بواسطة علي جازو | ديسمبر 12, 2025 | Culture, Poetry, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
في ديوانها الجديد “مثل قلب على مدخل بيت” (دار أثر، 2025) تقدّم الشاعرة السورية هنادي زرقه شعرًا في حالته الأولى: شعرًا خامًا، يولد في البدء والمباشرة، ويستمد مادته وأنفاسه من سيرة الذات وأيامها المعاشة. الشعر هنا، نداء وجداني، محاورة النفس وتكثيرها بالتذكر والحنين والظنون والأحلام والشكوك والمخاوف، بما هو مستقر في قاع النفس ملتصق بها ولا يغادرها.
تجربة فعلية
تأتي الكلمات والعبارات من التجربة الفعلية، من الحياة المعاشة كما هي، من الإحساس الأوليّ، من الانطباع الفطري والآنيّ، مما هو خاطرة ويوميات، مما يشبه قصاً قصيراً، سرداً أقرب إلى مقاطع من سيرة. هو ذا شعر لا يتكل على عدة من خارجه. شعر قادم من الداخل الذي هو حياة متحولة وذكرى حياة. شعرٌ كهذا لا يجد فرقاً بين الحياة والكلمات، وهو على الأرجح يُلحم الاثنين يُطعّمهما ليغدُوا جديداً واحداً. شعرٌ يستنبت نفسه، يسقيها وينتظر إثمارها. لنقل إنه يُثمر من أي جهة طالما كانت معاشة ومختبرة. يأتي من الألم لكنه يتخطاه. شعرٌ هو بمكان ما يتنزه مع كلاب الوحدة.
تكتب هنادي كما تتحدث مع أصدقائها، كما تفكر وتشعر، كما تمشي وتشير، كما ترى وتتذكر. لا مسافة بين ما نتكلمه وما نكتبه. الفكر والشعر والسيرة والرؤية والتذكر أمر واحد، قصيدة. التأليف والترتيب الفنيان يأتيان على وقع ما نعيش وما عشناه. هنا نجد مثالاً أليفاً للشعر، مثالاً لا يأتي من الرمز أو التصعيد الجمالي أو التسامي الذاتي من خلال اللغة بما هي جوهر شعري ربما يبتعد عن مصدره وأصله. هنادي لا تبتعد عن المصدر “الأهلي” للشعر، عن التذكار العائلي والطفولي، عن نفسها كما كانت وكما هي الآن.
يأتي الشعر من الكلام المسموع والمقروء، مما قد تفتت وتناثر وهاجر، من الرحلة وركام التنقل والسفر والإقامة الجديدة. مصدر الشعر هنا ليس الكتب وحسب ولا القراءة فقط. كلمات الكَلام هي ما تصنع القصيدة، الكلمات بما هي حاجة وبما هي منهل وبما هي ناقل ورسالة ورجاء واستنطاق للصمت والعزلة والحيرة. لكن الشاعرة أيضاً تتكلم إلى نفسها، أو تسمع صوتها الذي لا تجد له مقابلاً في وجه آخر. الشعر والكلام هنا حاجة قبل أن يكون تأليفاً.
تأملات في اللحظة العادية
يتميز ديوان “مثل قلب على مدخل البيت” بلغةٍ حيةٍ قريبة، تنبثق من التجربة الشعورية المباشرة، مما يشبه ما نتداوله من كلمات وعبارات لا من التنظير أو الزخرفة اللفظية. الشعر ان ترى وتقول ما تراه. لا تجد هنادي في الكلام المتناقل، قد لا يكون بالضرورة كلامها هي نفسه، والحدث العادي ورؤية الأشياء اليومية ما يبعدها عن الشعر. على العكس هي تجد في اللحظة العادية والمتكررة ما يستدعي التأمل وما يجلب الانتباه. لا بلاغة استعراضية ولا تغريب. فهي لغة بسيطة، لكنها عميقة المنشأ الحسي إذ تعتمد على التفاعل الفوري مع اللحظة، فتسجّل الانفعال كما هو، دون أقنعةٍ أو تصنّعٍ. ليست البساطة شحّاً لغوياً، بل هي هنا اختيارٌ فني وتكثيف حسي، ما يجعل الكلمة تعبّر بصوت الفرد الذي ربما لم تبق غير الكلمات تصوّره وتحميه، تتحول إلى خلق ثان وثوب جديد.
الكتابة في هذا الديوان أقرب ما تكون إلى التصوير الفوتوغرافي، حيث تتحول القصيدة إلى لقطةٍ حيّةٍ، تلتقط تفاصيل الواقع المحيط. الكلمات هنا ليست رموزًا غامضة، بل هي صور ملموسة، تُمكِّن القارئ من رؤية المشهد وسماعه ولمسه.
هذه اللغة، بما تحمله من لمسٍ حسيٍّ ورجاءٍ دافئٍ وشكوى مريرةٍ، تُعبّر عن عمق التجربة الإنسانية التي تعيشها الشاعرة. فهي تجمع بين الأمل الصعب والإيمان الأصعب، بين الحلم والخيبة، وتنسج من هذه التناقضات نسيجًا شعريًا متماسكًا. لا مكان في هذا الديوان للمجاز الفضفاض أو الغموض المفتعل؛ فالمَجاز هنا ينبع من حرارة الشعور لا من صنعة البلاغة. وهكذا يصبح الديوان شهادةً على صدق القول الشعري وقدرته على الإمساك بجوهر الحياة في لحظتها الآنية.
تدوُّن هنادي كلمات قَصائدها كما تأتيها. هذا قد يعني أنها تكتب على السماع على ضوء الصدى، على نوعٍ من اليُسْر والتبسيط، على ما يتردد ويَتواتر في ذهنها. لكنها أيضاً تكتب وتنهل من معجم مرئي أمامها. من هذا المكان الجديد المتاح والمعاش والمفتوح أمام ناظريها. هي إذاً تسمع وترى وفي الآن تمزج المرئي بالمسموع في بنية واحدة في مقاطع صوتية قصيرة ومتتابعة.
نضارة اللاشكل
ليس ثمة شكلٌ واحد أو نموذجٌ شكليٌّ يتكرّر. فكل قصيدة، إذ تُكتب وتنمو، تبلغ خاتمتها من دون قيدٍ مسبق أو شرطٍ شكليٍّ مفترض. وقد يوحي ذلك للقارئ بأن هنادي تنطلق من اللاشكل، أو بأن البنية النهائية للقصيدة ليست ذات أولوية. الأهم هنا هو القول والكتابة وإيجاد المعنى؛ الأهم هو هذا الحوار الداخلي والنداء الذاتي، وإخراجهما إلى نور الكتابة ونهار القصيدة.
يحضر في هذا الديوان العالمان المكاني والنفسي جنبًا إلى جنب، الذاكرة والحاضر. نرى الأمكنة القديمة والجديدة تتجاوَرُ كأنها وجوهٌ مختلفة للذات نفسها. ما هو نفسيٌ قرينٌ لما هو زمنيّ، أحدهما يشكل الآخَر ويُدخله في نسيجه ومحتواه. الدقائق مشاعر وحالات، الساعات والشهور مراحل وتحولات. برلين، على وجه الخصوص، تتجسد حضورًا كثيفًا، ليست مجرد مدينة، ليست انتقالاً جغرافياً، بل كيانٌ شعوريٌّ نابض: مدينة الكلاب والعزلة والأشجار الكثيرة، اللغات التي لا تتحول أو تقدر ان تكون لغة واحدة متاحة ومفهومة حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى إشاراتٍ عن الوجود الإنساني في أكثر حالاته هشاشة ووحدة وتخبطاً كما في قصيدة “حيوان أليف يدخن” إذ نقرأ “تجلسين على الشرفة لتدخّني. التدخين، في برلين، ممنوع داخل المنازل! تنصاعين مثل حيوان أليف. يخرج سنجاب من ثقب في أسفل الشجرة. سنجاب متردد. يقف. يحك قدمه ثم أنفه. يصعد. ينزل. يواصل الصعود والنزول اعتباطاً من غير هدف واضح. أو هكذا يبدو. يسقط على الشرفة المقابلة. يقف حائراً لا يعلم أي اتجاه يسلك إلى الثقب-البيت. ساعة بأكملها، تراقبين السنجاب في ضياعه. تبرد القهوة. تنطفئ السيجارة، فيما سنجاب الوحدة يحفر ثقباً في روحك/ تحاولين الولوج منه إلى بيتك هناك”.
سجل حياة
الشاعرة تكتب سجلّ حياتها الشعري، الحياة بما هي معاش يومي ومكابدة مزدوجة، مكابدة المعنى ولغة المعنى. ثمة الواجب وثمة صورته الماثلة والثقيلة، ثمة الجديد الطارئ والقديم الذي يرفض أن يتقادم ويبتعد ويندثر. ثمة النموذج المفترض، وثمة غواية اللا نموذج. هنا الحاضر البرليني وهناك والماضي السوري. لكن القصيدة غير قادرة على النجاة من ماضيها وماضي بلد الشاعرة. هي عالقة بين زمنين مُقسَّمة، دون أن تنتمي الى اي منهما على نحو كلي وناجز. السؤال الشعري سؤال في الانتماء والهوية يطوف حول الذاكرة، الحنين لا يكفيه جواباً والنسيان لا يشفيه. لا أحد يمد طوق النجاة، لا سند ينقذ الشاعر والشعر نفسه. القصيدة هي هذا التوهان هذا التأرجح المَرَضي، الانتقال غير المستقر بين زمنين وفكرتين. لكن هنادي تنقل هذه الاسئلة الحياتية والأدبية من عالم الفكر المجرد الى التجربة الفردية المحسوسة، وربما يكون الفرد هنا معياراً تُقاس به وعليه الحوادث ومعانيها.
لا بوصفه تذكّراً للأحداث، بل بوصفه تأمّلًا في الشعر نفسه، في كونه طريقة حياة لا مجرّد كتابة. الشعر عندها مواز للحياة، نسخة عنها، بل شرطها وسرها ودافعها الأول، فهو الدليل في التيه، والاختبار المرير في مواجهة معنى ينسف الإيمان الشخصي. إنه اعتراف وكتمان في آنٍ واحد، تردّدٌ دائم بين التذكّر والنسيان، بين الرغبة والندم. يبلغ الشعر هنا مرتبة النشيد الشفاهي، فهو خطابٌ وحوارٌ ونداء. الكلمة ليست غاية، بل تفصيلٌ للنداء نفسه، حياكةٌ للقول حول التجربة.
إن مجموعة قصائد “مثل قلب على مدخل البيت” ليست مجرد نصوص ذاتية، بل رحلة في الوعي الحسي والشعور الحرّ، رحلة تثبت أن الشعر، حين يكون صادقاً، ووليد تجربة وترحال يصبح شكلاً من أشكال العيش، ووسيلةً لمحاورة الذات مع وحدتها. الشعر هو هذا القِران المستولد من عزلات متراكمة، هذا التزاوج، هذه النجوى وهذا الإسرار بالدعاء “إلهي.. إلهي/لا أريد أن أكون غزالة أو فيلاً/ أعد لي جديلتي/وعيني الواسعتين/وفمي الكبير/وضحكة واحدة/ تخلخل هذا الموت الجاثم فوق صدري”.
بواسطة أوس يعقوب | نوفمبر 27, 2025 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, مقالات
ينتمي كتاب “عدنان المالكي.. رسائل من السجن”، الصادر أخيراً، عن “محترف أوكسجين للنشر” في مقاطعة أونتاريو بكندا، إلى “أدب السجون السوري”، وهو الأول من سلسلة “أرشيف أوكسجين” التي أطلقها المحترف لتعنى بالذاكرة، وتناهض النسيان والتغييب والإخفاء، متّخذةً من الأرشيف منطلقاً نحو اختبار التواريخ والوقائع والذكريات، وفق إملاءات الحاضر والمستقبل، وربما جراء الحنين. بحسب الناشر.
الكتاب الذي نستعرضه هنا، صدرت طبعة أولى يتيمة منه في عام 1960، ويُعدّ بمثابة وثيقة استثنائية متّصلة برسائل كتبها العقيد السوري الشهيد عدنان المالكي (1919-1955) أثناء اعتقاله إبّان حكم الرئيس أديب الشيشكلي (1909-1964) لسورية، بعد اتّهامه بمحاولة قيادة حركة تمرّد للانقلاب على الشيشكلي الذي حكم سورية في الفترة ما بين عامي 1953 و1954.
تضيء رسائل المالكي على ملامح من هذه الشخصية المفصلية في تاريخ سورية المعاصر، وقد كتبها العقيد الشهيد أثناء اعتقاله في “سجن المزة” العسكري اعتباراً من 6 نيسان/ابريل 1953، كما يرد في الرسالة الأولى من هذا الكتاب، بينما خلت الرسائل الأخرى من تواريخ كتابتها وقد استمرّ اعتقال صاحبها مدّة سبعة أشهر، وحين اُطلق سراحه اُحيل إلى التقاعد، وليعود إلى مهامه بعد تنحي الرئيس أديب الشيشكلي عن الحكم في 25 شباط/ فبراير 1954.
تشكّل رسائل المالكي مصدراً أولياً نادراً يسلّط الضوء على فترة حرجة من تاريخ سورية السياسي. وهي توثّق جوانب إنسانية وسياسية قلّما نجدها في السرديات الرسمية. كما تتيح للباحثين الاطّلاع على مواقف وتفاصيل من داخل تجربة الاعتقال قبل هيمنة حزب البعث. وهي على حدِّ تعبير الناشر “قطعة من التاريخ، من الحنين إلى الآمال العريضة والمترامية”.
كتب المالكي مجموعة هذه الرسائل مادّة الكتاب إلى والدته أثناء فترة اعتقاله، ساعياً في ملمح من ملامحها إلى طمأنتها عليه وعلى شقيقه رياض (شريكه في تجربة السجن) رغم تعرّض هذا الأخير لتعذيب وحشي، إذ يقول في الرسالة السادسة: “قبلاتي الوافرة لأياديك الطاهرة ولأيادي سيدي الوالد المعظم ولوجنات الأشقاء مقرونة بالإعجاب المستديم بمثاليتكم النادرة وبجرأتكم وإيمانكم مما يجعلنا دائماً أقوياء في أعمالنا وتصاريحنا مخلصين للوطن التعيس الذي هو بأشدّ الحاجة لعائلات مثلكم تغذي أبناءها الروح السامية لرفع شأنه. وأما بعد فإنني أوجه إليكم عتاباً صغيراً كما ألوم نفسي في نفس الوقت، وأعاتبكم لأنكم شغلتُم بالَكُم على الحبيب رياض بينما أكدت لكم بأنه بتمام الصحة وبأن مرحه يدهشني حيث لم أكن أعرفه مرحاً لهذه الغاية وإذا كان لم يرسل لكم كتابه فلا شك لأنه لم يكن يفكر بأنكم أصبحتم طماعين. والحق عليّ لأنني أصبحت أكتب إليكم أكثر من كتاب في الأسبوع الواحد ولذلك ضاربت على رياض. وعلى كلٍّ إنني لست نادماً على ذلك فسأتابع تحاريري كلما سنحت الفرصة مهما كثُر عددُها ولكن إياكم أن تشغلوا بالكم إذا تأخر أحدنا عن ذلك، وأقسم لك بأن رياض يتمتع بصحة جيدة جداً وأنني أسمع ضحكاته ونوادره طيلة النهار وربك حميد أن مدير السجن المعروف بغلاظته أظهر له العطف من أول يوم من دخوله السجن وهما متفاهمان تماماً وهو غير حردان وغير منرفز مطلقاً والرقابة طبيعية ولا يهمه شيء سوى خدمة الوطن وراحتكم، وأقسم لكم بأن كل شكوككم في غير محلها تماماً. لقد أعجبتني الكلمة المأثورة التي قرأتموها في جريدة “الزمان” وهي الحقيقة بعينها، وإذا كنا نضحك دائماً وغير مهتمين بالسجن فلإيماننا القوي بأن المستقبل لنا ومن زرع يحصد وإليكم هذا البيت من الشعر:
تَهونُ عَلَينا في المَعالي نُفوسُنا وَمَن خَطَبَ الحَسناءَ لَم يُغلِها المَهرُ
- ذاكرة وضاءة وضرورية لحاضرنا ومستقبلنا
بالنظر إلى فحوى رسائل العقيد الشهيد عدنان المالكي، يمكننا القول: إنها درس في الصمود والنقاء؛ فهو يقول في واحدة منها “لا يمكننا التنازل عن مبادئنا ولو أعطونا رتب الدنيا ومال العالم كله”.
كما أنه يمكن وصف هذه الرسائل، بأنها ذاكرة وضاءة وضرورية لحاضرنا ومستقبلنا، وهي بالضرورة ستقود القرّاء إلى عالم العقيد المالكي ما بعد إطلاق سراحه.
وضع ناشر الكتاب، الكاتب والروائي السوري زياد عبد الله، مقدّمة مطولة عمل فيها على استقصاء عوالم المالكي وملابسات اغتياله حين أطلق عليه جنديٌّ سوري الرصاص بينما كان يرعى مباراة في كرة القدم في دمشق بين فريق الجيش السوري وخفر السواحل اللبناني، وكان حينها معاوناً لرئيس الأركان العامة، والمنعطف الذي شكّله هذا الاغتيال في تاريخ سورية. كذلك صاغ بالتواريخ والوقائع اعتماداً على العديد من المراجع، والمذكرات والشهادات والصور الفوتوغرافية المتّصلة بالمالكي واغتياله، ما له أن يكون سرداً شديد التوثيق تارة، وسرداً متخيلاً لوقائع حقيقية تارة أخرى، كما لو أننا حيال فيلم وثائقي عن العقيد المغدور.
صياغة مقدّمة الكتاب جاءت مختلفة عن السائد بحمولتها “سرداً متخيلاً لوقائع حقيقية”، عبر إعادة سرد اليومين الأخيرين (21–22 ابريل/ نيسان 1955) من حياة المالكي بأسلوب سردي شديد التوثيق، ولتغوص بعدئذٍ عميقاً في شخصيته ومشروعه في إبعاد الجيش السوري عن الحزبية والتبعية السياسية، ثم في تناول تبعات اغتياله، إلى أن تُختم بالبحث في أسباب اعتقال المالكي (سبب هذه الرسائل) وفق روايتَي شقيق المحامي رياض المالكي والصحافي البريطاني باتريك سيل.
يذكر المحامي رياض المالكي (شقيق العقيد وشريكه في تجربة السجن)، بخصوص ملابسات تناقل تلك الرسائل وتسريبها من “سجن المزة”، أن عدنان “كان الضابط الركن المجاز، بحكم الشعبية التي له في أوساط العسكريين، والتي استطاع الحصول عليها بسرعة في أوساط السجانين أيضاً، قد توصل إلى تنظيم شبكة للمراسلة بين معظم المعتقلين داخل السجن. وامتدّ نشاط الشبكة إلى خارج السجن حيث كانت الرسائل تأخذ طريقها إلى ذويه، ومنهم إليه وإلى أخيه”. يضيف رياض: “وقد أفاد بعض المعتقلين من هذه الوسيلة وتمكّنوا بواسطتها من إيصال الرسائل الى أسرهم، حتى ولو كانت تقطن بعيداً عن العاصمة وفي أقصى الشمال. وكان أهل الضابط وأخيه يوافونهما بأخبار البلاد وأحوالها السياسية، ويرسلون لهما أحياناً بعض المنشورات الموزعة في أوساط الجماهير وفي صفوف طلاب الجامعة، والتي يجدر بمن يودّ الإحاطة بأحوال البلد، في تلك الحقبة المظلمة القاسية، الرجوع إليها واستخلاص العبرة منها والتأمّل في تبدل المفاهيم، وتقلب بعض البشر، وحتى العقائديين منهم”.
- تفاصيل وملابسات اغتيال العقيد.. سرد متخيل
نقتطف من مقدّمة الكتاب، سرد عبد الله المتخيل عن يوم 22 نيسان 1955، الذي وقعت فيه حادثة اغتيال العقيد عدنان المالكي، والتي ورد فيها:
- دمشق – الجمعة 22 نيسان 1955
العقيد جالس على كنبته المعتادة، يرتشف قهوته الصباحية. لا أحد في البيت، لقد مضى الجميع وكـذلك فعل أخوه المحامي ووالداه إلى “الحمّة”. يتردّد في قراءةِ الملف المرسل من سويسرا، فهو يشعر بانقباضٍ شديدٍ، ولا بدّ أن قراءته ستزيد انقباضَه. يضعُه جانباً.
كأنّ فؤادي في مخالبِ طائرٍ إذا ذُكرت ليلى يشدّ به قبضاً
يخرج عليه هذا البيت لمجنون ليلى، فيتّصل بخطيبته.
تمتدّ المكالمة بينهما زمناً طويلاً. وعَدَها بأنه سيأخذ إجازةً في بحرِ الأسبوع ويقصد صيدا، وسيرتِّبان كلّ شيء متعلّق بالزفاف.
تنتهي المكالمة ولا يفارقه الانقباض.
يستمع إلى الراديو. يقرأ الملف. يكتب ملاحظات ويتوصّل إلى إجراءاتٍ وخطواتٍ شديدة الدقة سيتبعها بدءاً من الغد.
ينصت إلى نشرةِ الأخبار، وما إن تنتهي حتى يصدح المذياع بأغنيةِ زكية حمدان. تأخذه الأغنية بعيداً، يطرب لها، تحرِّرهُ من الانقباض، ويردِّدها وهو يحلق ذقنَه ويُجهِّز نفسَه للتوجه إلى الملعبِ البلدي.
يعاوده الانقباض: “أرى سلمى بلا ذنب جفتني… وكانت أمسِ من بعضي ومنّي…” يكتفي بمطلع الأغنية. تعاوده ذكرياتٌ كثيرة، من طفولته، تعيده إلى “الشاغور” وبيت أهله القديم، “سأزوره بعد المباراة”.
يصل الملعب. يترجل من سيارته شارداً، لا يرى الجنودَ بل يسمع خبطاتِ أقدامهم وهم يؤدّون له التحية بعد أن يتجاوزهم، فيعود إليهم ويُبادِلهم التحية.
يصعد درجاتِ المنصة، تلتقي عيناه بعينَي رقيبٍ بالشرطة العسكرية من حرّاس المنصة، يجد فيهما شيئاً مقلقاً، يزيد من انقباضه لدرجة الغثيان، يقول الرقيبُ بصوتٍ مرتجفٍ مؤدّياً التحية:
– احترامي سيّدي.
يتوجه نحوه المقدّم عبد الهادي معانقاً، وما إن يخرج من بين ذراعي المقدّم حتى يعانقه العقيدُ جمال، فيسترد نفسه المرِحة، ويفارقه الانقباضُ برؤيةِ صديقيه وقد مرّ زمنٌ طويلٌ لم يرهما، يقول:
– هلا هلا بقادة اللواء السادس…
تعلو ضحكاتُ العقيد، وهو يصافح هذا ويعانق ذاك، ويتعرّف على اللواء قائدِ مصلحةِ خفر السواحل المصرية، ثم يأتي قائدُ الأركان والسفير المصري، يشكره هذا الأخير على قدومِه.
يأخذ العقيدُ مكانه في مقعدٍ يتوسّط الصف الثالث والأخير في المنصة. يُعزف النشيدان السوري والمصري، وفي تمامِ الرابعة تبدأ المباراة.
ما هي إلا دقائق وأثناء هجمةٍ لفريق خفر السواحل على الفريق السوري، وأعين الجميعِ تتابعها، يُسمع دويُّ طلقين ناريين. ينبطح جميعُ مَن في المنصة أرضاً، وحين يحاول البعضُ النهوضَ، يُدوِّي طلقٌ ثالث.
يسود صمتٌ ممض، ومن ثم يعلو الصراخ، ويُرى العقيدُ مترنحاً على مقعده، مضرّجاً بدمائه، وخلفه رقيبُ الشرطة العسكرية مضمّخاً بدم العقيد، هنيهاتٌ ويلقى الرقيب مصرعه.
هنا، ينتهي سرد عبد الله المتخيل، وفي تعليق له على هذه الحادثة يلفت الكاتب والناشر السوري، إلى أنه “تتعدّد الروايات بخصوص الرقيب في الشرطة العسكرية يونس عبد الرحيم الذي اغتال العقيد عدنان المالكي، “منها ما يقول: إنه قتل على الفور من عناصر الحماية الأخرى المتواجدة في المنصّة، ومنها ما يقول: إنه انتحر”.
- المالكي.. سيرة ضابط قُتل مرتين
في الفترة التي أعقبت سقوط النظام البائد وهروب بشار الأسد إلى موسكو في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وما تبع ذلك من حالة انفلات أمني مؤقّتة شهدتها العاصمة دمشق، تداول السوريون على منصات التواصل الاجتماعي خبر استهداف تمثال عدنان المالكي بالرصاص وتخريب متحفه القريب في حيّ المالكي وسرقة محتوياته، وقد لقي خبر إصابة التمثال بعدد من الطلقات النارية التي طاولت عينيه ووجهه، فشوّهت معالمهما، كما أحدثت ثقوباً متعدّدة في قبعته وصدره استنكاراً واسعاً من أوساط سوريّة عامة، لكنّ الجيل الشاب من أبناء سورية الجديدة راح يتساءل من هو عدنان المالكي، صاحب التمثال والمتحف؟
وُلد الضابط السوري عدنان شمس الدين المالكي عام 1919، في حيّ الشاغور بدمشق، من عائلة كبيرة تعود أصولها إلى الحجاز. والده شمس الدين كان تاجراً معروفاً وأحد ممولي الكتلة الوطنية في زمن الانتداب الفرنسي، بينما جده الأكبر، يوسف، كان مفتي المذهب المالكي بدمشق في القرن الثامن عشر. نشأ المالكي في بيئة غنية بالتراث الديني والثقافي، ما شكَل جزءاً كبيراً من شخصيته وتوجهاته المستقبلية.
عقب تخرجه من الكلية العسكرية في حمص عام 1939، برتبة مرشح ضابط، التحق المالكي بـ “جيش الشرق” الفرنسي وخدم في قطاعات مختلفة. وعُيّن مدرباً في الكلية الحربية، فأظهر قدرات تدريبية عالية ونشر الروح الوطنية بين مرؤوسيه، الأمر الذي أثار قلق القادة الفرنسيين، فوضعوه تحت الرقابة الشديدة، إلا أن حماسه الوطني لم يهدأ بل زاد. كان يذكّر الجنود دوماً أن الجيش للوطن، مما أكسبه احترام وتقدير زملائه ومرؤوسيه.
في عام 1945، انشق المالكي عن “جيش الشرق” تلبية لدعوة رئيس الجمهورية شكري القوتلي، أثناء العدوان الفرنسي على العاصمة السورية. حكمت عليه السلطات الفرنسية بالإعدام، لكنه ظلّ متوارياً عن الأنظار حتى صدور العفو عنه.
بعد ذلك، انضم إلى الجيش السوري عند تأسيسه في 1 آب/أغسطس 1945، وساهم في وضع الأنظمة العسكرية وتعريبها، ليكون أحد المؤسّسين الحقيقيين للجيش العربي السوري، وبدأ مسيرته نحو المجد العسكري، ليصبح واحداً من أبرز الضباط في تاريخ سورية الحديث، وأحد الأركان الأساسية في بناء المؤسّسة العسكرية السورية الحديثة.
شارك المالكي في حرب فلسطين الأولى عام 1948 كقائد لسرية مشاة، حيث أظهر شجاعة استثنائية وقيادة حكيمة، حيث قاد السرية في معركة حاسمة ضدّ العصابات الصهيونية، ونجح في احتلال تل مشرف على مستوطنة “مشمار هايردن” اليهودية على الطريق الذي يربط مدينة صفد الفلسطينية بدمشق غربي جسر بنات يعقوب. وقد جاء هذا الإنجاز رغم إصابته بجروح بليغة في رأسه، فتم نقله إلى المستشفى للعلاج، ولكن بمجرد تعافيه عاد إلى ساحة المعركة ليواصل الدفاع عن وطنه، مما أظهر مدى تصميمه وشجاعته في الميدان.
عُيّن المالكي لاحقاً قائداً للفوج الثامن، وهو فوج حديث التشكيل والتدريب، وقاد هذا الفوج في الدفاع عن الجبهة اللبنانية. كان له دور كبير في فك الحصار عن الجيش المصري المحاصر في الفالوجا، حيث ساهم في توفير الدعم العسكري واللوجستي الذي كان ضرورياً لفك هذا الحصار. وبفضل قيادته الحازمة وشجاعته، تمكن الفوج الثامن من التصدّي للهجمات الصهيونية وتحقيق الانتصارات في عدّة معارك.
نال المالكي تقديراً كبيراً عن دوره البطولي في حرب فلسطين، وحصل على العديد من الأوسمة منها وسام الاستحقاق السوري ووسام الإخلاص ووسام جرحى الحرب والوسام الحربي.
كما منحه الرئيس اللبناني بشارة الخوري وسام الاستحقاق اللبناني، تقديراً لدوره في الدفاع عن الجبهة اللبنانية وتعزيز العلاقات السورية اللبنانية.
وبحسب مراقبين سوريين، فإن حادثة اغتيال العقيد السوري المغدور الشهيد عدنان المالكي، الذي كان مأمولاً له، فيما لو لم تنل منه الرصاصات التي أتته غدراً، أن يلعب دوراً محورياً في تاريخ سورية الحديث، تبقى قضية من القضايا المثيرة في تاريخ سورية، فهذه الحادثة التي مرّت ذكراها الـ 70 قبل فترة وجيزة (22 نيسان 1955) لطالما اعتُبرت مفصلية لجهة سيطرة الجيش على الحياة العامة في سورية التي كانت قد خرجت قبل عام واحد فقط من عهد ديكتاتورية أديب الشيشكلي، والصراع بين القوتين السياسيتين الناهضتين آنذاك: الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، حول التحكّم في الأجهزة. وقد أدّى اتّهام الأول بتهمة التخطيط وتنفيذ العملية إلى تدميره بشكل كامل واستبعاده من المشهد السوري لعقود لاحقة. فيما بدأ حكم البعث الذي جثم على صدور السوريين ومارس بحقهم أشدّ أنواع التعذيب والعنف والتنكيل والقتل حتى إسقاطه في تشرين الأول/ ديسمبر 2024.
بواسطة مفيد عيسى أحمد | نوفمبر 12, 2025 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
مع تبلور القصة القصيرة كجنس أدبي؛ خرج الحدث من حالة اللاتعيين التي كان يتسم بها في الحكاية، فقد صار له فضاء مكاني وزماني، ولم يعد الزمان كان يا ما كان، والمكان عائماً خيالياً، أماً الشخوص فقد تنوّعت وصارت بصفات محددة وليس على سبيل التعميم كما كانت ملكاً أو صياداً أو أميراً…
يحكم هذه العناصر الثلاثة علاقة تفاعلية مع بعضها بدرجات مختلفة، وذلك في سياق النص القصصي، وتتبدى هذه العلاقة وفق منطلقات ثلاثة هي:
العلاقة من منطلق الزمان
ليس من الضروري أن يكون الزمان في القصة زماناً كرنولوجياً، والذي يعني تسلسل الأحداث وفق تاريخ وقوعها. فالزمان هنا؛ هو زمان فني يأتي بصيغ مختلفة وفق تقنية الكتابة التي يعتمدها الكاتب.
تحديد الزمــان قد يأتي بشـــكل غير مباشــر كما في قصة (الجمار) لأنيس إبراهيم، حيث الزمان يتحدد بتبديات الطبيعة، سقوط الجمرات، والحدث يتمحور ويتمفصل على هذه التبديات، سقوط الجرة الأولى.. الثانية.. الثالثة.
تتضح علاقة الزمان بالمكان والشخوص في هذه القصة، فالزمان يحدده سقوط الجمرات من الجمرة الأولى، والمكان الأرض التي تسقط فيها الجمرات والشخصية هي أنثى “بادية” التي ينعكس سقوط الجمرات في كيانها كما الأرض، فالعناصر الثلاثة تتناغم مع بعضها في سياق سردي محكم حتى نهاية القصة.
بينما نجد في قصة (مسافر نسيه القطار) لوليد معماري أنّ الزمان محدد بشكل واضح في مطلع القصة “دخل المدينة ساعة منتصف الليل..” رغم ذلك تبدو علاقة الزمان بالمكان علاقة مشوشة وعلاقة الشخصية بهما مرتبكة. تمضي القصة بنقلات سردية يحكمها تحديد الزمان، الذي يحدد بدوره المكان وتواجد الشخصية وحالتها حيث تعاني هنا من فائض الزمان، مما يشعرها بالضياع والفوضى “تحت ضغط ميوعة الوقت” في الساعة الواحدة “ساحة باب الفرج، في الساعة الثالثة في محطة القطار…في الساعة السادسة فاته القطار ونفد الزمان وصار له معنى آخر، يمكن اعتبار هذه القصة قصة زمان بامتياز.
علاقة الزمان بالمكان تأخذ طابعاً آخر في قصة (القطار) لجورج سالم، ففي هذه القصة يندغم المكان بالزمان، وصولاً إلى تحقيق حالة ينطبق عليها مصطلح الزمكان أدبياً، علماً أن دلالة المصطلح أدبياً تقترب منها علمياً، والتي تعني أيضاً “دمج مفهومي المكان والزمان ضمن استمرارية معينة” وهذا المفهوم يعود لــ”هيرمان ميتوفسكي” وقد صاغه على أساس نظرية النسبية بعد ثلاث سنوات من وضعها من قبل ألبرت أينشتاين.
في هذه القصة يشكّل القطار مكاناً وزماناً للحدث، فالحدث يبدأ زمنياً من لحظة اكتشاف الشخصية بأنها على متن القطار دون أن تدري كيف وصلت إليه، وسيرورة الحدث تمضي مع سير القطار..
من ناحية العلاقة بين العناصر الثلاثة؛ تبدو الشخصية غير متوافقة مع ما يجري، تشعر بغربة وبخلل كبير لا يمكنها ضبطه، فهي منصاعة مع سير القطار (الزمكان) بلا إرادة، وهذا يحيلنا إلى مسألة تشوه المكان ببعده الرابع، الزمان وفق النسبية أيضاً.
العلاقة من منطلق المكان
لا يمكن للمكان أن يكون حيادياً في العمل الأدبي، بعبارة أخرى”المكان ليس بريئاً” ووفق جماليات المكان لغاستون باشلار “المكان الذي ينجذب إلى الخيال لا يمكن أن يبقى لا مبالياً، ذا أبعاد هندسية وحسب.”
علاقة العناصر الثلاثة من منطلق المكان نراها في قصة “السبعا وأربعين” لسعيد حورانية، فالمكان هو من يرسم حدود الزمان وطبيعة الشخوص ويشترع العلاقة بينها.
المكان في القصة مكانان؛ مكان متحرك “الباص” ومكان ثابت ” العراء الذي يمضي فيه على طريق الرقة، وشخوص القصة مشتتة بينهما خوفاً من تعطل الباص، والزمان بدأ في المكان المتحرك واستمر زمان ترقب وخوف. المكانان لا يلبثا أن يتوحدا في مكان واحد عند تعطل الباص ليصبح وكأنه جزء من العراء. علاقة الزمان بالمكان في هذه القصة تكون في حالة تقاطع حيناً وتواز حيناً آخر، أماّ بالنسبة للعلاقة مع الشخوص فهي مشوشة مرتبكة عند البعض متسقة عند الآخر، وذلك حسب قربه وبعده من البيئة، فالمعلم الدمشقي يبدو غير منسجم لا مع المكان ولا الزمان، بين الآخرين يبدو كل شيء عندهم معتاداً مألوفاً.
يأخذ المكان سمات مختلفة في قصة “الأرض القديمة” لناظم مهنا، فالمكان تاريخي باسمه ومكوناته رغم ذلك ليس حقيقياً، والشخوص كذلك، ولا بد للزمان من أن يكرّ إلى الوراء ليتسق مع المكان والشخوص.
في هذه البيئة لا يمكن فصل الزمان عن المكان أساساً، ولكن ليس وفق مصطلح الزمكان، فالحدث هنا كيفما انتهى هو حدث سالف، ولا يمكن أن يكون محمولاً على تغيير ببعد مستقبلي.
في قصة (هذه المرة) لإبراهيم صموئيل لا تحديد للمكان ولا للزمان، غير أن ذكر أشعة الشمس بشكل عابر يشي بأن الوقت نهار وعلى الأرجح في الصباح، أماّ المكان فمن سياق الحدث نخمّن أنه يمكن أن يكون في المنزل.
تبدو الشخصية التي تروي الحدث غير عابئة بالزمان والمكان، مأخوذة بالحدث البسيط والمفاجئ في مجراه والمفجع في نهايته، وكأن المكان لم يحدد لعدم أهميته ولضعف دوره في الحدث وبما يؤول إليه.
العلاقة من منطلق الشخوص:
الشخوص في القصة هي من يقوم بالفعل ومن يعبّر عن تبدلات الإحساس والشعور. قد تكون موصوفة بالهيئة (الفيزكس) أو جوانية تعبر عن نفسها وسماتها بالموقف والفعل.
بغض النظر عن التنظير لنماذج الشخوص بسيطة أم مركبة… من المفترض أن تكون حاملة للدهشة، فليست كل شخصية قادرة على الحضور في العمل الأدبي بأثر جمالي.
تختلف علاقة الشخوص بعنصري الزمان والمكان، ففي قصص ما تكون الشخصية حاضرة بقوة، كما في قصة (فارس) لاعتدال رافع، الشخصية في القصة هو (أبو شفيق) والمكان هو (مقهى أبو شفيق) المعروف في مدخل دمشق الغربي، والزمان غير محدد، يمكنه اعتباره زمان استمرار أبو شفيق في المقهى.
علاقة الشخصية بالمكان في هذه القصة علاقة تناغم واتساق، فهو الناظم للمكان والمتحكم به، بينما العلاقة بالزمان إشكالية يحكمها التناقض بين ما مضى والآن، بين المتغير الذي يرفضه أبو شفيق، فهو يجهد لأن يوقف الزمان على ظرف وحال معين.
نجد في بعض القصص شخوصاً ليست آدمية، حيوان كما في (حكاية الرجل الذي رفسه البغل) لوليد معماري، (النمور في اليوم العاشر) لزكريا تامر، أو نبات كما في قصة (شجرة الغَرَب) لإبراهيم الخليل. في هذه القصص تقوم علاقة هذه الشخوص بعناصر القصة الأخرى على أنسنتها، إن كانت العلاقة مع الزمان أو المكان، والأخص علاقتها بالشخوص الأخرى.
قد تأتي شخصية القصة جماداً كما في قصة (التمثال) لإبراهيم خريط. التمثال هو تذكار لشاعر ميت وعلاقته بعناصر القصة، خاصة شخوصها الأخرى تنهض على إرث هذا الشاعر، وكأنه ما زال حياً، أي كأنه شخصية القصة الحقيقية.
هناك شخوص تتصف بخصوصية مميزة كما في قصص زكريا تامر، حيث تقترب شخوص قصصه من شخوص أعمال الواقعية السحرية، وهي ذات تفاعلية وعلاقة وطيدة كبيرة مع المكان والزمان، نجد ذلك في قصة (موت الياسمين)، فالشخصية معلمة مدرسة وهي واقعية بوجودها وسماتها لكنها ليست كذلك بما يتعلق بالحدث.
تلعب التفاعلية بين العناصر الثلاثة: الزمان والمكان والشخوص؛ دوراً كبيراً في نجاح وتميّز النص القصصي، حتى في التجارب القصصية التي نحت باتجاه التجريب والتجريد لم يسقط أي من هذه العناصر، بل أخذت طابعاً افتراضياً تخيلياً.
بواسطة وداد سلوم | نوفمبر 6, 2025 | Culture, العربية, بالعربية, مقالات
استطاع الفنان منير الشعراني أن ينتقل بالخط العربي من أداة للتواصل، وفنّ تطبيقي إلى فن تشكيلي ولوحات فنية عصرية لافتة للانتباه، بما يكشفه ويضفيه على الكتابة والخطوط التقليدية من جماليات التشكيل بأبعاد مختلفة وعبر رؤيته التجديدية الخاصة، أقام الفنان معرضاً للوحاته في حمص بالتعاون مع مؤسسة تراثنا على المسرح الأرثوذكسي العريق في المدينة، فكان لنا هذا اللقاء معه:
يجدر بالذكر أن الفنان منير الشعراني من مواليد سلمية 1952 عاش في دمشق وتعلم فيها الخط، ثم درس في كلية الفنون الجميلة وتخصص بالتصميم الغرافيكي.
ضد قتل السوريين في كل مكان وضد القتل عموماً
السؤال الأول: في كل حدث كان يمر على البلاد كنا نشاهد لوحة أو ملصقًا للأستاذ منير الشعراني. هل ترى اللوحة أو الملصق مشاركة لمعاناة الناس أم إشهار لموقف؟
أرى الاثنين يتفاعلان مع بعضهما ليعبرا عن الموقف وليقوما بالدور المطلوب، ويتكاملان ليصلا إلى الناس، نعم اللوحة والملصق مشاركة وإشهار موقف بشكل مرئي، فالناس غالباً ليس لديها وقت لقراءة منشورات طويلة، بينما يصل محتوى الملصق للناس بشكل أسرع، وكنت أفعل ذلك لأني معني بإظهار موقفي فأنا، علاوة على كوني فناناً، واحد من المواطنين السوريين يهمه ما يجري في سوريا، وهذا ليس بجديد فأنا لدي اهتمام سياسي لوحقت من أجله 25 عاماً أي منذ عهد حافظ الأسد، بقيت خلالها خارج البلد ولم أستطع العودة إلا في عام 2004 بعد عفو عام، وبقي موقفي واضحًا ومعلنًا بعد ذلك مع شعبنا وحريته وقضاياه، وضد ما يجري بحقه من قمع وعسف، لمواجهة إرادة الناس ومطالبها بالحرية والديموقراطية والمساواة، فكنت مع الحراك وانتفاضة شعبنا عام 2011 منذ البداية، إضافة لذلك شاركت بتأسيس (تجمع التشكيليين السوريين المستقلين) ونشاطاته المناهضة للنظام البائد والداعمة لانتفاضة الشعب، وبإدارة صفحته على الفيسبوك، وصفحة (الفن والحرية) التي كنا ننشر فيها أعمالًا لفنانين يقفون في صف الانتفاضة والنضال السلمي، إضافة لما كنت أنشره على صفحتي الخاصة، وبعض مانشرته آنذاك معروض هنا في المعرض.
ومازال موقفي في صفّ شعبنا وقضاياه مستمرًا حتى اليوم، لأنه ما زال أمامنا الكثير مما يجب فعله بعد سقوط النظام البائد. ولم يتوقف تصميمي ونشري للملصقات، ففي أحداث الساحل، أقصد مجزرة الساحل، كان لي موقف واضح ونشرت ملصقًا في مجموعة “أنقذوا” بعنوان “أنقذوا الساحل” ثم بعد ذلك نشرت أيضاً ملصقات مشابهة في أحداث جرمانا وصحنايا و”غزوة” السويداء.
أنا ضد قتل السوريين في أي مكان، وضد القتل عموماً، وهذا الموضوع يعنيني مباشرة وأجد من الواجب علي أن أعلن موقفي وأساعد الناس على إعلان موقفهم منه.
السؤال الثاني: العبارات المكتوبة في اللوحات هل هي أقوال مأخوذة من فلاسفة أو أشعار أو حكم وأقوال مأثورة، وكيف تختارها؟
العبارة بالنسبة لي هي مسألة أساسية فأنا منذ بداية عملي الفني، لا أتبنى نظرية الفن للفن، بل أرى أن للفن دوراً مهماً ويجب أن يكون له دور مؤثر في كل وقت، وبالتالي فكل العبارات منتقاة بعناية، وهذا حدث وما يزال بطريقة تراكمية وعلى مدى سنوات طويلة كنت خلالها أجمع كل ما يقع تحت نظري من مقولات مكثفة وبليغة تتفق مع رؤيتي للحياة والإنسان والحق والخير والجمال والحرية، وكنت أحياناً أقرأ بصورة قصدية مؤلفات محددة كديوان المتنبي لأخرج من شعره أهم ما فيه من حكمة وغير ذلك مما له علاقة بالإنسان والقيم وكذلك فعلت مع المعري. كذلك الحال مع القرآن الذي ركزت في اختياراتي منه على ما لا علاقة له بالميتافيزيقيا، مما يتعلق بالناس وشؤونهم وحياتهم والقيم العليا، وكذلك فعلت مع الإنجيل والمتصوفة، بالإضافة إلى الأقوال المترجمة لكتاب وشعراء أجانب. أختار العبارة بحيث تكون متسقة مع فكري وتصوراتي عن الإنسان والحياة والحب والجمال، ومحتوى كل عبارة يجب أن أكون مقتنعاً به وأرى فيه ما يمثلني، وبالتالي يمكن قراءة توجهي الفكري والإنساني من خلال مجمل أعمالي.
السؤال الثالث: تتعامل مع الخط كلوحة فنية فماهي الجمالية التي وجدتها فيه لتحول الخط إلى لوحة؟
المسألة متكاملة: الإنسان حين يتربى على امتلاك الذهن النقدي يكون نقديًا تجاه كل القضايا والمسائل ومنها الخط العربي في حالتي، الخط كان مستنقِعًا برأيي، لأن الخطاطين حتى الآن مازالوا يعيدون إنتاج الخطوط التقليدية بنفس الآلية وبنفس الطريقة وبنفس القواعد، و في رأيي أن هناك إمكانيات لتطوير الخطوط قد عرقلت أو أهملت، وأن هناك خطوطًا أبعدت أو استبعدت من الصورة، وكان ممكناً أن يكون هناك تجديد يضيف شيئًا ويطور أشياء لأن قراءتي لتاريخ الخط تؤكد انه كان حياً يتطور ويتنامى ويتجدد طوال فترات الصعود الحضاري، وحين توقفنا عن هذا الصعود وخضعنا للاحتلال العثماني بدأ هذا الانحدار والاستنقاع واستبعاد كثير من الخطوط التي كان يمكن الاستمرار بتطويرها لتعطينا إمكانيات فنية عالية لدرجة أن الخط تحول بأذهان الناس إلى فن تقليدي، لكتابة عبارة مقدّسة تزين بها البيوت، أو لأشياء من هذا القبيل، بعد أن كان له دور معرفي مهم ومرتبط بالحضارة والتطور، الأمر الذي افتقدناه، و ما حاولته في تجربتي كان لتغطية هذا الجانب، وهذا يقتضي العمل على التطوير من حيث الشكل والمحتوى، ومن حيث علاقة العبارة بخطّها، وإنجاز العمل الفني بوسائل متطوّرة بعيداً عن الوسائل التقليدية، هذه المنظومة المتكاملة عملت عليها لتكون بالنتيجة مختلفة عما نرى من حيث المحتوى والشكل.
وانا أرى أن الخط العربي يحل إشكالية طرحت كثيراً تتعلق بموضوع الشكل والمحتوى وعلاقتهما ببعض فالخط العربي فن تجريدي، لكننا بالوقت نفسه نستطيع من خلال لوحة الخط العربي المشكلة من خط لعبارة أن نجعله جامعًا للشكل ولمحتوى منسجم مع روحه، ويستطيع المتلقي أن يتعامل معه من حيث الشكل والدلالة في الوقت نفسه.
السؤال الرابع: على هذا هل تعتقد أنك قادر أن تصل إلى المتلقّي بسهولة وأن لوحتك تصل إليه ويقرأ العبارة بسهولة؟
لا، عمومًا ليست لوحة الخط العربي وحدها لا تصل بسهولة إلى المتلقّي، فحتى اللوحة التصويرية (الرسم مثلًا) لا تصل إليه بسهولة ولا تصله كل التفاصيل مباشرة، أول عامل مهم يجب أن يكون متوفرًا هو أن تمتلك اللوحة عامل جذب بصرياً للمتلقي يدفعه للتفاعل معها ومحاولة فك رموزها، والخط العربي كفن حتى في محتواه التقليدي لم يكن محتواه يومًا سهل القراءة إن لم يكن متلقيه حافظًا للنص المشكّل فيه، لكن يمكن أن يفك المتلقّي الكلمات ويعمل على إعادة تركيبها ليصل إلى العبارة التي تحتويها، وهذه العبارة تقوده إلى آفاق جديدة لرؤية العمل ثانية وبشكل متجدد، فالعمل الفني لا يُرى بنظرة واحدة ولا يُحل بنظرة واحدة، لكن التفاعل معه قد يضيف للمتلقي أمورًا عديدة من الناحية الفنية ومن الناحية البصرية ومن ناحية المحتوى .
السؤال الخامس: كيف وجدت الإقبال على المعرض؟
الحقيقة أنا متفاجئ، نحن للأسف لدينا مركزية في كلّ شيء، ودمشق هي المكان الذي تحدث به معظم الأنشطة والفعاليات، لذلك سبق لي وعرضت في حمص، وكان الإقبال جيدًا أيضًا، لكني لم أتوقع ان يكون هذا الإقبال مستمرًا بعد الافتتاح ولطوال مدّة المعرض، وسرني أن الجمهور متعدد ومتنوع يضم شبابًا وكبارًا من أجيال ومشارب مختلفة ومن المهتمين بالثقافة والاطلاع على جديد لا يعرفونه، فحتى في دمشق وهي المركز يحدث الازدحام عادة في الافتتاح ثم يقل الحضور في الأيام التالية كثيرًا؛ في حمص بالإضافة إلى ما سبق كان هناك أناس كثيرون مهتمون بالاستفهام عن مسائل فنية ومسائل لها علاقة بالمحتوى وعلاقتهما في تجلي العمل، وعن كيفية رؤيتهم للوحة، مثلاً حضر ثلاثة مطارنة واستغرق كل منهم وقتاً طويلاً في تتبع العبارات ومعانيها وتجليها الشكلي وحدثت حولها وحول مصادرها حوارات وأعجبوا جميعًا بالخيارات وتشكيلها الخطّي، كذلك تفاعل كثير من الناس مع شكل ومحتوى العبارات فشدتهم الأعمال من حيث الشكل وتفاعلوا مع العبارات التي وظفتها في لوحات المعرض.
السؤال السادس: هل لديك تجارب في فنون تشكيلية أخرى أم اختصيت بالخط العربي فقط؟
أنا خريج فنون جميلة مختصّ بالتصميم الغرافيكي وعملت بتصميم الكتب والشعارات والملصقات والهويات البصرية طويلًا، وأنا خطاط قبل ذلك كلّه، فقد أولعت بالخط منذ الصغر وبدأت بتعلمه في سنتي العاشرة، وصرت بالخامسة عشرة خطاطاً معروفاً في محيطي، وبعض من يحتاجون إلى الخطّ كالمطابع ومكاتب الدعاية والإعلان، قبل أن يبتدئ مشروعي الفني الذي أشعل شرارته تراكم الأسئلة حول الخط الكلاسيكي الذي تمّ تنميطه وصار تقليديًا، ألحّ علي السؤال: ماذا بعد؟ هل سنبقى نكتب بنفس الأنواع والأساليب التي وصلتنا وكتب بها السابقون؟ هل علينا أن نستمرّ في تقليدهم؟ أم أن من الضروري أن نضيف إلى ما أنجزوه؟ وهل علي أن يكون لي بصمتي الخاصة، فأعمل على المضيّ إلى الأمام في إنجاز ما أستطيعه إضافة أو تطويرًا أو ابتكارًا؟
كنت أرسم وأخطط وقد درست في مركز أدهم إسماعيل للفنون في دمشق أثناء دراستي الثانوية، وكنت أشارك في المعارض المدرسية بلوحات رسم وأعمال فنّية أخرى، ثم التحقت بكلية الفنون الجميلة واخترت التصميم الغرافيكي كتخصص، وكان مشروع تخرّجي بعيدًا عن الخط، استخدمت فيه الصورة الفوتوغرافية والمونتاج والطباعة بالشاشة الحريرية، وكان مجموعة ملصقات إعلانية موضوعها “القمع والتسلط العسكري” وكان ممكنًا حتّى ذلك الوقت ومتاحاً للطالب حسب نظام الكلية اختيار الموضوع الذي يريده لمشروع تخرجه، ليتم تحكيمه من الناحية الفنية من قبل لجنة من الأساتذة، لكنهم منعوا حضور نقاش المشروع وتحكيمه لأي كان من الطلاب وحتى من أهلي، وقد كان ذلك في آذار 1977 فتخرّجت بتفوق وكنت الأول على تخصصي.
السؤال السابع: في هذا السياق أود أن أسألك ما رأيك حالياً بمنع الموديل العاري في كلية الفنون الجميلة؟
حين دخلنا الكلّية ودرسنا فيها كان لدينا موديلات بالكلية وهم موظفون ويتقاضون راتباً لقاء ذلك، وكان هناك موديلات تأخذ أجرًا على كل مرّة يقفون فيها أمام الطلاب ليرسموهم، واستمر ذلك بعد تخرجنا حتّى بداية الثمانينات، بخلاف ما ادّعاه عميد كليّة الفنون الحالي من أن الموديل قد منع منذ عام 1974؛ هذه الموديلات كانت تقف عارية تماماً، وأذكر أنه كان هناك موديلان هما أم وابنتها وكانتا مصريتان، كما كان هناك موديل سورية اسمها ميري، وأذكر أن الممثلة نبيلة النابلسي وقفت عدة مرات كموديل قبل أن تصبح نجمة، كما كان هناك موديل اسمه أبو الفوز، ولم يكن الغرض من الموديل العاري رسم العري، لكنه كان ليفهم الطلاب التشريح الذي ينبني عليه كل شيء في رسم الأشخاص بكلّ الأساليب.
منع الموديل لم يأت بقرار في الثمانينات، لكنه منع بقرار شفوي من عميد تولى المنصب وكان ذا عقلية متزمتة، وصار الطلاب يرسمون بعض التماثيل بدلًا من الموديل الحي، أو يجلسون أمامهم شخصًا بثيابه ليرسموه، هذه التماثيل معروفة وتستخدم كوسيلة مساعدة في كليات الفنون الجميلة في العالم للتمرين على رسم الوجه والجسد إلى جانب الموديل الحي الذي يساعد على فهم الحركة وتغيرها بشكل حيوي عبر رسمه من زوايا مختلفة وبأوضاع متعددة، بعد ذلك أتى عميد آخر سار على خطا الذي سبقه ودعمه النظام في مراضاة ضمنية للاتجاه الإسلامي الذي كان النظام البائد يود الاستمرار في استمالته واسترضائه وتحييده خلال المواجهة مع الحركة الإسلامية المسلحة في الثمانينات وهذا الاتجاه هو من أفرز في مجتمعنا القبيسيات ومدارس تحفيظ القرآن التي ملأت البلد أكثر من المدارس التعليمية.
مسائل جديدة بحاجة إلى حل
السؤال الثامن: لماذا اخترت حمص لإقامة المعرض بعد (التحرير)؟
تقصدين سقوط النظام، فهناك فرق، أنا معارض قديم للنظام البائد منذ سنوات الأب، لكني اليوم حين يقال انتصرت الثورة، أرى هذا غير صحيح نعم سقط النظام، لكن المطالب الأساسية التي طالب بها شعبنا لم تتحقق، وصار لدينا مسائل جديدة تحتاج إلى حل، لقد انتقلنا من أحادية الاستبداد والفساد، إلى أحادية اللون المذهبي، والتمييز بناءً عليه.
الحقيقة كان قد تشكل لدي موقف من أسلوب عمل وزارة الثقافة، وأسلوبها في العمل والتعاطي مع الثقافة عمومًا، وفي تعاطي مؤسساتها وغيرها من المؤسسات مع موضوع الفنون والفنون التشكيلية خصوصًا ومن زوايا مختلفة، وأتى القرار الذي صدر في كلية الفنون الجميلة، وما جرى بموضوع سينما الكندي، وغير ذلك من تفاصيل دفعتني إلى أن أقرر الامتناع عن العرض في الصالات الحكومية في دمشق، ولم أكن أرغب أن يبدو غرضي من العرض ماديًا لو تمّ في صالة خاصة بعد امتناعي عن العرض لأكثر من 14 سنة.
كنت قد تعرفت على مؤسسة “تراثنا” منذ عدة سنوات ورأيت الأفكار التي يعملون عليها مفيدة ومثمرة ولها علاقة بما نحرص على تحققه واستمراره بشكل صحيح في مجال التراث، والترميم، والذاكرة، والتاريخ، لهذا وافقت على دعوة المهندسة لمى لإقامة المعرض في صالة المسرح الأرثوذوكسي، أما بالنسبة لدمشق فسأقيم معرضي فيها في مرسمي على الأغلب.
بعد آخر معرض لي في حمص توقفت عن العرض طوال 14 عاماً لأني كنت ضد محاولة النظام إظهار أن الأمور عادية وطبيعية بينما كنت أراها غير عادية أو طبيعية فلقد كان القتل والتدمير والتهجير شغالًا في البلد، لذا كنت أرفض إقامة معرض لأعمالي خلال السنوات الماضية، ولم أكن أود أن أعود للعرض بطريقة تعبر عن رضى بأشياء غير مرضية بعد هذه الغيبة فما يهمني الآن أولًا أن يكون معرضي فنيًا وثقافيًّا أولاً، وأن يحمل رسائل جمالية ومعنوية.
بواسطة علي محمد إسبر | نوفمبر 3, 2025 | Culture, العربية, بالعربية, مقالات
ازدهرَ بوبليليوس السُّوري (Publilius Syrus) في القرنِ الأوَّلِ قبلَ الميلاد، ولدَ في أنطاكيا، وعاشَ فيها إلى أن تعرَّضَ للأَسْرِ من قِبَلِ القوات الرُّومَانيّة، وأُبْحِرَ بهِ على سفينةٍ ليُباع عبدًا في روما، وذَكَرَ عالِمُ الطبيعيات الرُّومانيّ بيلني الأكبر Pliny the Elder (23-79 م) في كتابهِ “التَّاريخ الطبيعيّ (35 ,§199)” أنَّ بوبليليوس السُّوريّ وصلَ إلى روما على مَتْنِ السَّفينة نفسها مع مانيليوس السُّوريّ الفلكي (Manilius the astronomer) وستابيريوس السُّوريّ النُّحوي (Staberius the grammarian)؛ وهذا يدلّ في ذلك الوقت على مدى انحطاط الرُّومان آنذاك، إذ كانوا يختارون صفوة السُّوريين ويقومون ببيعهم عبيدًا في أسواقِ النِّخاسة في روما.
ظل بوبليليوس عبدًا لأمدٍ قصير، لكنَّ مواهبَه وفضائله في شبابهِ دفعت سيّده إلى أن يقومَ بعَتْقِهِ، واستطاعَ أن يتقنَ اللغة اللاتينيّة ويثقِّف نفسه بثقافة عصره، وبدأ بكتابة مسرحياتٍ من نوع يُسمَّى “mimes”، أي مسرحيات إيمائية صامتة، وهو الذي ابتكر هذا النّوع من الفنّ المسرحيّ. ولقد حقق نجاحًا كبيرًا في هذا المجال لدرجة أنَّ يوليوس قيصر (100 ق.م-44 ق.م) استدعاه إلى روما للمشاركة في الألعاب العامَّة ومَنَحَهُ وسامَ “النَّخْلة the palm”، وشملت قائمةُ منافسيه المهزومين مؤلِّف المسرحيات الهزليَّة الرُّوماني لابيريوس Laberius (105 ق.م -43 ق.م). انتشرت شعبية التمثيل الإيمائي بشكل كبير بعد وفاته، وتوجد إشارات من الكاتب الروماني بترونيوس Petronius (27 م-66 م) بأنَّ مسرحياتِهِ كانت لا تزالُ تُعرض وصولًا إلى عهد نيرون (حكم من 54 م إلى 68 م). لكن للأسف ضاعت كلها.
لم تقتصر مواهب بوبليليوس السُّوريّ على كتابة المسرحيات، بل كتب في الـ Sententia أي الحِكَم القِصار أو الشذرات، وصاغها باللاتينية بطريقة إيقاعية، وكان من حِكَم بوبليليوس السوريّ ما شقَّ الآفاق، ومنها حكمة وردت باللاتينية وفق الآتي: (honesta turpitudo est pro causa bona)، وتَرْجَمَتُها الحرفية إلى العربيّة: (“الخطيئة الشَّريفة تكون من أجل قضية عادلة.”) لكن انتحلها نيقولا مكيافيللي (1469-1527 م) وأعاد صياغتها وفق الآتي: “For although the act condemns the doer, the end may justify him,” (Discourses, i.9.). وتَرْجَمَتُها: (“لأنَّه رغم أنَّ الفعلَ يدينُ فاعلَه، فإنَّ الغاية قد تبرِّرهُ.”) ونُقِلت هذه العبارة نفسها إلى اللغة الإنكليزيّة هكذا: (The end justifies the means) وتَرْجَمَتُها إلى العربية: (الغاية تبرِّر الوسيلة)، وشاعت في الأدبيات السياسيّة العربيّة على أنَّها من بنات أفكار مكيافيللي!
هذا، ولحُسن الحظّ بقيت لنا مجموعة من حِكَمه محفوظة في المخطوطات اللاتينيّة، ونُشرت عدّة نشرات. ونختار في هذا المقام طائفة منها من كتاب:
J. Wight Duff, Arnold M. Duff, Minor Latin poets; with introductions and English translations, London Heinemann, 1934, pp.14-111.
مختارات من الشَّذرات
I. الحِكْمُةُ مع الحُبِّ نادرًا ما يُمنحان حتَّى لإله.
II. الشَّيءُ الصَّحيحُ الوَحِيدُ الذي يفعلهُ البخيلُ هو المَوْت.
III. يُخفي الزَّمنُ الفاسِدَ ولكن لا بدّ من أن يكشِفَهُ.
IV. ما الذي يمكنُ أن تتمنَّاهُ لبخيلٍ أكثرَ من حياةٍ مديدة؟
V. يجب على المرء ألا يَثِقَ مُطْلَقًا بعقلٍ يُعَاني من الأَسَى.
VI. الحُبُّ مُتْعَةٌ للشابِّ وعارٌ على الشِّيخِ.
VII. المرأةُ العجوزُ المُتقَلِّبةُ المِزَاجِ لُعبَةٌ مُفَضَّلةٌ للمَوت.
VIII. المرأةُ العفيفةُ تختارُ الرَّجُلَ بعقلِها لا بعينِها.
IX. الزَّمنُ، لا العَقلُ، هو ما يُنهي الحبَّ.
X. الشَّجاعةُ تنمو بالإقْدَام، والخَوفُ بالإحْجَام.
XI. من يَخْشَى نَفْسَهُ يُعاني عذابًا لا ينتهي.
XII. تحكَّم في مَشَاعِركَ لئلا تتحكَّم فيك.
XIII. التعوُّد الدَّائم على الرَّخاء لَعْنَةٌ.
XIV. قبول الهِبَةِ بيعٌ للحُريَّة.
XV. لا توجدُ سعادةٌ تامَّةٌ إلا وفيها شقاءٌ لآخر.
XVI. الموتُ رحمةٌ إذا أَنْهى آلامَ الحياة.
XVII. الهَرفُ بكلماتِ الخيرِ شرٌّ عَظِيمٌ.
XVIII. يوطَأُ الشِّيُ الجيّد بالأقدام، لكنَّه لن يُمحى البتة.
XIX. الجُودُ يخْتَلِقُ حتَّى الأسبابَ من أجل العطاء.
XX. الفقيرُ الشَّريفُ عارٌ على الأَتْقِياء.
XXI. الاسمُ الحَسَنُ يبقى مُشرقًا حتَّى في الأيامِ المُظلمة.
XXII.قد تُخْفِقُ الأفكارُ الجيّدةُ، لكنَّها لن تضيعَ.
XXIII. غضبُ الطَّيبِ كبرقِ السَّماءِ، سريعُ الزوالِ.
XXIV. إنَّهم إمَّا مُحْتَالون أو حَمْقى أولئك الذين يَظنون أن الامتيازات ليست أكثر من هِبَات.
XXV. طُوبَى لِمَنْ عَاشَ حَتَّى مَاتَ حِينَ شَاءَ.
XXVI. حُسْنُ الذِّكْرِ مِيرَاثٌ ثَانٍ لِمَنْ عَقَلَ.
XXVII. عَلَامَةُ الصَّالِحِ أَنْ لَا يُخَيِّبَ أَمَلًا، وَلَوْ فِي مَمَاتِهِ.
XXVIII. الحَقُّ لَا يَخْشَى حَاكِمًا، وَلَا يَهَابُ مِيزَانًا.
XXIX. لَيْسَ بِصَالِحٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ صلَاحُهُ لِلكُلِّ.
XXX. لَا أَمَانَ فِي مُصَالَحَةِ العَدُوِّ، فَهِيَ وَهْمٌ يُخَادِعُ النُّفُوسَ.
XXXI. الضَّمِيرُ النَّقِيُّ لَا يَلْجَأُ إِلَى أَعْذَارٍ مُتَكَلَّفَةٍ.
XXXII. أفرَاحُ الأشرَارِ كَسَرَابٍ، سَرِيعًا مَا تَتَلَاشَى فِي دَمارٍ.
XXXIII. “الشَّوقُ إِلَى المَوْتِ يُورِثُ اتِّهَامًا لِلحَيَاةِ.
XXXIV. لِمُوَاجَهَةِ الجَهْلِ، الإِفْرَاطُ فِي سَعَةِ العَقْلِ حُمْقٌ.
XXXV. لَيْسَ شجاعًا، بَلْ وحَشًا، مَنْ يَقْتُلُ طِفْلًا.
XXXVI. العَيْنَانِ لا تُبصِران حِينَ يَشْغَلُ العَقْلَ هَمٌّ آخَرُ.
XXXVII. العِشقُ يَمْنَعُكُ من أن تكونَ حكيمًا، وَالحِكْمَةُ تَمْنَعُكُ من تكون عاشقًا.
XXXVIII. مَا يُصِيبُ وَاحِدًا قد يُصِيبُ الجَمِيعَ.
XXXIX. قَلَّمَا يقوى الإلهُ نَفْسُه ضِدَّ المحظوظِ، فَالحَظُّ حِصْنُهُ.
XL. كَثْرَةُ العَفْوِ تُحَوِّلُ الأَحْمَقَ إِلَى مَاكِرٍ خَبِيثٍ.
XLI. الغَدُ وَلِيدُ الأَمْسِ.
XLII. الحَرْبُ تَسْتَلْزِمُ طُولَ تَهْيِئَةٍ لِتُعَجِّلَ بِالنَّصْرِ.
XLIII. أَتْقَنَتِ المَرْأَةُ فَنَّ الدُّمُوعِ لِلتَّضْلِيلِ.
XLIV. احْذَرْ عَطَاءَ يَوْمِ، فَإِنَّهُ سَرِيعًا مَا يُسْلُبُ.
XLV. التَّرَوِّي مَدْرَسَةُ الحِكْمَةِ.
XLVI. التَّرَدُّدُ كَثِيرًا مَا يُفَوِّتُ الفُرَصَ.
XLVII. اجْتَنِبْ حَتَّى الحُلْوَ الَّذِي قَدْ يَصِيرُ مُرًّا.
XLVIII. أَحْسَبُ الآلِهَةَ تَبْتَسِمُ حِينَ يَنْذُرُ المحظوظُ.
XLIX. المَسَاءُ يَكْشِفُ عَنْ أَصْدِقَاءَ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْعَلُ الفَجْرُ.
L. حَتَّى فِي الجَرِيمَةِ يَبْرُزُ الإخلاصُ في ارْتِكابِها بِصُورَةٍ لَائِقَةٍ.
LI. البَائِسُونَ يَمْلِكُونَ قَلِيلًا مِنَ الفِكْرِ وَكَثِيرًا مِنْهُ فِي آنٍ.
LII. أَحْيَانًا يَلِيقُ بِكَ أَنْ تَنْسَى حَتَّى مَنْ تَكُونُ.
LIII. تَذَمُّرُ البَشَرِ جَعَلَ الحَظَّ إِلَهَةً.
LIV. اجْتِنَابُ الشَّهْوَةِ فَتْحُ مَمْلَكَةٍ.
LV. المَنْفِيُّ بِلَا وَطَنٍ جُثَّةٌ بِلَا قَبْرٍ.
LVI. مَنْ يَحْرِمُ وَطَنَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ.
LVII. حَتَّى الشَّعْرَةُ الوَاحِدَةُ لَهَا ظِلُّهَا.
LVIII. وَيْحَ مَنْ يَشِيخُ بِالخَوْفِ!
LIX. العَالِي المَكَانَةِ أَسْرَعُ تَأَثُّرًا بِالنَّكَبَاتِ.
LX. النِّهَايَةُ دَائِمًا تَسْبِقُ.
LXI. كَثِيرًا مَا يَسُوءُ التَّعَوُّدُ حَتَّى عَلَى الأَشْيَاءِ الجَيِّدَةِ.
LXII. حِينَ تُدَاهِنُكَ الأَقْدَارُ، فَهِيَ تَحِيكُ شَرَكًا.
LXIII. الأَقْدَارُ تُحَوِّلُ مَنْ تُلاطِفْهُ إِلَى أَحْمَقَ.
LXIV. المُسْتَقْبَلُ يُكَابِدُ أَلَّا يَقَعَ فِي قَبْضَةِ أَحَدٍ.
LXV. الصَّبْرُ إِذَا تَكَرَّرَ جُرْحُهُ يَتَحَوَّلُ إِلَى جُنُونٍ.
LXVI. الأَقْدَارُ لَا تَرْضَى بِإِيذَاءِ أَحَدٍ مَرَّةً وَاحِدَةً.
LXVII. الحَظُّ يَخْطُو خُطْوَةً لَا يَرَاهَا أَحَدٌ.
LXVIII. الحَظُّ أَنْفَعُ لِلرَّجُلِ مِنَ الحِكْمَةِ.
LXIX. الشَّجاعَةُ تَضْمَنُ النَّجاحَ في المَخاطِرِ,
LXX. دائِمًا ما يَكُونُ الشَّرُّ الأَكْثَرُ خُطُورَةً هُوَ ما يَخْتَبِئُ بَعِيدًا عَنِ الأَنْظارِ.
LXXI. آهِ، كَمْ هُوَ مَهِيبٌ مَنْ يَرَى المَوْتَ آمِنًا!
LXXII. كَمْ هُوَ مُؤْلِمٌ العَذابُ الَّذِي لا صَوْتَ لَهُ!
LXXIII. آهِ، كَمْ مِنَ الأَسَفِ يَجْلِبُهُ طُولُ العُمْرِ!
LXXIV. آهِ، كَمْ هُوَ بائِسٌ أَنْ تَتَعَلَّمَ أَنْ تَكُونَ خادِمًا بَعْدَ أَنْ نشأتَ عَلَى أَنْ تَكُونَ سَيِّدًا!
LXXV. الكَلامُ المَعسولُ يَنْضوي على سُمِّهِ الخاصِّ.
LXXVI. يَمُوتُ الإِنْسانُ كُلَّما فَقَدَ أَحِبَّاءَهُ.
LXXVII. الإِنْسانُ مُعَارٌ لِلْحَياةِ، وَلَيْسَ مَمْلُوكًا لَها.
LXXVIII. تَحْتَ القِناعِ، دُمُوعُ الوَرِيثِ ابْتِسامَةٌ.
LXXIX. أَسْمَى المُنافَساتِ هِيَ في الإِنْسانِيَّةِ.
LXXX. أَنْ تَصِفَ نَفْسَكَ بِـ “السَّعِيدِ” هُوَ أَنْ تَسْتَدْعِيَ الكارِثَةَ.
LXXXI. في البُؤْسِ، حَتَّى الحَياةُ تُصْبِحُ إهَانَةً.
LXXXII. إمَّا الشُّجاعُ أَوِ المَحْظُوظُ هُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَ عَدَمِ الشَّعْبِيَّةِ.
LXXXIV. مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ نَفْسَهُ يَتَغَلَّبُ عَلَى أَعْتَى الأَعْدَاءِ.
LXXXV. التَّجْرِبَةُ تجعَلُكَ تَخْشَى العَدُوَّ وَلَوْ كَانَ وَضِيعًا.
LXXXVI. الأُذُنُ تَتَحَمَّلُ الخَطَأَ أَكْثَرَ مِنَ العَيْنِ.
LXXXVII. النَّارُ تَحْفَظُ حَرَارَتَهَا حَتَّى في الفُولَاذِ.
LXXXVIII. في الحُبِّ، الأَلَمُ دَائِمًا في حَرْبٍ مَعَ الفَرَحِ.
LXXXIX. الطَّرِيقُ يَمْتَدُّ حَيْثُمَا تَرَكَ السَّابِقُ أَثَرَهُ.
XC. إِنَّهُ لَعَارٌ أَنْ يَلُومَ مَنْ نَجَا مِنَ الغَرَقِ مَرَّتَيْنِ إِلَهَ البَحْرِ.
XCI. َأنْ تَرْتَفِعَ مَعَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ هُوَ العَارُ بِعَيْنِهِ.
XCII. النَّارُ لَا تُلْقِي ضَوْءَهَا بَعِيدًا دُونَ أَنْ تُحْرِقَ شَيْئًا.
XCIII. مَحْظُوظٌ مَنْ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ المَوْتَ.
XCIV. السَّيِّدُ الَّذِي يَخْشَى عَبِيدَهُ أَدْنَى مِنَ العَبْدِ.
XCV. أَن تُتقِنَ الرِّثاءَ هُوَ أَنْ تَعِيشَ ِدُونِ خَطَرٍ.
XCVI. إذا شَرَحْتَ قَوْلًا سَيِّئًا، فَأَنْتَ تَزِيدُهُ سُوءًا.
XCVII. المَرْأَةُ الَّتِي تَتَزَوَّجُ كَثِيرًا تُكْرَهُ مِنْ قِبَلِ الكَثِيرِينَ.
XCVIII. دَوَاءُ الكَارِثَةِ هُوَ رباطةُ الجأش.
XCIX. دَمْعَةُ المَرْأَةِ هِيَ تَابِلُ المَكْرِ.
C. مَنْ يَعْرِفُ قُوَّةَ الكَارِثَةِ لَهُ القُوَّةُ الأَكْبَرُ.
CI. العَاهِرَةُ آلَةُ العَارِ.
CII. لَيْسَ الدُّمُوعُ بَلِ الهَدَايَا مَا يُؤَثِّرُ في العَاهِرَة.
CIII. المَوْتُ حَظٌّ لِلطُّفُولَةِ، مُرٌّ لِلشَّبَابِ، وَمُتَأَخِّرٌ لِلشَّيْخُوخَةِ.
CIV. في سَعْيِكَ لِتَزْيِينِ قَضِيَّةٍ سَيِّئَةٍ، أَنْتَ تُدِينُهَا.
CV. ِإنَّهَا لَخُطَّةٌ بَائِسَةٌ تِلْكَ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ.
CVI. الطَّرِيقُ الآمِنُ طريقُ العَبِيدِ المُسْتَأْنَسِينَ.
CVII. مَوْتٌ بِلَا شرفٍ اسْتِهْتَارُ القَدَر.
CVIII. طَوِيلٌ هُوَ الزَّمَنُ قَبْلَ أَنْ يُطِيحَ الانْهِيارُ بِمَنْ يَخْشَى التَّصَدُّعَ.
CIX. لَا نَمُوتُ نَحْنُ البَشَرَ في مَكَانٍ أَفْضَلَ مِمَّا نَمُوتُ في مكانٍ عِشْنَا فيه بِرِضَانَا.
CX. َلا قُبْحَ في الجُرحِ الَّذِي تُوَلِّدُهُ الشَّجَاعَةُ.
CXI. الأُمُورُ الكَبِيرَةُ جِدًّا يجبُ أَنْ تَكُونَ بِدَايَاتُهَا صَغِيرَةً جِدًّا.
CXII. الضَّرُورَةُ تَفْرِضُ القَانُونَ: ولَكِنَّها لا تَخْضَعُ له.
CXIII. الشَّجَاعَةُ لَا تَعْرفُ الإِذْعَانَ للكَوارِثِ.
CXIV. الضَّرُورَةُ تَنالُ مَا تُرِيدُهُ مِنَ الإِنْسَان.
CXV. الضَّرُورَةُ تَخْتَطِفُ ما تَطْلُبُهُ، إلا إِذَا أَعْطَيْتَهُ.
CXVI. مَا تُخْفِيهِ الضَّرُورَةُ يُبْحَثُ عَنْهُ سُدًى.
CXVII. كَمْ هُوَ ثَابِتٌ عَرْشُ الضَّرُورَةِ!
CXVIII. دُونَ الفِطْنَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، لَا فَائِدَةَ مِنَ الاسْتِمَاعِ إِلَى الحُكماء.
CXIX. الرَّجُلُ الحَكِيمُ لَا يَرْفُضُ شَيْئًا تَقْتَضيه الضَّرُورَةِ.
CXX. لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ الإِفْلَاتَ مِنَ المَوْتِ أَوِ الحُبِّ.
CXXI. إِنَّهُ لَنَبِيلٌ أَنْ تُقْتَلَ عِنْدَمَا تكونُ عُبُودِيَّتُكَ شَائِنَةً.
CXXII. الأَلَمُ الَّذِي يَقْتُلُ الأَلَمَ يَعْمَلُ كَتِرياق.
CXXIII. أَنْ تَلْجَأَ إِلَى مَنْ هو أَدْنَى مِنْكَ خِيَانَةٌ لِلنَّفْسِ.
CXXIV. الدَّمْعَةُ السَّرِيعَةُ تَعْنِي الخِيَانَةَ، لَا الحُزْنَ.
CXXV.الخوفُ نَوْعٌ من العبوديّة.
CXXVI. الرَّجُلُ المَحْظُوظُ لَا يَعْرِفُ أَبَدًا كَيْفَ يُوَاجِهُ الشَّدَائِدَ.
CXXVII. مَا أَشْأَمَ أَنْ تَهْزِمَكَ المصَادَفة!
CXXVIII. مَا أَشْأَمَ أَنْ يُجَدَّدَ شَرٌّ قَدِيمٌ!
CXXIX. الحَكِيمُ يُحَارِبُ العالَمَ عِنْدَمَا يُفَكِّرُ.
CXXX. البَرَاءَةُ دَائِمًا تَتْبَعُ نُورَهَا الذَّاتِيَّ.
CXXXI. حَتَّى الشَّوْكَةُ تُصْبِحُ مُفْرِحَةً عِنْدَمَا تُظْهِرُ وَرْدَةً.
CXXXII. وَجْهُ الشَّجَاعَةِ لَهُ نَصِيبٌ في النَّصْرِ.
CXXXIII. النَّدَمُ يعقبُ الخُطَّةَ المُتَعَجِّلَةَ.
بواسطة وداد سلوم | أكتوبر 3, 2025 | Culture, News, Reports, Reviews, العربية, بالعربية, غير مصنف, مقالات
بديكور بسيط ومساحة صغيرة من المسرح الكبير استطاع الأخوان ملص أن يستحوذا على مشاعرنا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فاستنفرت دموعنا على ضفاف الضحكات واختلط الضحك بالبكاء وكأننا نختزن منذ سنوات هذه المشاعر التي ما إن وضعت أمامنا المرآة حتى رأينا عري ألمنا الفاضح، وكيف تتشابك لحظات ضعفنا وخيباتنا وتختلط ضحكاتنا بالدماء، وكم من قسوة تسترت بها ملامحنا لنستمر.
حدث ذلك في العرض الذي قدماه على خشبة مسرح دار الثقافة في حمص بعنوان ” كل عار وأنتم بخير” وكانا قد تجولا به في المدن السورية بعد أن منع من العرض في وقت سابق، إثر منشور لهما على صفحتهما في الفيسبوك قبل أن تتراجع وزارة الثقافة عن ذلك في بيان لها تعتبر فيه أن ما حدث ليس أكثر من سوء تفاهم. ومع الأخذ والرد بين الأخوين ملص والوزارة كان تشويقنا يتزايد لرؤية العمل والحكم عليه خاصة أن صدى أعمالهما في أوربا قد سبقهما إذ حصل فيلمهما ” البحث عن عباس كيارستامي” على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان هوليود إنترناشيونال وفيلمهما “أيام الكرز” على جائزة الجمهور في مهرجان البوسنة، وكانا قد ترشحا قبل ذلك لموسوعة غينيس عن فئة أصغر مسرح في العالم عام 2009، بينما يشهد لهما خروجهما ضد نظام الطاغية بشار منذ بداية الحراك السلمي في سورية.
ببساطة الحوار واللباس وتلك التلقائية لامس الممثلان الوحيدان على الخشبة في عرضهما هذا ومجابهاتهما فيه الألم السوري الذي سار بعيداً في الزمن رغم أوهامنا بأمل الخلاص. فالعرض لم يحدد زماناً أو مكاناً بل كان قطعة من الزمن السوري المحمل بالوجع تدور أحداثه في بقعة من الجغرافيا السورية. عبر اجتماع شخصين تربطهما صداقة للاحتفال بالعيد رغم أنهما متناقضا الهوى والاتجاه: فأحدهما جندي في الجيش السوري والآخر مثقف مضطهد في سجون النظام قضى أكثر عمره في المعتقل وخرج مكسوراً، انسحبت خيبته على حياته كلها فحتى على صعيد الحب لم يمتلك الجرأة في التعبير عن مشاعره لفتاة أحلامه واكتفى باجترار الخيبة والألم وكلمات الحب في رسالة كتبها ولم يرسلها.
أما الجندي فقد تضخم لديه مفهوم البطولة حتى لم يعد يعرف سوى التغني ببطولة لم تحدث تحت سيطرة مفهوم كان يربيه النظام في عقول الناس ضمن منظومته ليكون من السهل استخدامهم متى شاء.
يحاول الجندي الذي لا يملك سوى وقت قصير جر صديقه المتثاقل للفرح بالعيد في رغبة لتجاوز الواقع الضاغط بما يحمله إرث سنوات متتالية من الحرب، لينتهي الاحتفال إلى مواجهات متكررة ثم إلى مشادة كلامية قاسية، يقوما فيها بتعرية أحدهما للآخر، فيهاجم الجندي المثقف ويتهمه بالجبن والتخاذل والاستسلام حتى على الصعيد الشخصي في إحجامه عن مصارحة المرأة التي يحبها بمشاعره طوال سنين كرمز عطالة عن الفعل، و يهدده بالقتل إن لم يتجاوز نفسه ويمتلك الشجاعة لمصارحة الحبيبة عبر الهاتف بمشاعره التي اختزنها خمسين عاماً، في مشهد درامي متصاعد استنفر أحاسيس الجمهور وجعله يصفق ويبكي معه. إذ كان كل منا يرى في جبنه هذا جزءاً منه ولحظة هاربة من الزمن الذي يريد ويتمنى استعادته ولو تحت التهديد.
كان أداء الأخوين ملص يسحب المتفرج إلى خشبة المسرح وكأنه يتماهى مع الممثل ويشارك في الأداء إذ يشاهد صورته تتألم وتتمزق.
ومع استمرار الأداء المتميز في لحظة يتصاعد فيها المشهد إلى التحول فيتبادل الأخوان الأدوار في حركة سريعة لافتة تسجل لهما، ليصبح الجندي عجوزاً مصاباً بحرب لا يعرف سببها ولا يعرف إن كان قد انتصر فيها أم هزم يتنمر عليه المثقف الجديد وقد غدا شاباً يمثل جيلاً جديداً منتصراً، ويضعه أمام المرآة ليشهد خرافة البطولة المزعومة ووهمها بينما مضى عمره في عجلة النظام ولم يمتلك الجرأة لمصارحة حبيبته بمشاعره خاصة بعد انتهائه للعطب الجسدي والنفسي ، ثم يهدده بالقتل إن لم يقم بمصارحتها بمشاعره وأحلامه بها وبيئته التي دفعته إلى الانجرار إلى عجلة النظام :” نحنا أفقر بيت بالضيعة يا حلا”.
استخدم الأخوان ملص في حوارهما طوال العرض، إشارات وعبارات تعيد المتلقي إلى مجابهات سورية مستمرة وحديثة العهد أي بعد سقوط النظام لكنهما أخذا المتلقي إلى زاوية من المشهد ليدرك أن كلا الشخصيتين ضحية ورغم تناقضهما في الموقع يتشابهان في المعاناة والأثمان المدفوعة وأن تلك المعاناة التي أكلت عمرهما جعلتهما بحاجة الواحد للآخر وتحسسهما لآلام بعضهما أيقظ بينهما مشاعر مختلطة بين الألم والمعاناة والرغبة بالعيش المشترك في سلام يتوقان إليه، فحين يقرران الانتحار كحل لكل هذه المواجهات ونبش الآلام بالاتفاق على قتل أحدهما للآخر، وبعد بروفات عديدة يفشلان في التنفيذ في مشهد مؤثر جداً، لقد وجدا أن الموت ليس رغبتهما الحقيقية.
لعل التوأمة البيولوجية للأخوين بما حملته من شبه بينهما واضح المعالم، كانت الحامل الذي لا لبس فيه لفكرة الشعب الواحد الذي مهما اختلفت مواقف أفراده وخياراتهم يبقى لهم جذر واحد يحكمه الانتماء لهذه البقعة من الأرض والجغرافيا، وبالشراكة كحالة لا يحق لطرف سلب الآخر وجوده فيها.
حمل النص المسرحي الإشارة إلى الألم السوري المستمر، منذ خمسين عاماً دون أن يجد براً ليرسو، كما حمل رسالة النبوءة بأنه لن يتوقف إلا عبر الشراكة الحقيقية والجلوس على الطاولة نفسها كرسالة موجهة لكل سوري. وبهذا فقد أعادا للمسرح دوره الحقيقي في تحقيق التواصل والإضاءة على لب القضية لتكوين رؤية جامعة تستنهض روح التشارك لواجهة الخراب العام.
تميزت حركة الممثلين بالسرعة والانتقال السلس من الكوميديا إلى التراجيديا وبراعة الأداء المتناسبة مع بيئة العمل والموسيقا وبالانسجام والتلقائية التي أوصلت العمل للمتلقي وانتزعت إعجابه، وكان اختيارهما للأغاني موفقاً لتطعيم العمل بالمواقف الكوميدية التي تواصلت من الحوار إلى حركة الجسد. فاستحوذا على تفاعل الجمهور وتصفيقه الطويل.
أعادا خلال ذلك للمسرح دوره الحقيقي منذ البوستر الذي كتب عليه “لأن المسرح فعل مقاومة حقيقي” في واقع ليس خافياً فيه تراجع العمل المسرحي بشكل عام وضحالة المهرجانات التي كانت تقام في الآونة الأخيرة.
يذكر أن مسرحية “كل عار وأنتم بخير” نالت في 30 آب 2025 جائزتين ضمن مهرجان مسرح الرحالة الدولي للفضاءات المغايرة في الأردن وهما جائزة أفضل ممثل مناصفة بين أحمد ومحمد ملص وجائزة أفضل نص مسرحي للأخوين ملص.