ثمّة بداياتٌ مفاجئة لتحوّلات التوازن في شرق المتوسط. قد تبدأ من خريطةٍ صغيرة تُتداوَل همساً كأنها “معلومة”، وقد تنتهي بسفينةِ مسحٍ زلزالي تُعامَل كأنها “قرارٌ”. البحر، من بعيد، يبدو مساحةً بلا ذاكرة؛ ماء يبتلع أثره ولا يترك شاهداً. لكن هذا الحوض بالذات لا ينسى. هنا، كل خطٍّ يُرسَم على ورقٍ يتحوّل سريعاً إلى نزاعٍ على الموانئ، وعلى شركات التأمين، وعلى شرعية الحركة في الماء؛ نزاعٌ تُديره العواصم ببرود، وتدفع ثمنه الدول الأضعف بالتقسيط.
ومنذ تبدّل ميزان الحكم في دمشق أواخر عام 2024، تصرّفت أنقرة كأن نافذةً أُزيحت أخيراً؛ سورية التي كانت مغلقة بالحديد والفيتو أصبحت “قابلة للترتيب” من جديد. ضمن سلة الملفات، يبرز البحر كفرصةٍ مزدوجة الحدّ؛ فرصة لأن الغاز والممرات والأسواق تُغري، ولأن تثبيت الخطوط يعني تثبيت النفوذ. وخطرٌ لأن أي خطوةٍ غير محسوبة قد تُدخل دمشق في اشتباكٍ كبير مع أوروبا، وتمنح تركيا – بحكم الخبرة والقدرة – أوراقاً تتجاوز اللحظة، وتضغط على هامش سورية في السنوات القادمة؛ ليس فقط في المتوسط، بل في طريقة عودتها إلى العالم أصلاً.
وبحسب المتاح من مؤشراتٍ وتصريحاتٍ متفرقة، ثمة حديثٌ عن مسارٍ تركي–سوري يتصل بتحديد مناطق النفوذ في البحر. لا شيء مُعلناً بوصفه اتفاقاً نهائياً، ولا وثائق منشورة، ولا إحداثيات مُودَعة. لكن مجرد تداول الفكرة يهمّنا، لأن ظهورها سياسي في جذوره؛ هل تريد سورية الجديدة أن تبدأ علاقتها بالبحر من بوابة مقايضةٍ سريعة، أم من بوابة تثبيت سيادةٍ هادئة لا تُستدرَج إلى صراعات الآخرين؟ كما أن تركيا، في المقابل، لا تنظر إلى المتوسط بوصفه حيّزاً جغرافياً محايداً. لديها عقيدةٌ بحرية وخطابٌ مُعلن عن “المجال الحيوي” وأولوية حماية مصالحها، وبخاصة ما تعتبره “حقوق القبارصة الأتراك” المرتبط بالمنطقة الشمالية من قبرص والتي تقع تحت وصاية تركيا. ومع كل حديثٍ عن تفاهمٍ مع دمشق، يظهر ظلّ قبرص فوراً، حتى لو لم يُذكر بالاسم.
قبرص: الجار الذي يفرض نفسه الجغرافيا هنا أوضح من النوايا. الساحل السوري قصير نسبيّاً، وأي انحرافٍ بسيط في زاوية الخطّ يغيّر المساحات والحقوق ويُضعف قابلية الدفاع القانوني. لكن المسألة ليست حسابات أميال فقط. وقرب قبرص يجعلها طرفاً فعليّاً في أي معادلة، حتى لو أُخرجت من الخطاب. وتجاهلها يُعدّ مخاطرةً سياسيةً مبكرةً.
الصورة يجب أن تُقرأ كما هي؛ إذا صيغت خطوط تركية–سورية تُقلّص أثر قبرص أو تلتفّ على وزنها، فلن تُعامل كترتيبٍ ثنائيٍّ بريء. ستُقرأ كخطوةٍ تستفز نيقوسيا وأثينا، وتدفع الاتحاد الأوروبي إلى الردّ، لأن الملف عنده سيادةٌ وحدودٌ وطاقةٌ، لا ورق خرائط فقط. والأسوأ أن تُمرَّر الصيغة -مباشرةً أو مواربةً- بما يُدخل “شمال قبرص” المحتل، في المنطق الترسيمي، نصّاً أو عبر نقاطٍ مرجعية. هنا تتحول المسألة إلى أزمةٍ دبلوماسيةٍ شبه مؤكدة، وتصبح سورية هي من يدفع الكلفة؛ على صعيد الانفتاح الأوروبي، وعلى صعيد الاستثمار والتمويل والتأمين، وعلى صعيد الشرعية السياسية التي تحتاجها في مرحلة انتقالية حساسة.
ولا ينتهي الأثر عند قبرص. جنوباً، يطل لبنان عبر حساسية “نقاط الالتقاء” البحرية. أي خطٍّ ثنائي قد يربك لاحقاً تفاوض دمشق مع بيروت، أو يرفع ثمن أي تسويةٍ لاحقة. وفي الخلفية، تبقى إسرائيل وملفات الطاقة عامل ضغطٍ دائماً في شرق المتوسط. هذه ليست ساحاتٍ منفصلةً لكل دولة. إنها مساحة تداخل. ومن يتصرف كأنه وحده في البحر سيكتشف سريعاً أن الآخرين سيحوّلون خطوته إلى كلفةٍ مضاعفة؛ قانونيّاً، ودبلوماسيّاً، وماليّاً، وأمنيّاً.
من يمسك القرار… ومن يدفع الثمن؟ في هذا النوع من الملفات لا يكفي أن نعرف “من يتفاوض”. المهم أن نعرف من يقرّر، ومن يستطيع تحويل الورق إلى واقع. في أنقرة، الخارجية هي الواجهة السياسية–القانونية، والرئاسة هي سقف القرار لأن أي خطوة في البحر تُربط عادةً بسلةٍ أوسع؛ أمن، حدود، تجارة، لاجئون، وطاقة. وبينهما قنواتٌ خلفية تتولاها أجهزة الأمن حين تصبح الاتصالات حسّاسة أو حين يلزم تمرير الرسائل بعيداً عن الضوء. بعد ذلك تدخل الطاقة والمؤسسة البحرية بوظيفتها الصلبة؛ خرائط، تقديرات، وخيارات مسحٍ واستكشاف.
أما في دمشق الانتقالية، فالقرار -إن وصل إلى مرحلة النضج- قرار سيادي من الدرجة الأولى، ولا يمر بسلاسة عبر مؤسسة واحدة. الخارجية قد تدير التفاوض، ومؤسسات الطاقة قد تراجع الحسابات، لكن التوقيع -إذا حدث- يحتاج غطاءً أعلى، ومرجعيةً داخليةً لا تبدو مستقرة بعد. هنا مكمن الضعف؛ اتفاق كبير يُبرَم في لحظة انتقالية، من دون سند مؤسسي وإجرائي واضح، قد يتحول لاحقاً إلى مادة انقسام، ويُستخدم كسلاح سياسي ضد السلطة نفسها.
وهناك عامل لا يجوز تجاهله، وهو أن الساحل السوري ليس مساحة هادئة سيادياً حتى داخل سورية. توازنات نفوذ، ذاكرة امتيازات طاقة، وحضور روسي ثقيل في طرطوس وما حولها. مصالح متشابكة قد لا تتقبل سريعاً انتقالاً يمنح تركيا مكاسب صافية من دون أثمان مقابلة. هذا قد لا يظهر في التصريحات، لكنه يظهر عند التنفيذ؛ عند دخول الشركات، عند ترتيبات الحماية، عند التأمين البحري، وعند الأسئلة التي تُسقط أي خطاب إنشائي: من يضمن؟ من يموّل؟ ومن يوقّع فعلاً؟
ما بين الانفتاح الغربي وقيود الواقع يسهل على أي طرف أن يقرأ 2025 بوصفها سنة “تخفيف القيود” عن سورية. ظهرت إشاراتٌ إلى انفتاحٍ أوروبي أوسع، وإلى تفكيكٍ جزئي لبعض منظومات العقوبات أو إعادة ترتيبها. لكن الخطأ أن تُفهم هذه التحولات كأنها تفويضٌ مفتوح لتوقيع اتفاقات بحرية شائكة بلا ثمن. التحسن السياسي لا يلغي كلفة الامتثال، ولا يرفع فجأةً الحساسية الأوروبية حين يتعلق الأمر بالبحر وقبرص.
أي مشروع بحري يحتاج شركاتٍ، ومصارفَ، وتأميناً، وتقنيات قد تُصنّف “مزدوجة الاستخدام”، وشبكات امتثالٍ لا تعمل بالنوايا، بل بالخوف؛ خوف من المخاطر القانونية، ومن الإشارات السياسية، ومن أي نزاع يمكن أن يطيح التمويل والتشغيل. لهذا قد يكون التوقيع أسهل من التنفيذ. وقد ينجح الطرفان في إنتاج ورقة سياسية، ثم يكتشفان أن تحويلها إلى عملٍ فعليّ يصطدم بجدار؛ تأمين لا يأتي، أو شركة تتراجع، أو مصرف يطلب ضمانات لا يمكن توفيرها، أو اعتراض أوروبي يرفع كلفة كل خطوة.
ثم إن أوروبا -خصوصاً قبرص واليونان- لديها حساسية مسبقة من أي خطوط تُرسم خارج مقاربتها القانونية، ولديها سجل واضح في الاعتراض على ترتيبات بحرية اعتبرتها تمس حقوق أطراف ثالثة. لذلك يُقرأ أي تفاهم تركي–سوري، عند أول خطوة ميدانية، كاختبار عملي لإرادة الاتحاد الأوروبي في حماية ما يراه “حدوده” ومجاله البحري. وهنا يضيق الهامش على دمشق؛ سورية تريد باباً أوسع إلى العالم، لكن قد تُستدرج إلى ملف يجعل هذا الباب أضيق، ويعيدها إلى دائرة الاشتباك بدل الخروج منها.
كيف نعرف أن الأمر خرج من دائرة الكلام؟ في هذا النوع من القضايا لا أعوّل على التسريبات، ولا على العبارات المرنة التي تصلح لكل شيء. ما يهمني هو الأثر القابل للقياس. إذا أردنا مراقبة المسار بعقلٍ بارد، فهناك إشارات قليلة لكنها فاصلة: أولاً: إعلان تشكيل لجنة مشتركة بصلاحيات واضحة. تتحدث عن منهج عمل، وجدول زمني، ومرجعيات قانونية، ومن يوقّع باسم من. وجود لجنة بهذا الوزن يعني أن الملف خرج من تبادل الأفكار إلى تفاوضٍ مؤسسي. ثانياً: بدء أعمال مسح بحري أو زلزالي بتنسيق فعلي قبالة الساحل السوري. وهذا إعلانٌ ضمني عن “مساحة عمل” وعن حدودها السياسية والأمنية. لحظة خروج السفينة إلى الماء يتغير كل شيء: يبدأ الاختبار الحقيقي، وتظهر فوراً الاعتراضات أو القدرة على تحمّلها. ثالثاً: ظهور وثيقة يمكن تتبعها، حتى لو كانت مذكرة أولية. وثيقة تحمل خطوطاً أو نقاطاً أو صيغاً تقترب من فكرة الإيداع الدولي لاحقاً. من دون ورقةٍ قابلة للتتبع، تبقى الخرائط المتداولة مجرد تصورات للاستهلاك والضغط، لا للبناء.
لكن الأهم، برأيي، ليس فقط “كيف نراقب” بل ماذا يجب أن تفعل دمشق كي لا تُحاصر نفسها. إذا كانت سورية جادة في حماية هامشها البحري، فلا يجوز أن تُسلّم مستقبلها في المتوسط لقناة واحدة. تنويع المسارات ضرورةٌ؛ فتح حوار تقني مع لبنان، ترك نافذة مع نيقوسيا، وعدم السماح بتحول الملف إلى “حزمة” تُستعمل فيها خطوط البحر كعملة لتسويات أمنية أو سياسية قصيرة النفس.
وأخشى تحديداً من فخ “الرمادي”: تفاهم لا يذكر قبرص صراحةً لكنه يُترجم عملياً بطريقة تستفزها، أو لغة مبهمة تسمح لأنقرة بإدخال ملف شمال قبرص إلى المعادلة من الباب الخلفي. هذا النوع من الصيغ يبدو أنيقاً على الورق، لكنه يسقط عند أول احتكاك ميداني، ويترك الطرف الأضعف -وغالباً دمشق- وحيداً في زاوية الدفاع. كيف ترى سورية الجديدة نفسها، وأين تريد أن تضع قدمها في الإقليم. المتوسط هو أكثر من “فرصة غاز” تُضاف إلى جدول أعمال مزدحم. هو ساحة سيادة. إمّا أن تُصاغ قراراته بوعيٍ طويل النفس، وبحدٍّ معقول من الشفافية والغطاء الداخلي، وإمّا أن تتحول الخطوط إلى “صفقة” تُبرَم سريعاً ثم تُترك سورية وحدها تتعامل مع ارتداداتها.
التجربة القريبة في شرق المتوسط تظهر بوضوح أن كل خطٍّ يتجاهل توازن القوى والجغرافيا السياسية يعيش كأزمة مؤجلة. وكل اتفاق يمرّ فوق رؤوس الأطراف المتأثرة يعود لاحقاً كصدامٍ قانوني ودبلوماسي وربما ميداني. من حق دمشق أن تبحث عن مصلحتها، ومن حق أنقرة أن تجرّب توسيع هامشها، لكن ليس من مصلحة سورية أن تُستدرج إلى معركة قبرص، ولا أن تربط مستقبل بحرها بمقايضة قصيرة العمر.
لهذا أعتقد أن التريث هو شكل من أشكال السيادة. لأن أي خط يُرسَم اليوم قد يُغلق أبواباً غداً. وسورية في لحظتها الانتقالية تحتاج أن تفتح الخيارات لا أن تقفلها؛ اقتصاداً، وعلاقاتٍ خارجية، وشرعية داخلية. في هذا البحر، لا يكفي أن ترسم خطّاً. عليك أن تعرف كيف ستعيش معه، وكيف ستدافع عنه، وكيف ستدفع ثمنه إن لزم الأمر.
انهيار النظام المركزي في سوريا، في ديسمبر 2024، خلّف فراغاً مؤسسياً واسعاً. لكن الحياة لم تتوقف. خلال أسابيع قليلة، وجد كثير من السوريين أنفسهم يديرون تفاصيل يومهم عبر الهاتف؛ بيعاً وشراءً، وتحويلات، وتنسيقاً للخدمات، وتبادلاً للمعلومات. لم ينتظر الناس عودة الدولة لترتيب نفسها، بل انتقلوا إلى الشاشات والتطبيقات بوصفها حلاً عملياً لتجاوز إرثٍ طويل من الروتين والبيروقراطية. ومنذ الأسابيع الأولى، برز نمط جديد عبر منصات التواصل؛ إذ لم تعد مجرد مساحة للتعبير، بل تحولت إلى بنية “خدمات” غير رسمية. صار المواطن يتابع حاجاته اليومية عبر مجموعات ومنصات رقمية، فيما بدأت بعض الجهات الرسمية، تدريجياً، تكييف إجراءاتها مع هذا الواقع بدل مقاومته.
هكذا صار الفضاء الرقمي جزءاً من مشهد ما بعد الانهيار؛ ليس بديلاً كاملاً عن الدولة، لكنه قناة تُخفف الاحتكاك المباشر وتعيد تنظيم الحدّ الأدنى من المعاملات والاحتياجات. أوضح وجوه التحول كان اقتصادياً. مع استمرار تعطل النظام المصرفي التقليدي وصعوبة الوصول إلى النقد، وفقاً لما عايناه في تلك المرحلة، اتجه سوريون إلى المنصات الرقمية لضمان استمرار المبادلات اليومية. فخلال عام 2025 تحولت مجموعات “فيسبوك” و”واتساب” إلى أسواق افتراضية تُعرض فيها السلع، تُقارن الأسعار، وتُعقد الصفقات مباشرةً بين المستخدمين. لم يعد وجود سجل تجاري هو معيار الثقة الوحيد، بل صار “الأثر الرقمي” مهماً في سمعة البائع، وتاريخ التعامل، وتقييمات المتابعين داخل المجموعة.
يقول الدكتور جميل الحوشان، أستاذ القانون التجاري والمحامي، لموقع صالون سوريا: “إن الممارسة العملية بدأت تتوافق مع حاجات المجتمع، وأصبحت الأعراف الرقمية قاعدةً متناميةً للتعاملات اليومية”. بهذا المعنى، لم يعد المواطن ينتظر الدولة فقط، بل بات جزءاً من دورة الإنتاج والتبادل، يصنع قواعده المؤقتة ويتكيف معها، ريثما تتبلور مؤسسات أكثر استقراراً.
ثم برز تطبيق “شام كاش” كنموذج واضح للتحول المالي الرقمي في سوريا، حيث شكّل هذا التطبيق محفظة إلكترونية تُستخدم لتسهيل المعاملات المالية اليومية، بما في ذلك تحويلات الأفراد وصرف الرواتب. وابتداءً من مايو/أيار 2025، أصبح قناةً رسميةً اعتمدتها وزارة المالية لتمرير رواتب موظفي القطاع العام، وفق آلية أُلزم محاسبو الجهات العامة بالعمل عبرها. أبرز الخدمات التي يقدمها التطبيق: صرف الرواتب وتحويلها إلكترونياً، بما يقلل الاعتماد على النقد ويخفف ضغط الطوابير. تحويل الأموال بين الأفراد بسرعة، ومن دون عمولاتٍ بحسب مستخدمين، وسداد فواتير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والإنترنت وخدمات أخرى. السحب والإيداع النقدي عبر شبكة مراكز حوالات محددة، مثل “الهرم” و”الفؤاد”. ميزات أمان، مثل رقم “PIN” وخيار التحقق بالبصمة.
لكن هذه المزايا ترافقها تحديات مرتبطة بالأمان والشفافية: التطبيق غير متوفر على “جوجل بلاي” أو “آب ستور”، ويُحمَّل عبر موقع رسمي فقط، ما يطرح أسئلةً حول التحقق التقني ومسؤولية التحديثات. فيما تتزايد أخطار الاحتيال الرقمي وانتحال الهوية، مع انتشار مجموعات تنتحل صفة “الدعم الفني” بهدف اصطياد بيانات المستخدمين.إضافةً إلى تحديات سياسية واقتصادية تتصل بموقع التطبيق خارج إطار البنك المركزي السوري والنظام المالي العالمي، وبإدارته عبر شركة مسجلة في تركيا، وهو ما قد يفتح الباب أمام تركّز الخدمة بيد جهة واحدة ويزيد هشاشة العلاقة مع القطاع المصرفي النظامي.
وتصف حنين الحمود، لاعبة منتخب سوريا بلعبة المبارزة من حماة، خلال حديثها لموقع صالون سوريا واقع استخدام “شام كاش” قائلةً: “التطبيق أعطى الناس قدرةً على إدارة حياتهم المالية، لكنه خلق أيضاً وعياً بحماية المعلومات والحرص على كل عملية، وأصبح المواطن جزءاً من منظومة مالية جديدة، لكنه مسؤول بالكامل عن أمان حسابه”.
من العقد إلى لقطة الشاشة مع تراجع القدرة على الوصول إلى المحاكم التقليدية، بدأت المحادثات الرقمية و”لقطات الشاشة” تلعب دوراً يتجاوز التوثيق العابر، لتصبح في كثير من الأحيان لغةً يومية لإثبات المعاملات التجارية وتسوية الخلافات. لم تعد الورقة هي المرجع الأول في السوق الصغيرة، ولا ختم المكتب شرطاً مسبقاً للثقة، بل صار “الأثر الرقمي” -رسالة، تحويل، أو لقطة شاشة- جزءاً من ذاكرة التبادل بين الناس، خصوصاً في بيئاتٍ محلية تعتمد على التعامل المتكرر داخل مجموعاتٍ مغلقة.
يقدم الدكتور جميل الحوشان قراءةً حذرة لهذه الظاهرة، في حديثه لموقع صالون سوريا، مؤكداً أن “لقطة الشاشة ليست عقداً رسمياً ولا يمكن التعامل معها بوصفها بديلاً عن الوثائق القانونية، لكنها قد تتحول في بعض الحالات إلى قرينةٍ ضمن منظومة إثباتٍ آخذة بالتشكل، شرط أن تُفهم بوصفها دليلاً جزئياً قابلاً للتمحيص، لا حقيقةً نهائية”.فسلامة اللقطة نفسها تصبح موضع سؤال: هل هي أصلية أم خضعت للقصّ والتعديل؟ وهل تُمثل سياقاً كاملاً أم جزءاً منتقى؟ هنا تبرز أهمية الخبرة الفنية عند النزاع، كما تبرز حدود ما يمكن أن تمنحه الشاشة وحدها.
عملياً، تعمل “لقطة الشاشة” على أكثر من مستوى في آنٍ واحد؛ فهي تُستخدم أخلاقياً كمؤشرٍ للالتزام داخل التعاملات اليومية، وتصبح في لحظات النزاع مادةً للضغط الاجتماعي داخل المجموعة، وأحياناً وسيلةً لتسوية الخلاف عبر وساطاتٍ غير رسمية قبل الوصول إلى القضاء. وحين تصل القضية إلى مستوى قانوني، قد تُعرض اللقطة كدليلٍ مساعد، لكنها لا تضمن الحق بمفردها ولا تُغني عن العقد الرسمي، بل تدخل ضمن حزمةٍ من القرائن التي تُفحص وتُقارن وتُستكمل.
هذا الانتقال لم يفتح فرصاً فقط، بل رفع كلفة الوعي. فمع توسع الاعتماد على الفضاء الرقمي، صار الخطأ التقني جزءاً من المخاطر اليومية: رابطٌ خادع، رسالةٌ مزورة، أو حسابٌ منتحل يمكن أن يقلب معاملةً بسيطة إلى خسارةٍ كاملة. يقول فرج مرعي، مدرّس من الحسكة، في حديثه لموقع صالون سوريا: “كل رابط، كل رسالة، كل معاملة، أصبحت مسألةً أمنية، اليقظة الرقمية جزء من ثقافة حياتنا اليومية”. ومع الوقت، تحولت الحماية إلى ممارسةٍ اجتماعية: العائلة تراقب وتنبّه، والمدرسة تزرع قواعد الخصوصية والتحقق، وبعض المجتمعات المحلية دفعت باتجاه دوراتٍ مجانية للتعريف بأساسيات الأمن السيبراني وحماية البيانات واكتشاف الرسائل الاحتيالية، كأن الثقافة الرقمية لم تعد للمعرفة، بل ضرورةً للبقاء في اقتصادٍ يتحرك على الشاشة.
وفي موازاة ذلك، لم تعد المجموعات الرقمية مجرد واجهات بيع وشراء، بل صارت مساحات تنظيمٍ اجتماعي تمتلك قواعدها وأدوارها. “الأدمن” أو مدير المجموعة بات يقوم بوظائف تقترب، في نطاقها الضيق، من بعض أدوار الدولة التقليدية: يضبط تدفق المعلومات، يحدد شروط الإعلان، يتدخل لفضّ النزاعات، ويصوغ قواعد تعاملٍ يلتزم بها الأعضاء لأنهم يحتاجونها. خلال عام 2025، ساهم هذا الشكل من “السلطة الرقمية” في خلق بيئاتٍ أكثر استقراراً داخل الفضاء الافتراضي، لكنها سلطة نابعة من الاستخدام والثقة داخل المجموعة، لا من تفويضٍ سياسي؛ شرعيتها مؤقتة وهشة، لكنها فاعلة ما دام الناس يعتمدون عليها في تفاصيل حياتهم.
البنية التحتية الرقمية: شرط البقاء والتمكين صار الاستقرار في الإنترنت والكهرباء عاملاً فاصلاً في قدرة السوريين على العمل والتعلم وتسيير شؤونهم. تقول حنين الحمود في حديثها لموقع صالون سوريا: “إن ضعف الاتصال والانقطاعات المتكررة لا تُربك الحياة اليومية فقط، بل تُضيّق فرص العمل المهني، خصوصاً في الوظائف التي تعتمد على التواصل المستمر والإنجاز عن بُعد”. ومع اتساع الاعتماد على المنصات، ظهر خلال 2025 ما يمكن وصفه بـ”هجرة رقمية داخلية”: رصدٌ ميداني في عدة مدن سورية يشير إلى انتقال جزء من الشباب من الأرياف والمناطق الأقل اتصالاً نحو مراكز المدن، أو نحو مقاهٍ وأماكن عمل توفر إنترنتاً أكثر استقراراً ومولدات كهرباء. الدافع بسيط: الاتصال صار شرطاً لإتمام عملٍ حر، أو متابعة زبائن، أو إرسال ملفات، أو تلقي دفعات. لكن النتيجة معقدة: مناطق ريفية تخسر حضوراً شاباً كان يمكن أن يبقى لو توفر الحد الأدنى من البنية التقنية.
في هذا السياق، تحولت الطاقة الشمسية من خيارٍ منزلي إلى عامل اقتصادي مباشر. إفادات متكررة من مستخدمين تُظهر أن امتلاك الألواح والبطاريات بات مدخلاً عملياً للبقاء داخل الدورة الرقمية: من يستطيع تأمين كهرباء مستقرة يستطيع أن يحافظ على اتصالٍ منتظم، وأن يلتزم بمواعيد عمله، وأن يتعامل مع خدماتٍ مالية وتطبيقاتٍ تتطلب حضوراً دائماً. أما من يظل رهينة انقطاع الكهرباء والإنترنت، فيُدفع تدريجياً إلى هامش السوق، لا بسبب نقص المهارة أو التعليم، بل بسبب غياب الاستقرار التقني. هنا تتشكل فجوة جديدة: تفاوت بين مناطق تملك إنترنتاً أسرع وطاقةً أكثر استقراراً، ومناطق أقل تجهيزاً. هذا التفاوت ينعكس مباشرةً على فرص الدخل، وعلى الوصول إلى التعليم عن بُعد، وعلى قدرة الناس على استخدام الخدمات الرقمية التي بدأت تتوسع. لذلك، أي حديث عن توسيع الاقتصاد الرقمي يظل ناقصاً إذا لم يُربط بخطة واضحة للكهرباء والاتصال، وبآليات تمنع تحوّل الاستقرار التقني إلى امتيازٍ طبقي دائم.
على الأرض، تُذكر محاولات متفاوتة لسد الثغرات: مقاهٍ مجهزة، حلول محلية بالطاقة الشمسية، ومولدات خاصة في مناطق محرومة. لكنها تبقى حلولاً متقطعة، تتوسع حيث توجد القدرة على التمويل وتتراجع حيث يتراكم الفقر. ما يحتاجه هذا المسار معايير تشغيل واضحة، وحماية للمستهلك، وخرائط تغطية شفافة، وخيارات تضمن ألا يُقصى من لا يملك كلفة الطاقة والاتصال.
سوريا الجديدة: من المركزية إلى العصر الرقمي بعد عام على رحيل النظام السابق، تتقدم الخدمات الرقمية بوصفها إحدى الأدوات التي تُخفف الاحتكاك اليومي بين الناس والمؤسسات، وتختصر مسارات كانت تُستهلك في الطوابير والمكاتب. في بعض المجالات، صار ممكناً متابعة الرواتب والتحويلات عبر “شام كاش”، وتسديد بعض الفواتير والخدمات الأساسية إلكترونياً، وتقليل الاعتماد على الوسطاء في معاملاتٍ كانت تُدار سابقاً عبر شبكات علاقات أو “تسهيل” غير رسمي. كذلك فتح الاتصال باباً لخدماتٍ عن بُعد في التعليم والصحة، وإن ظل الوصول إليها غير متوازن بين المناطق.
إلا أن توسع هذه المنصات من دون قواعد ناظمة يحمل مخاطر موازية: حماية البيانات، حقوق المستخدمين، وضمانات الاعتراض، ومنع الاحتكار، ومعايير التحقق. إن التحول الرقمي لا يمنع تلقائياً عودة المركزية بأشكال جديدة؛ قد يعيد إنتاجها عبر بوابات إلكترونية إن لم تُحدَّد حدود السلطة الرقمية، ولم تُكتب قواعد واضحة للمساءلة والشفافية وإتاحة المعلومات.
ما تكشفه تجربة عام 2025 هو أن بعض السوريين بنوا مسارات عملية لإدارة تفاصيل الحياة حين غابت المركزية، لكن المرحلة التالية تتطلب شيئاً مختلفاً: تنظيم هذا الواقع بدل تركه فوضى، وتثبيت الحقوق بدل تركها رهينة التطبيق، ووضع قواعد تضمن أن ما يُنجز على الشاشة لا يبقى قابلاً للانقطاع مع أول أزمة كهرباء أو أول احتكار أو أول اختراق. عندها فقط يمكن الحديث عن “سيادة رقمية” بوصفها قدرة على إدارة الخدمات وحماية الناس، لا مجرد اعتمادٍ اضطراري على أدوات نجاة مؤقتة.
ليست المناهج التعليمية مجرّد أدوات لنقل المعرفة، بل تشكّل، في السياقات السلطوية والانتقالية على السواء، أحد أهم الحقول التي يُعاد فيها تعريف الماضي وصياغة الهوية الجماعية. ففي المجتمعات الخارجة من الاستبداد أو الواقعة في طور إعادة تشكيل السلطة، يغدو التعليم ساحة مركزية للصراع على الذاكرة: أيّ تاريخ يُروى، وأيّ أحداث تُهمَّش، ومن يُقدَّم بوصفه فاعلاً شرعياً أو خصماً مُداناً. في الحالة السورية، كان التاريخ المدرسي طوال عقود أداةً لإنتاج هوية واحدة، وضبط الانتماء، وترسيم حدود “الوطني” و“العدو”. ومع تعاقب السلطات وتبدّل أشكال الحكم، ظلّ منطق إدارة الذاكرة حاضراً، وإن تغيّرت لغته وأدواته. من هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى تتبّع تحوّلات سردية التاريخ في المناهج السورية، بوصفها مرآة لعلاقة السلطة بالذاكرة، والكيفية التي يُعاد عبرها استخدام الماضي لتبرير الحاضر، واحتواء الصراع، أو تأجيله بدل تفكيكه.
أولاً: الذاكرة والتعليم في خدمة السلطة كيف صاغت الأنظمة السورية المتعاقبة التاريخ المدرسي بوصفه أداة لضبط الهوية والشرعية
يُعاد استخدام الماضي، في تجارب الحكم الشمولي، بوصفه مادةً سياسية قابلة لإعادة الصياغة، لا سجلاً مغلقاً للأحداث. ولا تكتفي السلطة بإدارة الحاضر، بل تسعى إلى ضبط الذاكرة نفسها، عبر تحويل الانقلاب إلى ثورة، والخلاف السياسي إلى خيانة ومؤامرة. في هذا السياق، شكّل حكم البعث في سوريا، ولا سيما في عهد حافظ الأسد، مثالاً واضحاً على تسييس الذاكرة، إذ استثمر الحزب ذاكرةً جمعية عن الاستبداد الإقطاعي والبرجوازي وتهميش الفلاحين والعمال بعد الاستقلال، وقدّم سرديته1 على أنها قطيعة تاريخية وخلاص اجتماعي، لكي يصل إلى الحكم،2 وشرعن من خلالها استبداده بالسلطة كوسيلة لتحقيق أهداف الثورة. وفي سبيل ترسيخ السلطة وتوطيد حكمه، حوّل التعليم إلى أداة للسيطرة على المجتمع، فربط دستور عام 1973 التعليم ببناء جيل ذي هوية عربية-اشتراكية.
في عهد بشار الأسد، وعلى الرغم من تبنّيه لـ“خطاب إصلاحي”، وإطلاق تحديثات متلاحقة للمناهج التعليمية، إلا أننا نلاحظ في مادة التاريخ وجوداً لنفس الأطر المحدِّدة للهوية؛ فيُصنّف كتاب الصف الثامن الأساسي3 الحكم العثماني على أنه احتلال، ويحمله (بشكل غير مباشر) مسؤولية تخلّف الحضارة العربية عن ركب الحضارات العالمية، ويقدّم الكتاب دولة محمد علي كمشروع دولة عربية باء بالفشل، ويضع سياسة “التتريك” ضمن عوامل اليقظة العربية، كما يذكر أن إعدام المفكّرين من قبل جمال باشا السفّاح كان السبب في قطع علاقة العرب مع العثمانيين والتعجيل بإعلان الثورة. ونلاحظ أيضاً في كتاب التاريخ للصف التاسع الأساسي4 عرض تاريخ سوريا الحديث بوصفه مساراً تراكمياً للخلاص الوطني، يبدأ بالتحرر من السيطرة العثمانية، ثم مقاومة الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال. ويُقدَّم حزب البعث بوصفه ذروة هذا التطور التاريخي، لا كفاعل سياسي بين آخرين، بل كمرحلة حاسمة في استكمال الاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
يُقدَّم حافظ الأسد كشخصية محورية أنهت مرحلة الانقلابات وحالة الاضطراب السياسي، ويُربط عهده بترسيخ الاستقرار، وبناء مؤسسات الدولة، وتعزيز دور الجيش كحامٍ للوطن. يتم عرض “الحركة التصحيحية” ضمن سردية إعادة ضبط المسار التاريخي للحزب، لا كتحوّل سلطوي، ويجري تقديمها كضرورة وطنية لضمان وحدة الدولة واستمرارها.
وعلى الرغم من إعفاء حزب البعث من قيادة الدولة والمجتمع بموجب دستور عام 2012، استمرت الكيانات التابعة له بعملها في المؤسسات التعليمية، وازدادت وظيفتها القمعية، خاصةً في الجامعات، ما حوّلها تدريجياً إلى مكتب رديف للأفرع الأمنية داخل الحرم الجامعي. أعطت هذه العلاقة المنتسبين إلى الهيئات الطلابية والحزبية مزايا وتسهيلات خاصة، كالنجاح في مادة مستعصية، أو الحصول على غرفة أفضل في السكن الجامعي، أو سلطة لتصفية خلافات شخصية، ومع الترقّي في المناصب من عضو عامل إلى قائد فرقة5، تزداد الامتيازات والتسهيلات.
تكمن المشكلة في الهوية التي كوّنها البعث للدولة بأنها سحقت هويات وقوميات أخرى تحتها (كالأكراد، والسريان، والتركمان، والشركس) وأقصتها من التاريخ، فلا يرد أي ذكر لها في المناهج التعليمية، ولا يُعترف بأعيادها ولا يُحتفى بثقافتها، ما خلق لديها ذاكرة بديلة عن مظلوميتها. وبسبب الطبيعة العصبوية لنظام الأسد واعتماده على الولاءات في التعيينات، خُلقت ذاكرة من التهميش والإقصاء على أسس الطائفة والمنطقة ضمن الأرياف السورية. لا تُروى هذه المظلوميات ولا تُعالَج، مما يراكم الخلل في الذاكرة الجمعية الهشّة ويفككها، فتنشأ ثقوب في الذاكرة، وتُملأ هذه الثقوب في الأماكن البعيدة عن مركز السلطة بذاكرة بديلة تروي ظلم الاستبداد وتدفع لمقاومته والثأر منه.
إن ارتباط الذاكرة الجمعية عن السلطة بالدولة ومؤسساتها يؤدي، حين تفكك السلطة وانهيار الاستقرار المزيّف الذي فرضته، إلى ظهور تساؤلات حول الهوية والوطن والانتماء، فتصعد مفاهيم بديلة ترتكز على الانتماءات الاجتماعية والدينية عوضاً عن الوطنية والقومية لتملأ الفراغات.
ثانياً: من السردية الإلزامية إلى الفراغ السردي تحوّلات المناهج بين سقوط نظام الأسد وإعادة إنتاج منطق الذاكرة الواحدة
مع انهيار نظام الأسد وسقوطه عام 2024، بدا بأن هناك فرصة لتحرير الذاكرة من إرثها، غير أن هذه الفرصة لم تتحوّل إلى مسار واضح، بل غدت ساحة اختبار لكيفية إدارة الماضي في لحظة انتقال سياسي هشّة.
ومع الأشهر الأولى من تسلّم هيئة تحرير الشام الحكم في دمشق، باشرت حكومة الإنقاذ بإجراء تعديلات على المناهج التعليمية، أثارت جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب إزالة اسم زنوبيا من كتاب الديانة ضمن تعديلات أخرى على المناهج التعليمية، قبل أن تعلن وزارة التربية أنها “تعديلات ضرورية” تهدف إلى إزالة رموز النظام السابق وتصحيح بعض المعلومات.
وعند الاطلاع على التعديلات، نلاحظ إزالة مادة التربية الوطنية من المقرّر التدريسي، وحذفاً تاماً لأي أثر من آثار نظام الأسد. ونلاحظ أيضاً غياب توصيف الحكم العثماني بصفة احتلال6، بل يُقدَّم بوصفه حكماً سلطانياً مركزياً، قائماً على الجباية والضبط الإداري والعسكري، مع حضور محدود لدور السكان المحليين في صنع القرار. ويقدّم المنهاج سوريا بوصفها كياناً سياسياً ناشئاً خرج من انهيار الدولة العثمانية، حيث يُبرز محاولة إقامة حكم عربي بقيادة فيصل بن الحسين كتمثيل لإرادة وطنية مبكرة. ويُفسَّر فشل هذه التجربة ضمن إطار التآمر الأجنبي، ولا سيما من بريطانيا وفرنسا، رغم وجود دعم شعبي موثّق عبر لجنة كينغ–كراين. تُقدَّم هذه المرحلة كأساس لسردية مظلومية وطنية تُبرّئ الداخل وتحمّل الخارج مسؤولية الإخفاق.7
يسمّي كتاب التاريخ للصف الثامن الثورة العربية عام 1916 “تمرد حسين على العثمانيين”، ويرجع أسباب التمرّد إلى الدعم الخارجي والتآمر الاستعماري (البريطاني والفرنسي). بينما يسقط لقب “السفّاح” من اسم جمال باشا، ويصف الكتاب فترة حكمه بطريقة مهذّبة تبني مبرّرات لإعدام “المتآمرين العرب” في السادس من أيار.
ويختتم الكتاب الحديث عن العهد العثماني بربط انهياره بالحرب العالمية الأولى وضعف الدولة، مقدّماً خروج العثمانيين من بلاد الشام كخاتمة طبيعية لمرحلة حكم طويلة فقدت شرعيتها، وممهّدة لمرحلة جديدة عنوانها الأطماع الاستعمارية والهيمنة الغربية على سوريا.
يقدّم الكتاب بناء الدولة السورية بوصفه مشروعاً وطنياً مؤجَّلاً بدأ مع انهيار الحكم العثماني، حين أُتيحت للسوريين فرصة تأسيس كيانهم السياسي بدايةً بمحاولة إقامة حكم عربي بقيادة فيصل بن الحسين، التي أُجهضت نتيجة التدخلات الاستعمارية والتآمر الخارجي، دون الإشارة إلى الاختلالات الداخلية في المشروع ذاته. بعد ذلك، ينتقل السرد إلى مرحلة الانتداب الفرنسي، التي تُقدَّم كعائق مفروض حال دون تشكّل الدولة الوطنية، ويمرّ على المقاومة الشعبية بشكل مختصر، وينسب الكتاب قيادة ثورة الساحل ضد فرنسا إلى عمر البيطار.
ويصوّر الكتاب مرحلة ما بعد الاستقلال كمرحلة مليئة بالاضطرابات السياسية والانقلابات العسكرية التي عطّلت المسار الدستوري. ويُقدَّم انقلاب عام 1963 كنقطة انحراف حاسمة أنهت إمكانية بناء دولة مدنية قائمة على التعددية والمؤسسات، وأدخلت البلاد في حكم عسكري طويل بلغ ذروته مع حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد.
إن التعديلات التي طالت كتب التاريخ حملت دلالة رمزية واضحة، لكنها اتخذت غالباً طابعاً تقريرياً مختزلاً، دون طرح أسئلة جوهرية عن الماضي والذاكرة. غياب هذه الأسئلة جعل المناهج المعدّلة تقف في منطقة وسطى: قطيعة لفظية مع الماضي القريب، من دون تفكيك عميق لمنطق السردية الواحدة. وهكذا، لم تُستبدل الذاكرة8 الإلزامية بفضاء تعددي منظّم، بل جرى إضعافها من جهة وترك فراغها من جهة أخرى.
ثالثاً: ثقوب الذاكرة وبناء الدولة المؤجَّل التعليم، العنف الرمزي، ومخاطر إعادة تشكّل السلطوية في المرحلة الانتقالية
هذا الفراغ تزامن مع أحداث عنف جسيمة، ولا سيما مجازر الساحل في مارس/آذار 2025، ثم أحداث السويداء في تموز/يوليو من العام نفسه. في مواجهة هذه الوقائع، عاد الخطاب الإعلامي الرسمي وغير الرسمي ليؤدي وظيفة ضبط الذاكرة: قصص تُروى بانتقائية، وتوصيفات جاهزة تُقسّم المجال العام إلى “ضحايا شرعيين” و“جناة مفترضين”، مع ضغط واضح لفرض هذه القوالب عبر الإعلام الرسمي ومؤثّرين موالين للسلطة على منصّات التواصل الاجتماعي.
يصعب رصد أثر التغييرات على الذاكرة وتحليلها بالدرجة نفسها التي أتاحتها التجربة السابقة في عهد حكم الأسد، بوصفها تجربة مكتملة انتهت وظهرت نتائجها بوضوح. في المقابل، لا تزال التجربة الراهنة قيد التشكّل ولم تتبلور نتائجها النهائية بعد. غير أن رصد سياق الأحداث والتغييرات في المناهج والعملية التعليمية أظهر مؤشرات على استخدام المؤسسة التعليمية كأداة للسلطة، إذ سُجّلت حالات فصل معلمين بدت في مراحلها الأولى اعتباطية، من دون إعلان معايير واضحة أو مبرّرات رسمية، ما أدّى إلى احتجاجات نفّذها معلمون ومعلمات في عدد من المناطق، من بينها وقفات احتجاجية أمام مديريات التربية في مناطق الساحل السوري.
كما رُصدت احتجاجات على نقل معلمات ينتمين إلى الطائفة العلوية من مدارس قريبة من مناطق سكنهن في ريف بانياس إلى مناطق أخرى ذات غالبية سنّية، في ظل غياب تفسيرات إدارية معلنة. وفي السياق نفسه، سُجّلت احتجاجات لأهالي قرية زارة في تلكلخ (وهي قرية ذات غالبية تركمانية سنّية) على فصل معلمات من أبناء القرية واستقدام معلمات من خارج المنطقة. ويأتي ذلك بالتوازي مع مقتل المعلمة ليال دمر غريب أمام مدرسة وليد النجار في حمص، في حادثة ذات خلفية طائفية بحسب المعطيات الميدانية المتداولة.
إضافة إلى ذلك، سُجّلت حالات متكرّرة من المشاجرات والخلافات بين الطلاب على أسس طائفية أو سياسية، وهي وقائع جرى توثيقها من خلال رصد ميداني مباشر، ما يشير إلى انتقال الاستقطاب السياسي والطائفي إلى البيئة المدرسية نفسها، وتآكل حياد المؤسسة التعليمية بوصفها فضاءً جامعاً.
إن الثقوب التي ولّدتها البيئة السلطوية للنظام السوري السابق ما زالت موجودة، وتتّسع ثقوب الذاكرة في ظل الغياب الكامل لمسارات العدالة الحقيقية خلال السنة الأولى من الحكم الانتقالي.
ومع مرور الوقت، تسهم هذه الثقوب في تعميق الشروخ بين الأفراد والجماعات، وتؤدي إلى تآكل متسارع للنسيج المجتمعي. كما تفضي هذه المسارات مجتمعة إلى إعادة إنتاج البنية السلطوية بصيغة جديدة، تقوم على معيار أخلاقي غير موضوعي، يُصنَّف الأفراد بموجبه بين “ثوار” و“فلول” أو “شبيحة”. ولا يُفرض هذا التصنيف عبر نصوص قانونية واضحة أو مناهج مكتملة، بل يُمارَس من خلال فاعلين غير محددي الهوية، وغالباً ما تمرّ أفعالهم من دون مساءلة قانونية.
إن أخطر ما في اتّساع ثقوب الذاكرة لا يكمن في الماضي ذاته، بل في توقيت استذكاره وإنكاره. ويساعد ذلك على تشكّل رواية سائلة عن المجرم والبريء، بشكل يعمّق الشروخ المجتمعية ويحول دون بناء الهوية الجامعة.
أخيراً، لا تكمن خطورة إدارة الماضي في حذف الوقائع أو استبدال المصطلحات فحسب، بل في الاستمرار في التعامل مع الذاكرة بوصفها أداة حكم. وما تُظهره تجربة المناهج السورية، قبل سقوط نظام الأسد وبعده، هو أن تغيير السلطة لا يعني بالضرورة تفكيك منطق السردية الواحدة، وقد يُعاد إنتاجه بصيغ جديدة، أكثر سيولة وأقل صراحة، لكنها لا تقل أثراً في تشكيل الانقسام الاجتماعي، ما يزيد اغتراب المؤسسات التعليمية، ويحوّل الطلاب والمعلمين إلى فواعل متورّطة في الصراع.
بعث الأمة العربية بوصفها وحدة تاريخية واحدة، ترى أن التخلف والانقسام نتاج الاستعمار والتجزئة القُطرية، وأن الخلاص يتحقق عبر الوحدة والاشتراكية، وقيادة حزب طليعي يحتكر تمثيل إرادة الأمة. بعد وصول حافظ الأسد إلى الحكم، تحوّلت هذه السردية من مشروع قومي وحدوي إلى سردية دولة-سلطة، حيث أُعيد تأويل الحزب والبعث والهوية القومية لخدمة شرعية الحكم الفردي، مع استبدال خطاب الوحدة والتحرر بخطاب محاربة العدو الداخلي. ↩︎
أنظر: Raymond A. Hinnebusch, Syria: Revolution from Above (London: Routledge, 2001)، الفصل الثاني: التحولات الاجتماعية وصعود حزب البعث، والفصل السادس المتعلق بـ«الحركة التصحيحية» وإعادة إنتاج الشرعية السلطوية. ↩︎
وزارة التربية في الجمهورية العربية السورية. الدراسات الاجتماعية: التاريخ – كتاب الطالب، الصف الثامن، مرحلة التعليم الأساسي. دمشق: المؤسسة العامة للطباعة، 2014–2015. ↩︎
وزارة التربية السورية، الدراسات الاجتماعية: التاريخ، الصف التاسع، 2019–2020، ↩︎
رتب للطلاب المنتسبين إلى الاتحاد الوطني لطلبة سوريا. ↩︎
وزارة التربية في الجمهورية العربية السورية. التاريخ: كتاب الطالب للصف الثامن الأساسي (مرحلة التعليم الأساسي). دمشق: المؤسسة العامة للطباعة، 2025–2026. ↩︎
وزارة التربية في الجمهورية العربية السورية. التاريخ: كتاب الطالب للصف الثامن الأساسي (مرحلة التعليم الأساسي). دمشق: المؤسسة العامة للطباعة، 2025–2026. ↩︎
يرد مصطلح “ثقوب الذاكرة” في كتاب الذاكرة في الرواية العربية للكاتب جمال شحيّد، ويُعرف به الفراغات الدلالية في السرد التي يتحوّل فيها الصمت أو التعطّل التذكاري إلى علامة كاشفة لما يتعذّر على السرد استحضاره أو التصريح به. أما هنا، فسأستخدم مفهوم “ثقوب الذاكرة” للإشارة إلى الصراع الرمزي بين ذاكرة كل مجموعة بشرية عن فترة حكم الأسدين، حيث تشير الفجوات والتباينات في السرديات المتداولة إلى ما لا يُقال أو يُستعاد بشكل موحَّد في الذاكرة الجماعية للصراع. ↩︎
في كل مرة تنتشر فيها مشاهدُ انتهاكٍ جديدة، يتصرف السوريون كما لو أنهم يكتشفون البلاد من الصفر. يشتعل الغضب، تتكاثر التعليقات، ترتفع اللغة، ثم يعود كل طرف إلى مكانه القديم. المشكلة تكمن، ربما، في الطريقة التي يُعاد فيها استخدام الصورة لتفادي الأسئلة التي لا مهرب منها: من صنع هذا العنف؟ كيف استقر في حياتنا العامة؟ ولماذا تعود أشكاله نفسها مهما تغيّرت الرايات؟
الناس يرون ما يريدون رؤيته. الصورة المريحة تُنقذ صاحبها من مسؤولية النظر إلى البنية التي تُنتج الجريمة ثم تُكرّرها. ولهذا تبدو إضاءة مشاهد الانتهاكات، أحياناً، جزءاً من المشكلة. الفضيحة السريعة، الفيديو المقتطع، والسجال الذي يشتعل ثم ينطفئ، لا يفتح باب الفهم، ويؤجّل مواجهة العلّة. وبين موجة وأخرى، يتكوّن عنفٌ من نوع مختلف: عنف الخطاب. تُوزَّع الإدانة وفق الهوية قبل الوقائع، وتُستعار مفردات قبول الآخر ثم تُستخدم للانسحاب من أي مسؤولية عامة. حتى من عاشوا سنوات طويلة داخل خطاب الأسدية أو استفادوا من صمته، يعودون إلى الكلام عند ارتفاع وتيرة العنف، وهم يرمون السؤال نحو الثورة من موقع المتفرّج: “هل هذا ما تريدينه من سورية؟” فيما السؤال الذي لا يُطرح كفاية هو: أين كان هذا الصوت حين كانت تُصنع شروط العنف وتُراكَم؟
من هنا تشتعل حرب الميديا الطائفية بين حين وآخر. لا تحتاج هذه الحرب إلى قرار سياسي كي تعمل؛ يكفيها جمهورٌ متوتر، وذاكرةٌ مثقلة، ومؤسساتٌ رخوة. تتحول السياسة إلى شاشة، والناس إلى جمهور، والبلد إلى سباق بين روايات متقابلة. تُعاد تعبئة الغضب في قوالب جاهزة؛ طائفة ضد طائفة، منطقة ضد منطقة، ضحية ضد ضحية. وفي كل مرة تتسع هذه السوق، تضيق مساحة المحاسبة الجدية. المحاسبة تتطلب تحديد مسؤوليات وأسماء وسلاسل قرار، بينما الميديا الطائفية تفضّل توزيع الكراهية لأنها أسرع وأربح.
وقد عزّزت هذه القابلية الصراعاتُ العسكرية بين جيش نظام بشار الأسد وقوات المعارضة السورية. كانت حرباً زادت العنف كثافة ووضوحاً، لكنها لم تخترعه. ما حدث في السنوات الماضية كان تتويجاً لمسار طويل: دولة تربّت على إدارة المجتمع بمنطق التعبئة والضبط، ومعارضة دفعتها أبواب السياسة المغلقة إلى أشكال تنظيم أكثر حدة. منذ عقود، عاشت سورية تحت نظام يعامل السياسة كخطر، ويعامل المختلف كملف أمني. وصُمِّمت التنظيمات الحزبية والطلابية لصناعة الامتثال. بمرور الوقت، تراجع الكلام عن الشراكة في السلطة، وتقدّم منطق الطاعة، وصار المجال العام مساحة اختبار ولاء أكثر مما هو مساحة حقوق.
حين جاءت لحظة الاحتجاج الكبرى في آذار/مارس 2011، دخل السوريون ساحة غير متوازنة منذ البداية. الشارع خرج بمطالب سياسية واجتماعية واضحة، وبلغةٍ مدنية في أيامها الأولى، لكن الدولة ردّت بعُدّةٍ أمنية ثقيلة: اعتقالات واسعة، إطلاق نار، ثم توسّع سريع في القمع. من درعا، حيث بدأت الحكاية من إهانةٍ واعتقالٍ وتعذيبٍ على خلفية شعارات كتبها أطفال، إلى حمص التي تحولت باكراً إلى عنوان للحصار والقصف، إلى حماة التي حاولت استعادة معنى السياسة في الشارع قبل أن تُطوَّق من جديد؛ كانت الرسالة واحدة؛ لا مساحة للاعتراض خارج تعريف السلطة.
ومع انسداد الطريق أمام تسوية داخلية، تمددت فوضى السلاح، وتداخلت الأطراف، وتكاثرت التشكيلات المسلحة والميليشيات، واتسعت الضغائن. عند هذه النقطة أصبح العنف لغة تفسير وتبرير، ومعياراً لتوزيع الشرعية داخل المعسكرات نفسها. وفي هذا المناخ ظهرت قوى قادرة على التنظيم السريع، بعضها حمل خلفيات دينية متشددة، وامتلك أدوات تعبئة جاهزة تقوم على ثنائيات حادة، سرعان ما أثرت في طريقة فهم السياسة وإدارة المجتمع، وفي تعريف العدو والحليف وحدود المسموح داخل المجال العام.
ومن المهم تذكّر أن جرَّ السياسة إلى العنف ليس وليد العام 2011. صدامات الستينيات، ومنها أحداث حماة 1964 في ظل توتر البعث مع الإخوان المسلمين، كانت علامة مبكرة على نمط يتكرر؛ احتجاجاً يتمركز حول فضاء اجتماعي-ديني، ودولة تتعامل معه بوصفه خطراً أمنياً، ثم يقترب الخصوم خطوةً بعد خطوة من خيار المواجهة المفتوحة. لاحقاً، في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، ترسّخ هذا المسار أكثر؛ كلما ضاقت السياسة واتسعت قبضة الأمن، ازداد ميلُ جزءٍ من المعارضة إلى السرّية والتشدد، وازداد ميل الدولة إلى الحلول القصوى. هكذا تُترك البلاد بلا أدوات وسيطة تحمي السياسة من الانهيار؛ أحزاب حقيقية، نقابات مستقلة، قضاء قادر، وإعلام يشتغل بوصفه رقابة لا تعبئة. وعندما تُلغى الوساطة، يصبح العنف خياراً قابلاً للتكرار لأنه يعمل في الفراغ الذي تتركه السياسة الغائبة، ويجد دائماً من يبرره ومن يورثه.
داخل هذا كله، يُصبح مثال مثل حمزة الخطيب أكثر من حادثة. الجريمة تقول شيئاً عن سلطة ترى في المجتمع رعايا يجب كسرهم حين يرفعون صوتهم. والصدمة التي أحدثتها الجريمة تقول شيئاً عن مجتمع لم يعد يجد طريقة لتثبيت معنى العدالة سوى تحويل الجريمة إلى رمز. ومع الرموز، تتراكم طبقات من الغضب. ومع الغضب، يتراجع العقل البارد الذي يحتاجه بناء السياسة. هكذا تتوسع المسافة بين الإدانة وبين المسؤولية.
في هذا السياق تبرز الذكورية كقواعد عمل، أكثر منها كعنوان اجتماعي. الذكورية هنا تظهر في طريقة إدارة المرحلة الانتقالية؛ لغة الهيبة، أولوية الردع، الحساسية المفرطة تجاه النقد، وتحويل السياسة إلى امتحان ولاء. يظهر ذلك في ميلٍ إلى تفضيل الانضباط على الكفاءة، وتقديم الأمن على النقاش، واعتبار المساءلة تشكيكاً. وتظهر أيضاً في تراث معارضات دينية متشددة صعد فيها الرجال كقادة وحراس للشرعية، فصار نموذج القيادة أقرب إلى صورة الأمير أو الشيخ القادر على الضبط، لا صورة المسؤول الخاضع للرقابة العامة.
وحين تجتمع عقلية الدولة الأمنية مع إرث التعبئة الدينية المتشددة، تُنتج إدارة تفضّل السيطرة على التمثيل. تظهر هذه الإدارة في قواعد العمل قبل الخطب؛ في تفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة، في توسيع معنى الخطر حتى يشمل الرأي واللغة والموقف، وفي تحويل الاختلاف إلى ملف. وتظهر في المجال العام عبر أدوات لا تحتاج إلى مؤسسات رسمية: تسريبات، لوائح اتهام، حملات تشهير، ومنصات تتحول إلى محاكم سريعة. يكفي مقطع مبتور أو صورة خارج سياقها لتُبنى حولها قصة كاملة، ثم تُعاد هذه القصة كمعيار للفرز: هذا معنا، وهذا ضدنا. ومع الوقت يصير الخوف سياسة يومية، وتصبح الهوية أداة تنظيم أسرع من القانون.
السؤال، في النهاية، لا يتعلق بالعنف وحده. يتعلق بما إذا كان السوريون قادرين على إنتاج معنى مشترك خارج العنف. ما يجمعهم هو اتفاق على المسؤولية؛ عدالة تُعرّف الجريمة وتحدّد مرتكبيها وسياقها، دولة تعمل بالقانون لا بالهيبة، ومجال عام يسمح بالنقد من دون تخوين. في هذا الطريق تحديداً، يصبح تفكيك الذكورية جزءاً من السياسة؛ قواعد تقيّد القوة، مؤسسات تُحاسِب، وتمثيل أوسع يفتح المجال العام أمام أصوات مدنية حقيقية، نساءً ورجالاً. لأن بلداً لا يسمع إلا صوت القوة، يعيد إنتاج القوة بوصفها قاعدة، ويترك الخلاف بلا مخارج آمنة.
قُدِّم ضمن ما يُسمّى بـ(مسرح الطاولة) عرضان مسرحيان في مدينة حمص للفنان عبد الكريم عمرين؛ كان الأوّل في وقتٍ سابق بعنوان “سقوط الحصان”، وهو مونودراما مأخوذة عن نصّ لفرحان بلبل، الكاتب والمخرج المسرحي المعروف ومؤسّس فرقة المسرح العمالي في مدينة حمص، التي قدّمت مسرحيات كثيرة ومهمة منذ سبعينيات القرن الماضي، كـ”الفيل يا ملك الزمان” و”حفلة سمر على شرف خمسة حزيران” و”رأس المملوك جابر” و”طقوس الإشارات والتحوّلات”، وغيرها من المسرحيات التي بقيت إرثاً مسرحياً غنياً.
أمّا الثاني فكان بعنوان “ظلام”، وقد قُدِّم مؤخراً في كنيسة السريان بحمص، وهو أيضاً عرض مونودراما من تأليف وتمثيل وإخراج عبد الكريم عمرين، الكاتب والممثل وأحد أعضاء فرقة المسرح العمالي المؤسِّسين.
وقد نوّه عمرين بأنه اختار هذا الأسلوب في محاولة لإحياء اللغة والاعتراض على تهميش الإنسان من قبل التقنيات. ويقوم العرض على قراءة النص المسرحي من قبل الممثل جالساً خلف الطاولة، بينما اضطرّ في العرض الثاني “ظلام” للوقوف حتى يتمكّن الجمهور من المشاهدة.
يعيدنا ذلك إلى ما سُمّي بالمسرح الفقير الذي أسّسه غروتوفسكي، ويقوم على الاستغناء عن كلّ الوسائل المسرحية نتيجة رفضه التكاليف الباهظة للعروض المسرحية، فاعتمد اختزال العمل المسرحي بالممثل مقابل الجمهور، الذي قد يكون متفرّجاً واحداً.
أمّا قراءة المسرحيات، ففي الحقيقة كانت شائعة منذ القدم؛ فكانت تتم قراءة المسرحية أمام جمهور خاص من المثقفين. وفي القرن السابع عشر كان الهواة يقومون بقراءة النصوص بشكل تمثيلي في بلاط لويس الرابع عشر. وشاع في العصر الحديث تقليد قراءة المسرح في الاتحاد السوفييتي وإنكلترا، وذلك أمام مجموعة مختارة من المثقفين للتعريف بالكتابات المسرحية الجديدة قبل تقديمها، في نوعٍ من استمزاج الجمهور الخاص و”لبيان الجانب الدرامي في النص بمعزل عن العرض”. كما انتشر هذا الأسلوب في فرنسا ضمن ما سُمّي بالمسرح المفتوح لتعريف الجمهور بالنصوص الجديدة، واعتُبر ذلك نوعاً من الإخراج الصوتي للنص، إضافةً إلى تدريبات طلاب المسرح في قراءة النصوص أمام الجمهور.
في العرضين المقدَّمين في حمص باسم مسرح الطاولة، اقتصرت القراءة على ممثل واحد (مونودراما) أو قارئ واحد، ما يذكّرنا بأسلوب الحكواتي بصيغتيه: الأولى الشعبية في المقاهي حيث كان الحكواتي يقرأ النص من كتابه، وغالباً ما يكون “ألف ليلة وليلة” أو “الزير سالم” أو “سيرة بني هلال” وغيرها، مع تطعيم القراءة بتلاوة بعضها غيباً نتيجة حفظها لكثرة التكرار، موحياً بصوته أجواء الحكاية والحدث، ولازمته الشهيرة: “كان يا ما كان”. والثانية: الحكواتي المُـمَسرَح، الذي قدّمه كثير من الفنانين بدءاً من أبي خليل القباني، إلى استخدامه في النص المسرحي كما في نصوص كتبها سعد الله ونوس مثل “سهرة مع أبي خليل القباني” أو “حكاية رأس المملوك جابر”. وقد صار إحدى تقنيات المسرح لكسر الحاجز بين الممثل والجمهور، ولجأ إليها عدد من الفنانين أثناء الأحداث السورية بعد انطلاق الثورة لإيصال صوت السوريين للجمهور متشابكاً مع الذاكرة والتراث. ورغم أصالة الحكواتي وعلاقته بالمسرح، إلا أنّ التجربة تحتاج إلى تقنيات أولية تساعد على الأداء وشدّ المتفرّج.
يكتفي مسرح الطاولة المقدَّم بالاعتماد على صوت الممثل لوضع المشاهد في فضاء المشهد، ولهذا فإن العوامل الخارجية تؤثر على المتابعة. كما أن اعتماد الممثل على الإيقاع الصوتي في الإلقاء لإيصال الفكرة للجمهور يضعنا أمام إشكالية حصر المتفرّج في دائرة التأثّر الوحيدة، أي إملاء قارئ النص، وليس إطلاق خيال المتفرّج.
فإن كان هذا المسرح قد ظهر نتيجة فقر الإمكانيات، وفي واقعٍ توقفت فيه عروض الفرق المسرحية تقريباً كما اختفى المهرجان المسرحي الذي كان يُقدَّم على مسرح المركز الثقافي في حمص، مع ملاحظة التدهور الذي كان يحصل فيه على المستوى الفني والفكري منذ عدة أعوام، يطرح السؤال نفسه: هل هو البحث عن بدائل عبر هذا الشكل المسرحي؟ وإن كان كذلك، ألا يحتاج مسرحاً مُعَدّاً بشكل جيد حتى لا يتم تفتيت المشهد المسرحي بالفوضى والمقاطعة والضوضاء كما حدث في مسرحية “ظلام” للفنان عمرين في العرض الأخير؟ فتوقّف الممثل عن الإلقاء وعودته بعدها يسبّب بلا شك قطعاً في التواصل بينه وبين المتفرّج، خاصةً أنه لا يعتمد على أيّ من سينوغرافيا المسرح (الإضاءة – الديكور – الموسيقى) التي تضبط الانتباه وتحافظ عليه أمام العوامل الطارئة.
مسرحية “ظلام” فكرة المسرحية “ظلام” تقوم على سرد معاناة الإنسان أمام آلة القمع المتعددة الأوجه، حيث تلتقي قوة القمع العالمية مع القوى المحلية لاستعباد البشر. فمن تعذيب السجناء في المعتقلات بدءاً من غوانتنامو وحتى سجون الأنظمة الدكتاتورية، يسرد الممثل عمرين حكاية شخصٍ أسير في غوانتنامو كمونولوج، وكيف تم تعذيبه والضغط عليه للاعتراف عبر التعذيب تارةً والإغواء تارةً أخرى. كما تم تعذيبه في بلده سوريا حين نُقل إليها، فآلة القمع واحدة والمصالح مشتركة بين القوى العالمية المسيطرة التي تستعبد الشعوب وبين الديكتاتوريات التي تستعبد الإنسان، حتى انتهى الأمر إلى فقدان الإنسان يقينه بالنجاة وسيطرة الظلام كدلالة على سلطة الظلم والقهر العامة.
لكن غاب عنا جرم الشخصية الخاص، فهي نُعِتت بالانتماء لطرف متشدّد (القاعدة)، وبهذا يبدو طبيعياً السؤال: أليس هو جزءاً من آلة قمع تدعو إلى محاربة المختلف وتكفيره وتنهج نهج إقصائه والقضاء عليه؟ ألم تقم بنفس الدور في الأماكن التي سيطرت عليها؟ أليست جزءاً من خريطة المصالح العالمية للقوى السياسية التي تمارس سلطتها بالتغييب والتعذيب والإقصاء وبيع النساء وتجنيد الأطفال؟ بينما سجناء الرأي والفكر الذين لم يحملوا السلاح يوماً ولم يحاولوا فرض رأيهم على أحد قد دفعوا نفس الأثمان في التعذيب والسجون والأقبية.
حاول عمرين بأدائه الصوتي شدّ انتباه الجمهور رغم تململهم بسبب الضجة التي قطعت الأداء عدة مرات وجعلت العودة للمشهد تبدو صعبة. ومع غياب شكل المسرح، ولأن طبيعة الأماكن العامة تسمح بحدوث الفوضى، يبدو نافلاً القول: لا بدّ من الإصرار على شروط عرضٍ جيدة لضمان جودة العمل الفني أثناء تقديمه للمتفرّج ليكون بالمستوى الذي يريد له الفنان أن يصل.
لا شكّ أن تجربة ما يُقدَّم باسم مسرح الطاولة هي إشعار بقدرة المثقف على الخروج من الواقع الصعب دوماً بحلول قد تكون مناسبة أو لا، لكنها تعني عدم التوقف عند حدود.
لننتظر توفّر الإمكانات لتقديم نصوص الطاولة على خشبة المسرح وعروضٍ أخرى. وهذا لا يلغي الجهد المبذول في تقديمها الحالي، وإنما يشكّل نوعاً من الإثراء والتنوّع؛ فكثير من القصص قُدّمت في أكثر من شكل، كقصة “ريا وسكينة” التي قُدّمت على المسرح والسينما والتلفزيون، مضيفةً كل مرة الجديد.
ينتمي الفنان التشكيلي السوري مروان قصاب باشي (1934–2016) إلى جيلٍ حمل الفن من ضفاف الشرق إلى قلب أوروبا، دون أن يتخلّى عن جذوره الروحية والإنسانية. وعلى الرغم من أنه قضى أغلب حياته في برلين، فإن أعماله ظلّت تحمل أثراً واضحاً من طفولته في دمشق، ومن ذاكرته الشرقية التي تشكّلت في بيئةٍ مشبعة بالرموز والتناقضات والانفعالات.
يُعد الراحل من أبرز الوجوه في الفن التشكيلي العربي الحديث، بفضل مكانته العالمية كفنان أقام وأنتج في ألمانيا، وابتكاره لغة فنية خاصة تتسم بعمق التأمل، وتستند إلى الوجه الإنساني بوصفه نافذة إلى النفس وميداناً لصراعاتها الداخلية.
من الكلمة إلى اللون
بدأ مروان حياته متأثراً بالأدب والكتابة؛ كان يكتب القصة القصيرة والمقالة، ويهتم بالفكر والسياسة، قبل أن يتحوّل إلى الرسم بوصفه لغة أكثر صدقاً للتعبير عن مشاعره وأفكاره. درس في كلية الفنون الجميلة في دمشق، قبل أن يسافر إلى برلين في الخمسينات لاستكمال دراسته في أكاديمية الفنون، وهناك سيبدأ مشروعه الكبير.
في بداياته، تأثر بالمدارس التعبيرية الألمانية، وبالفنانين مثل بول كلي (1879-1940) وأوتو ديكس (1891-1969) وجورج غروز (1893-1959)، لكنه سعى منذ وقت مبكر إلى تطوير أسلوبه الخاص، مستنداً إلى استنباط شيء فريد من الداخل، بعيداً عن التكرار والتقليد.
لكنه سعى منذ وقت مبكر إلى تطوير أسلوبه الخاص، متجنباً التكرار، مستنبطاً من الداخل شيئاً فريداً. كان الوجه البشري في نظره أكثر من مجرّد ملامح، فهو ساحة تتحرّك فيها الروح وتتجلّى فيها الهشاشة الإنسانية.
من منتصف الستينات، بدأ برسم الوجوه بطريقة متكررة ومتصاعدة. لم تكن تلك الوجوه واقعية، ولم يكن يسعى إلى تشابهها مع الأشخاص الحقيقيين، إنما تمثيلات داخلية، غالباً بلا أسماء أو هويات، لكنها مشبعة بالألم، بالغربة، بالقلق.
تطوّر الوجه عنده من صورةٍ لملامح بشرية إلى تضاريس داخلية، أشبه بخريطة روحية. أحياناً تتحوّل ملامح الوجه إلى جبال، إلى طيات طينية، إلى خطوط متشققة كأنها جروح أو وديان. هذا التركيب المعقّد جعل من الوجوه أشبه بمواقع للتأمل، لكل منها قصة، أو ربما آلاف القصص.
كثيراً ما يُطلق على هذا الأسلوب اسم “الوجه – الجبل”، وهي صيغة خاصة به، جعلت من وجه الإنسان رمزاً كونياً. هو يجاوز نقل التعبير اللحظي، ويحفر في الباطن، يعمّق التوتر بين الداخل والخارج، بين الجلد وما تحته، وبين الأنا والآخر.
عمل مروان على اللوحة كأنها عملية نحت أو حفر، لا مجرّد رسم. كان يكدّس الطبقات اللونية الواحدة فوق الأخرى، يضيف ثم يحذف، يكشط ثم يعيد البناء، حتى تتحوّل اللوحة إلى مادة عضوية حيّة، لها جلدٌ وعمقٌ ونبض.
كان يستخدم الألوان الترابية: الأحمر القرميدي، البني، الرمادي، الأخضر الداكن، وهي ألوان توحي بالأرض، بالجسد، بالدفء والوحشة في آن.
كأنها طين يتفسّخ
ما يميّز تجربة الفنان مروان قصاب باشي هو ارتباطها بالذات؛ ذات فردية وإنسانية في آن واحد، تعيش العزلة، الاغتراب، وقلق الهوية. ويمكن قراءة وجوهه بوصفها انعكاسات لحالة الإنسان المعاصر: غارق في داخله، عاجز عن الفهم، يبحث عن الخلاص.
في كثير من أعماله، يبدو الوجه مسجوناً في الإطار، يملأ اللوحة بكثافته، لكنه لا ينظر إلى الخارج، غارق في داخله، كأنه يبحث عن معنى أو يصغي إلى صمتٍ داخليّ لا ينقطع.
هذه النزعة الوجودية، التي تأخذ من التعبيرية الألمانية أدواتها، ومن الشرق حمولته الروحية، جعلت مروان فناناً عالمياً، دون أن يفقد خصوصيته.
في تناوله الوجه البشري كفضاء تعبيري بالغ العمق والثراء، تميّز أسلوب مروان قصاب باشي بخصوصيّة جماليّة شديدة. في لوحاته، التي تبدو وكأنها نصف وجه متآكل أو غارق في ذاته، تعبّر ببلاغة عن التجربة البصرية والروحية التي اشتغل عليها مروان لسنوات طويلة، وهي تجربة لا تبحث عن “ملامح” بمقدار ما تسعى إلى تفكيك الذات وتصوير العزلة والاغتراب والاضطراب الداخلي.
في هذا النمط من أعماله، يبدو الوجه وكأنه يتشكّل ويتلاشى في اللحظة نفسها. تختفي الخطوط الحادة التي تفصل العين عن الأنف أو الفم، ويظهر تداخل عضوي يوحي بأن هذا الوجه ليس قالباً مستقراً، وإنما كتلة تتحرّك وتتفكّك تحت وطأة الزمن أو المشاعر أو الذاكرة.
التعبير الجسدي عن النفس
العين في اللوحة مظلمة، مجوّفة، غائرة، وكأنها أداة للرؤية تتحول إلى موقع لانهيار داخلي. تبتعد عن النظر إلى الخارج، وتسحب الناظر إلى عمقها، إلى فراغٍ روحيّ. وهذا يتوافق مع فلسفة مروان في رسم الوجوه: الوجه لا يراقب العالم، ينزوي في ذاته.
ربما يمكننا القول إن هذه العين هي جسد الروح، المرهقة، التائهة، العالقة في دوّامة لا اسم لها.
لا توجد حدود فاصلة وواضحة في هذه أعماله؛ الخطوط تتلاشى، الألوان تتدفق بحرية، كما لو أن الوجه ليس سوى انفعال أو اهتزاز داخلي. هذا الانمحاء التدريجي للملامح يُشير إلى أن مروان لا يهمّه “من” هذا الوجه، بل ما الذي يشعر به، أو ما الذي يتفتّت فيه.
هنا لا توجد هوية واضحة، ولا اسم، ولا جنس حتى. فقط وجه كونيّ، يصلح لأن يكون أيّ إنسان، وفي الوقت نفسه لا أحد. هذا ما يجعل من لوحات مروان مناطق تأمل أكثر منها بورتريهات.
اللون في لوحاته مادة تعبيريّة بالدرجة الأولى؛ مروان يضع اللون كمن يضع اللحم فوق العظم، هناك شعور بأن الجلد ينساب، يتقطّع، يتحوّل إلى مزيج عضويّ، يشبه الحمم أو الدم أو الطين. هذه المادية القوية في أسلوبه تدفعنا إلى فهم اللوحة كأنها جسدٌ يعاني، لا مجرد وجه يُرسم.
نزاع بين الداخل والخارج
ما نجده في لوحاته، تجسّد تماماً الفكرة التي طالما دافع عنها مروان، وهي أن الوجه هو مرآة النفس، وليس قالباً جمالياً. نحن لا نرى الشخص، بل حالته. هذا الوجه ليس للعرض أو للتماهي، بل هو رؤية داخلية للانهيار الإنساني، لذا لا نجد أي محاولة للتجميل أو التزيين.
مروان يجرّد الوجه من “الجميل”، ليعيده إلى طبيعته الأولى: كمنطقة نزاع بين الداخل والخارج، بين ما نُخفيه وما يتسرّب إلينا رغماً عنّا.
لوحته تجسّد وجهاً يتحوّل إلى خريطة للألم وبورتريه للغربة عن الذات. مروان يرسم فكرة الإنسان في لحظة وحدته، حين يكون مع صمته وتاريخه وحطام ذاكرته، مجرّداً من ملامح فرد محدّد.
في هذا النوع من الأعمال، يقدّم مروان القصاب باشي فنه كنوعٍ من الاعتراف البصري، كأن كل لوحة تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله. ولهذا يُعدّ بحق أحد أكثر الفنانين العرب عمقاً واستقلالاً وتجريباً، وفنان الوجوه بامتياز.
تمثّل تجربة مروان قصاب باشي حالة فريدة في الفن العربي الحديث، وربما في الفن العالمي كله. لقد حوّل الوجه من كيان خارجي إلى حقل تأمّل داخلي، وارتقى بالرسم من مجرّد تمثيل للواقع إلى فعلٍ روحيّ يحفر في النفس. فنه مُكرّس للكشف والمساءلة والغوص في المجهول، غايته تتجاوز التزيين.
لقد صمتت يد مروان قبل حوالي عقدٍ من الزمن، لكن وجوهه ما زالت تنظر إلينا من داخل اللوحات، تنظر ولا تتكلّم، لكنها تقول كلّ شيء.