصريحات الروسية.
هناك غضب تركي واضح، تُظهره وسائل الإعلام التركية مع تصريحات نارية للمسؤولين الأتراك، حيث هدّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشن عملية عسكرية واسعة في سوريا، إذا لم ينسحب الجيش السوري من المناطق التي سيطر عليها مؤخراً إلى خلف نقاط المراقبة التركية في إدلب، فالحل بحسب إردوغان يتمثّل “بانسحاب النظام إلى الحدود المنصوص عليها في الاتفاقيات. وإلا فإننا سنتعامل مع هذا قبل نهاية فبراير“.
لم تكتفي الحكومة التركية بالتصريحات، فهي تعلم بأن الجيش السوري يتقدم بشكل يومي في ريف حلب الغربي وبالتالي لن تتمكن من إجباره على التراجع حتى لو توقف القتال، لذا فقد أرسلت الكثير من القطع العسكرية والجنود ليتمركزوا في ريف حلب الغربي وخاصة في محيط مدينة الأتارب، أكبر مدن ريف حلب الغربي، والتي يحاول الجيش السوري التقدم ليفرض سيطرته عليها.
لكن ما سبب كل هذا الغضب التركي؟ ولماذا تحاول روسيا خرق تفاهمها – بحسب الرواية التركية – مع تركيا؟
يعلم الروس جيداً وكذلك النظام السوري بأنّ تركيا تملك كل خيوط اللعبة في محافظة إدلب، وبالتالي بدون توافق تركي فلا حل نهائياً في الشمال، ولذلك كان الروس واضحين جداً بالتقارب مع الأتراك واغتنام حادثة الانقلاب الفاشل في يوليو 2016 لتحقيق ذلك، على الرغم من التوتر الذي حصل إبان إسقاط المقاتلة الروسية بواسطة قوات الدفاع التركية في 24 نوفمبر 2015.
لم يستطع الجيش التركي أن يتجاوز الحدود إلى الداخل السوري عندما كان الملف السوري بيد واشنطن، فلا حجة المنطقة الآمنة أو فكرة حظر الطيران، ولا حتى محاربة داعش سمحت للجيش التركي بالتوغل في الأراضي السورية ناهيك عن السيطرة على بعض المدن الحدودية والعبث فيها، وحده التوافق مع روسيا مكّنهم من ذلك ولا يزال، هي منافع متبادلة، فتركيا لديها أمنها القومي المهدد من تنامي قوة الأكراد في شمال سوريا، وروسيا لديها خارطة الحل المنحازة إلى جانب النظام السوري، ولا يمكن تحقيق كلا الأمرين إلا بالتوافق بين هاتين الدولتين، ولذلك كانت مؤتمرات أستانا أكثر فاعلية من كل مؤتمرات جنيف التي سعت إليها ونظمتها الأمم المتحدة.
هذا التوافق الروسي–التركي القائم على المنافع المتبادلة، والذي بدأ بتبادل مناطق للسيطرة، ثم تطمين الجانب التركي فيما يخص أمنه القومي من خلال إعادة تفعيل” اتفاقية أضنة “بضمانة روسية، ناهيك عن سيطرة الجيش التركي على منطقتي رأس العين وتل أبيض الواقعتين على الشريط الحدودي شرق الفرات، بدأ يصطدم بتعنتٍ تركي واضح بعد العملية العسكرية للجيش السوري في جنوب محافظة إدلب، والتي انتهت بالسيطرة على مدينة خان شيخون الاستراتيجية. حاول الجيش السوري حينها بدعمٍ روسي التوجه شمالاً نحو مدينة معرة النعمان ولكن الجيش التركي تحرك مسرعاً لوضع جنوده وعتاده جنوب مدينة معرة النعمان لإرغام الجيش السوري على التوقف، ليظهر الروس سخطهم عن طريق استهداف مقاتلة روسية لشاحنة صغيرة تابعة للفصائل المعارضة كانت تستطلع الطريق أمام الرتل التركي عند الأطراف الشمالية لمعرة النعمان، ولكن الرتل التركي تابع طريقه بعد توقف قليل ليؤكد على تماسك موقفه في سبيل وقف تمدد الجيش السوري عند هذا الحد.
بعد سيطرة الجيش السوري على مدينتي معرة النعمان وسراقب، بدأ الجيش بالتوغل في منطقة ريف حلب الشرقي باتجاه مدينة الأتارب، محاولاً الوصول نحو معبر باب الهوى الحدودي ليضع بذلك أغلب مدن وبلدات محافظة إدلب خلف ظهره في محاولة لإعادة السيطرة عليها بعد قطع خط إمدادها، لكن يبدو بأن الحسابات التركية مختلفة عن الحسابات الروسية المستعجلة لإنهاء ملف إدلب بشكل كامل.
لقد تعاملت الرئاسة الروسية بطريقة مراعية للمخاوف التركية حين قبلت بأن يكون الحل شرق الفرات أولاً قبل ملف إدلب، وذلك بعد قمة طهران الثلاثية في نهاية عام 2018، والتي نتج عنها تحركات عديدة لحل ملف شرق الفرات انتهى بانسحاب آني للقوات الأمريكية في أكتوبر 2019تاركةَ المجال مفتوحاً أمام دخول الجيش السوري ليتمركز في مناطق محددة في شمال شرق الفرات، وكذلك الجيش التركي ليسيطر على منطقتي رأس العين وتل أبيض الحدوديتين، وأيضاً انطلاق محادثات بين الجانب الكردي مع النظام السوري لحل ملف شرق الفرات والميليشيا الكردية. لكن يبدو بأنّ المخاوف التركية لا زالت موجودة على الرغم من ذلك، فالجيش الأمريكي عاد ليتمركز في أماكن تواجده السابقة في شرق الفرات من جديد، ولا نتائج حقيقية في الملف السياسي المتداول بين النظام والأكراد، وربما هذا يدعو تركيا لعدم التفريط بمحافظة إدلب، فهي كما وصفها الرئيس التركي في قمة طهران الثلاثية ”إن مستقبل منطقة إدلب لا يتعلق بمستقبل سوريا فقط، وإنما يتعلق بمستقبل تركيا أيضاً، وبالأمن والاستقرار في تركيا“، وبالتالي لا وقت للتنازل والمساومة، وغالباً هذه فرصة تركيا الأهم في تاريخها لضمان أمنها القومي المُهدّد من شمال سوريا وبشكل نهائي، ويبدو بأنها عازمة عليه.
وأيضاً هناك أمر آخر، ويبدو من الممكن البحث فيه، فمن الواضح بأن التوافق الروسي – التركي في سوريا يصطدم باختلاف مواقف كلا البلدين في ليبيا، حيث تدعم تركيا حكومة الوفاق الوطني بكامل ثقلها وإلى جانبها قطر وإيطاليا، حتى أنها سمحت بتدفق مقاتلين سوريين من الفصائل السورية التابعة لها للقتال إلى جانب حكومة السراج في معركة الدفاع عن العاصمة طرابلس، في حين تقف روسيا خلف المشير خليفة حفتر إلى جانب كل من مصر والإمارات والسعودية وفرنسا.
صحيح بأن الرئيسين الروسي والتركي اتفقا على وقف إطلاق نار في ليبيا، ولكن يَبدو بأنّ المشير حفتر قد تمرّد على القرار الروسي حين رفض التوقيع على الهدنة في موسكو ليستمر في القتال دون توضيح الأسباب الحقيقية إن كانت حركته تمرّد فعلي على القرار الروسي أم أنه بتوافقٍ ضمني معها. كل ذلك يشير إلى أن محافظة إدلب قد تكون منطقة موجعة للضغط على روسيا لتلبية مصالح تركيا سواء شرق الفرات أو في ليبيا، وبالنسبة لروسيا فإنّ إعادة السيطرة على كامل محافظة إدلب تعني بداية طي الملف السوري، خاصة بأن لجنة إعداد الدستور السوري قائمة والانتخابات الرئاسية على الأبواب.
في النهاية كلا البلدين يملكان الكثير جداً من المصالح المشتركة، والتي تجعل من تقاربهما أكبر بكثير من احتمال تباعدهما كما يأمل بعض السوريين، هي فقط مصالح تستنزف حاضر ومستقبل السوريين بعيداً نحو مكان وزمان قد لا يتسع لهم حتى لنصب مخيم إيواء داخل حدود بلادهم.