سياسة مالية جديدة في سوريا من أجل البقاء في السلطة

سياسة مالية جديدة في سوريا من أجل البقاء في السلطة

أقرت الإدارة السورية المؤقتة عبر قنواتها الاقتصادية السيادية وعلى رأسها المصرف المركزي اعتماد سياسة نقدية جديدة من شأنها بحسب المخطط المعلن أن تعالج ما أمكن من الخضّات المالية التي عانت وتعاني منها سوريا. ووفقاً لهذه السياسة سيتم استبدال الكتلة النقدية المتداولة بين أيدي الناس اليوم بفئات أخرى يحذف منها صفران، لتصبح الألف على سبيل المثال عشر ليرات، والمئة تصير ليرة واحدة. وهذا الإجراء ليس حكراً على بلد كسوريا، فقد سبقتها دول كثيرة، ومنها تركيا وفنزويلا، لاتباع هكذا سياسة تحت تأثير التضخم والمشاكل الاقتصادية. بعضها نجح في مخططه وأنقذ عملته، وبعضها الآخر كرّس مشكلة التضخم وانتقل من كارثة اقتصادية لأخرى أكثر فداحةً، كبعض الدول في إفريقيا.

آلية الاعتماد النقدي

سوريا اليوم تنوي طباعة ست فئات جديدة من العملة، ومن أجل ذلك ستشكل لجنتين استراتيجية وتشغيلية لمتابعة الملف، وقد حصلنا على معلومات موثّقة من المصرف المركزي بأنّ العملة الجديدة سيصعب تزويرها ضمن موثوقية حماية أمنية عليا، ولن تحوي على صور أشخاص، وسيتم اعتماد طباعتها لدى جهات “موثوقة.” ووفقاً لمصدر المعلومات من داخل المصرف إنّ الطباعة بهذا الشكل ستهدف إلى تخفيف معاناة المواطنين من التعامل مع كميات كبيرة من الأموال المنقولة سواء لشراء الاحتياجات اليومية ولأغراض البيع والشراء العامة. ولن يؤثر هذا الإجراء النقدي بأي شكل حقيقي على قيمة الليرة ذاتها وقوتها الشرائية، فالمليون هي المليون، ولكن بفارق التسمية وتعداد الأصفار. وباختصار فإن استبدال الكتلة النقدية لا يعني زيادتها في التداول والأسواق، بل يعني فقط تبديل ما هو متداول حالياً. فعلى سبيل المثال، مبلغ مئة ألف ليرة سورية اليوم يعادل نحو 10 دولارات أمريكية، وعند التداول قد يكون عبارة عن رزمة من مئتي ورقة من فئة 500 ليرة، أو مئة ورقة من فئة ألف ليرة، أو 50 ورقة من فئة ألفي ليرة، ومن هنا جاءت سياسة حذف الأصفار لتسهيل التعامل اليومي المباشر.

المراحل الثلاث

وحول طرح العملة الجديدة “الليرة” فإنّ ذلك سيكون على ثلاث مراحل، تبدأ بتداول تدريجي إلى جانب الفئات الحالية المتداولة، ثم سحب الفئات المتداولة سابقة، ومن ثمّ حصر التبديل عبر المصرف المركزي، بالتزامن مع حملات توعية إعلامية واقتصادية لأهمية الخطوة المتخذة وتبعاتها والتي يفترض أن يبدأ تطبيقها قريباً، (من المتوقع أن يكون ذلك مع حلول الذكرى الأولى لانتصار الثورة في الثامن من ديسمبر القادم).

ورغم ذلك ثمّة ما هو أهم بكثير من العملية تلك كلّها، وهي الأشياء التي يحاول المسؤولون عدم تبنيها أو الإعلان عنها بشكل مباشر والتركيز عليها وهذا جانب أساسي من المصداقية، وهنا يجب التوقف عند الجملة التي قيلت لنا في “المصرف المركزي” وهي إنّ الطباعة ستتم عند جهات “موثوقة،” فمن هي تلك الجهات، وما هو رأي الخبراء والأكاديميين بذلك؟

مجازفة استراتيجية

بات من المؤكد أنّ سلطات دمشق ستطبع العملة الجديدة لدى شركة “غوزناك” الروسية، فإذا اتجهت السلطة الانتقالية فعلاً إلى إعادة طباعة العملة السورية في روسيا عبر تلك الشركة المملوكة للدولة الروسية، فإنّ هذه الخطوة تعتبر انزلاقاً خطيراً، ليس بسبب دلالات الانفتاح على موسكو، فهذا موضوع له سياق آخر ومحددات مختلفة، لكن الأمر يتعلق بالشركة الروسية نفسها، فـ “غوزناك” واقعة تحت العقوبات الأمريكية، وسجلّها مثقل بالتورط في طباعة مليارات من الأوراق النقدية لصالح سلطات الشرق الليبي، وقد أُثير حولها الكثير من الجدل لاعتبارها أقرب إلى عملة موازية تفتقر إلى الشرعية، بحسب متخصصين.

كما أنّ الانعكاس السياسي لهذه الخطوة سيكون بالغ الخطورة، إذ ستعزز صورة السلطة الانتقالية ككيان يفتقر إلى رؤية اقتصادية متكاملة، وتضعها في مواجهة اعتراضات دولية وربما إجراءات عقابية جديدة، بحكم تعاملها مع مؤسسة خاضعة للعقوبات الأمريكية. وبدلاً من أن تشكّل لحظة بناء للثقة، ستُقرأ هذه الخطوة كإعادة إنتاج لآليات سلطات الأمر الواقع، ما يضعف موقع السلطة الانتقالية في الداخل والخارج.

مخاوف اقتصادية

طباعة العملة بحسب مصرفيين وأكاديميين تحدثنا معهم بتلك الطريقة وما سيترتب عليها من آثار وأضرار قد يدل على عدم نضوج اقتصادي يتيح للدولة الوليدة التحرك ضمنه. يشرح الباحث الأكاديمي الدكتور مالك الحافظ بصورة مفندة آليات التحرك الاقتصادي الذي ستقدم عليه السلطات السورية بادئاً من موضوع طباعة العملات في روسيا إذ يرى أنّ بحث السلطة الانتقالية عن حل سريع لأزمة فقدان الثقة بالعملة الوطنية، وعن محاولة إعادة تقديم “رمز نقدي” يوحي بوجود سياسة نقدية جديدة. لكن في الجوهر، لا جدوى حقيقية من هذه الطباعة إذا لم تُرفَق بخطة اقتصادية شاملة، لأنها لن تعالج أصل الأزمة المتمثل في التضخم، والانهيار المالي، وتآكل الثقة بالسوق. ويكمل: “بالتالي فإنّ جدوى طباعة عملة جديدة عبر شركة روسية ليست في جوهرها اقتصادية بحتة، فهي انعكاس لأزمة سلطة انتقالية تبحث عن أدوات سريعة تمنحها مظهراً بأنها تتحكم بالمشهد المالي. فالطباعة هنا تُقاس بكونها محاولة لإظهار أن السلطة قادرة على إنتاج نقد جديد وإدارة دورة المال، حتى لو كان ذلك في إطار هشّ ومن دون قاعدة اقتصادية صلبة. في الواقع، ما يُقرأ من هذه الخطوة أن السلطة تعطي أولوية للرمزية السياسية أكثر من المعالجة الاقتصادية، إذ تريد أن تُثبت أنها تمسك بزمام الملفات السيادية الكبرى، ولو شكلياً، وأنها ليست مجرد إدارة مؤقتة بلا أدوات”. وفيما يتعلق يحذف الأصفار يضيف الدكتور مالك الحافظ: “هذا الإجراء يهدف بالأساس إلى إعادة صياغة صورة العملة في وعي الناس، أي تقديم نسخة (مبسطة) توحي بالاستقرار وتُسهل التعاملات اليومية. لكنه لا يحل أصل المشكلة، فالقدرة الشرائية لن تتغير، والتضخم لن يتوقف. الأصفار يمكن أن تعود سريعاً إذا لم يكن هناك انضباط مالي وإطار اقتصادي متماسك. لذلك، يمكن القول إن جدوى حذف الأصفار محصورة في الجانب النفسي والتواصلي، لكنه في غياب رؤية أوسع سيُقرأ كإعلان غير مباشر عن فشل العملة السابقة، أكثر مما سيُقرأ كخطوة إصلاحية”.

الانعكاس المباشر

وحول انعكاس أمر الطباعة الجديدة على سوريا يرى الباحث مالك الحافظ أنّ الانعكاسات الاقتصادية لطباعة عملة جديدة في هذه المرحلة لن تكون حيادية، بل ستكشف سريعاً عن هشاشة البنية المالية والاقتصادية. في المدى القصير قد تُضخ سيولة في السوق وتُسهَّل التعاملات النقدية، ما يعطي انطباعاً أولياً بوجود قدرة على ضبط المشهد المالي. ويحذر: “لكن هذا الانطباع سرعان ما سيتبدد إذا لم يكن هناك إطار استقرار نقدي يحدد حجم الكتلة الجديدة ويضبط مسار العجز والإنفاق. فالعملة لا تكتسب قيمتها من الورق المطبوع وإنما من الثقة بالاقتصاد وبقدرة السلطة على إدارة التوازن بين الإيرادات والنفقات. إذا تم طبع العملة من دون ضوابط أو من دون وجود خطة لتعقيم السيولة الزائدة، فإن النتيجة الطبيعية ستكون تضخماً متسارعاً وانهياراً إضافياً في سعر الصرف”. 

ويوضح الحافظ المخاطر المحتملة: “من المرجح أن تؤدي هذه الخطوة، إذا جاءت منفردة ومن دون إصلاحات موازية، إلى تسارع التضخم وتراجع قيمة العملة مقابل العملات الأجنبية. وحين يفقد الناس الثقة بالنقد الوطني، يتوسع اللجوء إلى بدائل كالعملة الصعبة أو حتى المقايضة، وهو ما يضعف دور الدولة في إدارة الدورة الاقتصادية. الأخطر أن الأسواق قد تفسر الطباعة الجديدة كدليل على عجز السلطة الانتقالية عن تأمين موارد حقيقية، ما يعمّق الشكوك ويزيد من حالة الهروب نحو الدولار. بمعنى آخر، الأثر الفعلي لهذه الخطوة سيكون تعزيز صورة أزمة الاقتصاد السوري لا التخفيف منها، لأن الطباعة ستبدو أشبه بمحاولة إسعاف شكلي لمرض مزمن، بينما الواقع يتطلب خطة اقتصادية متكاملة تعالج جذور التدهور وتعيد بناء الثقة قبل أي حديث عن إصدار نقد جديد”.

بين الطباعة لسوريا وليبيا

يعتقد الحافظ أنّ التعامل مع شركة روسية خاضعة لعقوبات دولية يفتح الباب على أزمة أكبر من مجرد طباعة نقد. فهو يضع العملة الجديدة، منذ لحظة صدورها، في موقع الشبهة أمام الأسواق الدولية والمؤسسات المالية. السلطة الانتقالية، التي تعاني أصلاً من نقص الشرعية ومن ضعف الثقة، ستجد نفسها متهمة بأنها اختارت طريقاً محفوفاً بالمخاطر يعرّضها لعقوبات إضافية، أو على الأقل لعزلة مالية أشد. هنا لا يعود النقاش حول جودة الورق أو تصميم العملة، بل حول شرعية الإصدار نفسه، وما إذا كان سيُعامل كعملة وطنية معترف بها أم كأداة نقدية مرتبطة بكيان مؤقت يخالف قواعد الامتثال المالي العالمي.  وحول هذه النقطة يوضح الدكتور مالك الحافظ أنّه: “إذا نظرنا إلى تجربة ليبيا، فإن المثال يوضح خطورة الانزلاق. طباعة عملة عبر “غوزناك” هناك لم تساهم في حل الأزمة، بل خلقت ازدواجية نقدية وأثارت نزاعات حول شرعية الأوراق المتداولة. السوق الليبي تعامل مع النقد الجديد كأداة لتكريس الانقسام، وأصبح الاقتصاد أكثر تشتتاً، فيما تراجعت قدرة أي طرف على فرض سياسة نقدية موحدة. إعادة إنتاج هذا السيناريو في سوريا تعني عملياً أن العملة الوطنية ستفقد ما تبقى لها من رمزية”.

الموقف الدولي

تباينت آراء أكثر من متخصص في العلوم الاقتصادية حول طباعة عملة جديدة، البعض أشاد بالفكرة إن تمّ تطبيقها وفق رؤية مسبقة حقيقية وقائمة على نواة علمية ثابتة لضمان عدم تكرار هفوات وأخطاء وتجارب دول أخرى كانت تظن أنّ الخلاص بحذف الأصفار، لتجد أنفسها محتاجة ملايين الملايين من جديد لشراء قطعة بسكويت. فيما قال اقتصاديون آخرون إنّ شؤوناً من هذا النوع هي سيادية خالصة ولا تحتمل التأويل والتجريب والاعتماد على نصائح غير الخبراء، ومن بين أصحاب هذا الرأي المتخصص في العلوم المصرفية أحمد سويفان، إذ يرى المعاجلة في طرق الباب الروسي تعطي انطباعاً عن عدم التمكن من الوصول إلى دولٍ أخرى. فبالعموم اختيار شركة معاقبة من أصل شركات عديدة هو بمثابة رسالة انتحار للخارج الذي كان يراقب بهدوء السلطات الجديدة.

من خيار اقتصادي إلى عبء دبلوماسي

يمكن الاستخلاص إلى أنّ إقدام السلطة الانتقالية على طباعة عملة جديدة في روسيا، خصوصاً عبر مؤسسة معاقبة، سيضعف صورتها الرسمية على أكثر من مستوى. على الصعيد البروتوكولي، ستبدو كحكومة عاجزة عن الوصول إلى شركاء محايدين أو مقبولين دولياً، الأمر الذي يضعها في خانة “سلطة أمر واقع” أكثر من كونها سلطة انتقالية مسؤولة عن إعادة بناء الثقة مع الخارج. هذه الخطوة سترسل إشارة سلبية إلى العواصم الكبرى وإلى المؤسسات المالية الدولية مفادها أن الحكومة السورية المؤقتة لا تملك القدرة على احترام قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية، وأنها مستعدة للجوء إلى أي مسار، حتى لو كلّفها ذلك عزلتها.

أما على الصعيد المالي، فإن هذا الخيار يضعف احتمالات أي تعاون مستقبلي مع بنوك دولية أو مانحين، لأن التعامل مع عملة مطبوعة لدى جهة معاقبة سيجعلها غير مرغوبة في أنظمة الدفع العالمية، ما يعرقل أي عملية إعادة إدماج لسوريا في النظام المالي الدولي. وفي الداخل، ستظهر السلطة الانتقالية ككيان يفتقر إلى الرؤية الاقتصادية الرشيدة، ما يعزز الانطباع بأنها لا تدير مرحلة انتقالية من أجل الإصلاح، بل من أجل البقاء السياسي. النتيجة النهائية ستكون إضعاف موقع سوريا الرسمي في علاقاتها مع العالم، وتحويل خطوة كان يُفترض أن تكون إدارية إلى عبء دبلوماسي ومالي جديد.

 سوريا: تمزيق الوطنية كإحساس والمواطنة كمفهوم

 سوريا: تمزيق الوطنية كإحساس والمواطنة كمفهوم

ألا تدخل حروب اليوم حصانَها الطروادي الجميل عبرَ بوابةِ مفاهيمنا المشوّهة؟ ربّما تشويه المفاهيم أو بالأحرى تسطيحَها هو السِمة الأهم لعصرنا، مع أن البشرية سلكت من أجلِ بلورتِها وتقويمِها الطريقَ المُنهك للألمِ و التجربة، لكنّ السياسة العالمية اليوم تميلُ إلى تزيين انحرافاتِها بشعاراتٍ برّاقةٍ، ففي مجتمعاتٍ ودولٍ بُنيَـت على أسُس الديمقراطية والعدالة والحريات الشخصية، لا بدّ من أن تُقنعَ الجماهير، بينما مجتمعاتُنا التي لا تزالُ تتخبّط بين موروثِها الديني والمُنجز الحضاري الغربي، يسهُلُ كذلك اختراقُها، طالما أنّها تردّدُ مفاهيمَ لم تُعِدْ فيها النظر.

فيما يخصّ الموروث الديني، ربّما كانت الرسالات السماوية، ثمرة تطوّر فكري وتجربة روحية، قدّمت مفاهيم وقيماً سامية للبشرية، لكنّ تسييسَها وتسخيرَها من أجل تسيير القطيع البشري والتحكّم به، أدى إلى وقوعِها في فخّ الجمود، وسوء التفسير، والتأويل بما يخدم مصالح الرعاة، و ليس بما يخدم الفهم والفكر والتجربة الروحية. فتحوّل الكلام المقدّس الذي كان من المفترض، كي يظلّ حيّاً، أن ينمو ويعمل، إلى حجارةٍ ميّتة، نحتاجُ إلى إزاحتِها عن صدورِنا كي نتحرّر، أو ربّما، وتلكَ المهمّة الأصعب، أن نعيد له دبيبَ الحياة عبر إعادتِه إلى المنابع العذبة، ليس من بابِ التشبّث بالسلف، بل من بابِ البناء على ما هو حيٌّ لدى أسلافنا.

من المعروف أن الثقافة الغربية الحديثة قامت في جزءٍ كبيرٍ منها، على إعادة قراءة موروثها الديني المسيحي اليهودي، ونقدِه، ورفضهِ، ورَميهِ، إلى أن توصّلت إلى بناء مجتمعاتها على أسسٍ علمانيةٍ تحملُ قيمَ التعايش والتآخي والعدالة الاجتماعية والحريّة الفردية، إلى ما هنالك من المفاهيم التي بنى عليها الغربُ نهضتَهُ، لكنّ النيوليبرالية، وما بعد الحداثة، واقتصاد السوق، حرفوا البوصلة وسطّحوا المفاهيمَ واستهلكَوها بحيث تخدم سياستهُ التي تقومُ على الربح بشتى الوسائل  المُمكنة، المجتمعات العربية عرفت كذلك نهضة فكرية أخرجتها من ركودها الذي سبّبته مراحل الحرب والاستعمار، إلا أنّها سرعان ما ارتكست إلى الموروث الديني واتّهمت كل فكر نهضوي بالخيانة والتغريب.

ربّما كانت الحرية عبرَ التاريخ من أكثرِ المفاهيمِ ضبابيّةً، فمن ناحية تمّت شيطنتَها، ومن ناحيةٍ أخرى اشتعلت من أجلها، وباسمها الحروبُ والثورات، في الواقع السوري مثلاً هناكَ جدلٌ مُحتدمٌ منذ اندلاعِ الثورة حول مفهوم الحريّة، لقد خاضَ الثوّار حربهم كي يتحرّروا، بينما يعتقد البعض أنّهم جلبوا الدمار والتدخلات الخارجية إلى البلاد، بين هذا وذاك نشبت حربٌ لم تصل بمفهوم الحرية، حتى بعد التحرير، إلى برٍّ آمنٍ يبشّر السوريين بمستقبلٍ أفضل.

  بالعودة إلى المفهوم الغربي، تعدّ الحرية من الركائز الأساسية للفكر السياسي والاجتماعي ،لقد طوّرها عبر قرونٍ من الفلسفةِ والثورات، إذ تقوم الدولة في الغرب على احترام الحريّات الفردية، من حرية التعبير والرأي، وصولاً إلى حريّة المُعتقد، والدين والعمل والحركة، كما تقومُ على احترام الحريّات السياسية، والتي تعني مشاركة الأفراد في الحكم واتخاذ القرار عبر حقّ التصويت، وتشكيل الأحزاب، وصولاً إلى حرية المعارضة السلميّة، يذهب الفيلسوف الألماني المثالي هيجل، صاحب الفكر المرتبط بالتقليد الأفلاطوني اليوناني، إلى أنّ الحرية مرتبطة بالوعي، وعي الإنسان لذاته و تجاوزه لرغباتِه الغريزية كي يصبح عقلاً حرّاً مسؤولاً، كما يعتقد هيجل أنّ الحرية لا تتحقّق إلا من خلال الدولة، التي من المفترض أن تكونَ تجلّياً للعقلِ الحرّ، يربط هيجل الحرية بمسار تطوّر الوعي الإنساني عبر التاريخ، كما يرفض الفكرة السلبية للحرية، التي تقوم على رفض القيود الخارجية على الفرد فحسب، و يؤكد على مفهوم الحرية الايجابية، التي هي القدرة على تطوير وتحقيق الذات.

أمّا الفيلسوف الألماني نيتشه، الذي يعدّ مُلهم ما بعد الحداثة، فقد رفض المثالية الأفلاطونية والمسيحية والأديان، وأعلن “موتَ الإله”، يعتقد نيتشه بالتحرّر الجذري من كلّ القيود، الدينية، والأخلاقية، والإجتماعية، إنّه يؤمن بإرادة القوة، وبالإنسان الأعلى القادر على تجاوز القطيع من أجل إبداعِ قيمهِ و معاييره الخاصة. 

أمّا من وجهة نظر الفكر الديني المسيحي، والإسلامي، الذي ولدَ على أرضنا،  فتربط المسيحية بين مفهومَي الحقّ و الحرية، إذ تقول الآية على لسان المسيح “تعرفونَ الحقّ و الحقّ يحرّركم”، كما تربط الحقّ بشخص السيد المسيح الذي أتى إلى العالم ليحرّرنا ” أنا هو الطريقُ والحقُّ والحياة” ، تعتقد المسيحية أنّ حياة المؤمن هي طريقُ جلجلةٍ من أجلِ التحرّر، التحرّر هنا بمعنى التحرّر من الشيطان، الذي إن تمكّن وسيطرَ على حياتِنا سيُحيلها إلى جهنّم، الخطيئةُ في المسيحية هي إذن النيرُ المؤلمُ والعبوديةُ الحقيقيّة، هناكَ مقولةٌ جوهريّةٌ لبطرس الرسول “كأحرار، و ليس كالذين الحريةُ عندهم سترةٌ للشرّ، بل كعبيدٍ لله” هناك بالتالي فرق بين الحرية كقيمةٍ إنسانيةٍ عليا و بين ما يرتكب باسمِها من حروبٍ وصراعات.

يتشابه المفهوم الإسلامي مع المفهوم المسيحي من حيث ربطهِ لحرية المرء بتحرّره من كل ما هو دنيوي من أجل عبادةِ الله وحده، كذلك بربطه مفهوم الحقّ بالربّ الذي هو الفيصل بين الهدى و الضلال، تقول الآية ( وقُلِ الحقُّ من ربّكمْ فمن شاءَ فَليؤمِن ومَن شاءَ فليكفرْ)، طريقُ الحقّ إذن هو طريقٌ الايمان بالله ، المؤمن في الإسلام  مأمورٌ كذلك بإقامةِ القسط، الذي يعني نفي العدوان ورفضه، ونيل كلّ ذي حقًّ حقّه، العدلُ في الإسلام بالتالي قيمة مُطلقة و شرط من شروط الايمان القويم ( يا أيّها الذينَ آمنوا كُونوا قَوّامينَ بالقسطِ شهداءَ لله وَلَو على أنفُسِكمْ.. ).

إذا كان الفكر الديني هو ثقافة أجدادنا التي لن نتمكّن من القفز فوقها، فإنّ الثقافة في جوهرِها،هي بحثٌ وتجدّدٌ، يقوم على القدرة المستمرة على مواجهةِ ذاتنا، الفردية والجماعية، من أجلِ نقدِها وإعادة تشكيلها، وهذا لا يحصل إلا عبر الكثير من الألمِ والخسارة، المعضلة أنّ هناكَ من يفضّل أن يبقى رازحاً تحتَ ثقلِ الخسارة على أن يعيدَ النظرَ في ذاته، فتلكَ لحظةٌ تصيبهُ بمقتل، لذا يكتفي بتزيين الواقع المُهترئ بشعاراتٍ وانتصاراتٍ وهمية، أما وفي أقصى درجات التطرّف،  هناكَ من يفضّل أن يرتكب جريمة على خوضِ هذه المواجهة مع ذاته، فإمّا يقتل الآخر الذي لا يشبهه، أو ينتحر، فيفجّر نفسهُ ومن حولَه.

بالعودة إلى الواقع السوري، لقد غدا واضحاً أنّ التحرّر من نظام ظالمٍ هو خطوة لازمة، ولكنّها غير كافية ، فالحرية طريقٌ طويل ومرتبط في كل مرحلة بقدرتنا على توسيع رقعةِ وعينا وإعادة صياغة ذاتنا، و بالتالي فهمنا و مفاهيمنا، يرفض السوريونَ اليوم مع كلّ الخسارة والدم والألم التي تكبّدوها خلال أربعة عشرة عامٍ من الاقتتال، إعادة النظر في ذاتهم من أجلِ الوقوفِ على برّ أقرب إلى الحقيقة،  له أن ينقلهم إلى بناء دولةِ المواطنة و الحريّة التي ناضلوا من أجلها.

 وإذا كنا نحن أرضَ الديانات السماوية التي طالما ربطت بين مفهومَي الحقّ والحرية، ألا يجبُ علينا أن ندركَ أن كرةَ الحقد التي تتدحرجُ على أرضنا  مرتبطة بالقفزِ فوق عتبةِ العدالة الانتقالية؟ يحتاجُ الشعب السوري إلى تلكَ العدالة كي يشكّل سرديّة واقعيّة عن أربعةَ عشر عامٍاً من الاقتتال، يُحاسبُ من خلالها الجلادين وتتحمّل الأطرافُ المتصارعة مسؤوليّتَها عن المقتلة، الحقّ وحده ما سيحرّرالشعب السوري من الحقدِ والاحتقان، تلكَ أولى و أهمّ الخطا نحو الحرية.

أمّا تجييش المجموعات العرقية والطائفية على بعضها،  فهو حصانُ طروادة الجديد اليوم ، يعبرُ عبرَ الحسّ الوطني المُهترئ لدى بعض السوريين، مُشعلاً حرباً جديدةً قد يطولُ أمدها، لقد نسيَ البعض أنّ الوحدة كانت حلم أبناءِ المنطقة بكافة طوائفهم، ويعملون اليوم بيادق لدى مشروع التفتيت، طبعاً ليس بريئاً الخارج من الاستثمار في انقساماتِنا الداخلية من أجلِ خلق سوريا الضعيفة المُشتّتة التي عمل طويلاً من أجلها، كما ليس بريئاً مشروع بناء دولة على أساس طائفي،إقصائي، في حين تُبنى الدول على أساسِ المساواة في المواطَنة.

أخيراً فإنّ تمزيق الوطنية كإحساس، والمواطَنة كمفهوم، ليس مرتبطاً بالمعضلة السورية فحسب، إنّهُ سياسة عالمية، إذ تقوم النيوليبرالية الغربية وما بعد الحداثة على تَسييل المفاهيم بما يخدم اقتصاد السوق، المواطنة السائلة هي أحد سمات مجتمعات ما بعد الحداثة، حيث يجري تحطيم مفهوم الدولة القومية في سبيل انتماء عالمي، عَولمي، لا يعترف بالأرض والجذور واللغة والتاريخ والجغرافية، إنما بسوقٍ عالميةٍ، يتم فيها تَسيير القطيع البشري عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي بما يخدم مصالح الرعاة، ورؤيتهم لكرةٍ أرضيةٍ يجلسون على عرشها ويتصرّفون كآلهة.

النهضة والشعر:تطوّر وأثر الحامل المادي في النص الشعري

النهضة والشعر:تطوّر وأثر الحامل المادي في النص الشعري

تطوّر المنجز الإبداعي الشعري في الشكل وأداة التوصيل وأغراض الشعر، على ضوء متغيرات عصر النهضة، هذا ما عمل عليه الدكتور “إياس حسن” في كتابه ” النهضة والشعر ” الذي صدر عن دار “أرواد” للطباعة والنشر؛ عام 2025.

أتبع العنوان الرئيس بعنوان شارح هو “أثر النهضة العربية في الشعر العربي” وحدد مجال البحث الذي تضمنه الكتاب في الصفحة الداخلية للعنوان ببندين هما: نشوء المجموعة الشعرية وتطوّر بيئة الشعر التواصلية وظهور المنهج النقدي. 

خصّص الباحث الفصل الأول لنشوء المجموعة الشعرية وقدّم لذلك بالتعريف بالمجموعة الشعرية؛ وتناول المواضيع التالية: 

ظهور المجموعات الشعرية

يرى الباحث أنه كان للإرساليات الدينية القادمة من الغرب، وللنهضة التي شملت نواحي الحياة كلها أثر جليّ في ظهور المجموعة الشعرية. هذا الشكل الجديد المادي من حوامل الشعر، كذلك يعيد الباحث التطور الذي حدث على نظم الشعر وتجميعه إلى ظهور الجمعيات الثقافية كجمعية شمس البر التي أعلن عنها عام 1868 وجمعية زهرة الآداب التي أعلن عنها عام 1869 إضافة إلى تأثير انتشار الطباعة التي أدت إلى ظهور المكتبات كمكتبة بطرس الأمريكاني التي افتتحت عام 1876 والمكتبة الظاهرية التي افتتحت عام 1879. تأثير آخر كانت له أهمية كبرى هو الاستشراق الذي ساهم في نشر التراث العربي وإن كان بنظرة مغايرة للمعتاد التقليدي الذي تناوله كموروث ثابت جامد يقترب من الكامل لا يجوز تناوله بالنقد. 

أثر الكتاب المطبوع كحامل مادي جديد:

تغيّرت وسيلة التواصل الشعري بالخروج من الحالة الشفاهية التي كانت تقوم على المنشد الراوي، إلى وسيلة جديدة تمثلت بالكتاب كحامل مادي، وبذلك انتقلت الوصاية على النص من المنشد إلى الناسخ في حالة الكتابة، الوراقة، ثم الناشر في حالة الطباعة.  

تبدّلت هذه الوصاية بعد ذلك، فعملية تجميع القصائد، صار الشاعر يقوم بها، بينما كان سابقاً أصدقاؤه أو المهتمون يتكفلون بهذا العمل. هذا ما فعله أحمد شوقي في ديوانه “الشوقيات”.

 لكن سلطة الشاعر ظلت ناقصة؛ فمراجع الديوان أو الناشر ظلّ يغيّر في عناوين القصائد وترتيبها، كما فعل أحمد الخوفي في ديوان أحمد شوقي، توضّح ذلك بعد ظهور الديوان المطبوع، والذي اقتضى عنواناً للديوان ومكاناً خاصاً لهذا العنوان، كذلك ظهر الغلاف وصار عتبة للديوان بتطوّر شكله وإخراجه، بدل أن كان مجرد حافظ مادي في المخطوطات. 

تطوّر العنوان وعلاقته بالحامل المادي:

يتناول الباحث التطورات التي مرّ بها العنوان، في خضّم تطورات أخرى شملت المنتج والحامل الشعري، بيّن أن العنوان لم يكن مفرداً على الغلاف، بل كان يسبقه تعريف بجنس الكتاب والكاتب، مثل “كتاب كذا ” و “ديوان فلان”، ويورد مثلاً لذلك ديوان (ناصيف اليازجي) الأول الذي نشره عام 1852 وعلى غلافه نبذة عن الديوان. 

ظهر بعد ذلك العنوان الترويجي لكنه لم يكن مستقلاً مثل ” نفحة الريحان ” مالبثت مسألة التعريف بجنس الكتاب أن أخذت سمة عامة كما في ديوان (خليل الخوري) المعنون “زهر الربى في شعر الصبا” والذي نشر عام 1857 وقد سبق هذا العنوان كلمة “كتاب” لكن (الخوري) تخلى عن التعريف بجنس الكتاب في ديوانه التالي واقتصر على عنوان ترويجي هو ” العصر الجديد”. 

تابع الباحث تطوّر العنوان حتى صار جزءاً من العملية الإبداعية وذلك بفعل عوامل منها الطباعة وانتشــار الصــحف والمجلات، كجريدة (الوقائع) التي صدرت في القاهرة عام 1828، وجريدة (حديقة الأخبار) التي صدرت في بيروت عام 1858، وجرائد ومجلات أخرى.

يربط الباحث بين ظهور الصحافة وانتشارها وظهور عناوين جديدة للمجموعات والدواوين الشعرية؛ مركزاً على الدواوين التي صدرت في سورية ومصر وذلك كون المنطقتين تشكلان وحدة ثقافية بتجارب مشتركة متقاربة.

تطور النص الشعري في الشكل والأسلوب:

يعزي الباحث للصحافة تأثيراً هاماً على النص الشعري؛ هو تجديد أسلوب الكتابة بالابتعاد عن الإنشاء، فقد بدأت النصوص الشعرية تتخلّى عن السجع والبديع، وهذا ما أوجد الحاجة لعلامات الترقيم لتدّل أين تنتهي الجملة ولضرورتها في إيصال المعنى، جرى استعمالها في أواخر الثلاثينات من القرن التاسع عشر، مما دفع “أحمد زكي باشاستة” لوضع دليل بعنوان “الترقيم وعلاماته في اللغة العربية” وقد صدر عن المطبعة الأميرية في مصر.

تحوّل آخر للمجموعات الشعرية والقصائد؛ هو التحقيب الذي يدّل على زمن إنشاء القصائد، وزمن نشر الديوان، والتحقيب كما ذكر الباحث-أتى بصيغ مختلفة قد يكون بالترقيم الذي يدّل على تسلسل إصدار المجموعات، أو الإشارة إلى مرحلة من العمر مثل ” أشعار الصبا” أو “عبرات الشباب”. 

يذكر الباحث أنّ جماعة “الديوان” اعتمدوا صيغة أخرى للتحقيب وهي المواربة، وفيها يشار إلى زمن إنشاء القصيدة بالإيحاء أو الدلالة كاستخدام تسلسل زمني (الفجر، الصباح، الظهيرة.) مثل “أنداء الفجر” لـ “أحمد زكي أبو شادي “.

الفصل الثاني من الكتاب جاء بعنوان: التطوّر الموازي في بيئة الشعر التواصلية وظهور النقد المنهجي.

استعرض الباحث في هذا الفصل روافع الشعر الذين كانوا يروّجون له ويشرحونه على مدى تاريخه، ثم تطرّق إلى ظهور الرواة في العصر الأموي والعباسي، لنصل إلى عصر النهضة حيث ظهرت الدواوين والمجموعات، وعلى إثرها ظهر المقرظون الذين كانوا يقومون بالتراجم وتقريظ العمل بما يقوم مقام المقدمة فيما بعد.

أغراض جديدة للشعر ومقدمات بدل التقريظ: 

يقارب الباحث النص الشعري من ناحية الذائقة، فالذائقة التي كان يعبّر عنها بالتقريظ لم تستمر أمام التغيرات الكثيرة التي شملت العلاقات الاجتماعية في أواسط القرن التاسع عشر، إثر الإصلاحات العثمانية، والتي أدت إلى انتهاء حكم العائلات وبروز دور المؤسسات، فمع هذه التغيرات تغيرت وحل محل التقريظ التقويم الموضوعي الذي شكّل إرهاصاً للمقدمة.

المقاربة الأخرى أتت لموضوع الشعر وغرضه، فالتغيّر الأهم والذي كان من المفترض أن يعطى مساحة أكبر في البحث، هو تغيّر مواضيع الشعر وأغراضه، حيث بدأت القصائد تدور حول مواضيع غير مطروقة شعرياً، بدأ ذلك على يد “خليل الخوري” و”سامي البارودي”، هذه المواضيع رتبت ظهور المقدمات بمحتواها الجديد الذي علب عليه مناقشة ماهية الشعر ومفهومه. 

موصلات أخرى للشعر:

يعود الباحث إلى ما حسبناه أغفله سابقاً، حيث يتناول مجالات أخرى لتوصيل المنتج الشعري، مجالات تقليدية كانت معروفة تاريخياً منها “الأغورا” عند اليونان، و “الفوروم عند الرومان، والأسواق عند العرب، إلى أن يصل إلى حلقات المساجد التي كانت تعقد في المساجد والجوامع في البلاد الإسلامية، كحلقة الشيخ “طاهر الجزائري” في دمشق.

ونتيجة للإصلاحات التي أقرتها السلطات العثمانية عامي 1839 و1856 والتي منحت الأقليات بعض حقوقها؛ ظهرت الجمعيات العلمية، ثم المجالس التي أخذت لنفسها خطاً تنويرياً.

كذلك لعبت المقاهي دوراً هاماً في التوصيل الثقافي والشعري، ثم ظهرت مجالس البيوت التي اضطلعت بها الطبقة العليا، كمجلس الأميرة نازلي فاضل ومجلس محمود باشا البارودي، أعقب ذلك ظهور الصالونات الأدبية كصالون “مريانا مراش” في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في حلب، وصالون “ألكسندرا الخوري؛ أفرينوه” في أواخر القرن التاسع عشر في مصر. الصالون الأشهر كان صالون مي زيادة التي أعلنت عن مولد صالونها عام 1913.

ظهرت بعد ذلك الجمعيات والروابط الأدبية التي لعبت دوراً هاماً في النقاش والسجال حول الشعر كنتيجة لعملية التطّور والتحوّل الذي كانت تحدث، هذا السجال والنقاش شكّل أساساً للنقد المنهجي. 

الكتاب تضمن بحثاً هماً وجديداً ربط بين النهضة بمفاعليها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وبين تطور الحامل والموصل الشعري على صعيد العنوان والتبويب، المواضيع والأغراض الشعرية؛ لكنه لم يأخذ بالاعتبار تطوّر المنجز الإبداعي الشعري العربي من الناحية الفنية إلاّ لماماً، ربما لأن ذلك لم يكن موضوع وغاية البحث، التي حددها الباحث في الخاتمة بقوله “كانت غاية هذا البحث تقصّي العوامل التي ساهمت في ظهور المجموعة الشعرية بصفتها ظاهرة تاريخية.”

القتل في سوريا بين الترند والحقيقة 

القتل في سوريا بين الترند والحقيقة 

يمثل الترند “”The trend أًحياناً رأياً عاماً يطغى على كل الخطابات السائدة مما يدفع المعنيين في أي شريحة اجتماعية  لركوب الموجة والسيطرة على هذا الرأي وتوجيهه بما يتفق مع مصلحة هذه الجهة أو تلك، والترند كمفردة إنكليزية تترجم على أنها ميل أو اتجاه وقد صار استخدامها وإدراجها في اللغة والحديث العام من الأشياء البديهية نظرا لكثرة تداولها في جميع الأوساط والمواقع، والحقيقة إن الدخول في تفنيد هذه القصص وعزل الحقيقي منها وتنقيته من الشوائب الإعلامية هو كالخوض في عش دبابير حيث لن ترضى عنك أي جهة، وسترى ألف جهة تخوّن وتتهم وتزور أحيانا ولكننا نقول إن محاولة عرض كل الوقائع على الملأ، يمكن أن يساهم في تكوين رأي عام لصالح الضحايا، الضحايا أينما كانوا .

تحفل الذاكرة السورية بحمص من أيام نظام الطاغية ما عُرف وقتها بحادثة الطفلة “جنى” التي راحت ضحية جشع عصابات الكبتاغون والمافيات التابعة لها حيث انتشرت قصتها لتصبح رأياً عاماً وطلب الناس مباشرة من رأس النظام التدخل لإنقاذ حياتها الأمر الذي لم يحصل، وتمت المماطلة والتسويف إلى أن قضت الطفلة نحبها، وهنا كان لزامًا على الحكومة اختراع قصة تسكت الناس في الكشف عن ملابسات الحادثة وتقبض على الفاعلين وتحاسبهم. جاءت القصة المفضوحة باتهام إنسان بسيط يعيش حياة بائسة ومتخلفة وسط المزابل، وتم أخذ إفادته بالاعتراف بقتل الطفلة بعد اغتصابها، القصة التي جاءت منفصلة عن تفاصيل وأوصاف الطفلة: ماذا تلبس وألوان لباسها وما إلى ذلك. ويبدو أن القصة تسربت كذلك إلى وسائل الإعلام الشعبي والخارجي وخوفًا من تداعيات الأمر الذي قد يستدعي لجنة تحقيق خارجية أو تدخل جهة ما قيل إن المرتكب مات لمعاناته من مشكلة صحية طارئة وانتهى الأمر هنا وسكتت كل الجهات بفعل السطوة الأمنية المعروفة بشدتها وتدخلها بكل شيء وضاع حق الطفلة المجني عليها. 

رجع هــذا الحادث وملابساته الآن للذاكرة مع ملابسات حادثة مقتل السيدة الراقية” ديالا الوادي التي تحمل الجنسية البريطانية، ابنة صلحي الوادي الفنان العريق والتي يشهد الجميع بثقافتها ورقيها ليتم القبض على الفاعل خلال أربع وعشرين ساعة وهنا تأتي التفاصيل التي يكمن الشيطان فيها، فقد عرف الفاعل بشهادة أحد الجيران الذي طارده مسافة لابأس بها ووثقت الكاميرات صورة الفاعل، وكان من الواضح شعر الرأس الأسود لتأتي صورة الفاعل واعترافاته بهيئة مغايرة للصورة الأولى التي انتشرت وبدا حليق الرأس ويرتدي ثياب السجن. واعترف أن القتل تم بهدف السرقة بعد الاتفاق مع الخادمة، وهذه السرعة تلفت الانتباه وتثير المخاوف في بلد يشكل لجنة طويلة الأمد لمرتكبي جرائم موثقة بالصوت والصورة، قد يكون الهدف منها تسكيت وتطمين الرأي العام عن الشوشرة واللغط الذي يدور عبر ألسنة البعض كونها شخصية معروفة جدًا والتسريبات بأن منزل المغدورة كان مرصوداً لأنه في منطقة المالكي أغلى بيوت الشام وأفخمها وقد تعرضت لزيارات متعددة من قبل جهات مسؤولة من أجل بيتها وملكيتها. ويحكى أنها رجعت من الخارج خوفًا من استملاك بيتها كما يحصل مع الكثير من البيوت الفارغة التي يجري السيطرة عليها بحجة امتلاكها بطريقة غير مشروعة من قبل النظام البائد أو أنها عائدة لأحد رجالاته الهاربين، طبعًا في كل حادثة لا يمكن الجزم بصحة رأي أو عدمه أو التيقن من حقيقة ما الحكاية بخواتيمها وهل الحقيقة هي ما قيل أم سيكشف الستار عن حكاية أخرى وهل سيصار المنزل إلى الورثة أو سيؤول إلى جهة ما.

وتأتي قصة اختفاء سيدة من الساحل لتتصدر الترند فترة من الزمن ليكون اختفاؤها الترند المستمر بعد إنكار شامل مغطى من قبل جهات حكومية وإعلامية لحوادث الخطف التي أقضت مضجع السوريين جميعاً ورغم كل ذلك، في كل يوم تصدر صرخة من إحدى الجهات بغياب فتاة أو امرأة وفقدان الاتصال معها في بقعة ما، ويبقى الإنكار سيد الموقف للجهات العامة رغم توثيقها من قبل جهات خارجية “كلجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا التابعة للأمم المتحدة” التي قامت بتوثيق بعض الحالات وتعمل على المزيد منها. وقد نشرت وكالة “رويترز” تقريراً يفيد بوقوع حالات اختطاف لفتيات ونساء في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، حيث يطالب الخاطفون بفدى مالية ويهددون بتصفية المخطوفات إن لم تستجب عوائلهن لمطالبهم.

السيدة فُقد أثرها قرابة أكثر من شهر رغم أنها متزوجة ولديها ثلاثة أولاد وقد توصل أهلها عبر وساطات عدة لمكانها وجاءوا بها، ولكن المفارقة أنها لم تتعرف على أهلها وزوجها وأخيها الذين طلبوا أن تعرض على لجنة طبية توضح وضعها النفسي والصحي، ولكن نمي عنها أنها رجعت لزوجها الآخر في الأتارب بإرادتها والذي يقيم معها علاقة شرعية وهـذا طبعًا يلفت النظر إلى التساهل في قضية زوجة تترك زوجها ليُعترف بعلاقتها بآخر دون طلاقها من الأول مما يشير أن وراء الأكمة ما وراءها 

لكن الترند الجديد في ظهورها في فيديو مصور فجر القصة من جديد وحكاية جديدة لما حصل بأنها هربت من عنف زوجي وعائلي وهي سعيدة جدًا بحياتها الجديدة ولن ترجع عنها، وبالنسبة لأولادها تخيرهم في أن يلحقوا بها أم لا ولا تشير لارتباطها بآخر من بعيد أو قريب. الحقيقة أن القصة غير مقنعة رغم إقرار صاحبة الشأن بذلك والثقة المبالغ بها بصوابية ما فعلت لسبب بسيط وهو تناقضها مع الإحساس الأمومي الطبيعي ودعم الجهات الوصائية لفعلتها وخاصة أنها جهات لا تسمح بوجود رجل وامرأة على مقعد في باص، وتضع مصاعد خاصة للرجال والنساء في معظم دوائر الدولة وتمنع تنزه شاب وشابة في حديقة مما يثير الريبة أنها تتسامح وببساطة مع بقصة من هذا النوع وتدافع عنها وكأنها قصة ميرا تعاد من جديد حيث يتجند إعلاميون وجهات مانحة لاحتضان حالتها وكأني بهم يمررون فكرة هروب الفتيات من منازلهم فداء للحب طبعاً. لا يمكن التنبؤ بما قد يحصل لها فيما بعد لإسكات صوت قد يقول الحقيقة يوماً ما.

كل ذلك من أجل إنكار وجود خطف بالبلد رغم الصيحات المتتالية التي تعود في كل حين حول فقدان أثر امرأة ما والأمر هنا لا يتعلق بالنساء وحسب، ولكن أيضاً هناك شباب يُختطفون ولكن سرعان ما تظهر جثثهم في مكان ما دون أن يعرف أحد ملابسات الأمر. 

وطبعا لا تتدخل أي جهة حكومية لغاية اللحظة لتفسير وتبرير ما يحصل باعتبارها الجهة المسؤولة عن الأمن والأمان بغض النظر عن فاعلية هذا الأمر.

وتتحول القضية إلى قضية رأي عام يصمت فيه من حاول أن ينفي حوادث الاختطاف ويعلو صوت من هو متضرر من تلك الحوادث المريبة التي تصنف تحت يافطة السبي والاتجار بالبشر المحرمة دولياً وقانونياً بالوقت الذي كانت الضحية  الأخيرة موجودة ولتوصم جميع المختفيات بوصم الانفتاح والتهتك الأخلاقي وعن مسؤوليتهن الشخصية فقط في الخروج عن العائلة والأعراف لا بصفتها قضية عامة تنشأ بفترة النزاعات والحروب كوسيلة ضغط عل الجهة المهزومة أو كفكرة عقائدية جهادية تعيد إلى الأذهان ما فعلته داعش بالايزيديات التي مرت ذكرى استعبادهن من فترة وجيزة ولكن هنا في هذه الحالة التي بين أيدينا قد يخشى من الضغط الدولي من المجاهرة بالهدف منها.

حيال كل هذا لا غنى عن تفعيل دور القضاء المستقل والأهم اعتماد قوانين وضعية معترف بها دولياً وعدم الركون إلى رؤية فقهاء أو مشايخ لم يحدد إمكانيتهم الفكرية والمعرفية والاعتماد على القوانين المتعارف عليها ريثما يتم الإجماع على قوانين بديلة وتبقى الشفافية والوضوح الوضع الأمثل لمن يريد ويبغي الحقيقة كل الحقيقة.

 ما الهدف من خطف النساء في سوريا؟

 ما الهدف من خطف النساء في سوريا؟

ارتبط الشرف في مجتمعاتنا العربية بالأنثى وصار معيار شرف الرجل هو التزام الأنثى التي تصله بها رابطة الدم بما يفرضه المجتمع وعاداته وتقاليده عليها وما زالت جرائم الشرف تنتشر في مجتمعنا وتعتبر رمزاً لغسل العار،  سواء أكانت المرأة هي السبب أو حتى كانت ضحية. وتعرف جرائم الشرف حسب  هيومن راتس بأنها :” أعمال العنف التي يرتكبها أفراد الأسرة من الذكور ضد أفراد الأسرة من الإناث باعتبارهن قد جلبن العار إلى الأسرة”. ويدخل تحت هذا البند، الخروج عن إرادة الأهل في اختيار الزوج، أو عند الشك بقيامها بسلوك أو تصرف مخزي  أو تعرضها لاعتداء جنسي. وبينما انهارت مجموعة القيم الأخلاقية بالتزامن مع التدهور السياسي الحاصل،  بقي المجتمع حرفياً في مواقفه من مفهوم الشرف وكأنه يلجأ بذلك للتعويض عن  الانهيار الأخلاقي العام وارتكاب المزيد من جرائم الشرف التي يخففها القانون وغالباً ما تتم قبل التأكد من سلوك المرأة المشين بينما ينجو الرجل الشريك أو المعتدي غالباً . فكثير من النساء تم إثبات عفتهن والتي تتلخص بالمحافظة على غشاء البكارة بعد أن قتلن. كما في حادثة قتل الفتاة ليليان أبو سرحان على يد والدها في مدينة السويداء في كانون الثاني الماضي والتي أثبتت التقارير الطبية عذريتها بعد قتلها. 

وتعتبر الإهانة الكبرى لأي رجل أن يتم شتمه بنساء عائلته أو التعرض لهن بألفاظ مسيئة أو السب بالأعضاء الجنسية النسوية وقد يجر ذلك إلى جريمة حقيقية. 

ولهذا عمدت الأنظمة الديكتاتورية إلى إلصاق التهم الأخلاقية بالسجينات والناشطات السياسيات ليتم نبذهن مع أفكارهن من قبل المجتمع وإنكارهن من قبل الأهل وأقرب المقربين. يقول غياث الجندي الناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان والمستشار لدى جمعيات حقوقية دولية عن إلحاق تهمة الدعارة بالناشطات: “تلجأ إليها الأنظمة الحاكمة في دول عربية عديدة من أجل تشويه سمعة ناشطات ومعارضات، وأحيانا قتلهن، مع تحميل المسؤولية للأب أو الأخ أو الزوج، على أساس أن الجريمة كانت غسلا للعار”.

هل المقصود بخطف النساء إلحاق العار بجماعة أو طائفة معينة؟ 

قضية خطف النساء في سوريا لم يعد بالإمكان إنكارها ولا التستر عليها ورغم أنها قد تكون بدأت رغبة بالثأر، لكنها الآن تخطت ذلك، لتظهر كفعل إجرامي ممنهج ينال النساء ويندرج تحت استباحة الأعراض بعد أن تمت استباحة الحياة. بات القتل سهلاً ومبرراً كردة فعل كما حدث في جرائم الساحل والسويداء وحوادث قتل متفرقة في المدن الأخرى أو الاعتداء على أشخاص وانتهاك كراماتهم والأشياء الرمزية التي تخصهم، وترافق مع ظهور طريقة تفكير بدائية تم النكوص إليها تدعم سلوكيات من عصور سالفة وتدعو إلى الاستقواء ضد الآخر وخاصة نسائه.

يقودنا هذا كله إلى تساؤل: ألا يتعدى ما يجري من أعمال الخطف حالة الانتقام الفردي  إلى الاذلال الجماعي للنيل من مجموعة أو طائفة خاصة بعد تصوير كل امرأة تختطف على انها قد ذهبت بإرادتها أي  أنها خارجة عن المعيار الأخلاقي العام  مع ما تتعرض له من اعتداءات؟

  تدعم ذلك الأصوات التي تعج بها صفحات التواصل الاجتماعي والتي تنكر الخطف وترمي التهم على النساء وتبرير اختفائهن بعلاقات غير شرعية ويأتي ضمنها تصريح أنس عيروط عضو لجنة السلم الأهلي وهو يقسم قائلاً:” والله لا توجد أي حادثة خطف للنساء في الساحل والحادثة التي سمعنا بها كانت مزورة ومفتراة”. يبدو هذا الانكار اللامسؤول مكشوف إعلامياً واجتماعياً وهو فصام صارخ بين المسؤولية الاجتماعية والإنكار غير المثبت لما يحدث ولحقوق الضحايا من النساء المغيبات قسراً والصامتات خوفاً.

ومن هنا تبدو خطورة عمليات الخطف هذه التي تحدث دون توقف بما تحمله من إحداث شرخ جديد في النسيج السوري وهو الإذلال الموجه والإهانة بتدنيس الشرف.

 وقد يسبب هذا فقدان الثقة ورفع جدار بين الأقليات  والدولة القائمة الملزمة بحماية كل المواطنين على اختلاف انتماءاتهم  فالعائدات من الخطف كن يصرحن أن السيارة التي حملتهن لم يتم توقيفها على أي حاجز للأمن العام .وفي تقرير منظمة اللوبي النسوي السوري أن أهل إحدى الفتيات قمن بتسليم الأمن رقم هاتف المختطف الذي يتواصل مع الأهل لكن لم يسفر ذلك عن تلقي أي معلومات بشأن الفتاة . 

يتم الخطف عبر القوة أو استخدام التخدير برش مادة في وجه المرأة المقصودة حسب ما صرحت به إحدى النساء.  ويتوافق هذا مع تقرير منظمة العفو الدولية الذي يقول إن حالات الخطف تتم في وضح النهار ويقابلها التقاعس من قبل أجهزة الدولة وإلقاء اللوم على الضحايا وعائلاتهم والاتهام بالاهمال وسوء التعامل مما يدل على تجاهل منهجي للأدلة القاطعة. 

ويشير تقرير اللوبي النسوي السوري إلى مؤشرات موثوقة على أن بعض المختطفات قد تعرضن للزواج بالإكراه أو الاستغلال أو الاحتجاز في ظل ظروف تهدد السلامة والكرامة ” كما تؤكد الشهادات والأدلة الموثقة فهناك حالة تزويج لفتيات قاصرات تم اختطافهن وهناك إشارات استفهام كثيرة حول بعض القضايا (كقضية مي سلوم) مثلاً أو الفتيات اللواتي يعلن زواجهن بعد الخطف مع طلب الطلاق من أزواجهن.

 لا يمكن تفسير هذا إلا في سياق الاتجار بالنساء ومهمة السلطة القائمة إيقاف ذلك. فما يحدث يجب أن يسبب إحراجاً حقيقياً لها دولياً ومحلياً وتحدياً داخليا حقيقياً.

ومع استمرار حالات الخطف في الساحل تم مؤخراً تسجيل حالات اختطاف جماعية لنساء من السويداء وأكد ناشطون أن العدد يتجاوز ال80 ويبدو لقاء مراسل محطة تلفزيونية مع شباب مسلحين يقومون بنقل نساء درزيات في سيارتهم بدعوى الحماية فاضحاً ومريباً فالشخص الذي يقتادهن قام بتوثيق مشاركته بإعدام ميداني لمجموعة من الشباب الدروز العزل وهو ما تؤكده الناشطة سوسن أبو رسلان قائلة أن العديد من المختطفات ظهرن أمام الإعلام برفقة عناصر مسلحة ولا يعرف حتى الآن مصيرهن.

عصابات تستغل التفكك الاجتماعي 

 لا يمكن أن نتغافل عن حوادث في دمشق وحلب ففي نيسان الماضي تم خطف امرأتين في ريف حلب من قبل جماعة تعمل بتجارة المخدرات وللأسف فقد تم قتل الفتاتين من قبل أهلهما بعد الإفراج عنهما بدافع غسل العار. 

كما تم دفع الفدية في حالات خطف أخرى ولم تتم إعادة النساء مما يؤكد دخول عصابات أيضاً تعمل على استغلال الوضع لأهداف متنوعة لا أحد يعرف حدودها تبدأ من طلب الفدية إلى الاتجار بالنساء أو الأعضاء أو المخدرات.

هكذا تدفع النساء الأثمان من حياتهن ومن وجودهن الإنساني، و الموقف تجاه قضية المختطفات إنسانياً على المحك ويجب عدم الاستهانة بخطره على النسيج السوري، سواء أكان  حالات انتقامية أم أعمال عصابات تمتهن الأفعال الخارجة عن القانون، فالدفاع عن كل إنسان هو واجب السلطة والدفاع عن كل امرأة هو واجب كل شخص بغض النظر عن انتمائها الطائفي أو السياسي ولنتوقف عن الإنكار والاهتمام الحقيقي بكل قصة لأنها تمس قيمنا الإنسانية.

واقع العدالة الانتقالية بعد مجازر السويداء

واقع العدالة الانتقالية بعد مجازر السويداء

من جنوب أفريقيا إلى البوسنة ورواندا تبيّن التجارب أنّ العدالة الانتقالية منظومةٌ متكاملة تجمع بين كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر، وتقتضي تفكيك شبكات المسؤولية بين من خطّط، ومن نفّذ، ومن تواطأ بالصمت. في سوريا، حيث تتشابك البنى الأهلية والدينية، لا تكفي أدوات القانون المجردة؛ إذ يلزم مواءمتها مع الموروث الثقافي، ولا سيّما مفهوم الإحسان في الفقه الإسلامي الذي يشترط الاعتراف والتوبة ويُمهّد لعقدٍ اجتماعي جديد يعيد تعريف الشرعية.

بغياب ذاكرة جمعيّة متفق عليها لتوصيف الجريمة والضحية والجاني، تتلاشى الحماية القانونية لعبارة «أنا سوري» أمام اصطفافاتٍ طائفية وعشائرية. هكذا يتحوّل القانون من أداة توحيد إلى ساحة نزاع رمزي، ويُهدَّد بناء سردية وطنية للعدالة قبل أن يبدأ.

كانت مجازر تموز/يوليو 2025 في السويداء لحظةً مفصليةً كشفت انهيار العقد الاجتماعي وانسحاب الدولة من دورها كضامنٍ للحقِّ والقانون. وفقَ توثيق «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» قُتل خلال أربعة أيام أكثرُ من 310 مدنيٍّ، بينهم 68 امرأة وطفلاً، وأُحرِق ما يزيد على 120 منزلاً.

هذا الانتهاك الجماعي يخرق صراحةً المادة 19 من الإعلان الدستوري لعام 2025، التي تؤكد أنّ «المساكن مصونة، ولا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا في الأحوال المبينة في القانون». فإذا كان الدستور يحصّن البيت بصفته آخر حصنٍ لكرامة المواطن، فإنّ إحراقه يعبّر عن نزعٍ رمزيٍّ لتلك الكرامة، ويحوّل الحماية الدستورية إلى حبرٍ على ورق. كما أنّ حرق المنازل ليس الهدف منه تهجير السكان مادياً، إنما تدمير ذاكرة المكان ويطوي إمكانية العودة، ما يجعله جريمة مركّبة: هدم مسكن، واقتلاع هوية، وتفريغ جغرافيا من ذاكرتها..

ازداد وقعُ الصدمة حين حاول بعضُ الشبان إلقاء أنفسهم من أسطح الأبنية؛ وقد أفادت شهادات محلية بأنّ عناصر من الجيش أو الأمن العام ضغطوا على هؤلاء الشبان وطلبوا منهم القفز بهدف بثّ الرعب وترهيب بقية السكان. هنا يتحوّل الانتحار من فعل احتجاجي فردي إلى إكراهٍ منظَّم، ما يرفع مستوى الانتهاك من إهمالٍ سلبي إلى تعذيبٍ معنوي مُمنهج.

يتقاطع هذا المشهد مع المادة 18 من الإعلان الدستوري لعام 2025، التي تنصّ على أنّ «الدولة تصون كرامة الإنسان وحرمة الجسد وتمنع الاختفاء القسري والتعذيب المادي والمعنوي، ولا تسقط جرائم التعذيب بالتقادم». فإذا كانت السلطات الأمنية هي مَن دفعت المواطنين دفعاً إلى تهديد أجسادهم، فإنّها لا تخرق واجب الحماية فحسب، بل ترتكب تعذيباً معنوياً يُدينه الدستور ويُجرِّمه القانون الدولي. وبذلك تُهدر كرامة المواطن مرتين: مرةً برصاص العنف، وأخرى عندما يُحوَّل جسده إلى رسالةٍ مرعبة يكتبها الأمن على جدران الخوف.

اجتماعياً، أحدثت المجازر شرخاً عموديّاً داخل النسيج الدرزي–السوري، إذ تزايدت نزعات الاعتماد على «الفزعة» العشائرية كآليةٍ للدفاع الذاتي، مقابل تراجع الثقة بأي بنيةٍ وطنية قادرة على الحماية. وقد وثَّقت منظمات محلّية موجةً من المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية بين قرى مختلطة درزياً–سنّياً كانت حتى وقت قريب تتقاسم الأسواق والمدارس. كما أُعيد تشكيل الذاكرة المحلية عبر طقوس جنائز جماعية تكثِّف إحساساً بالمظلومية الجماعية وبالحاجة إلى «ثأرٍ مؤجَّل» ما لم تُحسم المساءلة.

قانونياً، تُمثّل عمليات القتل الواسع والاستهداف على أساس الهوية صفاتٍ واضحة لـ جريمة ضد الإنسانية بموجب المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إلا أنّ خطاب الدولة الرسمي لم يذهب باتجاه فتح تحقيقٍ قضائيّ مستقلّ، على العكس اختار شكر «هَبّة العشائر» بوصفها أداةَ ضبطٍ اجتماعي، ما يكرّس مبدأ الإفلات من العقاب ويُضعف أي مسعى لاحق لعدالةٍ انتقالية. 

إنّ التناقض بين الواجب القانوني الدولي والدستور الوطني من جهة، وخطاب السلطة العشائري من جهةٍ أخرى، يخلق معضلةً مزدوجة: الأولى تتعلّق بفقدان الثقة المحلية بإمكان تحقّق المساءلة، والثانية بتعقيد أي إجراءات جنائية مستقبلية قد تتولاها محاكم وطنية أو ولاياتُ القضاء العالمي خارج سوريا. لذلك، فإنّ المجازر حجر اختبارٍ لقدرة العدالة الانتقالية على الجمع بين إنصاف الضحايا وترميم العقد الاجتماعي دون الوقوع في فخّ الانتقام أو شرعنة العنف القبلي.

في أنظمة ما قبل الدولة، كان الصلح العشائري آليّةً لوقف القتال عبر الثأر أو «الفدية»، متجاهلاً الحقيقة والإنصاف. أمّا العدالة التصالحية الحديثة فتقوم على اعتراف المعتدي، وردّ الاعتبار للضحية، وصوغ سردية مشتركة تمهّد لعقدٍ اجتماعي جديد.

يُذكِّرنا «الإعلان الدستوري» الصادر عام 2025، ولا سيّما مادته التاسعة، بأنّ الجيش «مؤسسة وطنية محترفة مهمّته حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامتها ووحدة أراضيها»، وأنّ السلاح يُحصر بيد الدولة ويحظر على أي جهة إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية. على الورق، ينسف هذا النص شرعيّة «الفزعات» العشائرية ويُحمِّل الدولة كامل مسؤولية احتكار العنف. لكنّ المفارقة أنّ السلطة نفسها باركت تشكيلات مسلّحة خارج إطار الجيش ثمّ استدعتها لتحلَّ محلّه. الفجوة بين النص والتطبيق تحوّل المادة 9 من ضمانٍ لوحدة البلاد إلى شاهدٍ على ازدواجية الحكم: جيشٌ صامتٌ في الثكنات وميليشياتٌ مشرعَنة في الحقول. في مثل هذا السياق، تتعثّر العدالة الانتقالية لأنّ الدولة تتجاهل دستورها وتوكّل احتكار العنف إلى منطق العشيرة.

غير أنّ سؤالاً حاسماً يظل مطروحاً هنا: هل ستُحسَم الخلافات بين العشائر وجيرانهم الدروز وفق قانونٍ وطني يرعى العدالة التصالحية، أم سيُترك الأمر لمبادئ الصلح العشائري التي اكتسبت – بحماية الدولة أو مباركتها – شرعيةً موازية؟ فعندما تمنح السلطة مساحةً للأعراف الأهلية وتُضفي عليها غطاءً رسمياً، يبرز إلى جوار قانون الدولة نظامٌ عرفيٌّ متكتّل يهدّد بتهميش المرجعية القانونية الجامعة.

هذا التداخلُ بين الصلح العشائري وغياب المساءلة الرسمية من وجة نظري  يُعيد صياغة العقد الاجتماعي على صورةٍ معطوبة تنتقص من هيبة القانون : دولةٌ تنسحب إلى الظلّ، وعصبياتٌ تتسيّد المشهد، ومواطنٌ يهبط من موقع الشراكة إلى مقام الاستنجاد. عندئذٍ تسري في الوعي الجماعي فكرةٌ خطيرة: الشرعية يُمليها من يحمل السلاح، لا من يحتكم إلى النص، والعدالة امتيازٌ تفاوضي لا حقٌ دستوري. إذا استمرّ هذا المنحى، فنحن أمام تعاقدٍ اجتماعي يُعاد تدويره على أسس الطاعة والنجاة الفردية، لا المواطنة المتساوية.

في المؤتمر الصحفي الذي خُصِّص لاستعراض نتائج لجنة تقصّي الحقائق في مجازر الساحل، لم يكن نقص المعلومات هو المعضلة، إنما انعدام الإرادة السياسية لبناء سردية تعترف بالجريمة. كان لافتاً أن يُعلَن: «أجّلنا المؤتمر بسبب أحداث السويداء»، عبارة تُلخّص المأزق الأخلاقي للمسار بأسره؛ فالسويداء قُدِّمت كعائقٍ إداريٍّ أخّر موعد المؤتمر، لا كحلقةٍ متصلة بانفجار العنف ذاته.

اعتقد أن التنوّعات الجغرافية والطائفية في سوريا مقاربةً متعددة الطبقات للعدالة الانتقالية، من دون التفريط في المعايير الأساسية. الخطر الأكبر أن تتحول القضايا إلى ملفاتٍ منفصلة تُغلقها الدولة متى شاءت، فتنتقل من عدالةٍ تفاضلية إلى عدالةٍ مجزّأة تُدار لإخماد الأزمات لا لبناء دولة القانون. تجارب البوسنة ورواندا تبيّن أنّ الاعتراف بالتنوّع يدعم وحدة العدالة حين تكون الدولة طرفاً ضامناً لا مُقسِّماً من فوق.

لن يُقاس نجاح العدالة الانتقالية في سوريا بعدد الأحكام ولا بضجيج المحاكم، إنما بقدرتها على رأب الصدع الاجتماعي الذي ما هو إلا تركة أسدية.

لذا لا بدّ من صيغةٍ قانونية–اجتماعية تُزاوج بين آليات العدالة الرسمية وطاقات المجتمع الحيّ: هيئةٌ مستقلةٌ لكشف الحقيقة ومساءلة المذنبين، ومساحاتٌ محلية للحوار وإعادة الاعتبار، يصدّقها قضاءٌ وطني يتبنى مبدأ المسؤولية المتمايزة ويضمن تعويض الضحايا. عندها يتراجع “قانون العشيرة” إلى رافدٍ ثقافي، ويستعيد “قانون الدولة” شرعيته من رضى الناس لا من خوفهم. وإن لم يلتقِ القانون بالمجتمع في منتصف الطريق، فستتكرر الدوائر الدموية، وسيظلّ كل قتيلٍ شهادةً على عجزنا عن تحويل الألم إلى عقدٍ اجتماعي جديد.

أثبتت التجارب الحيّة أنّ الدساتير لا تصنع العدالة وحدها؛ العدالة تُصنع حين يلتقي النصُّ بالفعل. لكن في سوريا، بدا الإعلان الدستوري لعام 2025 أقربَ إلى قائمة وعودٍ كُتِبت بالحبر نفسه الذي صودر به صوت الشارع.

هكذا انقلب الإعلان إلى مرآة مقلوبة: كل ضمانٍ فيه صار انتهاكاً على الأرض، وكل حقٍّ معلَنٍ تحوّل إلى استثناء عملي. والنتيجة عقدٌ اجتماعيٌّ مهشَّم قبل أن يكتب، يتقاذفه عرفُ العشيرة حيناً وصمتُ الدولة حيناً آخر.

لحظةُ السويداء جسَّدت المفارقة بأوضح صورها: مدينة صغيرة حاولت أن تُطلق صيغة وطنية جديدة تُنهي عهد الاصطفافات، فإذا بالدولة تُعيد تشغيل ماكينة القمع ذاتها، وتُلبِسها ثوب «الفزعات» العشائرية. المشكلة ليست في غياب النصّ، إنما في خطر إرادةٍ سياسية أعادت تدوير عقد الخضوع القديم بنصٍّ جديد.

وإذا كان السوريون قد خرجوا عام 2011 بحثاً عن عقد اجتماعي يُكتب بالكرامة، فإنّهم اليوم أمام مفترق أخير: إمّا أن يُجبِروا دولتهم على مطابقة الواقع مع الدستور- فيُلغي القانون الاستثنائي، ويُحاكم من سلَّح ومن حرَّض ومن صمت – أو يظلّ الإعلان الدستوري سجلاً إضافياً للتناقض بين الوعد والوفاء، وتظلّ سوريا وطناً يتخذ شكل سؤالٍ مؤجَّل.

بكلماتٍ أُخرى: إن لم تتحوّل مواد الإعلان إلى أفعال، فسيبقى اسم «سوريا» مجرّد لافتةٍ على خرائط الخوف، وسيبقى دمُ السويداء والساحل وحمص ودرعا جزءاً من حبرٍ أسود يكتب عقد الطاعة من جديد. أمّا إن تحوّل النصُّ إلى التزام، فستبدأ صفحةٌ يمكن فيها لعبارة «أنا سوري» أن تعود درعاً لا تهمة، ووعداً لا وعيد.