(تحقيق أجراه الصحفي الأمريكي نيك تيرس لموقع إنترسيبت)
سرق لصوصٌ ما تبلغ قيمته مئات آلاف الدولارات من معدات المدفعية، و“أنظمة أسلحة غير معروفة“، وذخائر خاصة بأسلحة محددة مُرْسلة إلى القوات الأمريكية في سوريا والعراق، بحسب وثائق حصرية حصل عليها موقع إنترسيبت. بقيت عمليات السرقة التي جرتْ في مواقع أمريكية بعيدة في المنطقة، أو أثناء النقل إليها دون حل. وشكّلت دليلاً جديداً على وجود مشكلة ملحة ساعدت قوات الأعداء من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وطالبان في أفغانستان على تسليح أنفسهم وحتى على قتل الأمريكيين وشركائهم الأجانب على حساب دافع الضرائب الأمريكي.
تُلْقي عمليات السرقة الضوء على حروب الظل الأمريكية في المنطقة، حيث قُتل مقاول أمريكي وجُرح ستة أمريكيين آخرون الأسبوع الماضي في هجوم نفذته طائرة مسيّرة انتحارية على قاعدة أمريكية في شمال شرق سوريا. كانت الغارة الجوية التي تمت بطائرة كاميكازي على القاعدة واحدة من ثمانين هجوماً تقريباً استهدفوا القواعد الأمريكية في العراق وسوريا منذ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢١ ما دفع الولايات المتحدة إلى اتهام ولوم مجموعات تابعة لإيران وأمر الرئيس بايدن بشن غارات جوية انتقامية رداً على الهجوم الأخير ”كي نحمي جنودنا وندافع عن أمانهم“. إن عمليات السرقة والخسائر التي كشفها موقع إنترسيبت هي فقط أحدث مشاكل المساءلة التي يواجهها الجيش الأمريكي في العراق وسوريا. واكتشف تدقيق أجراه المفتش العام لوزارة الدفاع في ٢٠٢٠ أن قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب- الوحدة الرئيسة التي تعمل مع حلفاء أمريكا السوريين لم تقدم حساباً دقيقاً حول اختفاء ما تبلغ قيمته ٧١٥،٨ مليون دولار من عتاد اشتُري لوكلاء وحلفاء محليين. إن فقدان الأسلحة والذخائر مسألة حساسة في غاية الأهمية، وحاول الجيش جاهداً منع ذلك. وحين سحبت الولايات المتحدة قواتها من موقع قرب كوباني في سوريا في ٢٠١٩ نفذت غارات جوية لتدمير الذخائر التي خلفتها وراءها. ودمر الجيش أيضاً عتاداً وذخيرة أثناء انسحابه العشوائي من أفغانستان في ٢٠٢١. ورغم ذلك، اكتشفت منظمات مثل منظمة العفو الدولية وهيئة أبحاث النزاعات المسلحة، على سبيل المثال، أن قسماً كبيراً من ترسانة تنظيم الدولة الإسلامية يتألف من أسلحة وذخيرة صنعتها أو اشترتها الولايات المتحدة استُولي عليها أو سُرقت أو تم الحصول عليها بطريقة أخرى من الجيش العراقي والمقاتلين السوريين. كشفت ملفات تحقيقات جنائية تم الاطلاع عليها بمقتضى قانون حرية المعلومات عن التوصل إلى أدلة حقيقية حول حدوث أربع عمليات سرقة كبيرة على الأقل وفقدان للعتاد الأمريكي، وبلغت قيمة العتاد المسروق أو المفقود تقريباً مائتي ألف دولار في العراق وسوريا بين ٢٠٢٠ و٢٠٢٢ بما فيه قنابل يدوية ٤٠ ملم شديدة الانفجار سُرقت من القوات الخاصة الأمريكية. ”هذا صادم ومأساوي“، علقتْ ستيفاني سافيل المدير في مشروع تكاليف الحرب التابع لمؤسسة واطسون للشؤون الدولية والمحلية في جامعة براون. ”إن هذه الأسلحة المسروقة ستنتشر وتزيد من حدة العنف السياسي واللامشروع وتجعله أكثر إهلاكاً، كما رأينا الأمر يحدث في حروب وصراعات أخرى“.
إن قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب – التي تشرف على الحرب الأمريكية في العراق وسوريا لا تعرف حتى حجم المشكلة. لا تمتلك قوة المهام سجلاً حول أية سرقات من القوات الأمريكية، كما قال الناطق باسمها. ”ليس لدينا المعلومات المطلوبة“، قال لموقع إنترسيبت مدير الشؤون العامة النقيب كيفن تي. لفنغستون حين سُئل إن كانت قد سُرقت أية أسلحة وذخائر أو عتاد في السنوات الخمس الماضية. كان الهدف المعلن لنشر القوات الأمريكية في العراق وسوريا إلى جانب قوات أمن عراقية وقوات كردية ووكلاء سوريين إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية، لكن القوات الأمريكية تحارب أيضاً وبصورة متزايدة الميليشيات المدعومة من إيران في حرب جانبية غامضة من الناحية القانونية. ويعمل الأمريكيون في قواعد حيث عدم الكشف عن المعلومات هو في بعض الأحيان العرف ولا يتم الوثوق دوماً بالشركاء المحليين مثل قوات سوريا الديمقراطية. وفي ظل محدودية الإشراف الخارجي أو التغطية الصحفية للعمليات العسكرية الأمريكية تقتصر المعلومات حول هذه النزاعات إلى حد كبير على التصريحات المشكوك فيها للقادة العسكريين الأمريكيين، والبيانات الصحفية العسكرية، والتقارير المعتمدة رسمياً. وتلقي سجلات التحقيقات الجنائية التي حصل عليها موقع إنترسيبت بعض الضوء حول كيفية خوض الحروب الأمريكية في العراق وسوريا في الحقيقة. تذكر هذه الملفات أنه في وقت ما في أواخر ٢٠٢٠ أو بداية ٢٠٢١ سُرقت ”عدة مدفعية ميدان متخصصة وتجهيزات عديدة“، من شاحنة عسكرية وهي تنقلها إلى القاعدة الجوية في أربيل في شمال العراق. وحين وصلت الشاحنة إلى الموقع في كردستان اكتشف الجنود الأمريكيون أنه فُقد عتاد من الشاحنة تقدر قيمته بمبلغ ٨٧،٣٣٥،٣٥ دولار أمريكي. ”لم يتم التوصل إلى أية أدلة“، ولم يتم تحديد أي مشتبه بهم بحسب ملف التحقيق. وفي شباط ٢٠٢١ سرقت ”٤٠٠ طلقة خارقة للدروع و٤٢ قنبلة عيار ٤٢ ملم شديدة الانفجار ومزدوجة الغرض ”قادرة على اختراق ثلاث بوصات من الفولاذ“، بحسب الجيش، من إمدادات ذخائر القوات الخاصة في موقع القرية الخضراء في شمال غرب سوريا. وتوصل تحقيق جنائي إلى أنه تم ”التعامل مع الذخائر بإهمال وثمة غياب للمسؤولية القانونية“، ما سمح ”لأشخاص مجهولين بأن يسرقوا الذخائر“، التي قُدرت قيمتها ب ٣،٦٢٤،٢٤ دولار.
في تموز (يوليو) ٢٠٢١ سُرقت ”خمسة أنظمة أسلحة“ تقدر قيمتها ب ٤٨،١١٥ أثناء نقلها في ”موكب عن طريق البر“ من قاعدة حقل كونيكو للغاز – وهي قاعدة غير بعيدة عن القرية الخضراء – إلى قاعدة في سوريا. سُرقت الأسلحة من حاوية شحن ولم يتم العثور على شهود أو التوصل إلى أية أدلة. وذكرت الوثائق أن اللصوص اقتحموا في كانون الثاني (يناير) الماضي حاوية شحن في طريقها إلى القاعدة الجوية في أربيل في العراق وسرقوا عتاداً عسكرياً ومقتنيات شخصية تقدر قيمتها بأكثر من خمسة وسبعين ألف دولار. وبعد أربعة أشهر تقريباً سُرقت٢،١٠٠ طلقة خارقة للدروع الجسدية وثلاثة صناديق من ”قطع الغيار“ غير المحددة حُمّلت على حوامة بلاك هوك في قاعدة الأسد الجوية في العراق وكانت منطلقة إلى قاعدة أربيل الجوية، حيث كان من المفترض أن تصل لجنود من وحدة تُدعى قوة مهمة الهجوم. زعمت تلك الوحدة أنها لم تتلق الذخيرة أبداً ما أدى إلى الشروع بتحقيق. بعد شهر تقريباً، زعم أفراد هذه الوحدة أنهم استطاعوا تحديد مكان صندوق يحتوي على ١٦٨٠ طلقة من الذخيرة المفقودة، لكن السجلات لا تذكر بقية الطلقات والقطع. ويظن المحققون الجنائيون في الجيش أن هناك سبباً مرجحاً في جميع الحالات، باستثناء الحالة الأخيرة، لاتهام المسؤولين بسرقة ممتلكات حكومية أو أسلحة حكومية إذا تمكنوا فقط من العثور على اللصوص.
(دورية أمريكية راجلة في قرية القحطانية في شمال شرق الحسكة)
وكشف تقرير المفتش العام لوزارة الدفاع في ٢٠٢٠ خللاً في الحسابات المتعلقة بعتاد يبلغ ثمنه أكثر من ٧٠٠ مليون دولار اشتُري لوكلاء أمريكا السوريين وتوصل التقرير إلى أن قوات العمليات الخاصة لم ”تحافظ على قوائم شاملة بالعتاد كله الذي اشتُري وتم استلامه“. هناك وحدة عسكرية أخرى، تدعى قيادة الإمداد والتموين الأولى لمسرح العمليات خزنت بشكل يخلو من الدقة أسلحة كالرشاشات وقاذفات القنابل، بحسب التدقيق. وتركت ”آلاف الأسلحة وقطع العتاد الحساسة معرضة للفقدان أو السرقة“. ونظراً لعدم الدقة في حفظ السجلات والإجراءات الأمنية غير الكافية لم تستطع هذه الوحدة حتى ”أن تحدد إن كانت الأشياء قد ضاعت أو سُرقت“. شكل فقدان الأسلحة والذخائر مشكلة ملحة للبنتاغون. ففي منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين فقدت الولايات المتحدة مئات آلاف البنادق في أفغانستان والعراق بحسب بحث أشرف عليه إيان أوفرتون من منظمة العمل من أجل الصراع المسلح وهي مؤسسة خيرية مقرها لندن. واستولت جماعة طالبان على كميات كبيرة من الأسلحة الأمريكية حتى قبل الهزيمة الأمريكية في أفغانستان. وحين انسحبت القوات الأمريكية في ٢٠٢١ تركت خلفها ما تبلغ قيمته ٧ بليون دولار من العتاد العسكري. كانت النتائج أحياناً كارثية، فمن أفغانستان إلى العراق كانت هذه الكميات من الأسلحة تُستخدم ضد حلفاء الولايات المتحدة ومن المحتمل ضد القوات الأمريكية. ”إن كل قطعة من هذه الأسلحة التي تُقدم لقواتنا الشريكة تخضع للمسؤلية القانونية وتُصوب إلى تنظيم الدولة الإسلامية“، قال ناطق من قوة المهام المشتركة في تغريدة في ٢٠١٧. لكن يبدو أنه ليس لديه أية معلومات حول السرقات، وغير متأكد من أن الأسلحة والذخائر الأمريكية التي سُرقت بين ٢٠٢٠ و٢٠٢٢ لن تُستخدم ضد القوات الأمريكية أو وكلائها. للجيش الأمريكي تاريخ طويل من التستر على فقدان الأسلحة. فقد توصل تحقيق قامت به وكالة الأسوشيتد برس في ٢٠٢١ إلى أنه ”فُقدت ١٩٠٠ قطعة سلاح أمريكية على الأقل أو سُرقت في ٢٠١٠ وعاود بعضها الظهور في جرائم عنيفة“، وإلى أن ”الجيش الأمريكي تستّر على اختفاء أسلحته النارية أو قلل من حجمه، ومن أهمية فقدان الأسلحة والسرقات وهذا نموذج من السرية والتكتم يعود إلى عقد تقريباً“. إن افتقار قوة المهام الخاصة المشتركة للسجلات وللشفافية يجعل من المستحيل معرفة كيف فُقدت الأسلحة الأمريكية أو سُرقت في سوريا والعراق، أو إن كانت هذه الأسلحة قد استُخدمت ضد القوات الأمريكية أو حلفائها، لكن سافيل من مشروع تكاليف الحرب تخشى أن يكرر التاريخ نفسه. قالت معلقة على السرقات الموثّقة في سجلات وملفات التحقيقات الجنائية: ”سيُصاب الكثير من الأشخاص أو يُقتلوا جراء ذلك. هذه إحدى العواقب الناجمة عن القيام بعمليات عسكرية أمريكية في كثير من المواقع خارج البلاد“.
*الصورة الأساسية المرافقة للمقال: (جندي أمريكي يحمل قاذفة صاروخ أرض- جو من نوع جافلين أثناء مناورة عسكرية مشتركة في ريف دير الزور في شمال شرق سوريا في السابع من كانون الثاني، ٢٠٢١)
أخيراً، تمكنت مها من الاستحمام! وذلك بعد مرور ثلاثة أسابيع كاملة على موعد آخر استحمام لها! لا بسبب البرد ولا بسبب المرض ولا بسبب التكاسل، السبب الوحيد هو واقع الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وشبكة الصرف صحي. تضافرت الموانع كلها لتسبب لمها حرجاً كبيراً بسبب حالتها غير الإنسانية والمفتقدة لأدنى شروط النظافة الشخصية والعامة. حرج جعلها ترتدي قبعة ليلاً نهاراً وحتى أثناء نومها لتهرب من شعورها الغامر بالقرف من نفسها التي كرهتها كرهاً مقززاً وكبيراً تسبب بوهن نفسي أصابها، وهن بات يحتاج علاجاً سريعاً وضرورياً عبر حل إسعافي وحيد، وهو تأمين دعوة للاستحمام في أي مكان يتوافر فيه ماء وكهرباء وصرف صحي مستقر في توصيلاته يسير عميقاً في مساره الطبيعي تحت الأرض وبعيداً عن التلامس المباشر مع البشر، تحقق هذا الحل ولكن في بيت صديقتها.
تسكن مها في حي دمشقي قريب جداً من باب توما، قلب المدينة العابق بالتاريخ والآثار والسيّاح وبروائح الياسمين والمطاعم الشرقية العريقة والأنيقة. لكن كل شيء تغيّر، كأنما المدينة تحولت إلى منبع للتعب والقهر، وكأنما الأشياء وقد ضاقت باتت خانقة إلى درجة يتمنى المرء الفرار منها، والفرار هنا محدد الوجهة والمهمة، مجرد مكان صالح للاستحمام فيه. وهذه الصلاحية مبنية على تعزيل شبكة الصرف الصحي كي يتوقف طوفانها ضمن البيوت، وعلى ماء يتزامن توفره مع التيار الكهربائي لضخه إلى الخزانات المتصلة بأجهزة تسخين المياه أو يرتبط بتوفر عبوات كبيرة من الغاز تترافق بوجود موقد غاز أرضي كبير لتسخين قدور الماء عليه.
هل تكفي قصة مها ليتحول فعل الاستحمام كحق من حقوق البشر إلى قضية رأي عام؟ منطقياً نعم! ولكن الاكتفاء هنا فعل منغلق على ذاته، فعل ميت قبل أن يولد، لأن وهن نفسية البشر يكمن في منعهم من نيل وممارسة أحد حقوقهم أو حرمانهم منها. والمنع هنا محصلة لحرمان متكرر ومعلن ومستمر ومبرر بألف سبب لأن آلية الحلول مجهضة باستحكام واستخفاف بالغ.
وتكمن قمة الخذلان في أن الحرمان من الاستحمام هو فعل لا يستدعي أي حل، فليستحموا أو فليغرقوا في روائح أجسادهم التي يعيفونها هم أنفسهم، أصلاً الغرق فعل لا يتجزأ ومن يغرق في العتمة سيغرق حكماً في مشكلة فقدان المياه، ومن تغمر شوارعه وبيته عوادم الصرف الصحي سيغرق في الخراء وفي عقر داره، وفي المكان الأكثر نظافة كما يتصور الجميع وكما هو بديهية، الحمام!
يتناوب عامر ونجود على النوم، أمامهما مهام كبيرة ومتعبة، لم يعد الليل موعداً للنوم، للراحة أو للحب أو حتى للأحلام، تحول ليل تلك المدينة التي تزورها الكهرباء ليلاً فقط إلى نهار قاهر ومرهق، نهار تتخلله كوابيس توقظ من يفكر بالنوم لساعة واحدة وتجعله يقرّع نفسه ويهاجمها لأنها فقدت القدرة على التحكم بالبقاء على قيد الصحو من أجل الفوز والتنعم بالتيار الكهربائي. البقاء على قيد الصحو يبدأ في الواحدة ليلاً، ينبغي أولاً تشغيل مقبس سخان الحمام ووصله بمأخذ التيار الكهربائي، وبعده مباشرة يتم تشغيل موتور رفع الماء إلى الخزان، ومن ثم تشغيل الغسالة لتأمين غسيل ملابس الأبناء، وإذا ما استمر الحضور البهي للتيار الكهربائي، ستوقظ نجود في تمام الثالثة فجراً ابنتها الكبرى لتستحم، ستخرج وجبة الغسيل من الغسالة وترميها بتثاقل ووسن وتعب على الحبال. ستبدأ بتحضير وجبة غداء اليوم على الموقد الكهربائي، في الرابعة صباحاً قد تخلد نجود إلى النوم بعد أن توقظ زوجها لينهي تحضير وجبة الغداء وليساعد ابنه الصغير في الاستحمام. سيتكرر المشهد في الأيام اللاحقة وسيكون الاستحمام في اليوم التالي لنجود وزوجها كل بتوقيت خاص حسب توفر درجة حرارة المياه الصالحة للاستحمام. كل شيء مهدور، الوقت والنوم والصحو والنقود والمياه والسلامة النفسية والهدوء والمودة والزمن والجهد والصحة والجسد ومعنى الوجود وجدوى العيش.
عدا عما يتسبب به تراكم استهلاك الكهرباء في وقت واحد في ارتفاع قيمة فاتورة الكهرباء.
وتصيب أصوات عديدة الجميع بالغضب والجنون من تشغيل موتورات المياه ودوران الغسالات وأصوات جريان مياه الاستحمام إلى جلبة الشجارات والاتهامات العائلية بالإهمال أو الكسل بسبب سوء استخدام الطاقة أو موتورات رفع المياه. كل هذا الضجيج والتوتر يجعل الجميع يتمنى توقف كل شيء، كل شيء حتى لو كانت الحياة ذاتها.
تمكنت بعض العائلات من تركيب أجهزة لتأمين طاقة بديلة عبر تركيب بطاريات كبيرة وألواح لحفظ الطاقة الشمسية، ورغم ارتفاع كلفتها التي تتجاوز مقدرة الغالبية، لكن الناس كانت أمام خيار ضيق وملزم كي تؤمن الإنارة في حدها الأدنى والضروري وكي تصون الطعام ومحتويات الثلاجات خاصة في ظل ارتفاع غير مسبوق لقيمة المواد الغذائية، ما يجعل من تلف أي مادة غذائية خسارة كبيرة غير قابلة للتعويض وتراكماً للخسارات المتحصلة جراء الغياب الكامل للخدمات الأساسية.
لكن بقي الجميع عاجزاً عن تأمين مصادر وقود أو طاقة لتسخين المياه نظراً إلى أن كمية الكهرباء أو الوقود المطلوبة للتسخين تستنزف كمية كبيرة من الطاقة تعجز ألواح الطاقة الشمسية عن تأمينها بسبب حجم الطاقة اللازمة لعملية التسخين وبالتالي ارتفاع الكلفة إلى أرقام غير قابلة للتسديد ويعجز عنها الغالبية حتى ممن لجأوا إلى تركيب برامج لتأمين طاقة بديلة، ما أعاق بشكل شبه مطلق تأمين مياه للاستحمام عن طريق البطاريات أو ألواح الطاقة الشمسية.
إذن، نعود دوماً للمربع الأول! تحوّل الاستحمام إلى حلم مستحيل. ولجأ سكان القرى إلى تسخين المياه على الحطب الذي ارتفعت أثمانه وحولت عملية التحطيب الجائر بساتين القرى إلى صحاري شاسعة. أما من تضيق بيوتهم بهم فقد اخترعوا أسلوب الاستحمام بالتقسيط والتقسيط هنا يشمل مراحل العمل والزمن، فقد قسم البعض عملية الاستحمام إلى عملية تتم على جزأين: الأولى لغسل الرأس بصورة مستقلة حسب ما يمكن توفيره من مياه ساخنة لا تكفي لعملية استحمام كاملة، ليتم في المرحلة الثانية استكمال عملية غسيل الجسد. يتم تسخين الماء بقدور أو بأباريق على الغاز في حالات الضرورة القصوى بسبب شح الغاز وعدم المقدرة على التفريط به، لذلك بات تسخين الماء بواسطة الكهرباء هو الحل شبه الوحيد ولكن وبسبب الغياب الطويل للكهرباء وانقطاعها المتواتر حتى في ساعات وصل التيار يتم الاستحمام على دفعات!
أن تتحول عملية العجز عن الاستحمام إلى قضية عامة تجمع ما بين السوريين والسوريات على قاعدة الحرمان والقهر، هو عملية توازي تغييب الحقوق. فالحق في الحياة يستلزم الحق في الحفاظ على نظافة وسلامة الجسد، وفعل الاستحمام أحد هذه الحقوق، كما يستلزم تأمين الموارد اللازمة لذلك دون اللجوء إلى ضرورة دفع مبالغ تعجيزية أو هدر للطاقة النفسية والجسدية من أجل تلبية هذا الاحتياج الحيوي والإنساني، نعم لقد تحول فعل الاستحمام، بل والحاجة إليه إلى قضية رأي عام وبجدارة.
كهرباء تغيب عن معظم الأحياء لأكثر من عشرين ساعةٍ في اليوم، أزمة محروقات جعلت البرد يُعِّشش في المنازل، أزمة غاز، أزمة ماءٍ وغلاءٍ ومعيشة وغيرها الكثير من الأزمات التي صارت جزءاً أساسياً وطبيعياً من حياة الناس الذين نسوا كيف تُعاش الحياة العادية والطبيعية، وصار قصارى حلمهم أن يستعيدوا بعضاً من أبسط تفاصيلها.
الشتاء الأقسى على السوريين
وصفت الأمم المتحدة فصل الشتاء الحالي في البلاد بأنه “الشتاء الأقسى على السوريين”، إذ تغيب جميع وسائل التدفئة، في ظل أزمتي المحروقات والكهرباء، فيما تنتظر معظم العائلات حصولها على مادة مازوت التدفئة (50 ليتر) التي ينبغي أن توزَّع في فصل الشتاء بسعرٍ مدعومٍ، حيث لم يستلم تلك المخصصات، التي لا تكفي لأكثر من أسبوعين، سوى أعدادٍ قليلة. ونتيجة لذلك لم يبق أمام الناس سوى خيارين: شراء المازوت من السوق السوداء (سعر الليتر12 ألف)، أو شراء الحطب (سعر الطن مليوني ليرة). أما من كان وضعه الاقتصادي معدماً فعليه الاستسلام للعنة البرد أو البحث عن حلولٍ شبه معدمة، قد تحتاج إلى معجزة.
ويحدثنا أبو أحمد (52 عام/ عامل في ورشات البناء) عن الحل الذي لجأ إليه لجلب بعض الدفء إلى منزله البارد: “استعرت مدفأة حطبٍ من أحد أقربائي، كانت مهملة في المستودع منذ عقود، ولأننا عاجزون عن شراء الحطب رحنا نوقد تلك المدفأة بما تيسر من موادٍ نقوم بجمعها من الشوارع والدكاكين، كالقطع الخشبية، الكراتين وأكياس الإسمنت الفارغة، بعض أوراق الشجر وعيدان الأغصان التي نجلبها من الحدائق، وقشور الفستق واللوز التي تُخلفها بعض المحامص، هذا إلى جانب الكتب المدرسية والجامعية ودفاتر الأطفال القديمة التي يستغني عنها أصحابها”. ويضيف: “نضطر أحياناً لإشعال قصاصات الأقمشة التي يرميها أصحاب المعامل، وأكياس النايلون والعلب البلاستيكية وبعض الأحذية والثياب الرثَّة، رغم أن اشتعال تلك المواد يسبب كثيراً من الأضرار كونها تَبعَثُ دخاناً كثيفاً ورائحة ًبشعة تُشعرنا بالاختناق”.
أما الطالبتان الجامعيتان رشا وحنان فقد وجدتا حلاً للتدفئة عبر اللجوء لفحم الأركيلة أو فحم الشواء. وعن ذلك تحدثنا رشا: “نُشعل الفحم في منقل الشواء، على شرفة المنزل، وحين يصبح جمراً نحمل المنقل إلى الداخل لنجلس بقربه وننعم بالقليل من الدفء. لكن ذلك الحل ليس ناجحاً أو مجدياً فهو يتطلب مصاريف كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار الفحم الذي نحتاج لكمياتٍ كبيرة منه، ناهيك عن الأضرار الصحية التي يُسببها احتراقه واستنشاق الكربون المنبعث منه”.
وتبقى الطالبتان أفضلُ حالاً من الموظف علاء (35عام) الذي يضطر لمغادرة منزله ليلاً هرباً من البرد والعتمة، حيث يتسكع في الشوارع لنحو ثلاثة ساعاتٍ فتمنحه الحركة بعض الدفء وتُشعره ببعض التعب الذي يُجبر جسده على الرغبة في النوم مبكراً.
الاستحمام عملية معقدة
بات الاستحمام، عند معظم الناس أمراً مؤرِّقاً وصعباً ويحتاج لمعجزة في ظل صعوبة توفير الماء الساخن، فكمية المياه التي يمكن تسخينها، خلال توفر الكهرباء على مدار اليوم وفي معظم الأحياء، بالكاد تكفي لاستحمام شخصٍ واحد، هذا إلى جانب استحالة استخدام السخانات التي تعمل بالمازوت. وفي ظل ذلك الواقع يحاول الناس البحث عن حلولٍ إسعافية من بينها الذهاب إلى حمامات السوق، التي نشطت بشكلٍ كبير، أو العودة إلى الطرق القديمة كالاستعانة بنار الحطب أو ببور الكاز لتسخين الماء، كحال السيدة أم خالد (48 عام / زوجة وأم لخمسة أبناء) التي تتحدث لنا عن تعاملها مع تلك الأزمة: “بعد انعدام توفر الكهرباء واستحالة تأمين الماء الساخن أحضرت ببور الكاز، الذي انعدم استخدامه منذ عقود، من منزل أهلي بعد أن كان موضوعاً في الصالون كتحفةٍ أثرية، ورحت أسخن الماء على ناره في حال توفر مادة الكاز، فيما أسخنه، في حال عدم توفرها، على نار ما توفر من حطبٍ وكراتين أو أية مواد يمكن إشعالها، حيث أُوقدها داخل تنكةٍ على شرفة المنزل وأضع فوقها طنجرة الماء”.
الشاب مازن (33 عام/ موظف في شركة خاصة) وجد حلاً جيداً لكنه مكلفاً. يحدثنا عنه: “أخبرني صديقي أن النادي الرياضي، الذي يذهب إليه لممارسة تمارين اللياقة البدنية وبناء العضلات، يؤمن ماءً ساخناً لزبائنه على مدار اليوم لكي يستحموا بعد التعرق الناتج عن التدريبات الرياضية. ورغم أنني لست من محبي الرياضة لكنني حذوت حذو صديقي وسجلت في النادي فقط لكي أتمكن من الاستحمام متى أردت”. ويضيف مازن:”رغم أن الاشتراك الشهري في النادي (45 ألف ليرة) يُعتبر مكلفاً إلا أنه يبقى أوفر من دخول حمامات السوق، كما يتيح إمكانية أن يتناوب شخصان على دخول النادي في أيامٍ مختلفة، وهو ما منح شريكي في السكن فرصة الذهاب عوضاً عني لكي يستحم مرتين في الأسبوع”.
أما الطالب يوسف (23 عام) فلم يجد سبيلاً للاستحمام سوى أن ينتظر موعد زيارته إلى قريته كل أسبوعٍ أو عشرة أيام، حيث يقول: “خَفضتُ عدد مرات الاستحمام من ثلاث مراتٍ أسبوعياً إلى ثلاث أو أربع مراتٍ شهرياً، في انتظار زيارتي لعائلتي التي يُمكنها تسخين الماء في القرية على نار الحطب، فيما تغسل أمي وأختي ثيابي المتسخة، التي أحملها معي، بشكل يدوي في حال تَعذُّر عمل الغسالة”.
قهوة من عربة البائع الجوال
“في الصباح الباكر وقبل ذهابنا إلى الجامعة نمرّ بعربة بائع المشروبات الساخنة، لنشتري قهوتنا الصباحية ونشربها على مصطبةٍ قرب الرصيف في ظروف البرد. لا نملك أي مصدرٍ للنار في بيتنا ما يضطرنا أحياناً إلى الاستعانة بالجيران لتحضير ركوة القهوة أو إبريق الشاي، وكثيراً ما نهرب من بيتنا إلى بيوت بعض الأصدقاء والأقارب لكي نشرب مشروباً ساخناً أو نتناول طعاماً مطبوخاً”. هكذا يلخص الطالب الجامعي عمران (24 عام) معاناتة اليومية التي يعيشها مع صديقه في ظل غياب أزمة الغاز التي حرمت الكثير من الناس من طهو طعامهم أو حتى تحضير مشروبٍ ساخن، حيث باتت العائلات تنتظر نحو 100 يومٍ لتستلم مخصصاتها من مادة الغاز (أسطوانة سعة 8 كيلو) الموزَّع عبر “البطاقة الذكية”، فيما لا يحصل الكثيرون على أية مخصصات، ما يضطر بعض ميسوري الحال للجوء إلى السوق السوداء حيث تباع الأسطوانة بأكثر من 200 ألف ليرة، فيما يلجأ البعض لاستخدام ببور الكاز أو الببور الصغير، الأشبه بالفانوس، والذي يعمل بواسطة الكحول الأزرق، لكن ذلك الأمر يُعتبر مكلفاً أيضاً، إذ يصل سعر ليتر المادتين إلى نحو عشرة آلاف ليرة.
وفي ظاهرة غريبة على الشوارع، نشطت في الآونة الآخيرة مهنة تعبئة البوتوغازات الصغيرة عبر عرباتٍ جوالة أو بسطات. ويحدثنا الرجل الستيني أبو شادي- الذي يَجرُّ عربة، في شوارع مدينة جرمانا، تَحملُ أسطوانتي غاز وميزان- عن طبيعة مهنته: “في ظل أزمة الغاز الخانقة يلجأ الناس إلينا لتعبئة البوتوغازات الصغيرة المحمولة (التي كانت تستخدم سابقاً للرحلات والسيرانات) حيث نضعها على الميزان خلال تعبئتها من الأسطوانة لنقوم بتسعيرها بحسب الكمية المعبأة، إذ يُباع سعر كيلو الغاز بعشرين ألف ليرة”. ويضيف: “ونتيجة تردي الوضع المعيشي عند بعض الناس لا يسعهم سوى شراء كيلو أو نصف كيلو غرام من الغاز وأحياناً أقل من ذلك، فمثلاً، قد يطلب أحدهم تعبئة كمية غاز بقيمة سبعة آلاف ليرة فقط”.
طرق جديدة للرفاهية
على طريق مطار دمشق وفي بقعة ترابية، تجلس أم محمود بصحبة أولادها الثلاثة وجارتيها. يفترشون التراب ويثرثرون وكأنهم بذلك يحاولون محاكاة طقس السيران الذي غاب عن حياة معظم السوريين. لا شيء يُسَلي جلستهم سوى بعض الموالح الرخيصة وإبريق شاي تم تحضيره على نار الأخشاب والكراتين التي جُمعت من أرجاء المكان. هذه الجلسة تُعدُّ رفاهية كبيرة بالنسبة لأم محمود ومن معها، حيث تقول: “هذا المكان هو المتنفس الوحيد بالنسبة إلينا، نهرب إليه من بيوتنا الباردة لنحظى بدفء أشعة الشمس الذي لم نُحرم منه حتى الآن. لم يعد هناك أية أماكن يمكن زيارتها بما فيها الحدائق والبساتين والمقاهي، فالأمر بات يحتاج إلى أموالٍ طائلة”. ترتشف شايها البارد وتذكر ماضيها: “فيما مضى كنا نخرج بصحبة الأقارب والجيران إلى البساتين لنفرد أمامنا عشرات الأطعمة من المشاوي والكبب،الطبخات المنزلية المتنوعة، والسلطات والعصائر والفاكهة وغير ذلك، في أجواء من الفرح والمحبة، أما اليوم فنحن عاجزون حتى عن شراء الفاكهة أو مستلزمات الأركيلة وعن تحضير أبسط أنواع الحلويات المنزلية”.
حالة مشابهة يعيشها أبو عمر (58عام) الذي لا يمتلك سوى رفاهية زيارة الحديقة بعد انتهاء عمله في ورشات البناء، حيث يشتري كأس شاي من عربة بائع المشروبات ويجلس على إحدى المقاعد محدقاً بالمارة وهو يدخن ويرتشف شايه. وعن سبب ممارسته لهذا الطقس شبه اليومي يقول: “بت عاجزاً عن دخول المقهى ولعب طاولة الزهر بصحبة أصدقائي فيما أصبحت لقاءاتنا في البيوت صعبة للغاية إذ نخجل من عجزنا عن توفير الدفء وتقديم واجب الضيافة”. يطلق تنهيدة ثم يضيف: ” كل يوم نصحو على أسعارٍ جديدة، وكل حينٍ يُذكرنا صاحب المنزل بضرورة زيادة الإيجار. صرنا نجبر أطفالنا على الاكتفاء بوجبتي طعامٍ في اليوم، نؤِّخر موعد الغداء حتى المساء لكي نستغني عن وجبة العشاء”.
وليست الرفاهية داخل المنزل أفضل حالاً من خارجه، إذ بات الجلوس بداخله يشبه “العقوبة” بحسب ياسمين (27 عام/ خريجة كلية الفنون الجميلة) التي تصف واقع حالها: “نحن محرومون من مشاهدة التلفاز، محرومون من الدراسة والمطالعة، نلتحف البطانيات طوال الوقت، وإذا ما فكرت في مشاهدة فيلمٍ ما على شاشة اللابتوب سينفذ شحن بطاريته في منتصف الفيلم أو حتى بدايته، وإذا ما حاولت التواصل مع أصدقائي في الخارج أو تصفح اليويوب ستنقطع خدمة الإنترنت في أي لحظة أو تغيب شبكة الاتصال أو ينفذ شحن بطارية هاتفي المحمول الذي أضطر في كثيرٍ من الأحيان للذهاب إلى بيوت الجيران أو الأصدقاء لأتمكن من شحنه”.
وفي ظل هذا الواقع لا تمتلك ياسمين وأخوتها سوى رفاهية لعب ورق الشدة وطاولة الزهر وبعض ألعاب الطفولة، رغم أنها ترى في ذلك الأمر مضيعة للوقت.
ونتيجة غرق معظم البيوت في العتمة الدامسة وصعوبة شحن بطاريات الإنارة البديلة وارتفاع أسعار الشموع، لجأ كثير من الناس، كحال عائلة ياسمين، لاستخدام الفوانيس القديمة (الأنتيكا) التي كانت تعمل بواسطة الكاز، عبر تشغيلها بما توفر من مواد كالكيروسين أو الكحول أو الزيت.
قبل أيام كنت أسير في الشارع المحاذي لقلعة دمشق والحديقة البيئية، أحرك قدميَّ بتباطؤ وأنا بالكاد أبصر تفاصيل المكان في ظل غياب أي مصدر للضوء. ولأن هاتفي المحمول قد نفذ شحن بطاريته فتعذَّر الاستعانة بضوء مصباحه، استعنت بضوء القداحة لكي أُضيءَ الطريق أمامي وأنا أتساءل: كيف لأقدم عاصمةٍ مأهولةٍ أن تجتاحها كل هذه الوحشة وكل هذا الظلام؟.
لا يقتصر مقياس “ريختر” العددي الذي طوره تشارلز فرانسيس ريختر على قياس شدة الزلازل ومدى خطورتها على تدمير الأبنية السكنية وحصد الأرواح البشرية والتسبب بالإصابات الجسدية، بل أيضاً يشير إلى التهديدات الصحية التي تتفاوت باختلاف حجم الزلزال والتي غالباً ما ينكشف ظهورها خلال 72 ساعة منذ لحظة حصوله.
أشارت منظمة الصحة العالمية في تحذير سابق إلى أن عدد الذين تضرروا من الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا قد يبلغ 23 مليوناً، بينهم نحو 5 ملايين في وضع هش. في الوقت الذي عبرت منظمات إنسانية عن مخاوفها من انتشار وباء الكوليرا الذي ظهر مجدداً في سوريا، ناهيك عن امتداد الآثار الصحية فورية والطويلة الأمد الناجمة عن الزلزال. ما هو الوضع الصحي للمناطق المنكوبة جراء الزلزال الذي ضرب مدن حلب واللاذقية وجبلة وإدلب، كيف يتم احتواء الأزمة الصحية الطارئة ومواجهتها، لاسيما بعد اثنتي عشرة سنة من الحرب.
ترتفع أسهم الأمراض والأوبئة بعد الكوارث الطبيعية مباشرة، نتيجة الاكتظاظ والاختلاط الشديدين غير المشهودين في الظروف العادية، إذ تصدرت الأمراض الجلدية قائمة الأمراض الأكثر انتشاراً عقب وقوع الزلزال. الناشط الإغاثي ومدير الفريق الطبي السوري الدكتور قاسم عواد يشرح لـ”صالون سوريا” أوضاع الواقع الصحي ضمن الاستجابة الطبية الطارئة: “التحول من نقطة تجمع منزلي بعدد أفراد محدد و نمط حياة معين إلى نقطة تجمع جماعي مفاجئ غير مألوف، يعني أرض خصبة لانتشار الأمراض المختلفة بوتيرة عالية، خاصة مع غياب مراكز إيواء خاصة بإدارة الكوارث الطبيعية، لاسيما أن الزلزال الذي حصل هو حدث كارثي جديد على السوريين لم نختبره من قبل.” ويضيف الدكتور عواد: “استخدام المراحيض المشتركة وغياب النظافة الشخصية والاختلاط الشديد أدى إلى ظهور الحكة والالتهابات الجلدية واحمرار الجلد والقمل والجرب والفطريات والحصبة والأكزيما نتيجة قلة المياه ومستلزمات التعقيم والتنظيف”.
مخاوف من تربص الكوليرا في حلب
تشكل عودة وباء “الكوليرا” أحد أبرز المخاوف والتهديدات الصحية الخطيرة في مدينة حلب المنكوبة، في ظل غياب مصادر المياه الآمنة. ويشرح الدكتور عواد خطورة الوضع: “باعتبار أن مدينة حلب تعرضت مؤخراً لوباء كوليرا فهذا يعني ارتفاع فرصة عودة الوباء إليها، وذلك بسبب تعدد مصادر المياه غير صالحة للشرب وغياب الصرف الصحي الفردي، كما أن وجود حالة إصابة واحدة في مركز التجمع يزيد من نسبة العدوى الجماعية وذلك لاستخدام الجميع مراحيض موحدة وزجاجات مياه واحدة.” ويؤكد الدكتور عواد أن “الفرق الطبية الجوالة تتابع الحالات منذ اللحظات الأولى لوقوع الزلزال، آخذين على عاتقهم مهمة العلاج والمتابعة الطبية بما يساعد على تخفيف حدة حدوث أوبئة مهددة للحياة والحد من خطورتها”.
لا ينكر الدكتور عواد تعرض الطاقم الطبي ضمن الاستجابة الطارئة لضغوطات هائلة، وذلك بسبب إصابة أعداد بشرية كبيرة في آن واحد، واصفاً الوضع بأنه: “صعب لكن تحت السيطرة لغاية الآن ريثما عودة المنكوبين إلى وحدات سكنية وممارسة حياتهم الطبيعية والعيش بظروف صحية”.
الأولوية الطبية وبطء وصول الأدوية
ترتيب الأولويات الطبية كان في أعلى سلم الفرق الطبية ضمن الاستجابة الطارئة، مثل المصابين الذين يندرجون ضمن الحالات الساخنة التي تم نقلها إلى المستشفيات لتقديم العلاج الطبي الطارئ لهم، يليها فوراً مرضى السكري والضغط والقلب.
إلا أن الدكتور عواد يشير إلى وجود بطء في وصول الأدوية والمعدات ناجم عن الخضوع لبروتوكول معين لتقديم الخدمة الطبية يجب أخذه في الحسبان، لافتاً النظر إلى أن الأطفال وكبار السن هما الشريحتان الأكثر تضرراً وهشاشة جراء الكوارث نتيجة عدم قدرتهم على تحمل الظروف غير الصحية، إضافة إلى ذوي الخدمات الطبية الخاصة كأصحاب الإعاقة والأمراض المزمنة كالسرطان.
أخذت الأمراض الهضمية حيزاً كبيراً من ناحية التهديدات الصحية على منكوبي الزلزال، حيث يُشير عواد إلى وقوع حالات تسمم في أحد المطابخ المشتركة التي كانت تستوعب قرابة 6000 متضرر. ويشرح الوضع: “حدوث حالات تسمم أمر محتمل جداً، لكنه مسيطر عليه ولا يشكل خطر الموت ويحتاج إلى خطة علاج معروفة لا تدعو للخوف الشديد”.
الوضع الصحي والإنتانات تنفسية
طبيعة الإصابات هي التي تحدد طريقة الاستجابة الطارئة والتعامل الطبي، وفقاً للدكتور عواد. فالحروق والكسور ومتلازمة هرس الأطراف نتيجة سقوط المباني والبقاء تحت الأنقاض لفترات طويلة هي أبرز مظاهر المشاهدة الأولية لكارثة الزلزال، بينما في الحروب فتكون إصابات ناجمة عن طلق ناري وجروح جراء سقوط القذائف، وكثيراً ما تكون الكوادر الطبية متأهبة على خلاف الزلزال الذي يكون مفاجئاً.
وأشار طبيب مختص بالأمراض الصدرية فضل عدم الكشف عن اسمه إلى أن: “تأثر شريحة من المتضررين بأمراض تنفسية وحالات عديدة بالرشح والزكام وكورونا نتيجة هطول الأمطار الغزيرة والبرد القارس الذي لازم وقت حصول الزلزال، إضافة إلى عدم توفر مستلزمات التدفئة ساهم على نحو كبير بتردي الوضع الصحي للمنكوبين المتواجدين في مراكز الإيواء.” ويضيف طبيب الأمراض الصدرية أن “الأمراض التنفسية تنتشر، خصوصاً في ظل الاكتظاظ في الخيام ومراكز الإيواء، كذلك الدمار الهائل جراء سقوط الأبنية والمنازل وما تسببه من غبار كثيف، فالهواء الملوث يسبب الفطور والحساسية والأمراض التنفسية، لاسيما لمرضى الربو الذين يتفاقم سوء وضعهم الصحي”.
اضطراب ما بعد الصدمة
يترتب على الكوارث الطبيعية آثار نفسية متباينة لا يمكن تجاهلها كفرط التيقظ والعدائية والجمود والعصبية وسهولة الاستفزاز وفقدان الشعور بالطمأنينة والعجز عن العودة لممارسة الحياة الطبيعية، إلى جانب نوبات الهلع واضطرابات النوم التي ترافق المريض لأيام وأسابيع. ويصف الطبيب النفسي جميل ركاب أعراض اضطراب ما بعد الصدمة “بأنها ردود أفعال طبيعية لحدث غير طبيعي” وهو ما يقدم ضمن الإسعاف النفسي الأولي بعد حصول الزلزال، كما يشير إلى اضطراب الشدة ما بعد الصدمة Post-traumatic stress disorder المعروف بـ PTSD والذي يحدث عقب شهر من وقوع كارثة إنسانية وهو اضطراب القلق المرهق الذي يحدث بعد التعرض لحدث صادم أو مشاهدته، حيث يعاني الأشخاص الذين لديهم اضطراب ما بعد الصدمة من إحساس قوي بالخطر، ما يجعلهم يشعرون بالتوتر أو الخوف، حتى في الحالات الآمنة.
كلّما تذكّرت المكان الأول الذي كبرتُ فيه، أذهب إلى محرّكات البحث على الإنترنت لأطمئنَّ على النّاس هناك، كأنّهم جميعاً عائلتي، ولستُ أدري لماذا؟ علماً أنّ معظمَ عائلتي قد غادروا من هناك، أبحثُ عن أخبارهم، أتصلُ بمن بقي من أقاربي وأصدقائي دون جدوى تعالج تلك النوستالجيا الطارئة.
بينما أحرّر هذا الموضوع، أمطرتُ قلبي بصورِ الطفولة والوعي الأول للمكان والبيئة المحيطة بي، حيث ولدتُ هناك جنوب دمشق في الحيّ المعروف باسم “نهر عيشة” أو كما حدّثت الحكومة اسمه ليصبح “حيّ السّيدة عائشة”. ربّما يحاولون جعله أقلّ عشوائيّةً!
هذا الحيّ هو حزام من البيوت والشوارع المتقاربة للغاية، زحام يفوق الـ 80 ألف شخصٍ، يعيشون في منطقة تشبه شكل المثلث، تقع قرب حيّ الميدان الشّهير، جنوب دمشق، وتمتد بين منطقتيّ كفرسوسة والقدم.
يحاول النّاس هناك بشتّى الوسائل مثل آلاف السّوريين البقاء على قيد الحياة، ومع الزوّار الجدد (يمكن أن تقرأ النّازحين) من المناطق القريبة، أصبحت أجرة البيت المؤلف من غرفة وصالون؛ تتراوح بين 300 ألف إلى 500 ألف ل.س، والزيادة حسب المساحة، هذا ما أشار له “ناصر” (33 عاماً) المقيم في نهرعيشة اليوم، وهو يعمل كمحرر في صفحة خدميّة عامة تعنى بأخبار الحيّ على الإنترنت.
إرشاد وتبرع
يعمل ناصر على وصل المنطقة بالعالم الخارجيّ، فهو يشبّك إلى جانب فريق، بشكلٍ تطوعيّ، ما بين الأُسر المحتاجة وأصحاب التّبرعات خارج سورية أو أهاليهم من أبناء المنطقة بشكل أساسيّ، يقول: “أعمل نجاراً منذ سنوات، لكنّ دراستي كانت في معهد تقنيات المعلوماتيّة، لم أجد فرصةً مناسبةً لتحصيلي العلميّ، وكذلك لم أستطع السّفر لأنّي وحيدٌ لأميّ. كان والدي قد توفي في الأحداث منذ سنوات، أحاول أن أجمع التّبرعات العينيّة أو الماليّة لمساعدة المحتاجين في الحيّ وأن أصل الناس ببعضها البعض عن طريق عدد من المجموعات في فيسبوك وخصوصاً من منطقة “نهرعيشة”؛ والهدف هو تقديم خدمة مجانيّة للناس من أجل التواصل.”
اكتسب ناصر سمعةً جيدةً وثقةً، وهو يعمل في الخفاء تقريباً، خوفاً على حياته من اللصوص أو الملاحقة الأمنية، يقول: “معظم حاجات الناس اليوم تنحصر في إمكانية إيجاد الحطب والمازوت والبحث عن البيوت والمفقودات وبطاريات الشحن المنزلية لأن تقنين الكهرباء طويل ويصل إلى حوالي 12 ساعة في اليوم وإذا كانت الظروف الجويّة سيئة، فإن الكهرباء تنقطع ليومٍ كاملٍ!”
أكثر من وظيفة
يخبرنا ناصر كيف تحوّل حيّ “نهرعيشة” إلى محجّ للنازحين من الأحياء القريبة، وكيف تنوعت اللّهجات والانتماءات بغزارة، ويضيف: “معظم سكان المنطقة يعملون في وظيفتين أو أكثر لسدّ رمق حاجة أسرهم، فالموظف في جهة حكومية أو قطاع خاص قد يعمل أيضاً على بسطة لبيع الثياب أو الفاكهة أو في معمل خاص، أو يعمل ناطوراً لمشاريع معماريّة في المناطق المدمّرة القريبة”.
ومن بين الموظفين في قطاع الدولة، “أنس.ج” (اسم مستعار) 38 عاماً، والذي يعمل موظفاً حكومياً من الدرجة الثانية في أحد المؤسسات الرسمية بدمشق، يقول: “أعيش في حيّ نهرعيشة منذ وُلدت، لدي ثلاثة أطفال، زوجتي ربّة منزل، لا تعمل رغم أنّها جامعيّة، والسبب هو سوء الظروف وقلّة الأمان في مؤسسات القطاع الخاص، وهي الآن مهتمة بتربية الأولاد”.
يشير أنس إلى أنّ راتب الوظيفة لا يكفي أسرته لبضعة أيام، فهو يعمل أيضاً كحارس بعد فترة العصر في أحد المركز التجاريّة بريف دمشق، وهذا يعني أنه يعمل حوالي 16 ساعة، كي يستطيع أن يعيل أسرته، يقول: “راتبي من الحكومة ينتهي في اليوم الثالث بعد بداية الشهر ومقداره 130 ألف ل.س، وفي القطاع الخاص حيث الوظيفة الثانية أتقاضى 309 آلاف ل.س، مقابل 9 ساعات دوام يوميّة طيلة الأسبوع”.
ويشير أنس أثناء حديثنا معه إلى أنّ أحد أبرز المشكلات التي يعاني منها أبناء الحي، هي غلاء الأدوية وعدم ثبات الأسعار عموماً، وضرب مثلاً على ذلك سعر دواء “الأوجمنتين” الذي يصل إلى 20 ألف ليرة سورية، حسب قوله.
ومن صور المعاناة اليوميّة للسكان في المنطقة: عدم توفر الوقود والغاز والكهرباء، إضافة إلى صعوبة المواصلات المتعلقة بارتفاع أسعار البنزين بشكل مستمر.
يقول أنس: “لقد اخترعت الحكومة لنا شيئاً يُسمّى (بطاقة عائلية)، والتي نستلم من خلالها عبوة الغاز مرة كلّ 90 يوماً وقد يطول الأمر إلى 100 يوم. عبر رسالة في تطبيق يدعى “Way-in” وندفع ثمنها 10 آلاف ل.س، لكنّها تكفينا لمدة 15 يوماً تقريباً، ثم تنتهي! بينما إذا كنتُ أريد شراءها بشكل حرّ فإنها تكلفني 170 ألف ل.س”.
بيع حرّ
وتنتشر ظاهرة البيع العشوائيّ في المنطقة، دون ملاحقةٍ من الحكومة، وعادة ما يكون خلف هؤلاء الباعة بعض العناصر القديمة من ميليشيات “الدفاع الوطنيّ” حسب ما أشار ناصر خلال حديثه.
فيما يؤكد أنس أن هناك ما يُسمّى “البيع الحرّ” والذي يتوفر فيه الغاز وكلّ أنواع الوقود السائل، إذ ينتشر السماسرة على طرفي أوتوستراد درعا الذي يقع على أطراف الحيّ: “هناك أكثر من عشرة أشخاص يبيعون بشكل حرّ، عدد منهم يحمل بيدونات بنزين، وتباع كلّ 10 ليترات بـ 85 ألف ل.س، أمّا إذا كان لديك سيارة يمكنك أن تشتري البنزين من كازيات الدولة، مرتين في الشهر، وحسب البطاقة الذكيّة كلّ 20 ليتر ثمنها 75 ألف ل.س”.
وأجمعَ عدد من السكان المحليين في “نهرعيشة” ممّن تواصلنا معهم على أن وضع المازوت ليس بأحسن حال من غيره، حيث يحق لكلّ عائلة حسب “البطاقة الذكيّة” أن تحصل طيلة الشتاء ولمرة واحدة على 50 ليتر من المازوت وثمنها 100 ألف ل.س، أمّا عن طريق “الحرّ” فإن ليتر مازوت واحد ثمنه 12 ألف ل.س، وعادة ما يستبدل السّكان هناك المازوت بالحطب من أجل التّدفئة، ويبلغ ثمن الكيلوغرام الواحد من الحطب 3000 ل.س، ويمكن أن يدفّئ المنزل لمدة نصف نهار تقريباً، حسب تأكيد عدد من سكان الحيّ.
أحلام مؤجلة
تؤكد أمل (31 عاماً) وهي تعمل معلمة لغة عربيّة، أنّ النّاس مرتبطين بشيء يُسمّى “البطاقة الذكيّة” بشكل دائم، حتّى إذا أردوا شراء السّكر والشاي والسّمنة وزيت الزيتون، وهذا الأخير إذا توفّر في البقالية فإن ثمنه 22 ألف ل.س لليتر الواحد، أمّا عن طريق البطاقة الذكيّة فثمنه 13 ألف ل.س، ويحقّ لكل عائلة ليتر واحد مرة كلّ شهر!
تعيش أمل مع والديها إلى جانب ستة من إخوتها الصّغار، وتشير إلى صعوبات توفير حاجيات هؤلاء الذين ليسوا مؤهلين للعمل بعد، تقول: “إلى جانب عملي في جهة رسمية، أعمل كذلك في تصحيح مخطوطات الكتب لبعض دور النشر، وأعطي أحياناً دروساً خصوصيةً، وذلك يساعدنا قليلاً في وضعنا العائلي. فأبي يعمل على ميكروباص، وأمّي تهتمّ بتربية إخوتي الصغار الذين يبلغ أكبرهم 16 سنة وأصغرهم 5 سنوات، لديّ تقريباً أكثر من 15 ساعة عمل يوميّاً خلال الأسبوع، ولم أفكّر في السّفر لأسباب صحيّة تتعلق بوالدتي، وكذلك من أجل إخوتي الصّغار”.
وبسبب وجودها داخل سورية، لا يتم تقدير مجهود أمل بشكل مستحقّ في عملها من قبل بعض من تتعاقد معهم، تقول: يتمثل القهر الكبير في التعاون مع بعض المؤسسات خارج سورية، مثلاً، عندما أصحح الكتب وأحرّرها وأدقّقها، تكون قيمة تعبي مبالغ سخيفة مقارنة مع ساعات العمل، وفي أيّ بلد لا يعاني من الحرب مثل الدّول الأوربيّة، سيكون أرباب العمل أكثر احتراماً، لكن بسبب الحاجة أقبل بهذا القليل”.
لم تكن أمل تفكر للحظة أن المستقبل سوف يتغير بهذا الشكل فهي التي عايشت سنوات الحرب كانت تعتقد أنّها بمجرد التخرّج من الجامعة سوف تسافر بحثاً عن فرصة أفضل خارج سورية، لكن مرض والدتها بالسكريّ وعدم قدرة والدها على تغطية مصاريف البيت بوجود هذا العدد من الأطفال، جعلها تؤجل مشاريع حلمها بالسفر التي باتت بعيدةً في الوقت الراهن. وتختم أمل: “أعرف أن بعض الأحياء تشتري الماء، لكن في نهرعيشة الماء متوفر بشكل جيد، ولا يشعر المرء بالخوف أحياناً كثيرة لأن الناس في كلّ مكان، كأنّنا في بيتٍ كبيرٍ ضمن هذه المنطقة المكتظّة بالفقر والصبر، نحاول أن نجد مبرّراتٍ للحياة، فيكون الأمل الوحيد هو أن نجعل لهؤلاء الأطفال الذين في بيتنا، مستقبلاً أقلّ وجعاً وأكثر أماناً، ولك أن تتخيل فأنا أشعر بالشبع من الأمومة بسبب انهماكي الطويل في تربية إخوتي مع أمّي وأبي!”.
ناصر وأنس وأمل، هم شباب من أعمار متقاربة، حسموا خيارهم بالبقاء في بقعة جغرافيّة قريبة من العاصمة دمشق، في بيوت تحتضن بعضها البعض من شدّة البرد والخوف، وأمام هول المأساة والضغط المعيشيّ كان يأتي صوتهم من هناك عبر الأثير حزيناً مشحوناً بالقوة والحلم بالخلاص. كان صوتهم صورة أخرى للنوستالجيا الثقيلة التي لا تغادرني.