بواسطة عمر الشيخ | مارس 20, 2025 | News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
مع تزايد التوترات في سوريا، لا سيما بعد المجازر التي وقعت في الساحل السوري، باتت الحكومات الأوروبية أكثر تشدداً في التعامل مع أي نشاط مرتبط بدعم العنف أو الإرهاب، سواء أكان ذلك على أرض الواقع أم عبر الفضاء الرقمي. هذا التوجه يعكس التزام أوروبا بتطبيق القوانين الدولية التي تحظر نشر المحتوى الإرهابي عبر الإنترنت، مثل الاتفاقية الأوروبية لمكافحة الإرهاب (2005)، والقرار 1624 الصادر عن مجلس الأمن الدولي (2005) الذي يدعو جميع الدول إلى حظر التحريض على الإرهاب وتجريم تمجيد العنف والتطرف.
وبالتوازي مع هذه التحولات، تشير التقارير إلى أن بعض الفصائل المسلحة التابعة للحكومة السورية المؤقتة بقيادة أحمد الشرع، متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين في الساحل السوري، خلال مواجهاتها مع بقايا النظام، بحسب تصريحات رسمية. هذه التطورات دفعت أوروبا إلى تعزيز مراقبتها لسلوك اللاجئين السوريين المقيمين على أراضيها، ليس فقط من حيث تحركاتهم الفعلية، بل أيضاً من حيث نشاطهم الرقمي على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لأي تعليق أو مشاركة تدعو للعنف أن تؤدي إلى سحب اللجوء، الترحيل الفوري، أو الحظر الدائم على دخول أوروبا.
محاكمة لاجئ سوري في قبرص
واحدة من أبرز القضايا التي سلطت الضوء على هذا التوجه الأوروبي كانت احتجاز شاب سوري في ليماسول، قبرص، مؤخراً، بتهمة نشر محتوى إرهابي على وسائل التواصل الاجتماعي. وفقاً للتحقيقات، فقد قام المتهم بمشاركة مقاطع فيديو تتضمن تهديدات بالقتل، صور لأسلحة وسكاكين، وأعلام تنظيم “داعش”، إضافةً إلى عبارات مثل “سنقطع رأسك” وذلك في إطار حملات التحريض المشبوهة التي تنشط على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب التهديدات الطائفية بعد أحداث الساحل السوري الفظيعة.
هذه القضية تعكس تحولاً جوهرياً في النهج الأوروبي تجاه الإرهاب الرقمي، حيث لم يعد دعم العنف مقتصراً على الأفعال المادية، بل بات يشمل حتى المحتوى الرقمي الذي قد يحمل دلالات تحريضية أو يشجع على العنف. ويستند هذا النهج إلى التوجيه الأوروبي 2017/541 المتعلق بمكافحة الإرهاب، والذي يفرض على الدول الأعضاء إزالة المحتوى الإرهابي من الإنترنت خلال ساعة واحدة من الإبلاغ عنه، كما يجرّم نشر أو مشاركة أي محتوى يحرض على العنف، حتى لو لم يكن الناشر هو المنتج الأساسي له.
ألمانيا ترصد الاحتفاء بالتطهير العرقي على الإنترنت
بالتوازي مع ذلك، كشف الإعلام الألماني عن مقاطع فيديو نشرها بعض اللاجئين السوريين في ألمانيا، يحتفلون بالمجازر التي وقعت في سوريا. هذه المقاطع، التي تم تحليلها وترجمتها إلى الألمانية، تضمنت تمجيداً للعنف والتطهير العرقي ضد العلويين والمسيحيين، بحسب الصحافة الألمانية.
في أحد الفيديوهات، قال أحد هؤلاء الأفراد: “بمناسبة الأحداث الأخيرة على الساحل السوري: أود أن أحيي الشيخ ابن تيمية، رحمه الله. لقد أخبرنا منذ 700 عام أن القتال ضد هؤلاء الثلاثة، العلويين، النصيريين والدروز، دائماً أكثر أهمية من القتال ضد اليهود.”
وفي فيديو آخر، ظهر شخص آخر قائلاً بسخرية: “الجثث عبرت الشوارع، وألقوا بها في البحر، حتى لا يقال إن سمكة جاعت تحت حكمهم، لقد أطعموا الأسماك بجثثهم. هاهاها.” هذه التصريحات، التي قد يراها البعض مجرد آراء فردية، تمثل خرقاً للقوانين الأوروبية، مثل المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، التي تحظر أي دعوة للكراهية القومية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على العنف أو التمييز. كما أن القانون الألماني لمكافحة جرائم الكراهية على الإنترنت، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2021، ينص على عقوبات جنائية قد تصل إلى السجن بحق من ينشرون خطاب الكراهية أو يشجعون على العنف عبر الإنترنت.
ووفقاً لإحصائيات المكتب الأوروبي لدعم اللجوء (EASO)، فقد تم إلغاء أو سحب اللجوء من أكثر من 1400 لاجئ في أوروبا بين عامي 2018 و2023 بسبب تورطهم في نشر خطاب كراهية أو دعم الإرهاب. وفي ألمانيا وحدها، أظهرت تقارير وزارة الداخلية أن هناك أكثر من 500 حالة لسوريين فقدوا وضع اللجوء بسبب الاشتباه في ارتباطهم بجماعات متطرفة أو بسبب أنشطتهم على الإنترنت. كما أشارت بيانات السلطات الفرنسية إلى أن حوالي 130 شخصاً تم ترحيلهم بعد سحب اللجوء بسبب نشرهم محتوى إرهابي أو تحريضي.
هذه الأرقام تعكس توجهاً أوروبياً متزايداً نحو تطبيق سياسات صارمة ضد أي نشاط مرتبط بالإرهاب الرقمي أو التحريض على العنف، وهو ما يستوجب على اللاجئين في أوروبا التصرف بحذر والتأكد من أن سلوكهم الرقمي لا يضعهم في دائرة الشبهات القانونية.
التبعات القانونية
مع تصاعد المخاوف الأوروبية من انتشار الفكر المتطرف عبر الحدود، بدأت الحكومات الأوروبية في تحديث سياساتها المتعلقة باللاجئين الذين يثبت تورطهم في دعم العنف أو نشر محتوى إرهابي. ويأتي ذلك ضمن استراتيجية أوسع لمكافحة الإرهاب الرقمي والتصدي لأي خطاب يحرض على الكراهية أو العنف، سواء كان ذلك في الواقع الفعلي أو عبر الفضاء الإلكتروني.
وفقاً لمراقبين، فإن السياسات الأوروبية الجديدة تشمل مجموعة من التدابير العقابية التي قد تطال أي لاجئ يثبت تورطه في التحريض على العنف أو تمجيد الإرهاب، ومنها:
- سحب اللجوء والإقامة: يمكن لأي شخص يثبت تورطه في دعم الإرهاب، سواء عبر الفعل المباشر أو الخطاب التحريضي، أن يفقد وضعه القانوني في أوروبا.
- الترحيل الفوري: تُنفَّذ إجراءات ترحيل عاجلة لمن يعتبرون خطراً أمنياً أو داعمين للإرهاب، وذلك وفقاً لتعديلات قانونية تسهل ترحيل الأفراد الذين يشكلون تهديداً.
- حظر دائم على دخول أوروبا: قد يؤدي الترحيل إلى منع نهائي من دخول دول الاتحاد الأوروبي، استناداً إلى قوانين “شنغن” للأمن الداخلي، مما يجعل من المستحيل على المرحلين العودة إلى أي دولة أوروبية مستقبلاً.
- الملاحقة الجنائية: في بعض الدول الأوروبية، يمكن محاكمة الأفراد بتهم التحريض على العنف أو دعم جماعات متطرفة، حتى لو لم يكن ذلك من خلال أفعال مباشرة، مما قد يؤدي إلى أحكام بالسجن لعدة سنوات.
تختلف السياسات القانونية الأوروبية في التعامل مع خطاب الكراهية والإرهاب الرقمي، وفقاً للقوانين المحلية لكل دولة، رغم أن جميعها تخضع لمعايير الاتحاد الأوروبي العامة. مثلاً تعتمد ألمانيا على قانون مكافحة خطاب الكراهية على الإنترنت (NetzDG)، الذي يجبر الشركات التقنية على إزالة المحتوى التحريضي خلال 24 ساعة، كما يسمح بمحاكمة الأفراد الذين يروجون للعنف أو الإرهاب بالسجن حتى 5 سنوات. أما فرنسا فتفرض قوانين أكثر صرامة، مثل قانون الأمن الشامل، الذي يسمح للسلطات بمراقبة الأنشطة الرقمية وإلغاء الإقامة لأي شخص يروج للإرهاب، مع إمكانية الترحيل الفوري. بالنسبة لهولندا فهي تتبنى سياسة هجينة بين الرقابة القانونية والتدابير الإدارية، حيث يمكن إلغاء الجنسية الهولندية عن الأفراد الذين يثبت تورطهم في دعم الإرهاب، حتى لو لم يُدانوا جنائياً.
فيما تلتزم قبرص بتطبيق التشريعات الأوروبية لمكافحة خطاب الكراهية والإرهاب الرقمي، وأبرزها قانون الخدمات الرقمية (DSA)، الذي يفرض على المنصات الإلكترونية إزالة المحتوى غير القانوني، بما في ذلك التحريض على العنف والتطرف. كما تعمل السلطات القبرصية على تعزيز قوانينها الوطنية بالتنسيق مع وكالات إنفاذ القانون الأوروبية والدولية لضمان بيئة رقمية أكثر أماناً، مما يعكس توجهاً أوروبياً موحداً ضد خطاب الكراهية والمحتوى الإرهابي عبر الإنترنت.
هذه الفروقات تعكس أن اللاجئين السوريين في أوروبا يجب أن يكونوا على دراية بالقوانين المحلية في البلد الذي يقيمون فيه، لأن ما قد يُعتبر انتهاكاً بسيطاً في دولة ما، قد يكون جريمة خطيرة تستوجب العقوبة في دولة أخرى.
كيف يمكن للاجئين تجنب هذه المخاطر؟
مع تشديد الإجراءات القانونية، بات من الضروري أن يدرك اللاجئون السوريون أن حقوق اللجوء ليست غير مشروطة، وأن أي انتهاك للقوانين الأوروبية قد يؤدي إلى خسارتهم حق الإقامة والحماية. ولتجنب هذه العواقب، يتعين عليهم:
- الابتعاد عن أي خطاب تحريضي، سواء كان ذلك في الحياة اليومية أو عبر الإنترنت، إذ أن مجرد مشاركة محتوى يحمل دلالات تحريضية قد يعرض صاحبه للمساءلة القانونية.
- الالتزام بالقوانين الأوروبية المتعلقة بحرية التعبير، والتي تحظر خطاب الكراهية والتحريض على العنف، والتأكد من أن أي تعليق أو مشاركة رقمية لا تتعارض مع هذه القوانين.
- رفض أي دعوات لتمجيد العنف أو الانخراط في نقاشات متطرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث باتت السلطات تراقب المحتوى الرقمي بشكل مكثف للكشف عن أي أنشطة مشبوهة.
- الاندماج في المجتمعات الأوروبية واحترام قيم الديمقراطية والتعددية، مما يضمن لهم حياة مستقرة وآمنة بعيدًا عن أي تهديد قانوني.
- الإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة أو محتوى تحريضي يتم تداوله، وذلك حتى لا يتم تصنيفهم كمتواطئين في نشر الفكر المتطرف.
قبل فوات الأوان
تعكس التحولات الأخيرة في السياسات الأوروبية نهجاً أكثر صرامة تجاه أي شكل من أشكال دعم الإرهاب أو خطاب الكراهية، مما يعني أن مجرد تعليق غير مسؤول على وسائل التواصل الاجتماعي قد يؤدي إلى عواقب قانونية خطيرة تصل إلى الترحيل النهائي.
وبناءً على القوانين الدولية لمكافحة الإرهاب الرقمي، أصبح من الواضح أن أي دعوة للعنف أو أي تبرير لأعمال إرهابية لم يعد مقبولاً بأي شكل من الأشكال، حتى لو كان ذلك في سياق نقاش أو مزاح. لذلك، فإن اللاجئين السوريين في أوروبا مطالبون بالتحلي بأقصى درجات الحذر والمسؤولية، وضمان أن يكون نشاطهم الرقمي متوافقاً مع القوانين التي تحكم المجتمعات التي استقبلتهم ومنحتهم الأمان.
إن احترام هذه القوانين لا يحمي فقط وضع اللاجئ القانوني، بل يضمن أيضاً حماية المجتمعات التي تحتضنهم من أي أخطار أمنية، مما يعزز الثقة بين اللاجئين والدول المضيفة، ويمهد الطريق لاندماج مستدام يسهم في بناء مستقبل أكثر أماناً للجميع.
بواسطة علي عاشور | مارس 16, 2025 | Cost of War, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
بعد سقوط نظام البعث وهروب قادته، كان الساحل السوري هادئاً. لا خوف، لا تنكيل، لا اعتقالات، لا تهديدات، لا اغتيالات، لا قتل. أصبحت سوريا موحّدة وهادئة، دون نعراتٍ طائفية أو عنصرية. حسناً، حدثت بعض الحوادث هنا وهناك، لكنّها كانت فردية ومحدودة ولا يمكن اعتبارها معياراً. هكذا تقول سردية قنوات وصحف النفط العربي، وأفواج دعم الجولاني، رغم القصص اليوميّة واحتلال سوريا من ثلاث دول: تركيا وأميركا والكيان الصهيوني!
فجأةً، ظهر “فلول النظام” وقتلوا رجال الأمن في حادثة خارجة عن كل السياقات، ما عدا وجود مؤامرة خارجية يقودها داعمو النظام السابق. انفجر الفضاء في الساحل السوري على أشدّه، وفاضت الدماء في القرى والمدن. ومع فيضان أجساد المدنيين ووسم أسمائهم بنعي الأرض، لم تكن وحوش القاعدة ونسل داعش وسرايا الذبح التكفيري الطائفي، المتمثلين برداء الدولة و”الثورة”، من فعلها. بل كانوا “فلول” المجرمين المتآمرين من استخدم المدنيين “دروعاً بشرية”. هذا ما تؤكّده قنوات وصحف النفط العربي على لسان “مسؤولٍ أمني”، ويسوّقه ناشطو السلطة القائمة في مواقع التواصل الاجتماعي لتكريس رؤية واحدة للمشهد.
ربما، لم تجد هذه القنوات والصحف أيّة مصادرٍ تنقض السردية المعلنة دون دليل. وربما لم يتعلم مراسلوها المسؤولون عن تغطية أحداث الساحل السوري أسس الصحافة. وربما نسي المسؤول الأمني شحن هاتفه، ففاتته عشرات الفيديوهات والصور الملتقطة من “رجال الأمن” أنفسهم. وربما لعبت الخوارزميات لإخفاء نداءات أهالي الساحل السوري من صفحات الناشطين في العالم الرقمي.
وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، حتى الثالث عشر من مارس/آذار 2025، وصلت حصيلة الشهداء إلى 1476 شهيداً مدنياً، منهم ما يتجاوز 1390 شهيداً من الطائفة العلوية. كما حذر المركز من آلية دفن الضحايا في مقابر جماعية، خشية استغلال المقابر كذريعة لتغطية الجرائم وطمس الحقيقة.
قبل عام ونصف، ومنذ الساعات الأولى من شن الكيان الصهيوني حرب الإبادة على غزة، بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، وظّف المسؤولون والسياسيون في العالم الغربي ذريعة استخدام حركة حماس المدنيين دروعاً بشرية كأحد أبرز الاتهامات والمزاعم التي مرّروا من خلالها حجّة موقفهم السياسي والأخلاقي من عدد الضحايا والشهداء الفلسطينيين.
بعدها بثلاثة أسابيع، قرر الكيان الصهيوني ضرب مستشفى الشفاء، بحجة وجود مركز عسكري لكتائب القسام. هُجّر الآلاف من محيط المستشفى، وأخرج مئات المرضى والمصابين. اكتشفت بعد إفراغ المستشفى وهجوم جيش الاحتلال جثث ١٧٩ شهيداً. كانت حجة جيش الاحتلال أن حماس استخدمت المدنيين دروعاً بشرية.
بعدها اشتد قصف جيش الاحتلال وتوحشّه على القطاع كله ضُربت البيوت والمدارس والمساجد والكنائس والمستشفيات ومراكز الرعاية والخيام. ازداد عدد الشهداء؛ آلاف تعلوها آلاف، غالبيتهم من الأطفال والنساء. كرر الكيان الصهيوني المبرر ذاته مجدداً: كانوا دروعاً بشرية.
يعرف مصطلح “الدروع البشرية” استخدام الأشخاص المحميين من القانون الدولي الإنساني – المدنيين والأسرى – أو حركة المدنيين لحماية الأهداف والعمليات العسكرية من الهجوم أوالإعاقة. هناك نوعان من الدروع البشرية: الطوعية حيث يعرض الأشخاص أنفسهم للخطر بهدف حماية أو إعاقة شيء ما، وغير طوعية حيث يستخدم الأشخاص جبراً لأغراض عسكرية.
حسب القانون الدولي، استخدام الدروع البشرية جريمة حرب تتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية الجهة أو الجماعة التي توظّف المحميين من القانون الدولي الإنساني لأغراض عسكرية.
في مقالة بعنوان “مبرر قانوني للإبادة الجماعية” يذكر الباحثان نيف غوردن ونيكولا بيروجيني، صاحبا كتاب “دروع بشرية: تاريخ بشر على خط النار”، استخدام الكيان الصهيوني ذريعة الدروع البشرية كمبرر لقتل الفلسطينيين في غزة، مستتراً وراء غطاء “قوانين الحرب” وفجوات القانون الدولي للنفاذ من تبعات جرائمه. لم تكن حجّة الكيان حديثة. فمنذ الانتفاضة الثانية حتى اليوم، تذرّع الكيان الوحشي بالدروع البشرية لتبرير جرائمه. غير أن عشرات تقارير المؤسسات الحقوقية والتحقيقات الصحفية فضحت كذب الكيان وأدانته مباشرة.
في حرب الإبادة على غزّة، ابتكر جيش الاحتلال شكلاً جديداً من الدروع البشرية، حيث أرغم المدنيين الفلسطينيين على ارتداء بدلات جيش الكيان العسكرية وإدخالهم إلى الأنفاق والمباني والبيوت في غزة لكشف مواقع مقاتلي الفصائل الفلسطينية. وفي حال موت المدنيين، يلقي جنود الكيان عاتق القتل على رصاصات الفصائل!
عودةً إلى الساحل السوري، ليست هذه المرة الأولى التي تظهر فيها تهمة الدروع البشرية في سوريا. فقد وثّق استخدام “جيش الإسلام” نساءً سوريات في أقفاص حديدية كدروع بشرية. كما اتهم النظام السوري السابق ايضاً استخدام المدنيين دروعاً. تقاذفت الفصائل المتحاربة على مدى سنوات اتهام بعضها بذات الجريمة.
تكمن خطورة استخدام تهمة/حجة الدروع البشرية في المعارك والحروب في تعقيدات تبعاتها القانونية، لأن التحقيقات الجنائية والحقوقية لها ضوابط وشروط خاصة. أما في خضم التناحر الطائفي، فإن آلية دمج الفتاوى الفقهية والمبررات القانونية لإباحة الدماء عواقب مهولة ومخيفة قد تتجاوز فظاعاتها ومآلها ما يستوعبه العقل.
ريم، ابنة الساحل السوري، كانت تحتضن ابنتيها بخوف الأم وذاكرة أربعة عشر عاماً من الحرب، مراقبةً الباب الذي قد يخلعُ بأي لحظة. قد تكون قذيفة. قد يدخل جنود النحر وأكلة الأكباد. “إن القتلة يمتلكون الحكاية والشاشة والجمهور” هذا ما قالته ريم في لقاء صحافي.
بواسطة دعد ديب | مارس 14, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
بعد أربعة أيام دامية في مناطق الساحل السوري وبعد صرخات الموت التي بلغت الآفاق والتي طغت على المشهد العام، أكد كثيرون أن ما يجري نوع من الإبادة الجماعية، حيث لم يتح للناجين دفن موتاهم ومازال أغلبهم لغاية اللحظة يهيم على وجهه في الأحراش والغابات والتلال. وعلى وقع أصوات العويل والندب والصراخ وفي جو تنتشر فيه رائحة الموت الفاغر أشداقه، يأتي توقيع اتفاق تعثر طويلًا في توقيت حرج ومقلق.
ماذا يعني أن يأتي توقيع الاتفاق بين الأكراد والحكومة السورية في هذا التوقيت؟ ما الذي طرأ وما الجديد الآن؟ من منهما يحتاج الآخر ومن منهما قدم تنازلات للآخر وأين موقع العصا الأميركية في هذا الأمر؟
تساؤلات كثيرة تحوم حول هذا الاتفاق: هل جاء ليحول الأنظار عن المجزرة التي لم تتوقف حتى تاريخ إعلانه أم هو مناورة كي ينشغل الرأي العام بقصة جديدة تتعلق بقضية حساسة تهم كافة أطياف ومكونات الشعب السوري؟ هل ثمة ما يعوض هذا بذاك، فالمذبحة المفتوحة التي تمت وتتم على المكون العلوي السوري وسرقة بيوت العلويين وأرزاقهم وحرق أملاكهم والرعب الذي لاحقهم من جراء التنكيل بهم ضجت أخبارها وعمت حدود الكون رغم محاولات إنكارها. هل هي محاولة لتغييب المشهد النازف، لذا كان لابد من استعجال الاتفاق للتغطية على تداعياته السلبية التي تشير بعصا الإدانة لمن استجلب شذاذ الآفاق ليرتكبوا المجزرة.
الكل يستثمر في دماء السوريين فمن خلال النفير العام الذي أعلن في سوريا لكل جهاديي المنطقة، تمت معرفة العدد الكبير للمتشددين الموجودين ومآلات استثمارهم في منطقة أخرى أو التخلص منهم بعد أن أدوا أدوارهم المرسومة لهم ونفذوا المطلوب منهم. ويُشاع أنه حتى الدول الأوربية لاحقت وحصرت أعداد المؤيدين للمقتلة والزاعقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي تمهيدا لطردهم واستخدام ذلك كذريعة للتخلص من أعداد اللاجئين المتنامية.
لا أحد باعتقادي إلا ويرغب بسورية موحدة من أقصاها إلى أقصاها رغم واقع التجزئة في الجغرافية السورية ودعوات التقسيم التي تخيم في الأفق وتركة النظام البائد المجرم والخراب الذي أمست البلاد عليه بعد رحيله، لذا من الطبيعي التساؤل عن تفاصيل الاتفاق، وهل سيكون بوابة للتخلي عن سياسة التهميش الذي رافق السياسة السابقة للحكومة الانتقالية على صعيد المشاركة والتشاركية بالفعل لا بالقول، وهل ثمة متغيرات تلوح في الأفق؟
طلب أحد القتلة من زميله أن يتوخى الحذر في القتل كي لا يخلط بين المستهدفين لأن كثيراً من العلويين يشبهون السنة في لهجتهم ولباسهم وسلوكهم وعاداتهم، هذا الكلام وإن كان لا يقصده قائله يؤكد أن الشعب السوري واحد ويعيش مع بعضه ويشبه بعضه على مدار عقود من التواجد المشترك قبل أن تلوثه سياسة الأجندات الحاقدة إلا أن هناك تساؤلات حول ما لم يرد في ما هو معلن من الاتفاق: هل ستسلم إدارة الساحل السوري للأكراد كنوع من التشاركية وبديلاً عن الأمن العام الذي صار بينه وبين سكان المنطقة ما صنع الحداد وانقطع حبل الثقة رغم ما يتردد من أن المقصود فلول النظام المجرم ولكن كثافة الضحايا المتعلمين من أطباء وصيادلة وخريجي جامعات ومعارضين أكل السجن من زهرة شبابهم تكذب تلك الرواية.
السيناريو قد يبدو مقبولًا وخاصة إذا تم السعي كي تكون الديمقراطية والقبول بالآخر هدفاً، وإذا جنحوا صوب السلم الأهلي ورأب الشرخ الاجتماعي الحاصل بتأثير الواقع المتفجر، وخاصة أن الواقع الاجتماعي المنفتح متقارب بين الأكراد والعلويين. من ناحية أخرى قد يمنع هذا إمكانية مواجهة عسكرية بين السوريين ويحول دون المزيد من الاقتتال وحقن دماء بشر تعبت من الموت، بالإضافة لحل مشاكل اقتصادية باتت تثقل كاهل الحكومة السورية.
ثمة من يقول أن الاتفاق سيتمخض عن إعادة انتشار لقوات قسد بالساحل السوري وهذا ما نتلمسه في الأقوال الشفوية التي تنتشر هنا وهناك والتي تهيأ لذلك تحت تسمية الجيش السوري، وسيتم استبعاد المجاهدين المتشددين بفصائلهم المتعددة بكل الوسائل الممكنة. ولا أستبعد هنا الصدام المسلح مع من يرفض منهم وبالمقابل قطع طريق التدخل على تركيا في سوريا بحجة الملف الكردي لأن الكرد وفق الاتفاق صاروا ضمن الدولة السورية ما لم يحدث طارئ يقوض هذه الإمكانية.
يقال إن مظلوم عبدي مع حفظ الألقاب جاء إلى دمشق على متن طائرة أميركية لذا من نافلة القول إن أميركا هي الراعي الرسمي للاتفاق، هذا إن لم يكن قبول إذعان، إذ صرنا نستغرب وللأسف أن يكون للسوري فعل حقيقي وأن يكون فاعلًا بقضايا تخصه وتخص حاضره ومستقبله، وهل بالإمكان يوماً أن نتخلى أن يكون دورنا كدمى في مسرح عرائس تدار أفعالنا بخيوط خفية تحاك عن بعد؟
في الحقيقة إن كل ما يوحد السوريين هو أمر إيجابي، وهذا كلام لا غبار عليه ولكن في زحمة الدم يحق لنا أن نتساءل عن التوقيت والجدية، وـما وراء الاستعجال فيه بعد التعثر الكبير، كما يحق لنا أن نتساءل عن حرمة الموت في ضجيج الفرح الإعلامي والرقص في الساحات العامة وإطلاق الأعيرة النارية والرصاص وتضخيم المشهد لصرف الأنظار عن رائحة الدم الطازج.
هل هذا الفرح طبيعي وهل هو مناسب؟ يجب أن يكون هنالك إعلان ليوم حداد وطني شامل كما يجري في كل دول العالم، حداد على أرواح الأبرياء الذين قضوا سواء من الأمن العام أو المدنيين ومعالجة الحقد والسعار الطائفي الذي انفلت من عقاله.
ما زلنا نترقب القطبة المخفية فيما يدور حولنا وننتظر ما تحت الطاولة أن يخرج للعلن وخاصة في ظلال الموت الذي لم يبتعد عن واقع السوريين على اختلاف أطيافهم وتوجهاتهم. وما زالت أعيننا شاخصة إلى الحل الديمقراطي والحرية والعدالة التي خرج آلاف السوريين والسوريات من أجلها وتضحياتهم شاهدة ملء العين والبصر وستظل هذه المطالب متجددة ومستمرة مهما طال الزمن لأنها محقة.
بواسطة أسامة إسبر | مارس 10, 2025 | Cost of War, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
يبدأ الرعب والترقب بعد موعد الإفطار مباشرة وهو الوقت الذي يقوم فيه المجاهدون بقرع أبواب البيوت وتفتيشها. الاتصالات بالأمن العام لم تُجد نفعاً. كان ردهم يأتي قاطعاً: ”لا نستطيع أن نفعل أي شيء معهم“. رصاصات تخترق النوافذ وتُهشّم البلور، أصوات مهدِّدة على مداخل الأبنية وفوهات بنادق تصعد الدرج في طريقها إلى القتل. وائل هرّب ابنه إلى بيت عائلة سنية تسكن في شقة تقع في طابق آخر. اقتحم خمسة مسلحين في منتصف الليل بيت حسين وملكة وسألوا إن كان يوجد شباب ثم طلبوا منهما أن يخرجا. مذعورين صعدا في ثياب النوم إلى الطابق الثاني، إلى بيت جيرانهم السنة. قرر المجاهدون الاستيلاء على البيت والإقامة فيه.
أحمد كان يرتجف وهو ينظر إلى ولديه والكلمات تخرج منه مختنقة ثم طلب إنهاء المكالمة قائلاً إنهم وصلوا إلى مدخل البناء ولا يستطيع مواصلة الحديث. طمأنني فيما بعد في رسالة نصية إنهم لم يدخلوا. كانت ريم تترقبُ وهي تحتضن ابنتيها البابَ الذي يؤدي إلى النفق الأسود للموت. ثمة قصص كثيرة لأشخاص مجهولين لا يعرف أحد ما الـذي حدث لهم في لحظاتهم الأخيرة. بقيت جثامينهم النازفة كي تروي الحكاية التي ربما لن تجد من يرويها في الإعلام الجماهيري القائم على فبركة الأكاذيب قالت ريم وهي تبكي: ”إن القتلة يمتلكون الحكاية والشاشة والجمهور. سلحوا أنفسهم بتغطية إعلامية جاهزة لوصف جرائمهم على أنها معارك ضد فلول النظام“.
تسرّبت صورٌ لمدينة جبلة كأنها صحراء، تماماً كما وصفها جهاديّ أجنبيّ تداول الإعلام الاجتماعي الفيديو الــذي صوّرهُ وهو يفتخر بدوره في تحويلها إلى صحراء. انتشر له أيضاً فيديو يقتل فيه شيخاً طاعناً في السن بالكلاشينكوف وهو راكب على الموتوسيكل مع إرهابي آخر.
كان ديب طالب الثانوية يمشي هو وزميله في قريته ظاناً أنه بعيد عن مسرح الأحداث حين جاءت زخة الرصاص من نافذة سيارة قافلة المجاهدين. مرهج أقنع زوجته بالإسراع في مغادرة جبلة إلى قرية حميميم، حيث كان القتلة بانتظاره هناك. قُتل المئات، وثمة من يقول إن الآلاف قُتلوا، وأن عملية التوثيق تجري ولم نصل إلى رقم نهائي. سامية بكت على الهاتف: ”لا يوجد طعام ولا ماء ولا يمكن الخروج أو حتى التفكير بفتح الباب”. كانت هي وولداها، الطالب الجامعي والآخر من ذوي الاحتياجات الخاصة الذي يعي جيداً سبب ملامح الرعب على وجه أخيه وأمه، يجلسون على الأرض بعيداً عن النوافذ في الظلمة المطبقة. وائل سمع صراخ الجارة التي قُتلت هي وولداها. سمع الجميع الصراخ إلا أنهم لم يستطيعوا الخروج لإنقاذها أو مساعدتها. لم يكن أحد يقوى على فعل أي شيء. أيمن اتصل بصديقه السني وقال له تعال خذني إلى بيتك. حسين وملكة لجآ إلى بيت جارهما السني في الطابق العلوي ووائل هرّب ابنه كي يمكث مع عائلة سنية في الطابق السفلي. جهاديون سوريون وأجانب قادمون للذبح يجوبون شوارع المدينة فيما سوريون علويون يحتمون في منازل أصدقائهم وجيرانهم السنة.
قال أحمد في اتصال آخر: ”أفهم الآن إحساس الموت في الحرب، أفهم الموت تحت القصف، أعرف أن الموت يأتي مع صوت الهاون، مع احتمال سقوط البرميل المتفجر، مع انفجار اللغم، أفهم أن كل ما حدث في الشمال والشمال الشرقي يشحن بطارية هذا الموت هنا. لقد ارتكبتُ خطأ. في هذه اللحظة اكتملت في ذهني صورة معاناة السوريين الآخرين والجرائم الوحشية التي ارتكبها النظام بحقهم. كان يجب أن أكون أكثر شجاعة في إعلان تضامني معهم منذ بدأت أن عملية استهدافهم في العقد الماضي. كنت خائفاً، ولم أكن أفهم قوة التضامن الإنساني مع الآخر الذي دُفع دفعاً إلى التطرف. إلا أن قتل المدنيين ليس حلاً. لم أقاتل السوريين في إدلب ولن أفعل ذلك حتى ولو أجبرت عليه”. كان مروان بدوره غاضباً، لا يأتيه النوم في أنغولا ويمضي وقته كله على الهاتف كي يطمئن على أولاده صاباً جام غضبه على بشار الأسد وكيف أوصل الجميع إلى هذه اللحظة وعدّه المسؤول الأول عن الجرائم التي تُرتكب في سوريا. أضاف: ”إنهم يجلعوننا ندفع ثمن ما اقترفته أيدي غيرنا. لسنا حاضنة النظام كما يدّعون. إن الحاضنة التي ربت النظام هي إيران وروسيا والغرب والدول العربية النفطية. كانوا يمولون النظام ويدعمونه ولم نكن إلا أشخاصاً نبحث عن وظيفة إلا أننا لم نفهم أننا كنا جزءاً من آلة القمع الخادمة للأسدين. أفهم هذا الآن. إن الصدمات الوجودية تعمّق الوعي. لكن انظر إلى من يُقتلون، إنهم الأبرياء والفقراء الذين لا حول لهم ولا قوة بينما المجرمون الحقيقيون هربوا كلهم بمقتضى الصفقة التي غيرت اتجاه بوصلة البلد. إن الذين ارتكبوا الجرائم قاموا بتسوية وضعهم أو هربو ومن يدفع الثمن الآن هم الأبرياء والفقراء“.
عزير، الذي قُتل صديقه الشاعر هو ووالداه أمام عيني الأم، قال: ”إن القتلة مهيؤون إيديولوجياً لارتكاب جرائمهم. ينظرون إلى الآخر ككافر وزنديق. صحيح أننا نستحق النقد على ما حدث لغيرنا من السوريين وعلى ضعف تضامننا معهم لكننا كنا خائفين من أجهزة الأمن مثلنا مثل غيرنا ولم نقبل بقتل السوريين. أخطأنا في أننا لم نرفع صوتنا عالياً لكن كثيرين منا عبّروا عن مواقفهم بكل رجولة وشرف. كان السوريون يرددون في بداية الثورة إن من يقتل شعبه خائن وهذا ما يحدث الآن، يظنون أنهم يقتلون كفاراً ومجرمين لكنهم في الحقيقة يقتلون أبناء شعبهم“.
لم يكن غسان مستسلماً للخوف مما يجري. قال: ”كنت أتوقع هذه اللحظة. ممارسات النظام السابق كلها تقود إلى المصائب. إن المشكلة تكمن أيضاً في الثقافة. تحتاج المرجعية التي تستند إليها عقلية الطوائف كلها في سوريا إلى تفكيك وتغيير. نحتاج إلى ثقافة جديدة مختلفة جذرياً تُبقي العقيدة أمراً بينك وبين ربك. إن العلة هي في النص المقدس وفي النص الثاني الذي تحدث عنه المفكر والباحث الجزائري محمد أركون والإيمان الأعمى بحرفية النصوص. نحتاج إلى ثقافة جديدة تسمح بالاختلاف وحرية الفكر وإلا فإن هذه المذبحة ستتكرر“. لم يكن غسان خائفاً. كان يؤمن بالإنسان السوري وبقدرته على أن ينهض بسوريا مهما كانت الظروف. أضاف: ”إن الكهرباء مقطوعة والمياه مقطوعة والطعام مقطوع. الشيء الوحيد الذي يتدفق ويجرفنا هو الخوف من هذا القتل المجاني، أن تُقتل كحشرة مجرداً من إنسانيتك. أكيد أن القاتل الذي سيدخل بعد قليل لا يعرفني، ولا يعرف أفكاري، ولا يحاول التعرف عليها. بالنسبة له أنا كافر ولا أنتمي إلى أمة الإسلام. ثمة سرديات تُرضعه أفكاره وتغسل دماغه وتوجهه في اتجاه التطرف والنظرة الأحادية القائمة على المسبقات. إن ثمني رصاصة بالنسبة له وقد يدوس على وجهي ببوطه ويلتقط صورة سيلفي وقد يأمرني أن أنبح كالكلب أو أشهنق كالحمار وهو يركب فوق ظهري ثم يفرغ رصاص حقده في رأسي وصدري لأنه لا يعدّني إنساناً وكأنه بهذا قد أصلح البشرية”.
لم يتسن لي الحديث بالهاتف مع كثيرين كنت أريد أن أطمئن عليهم. الظلام حالك والبرد شديد وأشباح الخوف تجوب الشوارع حيث تجوس فرق الموت باحثة بين البيوت تمارس جرائم الإبادة الجماعية ونهب الممتلكات وحرقها في الساحل السوري وريفه.
نجحتُ في الاتصال مع سمر. بكت على الهاتف. قالت: ”لست خائفة من الموت بل من هذه النظرة إليّ بوصفي لا أتمتع بهوية إنسانية، النظرة التي تجردني من صفتي الإنسانية وتشيطنني وتُلبسني هوية ليست لي، وتحمّلني أوزار الآخرين. بعد قليل ينتهي الإفطار. قد يكون دور بيتنا هو التالي“. أضافت: ”تنتمي فرق الموت إلى قوات صارت نظامية بعد حل الفصائل وتوحيدها في إطار وزارة الدفاع. سمعنا في البداية أن هذه القوات جاءت لنصرة الأمن العام الذي تعرض لهجوم من فلول النظام إلا أن هذه القوات التابعة لوزارة الدفاع جاءت كي تقوم ب ”غزوة“ جهادية تنسجم مع تقاليد القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية واقتحمت بيوت المدنيين العزّل ونفذت عمليات إعدام بدم بارد للأطفال والنساء والشيوخ والشباب حتى دون أن تحاول إخفاء ذلك بل صورته بالموبايلات وتركت الجثث مرمية في الشوارع أو في البيوت وأطلقت عبارات تجرد الضحايا من صفتها الإنسانية وتزيد من شيطنتها متوعدة بتحويل المدن والحواضر إلى صحارى. وما تزال قوافل فرق الموت تواصل عمليات القتل تحت حجة محاربة فلول النظام في إطار من الغموض الذي يلف تصريحات الحكومة التي حاولت في أحدث تصريحاتها تصوير المجازر في الساحل كرد فعل على ما حدث في الماضي كما لو أن في ذلك تبرير للجريمة وتشجيع عليها. لم تقم بإيقاف القتل وسحب المجرمين من المناطق التي تُمارس فيها الإبادة الجماعية كما لو أنها تتم تحت غطاء شرعي“.
لم أتمكن من الاتصال صوتياً مع طارق لكنه كتب لي قائلاً: ”إن دوريات القتلة تتجول في شوارع جبلة واللاذقية وبانياس وطرطوس وريف مصياف. يقتحم المجرمون البيوت بعد أن يتناولوا وجبة الإفطار. كان الرعب يخيم على السكان بعد موعد الإفطار الذي تحول إلى موعد مع عزرائيل. وبعد أن يتم القتل تُسرق النقود والمصاغ والسيارة التي لا تمكن قيادتها أو نقلها تُحرق في أرضها، كما تم احتلال بعض البيوت وتحويلها إلى غرف عمليات كما حدث في جمعية سكن المعلمين في جبلة“.
أضاف طارق: ”إن القتل ما يزال متواصلاً والقتلى يتساقطون في حي الرميلة وفي قرى كثيرة ولم يعمل أحد على وقف الإجرام“.
أنور الذي غادر دمشق إلى الساحل بعد أن ضاقت سبل العيش في وجهه بعد تسريحه من المستشفى الذي كان يعمل فيه حدّثني عن الجوع وتوقف الرواتب وتسريح الموظفين والغضب الذي يعتمل في النفوس وكيف أن فرق القتل جاءت كي تُخرس الجميع. أضاف: ”إن في تصريحات المسؤولين السوريين تنصلاً واضحاً من إدانة الإبادة الجماعية الممنهجة ومن التعامل معها كجريمة ضد الإنسانية، ينظرون إليها كرد فعل مبررعلى ما حدث في الماضي، كما لو أنهم يشرّعون الانتقام خارج أطر القانون والعدالة الانتقالية. ولو أن من مارس فعل الانتقام كان من الناس العاديين لتفهمنا الأمر لكن من ارتكب جرائم الإبادة الجماعية قوة نظامية تابعة لوزارة الدفاع، من قوات النخبة، أو قوة انكشارية كما أود أن أسميها، مؤلفة من المتطرفين الأصوليين المرضى الذين يرون في قتل الآخر وفي التطهير العرقي طريقاً إلى الجنة. إن أحد مشائخهم قال بالحرف الواحد في خطبة مسجد في دمشق إنهم يريدون أرض الشام نقية من الأرجاس لأنها أرض المحشر التي لا يرسل الله إليها إلا خيرة خلقه. فمارأيك بهذه العنصرية الواضحة؟ إن تنصل المسؤولين من المجازر وخطب الجامع العنصرية والحملة الإعلامية التي يتواطأ فيها الكثير من الإعلاميين والمثقفين السوريين والعرب يعني أنهم أعطوا الضوء الأخضر لارتكابها. والدليل على ذلك أن القتل ما يزال متواصلاً في بعض المناطق وأنا أتحدث معك“.
بواسطة عمر الشيخ | مارس 7, 2025 | العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
تطفو اعلى سطح المشهد السوري ثنائية متضادة: واقع معيشي متردٍّ، والتكيف مع سلطة جديدة. فالنظام السابق، الذي طالما صاغ سردية تبسيطية عن المعارضة بمختلف أطيافها، تستخدمها اليوم موالاته في تفكيك سلوكيات الإدارة الجديدة، متجاهلين طبيعة البلاد كدولة متآكلة، لا سيما على المستويين السياسي والاقتصادي. هذه المخاوف ليست وليدة اللحظة، بل تعكس تراكمات من التفكك الاجتماعي الذي عزّزه النظام السابق عبر التفرقة المناطقية، وأدى إلى ترسيخ الخوف من السياسة والسلطة، حتى بين من لم يكونوا جزءاً من منظومته.
لكن، هل كان السوريون يعرفون بعضهم البعض حقاً؟ ربّما على المستوى الظاهري، من خلال اللهجات والملامح الدينية، لكن هل امتلكوا وعياً كافياً بمستقبل البلاد بعد سقوط الدولة الأمنية؟ منذ اندلاع الثورة السورية وحتى سقوط النظام، ظل الهدف الأسمى هو الإطاحة بالأسد، دون إدراك أن جزءاً كبيراً من السوريين-قد يصل إلى بضعة ملايين لم يكونوا يرغبون في سقوطه، إما خوفاً من الفوضى، أو بسبب استفادتهم منه أمنياً واقتصادياً. في المقابل، كان هناك كثيرون لم يدركوا تماماً تبعات انتصار الثورة، ليس فقط من حيث نشوة التغيير، بل من حيث ضرورة البحث عن بدائل واضحة وصياغة رؤية متماسكة لشكل الدولة القادمة، وهو نقاش لم يُفتح بجدية خلال سنوات الثورة. فهل يحلّه النضال السياسي السلمي في المرحلة القادمة؟
بين السلطة الجديدة وأزمة الثقة
اليوم، بعد سقوط النظام، يواجه السوريون معضلة إعادة بناء الثقة فالحكّام الجدد يمتلكون تصورهم السياسي لإدارة البلاد، بينما الشارع السوري يتملّكه القلق، محاصراً بأسئلة واحتجاجات حول هذا التصور. وبدل أن يكون الحوار الوطني عملية ممتدة، تستكشف المخاوف والمجاهل، اقتصر على لقاءات محدودة لم تشمل جميع المناطق، ولم يستمر سوى يومين انتهيا ببيان فضفاض، لم يحدد آليات التنفيذ، بل أجّل البتّ في قضايا لا تقلّ أهمية عن العدالة الانتقالية ووحدة سورية، مثل قوانين الأحزاب والعمل الثقافي (راجع مقالتي “قراءة في بيان الحوار الوطني السوري” المنشورة في في صالون سوريا، 28 فبراير 2025).
بعد مرور ثلاثة أشهر على سقوط النظام، تزداد أزمة الثقة وضوحاً، حيث يقف السوريون بين جوع خانق وأمل مرتجف، بين الحاجة إلى الخبز والحاجة إلى المعنى. فالنظام السابق لم يكن مجرد كيان سياسي، بل ممارسة ممتدة من القهر، حيث تحوّلت السياسة إلى مزيج من الخوف والفساد والانتهازية. واليوم، في ظل انهيار الاقتصاد، تترسخ قناعة شعبية بأن خطابات التغيير وحدها لا تكفي، وأن الحكم الجديد سيُختبر بقدرته على استعادة السياسة بوصفها أداة لإنقاذ الوطن، لا مجرد إعادة إنتاج للسلطة.
ما الذي يجب أن يحدث؟
الخطوات الأولى يجب أن تبدأ بكسر احتكار القرار وإعادة تعريف السياسة كأداة لإعادة توزيع الموارد، لا كوسيلة لتثبيت النفوذ. لا يمكن لأي سلطة جديدة أن تؤسس شرعيتها دون مواجهة أزمة الثقة بشفافية، عبر سياسات اقتصادية تُنصف الفئات الأكثر تضرراً، وقنوات تواصل تعيد للناس الإحساس بأن أصواتهم مسموعة، وخطوات ملموسة تُخرج السياسة من دوامة الشعارات إلى ميدان الفعل.
لكن وسط هذا المشهد، يفاقم غياب إعلام وطني مستقل الأزمة، إذ يترك الباب مفتوحاً أمام سيل من الأخبار المتضاربة، ما يؤدي إلى خلط الحقائق وضياع القضايا المحقة وسط انتشار الشائعات. هذا الفراغ الإعلامي يسمح للقوى الموالية للأسد حتى اللحظة بمواصلة نشر الخوف والتضليل، غير آبهة بمستقبل البلاد، بل ساعية إلى تفتيت المجتمع وتعميق الانقسامات عبر الدعاية الرقمية. في ظل هذا الواقع، لا يمكن إعادة بناء المشهد السياسي دون إعلام مسؤول يواكب اللحظة بصدق، ليكون جسراً بين الشارع والإدارة، بدل أن يُترك المجال لمنصات الفوضى التي تخلط الأوراق وتبدد إمكانات التغيير.
الإرث الثقيل للنظام
لم يكن النظام السوري مجرد سلطة ديكتاتورية، بل شبكة اجتماعية وأمنية زرعت في المجتمع ثقافة سياسية قائمة على الخوف والاصطفاف الأعمى. ليس غريباً إذن أن نجد اليوم من كانوا جزءاً منه –من العسكريين والموظفين والمخبرين يُعيدون تموضعهم، متباكين على انهياره وكأنهم ضحاياه. هؤلاء الذين استفادوا من سلطته ليقتلوا معنوياً ومجازياً، بلا حساب، وحين لم يُعاد إنتاجهم في النظام الجديد، قرروا لعب دور الثوريين، ولم يكن هذا انتقالاً سياسياً، بل محاولة لإعادة إنتاج أنفسهم.
في قلب هذا الخراب، يظهر إرث حافظ الأسد، الذي زرع في الأذهان أن الطوائف لا أمان لها دون سلطة قمعية تحميها، فبقي هذا الوهم مترسخاً حتى بعد سقوط النظام. فبين من يرى أن زوال الأسد هو نهاية الوطن، ومن يظن أن أي سلطة جديدة هي استمرار للاستبداد، تضيع إمكانية التفكير بمسار مختلف، حيث لا تعني السياسة مجرد ولاءات، بل إعادة بناء المعنى نفسه بعد عقود من التزييف.
هل يمكن تجاوز هذه الأزمة؟
إن الدول الضعيفة تنتج شعوباً هشّة سياسياً، لكن لا يوجد شعب عقلاني بالفطرة، ولا عاطفي بالفطرة. هناك ظروف تخلق ثقافة سياسية معينة، والمجتمع السوري بحاجة اليوم إلى تجربة سياسية حقيقية، وإعلام مسؤول، وتعليم جيد، واقتصاد مستقل، ونخب غير شعبوية. لا تتغير الشعوب بالكلام، بل بالممارسة والتجارب. واليوم، بعد سقوط النظام، فإن الرهان ليس على مجرد تغيير الحكام، بل على تغيير مفهوم السلطة نفسها، بحيث تصبح السياسة فعلاً جماعياً، لا أداةً لاحتكار القرار، ولا منصةً لتصفية الحسابات.
يهزم الإنسان حين يسلّم بسرديات الأنظمة الساقطة، دون أن يختبر حريته بنفسه أو يعبّر عن ذاته بصدق ومسؤولية. وحده الصدق المسالم والحضاري يصنع المعنى الحقيقي للحرية. سورية اليوم ليست في صراع على بناء الدولة، بل على من يملك الحق في الحديث باسمها. وحتى يُحسم هذا الجدل، سيبقى الوطن معلقاً بين خطاب الماضي وأوهام المستقبل، في انتظار من يعيد بناء الثقة التي فُقدت بين الجميع.