نساء دمشق يقبلن على عمليات التجميل…من أين المال؟

نساء دمشق يقبلن على عمليات التجميل…من أين المال؟

“زميلاتي في العمل يشبهن بعضهن لدرجة يصعب التفريق بينهن، لذلك أنادي الجميع باسم سندريلا”… هكذا يقول سعيد الذي يعمل في شركة خاصة. يضيف: “أصبحن نسخة واحدة، شكل الأنف والشفاه نفسه”. ثم يسال: “من أين يحصلن على المال اللازم لإجراء عمليات التجميل في ظل الوضع الاقتصادي الصعب؟”.
أما نزار، وهو طالب جامعي، فيرى أن التقليد الأعمى ومحاولة لفت نظر الطرف الأخر هو السبب الرئيسي الذي يدفع الفتاة لهذه الإجراءات، مع أن الرجل “يحب وينجذب للمرأة الطبيعية بدون تجميل وبأقل قدر من مساحيق التجميل، لكن لايستوعبن ذلك ويبالغن بالأمر”.
حقاً، فالتهافت الكبير من قبل نساء دمشق لارتياد مراكز وعيادات التجميل أصبحت ظاهرة مثيرة للاستغراب، خاصة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية للغالبية. ونظراً لوجود أولويات حياتية أكثر أهمية، فهذه الإجراءات تحتاج إلى إنفاق الكثير من الأموال، وإذا كان من المفهوم أن الحرب أفرزت طبقة من الأثرياء الجدد ومحدثي النعمة يمكنهم الإنفاق على مظاهرهم وكمالياتهم، لكن السؤال: “من أين تأتي نساء الطبقة الوسطى وما دون بالمال لدفع تكاليف هذه الإجراءات ؟ وبأي دافع تتحمل المرأة ألم الإبر التجميلية وغرف العمليات؟”.

جواز سفر
تقول ربى( 35 عاما) وتعمل في مجال التعليم: “أصبح اقتطاع جزء من دخلي الشهري وجمعه أو سحب “سلفة ” من العمل أو الاشتراك بجمعيات مالية أمرا اعتياديا لإجراء حقن (فيلر- بوتوكس) كل فترة. كل ذلك حتى اعزز ثقتي بنفسي أمام المجتمع وأبقى جميلة في عيونهم، فاليوم يحكم علينا الآخرون من خلال مظهرنا، والجمال هو جواز سفر يفتح كل الأبواب بوجه المرأة وأهم هذه الأبواب هي فرصة العمل والفوز بزوج المستقبل”.
أما دارين (22 عاما)، وهي طالبة جامعية، فباعت قطعة ذهب الشهر الماضي لتستطيع تسديد تكاليف عملية تجميل الأنف فصورها على مواقع التواصل الاجتماعي ستبدو أفضل بأنف جميل، في حين تطالب داليا (39 عاما) وهي ربة منزل من أختها الموجودة في الخارج بتحويل مبلغ من المال كل فترة لتتمكن من الإنفاق على الإجراءات التجميلة التي تقوم بها من حقن(فيلر وبوتوكس) وغيرها لتحافظ على زوجها. تقول: “مابدي عينه تطلع لبرا ويتزوج عليي. أنا مقتنعة بشكلي كما هو ولكن الرجال عيونهم فارغة”.

تجارة رابحة
يوجد في دمشق وحدها حوالي 50 مركزاً للتجميل، وتعد عمليات شد الوجه والأجفان وتجميل الأنف من أكثر العمليات التجميلية رواجا، إضافة إلى حقن المواد المالئة (بوتوكس،فيلر) يدير هذه المراكز في بعض الأحيان أشخاص غير متخصصون بالجراحة التجميلية، إذ وجدوا في مثل هذه المراكز استثماراً يدر الكثير من الأرباح، ويتم الترويج لهذه المراكز عن طريق صفحات التواصل الاجتماعي، وتم تسجيل حالات كبيرة من التشوهات بدلا من الإصلاح المرغوب، ويتحكم سعر الصرف بدرجة كبيرة بسعر الإجراءات التجميلية .
اللافت هو عدم وجود تسعيرة موحدة للإجراءات التجميلية بين المراكز والعيادات التجميلية، فتعتمد بشكل كبير على خبرة الطبيب وشهرته والمنطقة. هناك تباين كبير بالأسعار بين المناطق الشعبية والراقية، إذ تتراوح سعر عملية تجميل الأنف بين 500 ألف ليرة إلى 2 مليون ليرة بينما عملية شد الأجفان العلوية والسفلية بين 400 ألف إلى مليون ونصف ليرة
أما عمليات شد الوجه الجراحي فتتراوح بين مليون ومليوني ليرة، فيما تصل تكلفة عمليات شد الوجه بالخيوط لحوالي بين 600 و 900 ألف ليرة. أما بالنسبة للإجراءات الأخرى من حقن المواد المالئة، فتتراوح أسعار البوتوكس مابين 150 و200 ألف ليرة وتختلف أسعار الفيلر بحسب نوعيته، إذ يصل سعر “الفيلر” الكوري إلى 220 ألف ليرة للسانتي الواحد. أما الكوري نخب أول ممتاز، فهو 300 ألف بينما النمساوي 400 ألف ليرة.
احد أهم الموزعين للحقن المالئة (بوتوكس، فيلر)، يقول لـ “صالون سوريا” أن كل المواد الموجودة في العيادات ومراكز التجميل منشأها صيني ولكن بامتياز أوربي، ولايوجد مواد منشأها الاتحاد الأوروبي أو أميركا لان أسعارها مرتفعة جداً ربما تصل إلى 500 دولار وما فوق.

واقع مؤلم
يصل عدد الأطباء المتخصصين بالجراحة التجميلية لما يقارب 190 طبيباً، يشكو غالبيتهم من حالات “التخبيص ” التي طالت مهنة الجراحة التجميلية والتعدي عليها من قبل أشخاص غير مؤهلين. يقول الدكتور وائل البرازي رئيس رابطة الطب التجميلي لـ “صالون سوريا” : “واقع عمليات التجميل في سورية مؤلم إذ تجرى هذه العمليات في معظمها من قبل أطباء غير اختصاصين بجراحة التجميل وأحيانا من قبل ممرضين (ذوي خبرة في مساعدة أطباء التجميل سابقا)، مضيفا: “كثرت التشوهات التالية لعمليات التجميل بسبب هذه الظاهرة من عدم ضبط هذه المهنة النبيلة ،هناك إقبال شديد جداً على افتتاح مراكز تجميل من قبل تجار همهم الوحيد الربح فقط مستغلين وسائل الدعاية والتواصل الاجتماعي دون ضابط أو رقيب ،ليس للرابطة أي دور في ضبط ممارسة المهنة فدورها علمي فقط وتقع مسؤولية ضبط المهنة على عاتق وزارة الصحة”.
بدوره، نشر الدكتور بيهس رقية وهو طبيب اختصاصي جراحة تجميلية عبر صفحته على “فيسبوك”، قائلا: “المبالغة بالتجميل وإجراء عمليات قبل وقتها والاجتهاد غير العلمي “كعين القطة وغيرها ” والتعدي الرهيب على هذا الاختصاص واستعراض عضلات” الفيسبوك” وأبواقه أساء لسمعة هذه المهنة داخلياً وخارجياً في الوقت الذي يجب أن يكون التجميل حقيقياً ومبينياً على أسس العلم والطب”.

حالة مرضية
الدكتورة رشا شعبان الأستاذة في علم الجمال بجامعة دمشق (قسم علم الاجتماع ) بينت في تصريح لصحيفة محلية أن من ابرز الأسباب التي تجعل المرأة تتجه إلى عيادات ومراكز التجميل هو “الغزو الثقافي الذي يروج لقيم جمالية تديرها سوق رأسمالية عبر الإعلان وتسويق منتجات جمالية ما نتج عن ذلك تسليع لجسدها وفق ما تروجه الشركات التجارية عبر إجراء عملية تجميلية لنموذج معين يقارب بعض الممثلات الشهيرات”.
وترى أنه خلال ظروف الحرب والأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد ازداد الإقبال من قبل البعض منهن لإجراء عمليات التجميل لأن المرأة أصبحت بحاجة أكثر للرجل الذي اتجه للحرب أو الهجرة ، وأن نسبة النساء طغت على الرجال وتكاد تصبح العلاقة وفق قاعدة العرض والطلب ما يعني أن العلاقة وصلت إلى أدنى مستوياتها وأصبحت المرأة تعرض أحسن ما عندها في عرض مفاتنها وأعضاء جسدها بالطريقة التي يريدها الرجل .
وأشارت إلى أن المبالغة في ارتياد المرأة العيادات وإجراء العمليات المتكررة يعني أن الحالة “مرضية”، بل أصبحت كلعبة «الدومينو» تبدأ بعملية وتضطر لتتم العملية الأولى لكون المواد لها فعالية لفترة محددة وفي كل مرة تكون غير راضية عن شكلها، وتالياً تصبح حالة مرضية أكثر حتى لو كانت جميلة لأنها أساساً بداخلها غير راضية عن أنوثتها أو شكلها لضعف ثقتها بنفسها، وتؤيد د. شعبان إجراء التجميل في الحالات التي تتطلب ذلك مثل حالة تشوه ما أو حروق تستدعي إجراء عمليات كهذه.
وتؤكد على دور التربية منذ الصغر للمرأة على أساس أنها ستصبح طبيبة ناجحة في المستقبل بدلاً من الغرس في عقلها أنها ستصبح عروساً جميلة وتكريس ثقافة الجسد، إضافة إلى عامل البيئة والمدرسة والمناهج، والنقطة الأهم الإعلام وإعادة النظر بالإعلام الذي يروج على أنها جسد لتصريف منتجات “البوتكس” والتركيز على دوره باتجاه التوعية ومخاطبة العقل والارتقاء به والاهتمام بغرس القيم الأخلاقية.

وثيقة دستورية في جنيف: “المساس بالنظام خيانة”

وثيقة دستورية في جنيف: “المساس بالنظام خيانة”

«أنت لست صديقي ولا أخي، أنت مجرد زميل»… كان هذا تعليق أحد أعضاء الوفد القادم من دمشق على وفد «الطرف الآخر» في اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، التي انتهت مساء أول من أمس.
هذا شفوياً، أما خطياً، فإن الأوراق المضادة التي قُدمت وحصلت «الشرق الأوسط» على نصها، كشفت عن عمق الهوة بين المشاركين. وذهبت وثيقة قدمها رئيس الوفد «المسمى من الحكومة» أحمد الكزبري، إلى القول إن «المساس بنظام الحكم السياسي، عبر استخدام القوة أو بالتهديد بها أو التحريض عليها أو التشجيع على العدوان على أراضي الدولة والتواصل مع جهات معادية والتعامل مع أي طرف خارجي، بأي طريقة تضرّ بالمصالح الوطنية، يُدان بتهمة الخيانة العظمى».
وزاد في ورقة أخرى: «يجرّم القانون كل من يدعو إلى تكريس الهويّات دون الوطنية التي تمسّ بوحدة المجتمع وأمنه، ويصون الدستور التنوّع الثقافي في إطار الوحدة الوطنية»، لافتاً إلى أن المسّ بالجيش «جريمة يعاقب عليها القانون».


بيدرسن
وكانت أعمال الجولة السابعة من «الدستورية» انتهت الجمعة، من دون أن يعلن المبعوث الأممي غير بيدرسن موعداً جديداً للجولة الثامنة، التي أبدى وفد دمشق استعداده لأن تكون في نهاية مايو (أيار). وواكب المبعوث الرئاسي الروسي ألكسندر لافرينييف، والمبعوث الأميركي إيثان غولدريش، ونظيره التركي سادات أونال ومسؤولون غربيون آخرون، أعمال اللجنة، التي نص القرار 2254 على أنها «ملكية وقيادة سورية».
وقال بيدرسن، الذي تجنّب عقد مؤتمر صحافي كما جرت العادة: «ناقش أعضاء اللجنة في الأيام الأربعة الأولى مبادئ دستورية أساسية، هي أساسيات الحكم، مقدمة من المعارضة، وهوية الدولة مقدمة من بعض مرشحي المجتمع المدني، ورموز الدولة مقدمة من الحكومة، وتنظيم السلطات العامة ومهامها، مقدمة من المعارضة».
وفي اليوم الخامس، وتماشياً مع «الاتفاق» قبل الدعوة للجولة السابعة، كان متوقعاً أن تقدم الوفود مراجعات تعكس محتوى المناقشات خلال الأيام الأربعة الماضية. وأوضح بيدرسن: «قدمت جميع الوفود على الأقل بعض التنقيحات على بعض النصوص المقدمة، وبعض هذه التعديلات المجسدة تشير إلى محاولة لعكس مضمون المناقشات وتضييق الخلافات بين الأطراف، فيما لم يتضمن البعض الآخر أي تغييرات».

على حد الاتفاق
العقدة في الجولات السابقة كانت تتعلق باليوم الخامس من الجولة، ذلك أن وفد دمشق كان رفض الوصول إلى صياغات مشتركة مع وفد «هيئة التفاوض» برئاسة هادي البحرة. وتطلب هذا جولات مكوكية لبيدرسن إلى موسكو ودمشق وعواصم أخرى، إلى أن جرى التفاهم على أن يجري تبادل الأوراق المضادة في اليوم الخامس. وفسّر البعض أن هذا يعني الوصول إلى نصوص مشتركة، فيما فسّرته دمشق بأنه يقضي فقط بتقديم تعليقات خطية، بموجب فهمها لرسالة الدعوة التي وجهها بيدرسن إلى المدعوين إلى الجولة السابعة.
وبالفعل، جرى تقديم 15 ورقة رداً على 4 وثائق قدمت خلال الأيام الأربعة من الجولة السابعة. وكشفت هذه الأوراق، التي حصلت «الشرق الأوسط» على نصوصها، عن عمق الفجوة بين الأطراف والنظرة الإشكالية تجاه «الآخر».
وبعد تعليق اجتماعات الجلسة الصباحية من اليوم الخامس، استؤنفت الاجتماعات في الجلسة الثانية برئاسة الكزبري، الذي «خصص ٣٠ دقيقة لمناقشة كل مبدأ من مبادئ الأيام الأربعة الماضية والأوراق التعديلية المقترحة».
وعبّر أعضاء من «الوفد المسمى من الحكومة»، صراحة، عن أن الوفد «ارتأى أن جوهر النقد الذي وجه لورقته هو إحالة رموز الدولة للقوانين، وهذا الأمر مرفوض بالنسبة له»، واعتبر أن «التعديلات المقدمة من الوفد المسمى من قبل المعارضة بقيت في إطار الشكلية ولم تغير في جوهر المفاهيم والمصطلحات». ورفض الكزبري أي تعديلات على أوراقه، لكنه قدم مقترحات لـ«تطوير باقي الأوراق».


رموز الدولة
وقال الكزبري في إحدى الوثائق: «تابع وفدنا جميع النقاشات التي دارت خلال اليوم الثالث من الاجتماع حول مبدأ رموز الدولة، وكذلك المقترحات المقدّمة من الأطراف الأخرى حوله، ويبدي وفدنا عدم قناعته بأي نقاشات أو مقترحات مقدّمة لتعديله، ويؤكد تمسكه بالمبدأ المذكور كما تم تقديمه من قبله وهو كالآتي:
تمثل رموز الجمهورية العربية السورية قيماً وطنية عليا وحضارية راسخة، وتعبّر عن تاريخها وتراثها ووحدتها، وهي كلٌّ غير قابل للتعديل:
1 – علم الجمهورية العربية السورية الذي يتألف من ثلاثة ألوان: الأحمر والأبيض والأسود، وفيه نجمتان كلّ منهما ذات 5 شعب لونها أخضر، ويكون العلم مستطيل الشكل، عرضه ثلثا طوله، يتكوّن من ثلاثة مستطيلات متساوية الأبعاد بطول العلم، أعلاها باللون الأحمر، وأوسطها باللون الأبيض، وأدناها باللون الأسود، وتتوسّط النجمتان المستطيل الأبيض.
2 – (حماة الديار عليكم سلام) هو النشيد الوطني للجمهورية العربية السورية.
3 – اللغة العربية هي اللغة الرسمية للجمهورية العربية السورية.
4 – الليرة السورية هي عملة الجمهورية العربية السورية ووحدة قياس نقدها.
5 – شعار الجمهورية العربية السورية هو ترس عربي نُقش عليه العلم الوطني للجمهورية العربية السورية بألوانه، ويحتضن التّرس عُقاب يمسك بمخالبه شريطاً كُتب عليه بالخط الكوفي (الجمهورية العربية السورية)، وفي أسفل الترس سنبلتا قمح، ويكون العُقاب والشريط وسنبلتا القمح باللون الذهبي، وتكون الكتابة وخطوط الأجنحة باللون الفاتح البنّي».
وكان وفد «الهيئة» قدم وثيقة تخص «رموز الدولة»، نصها: «تاريخ العلم السوري: يظهر للمتتبّع له أنه تعرض للتبديل والتعديل مرات عدة، بسبب أحداث أو تغييرات في الدولة، كانت بنظر المعنيين تستدعي تغيّر العلم أو تعديله أو العودة لاعتماد علم استعمل غيره بدلاً عنه لسبب يتعلق بسياق الأحداث التاريخية.
ولأن الدستور نص له روح، يستمدها من الواقع الذي وُلد وعاش فيه، لوجود علاقة تأثير متبادلة بين الدستور والواقع، علاقة جدلية تتمثّل في تأثُّر الواقع السياسي في النصوص المكتوبة، وكذا تطويع نصوص الدستور للتطور السياسي ومتطلبات الواقع.
ونحن في سوريا الآن لدينا علمان من سلسلة أعلامنا التاريخية معتمدان لدى ملايين السوريين، فريق يرى أن علم الاستقلال يمثله (22/2/1932) وفريق يرى أن علم الوحدة يمثله (1/1/1958) اعتمده (الرئيس المصري) جمال عبد الناصر.
وفي تقديرنا، أن الثورة التي انطلقت بمظاهرات سلمية منذ مارس (آذار) 2011، تطوّرت أحداثها لما نعلمه جميعاً، هذه الأحداث والظروف جديرة بأن تكون سبباً في طرح مسألة تغيير العلم من جديد لدى ما يزيد على نصف تعداد الشعب السوري.
وبالعودة والنظر لسياقات الدساتير السورية، نجد أن العلم والشعار والنشيد أُحيلت لقانون خاص يبينها:

ففي المادة السادسة من دستور 1950
(يُبَيّنُ شعارُ الجمهورية ونشيدُها الوطني بقانون).

وفي دستور 1973 المادة السادسة منه تقول:
(يبينُ القانونُ علمَ الدولة وشعارَها ونشيدها والأحكامَ الخاصة بكل منها).
ففي هذه الإحالة مندوحة عن التقرير في أمر يهم شعبنا الواحد، وهو في حالة تستدعي تأخير البت بشأن رموز الدولة لفترة متأخرة نسبياً.
وهذا ينسحب على الرموز كلها: العلم والنشيد والشعار وغيره.
نحن نمر بمرحلة تاريخية تستدعي التغيير، وكما هو مقرر تاريخاً وواقعاً فليس من دستور يبقى على حاله، بل يتغير بتغيّر ظروف العقد الاجتماعي الذي أنشأه أصلاً. ونحن بلا شك أمام صناعة عقد اجتماعي جديد».
«هوية الدولة»
وجاء في وثيقة وفد دمشق أنه «رغم أن وفدنا يرى أنه ليس هناك مبدأ مستقل يُسمى (هوية الدولة) بالمعنى الدستوري، بل هناك مبادئ أو مواد في الدستور تعكس هوية الدولة، ولكنه من باب التفاعل مع الطروحات والنقاشات التي جرت، فإننا نقدّم الرؤية المعدّلة الآتية:
1 – إن العروبة هي الأساس والأصل التاريخي والهوية الجامعة لكل أبناء المنطقة، كما أنها الإطار الموحّد لكل مواطني الجمهورية العربية السورية، ثقافياً واجتماعياً وحضارياً وإنسانياً. فهي ليست خياراً تحكمه مصلحة أو هدف، بل هي انتماء أوسع من أن يُحصر بعرق أو دين أو مذهب أو لغة أو مصلحة.
2 – إن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للجمهورية العربية السورية، وتكفل الدولة بمؤسساتها كافة، خاصة التربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية، تعزيزها وترسيخها كأحد أسس هويتها الوطنية.
3 – إن الشعب السوري بنسيجه الاجتماعي المتنوّع هو جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، يعتز بانتمائه العربي ويفخر بأمته ورسالتها الحضارية الخالدة عبر التاريخ، في مواجهة جميع المشاريع الاستعمارية والانفصالية والإرهابية التي تهدف لتفتيت الدول.
4 – يجرّم القانون كل من يدعو إلى تكريس الهويّات دون الوطنية التي تمس بوحدة المجتمع وأمنه، ويصون الدستور التنوّع الثقافي في إطار الوحدة الوطنية».


«أساسيات في الحكم»
وقدم وفد «هيئة التفاوض»، يوم الاثنين، ورقته باسم «أساسيات نظام الحكم»، واقترح أن يكون «جمهورياً يقوم على سيادة القانون، واحترام الكرامة الإنسانية وإرادة الشعب، والالتزام الكامل ببناء مجتمع حر وعادل ومتضامن». وجاء فيها: «السيادة للشعب يمارسها عبر وسائل الاقتراع المقرّرة في الدستور، بما يسمح له بالتعبير الحر والديمقراطي عن إرادته في اختيار من يمارس السلطة نيابة عنه، على المستويين الوطني والمحلي، في إطار التعدّدية السياسية والتداول السلمي للسلطة.
تُعبّر الأحزاب السياسية عن التعددية السياسية وتُسهم في تكوين وإبداء الإرادة الشعبية، كما تُعد وسيلة أساسية للمساهمة السياسية. ويتم إنشاء الأحزاب وتمارس نشاطها بحرية في إطار القوانين الناظمة لعملها بما لا يتعارض مع أحكام الدستور».
وقدم الكزبري ورقة مضادة، جاء فيها: «بما أن العنوان المقدّم من الطرف الآخر المسمّى «أساسيات في الحكم»، لا يشكّل مبدأً دستورياً، وقد أوضح وفدنا ذلك خلال الاجتماعات، فإننا نتقدّم بالرؤية المعدّلة التالية لهذا البند من منطلق مفاهيمي وليس دستورياً:
«يصون الدستور نظام الحكم السياسي في الدولة، وأي مساس به بأي شكل غير شرعي، خاصة عبر استخدام القوة أو بالتهديد بها أو التحريض عليها أو التشجيع على العدوان على أراضي الدولة والتواصل مع جهات معادية والتعامل مع أي طرف خارجي بأي طريقة تضرّ بالمصالح الوطنية، يُدان بتهمة الخيانة العظمى.
الولاء للدولة ومؤسساتها وجيشها العربي السوري وقواتها المسلّحة هو واجب على كل مواطن، وأي استقواء عليها بالخارج أو النيل من هيبتها أو من دورها أو محاولة تغيير بنية مؤسسات الدولة بهدف إضعافها، هو جريمة يعاقب عليها القانون.
تعبّر الأحزاب السياسية عن التعددية السياسية وتُسهم في تكوين الإرادة الشعبية، وأي نشاط سياسي خارج الأحزاب المرخّصة هو نشاط محظور بموجب القانون، ويكون إنشاء وتمويل الأحزاب والتنظيمات محكوماً بالقوانين والأنظمة الوطنية، ولا يجوز إنشاء أي أحزاب أو تنظيمات أو تجمّعات على أساس ديني أو طائفي أو مناطقي أو عرقي أو ولاء خارجي».
ورداً على ورقة أخرى تخص «عمل المؤسسات»، قدم وفد دمشق ورقة فيها: «إن عنوان تنظيم وعمل السلطات العامة هو عنوان عام وليس مبدأً دستورياً، ولا يمكن الحديث عنه قبل تعريف واضح لمهام وواجبات السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والهيئات والمؤسسات المنبثقة عنها».


تشنج وهدوء
وتراوحت المناقشات التي كانت تتم بـ«رقابة» روسية وأميركية وإقليمية وغربية، بين الهدوء والتشنج، وسط غياب لـ«أي دفء في المناقشات»، وحرص القادمون من دمشق على «الزمالة ورفض الصداقة أو الأخوة». وظهرت مطالبات بـ«التركيز على غنى النقاش وتطور الأفكار، حتى وإن لم يكن هناك استعداد بعد لترجمة التقدم في الحوار في صيغة المقترحات النهائية».
وأكد بيدرسن على هذه النقطة الأخيرة، حيث اعتبر أنه صار «أكثر تفاؤلاً في نهاية الجلسة الأخيرة من بدايتها»، حيث لحظ رغبة أكبر في النقاش والحوار وسماع الآراء. لكنه أشار أيضاً إلى أن «المسافة تبقى كبيرة بين المواقف، وأن روح الحوار المطلوبة من أجل الوصول إلى توافق بحسب ورقة المعايير والقواعد الإجرائية الناظمة لعمل اللجنة الدستورية ما زالت غائبة رغم التقدم في النقاشات». وقال إنه سيسعى قريباً، بعد المشاورة مع الرئيسين المشتركين، لتحديد موعد الجولة المقبلة في مايو، وإنه سيتواصل مع الحكومة و«هيئة التفاوض» لإعادة التقييم بعد 7 جولات لتطوير مقترحات أكثر عملية لتحسين مسار العملية.
وحسب بيدرسن، بعد عامين ونصف العام من إطلاق اللجنة، هناك «حاجة واضحة لتجسيد الالتزام في عملها»، وأن تبدأ اللجنة في التحرك «بشكل جوهري إلى الأمام، بشأن ولايتها لإعداد وصياغة إصلاح دستوري للموافقة الشعبية».

  • نقلا عن “الشرق الأوسط”
القتل في سوريا…كيف أصبح أمراً عادياً

القتل في سوريا…كيف أصبح أمراً عادياً

سبعة أيام تفصل بين تقديم مقترح التحقيق وتسليمه. بالضبط 168 ساعة من عمر سوريا. خلالها، حصلت 8 جرائم قتل هزت البلاد من الساحل إلى السويداء مروراً بدمشق.
أما الضحايا كباراً وصغاراً ذكوراً وإناثاً، تعددت طرق الجريمة مرة بفأس وأخرى بسكين، وثالثة برصاصة وكل هذه الأدوات لم تكن عابرة لأرواحهم/هن، بل كانت نهاية حياة في بداية 2022.
بدأت الحكايا من صبية جريئة تحدثت بصوت مرتفع عن قضية المغدورة آيات الرفاعي، القضية التي وحدت السوريون على اختلاف آرائهم السياسة والاجتماعية، ومنذ مقتلِ آيات تتوالى الجرائم تباعاً، رغم التحرك السريع للجهات المعنية!
لماذا كل هذا العنف؟ وهل جعلت الحرب السوريين عنيفين بالفطرة؟ أم أن العنف نتيجة طبيعة بعد 10 سنوات حرب؟ كيف يتجرأ قاصر على قتل أخته؟ وكيف تكون الرصاصة أسهل من ضربة كف؟ ماذا ينتظر مستقبل البلاد أمام كل هذا العنف؟ هل القانون قاصر؟ هذه هي جمل “مونولج” داخلي يدور في ذهن كل من يفكر قليلاً بما جرى في 7 أيام من تاريخ هذي البلاد، التي مازالت تخسر أرواحاً بشتى الطرق.

الموت واحد
هي شعرةٌ بين رفع اليد للقتل وبين التنفيذ، يُحَمِلُ السوريون/ات الحرب السبب الأول لازدياد الجريمة في البلاد، لكن يصنف عامي 2020 و2021 من أكثر الأعوام ارتكاباً لفعل الجريمة البشرية أي القتل بين المدنيين خارج حدود المعارك والنزاع على الجبهات. تشير الاحصائيات الرسمية السورية الى أن 297 جريمة قتل حصلت عام 2021، وهذه الإحصائية لا تشمل الثلث الأخير من العام الفائت.
تتحدث الاختصاصية في علم النفس هبة موسى لـ “صالون سوريا” عن عدة أسباب باتت تجعل فعل القتل أمراً عادياً: “الحقد، الغيرة البيئات الاجتماعية المختلفة، الألعاب الالكترونية ، البابجي نموذجاً”.
أما الجرائم ودراستها وتحليلاتها، فتشير موسى الى أنها تُدرس حسب أسلوب التعاطي والتربية والعمر لمن قام بالجريمة.
أما الأساليب المتجددة لـ “القتل تحديداً” وخصوصاً ما يفعله به الأطفال، فتتصدر المشاهد العنيفة التي تلاقاها السوريون والسوريات خلال 10 سنوات حرب السبب الأول، فهي كانت خزين الذاكرة لديهم، فأصبح قتل الشخص الذي يسبب الإزعاج لشخص آخر هو الحل الوحيد.
يوافق المحامي رامي جلبوط الاختصاصية النفسية في الجزئية المتعلقة بتأثير الحرب على ارتفاع نسبة الجريم، لكنه يصنف في أنواع الجرائم التي ارتفعت كثيراً في السنوات الأخيرة من تاريخ سوري. ويقول لـ “صالون سوريا”: “الجرائم الواقعة على الأموال تتصدر اليوم المرتبة الأولى”، موضحاً أن “تدهور الأوضاع الاقتصادية العامة، فقدان المواطنين لمدخراتهم على مدار سنوات الحرب، الارتفاع في نسب التضخم أفقدت المدخول الحقيقي للفرد قيمته بالتوازي مع ارتفاع كبير جداً بالاحتياج للنقود لتغطية المصاريف الضرورية”.
هذا ما دفع الكثيرين لارتكاب جريمة السرقة بكافة أشكالها، والنشل على وجه التحديد في محاولة تأمين مصادر دخل إضافية، حسب جلبوط. ويضيف ان هذا الأمر “ترفق مع ظهور فئة جديدة من الأثرياء الذين اغتنوا من الحرب والذين لم يستطيعوا كبح جماح رغبتهم في إظهار ثرائهم الجديد، مما دفع الآخرين لمحاولة تحقيق توازن فيما بينهم وبين الأثرياء الجدد عبر اقتناص أموالهم مبررين ذلك أخلاقياً بالنسبة لهم بأنهم يسرقون من السارق”. ويعطي مثالا على هذه الجرائم ما يتعلق بـ “قيام المحاسبين باختلاس أموال التجار الذين يعملون لحسابهم وذلك بعد رؤيتهم لكمية الأرباح الضخمة التي حققوها من خلال استغلال ظروف الحرب”.
وهذا يرتبط مع تحليل هبة موسى الاختصاصية النفسية، باعتباره “احد أشكال الحقد الطبقي الذي يولد فعل القتل عند البعض”.

حياة روح!
هذا العنوان غير مُعَرَف، ربما يعتبره بعض مختصي اللغة أنه “خطأً قاتل”. يشبه هذا العنوان حياة الطفلة التي وجدت أمام أحد مستشفيات اللاذقية وأسموها الأطباء “روح”، ويشبه أيضاً حياةَ طفل ملفوف بورقة بيضاء في حماه كتب عليها “ابن حلال”.
تعددت أشكال القتل عن سابق إصرار وتصميم في البلاد، ومنها مايشبه القصتين. أبرياء يصبحون بلا نسب بسبب نشوة حب عابرة، أو ربما بسبب عدم القدرة على شراء علبة حليب لهذا الطفل أو الطفلة. وهذه أيضاً يصنفها القانون أنها جرائم. وأشارت إحصائية رسمية في صيف 2021، أن عدد الأطفال المجهولي النسب كان 112 طفلاً وطفلة.
من أنواع الجرائم التي تحدث عنها المحامي رامي جلبوط أيضاً، الانتحار وزدادت نسبته في سوريا، رغم أن العام الماضي أي 2021 انخفضت نسبته حسب تصريحات رئيس الطبابة الشرعية في سوريا الدكتور زاهر حجو للصحافة الرسمية في البلاد. ووصلت إلى 30 حالة انتحار، غالبيتهم من الشباب والشابات.
وتعزو هبة موسى هذا الى “الوضع الاقتصادي للشباب اليوم، والضغوطات النفسية، والشعور باللاجدوى من المستقبل، وحلم الهجرة وعدم القدرة على تنفيذه كلها عوامل محرضة لإنهاء الحياة”.
ومن حالات الجرائم التي انتشرت أو ربما الأدق ظهرت أكثر إلى العلن أثناء الحرب، هي الجرائم بحق النساء، أي جرائم “العنف القائم على النوع الاجتماعي”، بدءاً من قصة الفتاة السورية في مدينة الحسكة التي حاولت رفض الزواج من ابن عمها فقتلها أهلها، والأخرى في مدينة السويداء التي طاعت أهلها ورفضت شخصاً يحبها فقتها، وآيات التي عملت كجارية حسب الروايات الأهلية.
كل هذه الحالات ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي بنشرها، وأقر الاختصاصيون النفسيون والاجتماعيون والحقوقيون وجودها قبل الحرب، لكنها زادت أثناء الحرب، وتفاقمت أثناء فترة وباء”كورونا”، حسب الاختصاصية موسى. أيضاً ليست هناك إحصائيات رسمية سورية، بل تشير الاحصائيات التي وثقتها بعض المنظمات إلى حدوث 24 حالة تم توثيقها، وبالطبع هناك الكثير من الحالات التي لا يمكن توثيقها، ودفنت مع سرها أيضاً.

رأي مدني؟
هل بات المواطنون/ات اليوم لا يهابون القانون؟ هل بات السجن أو الإعدام عادي بمختلف أنواع الجرائم طبعاً، السرقة، القتل، النشل، الشروع بالقتل وغيرها، أم أن القانون يجب أن يكون حازماً أكثر؟ أين دور المجتمع المدني ومؤسساته الناشطة في سوريا؟
تجلب الحرب كل ويلات التمرد، والدمار النفسي الاجتماعي والاقتصادي، تفقد الناس ثقتهم بكل شيء حتى بأنفسهم فينتحر بعضهم أحياناً، ويقتل آخرون. ويلتزم الكثير منهم الصمت، ويذهب آخرون وأخريات للتباهي بكسر القوانين والتحايل أيضاً على القانون، ليشعروا/رن بالنشوة الزائفة والقوى الزائفة حسب الاختصاصية موسى.
وفي حديث عن القانون السوري، يشير جلبوط الى ان القوانين السورية “ممتازة بمعظمها. الطائفة الأوسع من مختلف الجرائم ويتصدى المُشرع السوري للجرائم الجديدة بنسبة مقبولة من سرعة الاستجابة ولا أعتقد أن وضع القوانين الحالي قد أثر في ارتفاع نسبة ارتكاب الجريمة”، منوهاً أن مواجهة الجريمة “لا تكون بقرارات أو عمل جهاز أو شخص أو وزارة واحدة. مواجهة الجريمة تكون باستراتيجية تتبناها الدولة بكافة أجهزتها وبمعاونة مؤسسات المجتمع المدني تبدأ بالدرجة الأولى بنشر الوعي والثقافة العامة ونشر الثقافة القانونية لأن الجريمة ابنة الجهل:.
إذاً أين المجتمع المدني؟ يتحدث الناشط المدني أنس بدوي لـ “صالون سوريا” عن دور المجتمع المدني مقدماً قضية الشابة آيات الرفاعي كمثال، قائلاً: “لا شك أن واحدة من أهم الملاحظات على كيفية التعاطي مع الجريمة هو أهمية الحشد والمناصرة التي قام بها المجتمع المدني والذي حرك فيها الرأي العام من خلال تسليط الضوء على العقوبات وتسليط الضوء على أهمية وجود قانون وتشريعات حساسة للنوع الاجتماعي تحمي المرأة والنساء وتسليط الضوء على المواد الحقوقية من حق والحياة، لكن هنا يجب أن نقف عند التحرك الإيجابي الذي قانت به الحكومة تجاه قضية آيات الرفاعي رغم الكثير من المأخذ هل هي استجابت بالفعل للرأي العام والمجتمع المدني؟ أشك في ذلك”، على حد تعبير بدوي. ويتابع أن الحكومة إما استجابت للرأي العام أم خشيت من تنامي رد الفعل الشعبي؟ أو أنها بالفعل رأت أنها قضية يجيب تسليط الضوء عليها أو لفت النظر عليها.
يقال ان “العبرةَ في الخواتيم”. اختلفت أسماء الضحايا على امتداد مساحة الجغرافية السورية، فهل يعتبر من يفكر بالجريمة أياً كانت اليوم؟ ربما لا تتساوى الجرائم وكذلك لا تتساوى العقوبات، فلكل فعلٍ عقوبة تناسبه في القوم، لكن تبقى “جريمة”، من سوف ينسى كيف تكلم قاتل شقيقته عن جريمته الكاملة بهدوء أمام الكاميرات؟ ومن سينسى مونولجاً دار في رأسه عن طريقة موت آيات ومحمد الذي قتلته خالته امرأة أبيه!

دمشق…الرمق الأخير

دمشق…الرمق الأخير

على باب المنزل امرأة مع طفلتيها، صممت كيسا قماشيا ثنائي الجيوب. في يد كل طفلة كيس، والجيوب مخصصة لمواد محددة، ترجوك المرأة أن تضع ما تيسر لك او ما ترغب في إيداعه في كل جيب.
بوجه يبتسم رغما عنه، وبلغة منكسرة وصوت خافت تقول المرأة: “كل عام وأنتم بخير! ساعدونا لجمع مونة رمضان يا أهل الخير”.
جيب للأرز وآخر للسكر وثالث للبرغل ورابع للبقول. وفي يد الأم، كيس قماشي كبير للمعلبات او للكعك والخبز وسواها. يبدو أن الطفلتين قد تدربتا على مهامهما بشكل جيد، تستلمان ما يعطى حسب محتوى الكيس المحمول بيد كل طفلة، تفرغان المحتويات الممنوحة في الجيب المخصص، لا تبتسمان ولا تنبسان بحرف. هما هنا من أجل مهمة محددة، وإن جرب أحدنا تقديم قطعة بسكويت أو حلوى لهما، تنتظران أمرا من والدتهما لأخذها.
يبدو المشهد وكأنه فيلم قصير مبتكر، دراما تلفزيونية محبوكة بإبداع وحرفية عالية. هل يمكننا التجرد من البؤس الماثل والمكثف أمامنا؟ هل يمكننا الحكم على جودة المشهد وكأننا حكام فنيون متخصصون؟
لن نفاجأ بتلك المخيلة التسولية المرتبة، تنظيم دقيق وفائق لطلب الحاجات الأساسية! ليس مهما أبدا أن تصدق المرأة، تقول في نفسك حتى لو كانت تريد بيع ما تحصل عليه، فلتبعه وتشتري دواء أو تدفع إيجار البيت!!! كل شيء بات معدوما ويتعثر الحصول عليه.

سؤال الفقر
لم يعد سؤال الفقر مؤرقا ولا مدعاة للخجل، يشعر السوريون والسوريات، بل وفي حقيقة الأمر هم لا يشعرون، بل يعانون من فقر شديد ومن حياة أشبه بحياة التسول، وكل الاحتيالات المكشوفة حول تبادل الموجود كل حسب حاجته هو مدعاة للقهر الشديد، لأنه اعتراف صريح وواضح بمدى إلحاح الحاجة وضحك على النفس بأن عين العقل هو تطبيق نظرية التبادل السلعي ولو كانت ممعنة في هشاشتها وقلة فعاليتها.
تتضافر العوامل الداخلية والخارجية لتزيد من استحالة توفير الحدود الدنيا من أساسيات العيش للسوريين والسوريات، بلد منهك وفساد معمم وموارد شحيحة، لا كهرباء ولا دواء إلا لمن يملك مالا وفيرا وغير متعوب فيه كما تصفه الغالبية، أي أنه مال أسود تحصل من تجارة سوداء، بمواد تستجلب القتل والقهر والتجويع وتسرق كل ما هو متاح ولو كان ملكا صريحا وصحيحا للآخر بالقوة والبلطجة في ظل غياب شبه تام للقانون.
كما أن كل الواردات والمساعدات من الأهل والأصدقاء خارج الحدود لم تعد كافية لدفع إيجار البيوت أو تكاليف إقامة لليلة واحدة في أحد المشافي الخاصة.
وهذه المدينة وناسها وأهلها ألا يستحقون الكتابة عنهم خارج عملية الإنكار المزمنة لكل هذا القهر والتجاهل والموت المنظم وكأنه العملية الأكثر انتعاشا، كيف لمدينة بكل هذا الحضور والعوز أن تُشطب من قوائم الأخبار والمتابعات الإعلامية؟

موطئ “دعسة”
على موقف الباصات ينتظر كثيرون موطئا لدعسة قدم في أي حافلة متهالكة أو باص يتدلى الناس منه كأحشاء لفظها بطنها. يأتي مازن حاملا لفافة فلافل بيده. إنها الساعة السادسة مساء والجوع قد استفحل في المعدة الخاوية. يحاول مازن دعوة صديقه لمشاركته الطعام، علامات التردد واضحة عليه، وكلما جدد الدعوة لصديقه، كلما أحكم قبضة يده على اللفافة، لكن صديقه الجائع مثله وربما أكثر، يقترح حلا! يخاطب صديقه قائلا: “اقسم اللفافة بيننا، نسكت جوعنا حتى نصل بيوتنا وأعطيك نصف ثمنها”. يوافق مازن بسرعة، يبدو أن خطة صديقه “الذكية” ستوفر عليه ألفا وخمسمائة ليرة ثمن نصف السندويشة التي شعر وهو يسدد ثمنها بالندم، لكن الجوع أقوى وأشد غلبة من الندم.
وحده الرحيل هو الحلم المشترك للجميع، يسعون إليه حتى في الأحلام. يبيعون البيوت وما تبقى من أراض هي تركة الآباء ووصيتهم الباقية للأبناء، الرحيل لا السفر، فلا أحد يفكر بالعودة، والجميع قد قطع حبل السرة مع هذه البلاد وحان وقت الانفصال النهائي عنها حتى بالذاكرة.
يقول سعيد المقيم في فرنسا، نسيت كل شيء، كل التفاصيل. كان يسخر من عبارة “ريحة البلد غير”، ويضيف: “لولا صوت أمي على الهاتف الجوال لنسيت اسم البلاد واسم شارعنا وعنوان بيتنا”.
في سوق الخجا المشهور ببيع حقائب السفر، ازدحام غير موجود إلا على أفران الخبز ومحطات الوقود. يتذمر الناس من غلاء أسعار الحقائب، بعضهم يرغب بحقيبة صغيرة لكن لا تتضرر بالماء، تعرف أن موسم الرحيل بالبلم قد بدأ، ـتشعر بالغرق بدلا عنه، وآخر يريد حقيبة رخيصة لكنها كبيرة، ويقول: “هي سفرة يتيمة لن أعود بعدها ولن أسافر إلى أي مكان حتى أحصل على الجنسية”.
خبرة السوريين والسوريات بالسفر وطرق اللجوء وكلفة السفر وأرقام المهربين واسعة جدا، أوسع من خبرة مؤسسات سياحية أو أمنية مختصة. والبلد الهدف محدد قبل بداية الرحلة ولا تراجع عنه، لدرجة أن الشخص الحالم الواقف امامك على أرض لا يريدها، يعرف عن وجهته المقصودة أكثر بكثير مما يعرف عن هذا البلد الذي أجبره كما يقول على هجرانه ونسيانه فور مغادرة الحدود.
اللافت أن أساليب جديدة يبتدعها السوريون للجوء الآمن تجد طريقها للتداول خاصة بين الشباب والشابات، كأن تطلب شابة من قريب لها الزواج منه حتى تصل أوروبا وهناك يتم الطلاق مقابل منح أهله قطعة أرض متنازع عليها بينهم وبين أهلها.

الصقيع
فاقمت أزمة الصقيع الأخيرة من شجون وآلام السوريين. تعرفوا فعلا إلى معنى الموت بردا، يكتب أحد الشباب على صفحته: “إذا مت من البرد، لا تدفنوني، أحرقوا جثتي علني أشعر بالدفء قليلا”. وتقول إحدى السيدات متسائلة: “هل سنحاكم عند موتنا كأهل العز والغارقين في نعيم الدفء؟”. وتضيف: “عليهم إرسالنا إلى الجنة فورا للتعويض عن كل القهر الذي عشناه”.
البرد في حضور العتمة يشبه الاستلقاء في قبر مفتوح، يزيد اتساع فتحته من لسعة الصقيع ويفاقم غياب المحروقات من لسعات الشعور الغامر بالظلم والحرمان. السوريون والسوريات على موعد مفتوح مع الصقيع في ظل غياب أي بارقة أمل، أو أي تحسن ملحوظ مرتقب لتحسين فرص نجاتهم من براثن موت يصطادهم يوميا جسديا ونفسيا، لدرجة أنهم يطالبون فصل الصيف بالقدوم فورا، وكأنه الكائن الأكثر عطفا عليهم والأكثر دراية بأحوالهم القاهرة لأنهم لا يملكون من أمرهم شيئا إلا عبر الاستنجاد بالطبيعة العاجزة أصلا عن التحكم في مجريات حياتها.
وهذه المدينة وأهلها ألا يستحقون تدوين تاريخ كل هذه القروح! علّ جرحا منها يشفى أو يبقى الجسد المتقرح عصيا على النكران والهجران؟
سلوى زكزك
دمشق 16 آذار 2022

زيارة الى بيت نزار قباني

زيارة الى بيت نزار قباني

في أحد أحياء دمشق، هناك منزل تفوح منه رائحة العراقة التي عرفت بها البيوت العربية، بيت شهد ولادة وانطلاقة واحد من أهم شعراء سوريا والوطن العربي. انه بيت نزار قباني في حي مئذنة الشحم في دمشق القديمة، الشاعر السوري الذي جعل منزله بما فيه من أشجار ونباتات وحيوانات حاضراً في الكثير من قصائده.
ولد نزار قباني بدمشق عام 1923، وكان جده أبو خليل القباني أحد رواد المسرح السوري والعربي، بينما عمل والده توفيق بائع سكاكر. أما والدته فائزة أقبيق، فهي ابنة عائلة دمشقية عريقة.
ويقول قباني في كتابه قصتي مع الشعر: “يوم ولدت في 21 آذار 1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة وكان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء”.
لكن، “هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة، إني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ ولكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر وإنما أظلم دارنا”. بهذه الكلمات وصف الشاعر نزار قباني بيته، الذي استند إليه في العديد من القصائد خلال مسيرته الشعرية.

يوضح الباحث التاريخي علي المبيض لوسائل إعلام سورية أن نزار استند في شعره إلى مرتكزين أساسيين: هما الأم والبيت، حيث غرق في وصف مسقط رأسه، لدرجة أنه لم ينس القطط والبحرة وشجرة الياسمين وغيرها. ويقول نزار: “شجرة النارنج تحتضن ثمارها، والدالية حامل، والياسمينة ولدت ألف قمر أبيض وعلقتهم على قضبان النوافذ.. وأسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا”.
وحتى عندما خاطب نزار والدته بقصيدةٍ من مدريد بعنوان “خمس رسائل إلى أمّي”، ذكر بيته الدمشقي. اذ يقول: “صباح الخير من مدريد.. ما أخبارها الفلّة؟ بها أوصيك يا أمّاه.. تلك الطفلة الطفلة.. فقد كانت أحب حبيبة لأبي.. يدلّلها كطفلته.. ويدعوها إلى فنجان قهوته.. ويسقيها.. ويطعمها.. ويغمرها برحمته”.
ويبين المبيض أن قباني ربط الفل برسائله إلى والدته ويقول: “تصويره لنبتة الفلّة الموجودة في بيته القديم، يعكس علاقة تبادُلية وعاطفية وثيقة.. شاعر يتحدَّث إلى والدته وهو على بُعد آلاف الكيلومترات ومع ذلك يسألها عن الفلّة”.
ومن الياسمينة وشجرة النارنج والبحرة والبوابة وغيرها، أخرج قباني قصائد عديدة مليئة بالحس الدمشقي البيتوتي، أضفت الكثير على مكانته الشعرية.
رغم بيع المنزل وسفر نزار قباني خارج سوريا لفترات طويلة، استمر بزيارته مسترجعاً ذكرياته أيام طفولته ومتمعناً بالأشياء التي كان يتغزل بها في أشعاره. ويقول صاحب المنزل حالياً محمد نظام: “ولد نزار وترعرع في هذا المنزل حتى المرحلة الجامعية، ثم انتقل مع أهله لمنزل آخر قريبٍ منه”. وأوضح نظام أن البيت بقي على حاله، خاصة أشجار الياسمين والكباد والليمون والنارنج، التي كان نزار يتحدث عنها بقصائده.
في عام 1968، اشترى السوري عباس نظام المنزل الذي ولد فيه نزار، وإلى اليوم لايزال يعرف بمنزل نزار قباني، ولكن لا توجد أي مقتنيات له. ويضم المنزل باحة الدار والبحرة التي تغنى بها نزار، والفسحة السماوية والقاعة الصدفية، والليوان والعديد من الغرف.
ويروي صاحب المنزل، أن نزار زاره بإحدى المرات وجلس عند طرف البحرة، عندها تقدمت قطة وجلست في حضنه، قال: “ربما عرفت أنني كنت من سكان هذا البيت”. وتقول إحدى القصص إن نزار كان يحاول فتح شقته في مدريد، فأخرج مفتاح منزله في دمشق القديمة بدلاً من المفتاح الصحيح.

لا يمر أسبوع دون أن يزور العديد من السوريين وبعض السياح منزل نزار قباني، بغرض مشاهدته والاطلاع على تفاصيله والربط بينه والقصائد. وتوجد لافتة أمام باب المنزل كتب عليها “هنا سكن نزار قباني”. كما يشهد المنزل في بعض الأوقات فعاليات ثقافية واجتماعية تجريها جمعيات مختلفة، إضافة إلى تصوير المسلسلات.
ويؤكد صاحب المنزل أنه مفتوح أمام عشاق نزار وجميعهم محل ترحيب، مبيناً أن عدد الزوار قد انخفض مع بداية الحرب في البلاد. ويضيف: “يأتي الناس لمشاهدة البحرة والأشجار وغيرها من الأشياء التي كتب عنها نزار، ويسألون عن التغييرات التي طرأت على المنزل ولن نغلقه أمام أحد واللافتة تؤكد ذلك”.
قبل سنوات عرضت عائلة نظام بيت نزار قباني للبيع، والذي يقدر عمره ما بين 400 إلى 500 سنة. وسبق أن افتتحت وزارتا السياحة والثقافة في سوريا المنزل ووثقته عام 2015 بعد أن كان هناك اختلاط بينه وبين منزل آخر قريب منه يعود أيضاً لعائلة القباني، واعتبر المنزل مكاناً سياحياً وثقافياً لشخصية معروفة، لكنه يبقى مسكناً له ملكية خاصة.
ويقول محمد نظام: “أتمنى أن يشتريه شخص قادر على الاهتمام به، ويشعر بالقيمة المعنوية الموجودة في المنزل، فنحن لا نشتري جدراناً بل ثقافة”.
وسيبقى منزل نزار قباني شاهداً على قصائده، كيف لا، وهو يرقد بالقرب منه إذ دفن في مقبرة الباب الصغير عام 1998، كما أن كلماته حاضرة في الأذهان دائماً، وهي: “الذين سكنوا دمشق، وتغلغلوا في حاراتها وزواريبها الضيقة، يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون”.