الوجع السوري في “كل عار وأنتم بخير”: وجوائز جديدة للأخوين ملص

الوجع السوري في “كل عار وأنتم بخير”: وجوائز جديدة للأخوين ملص

بديكور بسيط ومساحة صغيرة من المسرح الكبير استطاع الأخوان ملص أن يستحوذا على مشاعرنا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فاستنفرت دموعنا على ضفاف الضحكات واختلط الضحك بالبكاء وكأننا نختزن منذ سنوات هذه المشاعر التي ما إن وضعت أمامنا المرآة حتى رأينا عري ألمنا الفاضح، وكيف تتشابك لحظات ضعفنا وخيباتنا وتختلط ضحكاتنا بالدماء، وكم من قسوة تسترت بها ملامحنا لنستمر.

حدث ذلك في العرض الذي قدماه على خشبة مسرح دار الثقافة في حمص بعنوان ” كل عار وأنتم بخير”  وكانا قد تجولا به في المدن السورية بعد أن منع من العرض في وقت سابق، إثر منشور لهما على صفحتهما في الفيسبوك قبل أن تتراجع وزارة الثقافة عن ذلك في بيان لها تعتبر فيه أن ما حدث ليس أكثر من سوء تفاهم. ومع الأخذ والرد بين الأخوين ملص والوزارة كان تشويقنا يتزايد لرؤية العمل والحكم عليه خاصة أن صدى أعمالهما في أوربا قد سبقهما إذ حصل فيلمهما ” البحث عن عباس كيارستامي” على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان هوليود إنترناشيونال وفيلمهما “أيام الكرز” على جائزة الجمهور في مهرجان البوسنة، وكانا قد ترشحا قبل ذلك لموسوعة غينيس عن فئة أصغر مسرح في العالم عام 2009، بينما يشهد لهما خروجهما ضد نظام الطاغية بشار منذ بداية الحراك السلمي في سورية. 

ببساطة الحوار واللباس وتلك التلقائية لامس الممثلان الوحيدان على الخشبة في عرضهما هذا ومجابهاتهما فيه الألم السوري الذي سار بعيداً في الزمن رغم أوهامنا بأمل الخلاص. فالعرض لم يحدد زماناً أو مكاناً بل كان قطعة من الزمن السوري المحمل بالوجع تدور أحداثه في بقعة من الجغرافيا السورية. عبر اجتماع شخصين تربطهما صداقة للاحتفال بالعيد رغم أنهما متناقضا الهوى والاتجاه: فأحدهما جندي في الجيش السوري والآخر مثقف مضطهد في سجون النظام قضى أكثر عمره في المعتقل وخرج مكسوراً، انسحبت خيبته على حياته كلها فحتى على صعيد الحب لم يمتلك الجرأة في التعبير عن مشاعره لفتاة أحلامه واكتفى باجترار الخيبة والألم وكلمات الحب في رسالة كتبها ولم يرسلها.

أما الجندي فقد تضخم لديه مفهوم البطولة حتى لم يعد يعرف سوى التغني ببطولة لم تحدث تحت سيطرة مفهوم كان يربيه النظام في عقول الناس ضمن منظومته ليكون من السهل استخدامهم متى شاء. 

يحاول الجندي الذي لا يملك سوى وقت قصير جر صديقه المتثاقل للفرح بالعيد في رغبة لتجاوز الواقع الضاغط بما يحمله إرث سنوات متتالية من الحرب، لينتهي الاحتفال إلى مواجهات متكررة ثم إلى مشادة كلامية قاسية، يقوما فيها بتعرية أحدهما للآخر، فيهاجم الجندي المثقف ويتهمه بالجبن والتخاذل والاستسلام حتى على الصعيد الشخصي في إحجامه عن مصارحة المرأة التي يحبها بمشاعره طوال سنين كرمز عطالة عن الفعل، و يهدده بالقتل إن لم يتجاوز نفسه ويمتلك الشجاعة لمصارحة الحبيبة عبر الهاتف بمشاعره التي اختزنها خمسين عاماً، في مشهد درامي متصاعد استنفر أحاسيس الجمهور وجعله يصفق ويبكي معه. إذ كان كل منا يرى في جبنه هذا جزءاً منه ولحظة هاربة من الزمن الذي يريد ويتمنى استعادته ولو تحت التهديد.

 كان أداء الأخوين ملص يسحب المتفرج إلى خشبة المسرح وكأنه يتماهى مع الممثل ويشارك في الأداء إذ يشاهد صورته تتألم وتتمزق.

ومع استمرار الأداء المتميز في لحظة يتصاعد فيها المشهد إلى التحول فيتبادل الأخوان الأدوار في حركة سريعة لافتة تسجل لهما، ليصبح الجندي عجوزاً مصاباً بحرب لا يعرف سببها ولا يعرف إن كان قد انتصر فيها أم هزم يتنمر عليه المثقف الجديد وقد غدا شاباً يمثل جيلاً جديداً منتصراً، ويضعه أمام المرآة ليشهد خرافة البطولة المزعومة ووهمها بينما مضى عمره في عجلة النظام ولم يمتلك الجرأة لمصارحة حبيبته بمشاعره  خاصة بعد انتهائه للعطب الجسدي والنفسي ، ثم يهدده بالقتل إن لم يقم بمصارحتها بمشاعره وأحلامه بها  وبيئته التي دفعته إلى الانجرار إلى عجلة النظام :” نحنا أفقر بيت بالضيعة يا حلا”.

استخدم الأخوان ملص في حوارهما طوال العرض، إشارات وعبارات تعيد المتلقي  إلى مجابهات سورية مستمرة وحديثة العهد أي بعد سقوط النظام لكنهما أخذا المتلقي إلى زاوية من المشهد ليدرك أن كلا الشخصيتين ضحية ورغم تناقضهما في الموقع يتشابهان في المعاناة والأثمان المدفوعة وأن تلك المعاناة التي أكلت عمرهما جعلتهما بحاجة الواحد للآخر وتحسسهما لآلام بعضهما أيقظ بينهما مشاعر مختلطة بين الألم والمعاناة والرغبة بالعيش المشترك في سلام يتوقان إليه،  فحين يقرران الانتحار كحل لكل هذه المواجهات ونبش الآلام بالاتفاق على قتل أحدهما للآخر، وبعد بروفات عديدة يفشلان في التنفيذ في مشهد مؤثر جداً، لقد وجدا أن الموت ليس رغبتهما الحقيقية. 

لعل التوأمة البيولوجية للأخوين بما حملته من شبه بينهما واضح المعالم، كانت الحامل الذي لا لبس فيه لفكرة الشعب الواحد الذي مهما اختلفت مواقف أفراده وخياراتهم يبقى لهم جذر واحد يحكمه الانتماء لهذه البقعة من الأرض والجغرافيا، وبالشراكة كحالة لا يحق لطرف سلب الآخر وجوده فيها.

حمل النص المسرحي الإشارة إلى الألم السوري المستمر، منذ خمسين عاماً دون أن يجد براً ليرسو، كما حمل رسالة النبوءة بأنه لن يتوقف إلا عبر الشراكة الحقيقية والجلوس على الطاولة نفسها كرسالة موجهة لكل سوري. وبهذا فقد أعادا للمسرح دوره الحقيقي في تحقيق التواصل والإضاءة على لب القضية لتكوين رؤية جامعة تستنهض روح التشارك لواجهة الخراب العام.

تميزت حركة الممثلين بالسرعة والانتقال السلس من الكوميديا إلى التراجيديا وبراعة الأداء المتناسبة مع بيئة العمل والموسيقا وبالانسجام والتلقائية التي أوصلت العمل للمتلقي وانتزعت إعجابه، وكان اختيارهما للأغاني موفقاً لتطعيم العمل بالمواقف الكوميدية التي تواصلت من الحوار إلى حركة الجسد. فاستحوذا على تفاعل الجمهور وتصفيقه الطويل.

أعادا خلال ذلك للمسرح دوره الحقيقي منذ البوستر الذي كتب عليه “لأن المسرح فعل مقاومة حقيقي” في واقع ليس خافياً فيه تراجع العمل المسرحي بشكل عام وضحالة المهرجانات التي كانت تقام في الآونة الأخيرة.

يذكر أن مسرحية “كل عار وأنتم بخير” نالت في 30 آب 2025 جائزتين ضمن مهرجان مسرح الرحالة الدولي للفضاءات المغايرة في الأردن وهما جائزة أفضل ممثل مناصفة بين أحمد ومحمد ملص وجائزة أفضل نص مسرحي للأخوين ملص.  

في أرصدةِ ما بعد الحداثة:”بلادٌ لا تشبه الأحلام”

في أرصدةِ ما بعد الحداثة:”بلادٌ لا تشبه الأحلام”

لعلّه النطاقُ الأكثرُ حيويّةً والأصعبُ اختباراً لفنّ كتابة السيرة الذاتيّة بنسختها المعاصرة ذاك الذي يختارهُ المؤلّف كإجابةٍ فرديّة استثنائية عن سؤال المصير الجماعيّ، وتحديداً عبر كسره تقليديّة النمط” أدبيّاً” وهو يعيد إنتاج سرديّتنا المنهارة، كأفراد، في مسافة تفكيرنا بين ما ينبغي أن يفعله الوطن لأجلك وما قد يفعله بكَ. وتفنيداً لأدبيّات المغاير والمختلف، الواجب توفّرها للخوض في هذا السياق الجريء على توقّعاتنا الجماليّة ، نضع هامشاً من النقد الاجرائيّ على متن كتاب ” بلادٌ لا تشبه الأحلام” عن دار نوفل/ هاشيت أنطون، بيروت 2025، في السيرة الذاتيّة للشاعر والكاتب السوريّ بشير البكر، حيثُ يفتح الباب واسعاً أمام ما يزيد عن أربعين عاماً من حلّه وترحاله الاختياريّ تارةً، والقهريّ تارةً أخرى، لتمارسَ الكتابةُ عن الحقيقة والنسيان طقساً سيريّاً أراد له أن يكون مائزاً في تعامله مع حمولة الذاكرة الفرديّة، فيقدّم إضافة مهمّة لذائقة القارئ حين  يمنح أجواَء التلقّي بعداً جماليّاً لا يعتمد هذه المرّة على حدثيّة السيرة الذاتيّة ودراماتيكيّة التشويق في ذاكرة التجربة الشخصيّة وحسب، بل على دور تقنيات الكتابة في تأجيج شغف القارئ  بالفكرة التي يقوم عليها العمل بالأساس، ((فراغٌ واسع عليّ أن أملأه كلما ابتعدت المسافةُ كثُر الفراغ، تمدّد مثل ظلّ طويل لا نهاية له، أسير كمن يمشي باتجاه واحد، وراء ظلّ يبدأ من نقطة في قرى البعيد، نحو قارات ملونة بالأوهام، فرحاً بالمطر وبهجة الشمس))، ولكنّ محاولة تأثيث هذا الفراغ يهيمن على مجرياتها وعي المؤلّف لحقيقة أنّنا، عندما نكتب عن الذاكرة، نحن لا نلتقط الماضي، بل نخلق فجوة بين ما كان وما نقول إنه كان*، فمن المصافحة الأولى مع القارئ يثبّتُ  الكاتبُ مكاشفةً مبكرةً  لجهة تغيير نظرتنا عن علاقة الحدث بالذاكرة حين يرضخان لاعتبارات ما بعد الحداثة في أنّ السيرة الذاتيّة ليست نقلاً للحقيقة بل فعلاً إبداعيّاً يعترف بفشله مسبقاً، ((لا شيء مما ورائي يشغلني سوى المكان الفارغ الذي تركته؛ الكرسيّ، الطاولة السرير البيت القرية، المدينة. تلك المساحات الصغيرة والكبيرة تشعل بي أرقاً، وتطرح عليّ أسئلة لا أجوبة لها حتى في لحظات التداعي العميق!))  

إنّ أنساقاً من الشفافيّة الداخليّة في صفحة ” المبتدأ” أراد الكاتب تثبيتها كميثاق مرجعيّ يوقّعه مع القارئ بما يتعلّق بثنائيّة (الصادق والحقيقيّ) وهي المرتكز الذي تقوم عليه نمطيّاً ثقة القارئ بالموضوعيّة المفترضة في كتب السير الذاتيّة، إلّا أنّ هذه الأنساق توقّع هذا الميثاق على أنّه تأويلٌ لجوهر هذه الثنائيّة  وليس كإقرارٍ بفهمنا التقليديّ لها، هذا التأويل قد يبدو الكتابُ بمجمله بنيةً ومحتوىً تجلٍّ من تجلّياته وكأنّ البكر استدعى الفيلسوف  الفرنسي فرانسوا ليوتار ليطلّ معه على الجمهور من شرفة ذاكرته الحافلة بشظايا الهويّة والذات في غزارةٍ من تنوّع التواريخ والأمكنة، ملوّحاً بأنّه ” ليس هناك ذكرى نقية، كل ما لدينا هو أرشيف من التشوهات التي تنتجها اللغة ” وبأنّ ” الماضي لا يُستعاد، بل يُعاد اختراعه كلّ مرة نرويه فيها” ((صحيح أنّي أمضيت نهارات وليالي كثيرة عند ضفّة النهر، ولكنّ ضوء القمر والنزهات في القوارب، وأشجار الصفصاف على الضفاف عبارة عن إضافات، تستدعيها اللوحة التي أريد رسمها عن تلك البلاد المفقودة التي صارت هباء، هي لا تُشبه الأحلام، أنا من أراد ذلك، وأصرّ عليه، بعد أن صدّقتُ بأن ذلك هو السبيل لطرد الكوابيس))،
هذا النزوع الليوتاريّ تقابله من جهة البنية السرديّة للكتاب لياقةٌ تأليفيّة عاليةُ الأداء في ثمانية وعشرين فصلاً تُحيل العمل بأكمله إلى كون البكر لا يعيد من خلاله إنتاج ذاته عبر الذاكرة وماضي تجربته الشخصيّة ويقدّمه للقارئ كنصّ مرجعيّ وحسب، بل يعرض له أيضاً سلوكاً في التذكّر، مقدّماً تأثيره في القارئ على الذاكرة نفسها، ويمكننا أن نُجْمل طبيعةَ هذا السلوك في الملامح التالية:

– في كلّ فصلٍ من السيرة ثمّة تراتبيّة زمنيّة في التسريد تعتمد على حقيقة أنّ الحدث قد يطفو في الذاكرة خارج تسلسله، كجزرٍ صوتية مبعثرة، وعلى سبيل الإبانة نأخذ فصل ” اليزيديّ” الذي يفتتحه بمشهديّات ريعان الطفولة ومجرياتٍ من حميميّة النشأة في مسقط رأسه محافظة الحسكة السوريّة ((مسرعةً في اتجاه جبل سنجار بقيتُ أتبعها بنظري وهي تتجه شرقاً حتّى اختفت وراء خط الأفق، وصارت غيمةً بيضاء، جالسةً فوق قمة الجبل في هيئة حمامة تنظر باتجاهي من بعيد)) ثمّ يكسر خطيّةَ السرد وأجواءَهُ هامشٌ بعنوان، بحر مرمرة ، يختطفنا بها القصّ إلى ” محمّد برّو” الناجي من سجن تدمر الصحراوي ثم زنازين صيدنايا قبل أن يفرّ من قصف البراميل المتفجّرة على مدينته حلب ليستقرّ طافياً في ملوحة بحر مرمرة الخفيفة، ثم نقلة جديدة مع فاصلة: مطر، بموجة نوستالجيا رعويّة الأصول، ليختتم الفصل بهامش: صور بالأبيض والأسود ((حديث الذكريات يمر سيّالاً، ولا يترك من الماضي أكثر من تفاصيل متقطّعة مشوشة وعابرة، بينما يجعلني رصف الصور بعضها إلى جانب بعض، أعمل على صناعة إطار خاص لها، وأتخيل سيرة فتصبح لها حياة جديدة، غير حياتها التي بقيت هناك بعيدًا عني)). 
هكذا تؤثّث الفواصل والهوامش كلّ فصلٍ من فصول الكتاب دون مراعاة الخطيّة الزمنيّة والترابط المنطقيّ في استرجاع حدثيّة الأمكنة والتواريخ (الميلاد → النضج → الإنجازات)، فالسيرة عند البكر تتكون من شظايا ذكريات، تناقضات، لحظات غير مترابطة، ولأنّ التذكّر في لحظة التداعي السيريّ الفعليّة تجربةٌ تجزئ الزمن ولا تُختزل في حبكة متماسكة، أراد أن يكون حقيقيّاً أمام القارئ، لتبدو السيرة فسيفساءَ من تداخل الوقائع وتبعثر فصولها بين الماضي والحاضر ولحظة الكتابة نفسها، وتقوم بنيتها على نقلات شذريّة تعكس جماليّةً تأليفيّة مفارقة للتقليديّ تحوّل القارئ إلى شريكٍ ينظر إلى السيرة نظرةً تأويليّة، وهذه خطوة جريئة على ما يمكن أن يتوقّعه قرّاء السير الذاتيّة، وربّما تكون قد اضطرت الكاتبَ ليضيف صفة روائيّة بعد عبارة “سيرة ذاتيّة” إرضاءً للمصنّفين، ولكن تحت مظلة أدب ما بعد الحداثة واعتباراته حول كتابة السير الذاتيّة لن يتبقّى هناك حاجة لإضافة تلك الصفة، حيث أنها مسلّمة من مسلمات هذا الفنّ.  

–  ثمّة خيارٌ لغويّ اعتمده الكاتب في ممارسة التذكّر كسلوكٍ يكرّس مقولة يُجمع عليها منظرو فنّ كتابة السيرة الذاتية وهي ” الصدق المستحيل”، هذا الخيار تجلّى بارتفاع منسوب الأداء الاستعاري للغة وربّما أكّدته أحد تصريحات المؤلّف حول الكتاب بقوله ” كتبتُه بلغتي كشاعر”، ولعل بعض الآراء التقليديّة تجنح إلى اعتبار انّ هذا الخيار يحوّل الكتاب إلى نصوص من البوح الشاعريّ، إلّا أنّ المنطق النقديّ ما بعد الحداثيّ ينسف هذه الآراء مؤكّداً على أنّ، الاستخدام الكثيف للغة الاستعاريّة هو ضرورةٌ ليس كزخرفةٍ وإنّما للدلالة على عدم كفاية اللغة الحرفيّة و حقيقة عجزها عن نقل التجربة المباشرة دون الانزياح،* (( دخلتُ بيروتَ وتركتها على مطر يغسل المدينة، يتفرّع في دروب صغيرة نحو البحر، ليس هذا مصادفة بلا رجع بعيد، المطر في كل الأوقات قرين حياتي، تعلقت به منذ الطفولة، وصار مثل موسيقى داخلية، تأخذ طعم اللحظة، فرح حزن نشوة مرارة، وفي جميع الحالات إيحاء الغيب الحافل بالغموض والوعد، مطر ومظلات، وأنا أبحث بين الوجوه، أتهجى الملامح، أتابع الخطى، أمشي خلف زمن يتقاطع بأزمنة أخرى ))، ومن نافلة القول أنّ السيرة الذاتيّة سردٌ للماضي إلّا أنّه يتمّ بلغة الحاضر وشروطه الثقافيّة مما يجعل مصداقيّته مطلباً مستحيلاً،ويسعفنا هنا فيليب لوغان صاحب الميثاق السير ذاتي بعبارته الشهيرة “السيرة الذاتية هي الكذبة الأصدق التي نرويها عن أنفسنا” وعليه فإنّ اعتماد هذا الخيار اللغوي ينظرُ إليه من باب أنّ الاستعارة هنا أقلّ خيانة من الادعاء بموضوعيّة الحقيقة، وهو الخيار الأمثل لنردم الفجوة بين ما عشناه وما نعبّر عنه من الذاكرة.

– إنّ انتقائيّةً مخصوصة تُمارس على أرشيف الذاكرة يبدو من خلالها سلوك بشير البكر في التذكر وكأنّه عمليّةُ تفخيخ لعلاقتنا بالسرديّات الكبرى ويقينيّاتها التي رُوّج لها في المنطقة العربيّة منذ ستينيات القرن المنصرم إلى اليوم، الناصريون، الشيوعيون، البعثيون، اليساريون العرب، الإسلاميون، المثقّفون العضويون جميع أولئك لهم متكأٌ واسعٌ عبر مسارات التذكّر والقصّ الحدثي في بلاد لاتشبه الأحلام، وكذلك الشعراء والأدباء و الفنانون، إلّا أنّ المؤلّف ينتقي من يوميّاته معهم داخل سورية وفي المغتربات والمنافي، تفاصيل هامشيّة وحكايات صغيرة منمنمة معبّأة بالحمولة العاطفيّة الإنسانيّة، مشاعر، ذكريات، وتفاصيل يومية تافهة ومقدسة في نفس الوقت،(( في نهاية كلّ سهرة كان علينا أن نوصله إلى المنزل، ونلعب معه اللعبة التي يمارسها كل ليلة، حيث يرتدي كفناً أبيض ويطلب من الحاضرين تأبينَه ، يموت أسامة عاشور في آخر الليل، ويصحو في أول النهار، يعيش مثل إله أسطوري قديم))، وبذلك يحطّم عند القارئ إطار السرديّة الكبرى الذي زجّتهم فيه سلطة الثقافة والمعرفة، مقترِحاً الجديد عبر سرديّات منمنمة ومخصوصة، غير مبالٍ بمحلّيتها وهامشيّتها أو محدوديّة الإدراك العمومي لتفاصيلها، يتتبع فيها الجسديّ والنفسيّ والحسيّ والغرائزيّ، وكأنّه يؤرشف روح الذاكرة بعد أن تفارق جسد التواريخ والأمكنة وهي تقاومُ قدراً حتميّاً أليماً اسمه النسيان، وهذا مالم تكن لتغفل عنه فلسفة ما بعد الحداثة فأصرّت على أنّ التسيير الذاتي ليست سرداً للماضي وحسب بل محاولة لالتقاط اللامعبّر عنهُ. 
ختاماً:

لبشير البكر الكاتب والشاعر السوريّ، أن يضع بين يديّ القارئ العربيّ منجماً سيريّاً ثميناً بمحتواه الحدثيّ سوريّاً وعربيّاً، مستفزّاً القارئ بعمق وغزارة وعيه الذاتيّ الفرديّ بمعضلةٍ جماعيّةٍ اسمها ” الوطن ” عبر ذواكر تجربةٍ شخصيّةٍ حافلة بالترحال، ولنا بالمقابل ّأن نضعَ كتابه” بلادٌ لا تشبه الأحلام ” وديعةً في أرصدة أدب مابعد الحداثة ، ونرى في البنية والأسلوب تجسيداً استثنائيّاً لإحدى مقولاته ” الذاكرة مثل شاطئ، كلّ موجة تأتي تغيّر شكل الرمال، وتترك وراءها أثراً مختلفاً عما سبق”*، وكلّ ما يتبقّى للكاتب هو أن يكون حقيقيّاً مع هذه الفكرة ويجسدها للقارئ سلوكاً في التذكّر، حينها تكون كتابة السيرة الذاتيّة إبداعاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
1-* عن فيلسوف مابعد الحداثة الفرنسي فرانسوا ليوتار ” مقابلة

2-* كتاب الاختلاف ” فرانسوا ليوتار” / 3-* كتاب المتحوّلون من الإنسان ” فرانسوا ليوتار

في “الكلمة المرفوضة” الهامش بيت الشعر

في “الكلمة المرفوضة” الهامش بيت الشعر

القصيدة ـ الديوان “الكلمة المرفوضة”، صدرت عن “خان الجنوب” في برلين، للشاعر الكردي السوري جولان حاجي لا تنحو لقول شيء بعينه ولا تتمحور حول موضوع واحد، على الرغم من أن الديوان كله محوره العين.
العين الحقيقة العلمية، العين والحياة المحيطة المرئية، العين التي تحول كل ما خارجي إلى داخلي، والتي تظل نظيفة خالية، إنها العين اللغز، حسّاً ومعنى وصورة. “الوجه لغزٌ لغزُهُ العينُ/ من أي كلمة تُستخرَج الحقيقة لتُرمى كلُبّ الجوز إلى كلب الموت فيشمّها ويتركها/ بأي حدقة كالفلس الصدئ سيُرشى/ خائفةً وصلت الروح، جريحةً بالسوط في يدها، الذائقة علقمَ النظرات، المستظلة بالخفاء/ الحالمةَ بأجمل الأجساد، المحرومة رَجَت لرحلتها صاحباً أوفى من الغبار، مؤونةً أخفَّ من الذاكرة، يداً أرحمَ من الشمس ـ خوفُها أقوى من أي حنين ص100.”

يبدأ الديوان بمقدمة “ابتسامة جمجمة” عود إلى التذكير بأيام الملتقى الأدبي لجامعة حلب سنة 1980. كان بين شعراء الملتقى فؤاد محمد فؤاد الذي أصدر مجموعة شعرية بعنوان مستعار من أرسطوطاليس “أجزاء الحيوان”. يرى جولان حاجي في أجزاء الحيوان “استقراءً لأعضاء الجسد عبر قصائد غنائية قصيرة. يبدأ هذا الديوان الصغير بالحيوان وبه ينتهي… يقرأ فؤاد ما لا يُرى من الجسد، تدخل الكلمات تحت الجلد، وراء الصورة التي يحب أن يراها الناس. يخاطب الغضروف ويستنطق المخيخ والحبل الشوكي والمعثكلة والطحال..، كل عضو يحمل نهايته موسوماً باسمه، فيما الحيوان لا ينطق ولا يسمّي ولا يفسّر شيئاً ولا يعي موته”.

في القسم الثاني من كتاب جولان حاجي نجد نص “العصا والمخروط”. تذكير بآلية عمل العين، حاسة البصر، مع شروح علمية حول مسار الضوء وأثره على الرؤية، وتأثير الصور المرئية على الذاكرة والفكر وبالتالي اللغة والتعبير “نصف المعلومات التي ينهمك بها الدماغ هي معلومات بصرية، عيوننا لا تلتقط صورة طبق الأصل عن أي شيء.”. وفي القسم الثالث يبدأ “المنفذان” وهو متن ديوان “الكلمة المرفوضة”.

القصيدة لدى جولان في هذا الكتاب تنبسط من تلقاء نفسها، مثل راحة يد مفتوحة، تتلقى الضوء ولا تطلب ولا تشكو ربما إلا له. القصيدة شكوى الجلد إلى الضوء. تقفز من حال إلى حال، تعلو وتتداعى، مثل حال أنفاسنا ومخاوفنا، توجز وتسهب وتقتبس بعضها من بعضها في كل جامع غير متشابه.
هكذا غير عابئة بشكل محدد، ولا بصيغة ثابتة، تنتقل من طور إلى آخر، من زمن الطفل إلى مأوى الشيخ، في رحلة طويلة متشعبة، جامعة المعاني والأسئلة، الذكريات والآمال والكوابيس، لكن غير غافلة عن النسيان سيد الأزمان كلها: “جسده مدينة خاوية استعجل الوصول إليها ليجلس على بابها كالحراس الوحيدين، حراً وسجينا كالبحر، سرق أحدهم الكلمات من أفواه النائمين فيها، رفع ثوب السماء واندس تحت الأفق، هارباً بحقيبتين من النفائس ـ لن يجد المستيقظون فيها في الغد كلمة واحدة لا تستحق النسيان، لن يجد الجار تحية صغيرة يلقيها على جاره ص51”.

قصيدة طويلة تتناسل عبر سرد نثري متواصل متقطع في آن واحد. نحن أمام شعر لا يغنّي ولا يعظ ولا يأمر. لا صوت عالياً ولا حماسة ثائرة . القصيدة في غِنىً عن كل ذلك. هنا نجد الشعر وقد تحول إلى تلقٍ حاضنِ الضوءَ والظلامَ، الليل والنهار مختلطين. بل هو احتضان رحب يتجاوز الضوء والظلام، ذلك أن الشعر في الكلمة المرفوضة أوسع وأرق وأقسى من أن يتحول إلى لقاء سهل لتناقضات بلا منفذ بلا نهاية! ربما هو شعر كتب بمزاج الفجر ورحيقه الحارق.
القول إنه شعرٌ أوسع وأرق وأقسى إنما يعني أن الاكتفاء بالمرئي قد تحول إلى ثراء هادئ، والرقة أخذت بيد التائه والمنبوذ إلى ملاذ الناسك، والقسوة غدت مرآة الماضي الذي لا يكف عن العودة بالخيبة الثقيلة والمرارة الجارحة.
سرد متعاقب متقطع من خلال ذاكرة بصرية حافلة، ذاكرة هي رحلة للجسد والنفس عبر العين وحدها.

الشعر مع جولان حاجي شاهدٌ نزيهٌ ومراقبٌ صامتٌ. الهامشُ بيتُهُ، بعدما ضاق المتن بالجميع وأفسدهم. من الصمت يأتي كل هذا الصخب الدفين، وهذا العبور الهائل فوق الأسئلة، العبور الرافض لقيود الجواب الرنانة.

مازن الحُمادة سيرة الشاهد والشهيد المُغيَّب في كتاب للفرنسية غارانس لوكان

مازن الحُمادة سيرة الشاهد والشهيد المُغيَّب في كتاب للفرنسية غارانس لوكان

كتاب “اِنسَ اسمك- مازن الحُمادة، طريق المختفي” (Oublie ton nom – Mazen el Hamada, itinéraire d’un disparu)، للمخرجة والكاتبة والصحافية الاستقصائية الفرنسية، “غارانس لوكان” (Garance Le Caisne)، الذي صدر باللغة الفرنسية عام 2022، هو كتابها الثاني بعد إصدارها لكتاب “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية” باللغة الفرنسية في عام 2015، والذي تروي فيه قصّة المصوّر العسكري السوري “قيصر” الذي التقط آلاف الصور الفوتوغرافية التي تفضح جرائم نظام بشار الأسد البائد، والذي تُرجم إلى العربية، وصدر عن دار “ميسلون للثقافة والترجمة والنشر” عام 2018. 

في يونيو/ حزيران 2024، صدرت الترجمة العربية لكتاب “اِنسَ اسمك..” بعنوان “لم يعُد معنا: سيرة مُغيَّب“، عن “دار الجديد” البيروتية، وفيه تقدّم “لوكان” قصّة مازن كما رواها لها خلال عامي 2017 و2018، والتي تحكي مأساة التعذيب في أقبية سجون نظام الرئيس المخلوع الهارب بشار الأسد، وفوضى الحياة الجديدة التي طال انتظارها وحلمها.

  • ذكريات المعتقل الناجي، والشاهد والشهيد

بعد عِلم “لوكان” بتردّي حالة مازن النفسية ورفضه الخضوع للعلاج جمّدت مشروع الكتاب، واحتفظت به ثلاثة أعوام، حتى إذا ما علمت من أخيه أنّه لم يعد موجوداً، أفرجت عن الكتاب بعد أن استأذن عائلة الحُمادة لالتزامها الأخلاقي، ولرغبة منها أن لا تموت قصّة مازن الشُّجاع، إذ تقول إنّها في اللقاءات كانت تشعر كأنّها تلمّ شظاياه بيديها “بينما كانت مدينته تُقصَف قصفاً يفوق الخيال”، وفقاً لشهادة أخيه.

قضى مازن (مواليد عام 1977) تحت التعذيب، قبل سقوط نظام بشار الأسد وهروبه إلى موسكو بأسبوع واحد، إذ عُثر على جُثّته في “مستشفى حرستا الوطني” بريف دمشق، وعليها آثار تعذيب انتقامي وحشي، فالكدمات وآثار التعذيب التي ظهرت على جسده كانت كافية لرسم صورة التعذيب الذي تعرّض له، وكانت عودته إلى دمشق في شهر فبراير/ شباط 2020. وعند وصوله إلى دمشق أدرك خطأه. وكانت عبارة “ادعوا لي” آخر الكلمات التي سُمعت من مازن.

استندت “لوكان” في تأليفها للكتاب الذي نستعرضه في هذه المقالة، إلى عدّة مقابلات أجرتها مع مازن عندما كان في أوروبا؛ في باريس، وفي شقة مازن في قرية هيلغوم الهولندية، وفي مزرعة قديمة في ريف النورماندي، قبل عودته إلى دمشق عبر مطار رفيق الحريري في بيروت، يوم 22 فبراير/ شباط 2020، وتغييبه بعد يومين، إثر اعتقاله من قِبل المخابرات الجوّية في دمشق، ثم قتله تحت التعذيب عمداً، عشية سقوط النظام في 8 ديسمبر/ كانون الأوّل 2024.

في عام 2015، كان اللقاء الأوّل بين الصحافية الفرنسية ومازن الحُمادة، الذي يتحدر من أسرة كبيرة في دير الزور تعمل في الزراعة وتربية الماشية، والذي كان يعمل قبل الثورة كفنّي لدى إحدى شركات النفط العاملة في محافظته شمال شرق سوريا، والذي انتظم في ثورة شعبه السلمية، واعتقلته الأجهزة الأمنية في نظام الأسد أربع مرّات، وكان الاعتقال الأخير (في سجن المخابرات الجوّية بدمشق) هو الأصعب، إذ مكث فيه ما يزيد على عام ونصف العام (بين 2012- 2014) تعرّض خلالها لأشدّ أنواع التعذيب التي تركت آثارها المدمّرة على صحته الجسدية والنفسية، وكان شاهداً على العديد من ممارسات النظام الوحشية بحقّ آلاف المعتقلين السياسيين والثوّار. 

في ذلك اللقاء الأوّل بين “لوكان” ومازن، وافق المعتقل الناجي-حينها، والشاهد والشهيد في نهاية المطاف، على الإدلاء بشهادته حول كتابها الأوّل “عملية قيصر في قلب آلة الموت السورية”، بحسب ما تروي “لوكان”، لافتة إلى أنّ مشروع كتابها معه وحوله بدأ في عامي 2017 و2018، عندما بدأت جلسات استماعها إليه، وهو يروي ذكريات وجعه التي عايشها في سجون نظام الأسد، مستعينةً بصديقتها الشاعرة السورية الفرنسية عائشة أرناؤوط كوسيط ترجمة بينها وبينه.

  • إعادة بناء الصوت للوجوه المنسية

جاء الكتاب في 190 صفحة موزعة على أربعين فصلاً، جاء كل فصل منه في شكل ثنائية كتابية متناغمة تتضمّن حديث مازن وسرده لذكرياته، ثم تعقيبات وإضافات من المؤلّفة عليها. 

ووفقاً لما كتب الناشر على الغلاف الخارجي الأخير للكتاب، فإنّه “حينَ تيقّنتْ غارانس لوكان أنّ مازن الحُمادة، الذي أمضتْ معه ساعاتٍ طويلةً تصغي فيها إلى قصّة سجنه وتعذيبه ولجوئهِ لن يعود، قرّرت إنشاء كلامه كتاباً.

خانته عدالة الغرب، ففضّل العودة إلى سوريا بلدِ المطامير والإهانةِ وهو يحلُمُ بدير الزور والفرات وبدولةٍ عادلةٍ لا تفترسُ أبناءَها. وصلَ إلى مطار دمشق واختفى. صحيحٌ أنّ التِّنِّينَ لا يرتوي من دماء أبنائهِ، بيدَ أنّ شقائق النّعمان عنيدةٌ كالرّبيع.”

يُقدّم الكتاب شهادة إنسانية قاسية ومؤلمة عن الاعتقال السياسي والتعذيب في “سوريا الأسد”. أما أبرز المحاور التي تناولتها “لوكان” فهي: نشأة مازن في دير الزور، وانتماؤه لعائلة كبيرة من 18 أخاً وأختاً، وتجربة الاعتقال والتعذيب في سجون النظام، خاصّة في سجن المخابرات الجوّية بين 2012 و2014، والمنفى واللجوء في أوروبا، ومحاولاته إيصال صوت المعتقلين عبر جولاته الإعلامية في بعض المدن الأوروبية والأميركية، والخذلان الدولي وصراعه النفسي بعد تجاهل العالم لمعاناة السوريين، وأخيراً عودته الصادمة إلى دمشق وتغييبه مجدّداً في الشهر الثاني من عام 2020. ولعل أهم ما يميّز عمل “لوكان” هذا هو: الطرح الإنساني العميق إذ تُركّز على الإنسان لا الحدث السياسي، واللغة الأدبية التوثيقية حيث تمزج بين السرد والتحليل والشهادة، والتأريخ للحدث السوري من الداخل بتقديمها الثورة من خلال وجوهها المنسية. إضافة إلى التحرير الحيادي فلا نرى “لوكان” تُعلّق بل تُنصت وتُعيد بناء الصوت، ناهيك عن الرمزية النفسية بتجسيدها كيف يتحوّل الألم إلى ذاكرة مقاومة.

مازن، بقامته النحيلة كما لو أنّ معاناته ابتلعته، وبكتفيه البارزتين، ويديه الطويلتين كثيرتا الحركة، وخديه الأجوفين، ونظراته الخالية من الأمل، “قطع وعداً على نفسه بأن يشهد”، تقول “لوكان”، وتضيف: “بالإضافة إلى الإيذاء الجسدي، شهد مازن على تدمير الأرواح. كلماته التي تم جمعها على مدى عدّة أشهر، أصبحت مفكّكة بشكلٍ متزايد وكشفت الحيرة التي سقط فيها بسبب استحالة سماعه من قبل القادة الغربيين الذين كان ينبغي عليهم القبض على المجرمين. تعكس عزلة مازن شهادات الناجين من معسكرات الاعتقال وشهادات الناجين من الإبادة الجماعية”. 

تناولت “لوكان” في فصول الكتاب نشأة مازن، وذكريات الطفولة في مسقط رأسه دير الزور، ومعايشته للثورة السورية، وذكريات الوجع والآلام في سجون نظام الأسد، التي قضى فيها في الاعتقال قبل الأخير ، مدّة 18 شهراً تقريباً، وبعد الإفراج عنه خلال الربع الأوّل من العام 2014، قرّر مغادرة السجن السوري الكبير عبر قوارب الموت، وكله عزيمة وإصرار على رواية عذابات ووجع أبناء وبنات شعبه الثائر ضدّ ظلم نظام “الدولة المتوحشة” على حدِّ وصف الباحث والكاتب الفرنسي “ميشيل سوار”، الذي لقي حتفه في سوريا إعداماً عام 1986، وبقي رفاته محتجزاً لمدة عشرين عاماً، لا لشيء إلّا لأنّه فضح نظام حافظ الأسد الدموي.

  • طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا 

بعد إطلاق سراح مازن عام 2014، واضطراره لمغادرة سوريا، وبعد عبوره البحر الأبيض المتوسط​​، انتهى به المطاف في هولندا، “البلد الذي ستذكره قنواته بنضارة نهر الفرات في طفولته. سيصبح أحد السوريين القلائل الذين يندّدون علانية بالتعذيب الذي تعرّض له في سجون نظام الأسد” بحسب ما ورد في تقديم الكتاب.

تنقل “لوكان” عن مازن قوله: “أنا عينة من أبناء البلد وسأحدّثكم عما حصل: طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا. فقط لأنّنا طالبنا بالحرّية، قتلونا واعتقلونا وعذبونا وذبحونا. قصفونا بكل أنواع الأسلحة، البراميل المتفجرة، الصواريخ، الفوسفور… وبكل شيء يمكنكم تخيله”. يضيف متسائلاً: “ماذا كان سيحدث لو طالبنا أيضاً بثروات البلد! أضحك ولكن كما تعلمون، لقد دمّروا ذاكرتنا. دمّروا طفولتنا وذكرياتنا وأحلامنا. حتى أنّهم هدموا الجسر المعلّق فوق نهر الفرات. لقد حاولوا محو الإنسان بداخلنا وأخلاقنا ومبادئ عالمنا، وأرادوا دفعنا نحو التطرّف، وقذفوا بنا إلى البحار”.

ويتابع قائلاً: “عشت بدايات الثورة؛ السجن، الحرب. كنت مطلوباً من قبل الأسد و(داعش) والفصائل المتطرّفة، وفي إحدى الأمسيات، التقيت بإخوتي الأكبر سناً وأبلغتهم أنّ وضعي قد أصبح صعباً، وقد حان وقت الرحيل”.

تواصل “لوكان” سرد أوجاع مازن وما خلفه نظام الأسد الوحشي في نفسه الهشة من رعب وترهيب، فتنقل على لسانه: “نحتاج إلى متخصّص يمكنه فتح رؤوسنا وتفكيك أدمغتنا ورؤية ما بالداخل، والتحقّق من الروابط وجعل كل شيء على ما يرام. شخص قادر على الترتيب والتنظيف. يجب إزالة البراميل والصواريخ والمواد الكيماوية والتعذيب والسجن وإزالة ما حدث على مدى السنوات السبع الماضية وسنتين في الاعتقال. يجب إزالة 70 بالمئة من هذه الذاكرة. عندما وصلت إلى أوروبا، لم يكن الأمر كما لو أنّني لم أرَ شيئاً، فأنا أعلم بأوجاع أولئك الذين عانوا. لم يكن هناك تلفاز في زنزانتي، لذا فإنّ شهادتي للعالم هي جزء ضئيل مما عشناه في السجن. أن تتكلم وتسمع ليس كما ترى، والنظر إلى الوراء يكسرني. يجب أن أعيش، لكنّ العيش صعب أيضاً، فعندما أكون وحدي تعود بي الذكريات إلى هناك..”.

تتوقّف “لوكان” مطولاً عند وحشية نظام الأسد وكيف غرق في ذُعره من السوريين المنتفضين ضدّ حكمه الفاسد والمستبدّ، فلم يتردّد باستخدام كل أساليب ووسائل التعذيب اللاإنسانية لقمع الثوّار. وتنقل في متن الكتاب عن مازن قصصاً لا تصدق عن القمع والتعذيب اللاإنساني الذي مارسه جلادو الطاغية بحقّه من اليوم الأوّل لدخوله إلى السجن منذ المرّة الأولى، وتعرُّضه للضرب قبل الاستجواب والاستمرار به حتى يقوم بالاعتراف بما يريده السجانون، أما الإنكار فليس لصالحه إذ سيفقد القُدرة على التحمُّل ويعترف بأي شيء يريده سجانه. ومن الضرب والشبح (التعليق من اليدين حتى يشعر السجين المشبوح أنّها ستنقطع، أو تُخلع من الأكتاف)، وحين يصرُخ من الألم يسدّون فمهُ بالحذاء، إلى الضرب بماسورة المياه والاغتصاب بالعصا، والتعذيب بشدّ مشبك معدني على العضو الذكري، والحبس في زنزانة قذرة حتى تتقيّح الجُروح، ثم الحبس في زنزانة حُشر فيها 180 شخصاً، بينما لا تتّسع لخمسين شخصاً، حتى يصبح الاختناق وارداً، والموت يومياً حيث يُكلّف السجناء بنقل جُثث من يموت منهم ويرمونها خارجاً.

يواصل مازن حديثه إلى “لوكان” عن أساليب التعذيب الأخرى التي تفنّن السجانون في استخدامها لتعذيب نفوس وأجساد المعتقلين من الثائرين ضدّ حكم عائلة الأسد، كـ إطفاء السجائر في الساقين، والصّعق بالكهرباء بعد سكب الماء البارد على جسد السجين، وتعذيب الأبرياء للضغط على ذويهم لتسليم نفسهم، كحكاية الشاب من داريا الذي حرقوا وجهه ويديه للضغط على والده، ويروي أيضاً حادثة إعدام الضباط الذين انشقّوا عن جيش النظام وحُبسوا معهم في “سجن المزة” ثم اختفوا.

يتذكّر مازن في أحاديثه واللقاءات الطويلة مع “لوكان” ذكرياته المؤلمة، وكيف أنّ النظام “دمّر ذاكرتهم”: بستان العائلة، الخبز المُعدّ على التنّور فوق سطح المنزل، مخبأ الكتب الممنوعة، المظاهرات الأولى، وبالطبع الحياة… ابتُلعت جميعها في الزنازين المكتظة حيث اُحتجز مازن مع اثنين من أبناء أخته.

وتخبرنا “لوكان”، كيف بدأ وعي مازن السياسي يتشكّل من خلال المكتبتين الموجودتين في منزله، واللتين تضمّان روايات وكتباً سياسية، وذلك بالإضافة إلى زاوية سرية في حائط حديقة المنزل، أين حفرت العائلة كوة وخبأت فيها مجموعة من الكتب التي كانت من المحرّمات في ظل الحكم الديكتاتوري العسكري الشمولي للأسدين الأب والابن. 

وفي السياق، تحدّثنا عن بلدته “الموحسن” التابعة لمحافظة دير الزور، والتي دخل إليها الفكر الشيوعي منذ عام 1947، على يد المدرّس مدّاح الصايغ، حتى عُرفت بـ”موسكو الصُّغرى”، وهي موطن عائلة الحُمادة.

  • عودة إلى دمشق اكتنفها الغموض 

كان مازن يقول: “أُريد العودة إلى بلادي، لقد اكتشفتُ العالم وأكاذيبه ورأيت… أُريد العودة إلى سوريا للدفاع عن بلادي”، لقد أصبح حُرّاً في هولندا لكنّه مقيّد بالذكريات والواجب. وفي اتّصال أخير للناشطة السورية ميسون بيرقدار معه في بيروت، قال لها: “سأضحّي بنفسي لوضع حدّ لحمّام الدّم، هذا كل ما في الأمر”. وبعدها تواصل مع نتالي لاريسون، مديرة البرنامج الإنساني في “الجمعية السورية للمهمّات الطارئة”، قائلاً: “صلّوا من أجلي”.

اكتنف الغموض عودة مازن في 22 فبراير/ شباط 2020 إلى دمشق، وبدون سابق إنذار، الأمر الذي فتح باب الشكوك واسعاً لدى الناشطين السوريين بخاصّة المقرّبين منه، إذ ليس من المعقول والمنطقي أن ينجو أحد من سجون نظام الأسد ثم يعود إليها بإرادته. لا سيّما وأنّ مازن كان قد حصل على لجوء في هولندا قبل أن يتردّد بكثرة إلى ألمانيا قبيل عودته المثيرة للجدل إلى سوريا.

يصف أحد أقربائه المقيمين في هولندا ما حصل مع مازن بأنّه “اختطاف”، مرجّحاً أن تكون عودته تمت بمكيدة أعدّتها سفارة نظام الأسد في برلين. ونفى ما تم تداوله عن عودته بشكل طوعي بسبب تردّي أحواله المادّية والنفسية.

وأفاد قريب مازن بأنّه تواصل مع أشخاص شاهدوا الأخير في مطار برلين قبيل وقت قصير من عودته إلى دمشق برفقة سيدة موالية ومقرّبة من سفارة النظام بألمانيا. وحين سألوه إن كان ذاهباً إلى دمشق، أجاب بالنفي وقال لهم بأنّه ذاهب إلى بيروت، لتردّ السيدة التي بجانبه قائلة: “بل إلى دمشق”.

في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي، شيع آلاف السوريين مازن الحُمادة، الذي لم يمهله القدر أسبوعاً واحداً فقط قبل سقوط حكم آل الأسد لينعم بالحرّية التي طالما حلم بها، وسيسجّل التاريخ أنّه رحل ولم ولن يبقى لنا من أثره سوى صدى صوته الحرّ وكلماته التي ستبقى توجعنا كسوريين نلنا حرّيتنا بفضل نضالات مازن وأمثاله من الضحايا والناجين: “لقد دمّروا ذاكرتنا بيد أني أستمدُّ قوّتي من ذاكرة وجعي”.

مؤلّفة الكتاب في سطور:

“غارانس لوكان”، مخرجة وكاتبة وصحافية استقصائية فرنسية مستقلة، تعمل في المجلة الأسبوعية الفرنسية “لو جورنال دو ديمانش” (Le Journal du Dimanche)، وفي المجلة الإخبارية “لو نوفيل أوبسرفاتور” (Le Nouvel Observateur) منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. عندما كانت تعيش في القاهرة قامت بتغطية القضايا السياسية في الشرق الأوسط والاحتجاجات والانتفاضات والثورات في العالم العربي. قامت بتغطية الثورة السورية بشكل خاص منذ عام 2011 وكتبت مقالات عن طب الطوارئ في الصراع السوري.

حظي كتابها الوثائقي “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية”، باعتراف دولي بعد ترجمته إلى لغات عديدة بينها الإنكليزية والألمانية والإيطالية. وحصلت “لوكان” عنه على جائزة “غيشويستر شول للأدب” في ألمانيا عام 2016. وفي مدينة هونج كونج على ساحل الصين الجنوبي، صُنف ضمن أفضل الكتب التي تتناول حقوق الإنسان.

في عام ۲۰۲۲ حقّقت “لوكان” ككاتبة ومساعدة في الإخراج، بالتعاون المخرج ستيفان مالتير، فيلماً وثائقياً بعنوان “أرواح ضائعة” (Les âmes perdues)، الذي يعرض العذابات التي تعرّض لها الشعب السوري من قبل سلطات نظام الأسد كما يسلط الفيلم الضوء على ضحايا قيصر بالإضافة إلى تناوله قضية المخفي قسرياً مازن الحُمادة، كذلك يتحدّث الفيلم أيضاً عن الجريمة التي ارتكبتها أجهزة المخابرات السورية بحقّ الفرنسي من أصل سوري مازن دباغ وابنه باتريك. وهو إنتاج فرنسي- ألماني.

من سوريا إلى برلين: سرديات الحياة والموت في كتابات هنادي زرقة

من سوريا إلى برلين: سرديات الحياة والموت في كتابات هنادي زرقة

صدر للشاعرة السورية هنادي زرقة هذا العام كتابين في فترة متقاربة عن دار أثر وهما ديوان شعر بعنوان “مثل قلب على مدخل البيت” والثاني بعنوان “ماذا تعرف أنت عن الحرب”. 

جمعت زرقة في كتابها الثاني مقالات كانت قد كتبتها خلال الحرب السورية بعين الشاعرة الحساسة والواعية والمراقبة التي بقيت في البلد إلى فترة قريبة، ولم يمنعها وجودها في قرية من قرى الساحل البعيدة عن الأحداث المباشرة من الاقتراب من الهم العام والمشاركة به ورصد تشعبات وخيوط المقتلة السورية في المحافظات البعيدة والقريبة، وعبر ما يصل إلى مدينتها من مهجرين وضحايا.

تنتقل زرقة من العام إلى الخاص وبالعكس، حتى يتشابكان ويطغى أحياناً أحدهما على الآخر ثم العكس في توليفة قريبة من قلب القارئ وإحساسه ومنتقلة بين هذا وذاك وبين المعلومة العامة المتنوعة بين الفكري والسياسي والجغرافي لتصنع في كل مقال لوحة متكاملة يستطيع القارئ من خلالها تكوين فكرة واضحة عن حدث معين في خريطة البلاد. 

مسلطة الضوء على تحولات الصراع في سوريا والحرب الدائرة فيها عبر أعوام طويلة قبل سقوط نظام الأسد، كان فيها الناس يتداولون عبارة: (الله يفرجها على العباد) وكأنهم كانوا ينتظرون فرجاً إلهياً للخلاص. بينما بقي الحذر حاضراً بينهم. ومن الرقة المدينة المهملة تاريخياً والتي انتفضت على النظام فعوقبت بتركها لقمة سائغة أمام داعش والتطرف المسلح فعانت من هجرة أبنائها بصمت، إلى حلب وطرطوس وغيرها. وكيف صارت الهجرة هاجس الشباب على تنوعهم وصار مستغرباً أن يبقى أحد في البلد. تتساءل هنادي: هل السفر خيانة؟ وحين يكون الثمن هو الحياة هل سيكون الخلاص الفردي خيانة؟ بينما تتحول البلاد إلى مقبرة والبقاء يعني الشروط الدنيا للحياة وترى في مكان آخر أن “البلاد جثة محمولة على الأكتاف وما من مقبرة تدفن بالمجان سوى مقبرة التطرف”.

قد يقول من يقرأ هذه السطور إنه التشاؤم لكنها هواجس كل سوري، وفي السياق تعود زرقة لتحليل الحالة السورية فتحمّل النخب مسؤولية التقصير في توجيه الحراك منذ البداية والاكتفاء بالمراقبة مما تركه عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية والدينية، فأطال عمر النظام ومعاناة البشر، وتذكر كيف منحت صيحات المناداة بالتدخل الدولي والعسكري المبررات للنظام البائد الذهاب بالعنف إلى الآخر، أما عن دفع الأثمان فنرى العائلات المهجرة تنتظر سلال الإغاثة التي اجتمع المهجرون عليها من كل الأطراف تحديداً النساء منهم في باحة كنيسة ورغم الحذر والتخوف من الآخر انتهى بهن الأمر إلى تبادل رواية المأساة حتى البكاء و كأنه نداء إنساني يوحدهم تجاه المتاجرين بالدم السوري، لم تكن جهة الإغاثة تابعة لأي طرف لكن العاملين فيها كانوا من كل طوائف سورية.

كان الساحل حافلاً بصور الضحايا والنعوات والعاهات الناجمة عن إصابات الحرب وأطفال المهجرين الذين حاولوا البحث عن بيئة آمنة، حتى بات يعاني من كثافة سكانية هائلة.

تقول زرقة: “الساحل يحكمه الخوف” لعله الخوف الناجم عن تلك المشاعر المتناقضة ولعله الخوف من المستقبل بالتركة الصعبة التي حملها. وهو ما ظهر للأسف بعد سقوط النظام. 

 تميل هنادي أحياناً للإسهاب في سرد الذكريات الشخصية والعائلية وإعادة تقييمها وتأثير الآخرين على شخصيتها موازية بين مرض والدتها بالزهايمر ومرض البلاد التي صار بينها وبين أبنائها غربة كبيرة. وتحدثنا عن صديقتها مها جديد التي عملت بالإغاثة وما قدمته لسوريا، الجميل في حديث زرقة عنها أنها لا تتجه إلى الرثاء رغم كل ما تركته صديقتها من ألم بغيابها بل تحدثنا عن أعمالها وقيمتها الإنسانية وعن أفعالها.

في الجزء الذي تنشغل فيه بالهم العام والمعاناة الاقتصادية اليومية للبشر يظهر ذلك التردد الذي شغل كل السوريين، وهو البقاء في البلاد ورغم تأكيدها أنه حالة طبيعية كالتنفس لكن ذلك كان بمثابة إشارة لفوات البديل فالطبيعية تغدو حالة غير عادلة في عمق الصراع.

تسافر هنادي زرقة أخيراً إلى ألمانيا، تقول: “لا يموت الغرباء بالسرطان أو احتشاء القلب بل يقتلهم الحنين وتفتك بهم الذكريات”، وهو ما ينقلنا إلى ديوانها ” مثل قلب على مدخل البيت ” الذي نوهنا لصدوره في البداية. يأخذنا العنوان إلى قصيدة قلب ينبح وحيداً، فالبلاد التي تحترق تحيل الحريق إلى دواخلنا حتى أنها تنوي أن تترك قلبها على مدخل البيت مربوطاً مثل كلب يحرسه ويشيخ، وحين توضب ثيابها وتضع النفتالين لتحفظها تتساءل هل ينفع ذلك مع الذكريات، وتسارع إلى الرغبة برمي كل شيء واقتناء ذكريات جديدة.

تتابع هنادي في ديوانها ذلك الاشتباك بين العام والخاص، العام الذي تبدل بسفرها وانتقالها إلى برلين لكنه بقي يمارس تلك الثنائية مع الخاص وتمكيناً للتجربة الذاتية حيث الحيز الأكبر في الديوان والذي يبدأ بقصيدة تفصيلية لملامح وجهها في المرآة كأنها تقرأ لوحة محايدة، وتعطيها دلالات عديدة، تتأملها راجية أن تنال في النهاية ضحكة في زمن الموت وكأنها تقول كم هي عزيزة تلك السعادة.

لتتابع فيما بعد عرض تاريخ عائلي للألم من فقدان الأب إلى الفقر الذي فرد جناحيه على العائلة بعد موته ومعاناة الأم في بلاد لا ترحم ولا تنتبه إلى آلام سكانها.

تعترف زرقة أن الشعر أعاد ولادتها، الولادة من رحم الشعر هي التي تختارها وهي التي تستحق الاحتفاء، حين كتبت أول قصيدة أهدت نفسها قالب حلوى واحتفلت بميلادها الجديد. اختيار ميلادها بمثابة الاستقلالية المؤكدة والتي تتابعها فيما بعد حين تؤكد أن الحياة تعلمنا الاعتناء بأنفسنا كأمهاتها لنكمل نقص الحنان فيها في إشارة أخرى إلى مرض الزهايمر الذي قلب الأدوار بينها وبين أمها.

  تشغل قصائد زرقة الوحدة بشكل كبير وإن كانت حاضرة في البلاد فقد تضاعفت بعد سفرها على ما يبدو فالوحدة التي نطلبها في مرحلة من الحياة تتحول إلى عبء مؤلم لا فكاك منه، وبينما يعمد الآخرون إلى تربية الحيوانات لاحتمال الوحدة تعمد هي إلى الاستعانة بقلبها كحيوان أليف، أو بديل الطفل الذي لم تنجبه، إنه دليل ذلك الاحتواء الذاتي وبلسمة الجراح ذاتياً كتعبير أصيل عن الوحدة الحقيقية. 

الوحدة التي تستدعي الذكريات والبكاء والضجر والتي لا يداويها حتى الحب. 

تحافظ زرقة على قصيدتها بذات التوهج وفي اختيار النهاية التي تكون على هيئة نقلة نوعية مفاجئة من العام إلى الخاص أو العكس لتجعل القارئ يتلمس ذاته، مع تلك الشفافية المنسابة إلى الأعماق، والفرادة بمحاكاتها.

الزمن شاغل حقيقي في قصيدة هنادي لكنه يتعدى هاجس السن إلى إحصاء الخيبات والمرارات وموت الأصدقاء الذين يشكلونها كما فرانكشتاين، وحين يتساقطون يتركونها غريبة في بلاد هدمتها الحرب.

تقول في قصيدة طحالب تنمو على القلب :

“لماذا تركت الحصان وحيداً؟

كي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها”

أشرد بالعبارات هل تعرف البيوت سكانها الأصليين؟

أراقب الجدران المتهالكة

قطرات المطر وهي تتسلل بين الشقوق

القطط التي تقعي أمام الباب كما لو أنه مهجور

العشب النابت في الممرات 

رائحة الرطوبة 

الطحالب تنمو على الجدران

وأصوات عويل يصم أذني.

كيف لك ان تفعل ذلك؟

أنا الحصان الذي تركوه كي يحرس البيت من الموت

الحصان الذي سيموت وحيداً

هنادي زرقة شاعرة سورية لها بصمتها الخاصة وصوتها المميز لها في الشعر: “الزهايمر” ، “الحياة هادئة في الفيترين”، “رأيت غيمة شاحبة سمعت مطراً أسود”، وترجمت أعمالها لعدة لغات كالدانمركية والألمانية والفرنسية، وكتبت في السفير والأخبار والآداب وموقع أوان وغيرها.

إصدارات: ديوان “خريطة تحترق” (2025)

إصدارات: ديوان “خريطة تحترق” (2025)

صدر حديثاً عن “دار الساقي” في بيروت، ديوان “خريطة تحترق” (2025)، للشاعر السوري جعفر العلوني، وهو عملٌ شعريٌّ يقدّم من خلاله تجربة لغوية مشحونة بالتوتر والأسئلة التي تضيء تمزقات الذات في عالم يتفكك تحت ضغط التكنولوجيا والسياسة والموت.

يتألف الكتاب من أربعة فصول، هي: “صديق الموت”، و”توقعات الأبراج للإنسان العربي”، و”هكذا أروي حياتي لنفسي”، و”تحولات آلية”، تبنى جميعها، على صدام يومي مع الواقع، حيث تتحوّل اللغة إلى وسيلة كشف وتفكيك. يستحضر الشاعر مدناً مثل دمشق، مدريد، ألمرية وغزة، ليس بوصفها أمكنة للذاكرة، بل كعلامات دالة على التحوّلات القاسية في الجغرافيا والسياسة والهوية.  هذه المدن تظهر كمساحات للمواجهة بين الفردي والجماعي، بين اليومي والعالمي، في قصائد تنسج جماليات هجينة تجمع بين المجاز والتقنية، الجسد والأسلاك، الصورة الشعرية والصوت الرقمي.

تمتزج في النصوص اللغة الشعرية بالصورة البصرية، والعبارة المجازية بالإيقاع الإلكتروني، لتقدّم كتابة تنطلق من الجسد، وتتقاطع مع التقنيات، وتُخضع اليومي للرمزي. فالقصائد محمّلة بالأسلاك والعلاقات بين الكلمة والكلمة تمر عبر إشارات المرور والشاشات وأجهزة الإنذار، وحيث الحب لا يظهر إلا بوصفه معطى تقنياً، والمشاعر تمر عبر أنظمة تشغيل معقّدة.

يقدّم العلوني عبر “خريطة تحترق” رؤية شعرية لعالم لا خلاص فيه من اللهب، ولا مخرج طوارئ من الانهيار إلا عبر القصيدة – الحب- الآخر. هكذا يرسم الشاعر خريطته الخاصة، حيث القصيدة – الكتابة طريقة للعيش والرؤية، وحيث اللغة مساحة للمقاومة ضد الاختفاء، ووسيلة لاختراع هوية قادرة على النجاة من الرماد والانكسارات.

يذكر أن جعفر العلوني شاعر ومترجم سوري مقيم في إسبانيا. من ترجماته إلى العربية، نذكر: “الجمالية في الفكر الأندلسي” (2024)، و”شاعر من تشيلي” (2023)، و”الأصوات المرتعشة” (2020)، إضافة إلى العديد غيرها. من ترجماته إلى الإسبانية: “ديوان الشاعرات العربيات المعاصرات” (2016)، “أول الجسد آخر البحر” (2021)، و”أدونيادا” (2023)، إضافة إلى العديد غيرها. 

مختارات من الديوان

هكذا أروي حياتي لنفسي

1

أفتحُ البابَ كمِثل أي صباحٍ

وآلاف الذكريات تتسابق في رأسي كي تكونَ الأولى.

أختارُ الأقل قساوةً، مع أنَّ الحياة كلَّها قاسية.

أتساءَل: ما اليوم؟ وأمضي برفقة السنين.

أشعر بحاجة عارمةٍ كي أصلَ متأخراً إلى العمل.

في الطريق لا أشمُّ إلّا رائحة الخريف.

يبدو أنّني صرت بارعاً في الالتفاف.

أعبرُ الطرق المُنحرفة كلّها وأحاول أن أتفادى الطريق المستقيم:

أحبّك.

2

ثمّة قلوبٌ كمثل الغرف تتراكمُ فيها الأخطاءُ التي لا تغادر.

قلوبٌ بلا زاويا للانثناء لأنّها مليئة بأثاث تركه الآخرون.

قلوب بلا نوافذ أو أبواب على الغد. قلوب بلا ثقب لرؤية الكوارث القادمة.

ثمة قلوبٌ تُقاس العزلة فيها بضوء قنديل لا يضيء.

قلوبٌ رطبة من دمع لا يتوقّف عن الذكرى.

قلوبٌ كمثل الطرق المليئة بخريفٍ يسقط من الأوراق.

ثمة قلوبٌ لا تعودُ. قلوب لا يمكن العودة منها. قلوب لا يمكن أن تكون إلا مكاناً للهجرة.

ثمّة قلوبٌ لا تستطيع أن تغادر منها حتى لو كنتَ في المنفى.

3

من الساحات والبيارق،

من نشرات الأخبار وحركات الطيران،

من حقولِ الكرز ومتاهات القِصص،

من الذئبِ والأرانب، 

من القبلِ دون كافيين،

من المتاريسِ والأسلاك الشائكة،

طيور البجع وسُفنِ الزبد،

العظةِ والأيام الجافة،

من العناقِ ومضادات الاكتئاب،

من الحبّ وأفاعي الذكريات

من الطحالب والأنبياء،

الجهات الأربع

أغوار الفراتِ وضفاف دجلة

بردى والبيت البارد

من الكتبِ والرفوف العمودية

الطاعون والسحاب

الجَزع التجزؤِ الصمتِ والرماد

من الليل والنهار، القمر والشمس والخيط الواصل بينهما

من الجمجمة وعظم الترقوة

من المرايا والأبراج

من ليلٍ أرخى سدوله وموجٍ كمثل البحر

من السيفِ والضحية،

الشقوقِ، الأطرافِ، العطش، الأنقاض، السبات،

الكاميرات، الهواتف، اليمين واليسار،

الجذور الأصول

الهواء، الخبز، الأقواس،

علامات الترقيم والفواصل المنقوطة

من المربع، الدائرة، المثلث وبقية الأشكال الهندسية،

من الهواجس، العناكبِ، الجسورِ، المخالب،

وأظافر القدمين المطلية

من المقاهي وأسرار الكراسي

من الزجاج وكيمياء الرمل

من الفخار وأوطان الوحل

من الأندلس وطوائفها

حتّى من الحياة نفسها يمكن الخروج

لكن حتّى الآن لم أجد مخرجاً للطوارئ.

4

لا الصوتُ يسبقُ الصدى ولا الصدى يلحق النداء.

قطراتُ المطر تُظهر لي اسمك.

الأشجارُ عاريةٌ لا تتأثّر بالمشهد. ربّما كان عنيفاً أكثر من اللازم.

بللتُ الشوارع التي تذكّرني بساقيك ومحوت أثر الفتات المُتساقط مني كي لا أعود أو ألتفت.

الحياةُ هنا انزلاقٌ متواصل. والسقوط أول الطريق.

تحتدمُ العواصف،

تنخفض الحرارة على وتيرة صوتِ المذيعة التي تتنبأ بطقوس لقائنا

الغيمُ يتراكم: ترعدُ وتبرقُ وتنزل الصاعقة:

واحد تحت الصفر،

هذه هي المسافة التي تبعدني عنكِ.

5

الأخبار العاجلة تصلُ تباعاً:

عُزِلت الفصولُ من حراسةِ موكبكِ لأنّها لم تعد جديرة بالثقة.

ويحكى أنّك سببُ الكوارث المناخية.

وأنّك فتحتِ صندوق باندورا وأخرجتِ منه مؤونة المواسم.

انعشتُ أرقامك الحمراء

وضعتُ الشمسَ في الفراشِ كي تجفّف نداكِ

مع ذلك لم يبق إلا الحصار أو الهزيمة.

عزلتُ خيباتي واحدةً واحدة

لخبطتُ الأيام في رتل العروبة

وأسقطتُ الزَّند.

كلُّ شيء جاهز كي أسقط النظام.

6

تعالي، أريدُ أن أريك حياتي. لا تخافي. أعطيني يدكِ.

ليست بعيدةً. ليست أبعدَ من خطوتين ونصل.

لن نعبرَ حدوداً. لن نحتاجَ لجوازات سفرٍ. ولن يفتشك أحدٌ.

هنا خزانة الأشباح. في كلّ صباح أرتدي شبحاً وأخرج عابراً إشارات المرور حتى لو كانت حمراء.

أرجوكِ لا تغاري إن قلتُ لكِ لا تلمسي الفوضى: أحبُّ الأشياء مرتبةً بهذه الطريقة.

هذه هي زاويتي المفضّلة. لكن، لا أستطيع حتّى أنا أن أدخل.

هناك وضعت المرايا التي حدّثتُك عنها.

– كلا، لا تعكسُ صوري. تعكسُ شكل المدنِ التي تسكنني ولا أسكنها:

دمشق، بيروت، مدريد، ألميرية، وأمس رأيتُ غزّة.

إلى جانب الباب قاربٌ هيّأتهُ للهجرة.

أعطيني يدكِ مرّة أخرى. سأريكِ أجملَ شيءٍ في حياتي.

هذه هي الهاوية وعليها أبني المستقبل.

7

كان عليَّ أن أقرأ بحذرٍ الكلمات الصغيرة في العَقْد:

أن أقرأ، مثلاً، البنودَ الخاصّة التي لا تسمحُ إلّا بالهجرة والمنفى

أن أقرأ تفاصيل الطفولة ودمى الشقاء

كان عليّ أن أنتبه إلى شرط الذبول الذي اخضرَّ في فتوتي

وأن أرفض أن أساكن في بيتي الأشباح والطواحين

كان عليَّ أن أكون أكثر حرصاً على الحنجرة وشهقات البائسين

أن أدافع أكثر عن رئة الهواء

وأن أضمن بأي شكل نافذةً لصوتي

كان عليّ أنَّ أشكّك الزجاج بشفافيّته

وأن أفرض أشياء بسيطة:

ضوء شمس، قوس قزحٍ، ووسادة للأحلام.

كان عليَّ أن أتفحص جيداً مسألة الكلمات والمصطلحات:

ألّا أوقع عقد القتل عند الولادة.

8

في نشرة الأخبار يحذّرون من عاصفة.

من تلوّثٍ مخزّن في الرئتين.

من نارٍ تنتقل من شجرةٍ لشجرة.

وكانوا يتحدثون عن تحولاتٍ خِلاسية، لكنهم لا يقولون شيئاً عن جثث تسبح.

عن نار ترفض التدفئة في الخيام.

عن أطفالٍ لا يتوقفون من الصعود إلى السماء.

لا أحد يقول شيئاً عني وعنكِ.

المطرُ ينزل كلّ يومٍ لكنّه أعجز من أن يغيّر شيئاً.

عطرُ الوردة يفوح لكنّه لا يعانق الأنف.

الكتبُ ترمي نفسها انتحاراً من على الرفوف لأنّها تريد أن تتحرّر من ثقل الغبار.

دجلة يجفُّ. الفرات يريد أن يلمس ماءَه.

البشر مشغولون في الإجابة عن أحجية الإبرة في كومة القش.

الحياة مسرح، والكلُّ يرتجل.

إلى الخشخاش، إلى الخشخاش، أيّها العمر!

تحولات آلية

1

ألف-لام- هاء:

آلةٌ أم إله؟

تدفّقُ أمواجٍ لا تعرفُ إلا طريقاً واحداً:

المستقبل؟

ألهذا لا يأتي الضوء من الشرق؟

ألهذا لا نعشق إلا ثورات العتمة؟

وأنتِ، لماذا لا تُبصرين الألوانَ، أيتها العين؟

تحتَ الأحمر، فوق البنفسج،

بين بين،

يسافر موجٌ لا تروِّضه كلماتي،

مع ذلك يطيبُ لي أن أغرقَ في زبدكِ يا فولتات اللغة.

اتصالاتٌ وشبكات

الكتروناتٌ

جسيماتٌ وذرات تؤسِّس لمجتمعاتٍ

تُديرها روبوتات لا تعرف أن تحب.

وأنتِ، أين تركتِ قلبك يا إلكترا

ولماذا نسيتِ ثأركِ

وطابَ لكِ النّوم على هامش كتابٍ الكتروني؟

أوه، يكاد عقلي أن يتحوّل إلى شريحة الكترونيّة

وجهي شاشة،

جسدي آلة،

ولا ذاكرة لي إلا في فضاء العشوائية الصلبة

ها هي يدي تصير فأراً آليّاً

وأصابعي لوحٌ أبجدي معدني.

موجٌ،

لا شطآن له إلا في قرارةِ الآلة.

2

في رأسكِ

تتحكّم الخلايا العصبية في حركة جسدي،

في نظام أعصابي،

في اتصالاتي اللا واعيّة

في أحلامِ يقظتي التي لا تستريح،

في شعيراتي الضوئيّة وأليافي البصريّة

في أصابعي التي تتحرّك كفئرانٍ آليّة لاستقبال ما لا يُلمس.

وفيما أبحث، آليّاً، فيك،

في عدسةِ عينيكِ،

في القرنية،

حيث تكسرين شرايين الضوء،

تكون أعضائي قد استكشفت الدوائر والمنعطفات

وأكون قد استظهرتك.

أوه، ما أجمل هذا الحبر الأحمر الذي يسيل من طابعة شفتيك!

خذيني إليكِ،

انسخيني والصقيني في مسامات جسّدك

وسّعي ذاكرتي كما تشائين

انقلي إليّ حركاتك الأكثر حميميّة

أريد أن أخلق نظام تشغيل خاصاً بنا

أريد أن أغلقَ جميع نوافذك الفرعيّة

وأفتتحَ فيك أرشيف الإباحة.

ها آنا الآن أشعرُ فيّ تحت جلدكِ،

بين المنفذ والمنفذ

النبض والنبض،

في الخلية والشريان،

في الكرة والسرّة،

بين روابط الأوردة، معطياتنا الحسيّة، وحبالنا الشوكية

في الأبيض والرّمادي،

في الخلايا التي لا تتفرع،

في منامات اللا شعور،

وطبقاتك السفلى التي تريدُ أن تتمردَ على المركز:

انطلقي تبعثَري تَمردي تغلغلي انتشري خرّبي تنشّطي

تكاثَري شفِّري استحوذي تباطئي أسرعي استكشفي اسرقي

تناسخي ترابطي،

لكن كوني أليفةً معها

يا فيروساتي!