تدريباتنا

لماذا لا يستطيع السوري أن يحزن على موتاه جميعاً؟

بواسطة | سبتمبر 23, 2026

في سوريا، لا يموت الإنسان مرةً واحدة. يموت حين يُقتل، ثم يموت مرة ثانية حين يُختصر موته في رواية سياسية، ويموت ثالثة حينَ يصبح اسمه عبئاً على ذاكرة جماعة لا تريد أن تتذكره، ويموت أخيراً حين يطلب منكَ أحدهم أن تثبت أولاً إلى أيّ جهة كان ينتمي قبل أن يسمح لك بالحزن عليه. ربما لهذا يبدو السوري أحياناً، عاجزاً عن البكاء على موتاه جميعاً. ليس لأنّ السوري فقد قلبه، بل لأنّ الحرب علّمته أنّ الحزن نفسه يمكن أن يكون موقفاً سياسياً. ففي السنوات الماضية، لم يكن يكفي أن تقول : مات إنسان. كان عليك أن تضيف: من قتله؟ ولأيّ جهة ينتمي؟ وأين مات؟ وماذا كان يفعل قبل أن يموت؟ ثم يأتي السؤال الأكثر قسوة: هل كان من “جماعتنا” ؟ وكأنّ الموت السوري يحتاج إلى جواز سفر طائفي كي يدخل إلى الذاكرة.

لهذا، يمكن للسوري أن يبكي على قتيل في مدينة بعيدة، ثم يجد نفسه عاجزاً عن الاعتراف بوجع قتيل آخر لأنّ صورته تزعج الرواية التي بنى حولها نجاته. يمكنهُ أن يطالب بالعدالة لضحايا نظام الأسد، ثم يصمت أمام ضحايا ارتكبتها قوى أخرى. ويمكن لآخر أن يفعل العكس تماماً: أن يتحدث عن مآسي جماعته، لكنه يمر على موت الآخرين كما لو أنهم تفصيل جانبي في قصة أكبر. هكذا تحولت سوريا إلى بلد لا يتنافس فيه الناس على من عاش المأساة فقط، بل على من يملك الحق في تسميتها مأساة. وهذا ربما أحدُ أكثر آثار الحرب قسوة. فالحرب لا تقتل الناس فقط. إنها تعيد ترتيب قيمة موتهم.

كان يمكن للسوري أن يعرف الموت بسهولة قبل أن يعرف السياسة. كان هناك بيت فقد ابنه. أم تنتظر. أب يحمل صورة. طفل لن يفهم لماذا لن يعود أبوه. امرأة تفتح هاتفها كل مساء على آخر رسالة واتساب من شخص لن يكتب بعدها شيئاً. هذه التفاصيل لا تحتاج إلى أيديولوجيا. فالموت في لحظته الأولى، لا يكون سنياً ولا علوياً ولا كردياً ولا مسيحياً. يكون جسداً غائباً، وكرسياً فارغاً، وثياباً لم تعد تُلبس. لكننا تعلمنا لاحقاً أنّ نضيف الهوية إلى الجثة. أن نسأل عن صاحبها قبل أن نسأل عن الجريمة. وهنا تكمن المأساة الأخلاقية الأكبر.لأنّ الاعتراف بأنّ الآخر ضحية لا يعني تبرئة الجهة التي ينتمي إليها. كما أن التعاطف مع إنسان من جماعة أخرى لا يعني أنك خنتَ موتاك. لكن السوري اليوم و بعد سنوات طويلة من العنف، أصبح يتعامل مع التعاطف كأنهُ تنازل. إذا حزنتَ على موتاهم، خفت أن يقال إنك نسيت موتانا. وإذا تذكرتَ موتانا، طالبك آخرون بأن تتذكر بأن لهم موتاهم أيضاً. لذا حتى الحزن أصبح ساحة حرب.

ربما لهذا السبب لا تزال بعض المآسي السورية تعيش في جزرٍ منفصلة. هناك من يحمل أسماء قتلاه كأنها وصية. وهناكَ من يرفض سماع أسماء قتلى آخرين لأنّ تلك الأسماء ارتبطت في ذاكرته بالخوف والسلطة والسلاح. وفي الساحل، مثلاً، لا يمكن أن تطلب من إنسان فقد قريباً في أحداث عنيفة أن ينسى خوفه لأنّ العدالة تحتاج إلى رواية وطنية جميلة. وفي المقابل، لا يمكن أن يتحول خوف جماعة بأكملها إلى رخصة لمحو ضحايا الآخرين أو تبرير قتلهم. هذه هي المنطقة التي نخاف الاقتراب منها. نريد عدالة نظيفة، فيما تاريخنا متسخ بالدم. نريد سردية واحدة، فيما سوريا مليئة بسرديات متعارضة. نريد أن نقول إننا جميعاً ضحايا، لكننا لا نريد أن نسأل: هل كنا جميعاً ضحايا بالطريقة نفسها؟

لا… لم يكن السوريون متساوين أمام العنف، ولا أمام السلطة، ولا أمام السلاح، ولا أمام القدرة على النجاة. لكن الاعتراف بعدم تساوي التجارب لا يمنحنا حق تقسيم الضحايا إلى ضحايا يستحقون الحزن وضحايا يمكن تفسير موتهم. هناك فرق بين أن نفهم لماذا حدثت الجريمة، وبين أن نبحث عن سبب يجعلها أقل فظاعة.

ربما تحتاج سوريا اليوم إلى شيء أكثر صعوبة من المصالحة. تحتاج إلى القدرة على الحزن من دون أن نطلب الإذن من هويتنا. أن أستطيع أن أقول؛ هذا الإنسان مات، وكان موته ظلماً، حتى لو كان من الجماعة التي أخاف منها. أن أستطيع أن أقول: هذا الإنسان قتل أبي، ومع ذلك لا أريد أن يُقتل ابنه. أن أستطيع أن أحتفظ بغضبي من قاتل، من دون أن أورث هذا الغضب إلى كل من يشبهه.

هذه ليست رومانسية بل هذه بداية السياسة لأنّ الدولة التي تريد أن تبني نفسها على العدالة لا تستطيع أن تبدأ من سؤال: من هم موتانا؟ عليها أن تبدأ من سؤال أصعب: من هم موتانا جميعاً؟ ليس لكي نساوي بين الجرائم، ولا لكي نمحو مسؤولية أحد، ولا لكي نضع الجلاد والضحية في كفة واحدة، بل لكي نمنع الموت من أن يصبح ملكية حصرية لجماعة. قد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لسوريا الجديدة. ليس كم تمثالاً أُزيل، ولا كم اسماً تغير، ولا كم خطاباً سياسياً تبدل. بل هل نستطيع للمرة الأولى منذ سنوات، أن نقف أمام قبر شخص لا يشبهنا ونقول ببساطة: كان يجب ألا يموت من دون “لكن”. من دون “إلا إذا”. من دون أن نسأل أولاً عن طائفته. لأن البلاد التي تحتاج إلى هوية كي تسمح لإنسان بأن يكون ضحية، لم تتعلم بعد معنى العدالة. وربما لهذا، قبل أن تتصالح سوريا مع ماضيها، عليها أن تتعلم شيئاً أبسط وأكثر قسوة: أن تحزن. أن تحزن على موتاها جميعاً، لا لأن موتهم متساوٍ، بل لأنّ حياة كل واحد منهم كانت تستحق أن تُعاش. وحين يصبح الحزن على الآخر ممكناً، ربما للمرة الأولى، سيصبح المستقبل ممكناً أيضاً.

مواضيع ذات صلة

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات...

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

الظلال التي تكتب الخريطة – فرنسا، إسرائيل، وسوريا ما بعد الأسد

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (1930–2002) أن "أقوى أشكال السلطة هي تلك التي تنجح في فرض نفسها بوصفها بديهياتٍ لا تناقش". من هنا يمكن القول إن الدولة تمارس نفوذها لا عبر مؤسساتها الظاهرة فقط، إنما أساساً عبر قدرتها على إنتاج التصنيفات والمعاني واللغة التي يفهم...

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية "المتنبي" للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً.  عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم،...

مواضيع أخرى

“مسك أحمر” لنجد الحوراني: تأمل طويل في معنى النجاة

“مسك أحمر” لنجد الحوراني: تأمل طويل في معنى النجاة

تنتمي الكاتبة السورية نجد الحوراني إلى جيل روائي انشغل بأسئلة الإنسان المعاصر في مواجهة التحولات العنيفة التي عصفت بالمجتمع والوجدان خلال العقود الأخيرة. تكتب من منطقة تتقاطع فيها الخبرة الحياتية مع الحسّ الفني، فتمنح شخصياتها قدرة على التعبير عن القلق والأمل والحنين...

من ساحات الثورة إلى قاعات الورشات: أين ضاع دور المجتمع المدني السوري؟

من ساحات الثورة إلى قاعات الورشات: أين ضاع دور المجتمع المدني السوري؟

مع تحول الثورة السورية إلى حربٍ طويلة، نَشطت في سوريا عشرات منظمات المجتمع المدني المُموَلة. ومع استمرار عملها طوال سنوات الحرب وما بعدها، بدأت الآراء تتباين حول جدوى وجودها، وحول الأثر الفاعل الذي تركته في المجتمع السوري، حيث تعرض جزءٌ كبيرٌ منها لكثيرٍ من...

سوريا بدها كل أولادها: صرخة ضد الحرب والكراهية في رواية «سعيد وظله الليلكي»

سوريا بدها كل أولادها: صرخة ضد الحرب والكراهية في رواية «سعيد وظله الليلكي»

بحساسية عالية، ولغة تستمد مفرداتها من واقع الوجع السوري، تسرد الكاتبة مي عطّاف أحداث روايتها «سعيد وظله الليلكي» (دار التكوين، 2026)، عبر حكاية تناسلت منها حكايات أخرى، لحياة مزدحمة بالخراب وسط اقتتال الإخوة وهزيمة الأرواح وانكسار الأحلام. ففي مدرسة القرية التقى سعيد،...

تدريباتنا