بواسطة فدوى العبود | مايو 2, 2023 | Culture, Roundtables, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
يعتبر حنّا مينه واحداً من الروائيين الأوائل الذين يؤمنون بأن القيمة الأثمن للرواية هي المعرفة، لقد فتح عينيه على القهر مُذ أبصر الاحتلال الفرنسي وصعود البرجوازية العربية التي لم تكن سوى نسخة مشوّهة ومزوّرة عن البرجوازيـــّة الغربيّة.
وبينما كان قرّاؤه يطلقون عليه روائي البحر/ شيخ الرواية السورية، مفتونين بهذه المنطقة من الوجود والمغامرة؛ فإن هاجسه الحاضر في حواراته وشخصياته: تمثل في النظر للكتابة باعتبارها فعلَ إيقاظ.
تظهر في سيرته الذاتية ومن خلال علاقة الابن بالأب سليم ميناـ والذي كان يتنقل بلا هدف “كان أبي رحالة، أراد الرحيل تلبية لنداء المجهول، ولطالما تساءلت: وراء أي هدف كان يسعى؟ – ملامح افتراق الروائي الشاب عن خطوات والده عبر تحديد هدفه في الحياة؛ لقد تأثر بمقاومين يصفهم بأنهم من طراز خاص، وأعجب بقناعة أن النضال الحقيقي هو في نمو إنسانية الإنسان؛ فلم يكن البحر ولا الغابة وهي -ملمح أساسي في أعماله-هاجساً جوهرياً بل مجرد وسيط وارتداد نحو الذات لاستكشافها، من خلال عقد حوار مع أحطِّ ما فيها كي نزيح التراب عن أسمى ما تحمله: (الوعي المصحوب بالإرادة الحقيقيّة للتغير).
لقد بدا وكأن هذا الماضي بالنسبة لنا نحن -والذي كان حاضر مينه ذات يوم – منذور ليجدّد نفسه وسيعاود شبحه الاستيقاظ في حياتنا الحاضرة، وهنا تأتي أهمية تناول تجربته ونتاجه الذي يفوق 40 عملاً بين الرواية والدراسات ومجموعتين قصصيتين وفي هذه الأعمال لم يكن حنا مينة ليأتي من خارج سياق معاناة هذا الشعب ولم يكن أبطاله ليخرجوا عنهم “فعشت معهم حافياً، عاريـــاً، جائعاً، محرومــاً من كل مباهج البراءة الأولى”.
في كتابه “الرواية والروائيّ” تلومه والدته على الحياة في قلب الخطر، خطر فقد الطفل العليل وخطر السجون والمنافي “وأنت تعطي نفسك للعذاب، في سبيل ماكنت تسميه التحرر من الاستعمار الفرنسي وتحقيق العدالة الاجتماعية”.
إنّ تحرّي مكانة أدبه في الملهاة السورية سيظل مبتوراً دون فهم رؤيته للعلاقة التي تصل الذات بالآخر. فمنذ روايته الأولى المصابيح الزرق 1954 وحتى كتابه الرواية وهو في عمر 80 ظل مهجوساً بفكرة الهويــــّة الإنسانية كأساس لأي انتماء، وهذه الهوية التي تتعرض الآن بسبب الحرب واللجوء لاختبارٍ عنيف، لقد زرعت الحرب الشك في روح الإنسان ورضّ هذا التحول علاقته بهويته رضّاً عنيفاً.
كيف نستعيد مينه في عصر الشتات؟
تبدو أعماله محاولة جديــــّة ومبكرة للإجابة عن هذا السؤال، وتكشف لنا شخصياته الساذجة والبسيطة عن إرادة النمو التي تميز هذه الهوية المغيبة بفعل النهب والتجهيل، إنها تريد التحقق لكن ذلك لا يمكن لها في البداية لأن المستقبل الذي يؤمن به مينه لا محل فيه من دون مسؤولية الذات إزاء الآخر أو الشريك في الوطن.
فالهوية التي رسمها في أعماله وشخصياته تطالب بحقها في الوجود لكن هذه المطالبة لا معنى لها إذا لم تقترن بالوعي والاكتواء بالتجرية؛ وبرغم تهتُّك أحلامها والشك بقدرتها على المقاومة فلن ينقذها سوى الوعي المستند للإيمان بشراكة الذات مع الآخر.
إن اصالة تجربته تتأتى من كون أدبه ثمرة نضاله وهو يصف نفسه “إن وعي الوجود عندي، ترافق مع تحويل التجربة إلى وعي”.
لقد اختار نماذجه من الأشخاص البسطاء، فالإنسان الأعلى في أعماله لا يصير ما هو عليه بدون الخطوة الأهم في طريق الحرية (الجهل والمشقة ثم التحرر وعبور الغابة المظلمة).
البحر في أعماله كناية عن صراع الذات لاختبار الإرادة، الغابة إشارة إلى الفطرة الأصيلة للإنسان، والمعتقل في “المصابيح الزرق” كناية عن بئر يوسف، والغرفة في “الثلج يأتي من النافذة” هي لحظة الكشف عن بذرة الحرية واتخاذ القرار.
بذرة الحرية ليست قيمة دخيلة على الإنسان، بل جوهر كينونته والجهل صناعة. لقد كان أبطاله على غراره يريدون تخليص العالم من الظلم، وبهذا الصدد يشير إلى نفسه: “لمساعدتهم على الخلاص من حمأة الجهل والسير بهم ومعهم نحو المعرفة”.
إن الروايات الغزيرة التي كتبها بدءاً من “المصابيح الزرق” 1954، “الثلج يأتي من النافذة” 1969، و”الياطر”، -197 ورواية “الشراع والعاصفة” ، 1993 نُسجت في عالم يبدو مثالاً على الانفعال المكثّف ضد وضعيّة قائمة، (سياسية، اقتصادية، اجتماعية)، بحيث يخوض شخوصه الذين ينحدرون من القاع الاجتماعي (عالم بحارة وصيادين وعمال ميناء) دورة حياتهم. يكتب معللِّاً اختياره: “كي أفتح عيونهم على الواقع البائس”.
لم يكن البحر إذن سوى وسيلة لشحذ الإرادة، وما الصراع معه سوى صراع مع الذات في فهمها لمفاتيح وجودها ولغزها العميق. إنّ القيمة الكبيرة التي يعود بها البحار من قلب البحر إما ماديــــّة أو روحيّة؛ ولكن لا أحد يعود فارغــاً فالسلة الخاليّة من السمك قد تملؤها حكمة جديدة.
لقدعاد يونس من بطن الحوت مزوّداً بالفهم، (فهم دوره ووظيفته)؛ وكذلك يوسف الذي ساعدته وحشة البئر على أن يستعد لِمِلكٍ ومكانة قُدرّا له، إن جلجامش أيضـاً تعلم في رحلته وعبر خسارة صديقه أنكيدو عن الأبديــّة والخلود.
لكن ماذا عن الذين عبروا البحر لاجئين، هل خرجوا من بطن الحوت!
ومع أن المعاناة التي يخوضها أبطاله فردية إلا أنها ضرورية لاكتشاف من نكون وحمل مسؤوليتنا إزاء الآخر. وفرادة حنا تكمن في هذا بالضبط، لذلك كافح الطروسي بطل الشراع والعاصفة من أجل العودة للبحر، لكن توجب عليه قبل ذلك محاربة محتكر الميناء والقوارب الخشبية وتحدي سلطته وهزم أعوانه لكي يثبت جدارته بالبحر والعودة إليه، إنــّه يذودُ عن حقوق الآخرين ويحمل هموم عمال الميناء، ويسبب القلق للمحتكر وأعوانه من أن يوعّي العمال بحقوقهم، وهو ينتظر استحقاقه بالنزول إلى البحر ومقاومة عواصفه وقبل ذلك عليه أن يثبت بطولته أمام عواصف البرّ من رجال الأمن والسراي والعملاء، وهي كالريح العاتية على الشراع لكنّه يقاوم.
لقد مُنِعَ من نزول البحر وفقد سفينته، فافتتح مقهى على الشاطئ بقرب البحر، ويمثل قول الأستاذ في الرواية خلاصة توجّه البطل “أن القضية ليست قضية فرد بل قضية مجتمع ينبغي إصلاح المجتمع”.
وهذه ال “ينبغي” هي التي حرضت الطروسي، إنّها هذا الرفض المشحون بالشجاعة؛ فالوعي قيمة مهمّة في مسيرة الإنسان للتحرر؛ ولكنها لا تكفي بدون الشرط الأهم: الارتباط الأخلاقي بالآخر ومصيرنا المشترك.
يكتب في سيرته الذاتية: “فأنا أعرف أن اليوم الذي أنسى فيه ناسي، أو أدير لهم ظهري، أو ينقطع حبل السرّة الذي يربطني بهم سيكون يوم توقفي عن الكتابة، وتاليًا عن الحياة”
لقد جسدت شخصياته الصراع من أجل التنوير لذلك سيعرضهم لاختبار أيوب، الفقر والمعاناة، التيه، ثم الخروج من النفق؛ لذا فهو يقيم الفجوة تلو الأخرى بين شخوصه وأفعالهم، إنّ فعلاًّ كالقتل الذي ارتكبه بطلالياطر –والذي ينتهي به هائماً على وجهه في الغابة-يبدو غير مفهوم لصاحبه ذاته وكأن انفعاله غير المبرر ينتمي لغيره، كذلك السجن بالنسبة لبطل المصابيح الزرق.
إن إدراك البطل لعالمه الداخلي ولأسطورته الذاتيّة، ووعيه العميق بقيمته كإنسان لاحقة للعزلة القسرية في الغابة أو السجن، لذا نجد شخصياته تعاني بداية من توهان وتحُاصر بشكوك ذاتيّة في إنسانيتها، تعيش وطأة الندم في كل ما تفعل فمصيبتها ماثلة في كيفية إدراكها لواقعها ولابدّ من النضال لبناء إدراك جديد
إن لديه قدرة هائلة على تشخيص جوانية أبطاله وتشريحها، عبر ارتدادٍ قاسٍ على الذات فشخصياته تجسيد للحظة التي ذكرها كونديرا “اللحظة التي تهمل فيها الرواية عالم الفعل المرئي لتعكف على اللامرئي في الحياة الداخلية“
وعبر تقنية الاستبطان، تتيح أعماله للقارئ فرصة المراقبة لتفتح ونمو الوعي لدى الشخوص فبطل “الياطر” فوضويّ ومتمردٌ على كل سلطة؛ يهرب للغابة بعد عملية قتل ارتكبها. وفي “الثلج يأتي من النافذة”سياسي يهرب من وطنه سوريا ملاحقًا إلى لبنان وتسهم عزلته وهروبه في تطور إدراكه للواقع وأيمانه بالكفاح العملي؛ وفي “المصابيح الزرق” تتحول شخصية البطل إثر سجنه، ومع أنه ينضم للجيش الفرنسي؛ لكن بفعلته سيحرض والده للخروج في مظاهرة ضد الفرنسيين، ويتدرج فياض بطلالثلج يأتي من النافذة من المعاناة والمشقة إلى المرحلة الأسمى المتمثلة في النضال الفعلي وكتابة منشورات تنويرية.
إن البطل حبيس جهله الأولي عاجز عن استيعاب وضعه اللاإنساني والذي يكمن في بقائه مدفوعًا من الآخرين نحو قدر لا يد له فيه، وشرط خروجه من محنته لا يختلف عن شرط خروج يونس من بطن الحوت، الذي أحاطت به ثلاث ظلمات، (ظلمة البحر، وظلمة الحوت وظلمة الليل) – والمقابل الرمزي في أعماله ظلمة الجهل وظلمة العجز وظلمة الشرطاللاإنساني (الفقر والامتهان) ولكن الأخير ليس سوى انعكاس للشرطين الأولين، لذا سيقسو على شخوصه عبر صنوف العذاب كالجوع والحمى والآفات الجسدية وتعريضهم لكافة أنواع الحرمان الجسديــّة والنفسيّة وعلى غرار صانع السيوف سيعرضهم للضربات العنيفة والكاوية.
تعكس أعماله في أعماقها رفضاً للخلاص الفردي والنظرة القاصرة التي ترى البشر: كمجموعة أنانيات، إن بطل “الياطر” سيقود الناس للثورة بعد رحلة التيه والجنون، وكذا بطل الثلج الذي يقرر: “لن أهرب بعد الآن، لن أهرب بعد الآن.”
يصف مينه عودة الشخصية في الياطر ” لم تكن له وجهة نظر واحدة، الحياة، في هذه الغابة، هي التي أعطته وجهة نظر، قوامها أن يكافح ليعيش، وقد كافح وعاش، وحين ظهر حوت آخر في ميناء المدينة، يعود رغم الخطر الذي يتهدده، وفي فعلته هذه بعد أن حولته شكيبة من وحش إلى إنسان، يسهم بعفوية في بناء العالم الجديد، إذا ما عرفنا أن الحوت هو رمز الأجنبي الفرنسي الذي جاء غازيــًا ومحتلاً سورية”.
ولأن ضريبة الجهل غالية تبرز أصالة المؤلف الذي عمل حمالاً في الميناء، وكتب أولى قصصه على الأكياس في امتزاج تجربته بأدبه وامتلاكه رؤية مستقبلية للهوية الإنسانية السورية؛ فمن رماد الجهل واستلاب الوعي تنبت جمرة الوعي بالذات وبالغير، وحنا مينة بحار وتعرفون معنى أن يكون المرء بحاراً، كلنا في السفينة معاً ولا نجاة لنا إن قفزنا منها فرادى دون اكتراث بالآخر الذي يشاركنا محنتنا.
“البحار لا يصطاد من المقلاة وكذلك لا يقعي على الشاطئ بانتظار سمكة السردين التافهة. إنه أكبر، أكبر بكثير، وأنا هنا أتحدث عن البحار، لا عن فتى الميناء”. لقد كان أدبه تجسيداً بليغاً لما عاشه، وهو يطالب بحقه من المستقبل.
أن نقدم إجابة وافية على سؤاله حول معركتنا الحقيقية، فهل هي مع الآخر أم مع جهلنا وضعف إدراكنا لواقعنا وقراءته بعمق؟ وما مسؤوليتنا إزاء بعضنا البعض؟
هل وصلتنا رسالته. وكيف تلقيناها؟ ومالذي سنضيفه إليها؟ وهو الذي يعترف أنه لم يستنفد كل الكلمات، ويشعر بمسؤوليته تجاه المستقبل الذي نحن سكانه الآن ” أوجه كلماتي إليكم، الآتون بعدي من الأجيال الشابة، إذا لم تكن لكم قلوب من تراب”.
*تنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا حول “المنعطف السوريّ”
بواسطة عمر الشيخ | أبريل 30, 2023 | بالعربية, تقارير, مقالات
قبل أن تتحول “الثورة” إلى منطقة المعارك غير المُجدية سياسياً لمستقبل سوريا، والتي أصبحت صورة لحلٍّ لا نهائيّ للأحداث، كنّا نرى كيف نشأت تحالفات إقليميّة كانت تهدف لفرض السّيطرة على المناطق السوريّة حسب الولاءات الدوليّة لأقطابٍ أساسيةٍ في المشهد السوريّ، وهنا يمكننا أن نلخّصها على النحو الآتي: القوّات الأمريكية مُمَوّلةٌ وحليفةٌ للميليشيات الكرديّة، شمال سوريا، والتي تبحث عن منطقة انفصاليّة قرب الثروة النفطية. القوّات التركيّة راعيةٌ وحليفةٌ لعشرات فصائل المعارضة المسلّحة وبعض الفصائل الإسلاميّة، وهي فصائل ضد النظام. ثم الحرس الثوريّ الإيرانيّ وميليشياته من جهة، والجيش الروسيّ ومرتزقته من جهة أخرى، كلاهما تحالفَ مع قوّات النظام السوريّ، وهم ضد فصائل المعارضة المسلّحة.
زحام تحالفات يُحيلنا إلى المزيد من التعقيدات ميدانيّاً وليس آخرها دخول تأثيرات الأنظمة العربيّة بشكل ملحوظ على المشهد السوريّ، دخولٌ ربّما لن يضيف شيئاً، عملياً، على توزان القوى العسكريّة بين أطراف الصراع في سوريا.
لم تعُد النظرة إلى أيّة خسائر ميدانيّة في الأرواح والبُنى التحتيّة، تخرج عن مكاسب هذه التحالفات ومن يقف خلفها، حتى لو كانت إسرائيل لاعباً في مشهد التدمير، إسرائيل العدوّ التاريخيّ لسوريا، والتي تحتلّ هضبة الجولان، هي من يستهدف قوة على الأرض السوريّة تخاصم قوّة أخرى سورية أو غير ذلك، والخاسر في الحالتين هو الشعب السوريّ على المستويين التاريخيّ السياسيّ والنفسيّ الاجتماعيّ.
إذاً، ثمّة تصعيدٌ لا يُستهان به على الأراضي السورية، ومع قلّة توفّر المصادر الإعلاميّة المُحايدة التي يمكن أن تنقل شيئاً من الحقيقة، يبقى الملاحظ من “مسلسل” الاستهداف هو صوت القصف الصاروخي الذي يقوم به الطيران الإسرائيليّ على مختلف المناطق السورية وفي أي وقت دون ردّ يُذكر عسكرياً من الجانب السوريّ، ذلك الصوت الذي يمكن تخيّله مع صور الرعب والفزع بين الناس والمتداولة عبر منصات التواصل الإلكترونيّة بعد كلّ طلعة عسكريّة تقتل فيها إسرائيل من تريد، ومتى تريد، وغالباً يكون المبرر هو استهداف نشاط إيران في سوريا، حسب ما يقال.
ترى كيف يقرأ السوريون ذلك في ظلّ تبريرات الإعلام والوجود الإيرانيّ والاختناق الاقتصاديّ؟ هل يعتقد البعض أنّ هناك إمكانيّة ردٍّ عسكريّ على تلك الضربات الجويّة، المُستمرة، منذ سنوات لسوريا؟ وإلى أيّ مدى يمكننا القول إنّ هناك متابعة للإعلام “الرسميّ” تواكب تلك المجريات بشكل واقعيّ؟
التخوّف الإسرائيليّ!
يعتقد الكاتب السوريّ مازن بلال أنّ “مسألة الاعتداءات الإسرائيليّة منفصلة عن مجمل المفاصل الحالية للأزمة السوريّة، وحتى في مسألة التواجد الإيرانيّ فإن أيّاً من الاعتداءات وفق المعلومات التي تتيحها المراكز المتابعة للحدث السوريّ؛ لا تتحدث عن استهدافِ تجمعاتٍ إيرانيّةٍ، وفي أفضل الأحوال فإنّ بعض الاعتداءات هي استهدافٌ محدودٌ لعناصر مُحدّدة” بحسب قوله.
ويضيف بلال في حديثه لموقع صالون سوريا: “بغض النظر عن صحة أيّة معلومة في هذا الشأن فإنّ الاعتداءات غالباً ما تستهدف بُنى تحتية عسكريّة، مراكز أبحاثٍ في معظم الأحيان، وفي الآونة الأخيرة نقاط حركة النقل الجويّ في إشارة لتتبع الاتصال بين دمشق وطهران على وجه الخصوص”.
ويعتبر بلال أنّ هذه الاعتداءات عملياً “لا تستهدف تمركز قوات أو مستودعات ذخيرة، فهناك محاولة إفشال ظهور قاعدة عسكريّة علميّة في سوريا، ومهما كانت الجهات وراء هذه القاعدة فإنّ التّخوّف الإسرائيليّ أصبح واضحاً جداً، فـ”إسرائيل” لا تريد أن ترى تحالفاتٍ عسكريّة غير تقليديّة قوامها لا يعتمد فقط على التعدّاد العسكريّ، بل على تطوير العلوم والأبحاث العسكريّة، فباستثناء حالتين أو ثلاث حدثت في بداية الأزمة، فإنّ حالات الاعتداء كانت تتبع التعاون العسكريّ أو تطورات البُنى العسكريّة” بحسب رأيه.
ويختتم بلال حديثه لموقع صالون سوريا بالقول: “لا يقدّم الإعلام السوريّ تفصيلاً عن المناطق المُستهدفة، وربّما لطبيعة الأهداف المُستهدفة، وهي عسكريّة بالدرجة الأولى، فهناك “تكتّم” إنّ صحّ التعبير، وليس هناك تبريرات لِما يحدث، فدمشق لا تحتاج لمبررات في ظلّ حالة العداء مع “إسرائيل”، وفي المقابل فإنّ “الردّ” ليس موضوعاً سهلاً لا على المستوى العسكريّ أو حتى الاستراتيجيّ، ودون الدخول بالتفاصيل فهناك توازن لا يرتبط فقط بسوريا، بل بالقوى الدوليّة المتواجدة على الأرض السوريّة” على حد قوله.
العلاقات الوثيقة
فيما ترى الناشطة السوريّة لبانة غزلان، الأمر من جهةٍ مغايرةٍ، وتعتبر أنّ “النظام في سوريا، غارق بأزماته؛ بحقّ الردّ، وذلك دليل واضح على عدم امتلاكه القرار والسيادة على كامل أراضيه حسب ما يدّعي الموقف الحكوميّ ومن خلفه الإعلام الرسميّ”.
وتضيف غزلان في حديثها لموقع صالون سوريا أنّ “قرار الردّ؛ سواء أكان النظام يمتلك القدرة العسكريّة بعد اثنتي عشرة سنة من حرب حصار اسُتنزفت فيها الموارد والمؤسسات العسكريّة من أجل قمع الثورة السوريّة، وإعادة بسط سيطرة النظام بالقوة على المناطق المُحرّرة بدعم إيرانيّ وروسيّ. إلاّ أنّ النظام لا يملك قرار المواجهة، وبرأيي أنّه يمثّل اليوم واجهة لتمرير سياسات روسيا في المنطقة، على الرغم من محاولات تعويمه عربيّاً، إلا أنّه ليس صاحب قرار” بحسب ما ترى.
وتعتقد غزلان أنّ تلك الجوانب باتت “واضحة اليوم للأغلبيّة العُظمى من الناس داخل مناطق سيطرة النظام السوريّ، وهي أغلبيّة رافضة للوجود الإيرانيّ، بكلّ أشكاله، ولكنّها محكومة بسلطة الأمر الواقع، وتعيش كلّ يوم في حينه، بسبب سوء الوضع الأمنيّ والمعيشيّ والذي لن يتغيّر بوجود هذا النظام ودون الانفتاح على حلّ سياسيّ وإعادة إعمار” حسب تعبيرها.
وترى عزلان أنّ الناس في سوريا اليوم، ينظرون إلى الضربات الإسرائيليّة قائلين “يدبّ كيدهم بنحرهم” إذا كانت تلك الضربات تستهدف الوجود الإيرانيّ في سوريا. بينما الإعلام -كعادته- ينظر إلى الغارات الإسرائيليّة على سوريا كأنها انتصار (…) وهنا نتذكر المدعو “خالد العبود” الذي يعتبر “القصف الإسرائيليّ المستمر لسوريا هو دليل على أنّها موجوعة (!) أو قد ينقل هذا الإعلام خبر أضرار القصف مع تهويل بعدد الصواريخ التي استطاع جيش النظام التصدّي لها مع التأكيد على موقف “المقاومة الواهية” التي باتت واضحة بالنسبة للناس بعد الثورة”” على حد قولها.
نتائج محسومة
ومن جهة أخرى، يقول الكاتب الكرديّ السوريّ شفان إبراهيم، لموقع صالون سوريا: “أعتقد أن القصف الإسرائيلي عادةً ما يأتي رداً على التواجد الإيرانيّ في سوريا، ورغبة من “تل أبيب” في فرض قواعد اشتباك ونقاط تماس تدخل في صالحها. خصوصاً وأنها تعي أنّ حجم الإنهاك الذي أصاب الجيش السوريّ لن يسمح له بالردّ مخافة استفزاز سلاح الجو الإسرائيليّ والقوة الأمريكية الموجودة في قاعدة “التنف” عند المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، في محافظة حمص”. ويضيف شفان “إنَ النتائج ستكون محسومة، نتيجة فائض القوة وفوارق التسليح، ونتائج عقد من الحرب إضافة لوجود تلك القوات مع إسرائيل”.
كما يشير شفان إلى أنّ الإعلام الحكوميّ في كلّ مكان هو “لتسيير وتنفيذ وترويج سياسات حكومته، وبالتالي هو يقول أشياء لن تقنع أحداً سواه، وليس المهم هنا ما يقوله، المهم من يصدّق ما يقولون؟” على حد تعبيره.
بواسطة طارق علي | أبريل 27, 2023 | Culture, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
“العمل مهم جداً، وعلى الصعيد الدرامي جيد للغاية، استمتعت به فعلاً، ثم هل يعقل أن يكتب سامر رضوان عملاً يخلو من رسائل ومضامين عميقة! هناك ملاحظات لا شك، لكنّ هذا العمل دخل المحظور، وبالمناسبة أصرح لأصدقائي هنا في دمشق بشكل طبيعي أني تابعت العمل (ابتسم أيها الجنرال)، ولكن حين أصرح للإعلام ربما يجب أن استخدم اسماً مستعاراً.” يضحك المهندس جمال في نهاية حديثه، مؤكداً مجدداً أنّ الأمر لا يستحق كل هذا الإخفاء والتستر، واصفاً الأمر بأنّه ليس اتجاراً بالمخدرات، وما هو إلّا محض عمل درامي، ولكن من نوع خاص للغاية، على حد تعبيره، عمل يخرق المحظور ويؤسس لفن جديد غير مسبوق.
وفي معرض حديثه يقول: “أليست بداية كل حلقة تقول إنّ جميع شخصيات المسلسل وأحداثه من وحي خيال الكاتب! وإنّ أي تشابه بينها وبين شخصيات حقيقية هو من قبيل المصادفة! لذلك علينا ألّا نحمل الأمر أكثر من حجمه، ولكن المشكلة في أولئك الذي نخزتهم مسلة المواقف والمبادئ والقضايا والشعارات، فراحوا يعيبون علينا مشاهدته، مبتعدين أكثر نحو تخويننا في مرات”.
وحول ذلك يروي جمال موقفاً حصل بينه وبين زميله في العمل: “كنا نتحدث في المكتب بشكل طبيعي عن أعمال رمضان هذا العام، وفي سياق الحديث أبديت إعجابي بالعمل وإسقاطاته (الرهيبة)، فما كان من أحد زملائي إلّا أن انتفض واصفاً العمل بالكاذب والرجعي والمؤامراتي والمكائدي متهماً إيايّ ببيع القضية ودم الشهداء. حقيقةً لم أفهم المقاربة، ما علاقة الدماء والقضية بعمل درامي تشويقي ليس توثيقياً وغير مألوف على المستوى العربي!”. ويوضح جمال أنه بهدوء امتص غضب زميله خشيةً أن يكون من أولئك الذين يكتبون تقاريرَ أمنية وقال له: “رويدك، العمل كلّه خيالي، لا شيء فيه حقيقي، نتابعه لنتسلى فقط، ولنشاهد عن قرب كواليس المؤسسات العليا كما صورها خيال الكاتب. وبعد ذلك صرت أكثر حذراً حين أحدث أحداً بما أتابعه من مسلسلات رمضانية، تخيل، حتى المسلسلات صارت تخضع لميزان القضية، ونحن كما تعلم، قضايانا في هذا الشرق أكبر من تعداد سكانه”.
بورتريه
مسلسل “ابتسم أيها الجنرال” عمل سوري من إنتاج شركة ميتافورا وإخراج عروة محمد وتأليف سامر رضوان صاحب التجارب البارزة في الدراما السورية، وعلى رأسها أعمال مثل دقيقة صمت ولعنة الطين والولادة من الخاصرة، وكلّها أعمال أثارت جدلاً واسعاً في المجتمع السوري حين عُرضت. والمسلسل من بطولة نخبة من الممثلين السوريين المقيمين في الخارج، ومنهم: مكسيم خليل، عبد الحكيم قطيفان، غطفان غنوم، ريم علي، عزة البحرة، مازن الناطور، سوسن أرشيد.
المسلسل الذي اصطلح سوريو الداخل على تسميته “هداك المسلسل” كنوع من المواربة في مكان، والتندر في مكان آخر، يتناول قصة عائلة تحكم بلداً افتراضياً اسمه “الفرات”. وفي تلك العائلة يخوض رئيس البلاد وأخوه الضابط صراعاً عنيفاً في محاولة كلٍّ منهما أن يحوز السيطرة الكاملة على البلد الذي يتم تقديمه في كثير من المشاهد كمزرعة شخصية لتلك الأسرة التي تكون كل شخصياتها مستعدة لإحراقها في سبيل انتزاع السيطرة التامة عليها.
عرض العمل على شاشتي العربي الجديد، وتلفزيون سوريا “المعارض”، في حين أحجمت معظم القنوات عن شراء حقوق بثه بحسب مصادر خاصة لـ “صالون سوريا” رغم عرض الجهة المنتجة العمل على أكثر من جهة، ليظل التلفزيون العربي الذي يبث من قطر ممسكاً بزمام مبادرة العرض الأول متمسكاً بموقفه من حتمية العرض.
وإبان عرض العمل، صرح زيد العظم (محامٍ سوري معارض مقيم في فرنسا وعضو في حزب النهضة الفرنسي الذي يرأسه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون) أنّه جرى تحريف المسلسل بعد أن خرج كنص من يد المؤلف، وبحسب العظم فإنّ النص الذي شاهده الناس على الشاشة ليس النص الأصلي، بل هو نسخة معدلة وملطفة.
ويؤكد العظم وفق معلوماته أنّ العمل الأولي سمى الجمهورية موضع النقاش الدرامي بدولة “العرين” وليس دولة “الفرات”، ورئيس الجمهورية “بشر” وليس “فرات”.
حرب المحاور
وبالعودة لـ “هداك المسلسل” فتكفي كتابة كلمة “هداك” على محرك البحث الشهير “غوغل” حتى تنهال النتائج المتتالية عن “ابتسم أيها الجنرال”، فالعمل باسمه الجديد سرعان ما صار بلغة السوشال ميديا “تريند”.
الأمر لم يتوقف عند حدود رغبة المشاهد وقناعته بما يرى، فانبرت منابر لتشرح للمشاهد ما عليه التفكير به خلال مشاهدته للعمل، أحد التلفزيونات قال في تقرير له إنّ شوارع دمشق خلال شهر رمضان تفرغ من المارة في الساعة العاشرة مساء لأنّ الجميع يذهبون لمنازلهم لمشاهدة المسلسل، وحقيقة هذه الرؤية الشمولية غير منطقية، فمن المعلوم أن لا كهرباء في البلاد أصلاً، والعمل بطبيعة الحال متاح على يوتيوب دون حقوق ملكية، ويمكن مشاهدته في أي وقت، ويكمل التلفزيون في أحد تقاريره أنّ العائلات السورية في الداخل تجتمع بعد الحلقة لتناقش مضامينها.
ومن جهة أخرى، نشرت إحدى الصحف اللبنانية المعروفة مقالة نالت فيه من العمل واصفةً ما يقدمه بالأحداث البطيئة والخطاب السياسي الساذج مكيلةً له مختلف ما هو معروف من الاتهامات الذي تستهدفه كعمل مقللةً من شأنه حتى كادت تساويه ككل بتلك اللوحات البسيطة التي يعرضها الفيس بوك لمتابعيه بغرض التسلية ليس إلّا.
أنا أشاهده
يُبدي خريج إدارة الأعمال عبد الناصر استغرابه من كثر الأخذ والرد حول مسلسل “ابتسم أيها الجنرال” ويشرح موقفه: “لماذا عليّ أن أخفي مشاهدتي للعمل؟، أليس من فيه سوريون؟، أليس لهذه الحرب مواقيت ستنتهي بها ونتصالح جميعا مع تبويسة شوارب، علينا أن نتغاضى كثيراً، ثم هل تعتقد أنّ أجهزة المخابرات لا تتابعه؟، يا سيدي، المخابرات ليست كلها كما تسوقه الروايات المتواترة، ففيها ما فيها من أناس عاديين، ولست في معرض الدفاع عن أحد، أنا لست مهتماً أصلاً، ولكنّه عمل درامي وكفى، وقالوا ألف مرة إنّه محض خيال، ماذا عليهم أن يفعلوا أكثر؟”
وحين سألنا الحقوقي فايز عيتوني إن كان شاهد “هداك المسلسل”، ضحك مطولاً وأجاب: “تماماً، هو هداك المسلسل، كدنا ننسى اسمه الأصلي، وفي اسمه الجديد تندر كبير وسخرية من الواقع الذي نعيشه ومقاربة كوميدية سوداء لحالنا”. ويكمل: “لنكن واضحين، في مكان ما هذا عن العمل متنفس جيد، ففيه ما فيه من خرق لخطوط حمراء في سوريا، ولدى العرب عامةً، خطوط لم يحدث أن خرقت، فما من عمل تناول كواليس صراع عائلة تحكم بلداً عربياً، فالعمل بحد ذاته جديد ويكتسب أهميته من جرأة الطرح، بمعزل عن موقفنا السياسي، وبالمناسبة أنا لا أتفق مع ذلك الخط السياسي، ولكنّ شيئاً من الفضول جعلني أشاهد كل حلقاته”.
هرطقة
من وجهة نظر الشاب منتصر زايد فإنّ العمل “هرطقة” قائلاً: “هل نختفي وراء إصبعنا؟، العمل واضح لمن هو موجه، وواضح من هم المستهدفون، حتى لو ظلّ صناعه يقولون لمئة عام إنّه عمل خيالي، الاستهداف لسوريا ومؤسساتها وصمودها وشعبها واضح، وتسميته بـ (هداك المسلسل) لن تمحو عنه عار نهشه في جسد البلد”.
أما بالنسبة لعمار متيناوي الطالب في كلية الصيدلة فإنّ العمل واضح الأهداف والرسائل، يقول: “العمل مليء بالإسقاطات، ولكن انظر من حولنا، في الشارع والسوشال ميديا، الناس بجرأة تقول إنّها تشاهده، هذه الحرب كسرت الكثير من الخطوط الحمراء، وقد لا أكون معجباً بكمية الإسقاطات تلك، ولكنّه عمل ينبغي مشاهدته لأسباب عدة، ولكن ما يجعلني أقلق هو أنّ النوايا فيه بالتأكيد ليست مثالية، وهذا بحدّ ذاته مشكلة، ولكنّه بالمحصلة يبقى (هداك المسلسل) الذي لا أحد يريد قول اسمه”.
الكوميديا السوداء
شبان آخرون التقاهم “صالون سوريا” أبدوا امتعاضهم من العمل متهمين إياه بذر الرماد في العيون وتقديم صورة مبالغ بها عن الحال في بلادهم. في مقابل كثر يتابعونه ويهتمون به. وفي موقف الطرفين هذا انقسام آخر يضاف ليوميات السوريين المشبعة بالانقسام، ولكنّه هذه المرة في البيئة الحاضنة للسلطة نفسها. وفعلاً نسبة مشاهدة العمل مرتفعة، ومردّ ذلك عوامل كثيرة، الإعجاب بالمضمون إحداها، والفضول كذلك، وحتى القهر والعدمية ساهما في رفع نسبة المشاهدة، فالناس في هذه الظروف ناقمةٌ على الهواء الذي حولها، فأمام الجوع المقيم في البطون، تسقط الكثير من المعادلات، ويظلّ الحديث عن مشاهدة “هداك المسلسل” مشروعاً ولكن بالطريقة السورية، الطريقة التي تقارب الوجع بالكوميديا السوداء.
ظلّ الجنرال (مكسيم خليل) عابساً حتى آخر مشهد في المسلسل حين قتل شريك نضاله بالسم، تاركاً الباب موارباً على جملة من الاحتمالات المفتوحة التي تركت للسوريين هامشاً غير مسبوق بالتصور والإسقاط والاستدلال، فهل كانت تلك فعلاً رواية عن عائلة حكمت بلداً عربياً؟، هل كانت رواية عن رئيس حالي أم رئيس سابق؟، هل بابتسامة الجنرال تلك تنفس السوريون واستعادوا شيئاً من خفايا الماضي التي كانوا يتهامسون حولها سراً خلال عقود! والأهم –بحسب كثر- كيف لم تحجب السلطة في سوريا العمل عبر المنصات التي كانت تنقله؟، هل ما حصل هو شيء من تلك السياسة التي سمحت للماغوط يوماً أن يقول على لسان دريد لحام ما كان يشكل أكثر تابوهات السياسة إيلاماً للسلطة فداء (للتنفيس) عن شعب غاضب!
بواسطة Salon Syria Team | أبريل 25, 2023 | Roundtables, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
يُعنى صالون سوريا، بتقديم قراءة تأويليّة مُعمَّقة لشخصيات حققت انعطافات جوهريّة في التاريخ الثقافيّ للشعب السوريّ في القرن العشرين، وكان معيار انتقاء هذه الشخصيات قائماً على استنساب خيطه الهادي الوحيد هو الأصالة الفرديّة، إذ الهدف المنشود من هذا التوجُّه هو تبيان إلى أي مدى استطاع سوريون أُصلاء أن يحققوا، بصفتهم أفراداً، تأثيراتٍ حقيقيّة في بلادهم، على نحوٍ أسهم في تغيير طبيعة الوعي الاجتماعيّ في سوريا.
لقد كانت بداية القرن العشرين فاتحة حقيقية لإثبات الإنسان السوريّ ذاتَه، سواء أكان رجلاً أم امرأة، إزاء العالم كلِّه، فما كادت سوريا تخرج من ظلام الاحتلال العثماني التركيّ حتى دخلت تحت أغلال الاستعمار الفرنسيّ، فكان ضروريّاً جداً أن تنبثق هُويّة سوريا بإشعاعات كثيفة لا تنضب من أعماق أبناء شعبها.
وهنا نجد تجليات رائعة للعقل السوريّ في مختلف ميادين الحياة، تحديداً الثقافيّة منها، ولا شك في أنَّ هناك أسماء معروفة للمبدعين السوريين في هذه الحقبة؛ ولكن في المقابل توجد أسماء مجهولة لا تعرفها إلا قلّة قليلة من المهتمين. غير أنَّ الأسماء المعروفة أنفسها تحتاج إلى قراءات جديدة تكشف جوانب خفيّة أو غير مكتشفة في تجاربها.
من هنا يجد هذا المشروع مسوِّغاته، فإرجاع روح الحضارة السوريّة إلى ينابيعها الأصيلة الحقيقية أمر تقتضيه ليس فقط الأمانة التاريخيّة؛ بل تفرضه ضرورة محاولة إعادة الثقة للإنسان السوريّ بقدراته الإبداعيّة الخلاقة التي توجد الآن على هيئة إمكانيّة في كل شاب وشابة سوريين، لذلك لا بدّ من إعادة اللهب المتوقد لنار الإبداع السوريّة بإحياء ذكرى مبدعين كبار رفعوا راية سوريا إلى أعلى ذروة، وهكذا يتصل الماضي المضيء بحاضر يبحث عن الاستنارة.
وستكون منهجيّة تقديم هذه الشخصيات السوريّة متجاوزة للتوثيق والأرشفة والعرض على الطريقة الأكاديمية الكلاسيكيّة؛ لأنها ستتجه نحو التركيز على أعماق جوهريّة معاكسة للقراءات السطحيّة المعتمدة على المنهج التأريخيّ على نحو تامّ. وبذا يمكن إعادة تكوين فهم-رؤياويٍّ للهُويّة الثقافيّة السوريّة.
عناوين المواد المنشورة ضمن الملف:
أنطون مقدسي: كاهن التنوير ١٩١٤- ٢٠٠٥
استعادة حنّا مينة
نازك العابد (1887-1959): تأثيرها في الفضاء العمومي السوري في النصف الأول من القرن العشرين
عبد الكريم اليافيّ: عالم الفيزياء متصوِّفاً
فيلسوف سوري مجهول
أحمد برقاوي والطَّريقُ الفلسفيُّ المُستحيل
الشحرور الذي غرّد خارج السرب
ماري عجمي:رائدة الصحافة النسوية السورية
صباح فخري.. مدرسةٌ غنائيةٌ شاملة ومسيرةٌ حافلة بالفن والإبداع
سعد الله ونوس: مسرحي بحجم وطن
أبو خليل القباني.. المبدعُ الخالدُ بفنه الأصيل
صُعلوكٌ عربيٌّ جاهليٌّ بزيٍّ مُعاصِرٍ أنيقٍ وبعِطرٍ فرنسيٍّ جذّاب
المانوليا الدمشقية (إلفة الإدلبي ١٩١٢-٢٠٠٧)
محمد الماغوط الحداثي الساخر من الحداثة
سَاطِع الحُصْريّ أو مأساة الجُذُوْر
عبد الرحمن الكواكبيّ وحيداً يعبرُ درب الآلام
شعاع من الفن التشكيلي السوري: نصير شورى (1920-1992م)
نذير نبعة: رسام الحياة ومؤرِّخ الألوان السورية
حليم بركات طائر الحوم الذي لم يعد
جورج طرابيشي بين الفلسفة والأدب
عمر أميرلاي: رائد السينما التسجيلية السورية وصانع نهضتها
فاتح المدرس: آخر ما يموت في غابة الدهشة هو اللون
إلياس مرقص فيلسوف المثال والواقع السوري
أنطون سعادة: جُرح في الزوبعة
عمر البطش مدرسة متفردة في فنون الموشحات ورقص السماح
بواسطة محمد الواوي | أبريل 23, 2023 | العربية, تقارير, مقالات
يوفر موسم الكمأة سنوياً مصدر رزق لعائلات سورية في المحافظات المتاخمة للبادية السورية الشاسعة بشكل خاص بالتزامن مع معدل تضخم غير مسبوق وارتفاع نسبة الفقر في البلاد.
ويترافق ظهور الكمأة في البادية مع الأمطار الغزيرة المصحوبة بالبرق والرعد، لذا تعرف هذه الثمرة باسم “بنت الرعد” أيضاً. ويبدأ موسم القطاف عادة بين أشهر شباط ونيسان من كل عام، حيث تنتشر الكمأة في بوادي حمص وحماة ودير الزور والرقة، وتشكل البادية السورية عموماً نصف مساحة البلاد تقريباً.
تقول ريم (ريف الرقة الشرقي-بلدة الحمدانية) لـ “صالون سوريا”، “إن موسم الكمأة في البادية مبشر هذا العام، لكن بعض الناس يحجمون عن الذهاب خوفاً من الهجمات المسلحة على غرار ما تعرض له رعاة الأغنام سابقاً”.
تكمل ريم حديثها “يغامر بعضهم بالذهاب لما سيحصل عليه من مردود مادي جيد، حيث يجني بعض البائعين أكثر من مليوني ل.س في اليوم الواحد”.
وتتميز الكمأة بقيمتها الغذائية العالية، وذلك لاحتوائها على نسبة عالية جداً من البروتين الغني بالأحماض الأمينية الأساسية. ويشبه طعم الكمأة لحم الضأن، وهي سهلة الهضم، غنية بالفيتامينات خاصة فيتامين C، والمعادن.
يعدد سعد وهو أحد جامعي وبائعي الكمأة في منطقة الحمدانية أشهر أنواع الكمأة؛ منها: “الزبيدي، والهوبر”.
يتراوح سعر كيلو الكمأة في سوق الحمدانية بين 40 و60 ألف ل.س حسب الحجم والنوع، أما الزبيدي فأكبر حجماً، أبيض اللون، ويبلغ سعره بين 15 و25 ألف ل.س.
يستخرج الجامعون الكمأة من مناطق متعددة في البادية المجاورة مثل منطقة جبل البشري، وتبعد المسافة عن البلدة أكثر من 65 كيلو متراً، وفقاً لما يبينه سعد.
يروي سعد أيضاً: “يتحمل جامعو الكمأة مشقة التنقل لكن العمل يدر ربحاً مجزياً، حيث يبلغ نصيب الشخص بين 400 ألف ومليون ونصف ل.س يومياً بحسب خبرة كل فرد، وعلى الرغم من الوفرة هذا العام إلا أن إقبال الأهالي ضعيف بسبب ارتفاع الثمن، بينما يندفع التجار للشراء أكثر بهدف التصدير”.
بيد أن جني (الكماه)، كما يطلق عليها محلياً، محفوف بالمخاطر مع انتشار الألغام والذخائر المنفجرة من مخلفات الحرب، يضاف إلى ذلك أن هذه المناطق ليست آمنة وما زالت تشهد هجمات مسلحة بين مدة وأخرى، حيث توفي وأصيب مواطنون/مواطنات في السنوات الماضية أثناء جمعهم الكمأة.
وتوفي خمسة مواطنون وأصيب أكثر من ٤٠ بانفجار لغم بشاحنة كانت تقلهم أثناء توجههم لجمع الكمأة بمنطقة كباجب بريف دير الزور الجنوبي الغربي في آذار 2023، (وكالة الأنباء الرسمية “سانا”)، وتناقلت وسائل الإعلام أخباراً عن حوادث مماثلة العام الماضي أيضاً.
وفي هذا الصدد، سجلت سوريا أكبر عدد من ضحايا الألغام عالمياً في عامي 2020 و2021 متقدمة على أفغانستان، بحسب التقرير السنوي لـ (مرصد الألغام الأرضية) الذي نُشر في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.
وتصل الكمأة إلى الأسواق الرئيسة في المحافظات السورية مثل سوق باب سريجة في العاصمة دمشق، ويتراوح سعر الكيلو الواحد منها بين 25 و100 ألف ل.س بحسب جودتها ونوعها وحجمها.
وتجذب الفطريات البرية الصحراوية المرصوفة على شكل تلال صغيرة في السوق التاريخية انتباه المارة والمستهلكين، وعادة ما يتحلق مواطنون ومواطنات حول أحد بائعي الكمأة الذي يعرضها بمفردها أو إلى جانب أنواع مختلفة من الخضار، ليعاينوا حجمها وملمسها، في حين يكتفي آخرون بمقارنة الأسعار بين البائعين المتجولين (البسطات) والدكاكين المنتشرة في أماكن متفرقة.
والكمأة أكلة مفضلة لكثير من العائلات السورية، ومنها عائلة منصور (مدينة حلب) التي دأبت على شرائها بشكل منتظم، ويشير منصور إلى تراجع هذه العادة في السنوات الماضية لارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية.
لجأت عائلة منصور إلى تموين الكمأة بالطرق التقليدية وحفظها في الثلاجة عندما يكون الموسم وفيراً والسعر منخفضاً. يقول منصور “نأكلها عادة مع اللحم إلى جانب الرز واللبن”.
يعد رامي (إدلب) الكمأة أكلته المفضلة سابقاً، ويستذكر طريقة إعدادها عندما كان ميسوراً “نغسل وننظف الكمأة بشكل جيد، ثم ننظمها في أعواد حديدية مع قطع من لية (دهون الذيل) الخروف، وتشوى على نار هادئة لكي تحافظ على طراوتها”.
تقسم سورية إلى خمس مناطق استقرار زراعية وفق معدل الهطول المطري في سورية، وتقع البادية ضمن منطقة الاستقرار الزراعي الخامسة، وهي لا تصلح للزراعة البعلية، لكنها تتميز بأنها صالحة لإنبات الأعشاب، وتستعمل مراع عندما تهطل كميات كافية من الأمطار، طبقاً لبيانات (المكتب المركزي للإحصاء) في سورية.
بواسطة دعد ديب | أبريل 19, 2023 | Culture, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
“الحياة والموت وجهان أبديان للعبث”، بهذه التداعيات للأفكار الملتبسة يدخلنا هوشنك أوسي في تفاصيل روايته الثالثة “الأفغاني –سماوات قلقة” الصادرة عن دار خطوط وظلال الأردنية لعام2021 إلى أجواء مكابدات بطله ذي الحيوات الممتدة في التاريخ، وهو الملقب بالأفغاني على الرغم أنه لم يثبت على انتماء محدد لبلد أو مكان، فكل صديق اقترب منه أو صاحَبه يجزم بانتمائه إلى بلده وإلى مكان يخص من جاوره، وما يعنيه ذلك من المعرفة العميقة والحميمة بصفاته وتاريخه، في مشابهة مع فكرة رواية بول أوستر “4321” بالمصائر المتعددة للشخصية الواحدة.
الرجل الاستثناء الذي يتجول بين العصور، هذه الشخصية المتنوعة بمنعرجاتها الفكرية والموشحة بالشعر والرومانسية في القصائد المتروكة بعهدة كل صديق وكل منها بلغة مختلفة ما يؤكد عمق انتمائها الذي يدعيه في مخاتلة من الكاتب الذي يكاد في كل رواية لحياة منها أن يقنعنا بها ليراوغنا في الحكاية الثانية فما أن نقارب على الاقتناع حتى يقوض فهمنا التالي للشخصية التي خلقها ببراعة في مرويات من شهده وعاشره قبيل مصرعه.
هذا النسج لشخصيات متعددة تتوالد من شخصية واحدة فيما بقي في ذهن من عاصروه، الشخصية الإشكالية التي استطاعت أن تحوز على ثقة واهتمام كل من التقاه على الرغم أن الراوي لم يقابلها إلا خلال فترة بسيطة في معسكر اللجوء في جزيرة خيوس اليونانية التي جمعت أطيافاً بشرية من كافة أنحاء البسيطة، ليتم جمع كل هذه المعلومات من خلالهم بعد موت هذه الشخصية ورغم الشكوك التي تحيط بهذه النهاية ولكن الكاتب أدار دفة العمل لما يغاير المنحى البوليسي في البحث عن القاتل وجعله في معرفة القتيل من خلال معارفه، فالأول منها يعتقد ومتأكد من أنه مصري من عشاق عبد الحليم حافظ والمقرئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد ومن الذين شهدوا حرب مصر مع إسرائيل وله رأي يظهر فيه تخاذل السادات.
الشخصية الثانية للأفغاني يفترضه فلسطينيًا هجر من أرضه و كبر وسط المأساة وعانى من نكبات متتالية؛ تهجير 1967؛ ومن ثم أيلول الأسود في الأردن؛ وبعدها شارك بحرب1982 بلبنان؛ وانتقل مع المقاتلين الفلسطينيين إلى تونس ومنها إلى لندن وبعدها رجع يتنقل بين العواصم خاصة بعد توقيع اتفاقية أوسلو ليترقى في المناصب الأمنية وبعدها استقال محاولًا الرجوع إلى حياته وتجارة الأقمشة ومعاودة القراءة بعد أن يئس من السياسة، لأن بداية انتمائه الحزبي كانت مشحونة بالأوهام عن أعداء الثورة الواجب تصفيتهم، الأمر الذي خلق مناخ الاحتراب بين الفصائل الفلسطينية، ما جعله يكره ذاته إضافة لرأيه في قضية محمود درويش وناجي العلي بمن يخسر كل شيء ومن يفوز بكل شيء، وقد كان قد قرر أن يفجر قنبلة وأن يعترف بأنه أحد المتورطين باغتيال ناجي العلي لكنه اغتيل دون ذلك.
الشخصية الثالثة للأفغاني يفترضه أفغانيًا يعاني من تبعات ومخازي الاحتلال الأميركي وفجور جنوده وتعنت طالبان.
الشخصية الرابعة جزائري ابن يهودي تربطه علاقات مع قيادات الثورة الجزائرية والسلطات الفرنسية معًا الأمر الذي جعله في مرمى تهديدات المتطرفين أيام العشرية السوداء التي عصفت ببلد المليون شهيد.
الشخصية الخامسة تونسي أبوه شيوعي معارض للحبيب بورقيبة وقضى بالسجن ردحًا من الزمن ما اضطر الابن لترك المدرسة وإعالة أمه وإخوته بغياب أبيه
الشخصية السادسة إيراني جده من حزب تودة غدر بهم ستالين وأطلق يد الشاه في قمع جمهوريتي المهاباد الكردية وأذربيجان الإيرانية.
الشخصية السابعة كردي والده متورط بالصراعات الكردية الإيرانية والعراقية ووصية والده له بعد انتحاره هي الابتعاد عن السياسة فمن دخل مستنقع السياسة لن يخرج منه نظيف العقل والروح والضمير واليدين، وهو في كل هذه الشخصيات ثمة من يستهدفه ويفكر في تصفيته، ودائمًا ثمة قصيدة بلغة ما تؤكد انتماءه للشخصية التي لبسها عندما يتطور الحدث كبؤرة تتسع باستمرار للإيغال في تفاصيل شخصيات تتفرع من شخصية واحدة.
هذا التكنيك في السرد المتشظي تجاه قضايا عدة افترضتها الشخصيات المتناسلة التي نسجها ببراعة وهذا التنوع الذي خلقه في الحيوات العابرة للزمن والمتوزعة بانتماءات عدة من هوية مصرية وكردية وإيرانية وفلسطينية وسواها عاد وضيقها في الجزء الثاني من العمل بحصره استحضار الأحداث في موقعة النهروان وخلاف علي بن أبي طالب مع الخوارج.
مامن شيء حرج وشديد الحساسية مثل طرح الخلافات التاريخية ذات الفحوى الديني على بساط البحث والسجال سواء في المجال الفكري أو السردي أو النقدي، ولا ينفي ذلك الحاجة الماسة إلى رفع صفة التقديس عن كل القضايا ومناقشتها بمنطق العقل والعصر الذي لا ينتظر صحوتنا، وخاصة في ظل سعي محموم لذوي الرايات السوداء في التأليب والتكفير وتوزيع الجنة والنار وفق أهوائهم باعتبارهم قابضين على عنق الحقيقة.
بعد مرور كل هذا الزمن يطل الكاتب على الأحداث ليعيد تقييمها ورؤيتها بمنطق عقلي والاحتكام لضرورات عصرية بعيدًا عن نزاعات الطوائف والاصطفاف العاطفي. فقد عارض الخوارج عليًا لقبوله بتحكيم كل من عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري وهم ليسوا أصحاب ثقة ويتوقع منهم الغدر، كما عارضوا حصر الخلافة في قريش بين بني هاشم وبني أمية كونها لا تؤسس لشورى حقيقية، كما تأييدهم لضرورة وتطبيق حكم الله لما فيه نص صريح وهو قتال الفئة الباغية في تخيل الكاتب للحوار بين الفريقين ومستشهدًا بأحكام جلد الزاني وقطع يد السارق التي فيها نص واضح.
ولكن إن وافقنا على ماذهبوا إليه في البداية فالجزء الثاني من كلام الخوارج ذو النفس الراديكالي معطل للعقل في الاحتكام للنص دون سواه فعندما حلل عمر بن الخطاب إيقاف حكم قطع يد السارق في سنة المجاعة وإلغاء حق المؤلفة قلوبهم في المغانم والكلأ بعد أن قوي عضد الدولة في قراءة معاصرة للنص المقدس بتحكيم العقل وقراءة الواقع، فقد عرف عن الخوارج أنهم كانوا ميالين للعنف والتكفير والأخذ بالنص دون هوادة وربما كانت فكرة علي بن أبي طالب حقن دماء المسلمين فمن قال إن علي كان لينتصر على معاوية لو حاربه، وابن أبي سفيان معروف بثرائه ودهائه، في أي حرب هناك احتساب لاستشراف النصر أو الخسارة وهنا دور القادة في استقراء الوقائع، ربما سارع علي لحرب الخوارج لأنه وثق من إمكانية انتصاره عليهم وربما الأفكار المتقدمة لم ينضج ظرفها التاريخي بعد، ونحن عندما نطرح شخصية ما على بساط البحث من غير الوارد أن نشيطن جهة ونضع الأخرى بجهة الملائكة ضمن العوامل المتقلبة المنتجة لفكر الجماعات والدول. فالخوارج كانوا متشددين في حضِّهم الثوري على أئمّة الجور، وفي استحلالهم لدماء مخالفيهم، والدعوةِ إلى العدالة الاجتماعية والمساواة ولكنهم رغم ذلك انزلقوا إلى العنف والدماء أو جروا إليه ويظهر ذلك في الانشقاقات المتكررة في جماعاتهم.
المثال الذي أورده الكاتب على لسان الخوارج حول آية الرجم كمثال على الاحتكام للنص، في نص مشكوك بنسخه إذ هناك من يقول إن عمر بن الخطاب أضافها إلى القرآن بعد أن نسخت (ثبت في صحيحي البخاري ومسلم وفي الموطأ والسنن الكبرى وغيرها من كتب الحديث نسخ آية الرجم لفظًا لا حكمًا أي: أنها بعد النسخ لم تعد من الآيات القرآنية، وبقي حكم الرجم الذي دلت عليه. قال السيوطي في كتاب الإتقان في علوم القرآن أن آية الرجم مما نسخ لفظها وبقي حكمها.) بالإضافة إلى أن فرقة من الخوارج والمعتزلة أنكروا حد الرجم فمن التناقض إدراج مثال ضمن حجاج المتحاورين في أمر مشكوك فيه بالأصل، وربما كان من الأفضل لو استخدم نصًا مختلفًا للبرهان والحوار الذي يتوه القارئ بين مرجعيته التاريخية وحقيقة وجوده وبين خيال الكاتب في استنطاقه لكلام الشخصيات التي يوردها، وبالعموم كمسألة فكرية الاحتكام إلى نص لزمن ما قد يعني قوة بالفكر ربما يفحم طرفًا في وقت ما، ولكن بزمننا أي احتكام لنص باعتباره الحقيقة المطلقة قد نعتبرها نوعاً من الانتقاص من القدرات العقلية للكائن المفكر.
ربما لو أبقى الكاتب الحوارية ضمن رموز لشخصيات روائية لتجنب المباشرة في طرح الحوار المتخيل بين الخوارج وعلي بن أبي طالب مما يجعل لكل ذي رأي الإدلاء بدلوه حول مصداقية الحوار والتوجه الفكري والمسألة الشائكة الذي لم يستطع الزمن المديد الذي يفصلنا عن هذه المشكلة رأب الصدع بازدياد تمترس كل وارث لفكر في موقعه وتناسل الضغائن والأحقاد.
تظهر المباشرة في طرح الأفكار في أكثر من جانب ففي الاستطراد الاستشهادي ((تشابه الخطاب الثوري الشيوعي مع الخطاب الجهادي الإسلامي)) تشابه ارنستو تشي جيفارا مع المجاهد الإسلامي في نصرة المظلومين ومناهضة الاستعمار وأيضًا الاستنتاج “أن التاريخ يكتبه المنتصرون لو انتصر هتلر أو ستالين أو لتغيرت كتابة التاريخ وفق منطقهم”، لا يترك أوسي هذا الاستنتاج للقارئ ليترك له مساحة من القبول والاختلاف فيما يذهب إليه، كما أن المباشرة ظهرت في هذا الطرح للمماحكات الفكرية بين الخوارج وأنصار علي بن أبي طالب التي أخذت أكثر من شكل بالإضافة إلى إتباع قالب مكرر في السرد بشكل كبير كوجود أوراق في صندوق بعد مضي زمن عليه لتعاد قراءته مشكلة الجزء الأكبر من جسد العمل سبق أن فعله يوسف زيدان في “عزازيل” وآلان بادو في “عبدة الشيطان” وواسيني الأعرج في “ليالي ايزيس كوبيا” وغيرهم.
تختلط الشخصيات التاريخية بالشخصيات الروائية فهو يستنطق الأولى ويؤلف حججًا وبراهين على لسان الأخرى في حشد هائل منها، تتوزع بين الصحابة معاصري أيام الخلافة إلى عبد الله عزام والتنظيمات الجهادية التي يحتاج الخوض فيها إلى كتب وملفات واسعة تعج بالتفاصيل والتواريخ باحتشاد لا يجد القارئ صبرًا على الإلمام بكل هذا التاريخ، ولكن أهم ما فيها رفع صفة القداسة عن الأشخاص ومناقشة الأحداث بمنطق العقل الذي نتفق فيه أو نختلف.
ولكن ما يجعلنا نتعاطف مع العمل أن الكاتب ينتصر لفئة مهزومة عبر التاريخ لم يبق لها مريدون ولكنها تحمل بذور حرية العقل إلى حد ما، فنحن نحتاج لمساحة الحرية التي تسمح لنا بمراجعة تاريخنا كله بمنطق العقل والبرهان الفكري لا التكفير والإلغاء، وإلا سنظل نؤجج الخلافات والتحزبات الطائفية والمذهبية إلى ماشاء الله وحتى لا تقوم لنا قائمة بعد اليوم.