في “الكلمة المرفوضة” الهامش بيت الشعر

في “الكلمة المرفوضة” الهامش بيت الشعر

القصيدة ـ الديوان “الكلمة المرفوضة”، صدرت عن “خان الجنوب” في برلين، للشاعر الكردي السوري جولان حاجي لا تنحو لقول شيء بعينه ولا تتمحور حول موضوع واحد، على الرغم من أن الديوان كله محوره العين.
العين الحقيقة العلمية، العين والحياة المحيطة المرئية، العين التي تحول كل ما خارجي إلى داخلي، والتي تظل نظيفة خالية، إنها العين اللغز، حسّاً ومعنى وصورة. “الوجه لغزٌ لغزُهُ العينُ/ من أي كلمة تُستخرَج الحقيقة لتُرمى كلُبّ الجوز إلى كلب الموت فيشمّها ويتركها/ بأي حدقة كالفلس الصدئ سيُرشى/ خائفةً وصلت الروح، جريحةً بالسوط في يدها، الذائقة علقمَ النظرات، المستظلة بالخفاء/ الحالمةَ بأجمل الأجساد، المحرومة رَجَت لرحلتها صاحباً أوفى من الغبار، مؤونةً أخفَّ من الذاكرة، يداً أرحمَ من الشمس ـ خوفُها أقوى من أي حنين ص100.”

يبدأ الديوان بمقدمة “ابتسامة جمجمة” عود إلى التذكير بأيام الملتقى الأدبي لجامعة حلب سنة 1980. كان بين شعراء الملتقى فؤاد محمد فؤاد الذي أصدر مجموعة شعرية بعنوان مستعار من أرسطوطاليس “أجزاء الحيوان”. يرى جولان حاجي في أجزاء الحيوان “استقراءً لأعضاء الجسد عبر قصائد غنائية قصيرة. يبدأ هذا الديوان الصغير بالحيوان وبه ينتهي… يقرأ فؤاد ما لا يُرى من الجسد، تدخل الكلمات تحت الجلد، وراء الصورة التي يحب أن يراها الناس. يخاطب الغضروف ويستنطق المخيخ والحبل الشوكي والمعثكلة والطحال..، كل عضو يحمل نهايته موسوماً باسمه، فيما الحيوان لا ينطق ولا يسمّي ولا يفسّر شيئاً ولا يعي موته”.

في القسم الثاني من كتاب جولان حاجي نجد نص “العصا والمخروط”. تذكير بآلية عمل العين، حاسة البصر، مع شروح علمية حول مسار الضوء وأثره على الرؤية، وتأثير الصور المرئية على الذاكرة والفكر وبالتالي اللغة والتعبير “نصف المعلومات التي ينهمك بها الدماغ هي معلومات بصرية، عيوننا لا تلتقط صورة طبق الأصل عن أي شيء.”. وفي القسم الثالث يبدأ “المنفذان” وهو متن ديوان “الكلمة المرفوضة”.

القصيدة لدى جولان في هذا الكتاب تنبسط من تلقاء نفسها، مثل راحة يد مفتوحة، تتلقى الضوء ولا تطلب ولا تشكو ربما إلا له. القصيدة شكوى الجلد إلى الضوء. تقفز من حال إلى حال، تعلو وتتداعى، مثل حال أنفاسنا ومخاوفنا، توجز وتسهب وتقتبس بعضها من بعضها في كل جامع غير متشابه.
هكذا غير عابئة بشكل محدد، ولا بصيغة ثابتة، تنتقل من طور إلى آخر، من زمن الطفل إلى مأوى الشيخ، في رحلة طويلة متشعبة، جامعة المعاني والأسئلة، الذكريات والآمال والكوابيس، لكن غير غافلة عن النسيان سيد الأزمان كلها: “جسده مدينة خاوية استعجل الوصول إليها ليجلس على بابها كالحراس الوحيدين، حراً وسجينا كالبحر، سرق أحدهم الكلمات من أفواه النائمين فيها، رفع ثوب السماء واندس تحت الأفق، هارباً بحقيبتين من النفائس ـ لن يجد المستيقظون فيها في الغد كلمة واحدة لا تستحق النسيان، لن يجد الجار تحية صغيرة يلقيها على جاره ص51”.

قصيدة طويلة تتناسل عبر سرد نثري متواصل متقطع في آن واحد. نحن أمام شعر لا يغنّي ولا يعظ ولا يأمر. لا صوت عالياً ولا حماسة ثائرة . القصيدة في غِنىً عن كل ذلك. هنا نجد الشعر وقد تحول إلى تلقٍ حاضنِ الضوءَ والظلامَ، الليل والنهار مختلطين. بل هو احتضان رحب يتجاوز الضوء والظلام، ذلك أن الشعر في الكلمة المرفوضة أوسع وأرق وأقسى من أن يتحول إلى لقاء سهل لتناقضات بلا منفذ بلا نهاية! ربما هو شعر كتب بمزاج الفجر ورحيقه الحارق.
القول إنه شعرٌ أوسع وأرق وأقسى إنما يعني أن الاكتفاء بالمرئي قد تحول إلى ثراء هادئ، والرقة أخذت بيد التائه والمنبوذ إلى ملاذ الناسك، والقسوة غدت مرآة الماضي الذي لا يكف عن العودة بالخيبة الثقيلة والمرارة الجارحة.
سرد متعاقب متقطع من خلال ذاكرة بصرية حافلة، ذاكرة هي رحلة للجسد والنفس عبر العين وحدها.

الشعر مع جولان حاجي شاهدٌ نزيهٌ ومراقبٌ صامتٌ. الهامشُ بيتُهُ، بعدما ضاق المتن بالجميع وأفسدهم. من الصمت يأتي كل هذا الصخب الدفين، وهذا العبور الهائل فوق الأسئلة، العبور الرافض لقيود الجواب الرنانة.

النهضة والشعر:تطوّر وأثر الحامل المادي في النص الشعري

النهضة والشعر:تطوّر وأثر الحامل المادي في النص الشعري

تطوّر المنجز الإبداعي الشعري في الشكل وأداة التوصيل وأغراض الشعر، على ضوء متغيرات عصر النهضة، هذا ما عمل عليه الدكتور “إياس حسن” في كتابه ” النهضة والشعر ” الذي صدر عن دار “أرواد” للطباعة والنشر؛ عام 2025.

أتبع العنوان الرئيس بعنوان شارح هو “أثر النهضة العربية في الشعر العربي” وحدد مجال البحث الذي تضمنه الكتاب في الصفحة الداخلية للعنوان ببندين هما: نشوء المجموعة الشعرية وتطوّر بيئة الشعر التواصلية وظهور المنهج النقدي. 

خصّص الباحث الفصل الأول لنشوء المجموعة الشعرية وقدّم لذلك بالتعريف بالمجموعة الشعرية؛ وتناول المواضيع التالية: 

ظهور المجموعات الشعرية

يرى الباحث أنه كان للإرساليات الدينية القادمة من الغرب، وللنهضة التي شملت نواحي الحياة كلها أثر جليّ في ظهور المجموعة الشعرية. هذا الشكل الجديد المادي من حوامل الشعر، كذلك يعيد الباحث التطور الذي حدث على نظم الشعر وتجميعه إلى ظهور الجمعيات الثقافية كجمعية شمس البر التي أعلن عنها عام 1868 وجمعية زهرة الآداب التي أعلن عنها عام 1869 إضافة إلى تأثير انتشار الطباعة التي أدت إلى ظهور المكتبات كمكتبة بطرس الأمريكاني التي افتتحت عام 1876 والمكتبة الظاهرية التي افتتحت عام 1879. تأثير آخر كانت له أهمية كبرى هو الاستشراق الذي ساهم في نشر التراث العربي وإن كان بنظرة مغايرة للمعتاد التقليدي الذي تناوله كموروث ثابت جامد يقترب من الكامل لا يجوز تناوله بالنقد. 

أثر الكتاب المطبوع كحامل مادي جديد:

تغيّرت وسيلة التواصل الشعري بالخروج من الحالة الشفاهية التي كانت تقوم على المنشد الراوي، إلى وسيلة جديدة تمثلت بالكتاب كحامل مادي، وبذلك انتقلت الوصاية على النص من المنشد إلى الناسخ في حالة الكتابة، الوراقة، ثم الناشر في حالة الطباعة.  

تبدّلت هذه الوصاية بعد ذلك، فعملية تجميع القصائد، صار الشاعر يقوم بها، بينما كان سابقاً أصدقاؤه أو المهتمون يتكفلون بهذا العمل. هذا ما فعله أحمد شوقي في ديوانه “الشوقيات”.

 لكن سلطة الشاعر ظلت ناقصة؛ فمراجع الديوان أو الناشر ظلّ يغيّر في عناوين القصائد وترتيبها، كما فعل أحمد الخوفي في ديوان أحمد شوقي، توضّح ذلك بعد ظهور الديوان المطبوع، والذي اقتضى عنواناً للديوان ومكاناً خاصاً لهذا العنوان، كذلك ظهر الغلاف وصار عتبة للديوان بتطوّر شكله وإخراجه، بدل أن كان مجرد حافظ مادي في المخطوطات. 

تطوّر العنوان وعلاقته بالحامل المادي:

يتناول الباحث التطورات التي مرّ بها العنوان، في خضّم تطورات أخرى شملت المنتج والحامل الشعري، بيّن أن العنوان لم يكن مفرداً على الغلاف، بل كان يسبقه تعريف بجنس الكتاب والكاتب، مثل “كتاب كذا ” و “ديوان فلان”، ويورد مثلاً لذلك ديوان (ناصيف اليازجي) الأول الذي نشره عام 1852 وعلى غلافه نبذة عن الديوان. 

ظهر بعد ذلك العنوان الترويجي لكنه لم يكن مستقلاً مثل ” نفحة الريحان ” مالبثت مسألة التعريف بجنس الكتاب أن أخذت سمة عامة كما في ديوان (خليل الخوري) المعنون “زهر الربى في شعر الصبا” والذي نشر عام 1857 وقد سبق هذا العنوان كلمة “كتاب” لكن (الخوري) تخلى عن التعريف بجنس الكتاب في ديوانه التالي واقتصر على عنوان ترويجي هو ” العصر الجديد”. 

تابع الباحث تطوّر العنوان حتى صار جزءاً من العملية الإبداعية وذلك بفعل عوامل منها الطباعة وانتشــار الصــحف والمجلات، كجريدة (الوقائع) التي صدرت في القاهرة عام 1828، وجريدة (حديقة الأخبار) التي صدرت في بيروت عام 1858، وجرائد ومجلات أخرى.

يربط الباحث بين ظهور الصحافة وانتشارها وظهور عناوين جديدة للمجموعات والدواوين الشعرية؛ مركزاً على الدواوين التي صدرت في سورية ومصر وذلك كون المنطقتين تشكلان وحدة ثقافية بتجارب مشتركة متقاربة.

تطور النص الشعري في الشكل والأسلوب:

يعزي الباحث للصحافة تأثيراً هاماً على النص الشعري؛ هو تجديد أسلوب الكتابة بالابتعاد عن الإنشاء، فقد بدأت النصوص الشعرية تتخلّى عن السجع والبديع، وهذا ما أوجد الحاجة لعلامات الترقيم لتدّل أين تنتهي الجملة ولضرورتها في إيصال المعنى، جرى استعمالها في أواخر الثلاثينات من القرن التاسع عشر، مما دفع “أحمد زكي باشاستة” لوضع دليل بعنوان “الترقيم وعلاماته في اللغة العربية” وقد صدر عن المطبعة الأميرية في مصر.

تحوّل آخر للمجموعات الشعرية والقصائد؛ هو التحقيب الذي يدّل على زمن إنشاء القصائد، وزمن نشر الديوان، والتحقيب كما ذكر الباحث-أتى بصيغ مختلفة قد يكون بالترقيم الذي يدّل على تسلسل إصدار المجموعات، أو الإشارة إلى مرحلة من العمر مثل ” أشعار الصبا” أو “عبرات الشباب”. 

يذكر الباحث أنّ جماعة “الديوان” اعتمدوا صيغة أخرى للتحقيب وهي المواربة، وفيها يشار إلى زمن إنشاء القصيدة بالإيحاء أو الدلالة كاستخدام تسلسل زمني (الفجر، الصباح، الظهيرة.) مثل “أنداء الفجر” لـ “أحمد زكي أبو شادي “.

الفصل الثاني من الكتاب جاء بعنوان: التطوّر الموازي في بيئة الشعر التواصلية وظهور النقد المنهجي.

استعرض الباحث في هذا الفصل روافع الشعر الذين كانوا يروّجون له ويشرحونه على مدى تاريخه، ثم تطرّق إلى ظهور الرواة في العصر الأموي والعباسي، لنصل إلى عصر النهضة حيث ظهرت الدواوين والمجموعات، وعلى إثرها ظهر المقرظون الذين كانوا يقومون بالتراجم وتقريظ العمل بما يقوم مقام المقدمة فيما بعد.

أغراض جديدة للشعر ومقدمات بدل التقريظ: 

يقارب الباحث النص الشعري من ناحية الذائقة، فالذائقة التي كان يعبّر عنها بالتقريظ لم تستمر أمام التغيرات الكثيرة التي شملت العلاقات الاجتماعية في أواسط القرن التاسع عشر، إثر الإصلاحات العثمانية، والتي أدت إلى انتهاء حكم العائلات وبروز دور المؤسسات، فمع هذه التغيرات تغيرت وحل محل التقريظ التقويم الموضوعي الذي شكّل إرهاصاً للمقدمة.

المقاربة الأخرى أتت لموضوع الشعر وغرضه، فالتغيّر الأهم والذي كان من المفترض أن يعطى مساحة أكبر في البحث، هو تغيّر مواضيع الشعر وأغراضه، حيث بدأت القصائد تدور حول مواضيع غير مطروقة شعرياً، بدأ ذلك على يد “خليل الخوري” و”سامي البارودي”، هذه المواضيع رتبت ظهور المقدمات بمحتواها الجديد الذي علب عليه مناقشة ماهية الشعر ومفهومه. 

موصلات أخرى للشعر:

يعود الباحث إلى ما حسبناه أغفله سابقاً، حيث يتناول مجالات أخرى لتوصيل المنتج الشعري، مجالات تقليدية كانت معروفة تاريخياً منها “الأغورا” عند اليونان، و “الفوروم عند الرومان، والأسواق عند العرب، إلى أن يصل إلى حلقات المساجد التي كانت تعقد في المساجد والجوامع في البلاد الإسلامية، كحلقة الشيخ “طاهر الجزائري” في دمشق.

ونتيجة للإصلاحات التي أقرتها السلطات العثمانية عامي 1839 و1856 والتي منحت الأقليات بعض حقوقها؛ ظهرت الجمعيات العلمية، ثم المجالس التي أخذت لنفسها خطاً تنويرياً.

كذلك لعبت المقاهي دوراً هاماً في التوصيل الثقافي والشعري، ثم ظهرت مجالس البيوت التي اضطلعت بها الطبقة العليا، كمجلس الأميرة نازلي فاضل ومجلس محمود باشا البارودي، أعقب ذلك ظهور الصالونات الأدبية كصالون “مريانا مراش” في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في حلب، وصالون “ألكسندرا الخوري؛ أفرينوه” في أواخر القرن التاسع عشر في مصر. الصالون الأشهر كان صالون مي زيادة التي أعلنت عن مولد صالونها عام 1913.

ظهرت بعد ذلك الجمعيات والروابط الأدبية التي لعبت دوراً هاماً في النقاش والسجال حول الشعر كنتيجة لعملية التطّور والتحوّل الذي كانت تحدث، هذا السجال والنقاش شكّل أساساً للنقد المنهجي. 

الكتاب تضمن بحثاً هماً وجديداً ربط بين النهضة بمفاعليها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وبين تطور الحامل والموصل الشعري على صعيد العنوان والتبويب، المواضيع والأغراض الشعرية؛ لكنه لم يأخذ بالاعتبار تطوّر المنجز الإبداعي الشعري العربي من الناحية الفنية إلاّ لماماً، ربما لأن ذلك لم يكن موضوع وغاية البحث، التي حددها الباحث في الخاتمة بقوله “كانت غاية هذا البحث تقصّي العوامل التي ساهمت في ظهور المجموعة الشعرية بصفتها ظاهرة تاريخية.”

مازن الحُمادة سيرة الشاهد والشهيد المُغيَّب في كتاب للفرنسية غارانس لوكان

مازن الحُمادة سيرة الشاهد والشهيد المُغيَّب في كتاب للفرنسية غارانس لوكان

كتاب “اِنسَ اسمك- مازن الحُمادة، طريق المختفي” (Oublie ton nom – Mazen el Hamada, itinéraire d’un disparu)، للمخرجة والكاتبة والصحافية الاستقصائية الفرنسية، “غارانس لوكان” (Garance Le Caisne)، الذي صدر باللغة الفرنسية عام 2022، هو كتابها الثاني بعد إصدارها لكتاب “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية” باللغة الفرنسية في عام 2015، والذي تروي فيه قصّة المصوّر العسكري السوري “قيصر” الذي التقط آلاف الصور الفوتوغرافية التي تفضح جرائم نظام بشار الأسد البائد، والذي تُرجم إلى العربية، وصدر عن دار “ميسلون للثقافة والترجمة والنشر” عام 2018. 

في يونيو/ حزيران 2024، صدرت الترجمة العربية لكتاب “اِنسَ اسمك..” بعنوان “لم يعُد معنا: سيرة مُغيَّب“، عن “دار الجديد” البيروتية، وفيه تقدّم “لوكان” قصّة مازن كما رواها لها خلال عامي 2017 و2018، والتي تحكي مأساة التعذيب في أقبية سجون نظام الرئيس المخلوع الهارب بشار الأسد، وفوضى الحياة الجديدة التي طال انتظارها وحلمها.

  • ذكريات المعتقل الناجي، والشاهد والشهيد

بعد عِلم “لوكان” بتردّي حالة مازن النفسية ورفضه الخضوع للعلاج جمّدت مشروع الكتاب، واحتفظت به ثلاثة أعوام، حتى إذا ما علمت من أخيه أنّه لم يعد موجوداً، أفرجت عن الكتاب بعد أن استأذن عائلة الحُمادة لالتزامها الأخلاقي، ولرغبة منها أن لا تموت قصّة مازن الشُّجاع، إذ تقول إنّها في اللقاءات كانت تشعر كأنّها تلمّ شظاياه بيديها “بينما كانت مدينته تُقصَف قصفاً يفوق الخيال”، وفقاً لشهادة أخيه.

قضى مازن (مواليد عام 1977) تحت التعذيب، قبل سقوط نظام بشار الأسد وهروبه إلى موسكو بأسبوع واحد، إذ عُثر على جُثّته في “مستشفى حرستا الوطني” بريف دمشق، وعليها آثار تعذيب انتقامي وحشي، فالكدمات وآثار التعذيب التي ظهرت على جسده كانت كافية لرسم صورة التعذيب الذي تعرّض له، وكانت عودته إلى دمشق في شهر فبراير/ شباط 2020. وعند وصوله إلى دمشق أدرك خطأه. وكانت عبارة “ادعوا لي” آخر الكلمات التي سُمعت من مازن.

استندت “لوكان” في تأليفها للكتاب الذي نستعرضه في هذه المقالة، إلى عدّة مقابلات أجرتها مع مازن عندما كان في أوروبا؛ في باريس، وفي شقة مازن في قرية هيلغوم الهولندية، وفي مزرعة قديمة في ريف النورماندي، قبل عودته إلى دمشق عبر مطار رفيق الحريري في بيروت، يوم 22 فبراير/ شباط 2020، وتغييبه بعد يومين، إثر اعتقاله من قِبل المخابرات الجوّية في دمشق، ثم قتله تحت التعذيب عمداً، عشية سقوط النظام في 8 ديسمبر/ كانون الأوّل 2024.

في عام 2015، كان اللقاء الأوّل بين الصحافية الفرنسية ومازن الحُمادة، الذي يتحدر من أسرة كبيرة في دير الزور تعمل في الزراعة وتربية الماشية، والذي كان يعمل قبل الثورة كفنّي لدى إحدى شركات النفط العاملة في محافظته شمال شرق سوريا، والذي انتظم في ثورة شعبه السلمية، واعتقلته الأجهزة الأمنية في نظام الأسد أربع مرّات، وكان الاعتقال الأخير (في سجن المخابرات الجوّية بدمشق) هو الأصعب، إذ مكث فيه ما يزيد على عام ونصف العام (بين 2012- 2014) تعرّض خلالها لأشدّ أنواع التعذيب التي تركت آثارها المدمّرة على صحته الجسدية والنفسية، وكان شاهداً على العديد من ممارسات النظام الوحشية بحقّ آلاف المعتقلين السياسيين والثوّار. 

في ذلك اللقاء الأوّل بين “لوكان” ومازن، وافق المعتقل الناجي-حينها، والشاهد والشهيد في نهاية المطاف، على الإدلاء بشهادته حول كتابها الأوّل “عملية قيصر في قلب آلة الموت السورية”، بحسب ما تروي “لوكان”، لافتة إلى أنّ مشروع كتابها معه وحوله بدأ في عامي 2017 و2018، عندما بدأت جلسات استماعها إليه، وهو يروي ذكريات وجعه التي عايشها في سجون نظام الأسد، مستعينةً بصديقتها الشاعرة السورية الفرنسية عائشة أرناؤوط كوسيط ترجمة بينها وبينه.

  • إعادة بناء الصوت للوجوه المنسية

جاء الكتاب في 190 صفحة موزعة على أربعين فصلاً، جاء كل فصل منه في شكل ثنائية كتابية متناغمة تتضمّن حديث مازن وسرده لذكرياته، ثم تعقيبات وإضافات من المؤلّفة عليها. 

ووفقاً لما كتب الناشر على الغلاف الخارجي الأخير للكتاب، فإنّه “حينَ تيقّنتْ غارانس لوكان أنّ مازن الحُمادة، الذي أمضتْ معه ساعاتٍ طويلةً تصغي فيها إلى قصّة سجنه وتعذيبه ولجوئهِ لن يعود، قرّرت إنشاء كلامه كتاباً.

خانته عدالة الغرب، ففضّل العودة إلى سوريا بلدِ المطامير والإهانةِ وهو يحلُمُ بدير الزور والفرات وبدولةٍ عادلةٍ لا تفترسُ أبناءَها. وصلَ إلى مطار دمشق واختفى. صحيحٌ أنّ التِّنِّينَ لا يرتوي من دماء أبنائهِ، بيدَ أنّ شقائق النّعمان عنيدةٌ كالرّبيع.”

يُقدّم الكتاب شهادة إنسانية قاسية ومؤلمة عن الاعتقال السياسي والتعذيب في “سوريا الأسد”. أما أبرز المحاور التي تناولتها “لوكان” فهي: نشأة مازن في دير الزور، وانتماؤه لعائلة كبيرة من 18 أخاً وأختاً، وتجربة الاعتقال والتعذيب في سجون النظام، خاصّة في سجن المخابرات الجوّية بين 2012 و2014، والمنفى واللجوء في أوروبا، ومحاولاته إيصال صوت المعتقلين عبر جولاته الإعلامية في بعض المدن الأوروبية والأميركية، والخذلان الدولي وصراعه النفسي بعد تجاهل العالم لمعاناة السوريين، وأخيراً عودته الصادمة إلى دمشق وتغييبه مجدّداً في الشهر الثاني من عام 2020. ولعل أهم ما يميّز عمل “لوكان” هذا هو: الطرح الإنساني العميق إذ تُركّز على الإنسان لا الحدث السياسي، واللغة الأدبية التوثيقية حيث تمزج بين السرد والتحليل والشهادة، والتأريخ للحدث السوري من الداخل بتقديمها الثورة من خلال وجوهها المنسية. إضافة إلى التحرير الحيادي فلا نرى “لوكان” تُعلّق بل تُنصت وتُعيد بناء الصوت، ناهيك عن الرمزية النفسية بتجسيدها كيف يتحوّل الألم إلى ذاكرة مقاومة.

مازن، بقامته النحيلة كما لو أنّ معاناته ابتلعته، وبكتفيه البارزتين، ويديه الطويلتين كثيرتا الحركة، وخديه الأجوفين، ونظراته الخالية من الأمل، “قطع وعداً على نفسه بأن يشهد”، تقول “لوكان”، وتضيف: “بالإضافة إلى الإيذاء الجسدي، شهد مازن على تدمير الأرواح. كلماته التي تم جمعها على مدى عدّة أشهر، أصبحت مفكّكة بشكلٍ متزايد وكشفت الحيرة التي سقط فيها بسبب استحالة سماعه من قبل القادة الغربيين الذين كان ينبغي عليهم القبض على المجرمين. تعكس عزلة مازن شهادات الناجين من معسكرات الاعتقال وشهادات الناجين من الإبادة الجماعية”. 

تناولت “لوكان” في فصول الكتاب نشأة مازن، وذكريات الطفولة في مسقط رأسه دير الزور، ومعايشته للثورة السورية، وذكريات الوجع والآلام في سجون نظام الأسد، التي قضى فيها في الاعتقال قبل الأخير ، مدّة 18 شهراً تقريباً، وبعد الإفراج عنه خلال الربع الأوّل من العام 2014، قرّر مغادرة السجن السوري الكبير عبر قوارب الموت، وكله عزيمة وإصرار على رواية عذابات ووجع أبناء وبنات شعبه الثائر ضدّ ظلم نظام “الدولة المتوحشة” على حدِّ وصف الباحث والكاتب الفرنسي “ميشيل سوار”، الذي لقي حتفه في سوريا إعداماً عام 1986، وبقي رفاته محتجزاً لمدة عشرين عاماً، لا لشيء إلّا لأنّه فضح نظام حافظ الأسد الدموي.

  • طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا 

بعد إطلاق سراح مازن عام 2014، واضطراره لمغادرة سوريا، وبعد عبوره البحر الأبيض المتوسط​​، انتهى به المطاف في هولندا، “البلد الذي ستذكره قنواته بنضارة نهر الفرات في طفولته. سيصبح أحد السوريين القلائل الذين يندّدون علانية بالتعذيب الذي تعرّض له في سجون نظام الأسد” بحسب ما ورد في تقديم الكتاب.

تنقل “لوكان” عن مازن قوله: “أنا عينة من أبناء البلد وسأحدّثكم عما حصل: طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا. فقط لأنّنا طالبنا بالحرّية، قتلونا واعتقلونا وعذبونا وذبحونا. قصفونا بكل أنواع الأسلحة، البراميل المتفجرة، الصواريخ، الفوسفور… وبكل شيء يمكنكم تخيله”. يضيف متسائلاً: “ماذا كان سيحدث لو طالبنا أيضاً بثروات البلد! أضحك ولكن كما تعلمون، لقد دمّروا ذاكرتنا. دمّروا طفولتنا وذكرياتنا وأحلامنا. حتى أنّهم هدموا الجسر المعلّق فوق نهر الفرات. لقد حاولوا محو الإنسان بداخلنا وأخلاقنا ومبادئ عالمنا، وأرادوا دفعنا نحو التطرّف، وقذفوا بنا إلى البحار”.

ويتابع قائلاً: “عشت بدايات الثورة؛ السجن، الحرب. كنت مطلوباً من قبل الأسد و(داعش) والفصائل المتطرّفة، وفي إحدى الأمسيات، التقيت بإخوتي الأكبر سناً وأبلغتهم أنّ وضعي قد أصبح صعباً، وقد حان وقت الرحيل”.

تواصل “لوكان” سرد أوجاع مازن وما خلفه نظام الأسد الوحشي في نفسه الهشة من رعب وترهيب، فتنقل على لسانه: “نحتاج إلى متخصّص يمكنه فتح رؤوسنا وتفكيك أدمغتنا ورؤية ما بالداخل، والتحقّق من الروابط وجعل كل شيء على ما يرام. شخص قادر على الترتيب والتنظيف. يجب إزالة البراميل والصواريخ والمواد الكيماوية والتعذيب والسجن وإزالة ما حدث على مدى السنوات السبع الماضية وسنتين في الاعتقال. يجب إزالة 70 بالمئة من هذه الذاكرة. عندما وصلت إلى أوروبا، لم يكن الأمر كما لو أنّني لم أرَ شيئاً، فأنا أعلم بأوجاع أولئك الذين عانوا. لم يكن هناك تلفاز في زنزانتي، لذا فإنّ شهادتي للعالم هي جزء ضئيل مما عشناه في السجن. أن تتكلم وتسمع ليس كما ترى، والنظر إلى الوراء يكسرني. يجب أن أعيش، لكنّ العيش صعب أيضاً، فعندما أكون وحدي تعود بي الذكريات إلى هناك..”.

تتوقّف “لوكان” مطولاً عند وحشية نظام الأسد وكيف غرق في ذُعره من السوريين المنتفضين ضدّ حكمه الفاسد والمستبدّ، فلم يتردّد باستخدام كل أساليب ووسائل التعذيب اللاإنسانية لقمع الثوّار. وتنقل في متن الكتاب عن مازن قصصاً لا تصدق عن القمع والتعذيب اللاإنساني الذي مارسه جلادو الطاغية بحقّه من اليوم الأوّل لدخوله إلى السجن منذ المرّة الأولى، وتعرُّضه للضرب قبل الاستجواب والاستمرار به حتى يقوم بالاعتراف بما يريده السجانون، أما الإنكار فليس لصالحه إذ سيفقد القُدرة على التحمُّل ويعترف بأي شيء يريده سجانه. ومن الضرب والشبح (التعليق من اليدين حتى يشعر السجين المشبوح أنّها ستنقطع، أو تُخلع من الأكتاف)، وحين يصرُخ من الألم يسدّون فمهُ بالحذاء، إلى الضرب بماسورة المياه والاغتصاب بالعصا، والتعذيب بشدّ مشبك معدني على العضو الذكري، والحبس في زنزانة قذرة حتى تتقيّح الجُروح، ثم الحبس في زنزانة حُشر فيها 180 شخصاً، بينما لا تتّسع لخمسين شخصاً، حتى يصبح الاختناق وارداً، والموت يومياً حيث يُكلّف السجناء بنقل جُثث من يموت منهم ويرمونها خارجاً.

يواصل مازن حديثه إلى “لوكان” عن أساليب التعذيب الأخرى التي تفنّن السجانون في استخدامها لتعذيب نفوس وأجساد المعتقلين من الثائرين ضدّ حكم عائلة الأسد، كـ إطفاء السجائر في الساقين، والصّعق بالكهرباء بعد سكب الماء البارد على جسد السجين، وتعذيب الأبرياء للضغط على ذويهم لتسليم نفسهم، كحكاية الشاب من داريا الذي حرقوا وجهه ويديه للضغط على والده، ويروي أيضاً حادثة إعدام الضباط الذين انشقّوا عن جيش النظام وحُبسوا معهم في “سجن المزة” ثم اختفوا.

يتذكّر مازن في أحاديثه واللقاءات الطويلة مع “لوكان” ذكرياته المؤلمة، وكيف أنّ النظام “دمّر ذاكرتهم”: بستان العائلة، الخبز المُعدّ على التنّور فوق سطح المنزل، مخبأ الكتب الممنوعة، المظاهرات الأولى، وبالطبع الحياة… ابتُلعت جميعها في الزنازين المكتظة حيث اُحتجز مازن مع اثنين من أبناء أخته.

وتخبرنا “لوكان”، كيف بدأ وعي مازن السياسي يتشكّل من خلال المكتبتين الموجودتين في منزله، واللتين تضمّان روايات وكتباً سياسية، وذلك بالإضافة إلى زاوية سرية في حائط حديقة المنزل، أين حفرت العائلة كوة وخبأت فيها مجموعة من الكتب التي كانت من المحرّمات في ظل الحكم الديكتاتوري العسكري الشمولي للأسدين الأب والابن. 

وفي السياق، تحدّثنا عن بلدته “الموحسن” التابعة لمحافظة دير الزور، والتي دخل إليها الفكر الشيوعي منذ عام 1947، على يد المدرّس مدّاح الصايغ، حتى عُرفت بـ”موسكو الصُّغرى”، وهي موطن عائلة الحُمادة.

  • عودة إلى دمشق اكتنفها الغموض 

كان مازن يقول: “أُريد العودة إلى بلادي، لقد اكتشفتُ العالم وأكاذيبه ورأيت… أُريد العودة إلى سوريا للدفاع عن بلادي”، لقد أصبح حُرّاً في هولندا لكنّه مقيّد بالذكريات والواجب. وفي اتّصال أخير للناشطة السورية ميسون بيرقدار معه في بيروت، قال لها: “سأضحّي بنفسي لوضع حدّ لحمّام الدّم، هذا كل ما في الأمر”. وبعدها تواصل مع نتالي لاريسون، مديرة البرنامج الإنساني في “الجمعية السورية للمهمّات الطارئة”، قائلاً: “صلّوا من أجلي”.

اكتنف الغموض عودة مازن في 22 فبراير/ شباط 2020 إلى دمشق، وبدون سابق إنذار، الأمر الذي فتح باب الشكوك واسعاً لدى الناشطين السوريين بخاصّة المقرّبين منه، إذ ليس من المعقول والمنطقي أن ينجو أحد من سجون نظام الأسد ثم يعود إليها بإرادته. لا سيّما وأنّ مازن كان قد حصل على لجوء في هولندا قبل أن يتردّد بكثرة إلى ألمانيا قبيل عودته المثيرة للجدل إلى سوريا.

يصف أحد أقربائه المقيمين في هولندا ما حصل مع مازن بأنّه “اختطاف”، مرجّحاً أن تكون عودته تمت بمكيدة أعدّتها سفارة نظام الأسد في برلين. ونفى ما تم تداوله عن عودته بشكل طوعي بسبب تردّي أحواله المادّية والنفسية.

وأفاد قريب مازن بأنّه تواصل مع أشخاص شاهدوا الأخير في مطار برلين قبيل وقت قصير من عودته إلى دمشق برفقة سيدة موالية ومقرّبة من سفارة النظام بألمانيا. وحين سألوه إن كان ذاهباً إلى دمشق، أجاب بالنفي وقال لهم بأنّه ذاهب إلى بيروت، لتردّ السيدة التي بجانبه قائلة: “بل إلى دمشق”.

في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي، شيع آلاف السوريين مازن الحُمادة، الذي لم يمهله القدر أسبوعاً واحداً فقط قبل سقوط حكم آل الأسد لينعم بالحرّية التي طالما حلم بها، وسيسجّل التاريخ أنّه رحل ولم ولن يبقى لنا من أثره سوى صدى صوته الحرّ وكلماته التي ستبقى توجعنا كسوريين نلنا حرّيتنا بفضل نضالات مازن وأمثاله من الضحايا والناجين: “لقد دمّروا ذاكرتنا بيد أني أستمدُّ قوّتي من ذاكرة وجعي”.

مؤلّفة الكتاب في سطور:

“غارانس لوكان”، مخرجة وكاتبة وصحافية استقصائية فرنسية مستقلة، تعمل في المجلة الأسبوعية الفرنسية “لو جورنال دو ديمانش” (Le Journal du Dimanche)، وفي المجلة الإخبارية “لو نوفيل أوبسرفاتور” (Le Nouvel Observateur) منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. عندما كانت تعيش في القاهرة قامت بتغطية القضايا السياسية في الشرق الأوسط والاحتجاجات والانتفاضات والثورات في العالم العربي. قامت بتغطية الثورة السورية بشكل خاص منذ عام 2011 وكتبت مقالات عن طب الطوارئ في الصراع السوري.

حظي كتابها الوثائقي “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية”، باعتراف دولي بعد ترجمته إلى لغات عديدة بينها الإنكليزية والألمانية والإيطالية. وحصلت “لوكان” عنه على جائزة “غيشويستر شول للأدب” في ألمانيا عام 2016. وفي مدينة هونج كونج على ساحل الصين الجنوبي، صُنف ضمن أفضل الكتب التي تتناول حقوق الإنسان.

في عام ۲۰۲۲ حقّقت “لوكان” ككاتبة ومساعدة في الإخراج، بالتعاون المخرج ستيفان مالتير، فيلماً وثائقياً بعنوان “أرواح ضائعة” (Les âmes perdues)، الذي يعرض العذابات التي تعرّض لها الشعب السوري من قبل سلطات نظام الأسد كما يسلط الفيلم الضوء على ضحايا قيصر بالإضافة إلى تناوله قضية المخفي قسرياً مازن الحُمادة، كذلك يتحدّث الفيلم أيضاً عن الجريمة التي ارتكبتها أجهزة المخابرات السورية بحقّ الفرنسي من أصل سوري مازن دباغ وابنه باتريك. وهو إنتاج فرنسي- ألماني.

الدِّمشقي: دروب الضّوء

الدِّمشقي: دروب الضّوء

 يرد اسمه باليونانية: Δαμάσκιος  أو Damascius وفق الترجمة الإنكليزيّة عن اليونانيّة أو الدِّمشقي بالعربيّة. ولد عام 462 م في دمشق لعائلة عريقة، ويمكن أنَّ يكون والده أسماه الدِّمشقي حُبًّا بمدينة دمشق، لكن يُرجَّح أن يكون اسمه لقب أُطلق عليه لأنَّه دِمَشقي المولد، ورغم انتشار الدِّيانة المسيحيّة في سوريا قبل أمد طويل من ولادة الدِّمشقي وخضوع دمشق في حياته لحكم الإمبراطوريّة البيزنطيّة المسيحيّة، إلا أنَّه لم يعتنق المسيحيّة، إذ يبدو أنَّ أبويه لم يكونا مسيحيين، وقد أرسلا ابنهما مع أحد أشقائه إلى الإسكندريّة للدِّراسة وهذا الاهتمام من قِبَلِ هذه الأسرة بتعليم أبنائها دليل على عراقتها. 

    درس الدِّمشقي البلاغة في الإسكندرية في مدرسة حورابولو الذي كان يُلقَّب بـ “مُدَمِّر الأرواح” لأنَّه كان يدفع طلابه إلى اعتناق الهلينيّة بدلًا من المسيحيّة. وحورابولو (اسم مجموع من حورس وأبولو) أحد آخر الكهنة المصريين الكبار، وكانت مدرسته تضمّ أشهر البُلغاء والخطباء والفلاسفة في الإسكندرية الذين كانوا يدرِّسون جمهورًا مختلطًا من غير المسيحيين والمسيحيين.

    تعرَّف الدِّمشقي في مدرسة حورابولو على فلاسفة مرموقين مثل إيزيدور الفيلسوف اللامع الذي ألَّف الدِّمشقي نفسه كتابًا عن حياته بعنوان “التَّاريخ الفلسفيّ” ومثل أمونيوس وهو فيلسوف مثير للجدل، لكن اللافت أنَّ أم أمونيوس هذا أيديسيا، كانت سيدةٌ من الطبقة الراقية، وتوصف بأنها من “أجمل وأنبل نساء الإسكندرية”، كما كانت أرملة الفيلسوف هرمياس واختير الدِّمشقي بعد وصوله إلى الإسكندرية بأمد قصير لإلقاء خطبة جنازة أيديسيا، وهذا يدل على المكانة الكبيرة التي حظي بها بسرعة في تلك المدرسة التي ضمت نخبة مثقفي ذلك العصر.

    شُنَّت حملة شعواء على المدارس الفلسفيّة في الإسكندريّة أدت إلى إغلاقها ومن بينها مدرسة حورابولو حيثُ اعتُقل حورابولو نفسه عام 489 م وتمَّ التضييق عليه لإغلاق مدرسته وللتراجع عن أفكاره، ولذلك لم تعدْ الإسكندريّة مكانًا صالحًا للحياة الفلسفيّة، فهربَ الدَّمشقيّ برفقة صديقه وأستاذه إيزيدور الغزَّاويّ Isidore of Gaza الذي يرجع أصله إلى غزَّة في فلسطين، وشاءت الأقدار أن تكون غزَّة إحدى محطاتهما الأولى، حيث التقيا، بأنطوني الإسكندري، الذي استقبلهما أحسن استقبال، وسيبقى الدِّمشقي حتى أواخر حياته يستذكر الفضل العظيم لهذا الرجل عليه، ومن غزَّة انطلق الدِّمشقي وإيزيدور إلى مدينة بصرى في حوران، حيث استقبلهما أحد تلاميذ إيزيدور وقاما بعدة رحلات إلى الأماكن الفلسفيّة المقدَّسة في حوران. امتلأ الدِّمشقي عند زيارته لنهر ستيكس المعروف الآن بنهر اليرموك برهبة ميتافيزيقيّة عند رؤية مشهد مهيب ومرعب في آن واحد لمياه هذا النَّهر.

    اتجه الصديقان بعد إقامتهما في بصرى إلى مدينة هليوبوليس المقدسة (بعلبك) في فينيقيا، لكن رحلتهما الفينيقيّة لم تكن موفَّقة، إذ اعتُقِل إيزيدور وأُلقي في السجن وعُذِّب، بينما كان الدِّمشقي يحاول تحرير معلمه. ونجح في النهاية في إطلاق سراح إيزيدور. وتابع الفيلسوفان رحلتهما فوصلا إلى أفسس ومنها إلى ساموس ثم إلى بيرايوس وهي مدينة يونانية في منطقة أتيكا تقع على بعد 9 كيلومتر جنوب أثينا ثم دخلا إلى أثينا على الأرجح في نهاية عام 489 م. واستطاعا الانضمام لحلقة الفيلسوف الأفلاطوني المحدث مارينوس وهو من مدينة نابلس في فلسطين، وكان مارينوس قد أصبح رئيس المدرسة الأفلاطونية المُحْدَثة في أثينا بعد موت أستاذه بروقلوس، فشاءت الأقدار أن يتتلمذ الدِّمشقي على مارينوس رئيس أهم صرح فلسفيّ في العالم آنذاك، أعني أكاديميّة أفلاطون.

    أصبح إيزيدور بعد مارينوس رئيس الأكاديميّة في أثينا ثم استطاع الدِّمشقي بموافقة من إيزيدور نفسه أن يتولّى رئاسة هذه الأكاديميّة وأُرجِّح أنَّ إيزيدور تخلّى من تلقاء نفسه عن رئاسة الأكاديميّة للدِّمشقيّ، وتجلّى مشروع الدِّمشقيّ في إلغاء فلسفة بروقلوس من التدريس في الأكاديميّة، وإعادة ربط الأكاديمية بشكل قاطع بفلسفة مؤسِّسها الأوَّل أفلاطون (427 قبل الميلاد-347 ق.م) وكذلك بمؤسِّسها الثاني يامبليخوس العربيّ السوريّ (245 بعد الميلاد-325 بعد الميلاد).

    استطاع الدِّمشقي أن يرفع من شأن أكاديميّة أفلاطون وأن يعيد إليها أمجادها القديمة كما لو كانت في عهد أفلاطون نفسه، وبقي الدِّمشقي رئيسًا للأكاديميّة إلى تاريخ 16/نيسان/ 529 م، أي إلى التاريخ الذي أصدر فيه الإمبراطور البيزنطي جستنيان أمرًا بإغلاق المدارس الفلسفيّة في أثينا، فأُغلقت أكاديميّة أفلاطون التي كانت قد استمرت منذ تأسيس أفلاطون لها عام 387 قبل الميلاد إلى ترك الدِّمشقي لرئاستها نحو 916 عامًا. 

     شعرَ الدِّمشقي بمرارة إغلاق أعظم صرح فلسفيّ في تاريخ البشريّة، لكنه لم يستسلم فقرر البحث عن بلد آخر لتشييد أكاديميّة أفلاطون فيه من جديد، وفي تلك الأيام الحرجة فكّر الدِّمشقيّ بما سمعه عن ملك ملوك إيران الساسانيّ خسرو الأول وكان معروفًا بأنه راعٍ كبير للفلسفة والفلاسفة، وفكَّر الدمشقي أن يبني أكاديميّة لأفلاطون في مدينة قطسيفون (Ctesiphon) في العراق القديم، وكان اليونانيون قد بنوا هذه المدينة في العصر الهلينستيّ، ثم أصبحت عاصمة الإمبراطورية البارثية ثم الساسانية. تقع هذه المدينة على الضفة الشرقية لنهر دجلة، على بعد نحو 32 كيلومترًا جنوب شرق بغداد. وعندما عزم الدِّمشقي فعلًا على الرحيل إلى بلاط ملك الملوك الساسانيّ خسرو الأوَّل كان في أواخر الستينيات من عمره فقام بجمع التماثيل والرموز والأشياء المقدسة وأخفاها بعناية فائقة في الآبار المحيطة بالمنزل الذي كان مخصّصًا له في الأكاديميّة حيث كان هناك منازل مخصصة لسكن رؤساء الأكاديميّة المتعاقبين منذ زمن أفلاطون، وحزم الدِّمشقي مخطوطاته، وعلى رأس مجموعة من ستة فلاسفة آخرين من أصدقائه اتجه في رحلته إلى خسرو الأول، ولقد ذكر المؤرِّخ والشَّاعر اليوناني أغاثياس (530 م-582 م) أسماء هؤلاء الفلاسفة بعبارة شاعريّة رائعة:

“الدِّمشقيّ، سيمبليقيوس الكيليكي، يولامياس الفريجي، بريسكيانوس الليدي، هيرمياس وديوجينيس كلاهما من فينيقيا، إيزيدور من غزَّة -أجمل زهرة، إذا أردنا أن نكون شعراء، من الفلاسفة في زماننا-اعتراضًا على الإيديولوجية السائدة بين الرومان فيما يتعلق بالإله، اعتقدوا أن المُناخ السياسي للفرس سيكون أكثر ملاءمة”. 

    خرج هؤلاء الفلاسفة السبعة من أثينا -واللافت أنَّ خمسة منهم كانوا من سوريا التي كانت رقعتها الجغرافيّة تمتدّ من كيليكيا إلى غزَّة-مُعتقدين أنَّهم سيتخلصون من اضطهاد الإمبراطور البيزنطيّ، ولكن وهُم في طريقهم إلى بلاد فارس قرّروا التوقّف في مدينة حرَّان السوريّة لزيارة معابدها وفحص مخطوطات مكتباتها. ثم تابعوا طريقهم إلى بلاد فارس، لكن عندما وصلوا إلى بلاط خسرو الأوَّل شعروا جميعًا بخيبة الأمل والخذلان من إمكانيّة دعمهم من ملك الملوك الساسانيّ، وعرفوا أنَّه لا مكان للفلسفة في فارس، فقفلوا راجعين وعلى الأرجح أنّهم استقروا في حرَّان. 

     كان الدِّمشقي رغم استقراره في حرَّان يزور مدينته دمشق، وكان دائمًا يزور أيضًا حمص مسقط رأس الفيلسوف السوريّ يامبليخوس الذي يصفه الدِّمشقيّ في مؤلَّفاته بالعظيم من أجل إحياء ذكراه، ويؤكد ذلك أبيات شعريّة كتبها الدِّمشقي نفسه وعُثِرَ عليها في ما يُعرف بمختارات بالاتين  Palatine Anthology ( مجموعة من القصائد والمقاطع والشذرات اليونانيّة التي اكتُشفت عام 1606 في مكتبة بالاتين في هايدلبرغ ترجع إلى مجموعة قسطنطين كافيلاس من القرن العاشر وتضم مختارات يونانية ترجع إلى أزمنة أقدم) وقد نُقشت أبيات الدِّمشقي على مسلة في إيميسا (=حمص)، سوريا، في عام 538 م. 

    اقترح المؤرِّخ الفرنسيّ ميشيل تارديو Michel Tardieu وهو باحث متخصص في الأفلاطونيّة المحدثة وصاحب كتاب “مناظر طبيعية أثرية. طرق ومحطات سوريا من إيزيدور إلى سمبليقيوس، تحرير فرين، (1990 م)”.-أقول: اقترح تارديو أنَّ وجود داماسقيوس في سوريا يقدم دليلًا على خط نقل الأفلاطونية إلى الإسلام، حيث ترسخت التقاليد الأفلاطونية المحدثة في حرّان. تعتمد أطروحة تارديو بشكل كبير على تفسير لرواية عن زيارة المؤرِّخ العربيّ الشهير المسعودي إلى حرّان. في هذه الرواية، يصف المسعودي مكان تجمُّع للصابئة، حيث يرى مطرقة باب منقوشة بالسريانية بشعار أفلاطونيّ: “من يعرف نفسه يصبح إلهيًا.” 

 مات الدِّمشقي عام 538 م، أي في العام نفسه الذي نُقشت فيه أبياته الشِّعريّة على مسلَّة في حمص، لكن تشاء الأقدار بعد مدَّة طويلة من الزَّمن أن تجذب سوريا أكبر مجدِّدي الفلسفة الأفلاطونيّة بعد الدِّمشقي، أعني الفارابي الذي قضى شبابه في بغداد يتتلمذ على الفلاسفة السريان ثم انتقل إلى حلب ليقيم في كنف سيف الدولة الحمدانيّ، وسافر مع سيف الدّولة إلى دمشق، فقرر الإقامة فيها، وكان يمضي الليالي في غوطتها، حيث ذَكَرَ كُتَّاب السِّير أنّه كان يقضي الليالي فيها يضع مؤلَّفاته مستضيئًا بقناديل حُرَّاس البساتين. 

   لا يوجد أيّ دليل من مؤلَّفات الفارابيّ على أنَّه كان مطلعًا على مؤلَّفات الدِّمشقيّ، لكنَّ الرَّوح الفلسفيّة الغامضة والمجهولة لمدينة دمشق جذبته إليها ليموت فيها عام 950 م.

نداء الظُّلمات: هل يمكن استعادة مدرسة أفاميا؟

نداء الظُّلمات: هل يمكن استعادة مدرسة أفاميا؟

غزا الإسكندر الأكبر سوريا عام ٣٣٣ قبل الميلاد، وبعد موته في عام 323 قبل الميلاد، تنافس خلفاؤه على السيطرة على البلاد حيث استولى سلوقس الأول نيكاتور على الجزء الشمالي، وبطليموس الأول سوتر على الجزء الجنوبي (سوريا الجوفاء). لكن في نحو عام 200 قبل الميلاد استطاع الملك السلوقيّ أنطيوخس الثالث دحر البطالمة وبسطَ سيطرة السلوقيين على سوريا كلّها.

أسس السلوقيون العديد من المدن والمستعمرات العسكرية-من بينها أنطاكيا ولاودكية وأفاميا وأنشأوا فيها أحياء للمستوطنين اليونانيين الذين نقلوا معهم لغتهم وعباداتهم وثقافتهم.

استطاع الرومان في ما بعد هزيمة السلوقيين وتمكَّن القائد الروماني بومبيوس من ضمِّ سوريا إلى الجمهوريّة الرومانيّة في عام 64 قبل الميلاد، وعيَّن بومبيوس ماركوس أميليوس سكورس في منصب حاكم سوريا. وبعد انهيار النظام الجمهوري في روما وتحولها إلى النظام الإمبراطوري أصبحت سوريا مقاطعة تابعة للإمبراطورية الرومانية، يحكمها مبعوث رومانيّ.

تعاقب الأباطرة الرومان على حكم سوريا وصولًا إلى ماركوس أوريليوس الفيلسوف الرواقيّ والإمبراطور الروماني السادس عشر الذي حكم من عام 161 م-إلى عام 180 م. ولا بدَّ أنَّ هذا الإمبراطور الذي يوصف بأنَّه “الفيلسوف على العرش” قام بتشجيع التعليم الفلسفيّ في مختلف أنحاء الإمبراطوريّة الرومانيّة وفي مرحلة حكم أوريليوس ظهر فيلسوف سوريّ مرموق من مواليد أفاميا يُعَدّ مؤسس مدرسة الفلسفة الأفلاطونيّة المحدثة في أفاميا ويرد اسمه في المصادر اليونانية هكذا: Νουμήνιος ο ἐξ Ἀπαμείας نومينيوس الذي من أفاميا، لكن لاحظ الباحث أحمد بيضون وبحقّ أنَّ اسم نومينيوس هو ترجمة يونانيّة لاسم عربيّ هو “النُّعمان”.

شاءت الأقدار أن تزدهر مدرسة أفاميا العربيّة فقد عُنيَ نومينيوس (=النعمان) بإعادة إحياء فلسفة بيثاغوراس وأفلاطون وإيجاد صيغة توفيقيّة أفضت إلى وضع قواعد تفكير بيثاغوريّ/أفلاطونيّ، ولقد تحوَّل منهج في هذه المدرسة إلى غاية للمتعلّمين العرب في ذلك العصر، وحظي برعاية كبيرة طيلة القرن الثالث الميلادي ويمكن إرجاع ذلك إلى أنَّ القرن الثالث شهدَ صعودًا ملحوظًا للقوى السياسيّة العربية، فأصبح العرب عاملًا مؤثرًا في التاريخ الروماني طوال ذلك القرن. إذ في ما يتعلق بمنطقة إميسا (حمص الحالية) التي تتبع لها أفاميا، كانت جزءًا من مما يُسمَّى تسوية بومبيوس الذي لم يضم إميسا مباشرة إلى الإمبراطورية الرومانية، بل تركها كدولة تابعة يحكمها كهنة-ملوك عرب من سلالة محلية، مع الاعتراف بالسيادة الرومانية. هذه السلالة التي تنحدر منها جوليا دومنا، استمرت في حكم إميسا حتى أواخر القرن الأول الميلادي تحت الحماية الرومانية. علاوة على أنَّ جوليا دومنا تزوجت من الإمبراطور الرومانيّ سيبتيموس سيفيروس (حكم من 193 -211 م) فظهرت سلالة السيفريين Severan dynasty وكانت جوليا دومنا هي التي قدمت العنصر العربي لهذه السلالة، بصفتها زوجة للإمبراطور سبتيموس سيفيروس وأم لابنه الإمبراطور الآخر كاراكالا، لكن ما يميّز جوليا أنَّها كانت مقبلة للغاية على الفلسفة. حتى خلال حياة زوجها الإمبراطور، وتشكلت حولها دائرة من الشخصيات الأدبية والمهتمين بالفلسفة. وكان من بينهم الفيلسوف السوفسطائيّ فلافيوس فيلوستراتوس Flavius Philostratos (170-249 م)، الذي كتب -بناء على طلب من جوليا نفسها-سيرة ذاتية للفيلسوف البيثاغوري الجديد أبولونيوس من تيانا Apollonios of Tyana (15 م-98 م)، وهذا يدلّ على اهتمامها بالتعليم البيثاغوريّ الذي وضع أسسه نومينيوس في مدرسة أفاميا.

لكن في النصف الثاني من القرن الثالث الميلاديّ في ظل حكم أذينة وبعده زوجته زنوبيا ملكة تدمر أُعيد إحياء مدرسة أفاميا، فقد كلَّفت زنوبيا الفيلسوف السوريّ أميلوس Amelius وهو من مواليد أفاميا، مسقط رأس نومينيوس بإعادة إحياء المدرسة البيثاغوريّة الأفلاطونية في أفاميا.

لكن حتى نفهم الأمر على نحو أكثر دقة يجب أن نعرف أنَّه بفضل نومينيوس المؤسس الأوَّل لمدرسة أفاميا انتقل تأثير المدرسة إلى الإسكندريّة، وظهر فرع ثان سكندريّ لمدرسة أفاميا يُعرف بمدرسة الإسكندرية للأفلاطونية الجديدة، وتولّى زعامتها أمونيوس ساكاس Ammonius Saccas (175-243 م)، ولقد تتلمذ الفيلسوف الشهير أفلوطين (204-270) في الإسكندريّة على أمونيوس ساكاس ثم سافر أفلوطين إلى روما وأسس فرعًا ثالثًا لمدرسة أفاميا في روما، واشتهرت هذه المدرسة هناك في روما حتى إنَّ إميلوس نفسه قبل أن تكلّفه زنوبيا (240-275 م) بإعادة إحياء مدرسة أفاميا سافر إلى روما وتتلمذ على أفلوطين وبقي معه لأكثر من عشرين عامًا، حتى عام 269 م، ثم قفل راجعًا إلى مسقط رأسه في أفاميا. ويُرجَّح أنَّ زنوبيا كلَّفته بعد عودته بإعادة إحياء مدرسة أفاميا. هذا إلى أنَّ إمليوس كان قد التقى في روما بأحد أهم فلاسفة الأفلاطونيّة الجديدة وهو الفيلسوف السوريّ مالك الذي من باشان المعروف بين مؤرِّخي الفلسفة بلقبه بورفيريوس Πορφύριος ومعناه باليونانيّة “الأرجوانيّ”، وكان قد أعطاه إياه أستاذه كاسيوس لونغينوس حينما كان يتتلمذ عليه في أثينا، وإميلوس هو الذي دفع بورفيريوس إلى أن يأخذ فلسفة أفلوطين على محمل الجِدّ، لأنَّ استهتر بمحاضرات أفلوطين عندما سمعها لأوَّل مرَّة معتقدًا أنّه يكرر الكلام الوارد في مؤلَّفات نومينيوس السوريّ.

لكن كاسيوس لونغينوس نفسه عاد إلى مسقط رأسه في حمص بعد أن قضى معظم حياته في أثينا فسمعت به زنوبيا هذه الملكة المُحبّة للفلسفة، فاستدعته وطلبت منه أن يعلّمها الآداب اليونانيّة. غير أنَّ لونغينوس سرعان ما تحوّل إلى مستشار لزنوبيا فنصحها بالاستقلال عن الحكم الروماني وأن تصبح مملكة تدمر ذات سيادة مستقلة، وفعلَا طالبت زنوبيا الإمبراطور الروماني آنذاك أوريليان باستقلال مملكتها عن الإمبراطورية الرومانية، لكن كانت النتيجة استيلاء أوريليان على تدمر وتدميرها، وعندما واجه أوريليان زنوبيا بذنبها تنصّلت من التهمة وألصقتها بأستاذها لونغينوس الذي نفَّذ فيه أوريليان حكم الإعدام، فتقبَّله بشجاعة منقطعة النظير.

لم تنتهِ مدرسة أفاميا بعد موت زنوبيا 275 م، لأنَّ فيلسوفًا عربيًّا سوريًّا آخر هو يامبليخوس Ἰάμβλιχος (245-325 م)، ينحدر من السلالة الحمصية أو آل شمسيغرام أعاد إحياءها، وكان يامبليخوس قد تتلمذ على بورفيريوس في روما، ذلك أنَّ بورفيريوس أصبح رئيس مدرسة روما بعد موت أفلوطين؛ لكن يامبليخوس عاد من روما إلى سوريا عام 304 م ليعيد إحياء مدرسة أفاميا.

تتلمذ على يامبليخوس عدد من الفلاسفة من أهمهم الفيلسوف السوريّ سوباتر الأفاميّ Sopater of Apamea (مات قبل عام 337 م) وسافر إلى القسطنطينيّة ليؤسس هناك فرعًا رابعًا لمدرسة أفاميا، وعُقدت عُرى الصداقة بينه وبين الإمبراطور قسطنطين العظيم لكن انقلب قسطنطين العظيم عليه وأعدمه بسبب مكيدة حاكها قنصل رفيع المستوى في الإمبراطورية الرومانيّة هو فلافيوس أبلابيوس. وتتلمذ على يامبليخوس أيضًا أيديسيوس Aedesius (مات قبل عام 355 م) وأسس أيديسيوس فرعًا خامسًا لمدرسة أفاميا في بيرغامون Pergamon التي تقع الحافة الشمالية لسهل كايكوس في منطقة ميسيا التاريخية في شمال غرب تركيا.

كان من بين المتأثرين بتعاليم مدرسة أفاميا سوريانوس Syrianus (مات 437 م) الذي لا نعرف شيئًا عن نشأته، لكن يبدو واضحًا من كتاباته أنَّه درس مؤلفات يامبليخوس، وهذا دليل على أنَّه من أصل سوريّ، كما إنَّ اسمه يُفصح عن ذلك. سافر سوريانوس إلى أثينا وتتلمذ على الفيلسوف اليونانيّ الأفلاطوني المحدث بلوطرخوس الأثينيّ الذي كان رئيس أكاديميّة أفلاطون، وبعد أن مات بلوطرخوس الأثيني عام 430 م أصبح سوريانوس هو رئيس أكاديمية أفلاطون، ثم جاء بروقلوس (412-485 م) الذي ولد في القسطنطينية لعائلة ذات مكانة اجتماعية عالية من ليقيا، ويُرجَّح أنَّه اطلع على فلسفة مدرسة أفاميا، من تأثيرات المدرسة التي كان قد أسسها الفيلسوف السوريّ سوباتر الأفاميّ في القسطنطينيّة. ثم سافر بروقلوس إلى أثينا وتتلمذ على سوريانوس، وأصبح رئيس الأكاديميّة بعد سوريانوس. وخلف بروقلوس على الأكاديميّة مارينوس من نيابوليس Marinus of Neapolis (45-500 م) وهو من مواليد نابلس في فلسطين، ثم يظهر دامسقيوس Damascius المولود في دمشق عام 462 م وتأثر هو كذلك بمدرسة أفاميا، وسافر إلى أثينا وتتلمذ هناك على “مارينوس” نفسه الذي أصبح-كما ذكرنا-رئيس أكاديمية أفلاطون، وشاءت الأقدار أن يخلف دامسقيوس مارينوس بعد موته ليصبح آخر رئيس لأكاديميّة أفلاطون بسبب مرسوم الإمبراطور البيزنطي جستنيان الذي قضى بإغلاق المدارس الفلسفيّة ومن بينها أكاديمية أفلاطون في أثينا، فكان دامسقيوس أو الدِّمشقي آخر رئيس لها حين أُغلقت في عام 529 تحت حكم جستنيان. وهكذا شاءت الأقدار أن يكون سوريٌّ آخرَ الفلاسفة العظماء، آخر فيلسوف انبثق من روح مدرسة أفاميا ليصبح آخر رئيس لأعظم أكاديمية فلسفيّة في العالم القديم.

[تُنشر هذه المقالة بموجب اتفاقية تجمع بين موقع صالون سوريا وجدلية].

من سوريا إلى برلين: سرديات الحياة والموت في كتابات هنادي زرقة

من سوريا إلى برلين: سرديات الحياة والموت في كتابات هنادي زرقة

صدر للشاعرة السورية هنادي زرقة هذا العام كتابين في فترة متقاربة عن دار أثر وهما ديوان شعر بعنوان “مثل قلب على مدخل البيت” والثاني بعنوان “ماذا تعرف أنت عن الحرب”. 

جمعت زرقة في كتابها الثاني مقالات كانت قد كتبتها خلال الحرب السورية بعين الشاعرة الحساسة والواعية والمراقبة التي بقيت في البلد إلى فترة قريبة، ولم يمنعها وجودها في قرية من قرى الساحل البعيدة عن الأحداث المباشرة من الاقتراب من الهم العام والمشاركة به ورصد تشعبات وخيوط المقتلة السورية في المحافظات البعيدة والقريبة، وعبر ما يصل إلى مدينتها من مهجرين وضحايا.

تنتقل زرقة من العام إلى الخاص وبالعكس، حتى يتشابكان ويطغى أحياناً أحدهما على الآخر ثم العكس في توليفة قريبة من قلب القارئ وإحساسه ومنتقلة بين هذا وذاك وبين المعلومة العامة المتنوعة بين الفكري والسياسي والجغرافي لتصنع في كل مقال لوحة متكاملة يستطيع القارئ من خلالها تكوين فكرة واضحة عن حدث معين في خريطة البلاد. 

مسلطة الضوء على تحولات الصراع في سوريا والحرب الدائرة فيها عبر أعوام طويلة قبل سقوط نظام الأسد، كان فيها الناس يتداولون عبارة: (الله يفرجها على العباد) وكأنهم كانوا ينتظرون فرجاً إلهياً للخلاص. بينما بقي الحذر حاضراً بينهم. ومن الرقة المدينة المهملة تاريخياً والتي انتفضت على النظام فعوقبت بتركها لقمة سائغة أمام داعش والتطرف المسلح فعانت من هجرة أبنائها بصمت، إلى حلب وطرطوس وغيرها. وكيف صارت الهجرة هاجس الشباب على تنوعهم وصار مستغرباً أن يبقى أحد في البلد. تتساءل هنادي: هل السفر خيانة؟ وحين يكون الثمن هو الحياة هل سيكون الخلاص الفردي خيانة؟ بينما تتحول البلاد إلى مقبرة والبقاء يعني الشروط الدنيا للحياة وترى في مكان آخر أن “البلاد جثة محمولة على الأكتاف وما من مقبرة تدفن بالمجان سوى مقبرة التطرف”.

قد يقول من يقرأ هذه السطور إنه التشاؤم لكنها هواجس كل سوري، وفي السياق تعود زرقة لتحليل الحالة السورية فتحمّل النخب مسؤولية التقصير في توجيه الحراك منذ البداية والاكتفاء بالمراقبة مما تركه عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية والدينية، فأطال عمر النظام ومعاناة البشر، وتذكر كيف منحت صيحات المناداة بالتدخل الدولي والعسكري المبررات للنظام البائد الذهاب بالعنف إلى الآخر، أما عن دفع الأثمان فنرى العائلات المهجرة تنتظر سلال الإغاثة التي اجتمع المهجرون عليها من كل الأطراف تحديداً النساء منهم في باحة كنيسة ورغم الحذر والتخوف من الآخر انتهى بهن الأمر إلى تبادل رواية المأساة حتى البكاء و كأنه نداء إنساني يوحدهم تجاه المتاجرين بالدم السوري، لم تكن جهة الإغاثة تابعة لأي طرف لكن العاملين فيها كانوا من كل طوائف سورية.

كان الساحل حافلاً بصور الضحايا والنعوات والعاهات الناجمة عن إصابات الحرب وأطفال المهجرين الذين حاولوا البحث عن بيئة آمنة، حتى بات يعاني من كثافة سكانية هائلة.

تقول زرقة: “الساحل يحكمه الخوف” لعله الخوف الناجم عن تلك المشاعر المتناقضة ولعله الخوف من المستقبل بالتركة الصعبة التي حملها. وهو ما ظهر للأسف بعد سقوط النظام. 

 تميل هنادي أحياناً للإسهاب في سرد الذكريات الشخصية والعائلية وإعادة تقييمها وتأثير الآخرين على شخصيتها موازية بين مرض والدتها بالزهايمر ومرض البلاد التي صار بينها وبين أبنائها غربة كبيرة. وتحدثنا عن صديقتها مها جديد التي عملت بالإغاثة وما قدمته لسوريا، الجميل في حديث زرقة عنها أنها لا تتجه إلى الرثاء رغم كل ما تركته صديقتها من ألم بغيابها بل تحدثنا عن أعمالها وقيمتها الإنسانية وعن أفعالها.

في الجزء الذي تنشغل فيه بالهم العام والمعاناة الاقتصادية اليومية للبشر يظهر ذلك التردد الذي شغل كل السوريين، وهو البقاء في البلاد ورغم تأكيدها أنه حالة طبيعية كالتنفس لكن ذلك كان بمثابة إشارة لفوات البديل فالطبيعية تغدو حالة غير عادلة في عمق الصراع.

تسافر هنادي زرقة أخيراً إلى ألمانيا، تقول: “لا يموت الغرباء بالسرطان أو احتشاء القلب بل يقتلهم الحنين وتفتك بهم الذكريات”، وهو ما ينقلنا إلى ديوانها ” مثل قلب على مدخل البيت ” الذي نوهنا لصدوره في البداية. يأخذنا العنوان إلى قصيدة قلب ينبح وحيداً، فالبلاد التي تحترق تحيل الحريق إلى دواخلنا حتى أنها تنوي أن تترك قلبها على مدخل البيت مربوطاً مثل كلب يحرسه ويشيخ، وحين توضب ثيابها وتضع النفتالين لتحفظها تتساءل هل ينفع ذلك مع الذكريات، وتسارع إلى الرغبة برمي كل شيء واقتناء ذكريات جديدة.

تتابع هنادي في ديوانها ذلك الاشتباك بين العام والخاص، العام الذي تبدل بسفرها وانتقالها إلى برلين لكنه بقي يمارس تلك الثنائية مع الخاص وتمكيناً للتجربة الذاتية حيث الحيز الأكبر في الديوان والذي يبدأ بقصيدة تفصيلية لملامح وجهها في المرآة كأنها تقرأ لوحة محايدة، وتعطيها دلالات عديدة، تتأملها راجية أن تنال في النهاية ضحكة في زمن الموت وكأنها تقول كم هي عزيزة تلك السعادة.

لتتابع فيما بعد عرض تاريخ عائلي للألم من فقدان الأب إلى الفقر الذي فرد جناحيه على العائلة بعد موته ومعاناة الأم في بلاد لا ترحم ولا تنتبه إلى آلام سكانها.

تعترف زرقة أن الشعر أعاد ولادتها، الولادة من رحم الشعر هي التي تختارها وهي التي تستحق الاحتفاء، حين كتبت أول قصيدة أهدت نفسها قالب حلوى واحتفلت بميلادها الجديد. اختيار ميلادها بمثابة الاستقلالية المؤكدة والتي تتابعها فيما بعد حين تؤكد أن الحياة تعلمنا الاعتناء بأنفسنا كأمهاتها لنكمل نقص الحنان فيها في إشارة أخرى إلى مرض الزهايمر الذي قلب الأدوار بينها وبين أمها.

  تشغل قصائد زرقة الوحدة بشكل كبير وإن كانت حاضرة في البلاد فقد تضاعفت بعد سفرها على ما يبدو فالوحدة التي نطلبها في مرحلة من الحياة تتحول إلى عبء مؤلم لا فكاك منه، وبينما يعمد الآخرون إلى تربية الحيوانات لاحتمال الوحدة تعمد هي إلى الاستعانة بقلبها كحيوان أليف، أو بديل الطفل الذي لم تنجبه، إنه دليل ذلك الاحتواء الذاتي وبلسمة الجراح ذاتياً كتعبير أصيل عن الوحدة الحقيقية. 

الوحدة التي تستدعي الذكريات والبكاء والضجر والتي لا يداويها حتى الحب. 

تحافظ زرقة على قصيدتها بذات التوهج وفي اختيار النهاية التي تكون على هيئة نقلة نوعية مفاجئة من العام إلى الخاص أو العكس لتجعل القارئ يتلمس ذاته، مع تلك الشفافية المنسابة إلى الأعماق، والفرادة بمحاكاتها.

الزمن شاغل حقيقي في قصيدة هنادي لكنه يتعدى هاجس السن إلى إحصاء الخيبات والمرارات وموت الأصدقاء الذين يشكلونها كما فرانكشتاين، وحين يتساقطون يتركونها غريبة في بلاد هدمتها الحرب.

تقول في قصيدة طحالب تنمو على القلب :

“لماذا تركت الحصان وحيداً؟

كي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها”

أشرد بالعبارات هل تعرف البيوت سكانها الأصليين؟

أراقب الجدران المتهالكة

قطرات المطر وهي تتسلل بين الشقوق

القطط التي تقعي أمام الباب كما لو أنه مهجور

العشب النابت في الممرات 

رائحة الرطوبة 

الطحالب تنمو على الجدران

وأصوات عويل يصم أذني.

كيف لك ان تفعل ذلك؟

أنا الحصان الذي تركوه كي يحرس البيت من الموت

الحصان الذي سيموت وحيداً

هنادي زرقة شاعرة سورية لها بصمتها الخاصة وصوتها المميز لها في الشعر: “الزهايمر” ، “الحياة هادئة في الفيترين”، “رأيت غيمة شاحبة سمعت مطراً أسود”، وترجمت أعمالها لعدة لغات كالدانمركية والألمانية والفرنسية، وكتبت في السفير والأخبار والآداب وموقع أوان وغيرها.