بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
تدريباتنا
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...
في الثلاثين من شهر أيلول/سبتمبر أقيمت احتفالية جائزة (خالد خلد خليفة للرواية) في دورتها الثانية في كنيسة اللاتين في مدينة اللاذقية هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الثالثة لرحيل الروائي والسينارست السوري خالد خليفة الذي توفي عام ٢٠٢٣ حيث ذهبت الجائزة للروائي التونسي عماد علي قيدة الذي حضر الاحتفالية واستلم الجائزة عن روايته غير المنشورة (المنصرمون) كما حضر حفل التكريم عدد من مثقفي وفناني اللاذقية وسوريا كالشاعر منذر المصري والفنان فارس الحلو أصدقاء الكاتب الراحل بالإضافة لأصدقائه الآخرين وعدد من المهتمين بالثقافة والأدب في المدينة، وترأست لجنة تحكيم الجائزة هذا العام الروائية الفلسطينية ليانة بدر وبعضوية الأديبة السورية شهلا العجيلي والناقد المصري خيري دومة وقد اختار القائمون على الجائزة التي قدرها ألف دولار أمريكي-مدينة اللاذقية لاحتفاليتهم لأن الرواية الأخيرة للراحل خليفة (سمك ميت يتنفس قشور الليمون) تدور أحداثها في هذه المدينة التي أحبها كثيرا والتي لم يسعفه الوقت كي يراها منشورة وصدرت بعد وفاته عن دار هاشيت /أنطوان (نوفل) في لبنان عام ٢٠٢٤ فقررت هذه المدينة رد الجميل له بإقامة احتفالية جائزته فيها بعد أن كرمها في روايته الأخيرة محتفيا بمجتمعها المتنوع وقد أشادت لجنة التحكيم ببناء الرواية التونسية الفائزة (المنصرمون) موضحة في بيانها أن الرواية: “تحاور تاريخ تونس السياسي تفصيليا عبر شخصيات واقعية وتخيلية، وتطرح أفكارا أساسية لما جرى في المجتمع التونسي منذ بداياته المبكرة وحتى الآن”، وأضافت اللجنة مسلطة الضوء على الأسلوب السردي: “تتمتع الرواية ببنية مركبة وتقنيات متداخلة، لكنها ورغم هذا التركيب وربما بسببه لا تخلو من تشويق حقيقي يدفع القارئ لمتابعة رحلة البطل عبر تداخلاتها الزمانية والمكانية، والشخوص الكثيرة التي عبرت حياته وحياة تونس”.
أما رواية “سمك ميت يتنفس قشور الليمون” فقد شرح فيها خليفة مجتمع مدينة اللاذقية شديد التعقيد في ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين حيث تتمحور قصتها حول عدد من الشخصيات التي عاشت فيها واندمجت في مجتمعها المتنوع طائفيا واجتماعيا حيث استلم دفة السرد فيها أربعة رواة تربطهم الصداقة والحب والعمل المشترك فروت كل شخصية من هذه الشخصيات قصتها وعلاقتها مع باقي الشخصيات الأخرى التي تتقاطع مصائرها معهم فكانت رواية بوليفينية (نسبة إلى ميخائيل باخت) متعددة الأصوات ضمن سرد متصاعد يتأرجح زمنيا بين ماضي الشخصيات وحاضرها وقسمت لأربع فصول كل فصل منها ترويه شخصية من هذه الشخصيات وهم على التوالي سام ومريانا وموسى ومنال وهناك شخصيات ثانوية أخرى تربطهم فيهم الصداقة والعمل ضمن الفرقة الموسيقية التي شكلوها كأنس ومروة وروني ويارا بالإضافة لشخصيات من خارج الشلة كميسون ولميس.
صورة مصغرة عن مدينة كبيرة
يصور خالد خليفة في روايته هذه مجتمع اللاذقية من خلال عيون شلة الأصدقاء الأربعة التي تنتمي لطوائف وطبقات اجتماعية مختلفة فسام الذي يسرد الفصل الأول بصوته ينتمي إلى عائلة متنفذة من الطائفة العلوية فعمه لواء في مخابرات نظام الأسد يدعى فوزي أبو مضر يقوم باستغلال منصبه للثراء وفرض السطوة الاجتماعية وتساعده في تسيير أعماله القذرة هذه أخته أمل من خلال استغلال سلطته فتقوم بشراء الاجازات للمجندين في جيش النظام وتسهيل مقابلات الأهالي لأبنائهم المعتقلين لدى الفروع الأمنية مقابل مبالغ مالية كبيرة وسام نفسه منخرظ في هذا الفساد من خلال استغلال نفوذ عائلته فهو موظف حكومي يقبض راتبه دون أن يداوم في وظيفته بينما ابن عمته الأخرى غسان فهو على النقيض منه تماما لأنه معارض لهذا النظام الذي يمثله عمه ويتم اعتقاله لاحقا مايدعو أمه فاطمة للفخر بهذا الشيء. أما الشخصية الثانية في الشلة فهي ماريانا الشابة المسيحية المتمردة والتي تروي الفصل الثاني من الرواية بصوتها هي إذ تجمعها علاقة حب بسام وتتباهى بأنه هو الذي فض بكارتها بينما الذي فعل ذلك هو محمود مدرس الرياضيات أخو موسى صديقهم عندما كانت طالبة في الثانوية لكن حبها لسام عازف الغيتار في الفرقة لايستمر بسبب دينه المختلف الذي يقف عائقا بينهما فتضطر للزواج بجورج الشاب البخيل الذي تسافر معه إلى أميركا لكن طيف سام لايفارقها “سأكون بينهم وهم يمارسون العلاقة الحميمة”. أما الشخصية المحورية الذي يروى الفصل الثالث بصوتها هو موسى الشاب الثري إبن العائلة الأرستقراطية الراقية المعروفة في المدينة الذي يحكي لنا كيف وقفت أمه شاهيناز وخالته جورجيت ذات يوم ضد قرار إزالة الكورنيش الغربي وتوسيع المرفأ حيث تم ردم البحر وشوهت أجمل منطقة في المدينة وواجهتها البحرية، وموسى يحب منال التي تروي الفصل الرابع والأخير بصوتها وهي الشاعرة الرقيقة النقية التي تنحدر من عائلة حقيرة لاتشبهها بشيء فوالدها قواد يسهل زواج القاصرات بكبار السن من أجل المتعة، ولايتوانى عن تزويج إحدى بناته منهم بينما ابنته الكبيرة عاهرة وابنه منعم جلاد في أحد سجون النظام العسكرية يقوم بتعذيب المعتقلين حتى الموت حيث يروي لعروسه خضرة في إحدى المرات في حوار يدور بينهم كيف يعذبون المعتقلين عندهم حتى يموتون ويستمرون بتعذيبهم مرة ثانية وثالثة بعد موتهم. ويحكي لها كيف يبول أخوها غديرصديقه في الفرع على جثث المعتقلين وهو منتشي “هذا مصير كل من يرفع رأسه في وجه الرئيس” فتجد منال في موسى مخلصا لها من هذا القاع الذي تعيش فيه: “أعتبر نفسي قد ولدت من جديد وأصبح لي أما جديدة”، فيتزوجان في النهاية. وهناك شخصيات أخرى في هذه الفرقة الموسيقية التي أقامت حفلا واحدا فقط عبر تاريخها داخل كنيسة فكان حفلها الأول والأخير في المدينة، ومن هذه الشخصيات أنس ومروة العاشقين لكن مروة ترفض الهرب معه إلى لبنان للزواج وتقرر معاقبة أهلها بعنوستها بينما هو يقضي وقته بتعاطي الحشيش وكتابة القصائد الموزونة ثم يتزوج من مها عنبري لكن زيجته تفشل لأن طيف مروى يتلبسه ويسيطر على علاقته بزوجته فصوتها لايفارقه: “النساء أصوات”، وينفصل عن مها في النهاية وهناك روني ويارا العاشقين أيضا: “لم أستمتع بالمعاشرة مثلما استمعت معها فكل من عاشرتهم من قبل فقمات”، وهكذا تتفرق هذه الفرقة التي كانت تجتمع ذات يوم وتشرب الحشيش والخمر بالسر وتتخذ كل شخصية منها طريقها في الحياة فهم السمك الميت الذي مازال يتنفس، وهم قشور الليمون: “قشور الليمون هي نحن حين نقاوم الاندثار”.
هناك شخصيات أخرى في الرواية كشخصية ميسون التي تكره الرجال وتشتمهم بعد ترك حبيبها لها وزواجه من فتاة أخرى بعد علاقة حب دامت عشر سنوات. وهناك لميس المخبرة في جامعة تشرين، التي زرعها النظام عام ١٩٨٧ بين مجموعة من الطلاب اليساريين المعارضين للتجسس عليهم، وكتب التقارير بهم فتم القبض عليهم جميعا، ودخلت هي معهم إلى السجن للتمويه، وخرجت بعد عدة أيام، وكافأها النظام بجعلها مذيعة في التلفزيون الرسمي وأصبحت تقدم برنامجا فنيا.
بالإضافة لشخصيات الرواية المتخيلة هناك شخصيات حقيقية ذكرت أسماؤها الحقيقية كشخصية المترجم أسامة منزلجي الذي توفي العام الماضي وذكرت ترجمته لرواية ( ربيع أسود) للكاتب الأميركي هنري ميلر والشاعر منذر مصري، الذي شجع منال على كتابة الشعر ومكتبته (فكر وفن) التي كانت ملتقى لمثقفي المدينة، والمفكر الياس مرقص الذي رحل عام ،١٩٩١ والذي كان يتحلق حوله رجال الفكر في اللاذقية. كما تم ذكر الموسيقى التي كانت رائجة في تلك الأيام كأغاني بوب مارلي وعازف الساكسفون الأميركي لويس آرمسترونغ فقدم خالد خليفة توثيقا لعقدين من تاريخ المدينة في روايته هذه من خلال شخصياته وحياتها فيها. ولم يفته ذكر حادثة توسيع المرفأ وتبليط البحر التي أحزنت أهالي المدينة في حينها وسببت ندبة في نفوسهم مازالت حتى الآن بسبب هذا الاعتداء على ذاكرتهم وأيامهم الجميلة في هذه الكورنيش البحري الذي تمت إزالته.
الثورة قادمة لا محالة
قدم خالد خليفة في روايته هذه نموذجاً مصغراً عن سوريا اختزله في مدينة اللاذقية مفككاً مجتمهعا المتنوع، وعرّى فيها نظاما سياسياً ديكتاتورياً كان يسيطر على كل مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في البلاد من خلال مخابراته ففخخ هذه المجتمعات وزرع الكراهية بين مكوناتها حتى وصلت للانفجار وثارت عليه في العام ٢٠١١ فكانت هذه الرواية هدية أخيرة من خالد خليفة لمدينة أحبها ولم يعش ليراها مطبوعة باستثناء صفحتين فارغتين تركهما وهما لقصيدة خاصة بمنال وعنوان لفيلم إيطالي على الأغلب هو (ميمي العامل المطعون بشرفه). ونوهت دار النشر أن الكاتب ترك هاتين الصفحتين فارغتين ولم يستطع إكمالهما لأن الموت باغته وتوفي بسكتة قلبية.
مواضيع ذات صلة
مواضيع أخرى
تدريباتنا
هل سيتغير الوجه المدني لسوريا؟
بعد مرور أكثر من عامٍ على تولي الحكومة الجديدة شؤون الدولة، شهدت البلاد...
ورشة تدريب صالون سوريا
أجرى فريق #صالون_سوريا، دورة تدريبية عن الانواع الاعلامية والصحافة الحساسة...






