يمثل قطاع الكهرباء في سوريا عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو اليوم أمام مفترق طرق مصيري، إذ يقف بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، وبين فرص تاريخية لإعادة البناء تتقاطع فيها قرارات محلية مصيرية مع تحالفات إقليمية معقدة وصفقات غاز واستثمارات دولية. يهدف هذا التقرير إلى تقديم رؤية تحليلية متكاملة لواقع قطاع الكهرباء في سوريا، متتبعاً مساره من مرحلة ما قبل الحرب، مروراً بسنوات النزاع التي شهدت تدميراً ممنهجاً، وصولاً إلى مرحلة ما بعد سقوط النظام، التي تطرح أسئلة كبرى حول إعادة الهيكلة، والانفتاح على الاستثمارات، وتطبيق نماذج جديدة قد تغير وجه القطاع إلى الأبد.
في مستهل الحديث عن أزمة الكهرباء السورية، ينبغي العودة إلى جذور المشكلة التي لا تعود فقط إلى سنوات الحرب، بل تمتد إلى عقود من الإهمال الممنهج وسوء الإدارة الذي طال القطاع قبل عام 2011. خلال تلك الفترة، عانى قطاع الكهرباء من ضعف مزمن في الاستثمارات، وغياب الصيانة الدورية للمحطات القائمة، وتأخر في تنفيذ مشاريع التوسع رغم النمو السكاني المتزايد والطلب المتصاعد على الطاقة.
ظل القطاع يعاني من عجز هيكلي حتى قبل الحرب؛ ففي عام 2010، بلغ إنتاج سوريا من الكهرباء حوالي 6500 ميغاواط، بينما قُدّرت الحاجة الفعلية بأكثر من 8600 ميغاواط، مما يعني وجود فجوة تقترب من 2100 ميغاواط كان يتم سدها جزئياً عبر الاستيراد. وكانت معظم محطات التوليد التي تعمل بالنفط الثقيل (الفيول) والغاز الطبيعي تعاني من كفاءة منخفضة، وتزايدت ساعات التقنين في فصل الصيف مع ارتفاع الطلب بسبب التكييف والتبريد.
وهذا يعني أن القطاع كان هشاً منذ البداية، حيث اعتمدت سوريا على الغاز المصري عبر “خط الغاز العربي” لتشغيل جزء كبير من محطاتها الحرارية. ومع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، توقفت إمدادات الغاز المصري، ليكشف ذلك عن التبعية الخطيرة التي ارتبط بها القطاع، وعن ضعف التخطيط الاستراتيجي الذي فشل في تأمين بدائل محلية أو إقليمية مستقرة.
وناهيك عن ذلك، فإن نظام الدعم الحكومي للكهرباء كان سيفاً ذا حدين؛ فبينما كانت التعرفة منخفضة بشكل كبير (حوالي 10 ليرات سورية للكيلوواط ساعة في بعض الشرائح)، كانت الخسائر تتضاعف في المؤسسة العامة للكهرباء التي لم تتمكن من تغطية تكاليف الإنتاج أو الاستثمار في تطوير الشبكة. وهكذا، دخل القطاع مرحلة الحرب وهو يعاني من تراكمات إدارية ومالية وتقنية جعلته أكثر عرضة للانهيار.
استهداف البنية التحتية وانهيار القطاع
على المستوى الإجرائي، شهدت سنوات النزاع المسلح تحولاً كارثياً في واقع قطاع الكهرباء، إذ تحولت البنية التحتية التي كانت تعاني أصلاً إلى هدف ممنهج في الحرب التي اشتعلت في البلاد. وبطبيعة الحال، تعرضت محطات التوليد الرئيسية لأضرار جسيمة؛ فمحطة حلب الحرارية، التي كانت تنتج 1100 ميغاواط، دُمّرت بالكامل تقريباً، فيما لحقت أضرار كبيرة بمحطة دير علي، ومحطة الزارة، ومحطة جندر، وغيرها من المرافق الحيوية.
ورغم ذلك، لم يقتصر الدمار على محطات التوليد فقط، بل طال شبكات النقل والتوزيع، حيث سُرقت أبراج الضغط العالي والكابلات الأرضية في عمليات منظمة، وتعرضت خطوط الربط بين المحافظات للتخريب المتعمد. إلا أنه، وعلى الرغم من حجم الدمار، فإن سياسة النظام السابق في استخدام الكهرباء كسلاح حرب كانت أكثر إيلاماً، حيث حُرمت مناطق كاملة من الخدمة لسنوات (مثل الغوطة الشرقية وحلب الشرقية)، بينما فضّلت الحكومة المناطق الموالية لها في التغذية.
انخفضت ساعات التغذية في معظم المناطق إلى ساعتين أو ثلاث يومياً، في أحسن الأحوال، وتراجع الإنتاج من نحو 9500 ميغاواط قبل الحرب إلى حوالي 1500 ميغاواط فقط، مما أدى إلى انهيار شبه كامل للقطاع الصناعي والزراعي، ودفع المواطنين إلى الاعتماد على المولدات الخاصة التي كانت تعمل بالديزل المدعوم أولاً ثم غير المدعوم لاحقاً، وسط تكاليف باهظة أفقرت الأسر ودمّرت القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.
وخلاصة القول، إن الحرب لم تكن مجرد نكبة إضافية لقطاع الكهرباء، بل كانت تتويجاً لعقود من الإهمال، واستغلالاً ممنهجاً للبنية التحتية كأداة للضغط والإخضاع، مما جعل الخروج من هذه الأزمة معقداً ويحتاج إلى إرادة سياسية واستثمارات ضخمة.
القرارات الجديدة والتحولات السياسية
مثّل سقوط النظام في أواخر عام 2024 نقطة تحول في ملف الكهرباء، حيث واجهت الإدارة الجديدة تحدياً هائلاً يتمثل في استعادة الحد الأدنى من الاستقرار لشبكة منهكة ومحطات مدمرة. علاوة على ذلك، شهدت المرحلة الانتقالية تحولاً نوعياً في السياسة الخارجية، حيث انفتحت سوريا على الدول العربية المجاورة والغرب، وبدأت قنوات الاتصال مع المؤسسات المالية الدولية والشركات الكبرى.
أعلنت الحكومة الانتقالية عن حزمة قرارات أولية تهدف إلى إعادة هيكلة القطاع، كان أبرزها رفع تعرفة الكهرباء بشكل غير مسبوق في تشرين الأول 2025، حيث قفز سعر الكيلوواط ساعة للاستهلاك المنزلي من عشرات الليرات إلى 600 ليرة للشريحة الأولى (حتى 300 كيلوواط/دورة)، وإلى 1400 ليرة لما يزيد على ذلك، فيما حُددت تعرفة القطاع الصناعي والتجاري بـ1700 ليرة للكيلوواط. ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن هذا القرار أثار جدلاً واسعاً، إذ اعتبرته الحكومة خطوة أولى نحو تصحيح التشوهات السعرية وتقليل العجز، بينما رأى فيه كثير من المواطنين عبئاً إضافياً في ظل انهيار القدرة الشرائية.
وفي المقابل، تزامن رفع التعرفة مع تحسن ملموس في ساعات التغذية في دمشق وبعض المدن الكبرى، حيث وصلت إلى 12-18 ساعة يومياً، وهو ما فسره المسؤولون بأنه نتيجة لاتفاقيات استيراد الغاز والربط الكهربائي مع الدول المجاورة. لكن يبقى السؤال: هل هذا التحسن مؤقت أم بداية لنهضة حقيقية في القطاع؟
على المستوى النظري، يمكن القول إن المشهد الحالي للمناقصات والتحالفات في قطاع الكهرباء السوري يعكس تنافساً إقليمياً ودولياً محتدماً على الفوز بعقود إعادة الإعمار، حيث تتقاطع مصالح قطر وتركيا والسعودية وأميركا والصين في سوريا.
الصفقة الأكبر والأكثر طموحاً هي تلك التي قادتها شركة “أورباكون” القطرية (UCC) بقيمة 7 مليارات دولار، والتي تشمل بناء 4 محطات غازية تعمل بتقنية الدورة المركبة باستطاعة 4000 ميغاواط، ومحطات طاقة شمسية باستطاعة 1000 ميغاواط، موزعة في دير الزور ومحردة وزيزون وتريفاوي. وقد وُصفت هذه الصفقة بأنها الأكبر في تاريخ سوريا، ومن المتوقع أن توفر أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة.
دخلت الشركات الأميركية والأوروبية على خط الاهتمام أيضاً؛ فشركة “شيفرون” تدرس استثمارات في حقول الغاز البحرية، وشركة “سيمنز” الألمانية تتفاوض لإعادة تأهيل محطة دير علي، وشركة “أنسالدو” الإيطالية تعمل على صيانة وحدات في محطة جندر بتمويل ياباني ونرويجي. وتأسيساً على ذلك، قدّم البنك الدولي منحة بقيمة 146 مليون دولار لإعادة تأهيل خطوط النقل والمحطات الفرعية، في إشارة إلى عودة المؤسسات المالية الدولية إلى سوريا بعد غياب طويل.
من الضروري أن نشير هنا إلى التنافس السعودي التركي القطري في هذا الملف، ففي الوقت الذي تتصدر فيه الشركات القطرية والتركية المشاريع الكبرى، وقّعت السعودية عقوداً مهمة في مجال الطاقة الشمسية والاتصالات (مشروع SilkLink) وتأسيس شركة طيران جديدة، ما يعكس رغبة الرياض في تعزيز وجودها الاقتصادي في سوريا ما بعد الأسد.
يبرز ملف الغاز بوصفه الشريان الحقيقي لقطاع الكهرباء في سوريا، حيث تعتمد معظم المحطات الحرارية على الغاز الطبيعي في التشغيل. كان النظام السابق يعتمد بشكل رئيسي على الغاز المصري عبر “خط الغاز العربي”، لكن الإمدادات توقفت مع اندلاع الثورات العربية عام 2011، ليحل محلها الغاز الإيراني الذي كان يتم ضخه عبر خطوط غير رسمية في ظل عقوبات دولية خانقة.
المشهد اليوم يختلف جذرياً؛ فسوريا تستورد الغاز من أذربيجان (بتمويل قطري) بكميات تصل إلى 3.4 مليون متر مكعب يومياً، ومن الأردن (بكميات تصل إلى 4 ملايين متر مكعب يومياً)، التي تستورد بدورها الغاز من إسرائيل، مما أثار جدلاً حول المصدر الحقيقي للغاز. وتأسيساً على ذلك، وقّعت سوريا مذكرات تفاهم مع مصر لاستئناف ضخ الغاز عبر خط الغاز العربي، ما قد يعيد إحياء المشروع الذي توقف عام 2011، ويعيد سوريا إلى موقعها الطبيعي كدولة عبور للغاز بين الشرق والغرب.
وهذا يدل على أن سوريا يمكن أن تصبح معبراً استراتيجياً للغاز، خاصة إذا ما تم ربط حقول الغاز في قطر وإيران والعراق بالأسواق الأوروبية عبر أراضيها، وهو ما يتطلب إعادة تأهيل البنية التحتية لخطوط النقل (التي يبلغ طولها مئات الكيلومترات) وضمان الاستقرار السياسي.
سعر الكيلوواط وسياسة الدعم والدولرة
أصبحت فاتورة الكهرباء محور نقاش حاد بين الحكومة والمواطنين، حيث قفز سعر الكيلوواط ساعة للاستهلاك المنزلي من أقل من سنت أميركي إلى أكثر من 5 سنتات للشريحة الأولى (المدعومة بنسبة 60% وفقاً للحكومة)، وإلى 12 سنتاً لما يزيد على 300 كيلوواط. وتفسيراً لذلك، قالت وزارة الطاقة إن هذه الزيادة تأتي في إطار إصلاح القطاع وتحقيق الاستدامة المالية، مشيرة إلى أن تكلفة الإنتاج الفعلية تصل إلى 14 سنتاً للكيلوواط.
ولذلك ينبغي التوقف عند فكرة “الدولرة” التي تتردد في النقاشات الخاصة بإعادة هيكلة القطاع، حيث يرى بعض الخبراء أن ربط أسعار الكهرباء بالدولار الأميركي هو السبيل الوحيد لاستقطاب المستثمرين الأجانب وتأمين استقرار الإيرادات للمشغلين في ظل تدهور قيمة الليرة السورية. وتمتلك هذه الفكرة مبرراتها الاقتصادية (الحماية من مخاطر تقلبات سعر الصرف، وجذب الاستثمارات الكبرى)، لكنها تحمل في طياتها مخاطر اجتماعية وسياسية هائلة، أبرزها استبعاد شريحة كبيرة من المواطنين من الخدمة، وزيادة الفجوة الطبقية، وإطالة أمد الأزمة الإنسانية.
من الضروري أن تكون سياسة التسعير متوازنة، بحيث تجمع بين تشجيع الاستثمار وحماية الفئات الأكثر احتياجاً عبر نظام دعم نقدي موجه (بدلاً من دعم الأسعار) وشرائح استهلاك مرنة تتناسب مع متوسط الدخل.
وهذا يدل على أن ملف الخصخصة هو الأكثر حساسية في قطاع الكهرباء، حيث سبق أن جُرّبت نماذج محدودة في عهد النظام السابق، كعقود التشغيل والصيانة مع شركات أجنبية (مثل شركة “أنسالدو” الإيطالية و”ميتكا” اليونانية) التي لم تُكتمل بسبب العقوبات والحرب. وتأسيساً على ذلك، تُطرح اليوم نماذج جديدة، أبرزها نموذج BOO (بناء-تملك-تشغيل) الذي تعاقدت بموجبه الحكومة مع تحالف “أورباكون” القطري، حيث تمتلك الشركة المشاريع بشكل دائم، مقابل نموذج BOT (بناء-تشغيل-تحويل) الذي يضمن عودة الملكية للدولة بعد فترة محددة.
ولذلك ينبغي التوقف ملياً أمام مخاطر الخصخصة غير المدروسة، التي قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار (لتغطية تكاليف الاستثمار والأرباح)، واستبعاد الفقراء من الخدمة، وبروز احتكارات جديدة، وغياب الشفافية في العقود. ومن الضروري أن ترافق أي عملية خصخصة ثلاث ضمانات أساسية:
أولاً: هيئة تنظيم مستقلة ذات صلاحيات حقيقية لتحديد التعرفة ومراقبة الجودة.
ثانياً: عقود شفافة تُنشر كاملة وتخضع لرقابة المجتمع المدني والبرلمان (عند تشكيله).
ثالثاً: استمرار الدعم للفئات الأكثر احتياجاً عبر نظام دعم نقدي، وليس عبر دعم الأسعار الذي يهدر المال العام.
والخلاصة أن الخصخصة ليست حلاً سحرياً، بل هي أداة يمكن أن تحقق نتائج إيجابية إذا ما صاحبها إصلاح مؤسسي حقيقي ورقابة فعالة.
التوجه نحو الطاقة النظيفة
لا بد من التركيز على توجه استراتيجي قد يكون المخرج الوحيد لأزمة الكهرباء في سوريا: الطاقة النظيفة. فسوريا بلد مشمس معظم أيام السنة، بمتوسط إشعاع شمسي يصل إلى 3000 ساعة سنوياً، وتتمتع بمواقع مناسبة لطاقة الرياح في مناطق مثل القنيطرة وجبل الزاوية والساحل، مما يجعلها مرشحة لأن تكون سوقاً واعداً للطاقة المتجددة.
ومن هذا المنطلق، يمكن اقتراح ثلاث مسارات متوازية:
محطات شمسية كبرى (IPP) بشراكة مع القطاع الخاص الدولي، مثل المشروع الذي أعلنت عنه شركة “أورباكون” بقدرة 1000 ميغاواط، ومشاريع أخرى مع شركات سعودية (أكوا باور) وأميركية.
دعم مشاريع الطاقة الشمسية المنزلية والصناعية عبر نظام “صافي القياس” (Net Metering)، الذي يسمح ببيع الفائض من الكهرباء المنتجة إلى الشبكة الوطنية، مع تقديم قروض ميسرة وتخفيضات جمركية على الألواح والبطاريات.
استغلال طاقة الرياح، حيث وقّعت وزارة الطاقة مذكرة تفاهم مع شركة محلية (MARV Energy) لإنشاء مشروع بقدرة 700 ميغاواط، وهو ما يمكن أن يكون نواة لقطاع رياح متطور.
ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن التحول نحو الطاقة النظيفة يحقق فوائد جمّة: تقليل الاعتماد على الوقود المستورد (وتوفير العملة الصعبة)، وتخفيف العجز الكهربائي (بما أن المحطات الشمسية والريحية يمكن إنشاؤها في أشهر مقارنة بسنوات لمحطات الغاز)، وخلق فرص عمل، والمساهمة في مواجهة التغير المناخي. لكن هذا يتطلب تحديث القوانين، وتأهيل شبكات النقل لاستيعاب الطاقات المتقطعة، وتطوير كوادر وطنية قادرة على التشغيل والصيانة.
إن الموقع الجغرافي الفريد لسوريا يمنحها فرصة استثنائية لتكون معبراً إقليمياً للطاقة، حيث تقع على البحر المتوسط، وتشكل حلقة وصل بين حقول الغاز في الشرق (قطر، إيران، العراق) والأسواق الأوروبية. وكان “خط الغاز العربي” (الذي يربط مصر بالأردن وسوريا ولبنان وتركيا) أول مشروع لتحويل سوريا إلى دولة عبور، لكنه توقف عام 2011.
إن إعادة إحياء هذا المشروع، إلى جانب مشاريع الربط الكهربائي مع تركيا والأردن والعراق، يمكن أن يحوّل سوريا إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة، حيث تحصل على إيرادات كبيرة من رسوم العبور، وتساهم في تعزيز الأمن الطاقي لدول المنطقة. ومن الضروري أن يكون هذا الملف حاضراً في استراتيجية الحكومة الانتقالية، بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، لتأمين التمويل اللازم لإعادة تأهيل البنية التحتية للغاز والكهرباء، وضمان الشفافية في إدارة هذه المشاريع الحيوية.
يمكن القول إن قطاع الكهرباء في سوريا يواجه تحديات جسيمة، تتراوح بين إرث من الإهمال المتراكم والدمار الذي طال البنية التحتية لعقود، والحاجة إلى استثمارات تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، وإلى إرادة سياسية حقيقية لتجاوز سياسات الماضي (المركزية الفاسدة، واستخدام الخدمات كأدوات للضغط السياسي). لكن يبقى التساؤل المطروح حول ما إذا كانت الإدارة الجديدة قادرة على تحويل الفرص التاريخية المتاحة إلى واقع ملموس.
مستقبل الكهرباء في سوريا يتوقف على مدى نجاحها في بناء نموذج جديد قائم على الشفافية، والتنوع في مصادر الطاقة (مزيج متوازن من الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة)، واستقطاب الاستثمارات الحقيقية (لا مجرد مذكرات تفاهم)، وإصلاح المؤسسات العامة بما يضمن الكفاءة والمساءلة. وتأسيساً على ذلك، يمكن لسوريا أن تستعيد دورها التاريخي كمعبر إقليمي للطاقة، وأن توفر كهرباء مستقرة وبأسعار عادلة لشعبها، وأن تصبح نموذجاً للتعافي في منطقة تعاني من أزمات متشابكة.
إن الرهان اليوم ليس فقط على الميغاواط الجديدة التي ستُضاف إلى الشبكة، بل على نوعية الإدارة التي ستتولى هذا القطاع الحيوي، وعلى مدى التزام الحكومة بمبادئ الحوكمة الرشيدة، وعلى قدرة المجتمع السوري على الضغط من أجل خدمة عادلة ومستدامة. فالكهرباء، في النهاية، ليست مجرد خدمة عامة، بل هي مقياس حقيقي لمدى نجاح الدولة في بناء عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والكرامة.
قبل اندلاع الحرب في عام 2011، كان قطاع النفط والغاز السوري يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، إذ بلغ الإنتاج حوالي 380 ألف برميل يومياً من النفط الخام، مع احتياطيات مؤكدة تُقدَّر بنحو 2.5 مليار برميل، إلى جانب إنتاج غاز طبيعي تجاوز 30 مليون متر مكعب يومياً. وقد شكّلت عائدات الطاقة نحو 40% من إيرادات الدولة و20% من الناتج المحلي الإجمالي، مما جعل سوريا دولة ريعية بامتياز تعتمد على ثرواتها الباطنية في تمويل موازنتها ومشاريعها التنموية. واستقطبت هذه الثروات كبرى الشركات العالمية، إذ كانت “شل” البريطانية الهولندية تشغّل حقول شركة الفرات للنفط منذ عام 1985، بينما دخلت “توتال إنيرجيز” الفرنسية في شراكة مع المؤسسة العامة للنفط في حقل دير الزور، كما استثمرت شركات صينية مثل “سي إن بي سي” و”سينوكيم” في حقول مختلفة، إضافة إلى شركة “غلف ساندز” البريطانية التي كانت تدير القطاع 26 في شمال شرق البلاد.
مع اندلاع الحرب، تحولت الثروة النفطية من مصدر قوة إلى عامل صراع وانهيار. انسحبت الشركات الأجنبية تباعاً معلنة حالة “القوة القاهرة” تحت وطأة العقوبات الدولية وتدهور الأوضاع الأمنية، فغادرت “شل” و”توتال”، وتوقفت استثمارات الشركات الصينية والكندية والكرواتية. وتعرضت البنية التحتية للطاقة لدمار ممنهج، حيث خرجت خطوط الأنابيب عن الخدمة، ودُمّرت محطات التجميع والمعالجة، وسيطرت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” على نحو 90% من حقول النفط والغاز في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة. وفي مناطق سيطرة النظام السابق، تراجع الإنتاج إلى أقل من 15 ألف برميل يومياً، واضطرت دمشق إلى الاعتماد بشكل شبه كلي على الواردات الإيرانية التي كانت تصل عبر شبكة معقدة من التحايل على العقوبات، مما كلّف الخزينة مليارات الدولارات وأدى إلى تفاقم أزمة الكهرباء والمحروقات التي أرهقت السوريين طيلة سنوات الحرب.
مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 وصعود الإدارة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، انفتحت نافذة تاريخية لإعادة هيكلة قطاع الطاقة السوري برمته. ففي غضون أشهر قليلة، تمكنت الحكومة الجديدة من استعادة السيطرة على حقول الشمال الشرقي بعد اتفاق تاريخي مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في يناير/كانون الثاني 2026، يشمل دمج المؤسسات المدنية والعسكرية تحت سلطة الدولة، وتسليم كافة الحقول النفطية والغازية والمعابر الحدودية. وفي مايو/أيار 2025، أعلنت الولايات المتحدة رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا عبر الترخيص العام رقم 25، تلاه إعفاء مؤقت من قانون “قيصر” لمدة ستة أشهر، ثم رفع دائم في ديسمبر/كانون الأول 2025، مما أزال العائق الأكبر أمام تدفق الاستثمارات الدولية. ومنذ ذلك الحين، بدأت تتشكل تحالفات اقتصادية كبرى تعيد رسم خريطة الطاقة السورية، في مقدمتها التحالف الرباعي (الأميركي-السعودي-التركي-القطري) الذي يضع أسس مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي والدولي لإعادة إحياء الثروات المنسية.
تحليل التحالف الرباعي وخريطة الاستثمارات: أضلاع التحالف الرباعي وتقاسم الأدوار في مشروع النهضة الطاقية
تتبوأ الولايات المتحدة موقع القاطرة السياسية لهذا التحالف، إذ كان رفع العقوبات شرطاً أساسياً لانطلاق أي استثمارات جادة في القطاع. وقد تجلى الدور الأميركي في الدعم المباشر الذي قدمه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، الذي وصف الاتفاقيات الموقعة بأنها “تجسيد لرؤية الرئيس ترامب في تمكين التجارة لا الفوضى”. وعلى الصعيد العملي، تقود الشركات الأميركية الكبرى جهود إعادة تأهيل القطاع، حيث وقعت شركة “شيفرون” في فبراير/شباط 2026 مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول وشركة “باور إنترناشيونال” القطرية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، في خطوة تمثل أول دخول لشركة نفط كبرى إلى سوريا منذ سنوات. كما شكّلت شركات “بيكر هيوز” و”هانت إنرجي” و”أرجنت” تحالفاً مع شركتي “أكوا باور” و”طاقة” السعوديتين لاستكشاف وتطوير 4 إلى 5 حقول نفطية وغازية في شمال شرق سوريا، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في السياسة الأميركية نحو دمج سوريا في شبكات الطاقة الإقليمية.
تُعدّ السعودية الركيزة المالية الأهم في التحالف، حيث أعلنت في فبراير/شباط 2026 عن حزمة استثمارات بقيمة 3 مليارات دولار تشمل قطاعات حيوية متعددة. فمن خلال صندوق “إيلاف” الاستثماري، تم تخصيص 7.5 مليار ريال سعودي (ملياري دولار) لتطوير وتشغيل مطاري حلب الدولي القديم والجديد، بطاقة استيعابية تصل إلى 12 مليون مسافر سنوياً. كما وقعت شركة الاتصالات السعودية “STC” اتفاقاً بقيمة مليار دولار لتنفيذ مشروع “سلك الحرير” الذي يمد شبكة ألياف ضوئية بطول 4500 كيلومتر، ويدخل الجيل الخامس للاتصالات، ويطور مراكز بيانات حديثة. وفي قطاع الطيران، تم تأسيس شركة “ناس سوريا” بملكية 51% للجانب السوري و49% لشركة “فلاي ناس” السعودية، على أن تبدأ عملياتها في الربع الأخير من 2026. كما وقعت شركة “أكوا باور” اتفاقاً لإجراء دراسات إنشاء محطة تحلية مياه بطاقة 1.2 مليون متر مكعب يومياً، ونقل المياه العذبة من الساحل السوري إلى المناطق الجنوبية، في مشروع يهدف إلى مواجهة الجفاف المزمن. وتجدر الإشارة إلى أن السعودية لم تقتصر على الاستثمارات الجديدة، بل ساهمت مع قطر في تسديد ديون سوريا المستحقة للبنك الدولي بقيمة 15.5 مليون دولار، مما مهد الطريق لعودة التعاون مع المؤسسات المالية الدولية.
تحتل تركيا موقعاً استراتيجياً في التحالف بوصفها حلقة وصل رئيسية في شبكات الطاقة الإقليمية. فمنذ مايو/أيار 2025، بدأت أنقرة بتزويد سوريا بملياري متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً عبر خط “كيليس-حلب”، مما يسهم في توليد 1300 ميغاواط إضافية من الكهرباء. كما تم الاتفاق على ربط شبكة الكهرباء السورية بالتركية بخط 400 كيلوفولط. وعلى صعيد الاستثمارات، تشارك شركتا “كاليون إنيرجي” و”جنكيز إنيرجي” التركيتان في التحالف الذي تقوده مجموعة “UCC” القطرية لبناء أربع محطات توليد كهرباء بتوربينات غازية بقيمة 7 مليارات دولار. كما أن الشركة السورية التركية للطاقة الكهربائية “STE” وقعت اتفاقاً لبناء محطة طاقة شمسية بقدرة 100 ميغاواط في محافظة حماة، وتزويد ريف حلب الشمالي بالكهرباء عبر خط “الريحانية-عفرين”. ويعكس هذا الحضور التركي المكثف رغبة أنقرة في تعزيز نفوذها الاقتصادي، وضمان استقرار جوارها الجنوبي، والاستفادة من موقع سوريا كمعبر لوجستي نحو الأسواق العربية والخليجية.
تستثمر قطر في سوريا من خلال ذراعها الاستثماري المتمثل في مجموعة “UCC Holding” التابعة لشركة “باور إنترناشيونال” التي يمتلكها رجل الأعمال السوري القطري معتز الخياط. وقد وقعت هذه المجموعة في مايو/أيار 2025 أكبر صفقة استثمارية في قطاع الطاقة بقيمة 7 مليارات دولار، تشمل بناء أربع محطات توليد كهرباء بتوربينات غازية في مناطق دير الزور ومحردة وزيزون وتريفاوي، ومحطة طاقة شمسية في وديان الربيع بقدرة 1000 ميغاواط. وفي فبراير/شباط 2026، شاركت “باور إنترناشيونال” في مذكرة التفاهم مع شركة “شيفرون” للتنقيب البحري، مما يعكس رغبة قطر في توظيف خبرتها الواسعة في مجال الغاز المسال لاستكشاف الثروات البحرية السورية. كما أن صندوق قطر للتنمية موّل توريد الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر تركيا بكمية 3.4 ملايين متر مكعب يومياً، مما ساهم في رفع ساعات التغذية الكهربائية. ولا يقتصر الدور القطري على الطاقة، بل يمتد إلى قطاعات أخرى، حيث استثمرت مجموعة “بلدنا” الغذائية، التابعة أيضاً للخياط، 250 مليون دولار لإنشاء مجمع صناعي متكامل للألبان والعصائر في مدينة عدرا الصناعية.
المشاريع الرئيسية والمناطق المستهدفة
تتوزع الاستثمارات المعلنة على ثلاث مناطق رئيسية تعكس الأولويات الاستراتيجية للتحالف. ففي شمال شرق سوريا، حيث تتركز الثروة النفطية والغازية، يستهدف التحالف السعودي-الأميركي تطوير حقول رميلان والسويدية والعمر والتنك، التي تُقدَّر احتياطياتها بنحو 300 مليون برميل في حقل السويدية وحده، و760 مليون برميل في حقل العمر. وقد بدأت الشركة السورية للبترول بالفعل في ضخ الغاز من حقل الجبسة إلى معمل الفرقلس، ونقل النفط من حقلي العمر والتنك إلى مصفاتي حمص وبانياس. وفي المياه الإقليمية السورية، تم تخصيص رقعة بحرية لتحالف “شيفرون-باور إنترناشيونال” لإجراء مسوحات زلزالية تمهيداً للحفر الاستكشافي، استناداً إلى تقديرات جيولوجية تشير إلى احتمالية وجود 1.2 تريليون متر مكعب من الغاز في حوض المشرق، وهو ما يعادل أربعة أضعاف الاحتياطي البري المؤكد. أما في دمشق وحلب، فتتركز مشاريع البنية التحتية، حيث يجري تطوير مطار دمشق الدولي بطاقة استيعابية تصل إلى 31 مليون مسافر، وإنشاء مترو دمشق بطول 26.5 كيلومتراً يخدم 750 ألف راكب يومياً، وتطوير مطاري حلب القديم والجديد بطاقة 12 مليون مسافر، ومد شبكة الألياف الضوئية التي ستربط سوريا بشبكات الاتصالات الإقليمية والدولية.
التوجهات الحكومية وأهداف الإنتاج
تسعى الحكومة السورية الانتقالية إلى تحقيق قفزة نوعية في قطاع الطاقة خلال السنوات القادمة، وفق رؤية تستند إلى تعظيم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. وقد أعلن الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي عن خطة طموحة تهدف إلى رفع إنتاج الغاز الطبيعي إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بحلول نهاية عام 2026، مقارنة بنحو 7.6 ملايين متر مكعب حالياً، وذلك من خلال إعادة تأهيل حقول المنطقة الوسطى والشرقية واستثمار الاكتشافات الجديدة. كما تتوقع الحكومة وصول إنتاج النفط إلى 100 ألف برميل يومياً خلال أربعة أشهر، ثم إلى 200 ألف برميل خلال عام، مع إمكانية تجاوز هذا الرقم عند اكتمال مشاريع الاستكشاف البحري. وتعمل الحكومة على تطوير مصفاتي حمص وبانياس، ونقل مصفاة حمص إلى منطقة الفرقلس بطاقة 150 ألف برميل يومياً، بهدف زيادة الطاقة التكريرية وتحسين جودة المشتقات النفطية.
يمكن تصنيف اللاعبين المنخرطين في السوق السورية إلى ثلاث فئات رئيسية. الفئة الأولى: الشركات الأميركية الكبرى، وفي مقدمتها “شيفرون” التي تطمح إلى تكرار نجاحاتها في شرق المتوسط، حيث تمتلك أصولاً في إسرائيل وقبرص ومصر، من خلال دخول السوق السورية، و”كونوكو فيليبس” التي وقعت مذكرة تفاهم لتطوير حقول الغاز، و”بيكر هيوز” المتخصصة في تقنيات الحفر والإنتاج. الفئة الثانية: الشركات الخليجية، وتتصدرها “أكوا باور” السعودية التي تطمح إلى أن تكون لاعباً رئيسياً في قطاع الطاقة المتجددة، و”STC” التي تسعى لأن تصبح مشغل الاتصالات المهيمن في سوريا، و”UCC” القطرية التي تهدف إلى بناء محفظة استثمارية متكاملة تشمل الطاقة والبنية التحتية والصناعات الغذائية. أما الفئة الثالثة فهي الشركات التركية، مثل “كاليون إنيرجي” و”جنكيز إنيرجي”، اللتين تسعيان إلى توسيع أعمالهما في مجال الطاقة المتجددة والتوليد الحراري، مستفيدتين من القرب الجغرافي والاتفاقيات الحكومية.
اجتماعياً، تمثل هذه الاستثمارات فرصة تاريخية لخلق فرص عمل واسعة النطاق، حيث تتوقع مجموعة “UCC” توفير 50 ألف فرصة عمل مباشرة و250 ألف فرصة غير مباشرة من مشاريع الطاقة وحدها. كما أن مشاريع البنية التحتية، كالمطارات والمترو، ستوفر آلاف الوظائف في قطاعات الإنشاءات والتشغيل والخدمات. وسينعكس تحسن إمدادات الكهرباء بشكل مباشر على حياة المواطنين، إذ يُتوقع أن ترتفع ساعات التغذية من 2 إلى 4 ساعات يومياً حالياً إلى 8 أو 10 ساعات خلال عام، ثم إلى 20 ساعة عند اكتمال مشاريع التوليد. كما أن تنمية المناطق الشرقية، دير الزور والحسكة والرقة، عبر إعادة تأهيل حقول النفط وتشغيلها ستسهم في استقرار هذه المناطق وعودة النازحين إليها، بعد أن عاد أكثر من 1.47 مليون لاجئ منذ ديسمبر/كانون الأول 2024 وفقاً لتقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
سياسياً، يعزز هذا التحالف الاستقرار السياسي في سوريا من خلال ربط مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين باستقرار البلاد. فالاستثمارات السعودية والقطرية والتركية تخلق شبكة مصالح اقتصادية تدفع هذه الدول إلى دعم الحكومة السورية وضمان عدم عودة الفوضى. كما أن حضور الشركات الأميركية يمنح واشنطن أداة نفوذ إضافية، ويمثل اعترافاً ضمنياً بشرعية الحكومة الانتقالية. وعلى الصعيد الإقليمي، تعيد هذه الاستثمارات تموضع سوريا كحلقة وصل بين أسواق الخليج وتركيا وأوروبا، مما يعزز دورها الجيوسياسي ويحولها من ساحة صراع إلى محور تنمية. كما أن العلاقة الجديدة مع دول الخليج تحد من النفوذ الإيراني والروسي، وتمهد الطريق لاندماج سوريا في المنظومة العربية بشكل كامل.
نفطياً، ومع عودة الإنتاج إلى مستويات قابلة للتصدير، ستستعيد سوريا موقعها كلاعب في سوق الطاقة الإقليمي، خاصة إذا تحققت الاكتشافات البحرية الكبيرة. ويمكن للغاز السوري أن يغذي الأسواق المحلية والأردن ولبنان، بل وربما يصل إلى أوروبا عبر خط الغاز العربي. كما أن تطوير صناعة التكرير سيمكن سوريا من تصدير منتجات نفطية ذات قيمة مضافة بدلاً من النفط الخام، مما يزيد الإيرادات ويخلق فرص عمل في الصناعات البتروكيماوية.
رغم التفاؤل الذي تثيره هذه المشاريع، تواجه عملية إعادة إعمار قطاع الطاقة مجموعة من التحديات الجسيمة التي قد تعرقل تنفيذها أو تحدّ من أثرها الإيجابي. أولاً: المنافسة الجيوسياسية، إذ إن التقارب بين السعودية وتركيا وقطر لا يخلو من تنافس خفي على النفوذ في سوريا؛ فالسعودية تسعى إلى احتواء النفوذ التركي عبر استثماراتها الكبيرة، بينما تحاول قطر الحفاظ على علاقاتها المتميزة مع أنقرة. وفي الوقت نفسه، تراقب إيران وروسيا هذه التطورات بقلق، وقد تحاولان عرقلة بعض المشاريع أو تقديم عروض منافسة للحفاظ على موطئ قدم لهما. ثانياً: المخاطر الأمنية، فرغم تراجع مستوى العنف إلى أدنى مستوياته منذ سنوات، لا تزال هناك مناطق متوترة، خاصة على تخوم مناطق سيطرة “قسد” السابقة، وفي البادية السورية حيث تنشط خلايا تنظيم “داعش” التي شنت 153 هجوماً في العراق وسوريا خلال النصف الأول من 2024 وحده. كما أن التوترات مع إسرائيل، التي تشن غارات جوية بين الحين والآخر، قد تؤدي إلى تصعيد غير متوقع. ثالثاً: الحاجة إلى أطر حوكمة وتشريعات، فسرعة تدفق الاستثمارات تفوق قدرة المؤسسات السورية على استيعابها وتنظيمها، مما يخلق مخاطر فساد وغياب شفافية. وقد حذر مراقبون من أن غياب قانون للمنافسة، وإطار واضح للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهيئات تنظيمية مستقلة، قد يؤدي إلى تكرار نموذج “اقتصاد الريع” الذي كان سائداً قبل الحرب، حيث تتركز الثروة في أيدي نخب محدودة. كما أن تركيز الاستثمارات في دمشق وحلب على حساب المناطق الأخرى، كمنطقة الساحل والسويداء، قد يخلق احتقاناً اجتماعياً جديداً. رابعاً: التحديات الفنية والبيئية، إذ إن البنية التحتية للطاقة تعرضت لدمار ممنهج خلال الحرب، ويتطلب إعادة تأهيلها استثمارات ضخمة وتقنيات متطورة. كما أن عمليات الاستخراج العشوائية التي تمت خلال سنوات سيطرة “قسد” تسببت بأضرار بيئية جسيمة وتلوثٍ للتربة والمياه الجوفية، مما يفرض تكاليف إضافية على الشركات الجديدة.
إن نجاح هذه المشاريع الضخمة يبقى رهناً بقدرة الحكومة السورية على بناء مؤسسات قوية وشفافة، وضمان توزيع عادل لعوائد الثروة النفطية، والحفاظ على استقرار أمني يمكّن المستثمرين من العمل في بيئة آمنة. وإذا ما تم تجاوز هذه التحديات، فإن خريطة الطاقة السورية الجديدة قد تكون نواة لنهضة اقتصادية شاملة تعيد بناء ما دمرته الحرب، وتوفر فرصة حقيقية للسوريين لاستعادة ثرواتهم المنسية.
بعد مرور أكثر من عامٍ على سقوط نظام الأسد، وتولي الحكومة الانتقالية شؤون الدولة، مازالت البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية ومعيشية مُتردية، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لا يزال نحو 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، في ظل صعوبة الحصول على أدنى مقومات الحياة اليومية البسيطة، فيما تؤكد العديد من الدراسات أن الاحتياجات الإنسانية في سوريا لا تزال عند مستوياتٍ غير مسبوقة، وأن نصف السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وحوالي سبعة من كل عشرة سوريين مازالوا بحاجةٍ ماسةٍ للمساعدة الإنسانية. وبالنظر إلى تلك الأرقام يُطرح اليوم السؤال الملح: هل تغيَّر الواقع الإقتصادي والمعيشي في البلاد إلى الأفضل؟
رغم التحسن النسبي لسعر صرف الليرة مقابل الدولار، وزيادة الرواتب الحكومية بنسبة 200%، مازالت تكاليف المعيشة تُثقل كاهل معظم السوريين، ومازال حجم الراتب الحكومي (نحو 85 دولار وسطياً) يعجز عن توفير أبسط متطلبات المعيشة، ويُبقي القدرة الشرائية في حدودها الدُنيا. ورغم انخفاض أسعار الكثير من السلع والمواد الغذائية، نسبياً، بقي بعضها أعلى من سعره الحقيقي ولا يتماشى مع حجم انخفاض قيمة الدولار مقابل الليرة، وخاصة اللحوم ومشتقات الألبان وبعض أنواع الفاكهة والخضار والمعلبات والزيوت النباتية وغيرها، فيما لا تزال أسعار معظم أنواع الأدوية وتسعيرة معاينة الأطباء كما كانت قبل سقوط النظام، دون تسجيل أي انخفاض يُذكر.
وإلى جانب ذلك، وبعد أن اتبعت الحكومة الجديدة سياسة تخفيض الدعم عن معظم المواد الأساسية، التي تُشكّل عصب الحياة، ارتفع سعر ربطة الخبز من 400 إلى أربعة آلاف ليرة، أي عشرة أضعاف، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من دولارين، عندما كانت توزَّع عبر البطاقة الذكية، إلى 11،5 دولار (حوالي 130 ألف ليرة)، وبلغ سعر ليتر المازوت 0،95 دولار.
ورغم توفر تلك المواد بشكلٍ جيد، قياساً بما كان عليه الوضع في السابق، وتخفيف مظاهر الطوابير التي كانت مشهداً يومياً أمام الأفران ومحطات الوقود، إلا أن الأسعار الجديدة فاقمت من معاناة الكثير من الناس، خاصة الفقراء والمُعدمين، كونها لا تتناسب أبداً مع متوسط حجم الدخل الشهري للموظف الحكومي أو حتى موظف القطاع الخاص. فالعائلة المكونة من خمسة أفراد، والتي تستهلك وسطياً نحو ربطتين ونصف من الخبز يومياً، باتت تحتاج إلى 300 ألف ليرة شهرياً ( ثلث راتب الموظف الحكومي) لتؤمن حاجتها من الخبز، فيما قد لا يكفي الراتب نفسه كاملاً لشراء مئة ليتر مازت، وهي، وسطياً، أقل من ثُلث الكمية التي قد تحتاجها العائلة للتدفئة خلال فصل الشتاء.
إلى جانب ذلك، أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى رفع تعرفة وسائل النقل العامة. وبعد أن كان أصحاب السرافيس والباصات يحصلون على كميات محددة من الوقود المدعوم بسعرٍ منخفض مقابل الالتزام بتعرفة النقل، تم إلغاء تلك الكميات وباتوا يشترون الوقود بسعر السوق. وخلال الأشهر الماضية ارتفعت، على سبيل المثال، تعرفة النقل لمعظم السرافيس من 1000 إلى 3 أو 4 آلاف ليرة، وهو ما شكل عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على كثير من الناس الذين يحتاجون لاستخدام المواصلات يومياً، إذ يضطر كثير من الموظفين لإنفاق نحو نصف الراتب الشهري ثمناً للمواصلات لكي يتمكنوا من الذهاب إلى أعمالهم.
الكهرباء حديث الناس الشاغل
في نهاية تشرين الأول الماضي أصدرت وزارة الطاقة، قراراً يقضي برفع أسعار الكهرباء بنحو ستين ضعفا، فبعد أن كان سعر الكيلوواط المنزلي10 ليرات، ارتفع إلى 600 ليرة، ضمن الشريحة الأولى، وإذا زاد الاستهلاك عن 300 كيلوواط فستُحدد التكلفة ضمن الشريحة الثانية، بسعر 1400 ليرة للكيلوواط. وقد صرَّحت الوزارة أن قرار الرفع جاء نتيجة شح الموارد وارتفاع معدلات الاستهلاك والهدر الكبير في الطاقة، وأنه كان ضرورياً لكي يُجبر المستهلكين على ترشيد الاستهلاك، ويجذب الشركات المُستثمرة لكي تعمل وتستثمر في قطاع الكهرباء.
ومع صدور الفاتورة الأولى، بعد قرار الرفع، صُدم أغلب الناس من الأرقام الكبيرة للفواتير، التي تجاوز بعضها المليوني ليرة، واكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بموجات غضبٍ واستياء واعتراضٍ على القرار، وخرجت أصواتٌ كثيرة ترفض تسديد الفواتير المُجحفة، وقد نُظّمت مجموعة وقفات إحتجاجية في دمشق ومحافظاتٍ أخرى، احتجاجاً على القرار وعلى حجم الفواتير التي ستزيد معاناة الناس، بل ستلتهم النصيب الأكبر من مداخيلهم المتواضعة، التي بالكاد تكفيهم لأيامٍ معدودة، فبالنظر إلى التسعيرة الجديدة للكهرباء، سيكون المعدل الوسطي لفاتورة الاستهلاك المنزلي، نحو مليون و200 ألف ليرة، وهو مبلغ يفوق الدخل الشهري للموظف الحكومي.
وبدل أن يفرح الناس بتحسن الكهرباء، التي انخفضت ساعات تقنينها في الأشهر الماضية، أصبح الكثير منهم يتبعون سياسة تقنينٍ مؤلمة، فتوقفوا عن استخدام الكثير من الأجهزة الكهربائية، كالطبّاخ والمايكرويف والمكنسة والمدفئة، وباتوا يستخدمون بعض الأجهزة، كالفرن والغسالة والمكواة، عند الضرورة المُلحّة، ويشغلون البرَّاد وسخان المياة لساعاتٍ محددة، فيما لجأ بعضهم للاستعانة بوسائل الطاقة البديلة كالبطاريات وألواح الطاقة الشمسية، التي تحتاج لمبالغ كبيرة.
وبحسب كثيرٍ من الآراء، ستشهد الأسواق، في قادم الأيام، ارتفاعاً كبيراً في أسعار كثيرٍ من السلع والمواد، التي سترتفع تكلفة إنتاجها في المصانع والمعامل، نتيجة ارتفاع فواتير الكهرباء التجارية، كما ستتضرر الكثير من الورش الصناعية والمعامل الصغيرة وورشات الحرف والأشغال اليدوية ومحلات تنظيف الثياب وغيرها من المهن، التي بالكاد تؤمن لقمة العيش لمن يعملون فيها.
ارتفاع أسعار باقات الانترنت
في نهاية العام الماضي رفعت شركتا الاتصال الرئيسيتان في سوريا، سيرياتل وMTN، أسعار باقات الانترنت بنسبة تتراوح بين 100 و1000 % . فعلى سبيل المثال، ارتفعت الباقة الأسبوعية (سرعة 2غيغا بايت) من 2000 إلى 12 ألف ليرة، فيما ارتفعت الباقة الشهرية (سرعة 20 غيغا بايت) من 40 إلى 120 ألف ليرة، وهو ما أحدث موجة غضبٍ واسعة في الشارع السوري وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وشكَّل صدمة كبيرة لدى شريحة واسعة من الناس، الذين باتوا عاجزين عن الاشتراك بتلك الباقات، التي كانوا يعتمدون عليها في إتمام أعمالهم ومهامهم الوظيفية، وخاصة طلاب الجامعات، الذين يستخدمون الإنترنت بشكلٍ يومي من أجل متابعة دروسهم ووظائفهم وتنزيل محاضراتهم، سيما أن الكثير منهم يعيشون بعيداً عن أُسرهم، ويعملون خارج أوقات الدراسة لتأمين مصاريفهم.
ويرى الكثير من المُحتجين على قرار رفع الأسعار أنه يعكس غياب الرقابة الحكومية على شركات الاتصال التي تحتكر الخدمات، في ظل غياب المنافسة، ولا ترأف بالواقع الاقتصادي المتدهور لدى معظم الناس، في وقتٍ لم يعد فيه استخدام الإنترنت رفاهية يُمكن الاستغناء عنها، وإنما ضرورة يومية مُلحّة، خاصة أن معظم الوظائف والأعمال والدروس التعليمية صارت تعتمد على خدمة الأونلاين بشكل كبير.
إيجارات المنازل.. ارتفاع متزايد
بعد أشهر قليلة من سقوط نظام الأسد شهدت إيجارات المنازل والمحال التجارية، في مختلف المحافظات، ارتفاعاً كبيراً، مازال يتزايد يوماً بعد يوم، ففي دمشق وصلت إيجارات المنازل في معظم الأحياء إلى ما بين 300 و 500 دولار، وقد تتجاوز هذا الرقم في بعض الأحياء الراقية، فيما تتراوح ما بين 80 إلى 300 دولار في بعض مناطق ريف دمشق، كجرمانا وصحنايا وضاحية قدسيا، بحسب طبيعة المنطقة ومواصفات المنزل وقربه من المواصلات العامة. وتعود أسباب ذلك الارتفاع إلى عودة الكثير من المغتربين واللاجئين إلى البلاد، وتعذّر عودة معظم الناس إلى بيوتهم المدمّرة، وبحث الكثير من العوائل، التي كانت تسكن في شققٍ تعود ملكيتها للدولة، عن سكنٍ بديل، بعد تسليم تلك الشقق عقب سقوط النظام، وخاصة المعلمين والمتطوعين في الشرطة والجيش وغيرهم. وقد ساهم هذا كله في زيادة الطلب على البيوت المستأجرة بشكلٍ كبير، ما أدى لارتفاع إيجاراتها، وانعكس سلباً على المستأجرين القدامى، إذ بات الكثير من أصحاب البيوت يطالبونهم برفع أسعار الإيجارات أو المغادرة، في حال عدم دفع المبالغ المطلوبة، وهو ما دفع الكثير من العائلات للانتقال إلى الأرياف، بحثاً عن إيجارات رخيصة ترأف بحالهم، بعد أن باتت رواتب بعضهم لا تكفي لدفع إيجار منزل.
تسريح الموظفين
عقب سقوط نظام الأسد تم تسريح أكثر من 300 ألف موظف. فعلى سبيل المثال، تم فصل 15% من كوادر وزارة النقل، والرقم ذاته من كوادر وزارتي الصناعة والصحة، ناهيك عن موظفي وزارة الداخلية والدفاع ومختلف مؤسسات الدولة. وقد نَظَّم جزء كبير من المفصولين وقفات احتجاجية في عددٍ من المحافظات، للتنديد بقررات الفصل. ففي طرطوس تظاهر العاملين في القطاع الصحي أمام مديرية الصحة، رافعين مجموعة شعارات، من بينها:”بدنا ناكل.. بدنا نعيش”، احتجوا من خلالها على قرارات الحكومة، وطالبوها بإعادة النظر فيها، كما شهدت مدينة درعا احتجاجاتٍ مشابهة، تنديداً بفصل مئات الموظفين من مديرية الصحة في المحافظة، ومن بين الشعارات التي رفعها المُحتجّين: “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق” و”لا للقرارات الجائرة بحق الموظفين الذين مازالوا على رأس عملهم”.
وإلى جانب قرارات الفصل، مازال مصير عشرات الآلاف من الموظفين مجهولاً حتى اليوم، وخاصة عناصر الشرطة والجيش وموظفي وزارتي الدفاع والداخلية، والأطباء العاملين في المشافي العسكرية والمتقاعدين العسكريين. فهم لا يتقاضون رواتبهم منذ عدة أشهر ولا يعلمون كيف سيكون مصيرهم في قادم الأيام.
وبحسب كثيرٍ من الآراء ستساهم قرارت الفصل في تفاقم حجم الفقر والمعاناة التي يعيشها معظم الناس، وستُلحق أذىً كبيراً بآلاف العائلات التي باتت محرومة من أي مصدرٍ للدخل، وتزيد من معدلات البطالة، التي ينبغي على الدولة أن تُساهم في تخفيضها، سيما أنها تفاقمت أصلاً بعد سقوط نظام الأسد، خاصةً بعد إغلاق العديد من الشركات التجارية المحسوبة على رجال أعمالٍ يتبعون لنظام الأسد، وإغلاق عددٍ كبير من المعامل والمصانع، بعد فرار الكثير من أصحاب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد، وتوقف عشرات المعامل والمنشآت الصناعية التابعة للدولة عن العمل، بغرض التوجه نحو خصخصتها أو إعادة هيكلتها من جديد.
تُشكّل الثقافة بنيةً رمزيةً مؤسِّسةً للدول الحديثة، ويُعدّ الخطاب الثقافي الرسمي أحد أعمدة بنائها في لحظات التحوّل؛ لأنه أداة تُعيد تعريف الذات الوطنية، وتُرمّم العلاقة بين المجتمع والدولة، وتفتح قنوات الاتصال والتواصل مع العالم. وقد تناول الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891–1937)، عند حديثه عن خيبة أمله بعد إخفاق الثورات في البلدان الأوروبية، مفهوم الهيمنة، مشيراً إلى أن «الهيمنة لا تُمارَس بالقوة وحدها، بل عبر بناء منظومة من القيم الثقافية والسياسية والأخلاقية والمعاني التي تُقدَّم بوصفها طبيعية وبديهية». ولأن الخطاب، بلغته وتعدد أشكاله، يُشكّل جانباً مهماً في عملية الاتصال والتأثير على مستوى الأفراد أولاً ثم الجماعات، وهو جزء من الخطاب العام للمجتمع، فإن أي خلل أو تباين فيه يعني بالضرورة خللاً داخلياً يستدعي التوقف عنده، والتنبه إليه، ومناقشته.
وبما أن الخطاب الثقافي الرسمي مساحة مركزية لإنتاج المعنى، فقد استوقفتني مجموعة من الخطابات الرسمية المتضاربة التي جاءت على لسان وزير الثقافة السوري في الحكومة الجديدة. من ذلك ما صرّح به في لقاء بمدينة حلب حول «تطوير الخطاب الثقافي الوطني»، بما يكرّس الهوية الوطنية السورية الجامعة ويركّز على التنوع الثقافي، بحيث تكون الثقافة أكثر التصاقاً بالمجتمع بعيداً عن النخبوية الضيقة. وهو تصريح يُمثّل إعلاناً للنوايا الثقافية، يحمل في طياته وعوداً تتجاوز القطاع الثقافي الضيق إلى المجال العام بأكمله، ويُقدّم الثقافة بوصفها سردية كبرى تنتظم حولها القيم والذاكرة والخيال الجمعي، وبذلك تتجاوز السلوك المفرد لتصبح منظومة معنى تُنتج الانتماء، وتُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. وهو تصريح يوحي بإدراك عميق لمفهوم الثقافة وأبعادها.
غير أنه، وفي حوار إعلامي لاحق خُصِّص لمناقشة الشأن الثقافي، اختزل مفهوم الثقافة في مجموعة من الممارسات التنظيمية اليومية، القابلة للقياس والمراقبة، والمتصلة مباشرة بالسلوك الفردي؛ فطرح الثقافة في سياق مختلف ينسحب إلى ثقافة النظافة الشخصية ونظافة المحال، وذلك عقب حادثة سرقة المتحف الوطني المؤلمة، التي شهدتها بلاد تمر بمرحلة انتقالية حرجة تتطلب الدقة والانضباط وعرض الرؤى والاستراتيجيات. ليأتي ردّه الرسمي منصبّاً على النظافة، ومقهقهاً عند الحديث عن سرقة المتحف!
إن تجاوزنا الجدل الحاصل عقب كل تصريح منفرد للوزير، وانتقلنا إلى رؤية شمولية أكثر اتساعاً، فنظرنا إلى مجمل التصريحات نظرة تتبّع ومقارنة، نلحظ سلوكاً متبايناً في التعاطي مع الثقافة وفي التعبير عنها. وهو سلوك يفتح باباً أوسع يتعلق بطبيعة الخطاب الثقافي الرسمي نفسه، وحدود مفاهيمه، ومدى خضوعه لهندسة واعية؛ بما يُحيلنا إلى ما قاله الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926–1984)، حين أكّد أن خطورة الخطاب لا تكمن فيما يقوله فقط، بل في الحدود التي يرسمها لما يمكن التفكير فيه بوصفه «ثقافة»، وما يستبعده أو يغض الطرف عنه. وهنا جوهر القضية؛ فالمشكلة ليست في الضحكة الساخرة غير المنضبطة، ولا في الحديث عن أهمية السلوك اليومي والنظام العام، ولا في هذا التصريح أو ذاك، بل في عدم إدراك أبعاد الخطاب الثقافي وماهيته، وفي نقل مفهوم الثقافة من مستواها الاستراتيجي إلى مستوى إجرائي ضيق دون بناء جسر مفاهيمي يربط بين المستويين.
ولأننا في مرحلة بناء سوريا الجديدة، فإننا أحوج ما نكون إلى الوعي بما يُعرف بـ«هندسة الخطاب الثقافي»، أي التخطيط المنهجي المدروس للثقافة. ولا نقصد بذلك التنظير الأكاديمي المجرد، بل العملية الواعية القائمة على تحديد مفهوم الثقافة المعتمد رسمياً، واختيار اللغة التي نتحدث بها عنها، وتحديد الجمهور المقصود، وضبط العلاقة بين الرمز والسلوك، وضمان الاتساق الزمني بين الخطابات المتعاقبة؛ بما يحقق تعدد المستويات لا خلطها، وتنوع الأدوات دون تفكيك المفهوم، بهدف إدارة الوعي الفردي والجماعي وتوجيهه، وبناء المفاهيم، وتشكيل السلوك بطريقة مؤسساتية لتحقيق أهداف اجتماعية أو حضارية أو اقتصادية.
وعليه، تكون المشروعات الثقافية، انطلاقاً من التصريحات الرسمية، جزءاً من مشروع فكري بعيد المدى يتجاوز الأفكار اللحظية، فلا يقتصر على تصريح عابر أو حملة إعلانية أو نشاط أسبوعي؛ إذ يصبح سياسة رمزية طويلة الأمد، يؤدي أي ارتجال فيها إلى تشويش المعنى، حتى وإن كانت الرسائل الجزئية في ذاتها إيجابية. فالفضاء العام يقوم على تماسك اللغة والمعنى، بعيداً عن الانحراف نحو الشعبوية الثقافية، إذ إن المضي في هذا المسار يفتح الباب أمام تسطيح الوعي وتفريغ الثقافة من بعدها المعرفي، مما ينتج عنه فوضى دلالية وتآكل في المسؤولية.
ولا يُراد بالشعبوية تبسيط اللغة أو الاقتراب من الناس، بل اختزال المفهوم نفسه إلى ما هو سريع الفهم، سهل الترويج، ومضمون القبول. وقد أوضح الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (1929) أن أخطر ما قد يصيب الخطاب الثقافي الرسمي في مرحلة دقيقة كبناء الدولة الجديدة هو الانزلاق نحو الشعبوية الثقافية؛ فعندما تُقدَّم الثقافة بوصفها انضباطاً سلوكياً، تتحول من أفق للمعنى إلى أداة ضبط، ومن فضاء للهوية إلى قائمة تعليمات. وحينها لا يعود الخطاب رافعاً للوعي، بل مُطمئناً للذائقة العامة على حساب العمق، وهو ما يفقده وظيفته التأسيسية. فالخطاب يجب أن يستند إلى العقلانية التواصلية لا إلى العقل الأداتي، لأن الاتكاء على الثاني سيضعنا في مواجهة خلل ممتد يتجاوز أثره حدود الداخل إلى الخارج.
ومن المعروف أن الخطاب الثقافي أحد أهم أدوات الاتصال بالعالم، في زمن تُقاس فيه الدول بقوتها الناعمة، وتُقرأ الثقافة فيه بوصفها سردية، وتُفهم اللغة الرسمية كبطاقة تعريف. فلا تنحصر الثقافة بما نفعله فقط، بل تمتد إلى ما نفهمه عن أنفسنا وما نرويه للعالم عنا. وقد أشار إلى ذلك أستاذ العلوم السياسية ومساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الأمن الدولي جوزيف ناي، عندما تحدث عن القوة الناعمة التي تُبنى عبر الجاذبية الثقافية والرمزية، لا عبر التعليمات الإدارية. موضحاً أن كل خطاب ثقافي رسمي هو إعلان ضمني عن صورة الدولة التي نريدها؛ فخطاب يختزل الهوية الوطنية إلى ممارسات تنظيمية يومية قد يبدو داخلياً قريباً من الناس، لكنه يفتقر خارجياً إلى القدرة على تمثيل مجتمع معقّد وغني بالتاريخ والتعدد والإنتاج الرمزي، مما يفقده القدرة على مخاطبة العالم من موقع الندية الثقافية.
ولعلنا، بعد سنوات من العزلة الثقافية، نطمح إلى سوريا جديدة يتجاوز فيها الخطاب حدود اليومي نحو أفق أعمق. وهذه الرغبة ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً لبناء مشروع وطني قابل للحياة في الداخل، وقادر على التواصل مع العالم في آن واحد.
وعليه، فإننا بحاجة إلى بناء خطاب ثقافي وطني جديد يرفع مستوى الخطاب الرسمي، ويُعاد تخطيط بنيته العميقة في التعليم والذاكرة والمؤسسات. وهو ما تؤكده تجارب دول نجحت في إعادة بناء صورتها الثقافية بعد أزمات وصراعات متعددة، مثل جنوب إفريقيا التي راعت الانقسام والتعدد وانتقلت من نظام قمعي إلى أفق جديد، ورواندا التي جبرت ذاكرة العنف الجماعي، وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية التي واجهت الماضي ولم تنكره، فاختارت السردية المسؤولة بديلاً من المريحة.
ويكون ذلك عبر إعادة ضبط البوصلة المعرفية، وإزاحة منطق ما يريده الجمهور لصالح ما يحتاجه الوعي العام كي يتطور، والانتقال من الارتجال إلى الاستراتيجية التي تحقق الفصل الواضح بين الثقافة بوصفها قيمة ومعنى، والسلوك بوصفه نتيجة لهذه القيمة لا تعريفاً لها. وكذلك عبر تفكيك اللغة قبل إنتاجها، وتوظيف لغة رمزية تفتح أفق التفكير النقدي والإبداعي بدلاً من لغة تعليمات تُغلقه، مع الاستثمار في النقد بوصفه ممارسة تفسيرية مسؤولة، وتمكين المثقفين من مواقعهم، وإشراك الباحثين وصنّاع المعنى في بناء السردية الثقافية، لا الاكتفاء بإنتاجها ضمن دوائر إعلامية ضيقة أو التوجه نحو «المؤثر الثقافي» السريع. كل ذلك وغيره يمكن أن يسهم في رسم مسار واضح، ووضع خطة ناجعة نحو هندسة الخطاب الثقافي في سوريا الجديدة.
لم يكن تاريخ 8-12- 2024، مجرد حدث غيّر مجرى الحياة السياسية والاجتماعية في سورية، بل إنها الساعة السادسة وثماني عشرة دقيقة التي أعلنها الإعلام العربي، أن سوريا بلا بشار الأسد، هذه الدقائق شكلت اختباراً جديداً للإعلام السوري، الذي ظهرت على شاشته الرسمية مجموعة تعلن سقوط النظام، في حين، كانت كل القنوات الأخرى العامة والخاصة، مصابة بالخَرس الصحفي.
قاد الإعلام السوري الحكومي والخاص، المؤيد والمعارض معركةً لا تقل وقعاً عن المعارك العسكرية، بل ربما قادها في أحيان كثيرة، ورفع سقف الدم إلى أعلى مستويات. وخلال سنوات الحرب بدأت تظهر مناظرة الإعلام المستقل، وهل يوجد إعلام مستقل فعلاً؟ اختلفت وجهات النظر على الأرض بين الجمهور وبين الصحافيين أنفسهم.
عام 2015 أو حسب ما سمته الدراسات الإعلامية العصر الذهبي، الذي ظهر فيه ما يقارب 16 وسيلة إعلامية مستقلة تعمل من تركيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة، مدعومة بتمويلات مختلفة غالبيتها من المنظمات الدولية، تجاوزت التغطيات الإخبارية وذهبت للعمل الاستقصائي والحقوقي وتوثيق الانتهاكات لمقاومة الرواية الرسمية، ولتكون أدلة موثقة أمام المحاكم استعداداً لمرحلة كانت ربما ستمهد لقدوم العدالة الانتقالية يومًا ما.
في رواندا شكل الإعلام الفتيل الذي أشعل حرب الإبادة والماء التي أطفأت النار، وفي عام 1994 لعبت إذاعة ميل كولين وصحيفة “kangura” دوراً في التحريض على العنف والقتل وتحديد أماكن الاستهداف، وبعد انتهاء الاقتتال عمل الإعلام على إعادة بناء سردية وطنية، وبناء مسارات العدالة الانتقالية، فكيف يجب أن يساهم الإعلام السوري المستقل تحديداً في بناء سرديات العدالة الانتقالية؟ وهل يستطيع أن يبني سردية وطنية جامعة في ظل عدم قبول الإعلام الحكومي من كافة فئات الجمهور؟ أم أن الحالة السورية استثناء يجب أن تشق مساراً مختلفاً ليشارك الإعلام في العدالة الانتقالية للبلاد؟
ما بعد الخبر!
تقر الأدبيات الإعلامية أن وظائف الإعلام الرئيسة هي خمسٌ، ( الإخبار، التوعية، الرقابة، الترفيه” الثقافي والاجتماعي”، والوظيفة التشاركية)، وبناء على هذه الوظائف يمكن للإعلام المستقل أن يساهم في سرديات العدالة الانتقالية، وهنا يقول مارسيل موسى خبير العدالة الانتقالية: “الإعلام ليس فقط ناقلاً للخبر بل يجب أن يكون متوافقًا مع المرحلة الانتقالية وحقوق الإنسان، لأنه يساهم بتشكيل الوعي العام، فهو يجب أن يتحدث عن الماضي والحاضر والمستقل، بسردية متوازنة غير منحازة لطرف واحد، وفي حال انحازت يساهم بتشكيل مظلوميات جديدة تؤثر على مسار العدالة الانتقالية”، وتكمل الصحفية لودي علي أن “دور الإعلام في مسارات العدالة الانتقالية زيادة الوعي العام بحقوق المتضررين وآليات المحاسبة وكشف الحقيقة والاعتراف بالجرائم وربط العدالة بالمجتمع، مع التأكيد على عدم إطلاق الأحكام”. وحتى يكون كذلك ويساهم إيجابياً بالدور المنوط إليه ألا يتلقى تعليماته من السلطة أو الأشخاص أو حتى الأجندات الخارجية، وعلى الصعيد السوري يوجد إعلام مستقل، وصحافيون مستقلون، لكن وسائل الإعلام المستقلة قليلة، ومن بقي منها يتهاوى أحياناً، والبعض منها لم يقدر على الصمود بسبب نقص التمويل، في حين أشار الباحث سامر ضاحي إلى فكرة أن تبدل قوى السيطرة خلال سنوات الحرب، عرت بعض من يدعي أنه ” إعلام مستقل” وبناء عليه يتوجب على الإعلام المستقل أن يساهم بكل مراحل العملية الانتقالية، ويكون شريكًا في بناء سرديات وطنية عادلة وتوافقية.
باتت تترد كلمة العدالة الانتقالية بمفهومها المجتزأ، على ألسنة العوام أو الجمهور في سوريا، من أقصى قرية في الريف الجمهورية الشرقي إلى أقصى قريةٍ في ريف الجمهورية الغربي، لكن هل يكفي أن تتردد الكملة، والجمهوران بعيدان عن بعضهما بعد الثريا عن الثرى؟
نظرية البعض والكل!
” السنة قتلونا، البدو قتلونا، أهل إدلب هنن الدولة، العلوية الفلول، عناصر فلول النظام في الساحل السوري، الدروز الهجريون، الكرد القسديون، الشبيحة الجدد” هذه جمل تصدرت على لسان بعض العوام والكثير من الإعلام منذ سقوط نظام الأسد عام 2024.
” أهل الغوطة الإرهابين، إرهابيو إدلب، السنة الدواعش، المجموعات الإرهابية من المعارضة المسلحة، شبيحة النظام، العلويون الشبيحة” هذه جمل أيضاً جاءت على لسان بعض العوام، و الكثير من الإعلام منذ عام 2011 وحتى 2024 م
وخلال 16 عامًا، زادت الاستقطابات، وأصبح البعض يذهب ليندمج بالكل الذي يناسبه خوفاً، أو ربما حفاظاً على حياته، وازدادت الاتهامات وأحكام القيمة، وبين هذين التاريخين، وربما في نفس اللحظة والدقيقة أمهات وزوجات وبنات فقدن الشريك، المعيل والحبيب، وبنفس اللحظة أيضاً نساء ورجال كانوا يِعذبون في سجون الأسد وسجون الفصائل الأخرى التي كانت تحت جناح المعارضة المسلحة، لم يفكر أي إعلام خلال سنوات الصراع، الحرب، الثورة، سموها ما شئتم أن يلقي السلام على مبدأ الفيلسوف Kant” ونظرية ” البعض والكل”، تقول النظرية إن العلاقة بين البعض والكل تستعمل في التمييز بين الأحكام، فإذا كان المحمول جزءاً من الموضوع كان الحكم تحليلياً، لأننا نضيف شيئاً جديداً إلى المعرفة، وإذا كان المحمول خارجًا عن الموضوع كان الحكم تركيبيا لأننا نضيف معرفة جديدة إلى الموضوع”.
وبناء على هذه النظرية، عمل الإعلام السوري المؤيد للسلطة والمعارض للسلطة على مبدأ التعميم، الذي ضرب بعرض الحائط العدالة الانتقالية، وبقي الإعلام المستقل هو القشة التي يتعلق على ظهرها السوريون لعدالة انتقالية توصف المجرم وتخلد الذكرى، وهنا يقول الباحث في العدالة الانتقالية: مارسيل موسى: “يجب أن يستخدم الإعلام لبث رسائل السلام وتعليم السلام، ويستخدم السردية المتوازنة، وهذا لا يعني مساواة الجلاد بالضحية، بالعكس تماما الجلاد يبقى جلاداً، لكن السردية المتوازنة تعاني أن ليست كل الأطراف متساوية بالجرم، والسردية المتوازنة تتخلص من التعميم كلغة وخطاب، فلا يجوز أن أبقى أوجه كلامي لطائفة كاملة وأن أميز بين الانتقام والعدالة”.
الإنصاف أم الحياد! مصطلحان اشكاليان، حتى في النظريات الإعلامية، هل يمكن لإعلام أن يكون حيادياً؟ حسب نظريات الإعلام لا يمكن لإعلام أن يكون حيادياً، لكن تشير الصحفية لودي علي أن الإعلام المستقل يمكن أن يكون موضوعياً ومنصفا، بالاعتماد على الأدوات المهنية ليكون بوصلة العدالة، باتباعه القواعد المهنية التالية والتي توصل بالضرورة إلى ضمان عدم التكرار:
وهنا يعرج الخبير في العدالة الانتقالية مارسيل موسى على مثال واقعي عن دور الإعلام المستقل يوم حدثت الانتهاكات الأخيرة في الساحل السوري والسويداء وحلب أن الإعلام المستقل أصاب عندما وثق الانتهاكات وأعطى للناس مساحة للحديث “وأخطأ باستخدام اللغة العاطفية في بعض الأماكن بدل اللغة العقلانية واللغة العاطفية تؤجج الانقسام” وتوافقه لودي علي قائلة “أخطأ في التركيز على ما حدث كتقارير مستقلة دون ربطه بضرورة تحقق العدالة الانتقالية، ومنع تكرار الانتهاكات فسقط أحيانا في فخ التحريض وأحيانا في فخ ملاحقة التريندات بعيدا عن التحليل المعمق. القضية.. أولويات! عام 1972، أسس المنظران في الإعلام “ماكسويل ماكومبس” و”دونالد شو”، نظرية ترتيب الأولويات في الإعلام، التي تقول: “إن وسائل الإعلام ليست مجرد مرآة تعكس الواقع، بل هي تحديداً تختار ما تريد أن تسلط الضوء عليه، وبالتالي تؤثر في ما يعتبره الجمهور مهماً أو أولويّة”، فكم يمارس الإعلام المستقل هذا الدور في ملف العدالة الانتقالية كأولوية يحتاجها السياق السوري، بل الأحرى كم يمارس دور ترتيب الأولويات ضمن مسارات العدالة الانتقالية، وهنا يطرح سؤال نفسه من أي مسار يجب أن يبدأ، كشف الحقيقة، جبر الضرر، بناء الذاكرة”؟ تشير الصحافية علي: إن المسار الأول في ترتيب الأولويات يقتضي اليوم رفع الوعي المجتمعي بالمفاهيم القانونية التي تتعلق بالعدالة الانتقالية، يليه الاعتراف بالجرائم السابقة وإعطاء مساحة للبوح، والتركيز على حقوق الضحايا، وجبر الضرر. يتعمق الباحث موسى مستفيضاً: البداية بالسرديات المتعلقة بالعدالة الانتقالية من الحديث عن الحقيقة الموثوقة، القائمة على الحق الذي هو أساس الحقيقة، إضافة لوضع الضحايا كأشخاص كاملين في مركز السرد، ويجب الحصول على المعلومات من أفوههم إن وجدوا، ولا يجوز استخدامهم كرموز فقط أو أدوات سياسية، وبعدها ينطلق إلى التمييز بين الضحية والجاني، والمسؤولية الفردية والمسؤولية المؤسساتية. ويوافق الصحافية علي، أنه على رأس أولويات وسائل الإعلام المستقلة، هو توضيح المصطلحات، إضافة إلى استخدام مصطلحات قانونية، تبنى على أساسها سرديات العدالة الانتقالية، فلا يجوز استخدام مصطلح عفو في العدالة الانتقالية، الصحيح استخدام مصطلح عدم الإفلات من العقاب، وتوجيه الناس أن القانون هو فوق كل شيء وهو من يأخذ الحقوق. لا يمكن تجاهل أن هناك خطورة يعيش ضمنها الإعلام المستقل، لأنه هو إعلام قائم على تمويل المنظمات، فكيف سيكون مسار هذا الإعلام في حال اختفى التمويل، فهل يختفي صوته؟ بالعموم العدالة الانتقالية لا يخشى عليها من الموت بل يخشى عليها من الإصابة بالشلل، إذا انقطع التمويل عن الإعلام المستقل يعني أن يصبح هناك روايات موجهة شعبوية سلطوية للإعلام، وبالتالي يزيد خطاب الكراهية وخطاب الثأر، لكن الحلول لهذا الإعلام موجودة والمتمثلة بالتمويل المجتمعي، وهذا ماحدث في ألمانيا حسب الباحث مارسيل موسى، وتضيف الصحافية علي أن غياب التمويل سيترك التمويل لوسائل إعلام تحمل أجندات وسيكون عناك ضياع بالحقوق، ويترك المجال للسوشال ميديا أن تثير الرأي العام وتزيد التحريض. يقف مسار العدالة الانتقالية السورية اليوم، على المحك عالميا، عربياً وسورياً، البعض يقول إنها عدالة انتقامية لأنه مازال الناس يأخذون حقوقهم بيدهم، والآخرون يشيرون أنها تحتاج وقتاً طويلاً للتحرك، لكن حان الوقت بعد عام للبداية.
ثمّة بداياتٌ مفاجئة لتحوّلات التوازن في شرق المتوسط. قد تبدأ من خريطةٍ صغيرة تُتداوَل همساً كأنها “معلومة”، وقد تنتهي بسفينةِ مسحٍ زلزالي تُعامَل كأنها “قرارٌ”. البحر، من بعيد، يبدو مساحةً بلا ذاكرة؛ ماء يبتلع أثره ولا يترك شاهداً. لكن هذا الحوض بالذات لا ينسى. هنا، كل خطٍّ يُرسَم على ورقٍ يتحوّل سريعاً إلى نزاعٍ على الموانئ، وعلى شركات التأمين، وعلى شرعية الحركة في الماء؛ نزاعٌ تُديره العواصم ببرود، وتدفع ثمنه الدول الأضعف بالتقسيط.
ومنذ تبدّل ميزان الحكم في دمشق أواخر عام 2024، تصرّفت أنقرة كأن نافذةً أُزيحت أخيراً؛ سورية التي كانت مغلقة بالحديد والفيتو أصبحت “قابلة للترتيب” من جديد. ضمن سلة الملفات، يبرز البحر كفرصةٍ مزدوجة الحدّ؛ فرصة لأن الغاز والممرات والأسواق تُغري، ولأن تثبيت الخطوط يعني تثبيت النفوذ. وخطرٌ لأن أي خطوةٍ غير محسوبة قد تُدخل دمشق في اشتباكٍ كبير مع أوروبا، وتمنح تركيا – بحكم الخبرة والقدرة – أوراقاً تتجاوز اللحظة، وتضغط على هامش سورية في السنوات القادمة؛ ليس فقط في المتوسط، بل في طريقة عودتها إلى العالم أصلاً.
وبحسب المتاح من مؤشراتٍ وتصريحاتٍ متفرقة، ثمة حديثٌ عن مسارٍ تركي–سوري يتصل بتحديد مناطق النفوذ في البحر. لا شيء مُعلناً بوصفه اتفاقاً نهائياً، ولا وثائق منشورة، ولا إحداثيات مُودَعة. لكن مجرد تداول الفكرة يهمّنا، لأن ظهورها سياسي في جذوره؛ هل تريد سورية الجديدة أن تبدأ علاقتها بالبحر من بوابة مقايضةٍ سريعة، أم من بوابة تثبيت سيادةٍ هادئة لا تُستدرَج إلى صراعات الآخرين؟ كما أن تركيا، في المقابل، لا تنظر إلى المتوسط بوصفه حيّزاً جغرافياً محايداً. لديها عقيدةٌ بحرية وخطابٌ مُعلن عن “المجال الحيوي” وأولوية حماية مصالحها، وبخاصة ما تعتبره “حقوق القبارصة الأتراك” المرتبط بالمنطقة الشمالية من قبرص والتي تقع تحت وصاية تركيا. ومع كل حديثٍ عن تفاهمٍ مع دمشق، يظهر ظلّ قبرص فوراً، حتى لو لم يُذكر بالاسم.
قبرص: الجار الذي يفرض نفسه الجغرافيا هنا أوضح من النوايا. الساحل السوري قصير نسبيّاً، وأي انحرافٍ بسيط في زاوية الخطّ يغيّر المساحات والحقوق ويُضعف قابلية الدفاع القانوني. لكن المسألة ليست حسابات أميال فقط. وقرب قبرص يجعلها طرفاً فعليّاً في أي معادلة، حتى لو أُخرجت من الخطاب. وتجاهلها يُعدّ مخاطرةً سياسيةً مبكرةً.
الصورة يجب أن تُقرأ كما هي؛ إذا صيغت خطوط تركية–سورية تُقلّص أثر قبرص أو تلتفّ على وزنها، فلن تُعامل كترتيبٍ ثنائيٍّ بريء. ستُقرأ كخطوةٍ تستفز نيقوسيا وأثينا، وتدفع الاتحاد الأوروبي إلى الردّ، لأن الملف عنده سيادةٌ وحدودٌ وطاقةٌ، لا ورق خرائط فقط. والأسوأ أن تُمرَّر الصيغة -مباشرةً أو مواربةً- بما يُدخل “شمال قبرص” المحتل، في المنطق الترسيمي، نصّاً أو عبر نقاطٍ مرجعية. هنا تتحول المسألة إلى أزمةٍ دبلوماسيةٍ شبه مؤكدة، وتصبح سورية هي من يدفع الكلفة؛ على صعيد الانفتاح الأوروبي، وعلى صعيد الاستثمار والتمويل والتأمين، وعلى صعيد الشرعية السياسية التي تحتاجها في مرحلة انتقالية حساسة.
ولا ينتهي الأثر عند قبرص. جنوباً، يطل لبنان عبر حساسية “نقاط الالتقاء” البحرية. أي خطٍّ ثنائي قد يربك لاحقاً تفاوض دمشق مع بيروت، أو يرفع ثمن أي تسويةٍ لاحقة. وفي الخلفية، تبقى إسرائيل وملفات الطاقة عامل ضغطٍ دائماً في شرق المتوسط. هذه ليست ساحاتٍ منفصلةً لكل دولة. إنها مساحة تداخل. ومن يتصرف كأنه وحده في البحر سيكتشف سريعاً أن الآخرين سيحوّلون خطوته إلى كلفةٍ مضاعفة؛ قانونيّاً، ودبلوماسيّاً، وماليّاً، وأمنيّاً.
من يمسك القرار… ومن يدفع الثمن؟ في هذا النوع من الملفات لا يكفي أن نعرف “من يتفاوض”. المهم أن نعرف من يقرّر، ومن يستطيع تحويل الورق إلى واقع. في أنقرة، الخارجية هي الواجهة السياسية–القانونية، والرئاسة هي سقف القرار لأن أي خطوة في البحر تُربط عادةً بسلةٍ أوسع؛ أمن، حدود، تجارة، لاجئون، وطاقة. وبينهما قنواتٌ خلفية تتولاها أجهزة الأمن حين تصبح الاتصالات حسّاسة أو حين يلزم تمرير الرسائل بعيداً عن الضوء. بعد ذلك تدخل الطاقة والمؤسسة البحرية بوظيفتها الصلبة؛ خرائط، تقديرات، وخيارات مسحٍ واستكشاف.
أما في دمشق الانتقالية، فالقرار -إن وصل إلى مرحلة النضج- قرار سيادي من الدرجة الأولى، ولا يمر بسلاسة عبر مؤسسة واحدة. الخارجية قد تدير التفاوض، ومؤسسات الطاقة قد تراجع الحسابات، لكن التوقيع -إذا حدث- يحتاج غطاءً أعلى، ومرجعيةً داخليةً لا تبدو مستقرة بعد. هنا مكمن الضعف؛ اتفاق كبير يُبرَم في لحظة انتقالية، من دون سند مؤسسي وإجرائي واضح، قد يتحول لاحقاً إلى مادة انقسام، ويُستخدم كسلاح سياسي ضد السلطة نفسها.
وهناك عامل لا يجوز تجاهله، وهو أن الساحل السوري ليس مساحة هادئة سيادياً حتى داخل سورية. توازنات نفوذ، ذاكرة امتيازات طاقة، وحضور روسي ثقيل في طرطوس وما حولها. مصالح متشابكة قد لا تتقبل سريعاً انتقالاً يمنح تركيا مكاسب صافية من دون أثمان مقابلة. هذا قد لا يظهر في التصريحات، لكنه يظهر عند التنفيذ؛ عند دخول الشركات، عند ترتيبات الحماية، عند التأمين البحري، وعند الأسئلة التي تُسقط أي خطاب إنشائي: من يضمن؟ من يموّل؟ ومن يوقّع فعلاً؟
ما بين الانفتاح الغربي وقيود الواقع يسهل على أي طرف أن يقرأ 2025 بوصفها سنة “تخفيف القيود” عن سورية. ظهرت إشاراتٌ إلى انفتاحٍ أوروبي أوسع، وإلى تفكيكٍ جزئي لبعض منظومات العقوبات أو إعادة ترتيبها. لكن الخطأ أن تُفهم هذه التحولات كأنها تفويضٌ مفتوح لتوقيع اتفاقات بحرية شائكة بلا ثمن. التحسن السياسي لا يلغي كلفة الامتثال، ولا يرفع فجأةً الحساسية الأوروبية حين يتعلق الأمر بالبحر وقبرص.
أي مشروع بحري يحتاج شركاتٍ، ومصارفَ، وتأميناً، وتقنيات قد تُصنّف “مزدوجة الاستخدام”، وشبكات امتثالٍ لا تعمل بالنوايا، بل بالخوف؛ خوف من المخاطر القانونية، ومن الإشارات السياسية، ومن أي نزاع يمكن أن يطيح التمويل والتشغيل. لهذا قد يكون التوقيع أسهل من التنفيذ. وقد ينجح الطرفان في إنتاج ورقة سياسية، ثم يكتشفان أن تحويلها إلى عملٍ فعليّ يصطدم بجدار؛ تأمين لا يأتي، أو شركة تتراجع، أو مصرف يطلب ضمانات لا يمكن توفيرها، أو اعتراض أوروبي يرفع كلفة كل خطوة.
ثم إن أوروبا -خصوصاً قبرص واليونان- لديها حساسية مسبقة من أي خطوط تُرسم خارج مقاربتها القانونية، ولديها سجل واضح في الاعتراض على ترتيبات بحرية اعتبرتها تمس حقوق أطراف ثالثة. لذلك يُقرأ أي تفاهم تركي–سوري، عند أول خطوة ميدانية، كاختبار عملي لإرادة الاتحاد الأوروبي في حماية ما يراه “حدوده” ومجاله البحري. وهنا يضيق الهامش على دمشق؛ سورية تريد باباً أوسع إلى العالم، لكن قد تُستدرج إلى ملف يجعل هذا الباب أضيق، ويعيدها إلى دائرة الاشتباك بدل الخروج منها.
كيف نعرف أن الأمر خرج من دائرة الكلام؟ في هذا النوع من القضايا لا أعوّل على التسريبات، ولا على العبارات المرنة التي تصلح لكل شيء. ما يهمني هو الأثر القابل للقياس. إذا أردنا مراقبة المسار بعقلٍ بارد، فهناك إشارات قليلة لكنها فاصلة: أولاً: إعلان تشكيل لجنة مشتركة بصلاحيات واضحة. تتحدث عن منهج عمل، وجدول زمني، ومرجعيات قانونية، ومن يوقّع باسم من. وجود لجنة بهذا الوزن يعني أن الملف خرج من تبادل الأفكار إلى تفاوضٍ مؤسسي. ثانياً: بدء أعمال مسح بحري أو زلزالي بتنسيق فعلي قبالة الساحل السوري. وهذا إعلانٌ ضمني عن “مساحة عمل” وعن حدودها السياسية والأمنية. لحظة خروج السفينة إلى الماء يتغير كل شيء: يبدأ الاختبار الحقيقي، وتظهر فوراً الاعتراضات أو القدرة على تحمّلها. ثالثاً: ظهور وثيقة يمكن تتبعها، حتى لو كانت مذكرة أولية. وثيقة تحمل خطوطاً أو نقاطاً أو صيغاً تقترب من فكرة الإيداع الدولي لاحقاً. من دون ورقةٍ قابلة للتتبع، تبقى الخرائط المتداولة مجرد تصورات للاستهلاك والضغط، لا للبناء.
لكن الأهم، برأيي، ليس فقط “كيف نراقب” بل ماذا يجب أن تفعل دمشق كي لا تُحاصر نفسها. إذا كانت سورية جادة في حماية هامشها البحري، فلا يجوز أن تُسلّم مستقبلها في المتوسط لقناة واحدة. تنويع المسارات ضرورةٌ؛ فتح حوار تقني مع لبنان، ترك نافذة مع نيقوسيا، وعدم السماح بتحول الملف إلى “حزمة” تُستعمل فيها خطوط البحر كعملة لتسويات أمنية أو سياسية قصيرة النفس.
وأخشى تحديداً من فخ “الرمادي”: تفاهم لا يذكر قبرص صراحةً لكنه يُترجم عملياً بطريقة تستفزها، أو لغة مبهمة تسمح لأنقرة بإدخال ملف شمال قبرص إلى المعادلة من الباب الخلفي. هذا النوع من الصيغ يبدو أنيقاً على الورق، لكنه يسقط عند أول احتكاك ميداني، ويترك الطرف الأضعف -وغالباً دمشق- وحيداً في زاوية الدفاع. كيف ترى سورية الجديدة نفسها، وأين تريد أن تضع قدمها في الإقليم. المتوسط هو أكثر من “فرصة غاز” تُضاف إلى جدول أعمال مزدحم. هو ساحة سيادة. إمّا أن تُصاغ قراراته بوعيٍ طويل النفس، وبحدٍّ معقول من الشفافية والغطاء الداخلي، وإمّا أن تتحول الخطوط إلى “صفقة” تُبرَم سريعاً ثم تُترك سورية وحدها تتعامل مع ارتداداتها.
التجربة القريبة في شرق المتوسط تظهر بوضوح أن كل خطٍّ يتجاهل توازن القوى والجغرافيا السياسية يعيش كأزمة مؤجلة. وكل اتفاق يمرّ فوق رؤوس الأطراف المتأثرة يعود لاحقاً كصدامٍ قانوني ودبلوماسي وربما ميداني. من حق دمشق أن تبحث عن مصلحتها، ومن حق أنقرة أن تجرّب توسيع هامشها، لكن ليس من مصلحة سورية أن تُستدرج إلى معركة قبرص، ولا أن تربط مستقبل بحرها بمقايضة قصيرة العمر.
لهذا أعتقد أن التريث هو شكل من أشكال السيادة. لأن أي خط يُرسَم اليوم قد يُغلق أبواباً غداً. وسورية في لحظتها الانتقالية تحتاج أن تفتح الخيارات لا أن تقفلها؛ اقتصاداً، وعلاقاتٍ خارجية، وشرعية داخلية. في هذا البحر، لا يكفي أن ترسم خطّاً. عليك أن تعرف كيف ستعيش معه، وكيف ستدافع عنه، وكيف ستدفع ثمنه إن لزم الأمر.