” لم يعد يجمعنا بهم إلا اللغة ويمكننا الاستغناء عنها بتعلم لغة جديدة جيلا بعد جيل،” هذا ما كتبه مثقف معروف على صفحته على الفيس بوك وما لبث أن حذفه لتناقض وقسوة التعليقات.
هذا القول يطرح قضية في منتهى الأهمية هي مسألة الانتماء والوطنية التي برزت من تداعيات وعقابيل الحرب السورية، خاصة بعد سقوط النظام البائد. قضية إشكالية قوّضت كل الشعارات التي كان يتغنى بها السوريون، تجلىّ ذلك بالدعوات التي انطلقت مؤخراً من مكونات ومناطق مختلفة في المجتمع السوري؛ من الأكراد والعلويين والدروز، تلك الدعوات التي توّجهت إلى دول وقوى دولية مختلفة بمضمون واحد تقريباً ورؤية جديدة للناحية الوطنية، إضافة إلى ما طرحه مؤيدو السلطة الجديدة من الطائفة السنية من توجه إسلامي يتخطى الوطنية.
هذه الدعوات لم تكن جديدة، فقد سبقتها دعوات مماثلة أطلقها أقطاب المعارضة لنظام الأسد منذ عام 2011، طالبت بنفس ما تطالب به الدعوات الآن؛ وكررتها على مدى سنوات الحرب ، كأن الأمر مجرد تبادل أدوار على ضوء تبدّل المواقع سياسياً وعسكرياً، فما كان يطالب به فريق المعارضة في بداية الأزمة وأثنائها حتى قبل سقوط نظام الأسد، صار يطالب به الفريق الآخر الذي صار في موقع المعارضة، رغم أنها معارضة ذات طابع مختلف، لا برنامج سياسي لها حتى الآن، معارضة رد الفعل لا أكثر.
الدعوات الأخيرة التي بيّنت هشاشة الحالة الوطنية السورية؛ انطلقت من مكونات المجتمع السوري، الطائفية والإثنية، ما يسمى الأقليات، تركزت على المطالبة بالفيدرالية كأسلوب لإدارة البلد، كما طالبت بالتدخل الدولي؛ إن كان على شكل حماية دولية وفق القانون الدولي، بقرار من مجلس الأمن، أو حماية دول معينة بغض النظر عن القانون الدولي، كما هو الوضع بالنسبة للأكراد الواقعين تحت حماية الأمريكيين و قوات التحالف الدولي، والدروز الذين ادعت إسرائيل حمايتهم، بينما العلويين لا يزالون يكررون دعواتهم، دون أن يستجيب لهم أحد حتى الآن.
رغم مطالبتها بالفيدرالية تؤكّد تلك الدعوات حرصها على وحدة سورية، لكنها وحدة تختلف عما كانت عليه؛ هي اتحاد فيدرالي بين أقاليم ذات إدارة ذاتية. لا يمكن إغفال أسباب هذه الدعوات وخلفيتها؛ التي تمثلّت بطروحات وشعارات استفزازية أطلقتها القوى التي سيطرت على السلطة والتي تمثّل الأكثرية طائفياً، وبالخوف من التعسّف والتهجير والقتل، خاصة بعد ما حدث مؤخراً من مذابح و تهجير في الساحل السوري وأماكن تواجد العلويين في الداخل، وأحداث العنف التي نشبت في جرمانا وأشرفية صحنايا والسويداء.
هذه الدعوات لا تقتصر على ما يدعى “الأقليات” ففي المقابل انطلقت دعوات لا تقل خطورة من الناحية الوطنية، نادت بها مجموعة من الأكثرية المتمثلة بالطائفة السنيّة، التي خرجت بمقولة عودة الأمويين، فدمشق برأيهم عادت لأصلها، دمشق الأقدم من الأمويين بآلاف السنين، حملت تلك الدعوة في طياتها شوفينية وتعالياً واضحاً وصل إلى حد التمييز العرقي والطائفي والتنمر وتمثّل في مقولة “الأمويون أصلهم ذهب” التي أتت على شكل أغنية أصبحت وكأنها نشيداً وطنياً وشعاراً لهذه الفئة من الشعب السوري.
في هذا الطرح إسقاط لكل ما هو وطني سوري واستحضار لخلافات قديمة سالفة وحساسيات تاريخية لا فائدة من طرحها، فالوطنية السورية الجامعة أشمل من أن تنسب لطيف واحد أو لمرحلة تاريخية بعينها.
يلتقي مع هذه الدعوة، خطاب السلطة الجديدة الذي أغفل ذكر مصطلح الوطن أو الوطنية في كل مفاصله وعلى كل المستويات، كما تجنّب مقاربة القضايا الوطنية كالجولان المحتل، واقتصر على التأكيد على وحدة سوريا، دون أن يعمل على تفكيك خوف وحذر المكونات المختلفة من توجهه الإسلامي المتشدد وراديكاليته المعروفة، عزّز ذلك بتصرفات وإجراءات كان لها أثر سلبي مما أعطى الدعوات للحماية الدولية والفيدرالية دفعاً وزخماً إضافياً.
لو استعرضنا ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي، والتعليقات والتفاعلات لتأكدنا أن هذه الدعوات لم تأت مخالفة للمزاج الشعبي لتلك المكونات، حتى لو أخذنا بالحسبان ما يسمى بالذباب الالكتروني. قرأنا منشورات كثيرة وتعليقات تؤيد ذلك وتؤكد عليه مثل: “إلى اللقاء في جغرافية أخرى،” و “لم يعد يجمعنا بلد واحد، إنها كذبة طويلة،” و “لا يمكن أن أكون في بلد واحد مع من يعتبرني كافراً.” وفي سياق التداول الشفوي كان الأمر واضحاً ويُعبّر عنه بصراحة ووضوح بمقولات مثل “لم يعد يجمعنا بهم شيئاً،” و”سوريا صارت من الماضي،” و “سوريا الله يرحمها.. بح،” و”بقاؤنا وحفظ رقابنا أهم من بقاء سوريا موحدة”….
ذهبت بعض الدعوات إلى ما هو أبعد من الفيدرالية، التقسيم بقيام دول منفصلة، مستحضرين سوابق تاريخية لقيام دول في سوريا على أساس ديني أو عرقي، مرددين أن سوريا في تاريخها لم تكن موحدة كما هي عليه الآن إلا في بداية العهد الأموي و بعد الاستقلال استمراراً حتى الآن.
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً تحريضياً باستحضارها السابقة التاريخية القريبة لتقسيم سوريا تحت الانتداب الفرنسي، فنشرت خرائط دويلات ذلك التقسيم ووثائق بأختام تلك الدويلات. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل رأينا تصورات متعددة لخرائط الدويلات المزمع إقامتها جراء التقسيم، بعضها نسب إلى البنتاغون وبعضها الآخر إلى دول لديها مصالح في سورية، بينما نسبت خرائط مختلفة لمراكز أبحاث ودراسات. سوّقت تلك الخرائط بطريقة يبدو فيها أن الأمر بات وشيكاً وأن المسألة مسألة وقت لا أكثر، ولا مناص من ذلك.
طرحت أسماء دول عديدة في سياق تلك الدعوات: روسيا، فرنسا، تركيا، وحتى إسرائيل، التي استهجن الكثيرون التوجه إليها، لكننا لو عدنا بذاكرتنا إلى بداية ثمانينيات القرن الماضي، حين دخلت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان، ولاقاها الكثير من الجنوبيون بالترحاب وبنثر الأرز والياسمين والورد عليها لبطل الاستغراب، وقد كان لهم أسبابهم بذلك حيث عانوا ما عانوه من الفصائل الفلسطينية التي كانت منتشرة في الجنوب، وهو ما جعلهم يهللون لمن سيخلصهم منها، الجنوبيون نفسهم صاروا فيما بعد ألد أعداء إسرائيل.
الحالة الأخطر التي بدت فيها الوطنية السورية في الحضيض، تجلّت في التهليل للضربات الإسرائيلية على سورية، والتي دمرّت كل مقدرات السلاح السوري، وطالت مؤسسات علمية بحثية ومدنية كالأحوال الشخصية والهجرة والجوازات وغيرها.
هنا رأينا أيضاً تبادل أدوار غريب، فحين كانت إسرائيل تضرب مقدرات الجيش المنحل، هلّل لها مؤيدو السلطة الجديدة، وحين بدأت تشن غارات على أماكن تمركز فصائل تابعة للسلطة الجديدة هلّل لها بقية المكونات…
على مدى ثمانين عاماً تغنّى السوريون بوطنيتهم بطريقة أقرب للشوفينية، لا بل بقوميتهم العربية واعتبروا دمشق قلب العروبة النابض، مرددين شعارات: سورية مهد الحضارة، أم الأبجدية و غيرها… لكل إنسان وطنان؛ وطنه الأم و سوريا… أـذكى ذلك وعززّه حكم البعث الذي كان يغالي في المناداة بالقومية العربية والوطنية السورية لدرجة يمكن اعتبارها ميزة تجعل السوريين فوق شعوب أهل الأرض جميعاّ، علينا أن نتذكر الأغاني والشعارات التي كانت تسوّق ذلك عاطفياً: “أنا سوري يا نيالي،” و”سمعت الشمس تهمس همس صباح الخير سوريا،” إضافة إلى المسلسلات والأفلام التي ينتصر فيها السوريون دائماً.
هل كان ذلك وهماً؟ أم أن صدمة التغيرات الأخيرة أدت إلى ردود أفعال طالت المسألة الوطنية، وهي رود أفعال مؤقتة؟
في الحالتين تبدو سوريا الآن وطنا يحتاج إلى إعادة بناء.
الكلمة نفسها؛ تستخدم لوصف جرح بسيط في اليد أو لمخاض الولادة، يمكن ربطها بالصداع الطفيف أو بألم الأسنان الشديد، قد نستعملها لتجسيد حرق سطحي من الدرجة الأولى أو للنوبات القلبية الحادة!
كسوريين، ندخل عامنا الرابع عشر للحرب، نسأم من كلمة “مؤلم” التي لم تعد تُسعفنا لنعبّر عن مختلف أوجاعنا الجسديّة والنفسيّة، نستحضر تفاصيل ذاكرتنا المُتخمة، نطرق أبواب اللّغة بأيادٍ شققتها الحرب، لكن أجسادنا المنهكة تنقاد نحو أدبيات جديدة لتروي حكايتنا.
الأجساد تتكلم
“حاسة في هدير براسي، متل هدير الطيارات”، تتذكر نور (اسم مستعار) الكلمات بصورة مشوشة في عيادة طبيب الأمراض الداخلية في بلدة “زملكا” بريف دمشق الشرقي، حين تستحضر الأعراض التي تعاني منها.
تنشج بحرقة وألم فيما تغطي وجهها بكفيها، تتلعثم حين تتابع بكاءها، ثم ترفع رأسها وتتشاغل بتقليب منديل ورقي بين يديها، تسود برهة من الصمت قبل أن تنطق: “كنت خاف من الطيارات، صارت الطيارات جوا راسي”.
يؤكد الفحص السريريّ كما يقول الطبيب (ش. ن) أخصائي الأمراض الداخلية أن (نور) تعاني من صداع مترافق مع ارتفاع ضغط الدم، لكنها تصف الصداع الذي تعاني منه بعبارة “يشبه هدير الطائرات”، فيما يشير المرضى عادةً إلى هذا العرض بكلمة “طنين”.
خاضت (نور) كما الكثير من السوريين تجارب صادمة ومؤلمة تسبّبت بها الحرب الدائرة في البلاد، أثرّت بشكل مباشر على أدبيات لغتنا كضحايا حرب، وحوّرت طرقنا ومفرداتنا في التعبير عن الآلام والأوجاع.
يقول الطبيب (ش. ن) إن عمله كطبيب أخصائي مع جمعية أهلية سورية (نتحفظ عن ذكر اسمها بحسب رغبة الطبيب) في بلدتي “زملكا” و”سقبا” في غوطة دمشق الشرقية؛ قد جعله على احتكاك مباشر مع ضحايا الصراع العسكريّ الدائر على مدى أكثر من عقد من الزمن في هاتين المنطقتين اللتين شهدتا حصاراً عسكريّاً امتدَّ لنحو خمس سنوات.
يستعرض الطبيب ملاحظاته عن تغيير واضح في المفردات التي يستخدمها المرضى اليوم للتعبير عن الأعراض الجسديّة التي يعانون منها، واستخدامهم لمصطلحات مستوحاة من الحرب للتوصيف رغم انتهاء الصراع العسكريّ ميدانيّاً، مثل “حاسس راسي رح ينفجر”، “في صوت هدير طيارات براسي”، “في ألم حارق وكأنّ في شظايا اخترقت جسمي”، “كأنّ قنبلة عم تنفجر بداخل بطني”، وبالتحديد في المناطق التي عانى سكانها بشكل مباشر من مواجهات عسكريّة ميدانيّة مروّعة.
تضليل التشخيص
يشير الطبيب (ش. ن) إلى أنّ استخدام المرضى لهذه المصطلحات أثناء أخذ قصتهم السريرية قد يؤثر بشكل مباشر على تشخيص الطبيب، فمن المحتمل أن تبعد هذه المصطلحات الطبيب إلى حدّ ما عن التشخيص الصحيح للأمراض العضويّة كالضغط ونقص التروية وتوجهه أكثر نحو الاضطرابات النفسيّة، سيما مع إمكانية إغفال المريض عن ذكر بعض الأعراض المرافقة مثل تسرّع القلب أو اللّهاث أو ضيق التنفس.
ويؤكد الطبيب (ش. ن) على ضرورة قيام مقدمي الرعاية الطبيّة بشكل عام وفي المناطق التي تعرضت لمعارك عنيفة واشتباكات عسكريّة بالاستقصاءات الطبيّة اللّازمة كالتخطيط الكهربائيّ والإيكو والتحاليل للتشخيص، وبعد نفي هذه المشاكل العضويّة التوجه للاضطرابات النفسيّة، مع أخذ تأثير الحرب على سلوكيات المرضى ولغتهم وتوصيفهم بعين الاعتبار.
جغرافيا
من جانب آخر، يبدو أن هذا التغيير السلوكيّ يرتبط بشكل وثيق بجغرافيا البلاد، وتباين شدّة الصراع الدائر على اختلاف المناطق، حيث تنفي الطبيبة أخصائية الأمراض العينية، وفاء الحسن، مصادفتها لأيّ تبدل بمفردات الشكايات الطبيّة عند مرضاها في منطقتي “جرمانا” و”السيدة زينب” بريف العاصمة الجنوبيّ، واللتين لم تشهدا مواجهات عسكريّة ميدانيّة على الأرض.
توضح (د. وفاء) في حديثها معنا أن تعرض المريض لأهوال الحرب قد يدفعه ليسقط ألمه النفسيّ على ألمه العضويّ لكي يصف أوجاعه، بمعنى آخر يجسّد المريض ألمه النفسيّ جسدياً. وتشرح أكثر: “نقوم بأخذ القصة السريريّة للمريض للأعراض التي تهمنا في اختصاصنا، كالسوابق المرضيّة، الأدوية، العمليات الجراحيّة السابقة، العوامل التحسسية، الشكاية، والأعراض التي يعاني منها المريض، ثمَّ نقوم بجمع هذه المعلومات ونقاطعها مع كلّ من فحصنا السريريّ والاستقصاءات الطبيّة الإضافية كصور الأشعة والتحاليل وغيرها لنصل للتشخيص الصحيح وهذا ما يسمى بـ “دراسة الحالة”، ولا نكتفي فقط بأخذ القصة السريريّة”.
وعن تأثر التشخيص الطبيّ باستخدام المريض لهذه المصطلحات، ترى (د. وفاء) أن التشخيص الطبي لا يتأثر في حال قام الطبيب بالاستقصاءات الطبيّة المطلوبة، ومقارنة نتائج دراسة حالة المريض مع المصطلحات التي يستخدمها لوصف الألم، وبشكل عام من المهم جداً أن تتكامل القصة السريريّة مع الاستقصاءات والتشخيص من قبل مقدمي الرعاية الصحية.
“جسدنة الألم”
في كتابها “الحرب اليوميّة” الصادر عام 2023، تستعرض الباحثة (غريتا لين أولينج) اللّغة المتجسدة التي يستخدمها الأوكرانيين من ضحايا “الحرب الروسية الأوكرانية”، وتوضح أن ذكريات الضحايا لا تُفقد بالضرورة، بل في كثير من الأحيان تتجسد في شكل أحاسيس جسديّة، وقد يجد الناجون أنفسهم يلجأون، بوعي أو بغير وعي، إلى طرق مختلفة لوصف تجاربهم.
وبحسب (يولينغ) فإن الضحايا يروون قصصهم من خلال الإشارة إلى التغيرات الجسديّة التي مروا بها، ويسمّي علماء النفس هذا الأمر “الجسدنة”: عندما يعبر الضيق العقليّ والعاطفيّ عن نفسه جسديّاً.
اللغة تمتلك جسداً “لبيساً”!
يشير اختصاصيّ علم الاجتماع الإعلاميّ، ماهر الراعي، في حديثه معنا إلى أنّ هذه الظاهرة هي ظاهرة طبيعية جداً بل متوقعة بغض النظر عن الجغرافيا المحددة، فحتى المناطق التي لم تتلق ناراً مباشرة من الحريق السوريّ الكبير لم تنجو من تسرب لغة الحرب الى قاموس أفرادها.
يتابع الراعي حديثه: “اللّغة تملك جسداً لبّيساً، من السهل أن تحضر مفردات الحرب أو مفردات أي ظاهرة بمجرد عايشها البشر لفترة مهما قصرت فمثلاً كارثة الزلزال الذي ضرب سوريا مؤخراً وانتشار لغة التحليل العلميّ سربت عدة مفردات إلى لسان الناس يستخدمونها بمقامات ومواقف غير ذات صلة بقضية الزلازل والكوارث كأن يقول جاري لصديقه: (جايبلك دخان عربي تكتوتني)، أو شاب يصف صبية مرت بقربه: (هلا فهمت ليش “فرانك” بضل يتوقع زلازل تضرب منطقتنا…)، فما بالنا بسنوات طوال من العيش قرب تفاصيل الحرب والاقتتال السوريّ”.
ويردف: “عادة ما أراقب ملامح الأطفال حين يستمعون بقصد أو بغير قصد إلى أحاديث الأهل وأكاد أجزم أنّني كنت ألمح بدقة جهاز “الإيكو” كيف تستطيع مفردة “شهيد، أو فطيسة، أو شظية، أو جريح، أو انفجار، أو كمين أو أو”.. كيف كانت تتموضع في رؤوس الأطفال الصغيرة.. ولا بد أن هذا القاموس سيتم استخدامه لاحقاً فالانسان بالعموم كسول فيما يخصّ الاستخدام اللغويّ إذ عادة ما يستعير مفردات وينقلها بين الميادين ما إن يشعر أنّها صالحة للتعبير والإفصاح، لكن وعلى الرغم من كلّ هذا وعلى الرغم من الحضور الطاغي للغة الحرب إلا أنّني أظن أنّها لن تستمر طويلاً فيما لو خرجنا من الحرب -وهذا مجرد تخمين أستند فيه إلى اعتقادي بأن العقل يملك آلياته وأساليبه لنفض ما يؤذيه من الذاكرة كنوع من التعافي وبذلك سيلعب لعبته بتناسي هذه المفردات وإقصائها من الاستخدام بشكل لا شعوري”.
انتهت الحرب أم لم تنته، لا يهم، عالمنا الداخلي والخارجي قد تغير بالفعل، صبغتنا الحرب بالدم والبؤس، وأطبقت على لغتنا كما أعناقنا، صارت آلامنا قنابل تتفجر وطائرات تهدر وشظايا تتطاير عند أول منعطف!
يكتبُ الروائيّ السوريّ مازن عرفة (1955) نصّه بحرارةٍ تُشعلها الذاكرةُ ويطاردها الخوفُ وتُشتّتها السورياليّة المُطلقة. هذا ما نتلمّسه في أعمالٍ سابقةٍ له مثل “الغرانيق” و “سريرٌ على الجبهة” وصولاً إلى أعماله الجديدة “الغابةُ السّوداءُ” و “داريّا الحكاية”؛ يُمعن “عرفة” في تقديم مشاهداته السوريّة من بوّابة تجربته الذاتيّة ومحاكاته لواقع عايشه بالتفاصيل، ومرَّ عبرهُ بقسوة، ربّما احترق فيه ولم يُعد حتى الآن، لذلك لازال إنتاجه الأدبيّ عن سوريا دون تردد.
ثمّة فروق نقديّة توقّفنا عندها مع جديده اليوم، مثلاً حجم النصّ في كلّ رواية وأسلوبها ومعمارها الفنيّ. هناك تجريبٌ سرديٌّ لا ينتهي، ربّما مُشتّت، وآخرُ سبق وأن اختبرهُ قبل أعوام في أعمال سابقة. يتميّز صوته الروائيّ بزخمٍ مضطربٍ من الصور واختلاط الواقع بالحلم حتى حدود غير معقولة من الخيال والألم.
صدر للكاتب مؤخراً رواية “الغابة السوداء” (منشورات رامينا – لندن 2023)، ورواية “داريا الحكاية” (منشورات ميسلون – باريس 2023) واللتان كانتا “رواية واحدة، وجهين متقابلين متشابكين لعوالم “البلاد” وعوالم “الغربة”، حسب ما قال “عرفة”، وللمزيد حول ذلك أجرينا معه الحوار التالي:
عمر الشيخ :هناك تداخلٌ ما بين وقائع شخصيتك الحقيقية، والشخصية التي تعيش صراعات “الغابة السوداء”، مثلا تذكر دراستك في بولونيا وبعض التفاصيل التي يمكن الوصول إليها ببحث بسيط عن سيرة حياتك الحقيقية، كأنك تحاول اقتراح حياة تبحث عنها أو عشت شيئاً منها، ألا ترى ذلك ضُعفاً في التجربة يستنزف قصص “الأنا” حتى الرمق الأخير؟
مازن عرفة: أستخدم في جميع رواياتي “الأنا ـ الراوي”، وهي مفضّلة لي بدلاً من “الراوي. العالم”، لأنّها أكثر قدرة على التعبير عن المشاعر والعواطف والتجارب الشخصيّة، وهي ترتبط عميقاً برؤيتي للحياة، وطريقة التعبير عنها. الحياة هي بالنسبة لي رواية (أو بالأحرى مزيج من الرواية/ الفيلم)، وأنا أعيشها كما لو أنّني في قلب شكل من “المُحاكاة الإلكترونيّة”، يُختزل فيها دور “الإرادة” إلى أشكال من “الاستيهامات” و”أحلام اليقظة”ـ سواء على المستوى الفرديّ أو الجمعيّ.، مقابل نوع من “الحتميّة الخفيّة” المتحكمة بنا (“العولمة”، خاصة بشكلها “الاستهلاكيّ الاقتصاديّ. الثقافيّ”، و”شبكات التواصل الاجتماعيّة الإلكترونيّة”، و”احتكارات الأسلحة والمخدّرات والجنس” العابرة للحدود بكافة أشكالها، وليس آخرها “الماورائيّات الدينيّة”).
أحاول دائماً عبر هذه “الأناـ الراوي” تسجيل تفاصيل الحياة اليوميّة، لكنّي أتركُ الفانتازيا تلعب بالوقائع، باستخدام مزيج من “الواقعيّة السحريّة”، و”السورياليّة”، و”الكوميديا السوداء”، الأقدر على التعبير عن “استيهاماتنا”، و”أحلام يقظتنا”. لذلك، يُسيطر الشكل “الأوتوبيوغرافي. الفانتازيّ” على ما أكتبه، وهو ما يتوسع دائماً بآفاق تجربتي الإنسانيّة، في تنوعات الزمان. المكان.
إضافة إلى ذلك، لا أجد في “الأناـ الرواي” أيَّ ضعف أو استنزاف لديّ، فهي تمثيل لـ”الأنا الجمعيّة” بغناها، التي تتمزّق وتتبعثر باستمرار في مجتمعاتنا العربيّة إلى عشرات الشخصيات. تعود هذه “الانفصاميّة التعدديّة”ـ مثلاً في المجتمعات السوريّة، والعربيّة الشبيهةـ إلى أن الفرد هو نتاج مجموعة من البُنى المتشابكة؛ سياسيّةـ اجتماعيّةـ تاريخيّة. وتتمثل بـ”الاستبداد الشرقيّ البطريركيّ”، “والعسكرة الأمنيةـ الستالينيّة، و”الذهنية الدينية الدمويّة المتوحشةـ الجّهاد”. هذه البُنى تجعل من الفرد الواحد ممزقاً بالكامل إلى عدّة شخصيات، تحدّد هويتهُ المُتقلبة بينها؛ الظروف المتغيّرة، فيلعب في الوقت نفسه أدوار الازدواجيّة لثنائية “الديكتاتورـ البطل الثوريّ”، أو “الجلادـ الضحية”، أو “الطائفيّ. العلمانيّ”، على سبيل المثال، مع القدرة على تلّبس أيّة شخصية منها، واقعياً، حسب الظروف التي يعيش بها.
عمر الشيخ :إلى أيّةِ درجةٍ تعتقدُ أنّ النجاة-الآن، ومأساة-الماضي، هي فرص حياتيّة تُتيح مساحة آمنة للحكاية التي تريد تتويجها كتاريخ ربّما أو كـ توثيق فنيّ للألم السوريّ على طريقتك الأدبيّة؟
مازن عرفة: تنتظم جميع رواياتي في إطار “الحكاية السوريّة”، بمعناها الواسع، أينما يعيش السوريّ، بما فيه عالم المنافي. في العادة، تبدو العودة إلى الماضي نوعاً من “النوستالجيا المرضيّة” ـ بالنسبة لي، ما بين أربعينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث عشتُ طفولتي وشبابي، قبل انتشار الشكلين المتوحشين لـ”العسكرة” و”المدّ الدينيّ، الوهابيّ خاصة”ـ، إذ ينبغي للمرء أن ينظر للمستقبل بآمالٍ متجددةٍ. لكن عندما أنظر للمذبحة السوريّة الحالية، بآلام الحاضر وسوداويّة المستقبل المجهول أمامنا، أضطر للعودة إلى ماضي حياتنا ببساطتها، سواء الريفيّة أو المدينيّة. لا يكتفي كلٌّ من “البوط العسكريّ” والسيف الإسلاميّ” بتشويه سرديّة حكاياتنا؛ بل ويسعيان إلى خلق ترهات جديدة تلغي بساطتها وجمالياتها الإنسانيّة. لذلك، فالتوثيق الروائيّ لـ”الحكاية السوريّة”، على طريقتي بالفانتازيا، تجعلها عابرة لـ”الزمان ـ المكان”، كنوعٍ من مقاومة “الذاكرة الجمعيّة” ضدّ العبثيّة المتوحشة التي نعيشها!
عمر الشيخ :ما بين فصلي “الصور” و”المتاهة” حتّى النهاية؛ يُلاحظ في روايتك “الغابة السوداء” أن هناك انفلاتاً مفاجئاً من تجميع خطوط الحكاية عبر الشخصيات المحيطة بالشخصية الرئيسية التي تحكي بضمير المتكلم (أنا)، وتقذف بالقارئ إلى هلوسات لا تنتهي بين الماضي السوريّ والحاضر الألمانيّ، ألا تخشى على شكل معمار روايتك من التشتّت؟
مازن عرفة: بالعكس، التشتّت ليس في بنية الرواية، وإنّما في حياة “المهجر السوريّ”، وهذا ما أحاول أن أعكسه بكتاباتي. لا تنس أن هناك ما لا يقلُّ عن ثلاثة عشر مليون مهجر خارج سورية، وعدداَ آخر كبيراَ داخلها. وبالأصل كلّ منّا يعيش “المنفى” في داخله، سواء كان فيها أو خارجها. لكنّ الأزمات النفسيّة تتراكب لدى كلّ منا كمُهجرين، خاصة إلى أوروبا، تلاحقنا “كوابيس المذبحة السورية” ليلاً، لنستيقظ على كابوس نهاريّ آخر، مرتبط بضياع ذواتنا في مجتمعات نفتقد فيها الحميميّة الشرقيّة. نحن نعيش الحنين إلى “الحكاية السوريّة”، لكنّه تمّ تدمير أُسسها الماديّة! وإذا عدنا، لن نجد بيوتنا ومراتع ذكريات طفولتنا وشبابنا. وفي الوقت نفسه نحن نعيش في أوروبا دون “حكاية”، في حين أن أطفالنا سيبنون حكاية شخصية لهم؛ ألمانيّة، فرنسيّة، سويديّة…إلخ، أي حكاية سيقتلعون فيها بالكامل من جذورنا.
“ظلمة الغابة السوداء” تعيش في ذواتنا، على طريقة “جوزيف كونراد” في روايته “قلب الظلام”، التي نُشرت في نهاية القرن التاسع عشر، وأعادها فرانسيس كوبولا فيلماً “القيامة الآن”، في نهاية القرن العشرين. ومع أنني أستقي فكرة الظلمة من هنا، إلا أن “الغابة السوداء” لدي تصبح “الغابة المُنيرة”، عندما نتخفف من آلامنا بروايتها حكاية. والحكاية تعني الذاكرة والجذور، وبالتالي التماسك قدر المستطاع في وجه التشتّت والتمزق.
عمر الشيخ :هناك مسرحةٌ سورياليةٌ في الجانب الخاص بهلوسات بطلك في رواية “الغابة السوداء” وكأنّنا نتلمس نوعاً من “أدب الشواش” هنا. برأيك إلى أي حدّ يمكن للكاتب إعادة تدوير “ثيمة” الأحداث بما أنك تناولت حالة “الشواش” في روايتك السابقة “الغرانيق” بشكل كبير أيضاً؟!
مازن عرفة: في “الغرانيق” كانت شخصية “الأناـ الرواي” أكثر من مشوشة، كانت متقلبة بانفصاميّة متشظيّة، بسبب عدم القدرة على اتخاذ موقف. كان هو “الشاب الثوريّ العنيف”، الذي سيتحول بظروف القمع إلى “إسلاميّ متشدد”، وفي الوقت نفسه هو “الزعيم الجنرال الديكتاتور”، و”المثقف الانتهازيّ المتقلّب”؛ جميعها وجوه لفرد واحد، حسب الظروف التي يعيشها. تطورات “الثورة السوريّة”، والعنف الدمويّ والتهجير الديموغرافيّ الذي سيرافقها… كلّ هذا جعل من الصعب اتخاذ مواقف حاسمة فيها، ناهيك عن لعبة “الضحيةـ الجلاد” المتبادلة لدى الفرد نفسه. المهجر السوريّ في “الغابة السوداء” يعيش واقعاً جديداً، فبالإضافة إلى تمزقاته التي يحملها في داخله من البلاد، ستنمحي شخصيته بالكامل (وبالتالي هويته)، في “اللا بلاد”؛ في مجتمعات مريعة، تفتقد الحميميّة والدفء الإنسانيّ والتكافل الاجتماعيّ في بنيتها، بعكس ما اعتاد عليه كشرقيّ. ويتحول بعد اقتلاعه من جذوره إلى أكثر من مُهمش، إلى مسحوق بالوحدة المُريعة، دون أن يستطيع الاندماج بما حوله، وتتحول حياته إلى عالم من الهلوسات مرتبطة بتمزقاته، وكأنّه يعيش في “محاكاة” مرعبة. نحن نعيش الشّواش والتمزق والضياع و”المنفى” في داخلنا أصلاً، لكنّها تزداد حدة في مجتمعات الغربة. ربما تلملم “حكايتنا” بعضاً من ذواتنا، وتعزز “الذاكرة الجمعية” كهوية، تصمد في وجه غربة نفوسنا، سواء كنا في البلاد أو خارجها.
عمر الشيخ :تبدو رواية “الغابة السوداء” تجربة أكثر اختزالاً عن رواياتك السابقة، من حيث الحجم وأسلوب البناء الأدبي وتكثيف الصور والجمل القصيرة، ووحدة الموضوع، وهي تعكس واقعيّة سحريّة من النوع المأساويّ، ولفتتنا جملة تقول “ماذا يعنني الاسم والهوية إذا لم ألتقِ أحداً كي أعرف عن نفسي؟” هل تعتبر تلك النظرة تبشيراً بالعدميّة الممتدة من سوريا إلى السوريين في لجوئهم؟
مازن عرفة: أعتمد في روايتي دائماً على عنصري “الغرابة” و”إثارة الدهشة”، في إطار عوالم مجنونة. في البداية، كنت أستفيض في الوصف رغبة في إيصال تفاصيل حياة يوميّة مُحددة. لكن في روايتيّ الأخيرتين؛ “الغابة السوداء”، و”داريا الحكاية”، وبسبب كثافة “الهلوسات” و”الكوابيس” و”اللّامعقوليّة”، التي تميزهما، وجدتُ أنّي بحاجة إلى تكثيف “المعنى” في كلمات جمل قصيرة، إنّما بطريقة شاعرية، تسمح بانفتاح المعاني على “استيهامات” مُتعددة. وقد تَطلّب هذا تطوير طرق التعبير الأدبيّ المكثف لدي، بحيث تقترب بعض النصوص فيهما من شاعريّة كثيفة، وأدى هذا إلى اختزال النص. لكن هذا لم يحدث عفوياً، ففي الأصل كانت كلتا الروايتين الأخيرتين رواية واحدة! وجهين متقابلين متشابكين لعوالم “البلاد” وعوالم “الغربة”. واضطررت إلى فصلهما بسبب إشكاليات النشر. رغم أن أوروبا تحترم “تعدّد الثقافات”، ضمن مفاهيم “حقوق الإنسان”، إلاّ أنّه في نهاية الأمر يبدو أن مفهوم “اندماج المهجر” يتطلب عملياً التحول إلى “برغي في ماكينة العمل الضخمة” لديها، والانغماس في “رتابة الحياة وإيقاعاتها السريعة”، ضمن تعقيدات مجتمعات عولمية متقدمة. وبالضبط من أجل هذا تستقبلنا أوروبا، وهي تفكر باحتياجاتها الاقتصادية. وإذا كان جيلنا يعاني تمزق “الهوية” في مجتمعات غريبة بالكامل، بعيداً عن حميميتنا الشرقية، فماذا سيحصل مع أجيالنا التالية، التي لن تتذكر سورية التي نعرفها، خاصة في ظل احتلالات يبدو أنها طويلة الأمد؟ ربما يحاول كلّ منها فرض قيمه الخاصة، بالارتباط مع تغيير “البنية الديموغرافية” فيها. هل ذلك عدمية، أو واقع…؟
عمر الشيخ :لاحظنا وجود صراع أخلاقيّ لدى البطل في تبرير سلوكيات أصدقائه في مجتمع منفتح مثل ألمانيا، وشيئاً من الإضاءة على “ازدواجيّة المعايير”، “العنصرية”، “التطرّف”، “فوبيا الدين”.. وتفكيك مفرداتهم وقصصهم وظهوره كضحية إلا قليلاً! أضف إلى أنّه على نحو ما يبدو رومنسياً بشكل غير معقول، هل تريد الإشارة إلى مدى السذاجة التي تعاني منها الشخصية السورية في المنفى؟
مازن عرفة: شخصياً أعد نفسي مواطناً أقرب إلى “الكوزموبوليتانية” بثقافات متعددة؛ “عربية”، و”فرنسية” و”بولونية” (عشت في بولونيا ما يقارب ستة أعوام)، والآن “ألمانية”، فلا أجد أي مشكلة لي في مجتمع غريب. لكن أفكر بجيل المهجرين السّوريين، خاصة الذين تجاوزت أعمارهم الأربعين، الذين قدم معظمهم إلى بلد أوروبي لأول مرة، يحملون في لاوعيهم “ما ورائياتهم الدينية”، و”نرجسياتهم وخيلائهم الشرقيّ” المرتبطة ببنى “ما قبل الحداثة”؛ “الطائفة” و”العشيرة” و”العائلة”، والأهم “اعتيادهم على الانفلات من القانون” في مجتمعات “الفساد العربيّة”. مثل هؤلاء سيصطدمون بشكل مريع بقيم مخالفة لهم ومستفزة؛ “سيادة القانون”، “المجتمعات اللادينية”، “ممارسة الجنس فيما قبل الخامسة عشر”، “مجتمع (الميم) بعوالم المثليين والمتحولين جنسيّاً”، “شرعنة تدخين الحشيشة”، “منع الأهل من ضرب الأطفال”، “حرية اتخاذ الأولاد قراراتهم، والانفصال عن أهلهم بحماية القانون”… هم لا يستطيعون منع جيل أطفالهم من الاندماج في هذه الحياة، ولا يسعهم سوى أن يتمزقوا، ولا يبدو الموقف عندئذ “موقف أخلاقيّ” أم لا. أنت أمام مجتمعات استقبلتك بكل احترام كـ”مهجر حرب” وقدمت لك المأوى والأمان وفرصة العمل الكريم، وهو ما افتقدته في بلدك، فماذا تفعل أمام قيمها الاجتماعيّة المغايرة.
عمر الشيخ :“داريا الحكاية” كانت تتسلسل ببداية ممتعة عن تفاصيل سورية عريقة في تاريخ المجتمع وعاداته وتقاليده، ما لبثت الرواية إلى أن تحولت إلى ساحة حرب، هل تحاول أن تظهر لنا بساط الحياة التي كانت وانقلابها مع وجود العسكر في السلطة؟
مازن عرفة: ليس فقط وجود العسكر في السلطة، وإنّما أيضاً انتشار المدّ الإسلاميّ، برمزيتهما معاً “البوط العسكريّ”، و”السيف الإسلاميّ”؛ وجها القمع للعملة نفسها، خاصة منذ سبعينيات القرن الماضي. في جميع رواياتي، أحاول إعادة إحياء “الحكاية السورية” بجذورها، ليس كـ “نوستالجيا”، وإنّما في مواجهة “التشويه” الذي نالها من هذين الطرفين. في بداية “داريا الحكاية” استخدمت شكلاً من “الواقعية الشعريّة” لوصف حياة الناس البسيطة، قبل “عسكرة البلاد” بشكل شمولي. لكن، بالوصول إلى حاضرنا مع “الربيع العربيّ” وتداعياته المأساويّة، لجأتُ إلى نوع من “سوريالية اللّامعقول”، وهو ما لا يمكن وصف ما حدث فعلاً في الواقع إلا بها. يُضاف أنّه بواسطتها يمكن الذهاب من الخاص إلى العام، لتشمل ليس فقط المناطق السورية الأخرى، وإنّما أي مكان أو زمان تنتهك فيه كرامة الإنسان بوحشية الحروب ومجازرها.
عمر الشيخ :شعرنا في “داريا الحكاية” بالكثير من الاضطراب بسبب كمية الكره نحو شريحة اجتماعية تنتمي لها سلطة النظام في سورية، ألا يخيفك هذا الانحياز بوضع كلّ من ينتمون لتلك الشريحة بأنهم متهمون أيضاً، حتى لو لم يوافقوا على إرهاب تلك السلطة وأفعالها؟
مازن عرفة: ليس اضطراباً، وإنّما مواجهة واقع حدث فعلياً، حتّى نفهم كيف تطورت الأمور لاحقاً، بهذا العدد الهائل من القتلى والمعوقين والمهجرين المشردين، بما فيه مشروع “التغيير الديمغرافيّ” في سورية، وهو ما يتم الحديث عنه بالملايين بلغة الأرقام. استغلت السلطة الديكتاتوريّة العسكريّة التجييش الطائفيّ في قمع سلمية “الربيع العربي”، وهو ما أدى إلى ظهور “الأسلمة” بوجهها الوحشيّ ضمن ظروف إقليمية ودولية معقدة. وبالتأكيد، لا ينبغي تعميم رموز القمع من أي طرف على أي مجموعات أثنيّة أو دينيّة أو طائفيّة، إذ إن كثيراً من أفراد من هذه المجموعات لهم تاريخ نضاليّ طويل من أجل الحريّة ضد السلطة الديكتاتورية نفسها، قضى قسما كبيراً من حياته في المعتقلات، قبل في “الربيع العربي”، وشارك في بداياته السلمية. وهم أصدقاء شخصيون يعيشون الآن المنافي مثلنا. يستند مشروعي الروائيّ كلّه عن “الحكاية السورية” على مواجهة سوريالية ما حدث، بالسوريالية نفسها، كأحد أشكال الفانتازيا.
عمر الشيخ :هناك نوع من الموافقة الضمنيّة على استخدام “أدبيات إعلامية” ليست دقيقة، كانت قد أنتجتها فئة من “المعارضة السورية” ألا تعد ذلك شحاً بالمخيلة لإعادة انتاج مفردات رمزية تبعد العمل عن خانة التصنيف الفوريّ بأنه مراجعات أدبية عن تقارير واقعية لأحداث وثقها الإعلام؟
مازن عرفة: الرواية هي رؤية أدبيّة ـ فانتازية، تحاول أن تنتقل من خصوصيّة منطقة، للتعميم على جميع المناطق السوريّة. لكنّها تنهض في الوقت نفسه على وثائقيّات محدّدة؛ الأول منهاـ وهو الأهمّ. ما شهدته أنا نفسي شخصياً، وقد عشتُ هذه الفترة في بلدتي بريف دمشق الغربيّ، المُلاصقة لداريا، بكلّ أجواء جنون المجازر الوحشيّة السائد وقتها، وربّما نجوت بحياتي منها بالصدفة. وثانياً شهادات أصدقاء من أهالي داريا أنفسهم، الذين نجوا من المجازر فيها بأعجوبة. لكن إلى جانب ذلك، كانت هناك مفاتيح مهمة، هي تلك الوقائع الموثّقة بالفيديوهات، ومن قبل منظمات دولية. الكثير منها هي من وثائقيات النظام الديكتاتوري نفسه، التي يفتخر بها. لا توجد عائلة في سورية إلا ولها قتلى في “المُعتقلات السوريّة”، وتحت “البراميل المتفجرة”، ومهجرين مشردين لكني في روايتي كنت موضوعيّاً، فالفصل الرابع، وهو من أهم الفصول التوثيقيّة، الغارق بالكامل بـ”سوريالية الجنون اللّامعقول”، يستند على واقعة قامت فيها “داعش” بسحق أحد الجنود تحت جنازير دبابة، مقابل وقائع شبيهة قام بها الجنود المتعصبون وميليشياتهم في الطرف المقابل. الضحية في كلّ الأحوال هي “الإنسان السوريّ”.
عمر الشيخ :انتقدت في ختام روايتك “لغة الدّم” ألاّ ترى أنك أيضاً استخدمت ذات اللّغة في تجسيد الوجع السوريّ في هذا العمل، ألا يمكن للأدب أن ينجو من الدم؟ وإذا كان الجلاّد شريراً هل يجب أن نكون أكثر شراً منه لنرفع صوتنا؟ ألا ترى ذلك تجريداً من الإنسانيّة يجرنا نحو وحشية مطلقة؟
مازن عرفة: الراوي في “داريا الحكاية” يحمل جُثث المجازر في داخله، ترافقه في الذاكرة دائماً، هي “حكاية السوريّ” أينما تنقل. الجُثث برمزيتها ضاجة لا تهدأ، إلا إذا تم رواية حكاياتها للزمن. حدث هذا أيضاً في “الغابة السوداء”، حيث ستتحول في داخلنا إلى “الغابة المُنيرة”، بمجرّد أن نروي حكاية مآسينا، ونتخّف بذلك من آلامها. الهدف من رواية “الحكاية السوريّة” في “مشروعي الروائيّ” هو تحدي رموز القمع بكافة أشكاله، وتوثيق مجازره، وإنّ عن طريق الفانتازيا، حتّى لا ننسى. وسيأتي الزمن المناسب، ويحاسب التاريخ رموز القمع هذه بكافة أشكاله. ليست وظيفة الأدب التغيير السياسيّ المباشر، وإنّما هو نشر الوعي بقيم الحياة الإنسانيّة واحترام حقوق الإنسان وكرامته.
لا بدَّ في مواقف الحزن القصوى، كمجمع عزاءٍ مثلاً، من وقوع حوادث مضحكة، لا يملك المرء فيها إلا أن يستسلم للضحك بعد مكابدة طويلة. للأسف، أو ربما لحسن الحظ، تنفلت الضحكة عاليًا في النهاية ويحدث ما كنا نخافه. الأمر ذاته في الحروب والأزمات الكبرى، خصوصًا في المرحلة التي تلي الحرب، لا بد لمواقف مشابهة من أن تحدث، أو بمعنى أدق، من أن تتوالد. وهل ثمة ما هو أحق من جراحنا الشخصية كي نضحك عليه!
بعد مضي نحو ثلاثة عشر عامًا على الحرب السورية، بكل ما جرّته على شعبها من تشرد وفقر واغتراب، لا تزال تتجلى إلى اليوم، مخلّفات تلك الأزمة بأشكالٍ عدّة. سأختار منها المضحك فقط، تخفيفًا عن الجميع، تاركةً لغيري الحديث عن القهر والأسى. علمًا أن ما سيُذكر مبكي في جوهره، على غرار ما قاله المتنبي: ” لا تحسبنّ رقصي بينكم طربًا، فالطير يرقص مذبوحًا من شدة الألمِ”.
دَعَوات مبتكرة
لا غريب أن المنتَج الأساس في الحروب كلها، مشردون يجوبون الطرقات ويفترشونها. إما ضاقت بهم السبل، أو استسهالًا، لا فرق، إلا أنهم يلجؤون إلى التسول طريقةً يكسبون بها لقمة العيش، ما جعل التمييز بين المحتاج وغيره أمرًا صعبًا. وفي غياب وجود إحصائيات رسمية لأعداد المتسولين في سورية، نعتمد على “حسّنا العالي” في تقدير العدد الآخذ في ازدياد، وفي كشف المتسول المحق من المتسول الكذّاب. ما أثار اهتمامي أكثر من العدد المهول، هو الأسلوب المبتكر للفت الانتباه. بات المتسول على علمٍ بدواخلك وأمنياتك، فهو في النهاية من الشعب، وإلى الشعب يعود. فإذ به يلعب على هذا الجانب، يدغدغ فيك رغباتك الدفينة وأسرارك الخفية التي لا تبوح بها حتى لنفسك.
منذ أيام، اقترب مني أحد أفراد هذه الجماعة، وأصرُّ على تسميتهم جماعة، لأني أكاد أجزم بوجود تنظيم سري لهم، يجتمعون ويتباحثون في شؤون المواطن ونقاط ضعفه والكلمات المفتاحية التي تحرك مشاعره. اقترب وقال: “الله يسفّرك”! نظرت إليه بذهول، كيف تحولت تلك الدعوات من “الله يخليلك أهلك” وما إلى ذلك، إلى “الله يسفّرك”!
مرة أخرى قالت لي إحداهن: “الله يبعتلك نصيبك عَ ألمانيا أو عَ دبي” ما كان مني سوى أن أضحك أمام هذه الابتزازات العاطفية. وللصدفة كان صديقي المغترب معي، وحين جاء دوره في الدعوات، لم تفلح معه دعوة “الله يسفّرك” التي سبق وتحققت. واعترف لها، لسوء حظه، أنه في زيارة. طمعت الأخت بمال المغترب الذي كان، لكنها لم تحصّل في النهاية سوى خمسة آلاف ليرة سورية، متأففة أن ما نالته أقل من نصف دولار!
زواج بيرفع الراس
من تداعيات الحروب أيضا، كثرة الزيجات. ولكن هل كل الزيجات زيجات! اختلفت معايير الزوج المثالي مع تفاقم الأزمة. لدرجة أصبحت فيها المزية الأساسية للزوج، اغترابه. وكلما كانت سنوات اغترابه أكثر، كلما كان أفضل، إذ إنه سيحمل جنسية البلد الحاضن، أي على مبدأ النبيذ المعتق.
الاسم لا يهم، وكذلك العمر والحالة الاجتماعية والمهنة، هذه أمور ثانوية نسأل عنها لاحقًا، لدرجة بتنا نقول: “زوّجنا البنت ع ألمانيا” أو “الشب كتير أكابر، ما عاد نذكر من أي عيلة، بس عَ كندا”.
ليت الأمور توقفت عند هذا الحد. صار معيار تقييم نجاح الأنثى في العلاقات، المسافة التي تقطعها كي تلتقي بالزوج. وكأننا في ماراثون، الفائزة ليست الأسرع، إذ ليس من خط نهاية نصل إليه ونقطع الشريط، بل من تبتعد أكثر. وبذلك، توفَّر للفتيات أسلوب مفاخرة جديد، إذ قالت لي إحداهن: “والله إجاني عريس ع هولندا، حركيلنا حالك، مانك شاطرة”.
ومنذ ذلك الوقت، وأنا أبحث عن الحركات التي فعلتها تلك المحظوظات المسافرات القاطعات مسافات، دون جدوى. انتسبت مؤخرًا إلى نادي رياضي، علّني أزيد من لياقتي وأدخل السباق. لكنّي أخاف أن أتحمس كعادتي، فأستمر في الركض وأصل إلى القطب الجنوبي. لا أعتقد أن ثمة مغتربين هناك!
الألمانية هي اللغة الأم
سألت صديقي عن زميلٍ لنا إن كان يتعلّم الألمانية حقًا! أجابني: “شو الغريب؟ أبو حسن الخضرجي عنا بالحارة عم يتعلم ألماني”. أينما تحركت وكيفما التفتت، في المقهى والشارع والسينما وحتى في أثناء نومك، هناك من يتعلم الألمانية. باتت لغة العصر. قد يبدو الأمر مبهجًا ومدعاة فخر. لغة جديدة تعني ثقافة جديدة. لكن الأمر ليس كذلك أبدًا.
حين كنت في معهد اللغة الألمانية منذ سنتين، اقتصر تعلّم بعضهن اللغة على الأساسيات، بحجة أن “لَمْ الشمل” لا يتطلّب أعلى من المستوى الأدنى! تفاجأت بجرأة بعضهن. اللغة صعبة وليست أمرًا يؤخذ استسهالًا. ستقولون لي: تعلمتِ اللغة إذًا!
وهنا موضوع آخر، أصبح تعلُّم اللغة محط شك، وخصوصا بالنسبة للفتاة. إذ يوحي بوجود عريس محتمَل، أما الدراسة سعيًا خلف فرصةٍ ما، لهو أمر مستبعد! يبدو أنه مستبعد حقًا. دليل أنني في سوريا الآن أكتب ما أكتبه وبلغتي الأم التي أحب.
اقتصاد ملون جديد
مع انهيار العملة السورية، انهار الشعب والبلد. بينما ازدهر المغترب وأبو المغترب وأم المغترب وأخوات المغترب! غدت حياة كل هؤلاء معلّقة إلى سعر الأحمر والأخضر. يأملون أن ترتفع قيمته دون اكتراث لقيمة الليرة، إضافة إلى أن هبوطه لن يسهم في خفض أسعار السلع التي تعرف طريقًا واحدًا فقط، لا تسلك سواه، صعودًا وبسرعة قياسية.
أُضيف إلى طابور البنزين والخبز، وصفد البيض في المؤسسة الاستهلاكية، طابورٌ آخر، هو طابور الحوالات المالية، عدا عن تلك الطوابير الخامسة المخفية في الأزقة وعتمة الطرقات.
ولدت كذلك شيفرة جديدة بين أبناء الشعب، إذ نقول: “بدك تبيع أو تشتري، بندورة ولا خيار؟” في إشارة إلى العملات الصعبة. حتى انقلب الأمر الذي بدأ مزحة، أزمة وجودية. فالخيار والبندورة في الواقع، يحتاجان إلى قرض كي تبتاعهما!
تحويل الأزمات إلى نكات
يقال إنه متى كَثُر الكلام المضحك وقت الكوارث فإنها كارثة أكبر. لكن ما الذي نملكه أمام هذه الكوميديا البشرية سوى أن نضحك! هل تنفع الشكوى! إذًا لا بد من تحويل أزماتنا إلى نكات، والأكثر من ذلك توثيقها. فهي إرثنا المتجدد والمتحوّل بتحولنا. قد تكون هذه المواقف المضحكة المبكية، في جزءٍ منها، من يوميات المواطن السوري عامةً، ويومياتي أنا، ابنة اللاذقية خاصةً، أو لنقل ابنة “الحفرة السعيدة” كما يسميها أحد مثقفي اللاذقية. حتى مثقفونا باتوا يضحَكون ويُضحِكون. “الحفرة السعيدة”! يبدو أننا في حفرة فعلًا، ضحكنا أم بكينا، سيرتد الصدى ويصم آذاننا عن سماع أصوات العالم، ويحجب ضوضاءنا عنه.
حين اندلعت الحرب السورية بمفهومها العسكري المباشر كانت حمص تتجهز لتأخذ دورها كمدينة سيطول حضورها على مسرح الأحداث السياسية والأمنية والعسكرية تاركةً خلفها ما حصل في بانياس ومناطق أخرى كذكريات ليست غير ذات شأنٍ ولكنها جانبية إلى حدٍّ ما قياساً بمدينة كانت تحتضن تنوعاً مناطقياً وطائفياً متشعباً ومتعايشاً للغاية، ولكن في لحظة، بالضبط في لحظةٍ واحدة، انقلبت المدينة على بعضها مناطقياً ودينياً.
يوم اشتعل الفتيل
يتذكر كثر من أهالي حمص مفترقاً مهدّ لاشتعال المدينة بأكملها، كان ذلك المفترق يوم السابع عشر من نيسان 2011، أي بعد قرابة شهر بالضبط من اندلاع المظاهرات في درعا ومناطق أخرى. في ذلك اليوم هاجمت الأحياء بعضها، حرفياً ذلك ما حصل، أحياء بأسرها هاجمت أحياء أخرى لدواعٍ لا زالت حتى اليوم غير واضحةٍ وما من أحد قادرٍ على تفسيرها.
هجمات استخدمت فيها العصي والخناجر والسلاح الأبيض والفؤوس وبعض الأسلحة النارية من نوع “بومب أكشن” وبنادق الصيد. يومها سقط ضحايا في المدينة، تزامناً مع اعتصام حمص الكبير وحصار أحياء أخرى من أحياء مجاورةٍ لها، كان ذلك في الفترة التي تعرف بتولي فصائل الشرطة من كتائب “حفظ النظام” مسؤولية ضبط الأمور، قبل أن تتعسكر المدينة وتصبح بأكملها متخذةً شكل ساتر ترابي كبير يفصل بين خصمين.
المدينة المفصل في الحرب
لم تكن حمص عادية في أيّ لحظةٍ في تقرير مصير سوريا بأكملها كمدينة وسطى تقطع دمشق عن الساحل وحلب، فقد تم وصف حيّ بابا عمرو لوحده بعاصمة الثورة السورية. وفي تلك الفترة ذُكرت المدينة بالتصريحات الدولية المتواترة والمتخوفة من سيطرة الحكومة على حمص. فمثلاً تم ذكر أسماء أحياء المدينة بتصريحات هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية في حينه، وبالتحديد لا ينسى أهل حمص تصريحاتها عن “شارع الستين” المحوري في المدينة والذي كان يمثل خط تماس بين السكان المنقلبين على بعضهم.
لا يمكن تجميل سنوات الصراع
تاريخياً تعايشت تلك الفئات المتباينة في المدينة بمحبة وألفة وسلام دون أي حوادث أمنية تذكر، فتبادلوا المصالح والزيجات والعلاقات الاجتماعية والأسرية، لكن فجأة تغيّر كل شيء. لا يمكن تجميل ما حصل مهما حاول التاريخ ذلك، فالقتل عمّ المدينة، القتل الذي نفذه ساكنوها بحق بعضهم قبل وجود أي عمليات منظمة. والحديث هنا لا يخص مرحلة ما بعد اتضاح الجبهات، بل يتعلق بعائلات وأحياء حاصرت أخرى وكأنّ حرباً بينها عمرها مئات السنين لا زالت مشتعلة. ومجدداً لا زال الأمر لا يحمل أيّ مبررٍ وهذا ما سيتضح من خلال تبيان حال المدينة اليوم، وهو حال مشابه ومطابق لحال كل المدن السورية الأخرى، كدمشق وحلب واللاذقية وبانياس وغيرهم، إلا أنّ البقاء ضمن نموذج حمص يخدم الفكرة أكثر لشمولية واتساع ما حصل فيها.
ما حصل لا يكرره التاريخ كثيراً
كيف يبدو وضع حمص اليوم شباط/فبراير 2024؟
بدايةً لنعد قليلاً للوراءإلى تاريخ 2014 وهو عام خروج مسلحي حمص القديمة من المدينة بالكامل، بعيد سيطرة الحكومة على الأحياء كلها في حمص تباعاً باستثناء حي الوعر الذي لم يكن يشكل عبئاً رغم تأخر استرداده حتى آذار/مارس عام 2017، لكونه يقع أساساً في مكان غير متصل مباشرةً بالمدينة ولا يؤثر على طرق العبور الرئيسية فيها.
فعلياً منذ 2014 لم يبقَ داخل المدينة أجواء توتر تذكر، إذ انحصرت جبهات القتال في الوعر والريف الشمالي وبدأت التنظيمات المتطرفة تظهر وتتمدد باتجاه الريف الشرقي لحمص وبالتحديد في تدمر والمدن الشرقية والبادية، كل ذلك أتاح الوقت والفرصة الملائمة أمام المدنيين لاتخاذ قرارات تتعلق بمسؤولية بقائهم داخل المدينة.
من قرر المغادرة فقد غادرها مع دفعات التسويات، أما من قرر البقاء فقد أثبت بسرعة لا يمكن تصورها أنّه قادر أن يندمج بلمح البصر من جديد في مجتمع متكامل عماده ذات الناس الذين ينتمون لخلفيات طائفية ومذهبية متعددة، كان يبدو الأمر في حينه لمشاهد بعيد نوعاً من المجاملة أو الخوف أو حتى النفاق، فكيف لمتحاربي الأمس أن يتعانقوا بعد مئات آلاف المهجرين وآلاف المختطفين ومثلهم من الضحايا والجرحى؟، ولكنّ المدينة احتضنت بعضها بصورة لا يمكن أن يكررها التاريخ كثيراً.
أحياء على الحياد ولكنّها ليست بمنأى
يقول الحاج أبو ناصر والذي يعيش في حي كرم الشامي الحمصي خلال حديثه معي إنّ لحيّه خصوصية كبرى بسبب موقعه الهام قبالة جامعة المدينة وإطلالته على أحياء وطرق مهمة. ويوضح أن حيّه لم يشهد عمليات عسكرية، بيدَ أنّه شهد مظاهرات استمرت فترةً من الزمن ولكن يعيدة عن حواجز الجيش ومؤسسات الدولة.
يقول: “لم يكن كل أهل الحي رافضين للمظاهرات ولا كلهم قبلوا بها، كان هناك تخوف من اقتحام حيّنا وأن يلقى مصير أحياء أخرى، فاندثرت المظاهرات تباعاً ولم تعد هناك رغبة لدى شباننا حينها بالأمر، وربما هذا ما أبقانا أقرب للوساطة بين طرف وآخر إذ كان حيّنا معبراً آمناً للجميع دون تهديدات أمنية”.
وفي ذات الوقت يبدي الرجل أسفه أنّ المدينة تحولت لكانتونات منعتهم من الخروج من حيّهم في مرحلة معينة، وساءه انقطاعه عن رفاق له في أحياء أخرى، إما بسبب اندلاع اشتباكات لديهم، أو بسبب خلافات ايدولوجية منعت الزيارات يوم انقسمت المدينة على نفسها، مؤكداً أنّهم لم ينقطعوا عن التواصل هاتفياً، قبل أن تعود حمص كما كانت قبل الحرب تماماً.
لم يعد الخارج مفقوداً والعائد مولوداً
المهندس تامر حمدان الذي ينتمي لحي الزهراء في حمص، وقد فقد اثنين من إخوته خلال اندلاع جولات الخطف التي هيمنت على المدينة، يشرح كيف حوصر حيّهم لأكثر من عام من قبل تسعة أحياء تحيط بهم، ويقول عن تجربته: “كان الخارج مفقوداً والعائد إن عاد مولوداً، كان أقسى عامٍ يمكن أن تعيشه مجموعة من الناس مع سيل قنص وشلال قذائف لا يتوقف، معظم شهداء حيي استشهدوا داخله وهم نساء وأطفال، عدا عن الـذين كانوا على جبهات القتال، لم يكن أحد يريد أن يحصل هذا في المدينة التي تربى شعبها أنّهم إخوة”.
ويضيف: “ما حصل حصل، والغريب أنّه وكأنّه ما مرّ علينا، تلك الأحياء التي كانت تحاصرنا نقضي اليوم كل أوقاتنا فيها ومع أهلها الطيبين، وأصرّ الطيبين، تلك الحرب بدأت وانتهت دون أن نعلم لماذا، حمص اليوم وبآلاف الأدلة القاطعة تصالحت مع بعضها دون أحقاد وعادت الأمور لتسير كما قبل الحرب”.
يبتسم ويوضح فكرته بالإشارة: “من كان يتوقع يوماً أنني سأشتري غرضاً من الخالدية، وأنني سأسير في سوق الدبلان وأشتري الملابس من هناك، وأني سأشتري رأس غنمٍ من دير بعلبة، وبأني سأفتل كل المدينة وأحصل على ما أريد وأزور أصدقائي في جب الجندلي والبياضة وباب السباع وبأن الناس من تلك الأحياء ستزور الزهراء لتشتري ما تريد ولتزورنا بعد أن لم يبقَ في حمص متراسٌ واحدٌ يحجبنا عن بعض”.
لا إرهاب ولا شبيحة
تطلب فهم الجو العام في حمص وكيف تسير الحياة هناك البقاء فيها أياماً ليست بالقليلة، وعلى فترات، رُصدت خلالها آراء تكاد تكون متطابقة في طبيعتها المتسامحة، في مدينة نسيت الحرب مخلفةً جراحها وراء ظهرها، وصولاً لمقابلة عمال وموظفين يعملون في أحياء قبل سنوات كان مجرد ذكر اسمها يستفزهم ويشعرهم بالخطر.
بين أولئك العمال أبو ماجد الذي ينتمي سكناً وعيشاً إلى حي بابا عمرو الذي لم يغادره حتى وهو في أتون معركته الأشد، أبو ماجد يعمل اليوم في مطعم للوجبات السريعة في حي النزهة الذي كان يشكل خصماً لحيّه في الموقف السياسي والعسكري خلال الحرب.
أبو ماجد أوضح أنّ أيام العداء والخلاف ولّت تلقائياً دون جهود، وبأنّ في حيّه عمالٌ أيضاً من أحياء أخرى، وخلال عام عمله الثالث هذا لم يشعر لحظةً أنّه غير مرحب به وعلى حدّ تعبيره لم يعامل كـ “إرهابي” من قبل أهالي الحي، كما لم يعامل أهل حيّه بعض العاملين لديهم كـ “شبيحة”.
أطروحةٌ في العيش المشترك
في حمص حصل تصالح مجتمعي شعبي بين الأحياء ومعه عادت الخلطة الديمغرافية مناطقيا ودينيا (طائفياً ومذهبياً) بين الأحياء والقرى بعد حرب ضروس كانت تنذر بنهايات وحشية، فحتى ريفها الشمالي الذي كان يعد واحداً من أخطر بؤر التوتر حلّ به ما حلّ بأحياء المدينة من تصالح فعادت منطقة الحولة بقراها السبع ممراً لوسائل النقل التي تقل الناس بين المدينة وأرياف أخرى ممتدة حتى مدينة مصياف في ريف حماه والتي كان الوصول إليها عبر شمال حمص ممنوعاً بل حتى لم يكن هناك طريق يقود إلى ذلك الريف لشدة الاشتباكات في محيطه. وإلى جانب الحولة فتحت مناطق تلبيسة والرستن طرقها للعبور من حمص إلى حماه دون الاضطرار للالتفاف حول عشرات القرى تجنباً للرصاص والمخاطر والخطف.
مجدداً، الآن في شباط/فبراير 2024، عاد الناس للاختلاط والزيارات والعلاقات الاجتماعية والتبادلات التجارية وكأن كل من بقي قرر نسيان سنوات الحرب القاسية التي لم تخلف سوى الدم والدمار دون حلول جذرية سياسية فكان الحل بعودة الاندماج نحو الخلاص المعنوي والنفسي انطلاقاً من الترابط المجتمعي الذي يكمل بعضه في ظل استحالة عيش كل فئة منعزلة عن جوارها لتستحق حمص بكل جدارة أن تكون موضوع أطروحات أكاديمية تناقش العيش المشترك.