بواسطة نادر عقل | يونيو 19, 2023 | العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
مع بداية كل موسم جديد، يفكِّر الفلاحون بتهيئة قطع صغيرة من الأرض متناثرة هنا وهناك في القرى الجبلية الساحليّة، من أجل زراعة شتلات التبغ استعداداً لتنميتها للحصول على موسم قد يُساعد هذه الطبقة الكادحة في مواجهة زوابع الفقر والجوع والحرمان.
تبدأ العمليّة بفلاحة الأرض، إما بوساطة الحيوانات أو جرّار زراعي، ثم تترك إلى شهر آذار حيث تُوضع كميات من السماد الطبيعيّ على وجه الحصر؛ لأنَّ السماد الكيماوي يُفقد التبغ نكهته ومذاقه الفريد، وتتفاضل أنواع السماد الطبيعيّ فأفضل الأنواع هو “بعر الماعز” ثم “بعر الغنم” وأخيراً “روث الأبقار”. وترجع جودة بعر الماعز كسماد للتبغ؛ لأنَّ غذاء الماعز من الأشجار الجبليّة التي يكون بعضها عطراً، فتعطي فضلات الماعز شتلات التبغ غذاء ممتازاً، فتصبح أوراق النبات ناعمة وممتعة للمدخنين؛ ولذلك أصبحت تجارة السماد الطبيعيّ ناجحة إلى حدّ بعيد، نظراً إلى حيويتها وأهميتها في يتعلّق بزراعة التبغ.
بعد أن يُفرش السماد الطبيعيّ على قطعة الأرض المُراد زراعتها في شهر آذار كما سبق القول، يقوم الفلاح بحراثة أرضه مرة أخرى من أجل أن يختلط السماد بالتربة على نحوٍ جيد، ويكون الفلاح قد جهّز ما يُسمّى باللغة الدارجة “المساكب”، وهي مكان من الأرض الزراعية يتراوح عرضه بين متر أو أكثر وطوله بين مترين أو أكثر، يقوم الفلاح بتكويم التراب فيه ليعلو فوق سطح التربة الطبيعية للأرض، ويبذر فيه بذور التبغ، ثم حينما تنمو الشتلات وتبلغ قدْراً معيناً من الحجم “يقلعها” من “المسكبة” ويزرعها في الأرض التي كان قد حضّرها مسبقاً في خطوط متلاحقة على امتداد الأرض، وتبعد عن بعضها بعضاً مسافات متناسبة، ويقوم الفلاح بسقاية التبغ والعناية به ومكافحته من الآفات على نحو مستمر، وإلا خسر موسمه.
ولقد قال لي أحد المزارعين إنَّ حبّات البَرَد تساقطت مرة على حقله، فتلفت شتلات التبغ كلّها؛ ولكنه ابتسم ابتسامة ماكرة، وقال: لم يستطع الطقس العنيف أن يدفعني إلى اليأس، فقد وجدتُ حلّاً، إذ قمت بقصّ شتلات التبغ كلّها من على وجه الأرض، ثم عادت ونبتت من جديد، وكان موسمي منها من أفضل مواسمي على الإطلاق.
حينما يأتي موسم قطاف أوراق التبغ في شهري تموز وآب يبدأ الفلاح هو وأسرته بقطفها ووضعها في سلال ثم نقلها إلى فسحة خاصة أمام منزل الأُسرة، يجلس بعد ذلك أفراد العائلة ويستخدم كلّ واحد منهم ما يُسمّى باللغة الدارجة “مِسَلَّة” وهي سيخ حديدي رقيق عرضه 1 سم وطوله 20 سم فيه ثقب من جهته الخلفيّة ومدبّب الرأس من جهته الأمامية مثل الإبرة، يوضع فيه خيط من القنّب ويُعقد ويتمّ شكّ أوراق التبغ بهذه “المِسلَّة”، ويُمرّر فيها خيط القنّب من رأس الورقة فتتخاصر الأوراق على الخيط، وتُراعى في عملية الشك أمور منها حجم الأوراق، فالأوراق القريبة الحجم من بعضها بعضاً تُشك في خيط واحد، وتستمر العمليّة حتى ينتهي استيعاب الخيط، ويتراوح طوله بين المتر أو المترين أحياناً. ومن هنا جاء اسم أحد أجود أنواع التبغ في سوريا وهو “شَكّ البنت”. إذ كانت البنات في القرى يساعدن أهاليهن على شك هذا النوع وهو المعروف أيضاً باسم التبغ البلدي؛ ولكن غلب عليه هذا الاسم الجميل “شك البنت”.
بعد أن تنتهي عملية شك أوراق التبغ وهي عملية مرهقة تستمر عدّة أيام، إذ إنَّ الفلاح لا يقطف الأوراق دفعة واحدة بسبب تفاوت نضوجها، فما يجب قطافه هو الأوراق التي أصبح لونها أصفر؛ أما الأوراق الخضراء، فتُترك إلى حين إصفرارها ثم تقطف. إذن، بعد أن تنتهي عملية شك الأوراق تُنقل خيوط التبغ، أي الخيوط التي تمَّ تعليق أوراق التبغ عليها إلى الخارج من أجل تعريضها لأشعة الشمس: فإما أن تُسطَح على الأرض ويتم تقليبها كلَّ يوم أو أو تعلّق بطرق مختلفة فوق الأرض، أو أن تُدلّى من أغصان الأشجار بحيث يشملها الظل، وهذه هي الطريقة الأفضل كما قال أحد المزارعين، وتبقى الأوراق على الأرض أو معلّقة حتى يتحوّل لونها من الأصفر إلى لون بني مُشرب بالحمرة، وتحتاج إلى شهر ونصف أو إلى شهرين من أجل بلوغ ذلك.
يقوم الفلاح بعد ذلك بجمع خيوط التبغ ويُشترط في ذلك أن يجمعها عند الفجر حتى تكون الأوراق طريّة مرنة، بسبب قطرات الندى، أما إذا جمعها الفلاح في الظهيرة مثلاً، فيمكن أن تتفتت الأوراق لأنها تكون يابسة بفعل حرارة الشمس فيخسر موسمه كلّه. هذا، وبعد أن يجمعها يقوم بترتيبها وتصنيفها ووضع خيوط التبغ فوق بعضها بعضاً على هيئة ما يُسمّيه الفلاحون “الشَبْحَة” وتُغلّف بغطاء أو كيس كبير مصنوع من البلاستيك وتُوضع خيوط التبغ داخله بترتيب معيّن ثم يُطوى عليها من أجل حفظها وتخميرها، ويكون ذلك طبعاً في مكان خاص (غرفة جانبيّة مثلاً) وتُترك أوراق التبغ من أجل التخمير ستة أشهر على الأقل.
بعد كلّ هذا العناء لا يحقّ للفلاح أن يبيع تبغه بالسعر الذي يراه مناسباً، وهذه هي المفاجأة الصاعقة؛ لأنَّ شركة حصر التبغ والتنباك التي يسمّيها مزارعو التبغ في سوريا (الريجي) تحتكر تجارة التبغ ولا تسمح لأيّ شخص بأن يتاجر بالتبغ وإذا فعل سيتعرض لعقوبات تصل إلى السجن ودفع غرامات ماليّة كبيرة، ولذلك تبعث هذه الشركة “خبراء” يقدّرون مدى جودة التبغ، وعلى هذا الأساس يصرفون مبالغ مالية للمزارعين الذين عملوا بإخلاص كامل من أجل الحصول على مبالغ مالية تافهة لا تتناسب مع جهودهم.
ولكن يقوم بعض مزارعي التبغ بإخفاء كميات من تبغهم عن مراقبي “الريجي”، ويبيعونها في السوق السوداء، ويتراوح سعر الكيلو غرام من ثلاثين ألف ليرة سورية إلى مئة ألف ليرة سورية، حسب جودة التبغ؛ ولكن الآن بدأت عملية مراقبة بيع التبغ في السوق السوداء من قِبَلِ الدولة، فأيّ شخص يُلقى القبض عليه وهو يقوم ببيع التبغ يتعرض إما للسجن أو لدفع غرامات مالية بأرقام كبيرة، فهناك تضييق حقيقيّ على مزارعي التبغ.
والأسوأ من ذلك أنَّ شركة حصر التبغ والتنباك في سوريا (الريجي) لم تنجح على مدى عشرات السنين في إنتاج أي نوع من التبغ صالح للتدخين، علماً أنَّ تبغ جبال الساحل السوري من أجود أنواع التبغ في العالم، ومردّ ذلك أنَّ الأنواع الجيدة من التبغ يتم تصديرها إلى الخارج للحصول على العملة الصعبة، وقد استطاعت الدولة أن تحصّل مبالغ طائلة من وراء تصدير التبغ إلى الخارج، علماً أنها لا تعطي مزارع التبغ ما يسدّ رمقه. أما الأنواع الرديئة من التبغ فيتم تصنيعها وتباع للمواطنين داخل سوريا؛ ولكن نظراً لرداءَتها اتجه المواطنون إلى شراء التبغ المُهرَّب عبر الحدود؛ ولكن حتى تهريب التبغ أصبح حكراً لأشخاص محدّدين من المقرّبين للسلطة، فما أحلاها من مهزلة ليس لها مثيل في تاريخ التبغ منذ الهنود الحمر الذين اكتشفوه إلى يوم الناس هذا.
يُعدُّ غريباً؛ بل عجيباً أن تُصادر حياة مزارع التبغ إلى هذا الحدّ، فشركة حصر التبغ والتنباك تفرض عليه زراعة أنواع محددة من التبغ، وتشتريها منه بالسعر الذي تحدّده، وتتحكم بمصيره تحكماً مطلقاً. والحقيقة أنَّ ما تفعله شركة حصر التبغ والتنباك هو استمرار لما فعله المشرفون على زراعة التبغ زمن الاحتلال العثماني وزمن الانتداب الفرنسي، فالعثمانيون والفرنسيون كانوا يعرفون مدى الأهمية الاقتصادية لزراعة التبغ في جبال الساحل السوري، فقمعوا المزارعين واستغلوهم وما زال هذا الاستغلال مستمراً، والأدهى من ذلك أنه حينما تمَّ تأميم شركة حصر التبغ والتنباك في سوريا عام 1951، تركت الحكومة آليات عمل الشركة دون أي تغيير، أي أنها تركت زراعة وصناعة وتجارة التبغ من مهامها التي لا ينافسها عليها أحد، وإن فعل سيُعاقب كما كان يُعاقب زمن الاحتلال العثماني وزمن الانتداب الفرنسيّ.
ولكن رغم كلّ هذه الضغوط ما زال القرويون يدخنون نبات التبغ مستمتعين به إلى أقصى حدّ، محاولين تأمين مؤونتهم منه بوسائل شتّى مخالفين ومتحدّين في آن شركة حصر التبغ والتنباك؛ مثلما تحدّوا شركة حصر العقول والنفوس!!! بل هناك أشخاص برعوا في صناعة سيجار يضاهي السيجار الكوبي، وهو يصنّعونه ويبيعون كميات قليلة منه سرّاً خوفاً من إلقاء القبض عليهم بتهمة الإضرار بالاقتصاد الوطني؛ الذي تهكم مرة الشاعر نديم محمد على وزيره في أبيات منسوبة إلى هذا الشاعر الكبير:
يا وزير الاقتصاد الوطني بالله قل لي كيف أصبحت غني
لم تهاجر لم تتاجر لم ترث عن أبيك الفذ غير الرسن
ولسوف نعثر على في سوريا على تجارب إنسانيّة تؤكد تأكيداً عميقاً جداً أنَّ جوهر الإنسان، يُعاد اكتشافه من جديد، أعني الإنسان بما هو إنسان، من دون انتمائه إلى عرق ولا طائفة ولا قبيلة، فجوهره هو ذلك الموجود الذي ينفث دخان لفافة تبغه في وجه الطغاة في الخارج والداخل الذين دمّروا حياته غير عابئ بهم، لأنه يبني انبثاق عالمه القادم من كفاحه وحيداً ضدهم، ولكن هذا الكفاح لا يظهر للعين غير الخبيرة، لأنه كفاح ليس من أجل قضية بعينها؛ بل من أجل الوجود، أو الاستمرار في الوجود.
بواسطة Safi Khattar | يونيو 3, 2020 | Cost of War, غير مصنف
أكثر من 72 حريقاً خلال شهر واحد في السويداء قطعت الشك لدى الجميع بأن أسبابها ليست طبيعة، لكنها أعادت إلى الواجهة خلافات عميقة وقسمّت الآراء بين طرفي الصيغة السورية المشهورة (موالاة_معارضة) في محاولة الجواب عن سؤال من يقف وراءها ومن المستفيد منها؟
ما يجمع الآراء الآن أن النار تلتهم محاصيلهم دون تفرقة بين موال ومعارض، إلا أنهم ورغم ذلك ما يزالون على نفس الخطى القديمة في تفسير ما يجري و تبادل الاتهامات عن مسؤولية ما يحدث. ما يثير الاستياء حقاً هو تكرار نفس التبريرات والجمل والمحاجات وكأن ما مرّ على السوريين من أهوال الحرب لم يغير في لغتهم ومواقفهم أي شيء؛ فما يزال وليد جنبلاط برأي البعض هو المسؤول عن افتعال أي مشكلة في السويداء ويدعمه ويقف خلفه بحكم الضرورة الإسرائيليون وتتوسع دائرة الاتهامات لتصل حداً لا معقولاً فإحدى صفحات الأخبار المحلية نشرت إشاعة مفادها أن ترامب أمر بحرق قمح السويداء ليزيد الضغط على الحكومة السورية مع اقتراب تطبيق قانون سيزر في أول شهر حزيران. أيضاً الأسطوانة نفسها نجدها في الطرف المقابل الذي يتهم عملاء إيران والميليشيات وتجار الأزمات بالوقوف خلف تلك الحرائق، وإن صح ما يدعيه هؤلاء أحياناً من جهة تحليل الموقف وقراءته بالنظر للجهة المستفيدة إلا أن ردات الفعل لم ترق حتى لأبسط أشكال اتخاذ القرارات الصحيحة والتي طالت هذه المرة قوت يوم الناس وأرزاقهم بشكل فج ومباشر واقتصرت على بعض الاتهامات والمناكفات هنا وهناك، وخصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي حيث تم أيضاً إنشاء صفحات ومجموعات متنوعة تحت أسماء ارتجالية كمجموعة “خنقتونا وحرقتونا وحطمتونا”، والتي دعت مؤخراً لوقفة احتجاجية بساحة المدينة أمام مبنى المحافظة للتعبير عن رفض ما يحصل ومطالبة الحكومة بتحمل مسؤوليتها ومحاسبة الفاعلين.
أبو أمجد، فلاح ستيني، احترق محصوله هذا العام، لكنه رفض المشاركة بهذه الاحتجاجات واعتبرها مهزلة لا طائل منها، ويقول والغصة واضحة في حنجرته: “كفانا كلاماً وحركات ودعوات فارغة لا نفع منها، تعبنا وأرزاقنا ليست شماعة ليستخدمها هؤلاء للظهور والخطابات الفارغة، لو أن الدعوات بتشكيل فرق حراسة ونواطير قد تم أخذها بشكل جاد لما وصلنا إلى هنا.” ويضيف: “بعد كل تلك السنين يطلبون من الجهة المتهمة أن تكون هي المسؤولة عن حمايتهم بدل أن تشكل مجموعات حراسة تقطع الطريق على تخريب أي شيء وتحمي أرزاق الناس من الحرق، لدينا في المحافظة عشرات الميليشيات المسلحة التي لم نر عنصراً واحداً منها في مهام كهذه وكأن ما يجري لا يعنيهم، ما لم تتحرك الناس لحماية أراضيها بقوة السلاح سوف تبقى الحرائق تتجدد هنا وهناك دوماً، فلنحمي الأرض أولاً وبعدها فلنحتج كما نشاء.”
وبالرغم من بعض المبادرات التي قامت بها بعض القرى بإنشاء دوريات حراسة إلا أن التجربة لم تعمم على كافة المناطق وجاءت متأخرة كثيراً في مناطق أخرى بعدما التهمت النيران مئات الدونمات ومئات الأشجار أيضاً للسنة الثانية على التوالي.
باتت لا تطاق الطريقة المُبسطة للبعض في طرح الموضوع والتعامل معه ولا تختلف بين الحكومة ومعارضتها، فنجد مثلاً من يخرج علينا على الشاشات ليحلل هل فعلاً الحرائق مفتعلة أم لا، وإذا كانت كذلك فمن المستفيد، ليتحفونا في آخر المطاف بأن الفاعل لا بد وأن يكون إحدى العصابات التي لها ارتباطاتها ومصالحها سواء مع جهات في الداخل أو الخارج أو كليهما معاً، مستغلين الموقف في استعراضات فارغة وجعجعة كلامية فارغة. وما بين الدعوة للوقوف في وجه المخططات الغربية للنيل من سوريا وصمودها من جهة، والدعوة لأحرار السويداء بالانتفاض والثورة على السلطة المستبدة من جهة أخرى، تتوسع دائرة النيران التي لم يخبرنا أحد سبل إيقافها.
يبقى ميزان الكلام ما يقوله الناس المتضررون على أرض الواقع وقد وقفوا عاجزين أمام لهيب يحرق كل شيء أمام أعينهم ووصل رماده إلى حناجرهم. الكل غاضب ويشتم بأعلى صوته، حكوا كثيرا عما يحدث، فمثلاً فارس (فلاح، 42 سنة) يمتلك جراراً زراعياً وقد شارك بإخماد الحريق الذي أتى على 100 دونم مزروعة قمح يملكها مناصفة مع أخيه، ويقول فارس عن نكبته: “خسارتي لا تعوض هذا العام فثمن البذار وتكاليف الحراثة بلغ قرابة المليون ليرة وخسارتنا في المحصول تقدر بحوالي 3 مليون هي كل ما كنا نحلم به لتأمين موسم هذا العام يقينا الجوع والحاجة”، ويتابع شكواه قائلاً: “نحن فلاحون أباً عن جد ولم يحدث أن اندلعت النيران في حقولنا ولا مرة، لكن السنة الماضية وهذه السنة هناك من يقوم بإحراق المحاصيل عمداً، لا أحد فعلياً يمكنه إثبات أو تأكيد أي اتهام لأي جهة كانت، لكن برأيي الشخصي أن شركات القمح الروسية هي من يقف وراء الحرائق كونها المستفيد الأكبر من ذلك.”
وبالفعل هناك كثير من الآراء التي تؤيد رأي فارس حيث بات من المعروف أن سوريا تستورد كميات كبيرة من القمح الروسي وبخاصة في السنوات الأخيرة، إلا أن كميات الأمطار الجيدة والاستثنائية في السنتين الأخيرتين كانت ستقلب الموازين وتشكل تهديداً لسوق تلك الشركات على حد رأيهم.
إلا أن سعيد (37 سنة، مدرس) لا يتفق مع هكذا طرح ويقلل من أهميته، فيقول: “لروسيا مصالح ومكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية هائلة في سوريا منذ أن تدخلت في الحرب السورية واستولت على مفاصل البلد الحيوية واستثمرت في الموارد السورية بعقود طويلة وما يهمها في النهاية هو الحفاظ على الهدوء والاتفاقات والمصالحات التي رعتها وأبرمتها في كثير من المناطق السورية ولا أظنها تسعى لمقايضتها لتبيع بعض القمح وتفتعل مشكلات وتوترات هي في غنى عنها.” ويتابع سعيد موضحاً: “برأيي أن الموضوع ليس أكثر من رسائل سياسية تريد إيران وأتباعها على الأرض أن يوصلوها للآخرين بأنهم لن يجلسوا متفرجين وهم يرون محاولات إخراجهم من الملف السوري، وخاصة بعد ما يشاع مؤخراً عن تنسيق دولي بدعم روسي لقطع طريق طهران بيروت عبر البادية والقيام بعملية عسكرية كبيرة للسيطرة على مناطق نفوذ الميليشيات التي تدعمها إيران انطلاقاً من الحدود العراقية شرقاً إلى حدود إسرائيل جنوباً، وهو ما يفسره أيضا ًعودة داعش وخلاياها النائمة للنشاط في أكثر من مكان في البادية السورية مع اتهام الحكومة بإطلاق سراح بعض العناصر والقيادات المحتجزة لديها بالتزامن مع تقديم تعزيزات عسكرية من الميليشيات العراقية للمناطق الشرقية وإعادة انتشار وتموضع للقوى الإيرانية ولحزب الله وخصوصا في مناطق الجنوب والبادية.”
وفي نفس السياق يقول عامر (40 سنة، موظف) أن “إحدى أهم سياسات إيران في التعامل مع الملف السوري هي محاولة الدخول في النسيج الاجتماعي للمناطق التي تريد فرض سيطرتها عليها ويتم ذلك بطرق كثيرة منها التشيع والمشاريع الاقتصادية وشراء الولاءات مروراً بإنشاء عصابات تقوم على تخريب وتفكيك العلاقات داخل المجتمع ونشر الخوف والترويع بين السكان، إضافة إلى الترويج لأعمال مشبوهة كتجارة المخدرات وتعاطيها وتهريب السلاح والخطف والسرقات وغيرها مما يجعل المجتمع مفككاً وضعيفاً ويسهل السيطرة والتحكم به واستخدامه كورقة ضغط إن اقتضى الأمر فيما بعد.” وهذا ما يراه عامر اليوم سبباً مباشراً لافتعال الحرائق في أرزاق الناس في أغلب المناطق السورية من حقول الجزيرة شمالاً حتى حوران جنوباً لإيصال رسالة واضحة للجميع بمدى نفوذ وقوة إيران على الأرض.
لدى يارا (46 سنة، صحفية) وجهة نظر مختلفة فهي لا تستبعد كل تلك الأسباب والاحتمالات السابقة إلا أنها تعتقد: “أن ما يجري ناجم عن استكمالاً استمرار إدارة البلاد ومتغيرات الأحداث على الأرض بنفس الذهنية والعقلية الأمنية والتي غالباً ما تعتمد على زيادة التوتر وافتعال مشاكل جديدة لتبرير الحالة الكارثية التي وصلت إليها سوريا وخصوصاً أن الانهيار الاقتصادي المتسارع وغلاء الأسعار بات حملاً لا يقدر أحد على تحمله ولا تقدر الحكومة أيضاً على إيجاد أي حل له. بالإضافة أن ما يجري في الآونة الأخيرة من خلافات بين رامي مخلوف والرئيس تندرج ضمن نفس السياق، وأن هذا الخلاف له أثر مباشر على الاقتصاد في بلد كسوريا فربما يكون إخراج هكذا خلافات للعلن له غاية واضحة في جعله شماعة للخراب الاقتصادي الحاصل وتحميله كل النتائج التي يمكن أن تتطور إليها الأحداث خصوصاً وأن رامي مخلوف في مشهد الحطب من خلفه كان قد هدد جهاراً بكوارث لتطال الاقتصاد السوري فيما لو أزيح من المشهد، وهذا ما بتنا نسمعه في الشارع ويردده الكثيرون اليوم من أن الغلاء وتدهور سعر صرف الليرة وحتى الحرائق هي من أفعال رامي مخلوف.” وتضيف يارا: “صحيح أن الحرائق قد طالت العديد من المناطق السورية إلا أن للسويداء حصة مختلفة ووضعاً خاصا ًحيث أن ما يجري ليس إلا عقاباً واستكمالاً لحالة الإهمال والإفقار المتعمدة تجاه المحافظة التي آثرت اعتماد بعض الحياد في المقتلة السورية رافضة إرسال أبنائها للخدمة العسكرية.”
قد تطول الرواية في سرد تداعياتها واستعراض أسبابها ومن يقف وراءها ويستفيد منها، لكن كل ذلك يبقى بعيداً عن إيجاد حلول عملية للمشكلة، ومن البديهي أن الحكومة هي المسؤولة عن حفظ الأمن العام والغذائي في البلد وأن المسؤولية الأكبر تقع على عاتقها، لكن من غير البديهي مطلقاً الانتظار والأمل منها أن تؤدي ذلك الدور، أو الخروج بوقفات احتجاجية للتنديد بتقاعسها بحماية الناس فقط، المطلوب اليوم هو حماية المحاصيل بأي ثمن لحين الانتهاء من العمليات الزراعية.
بواسطة سلوى زكزك | يوليو 11, 2019 | Cost of War, غير مصنف
أثارت الحرائق التي طالت مواسم القمح في الرقة والحسكة ودير الزور وإدلب وسلمية وأرياف حلب والحسكة وريف السويداء الغربي وريف حمص الشرقي، ردود فعل غاضبة ومستنكِرة، الرد الأكثر حضوراً كان الخوف، الخوف من الجوع ومن العجز عن تسديد الديون المقترضة وخاصة بفوائد عالية، والتي ستتحول إلى قروض متعثرة السداد.
لن يملك المقترضون أية إمكانية أو دعم لسداد الديون أو لإعادة جدولتها بطريقة أقل سوءاً، ليس الديون النقدية فقط! بل وإجمالي تكلفة المواسم من بذار ومبيدات حشرية وأسمدة وثمن مياه السقاية وقيمة المحروقات وأجور الأيدي العاملة وكل التبعات المالية الناجمة عن توقف عجلتي الحياة الاقتصادية والاجتماعية في آن معاً.
يقول “الياس” بأن أراضيه الزراعية الواقعة على المنحدر الغربي للقرية قد صارت بالنهر! المقصود هنا أن كمية الأمطار الهاطلة وقوتها قد جرفت الأراضي باتجاه قعر الوادي حيث نهر القرية، المصيبة لم تقع على رأس “الياس” وحده بل على جميع أصحاب الأراضي الواقعة على المنحدرات، لدرجة ضاعت معها تضاريس المكان وبات الفلاحون مضطرين لتقديم كشف لإعادة تحديد وتحرير الأملاك الزراعية، أي ضبط حدود الأراضي ومساحاتها وتوثيق ذلك وتسجيله بمحاضر رسمية.
الحرائق والأمطار الغزيرة حصدت خيرات الفلاحين وأوقعتهم في عجز لا تعويض عنه ولا من سائل عن كيف سيتدبر المزارعون أحوالهم، أو من سيعينهم وكيف سيكون العون أو الدعم لقدرتهم على تحمّل مصائبهم، والأهم هو كم ستبلغ الخسارات الفعلية في دورة الحياة الاقتصادية؟
تأخرت الأعمال الزراعية كثيراً هذا العام حتى أوائل شهر أيار، وذلك بانتظار توقف المطر كي تتحقق الفائدة المرجوة منها مثل الدهن بالزيت الشتوي وكسح الأغصان ورش المبيدات الفطرية والحشرية.
يقول “نظام” بأن الطقس لهذا العام كان مربكاً وطال إرباكه لدرجة بات معها طقسا معيقا عن متابعة أساسيات الحياة اليومية والأعمال الزراعية، أمطار غزيرة لكن دون ثلج، والثلج ظاهرة طبيعية يعول عليها المزارعون للقضاء على دود الأشجار وعلى جرذان الحقول التي تأكل البذار قبل تخمرها أو تبرعمها في الأرض.
يتوقع أحد تجار التفاح في منطقة زراعية تعتمد في تصاريف حياتها على مواسم التفاح، يتوقع بأن يعرض عدد كبير من الفلاحين أراضيهم الزراعية للبيع، وكثرة العرض ستؤدي حكماً إلى هبوط في الأسعار، لابل سيجعلها ميتة كما يوضح نظام، ويعطي أمثلة كثيرة على أراض تساوي ثلاثة ملايين ليرة بيعت بمليون ليرة وذلك في لحظة احتياج قصوى وقاسية، ومنتهزو الفرص جاهزون وجيوبهم مليئة بالليرات التي تتناقص أمام حاجة الفلاحين وتتزايد في حسابات الناهبين الجدد حين تتحول إلى ملكيات واسعة اغتنمت على حساب الفلاحين وتحت إلحاح الحاجة.
غابت عن المساحات المحترقة كل عوامل الأمان والحماية، حتى وسائل إطفاء الحريق البدائية المطلوبة ومنابع المياه اللازمة أو الحضور الاحتياطي في مثل هذا الموسم لصهاريج المياه وآليات الإطفاء والنقل، وعزا البعض أسبابها لارتفاع درجات الحرارة الشديد والمفاجئ في وقت نضج فيه القمح وبات جاهزاً للحصاد، أو إلى سوء التعامل مع الأعشاب اليابسة ومخلفات الأراضي المهجورة ومقولة أن عقب سيجارة واحد كاف لإشعال حرائق على مساحة كبيرة وشاسعة ؟ وبعضهم قال: وبعد أن تبنت داعش علناً إحراق تلك المواسم، (بأن داعش تربط قطعة قماش مبللة بالنفط ومشتعلة بجسد جرذ حقل أو فأر وفي رحلة هربه من ضراوة اشتعالها على جسده يهرب ضمن المساحات الممتدة) ليتمدد الحريق وليشهد الناس احتراق أعمارهم مع احتراق أرزاقهم بأم أعينهم ولا سبيل لإطفائها إلا أجسادهم البائسة وطلب النجدة من الجميع لكن بعد فوات الأوان، وماذا عن الحرائق المشتعلة ليلاً! وماذا عن المناطق التي لا يوجد أي حضور فيها لداعش! كلها أسئلة بلا معنى وبلا أجوبة مضمنة بالخوف وبأسئلة الخسارات الكبيرة التي لا تعويض عنها ولا راد لها كما بدا واضحا.
عالموسم سندفع أجار بيتنا المستأجر في حمص عن تسعة أشهر كاملة، حيث يدرس أبناؤنا الثلاثة في الجامعة، عالموسم سأذهب لطبيب الأسنان لتصليح أسناني وتركيب جسر للفك العلوي كي أتمكن من الأكل بصورة جيدة، ستخضع زوجتي لعملية جراحية لاستئصال كتلة من الثدي، سنرمم أرضية المطبخ، سأصلح محرك السيارة، سندهن البيت، سنشتري مدفأة جديدة بدلا من القديمة المهترئة، سنشتري مازوتاً للتدفئة، سأسدد الأقساط المتراكمة لأبي سعد الذي يحول الفوائد لمبلغ جديد تترتب عليه فوائد إضافية! أي يتحول الدين إلى دين مركب.
تمتلك “سعاد” أرضاً صغيرة مزروعة بالتفاح، تستدين كل عام مالاً للعناية بها، وفي نهاية الموسم تحسب ما دفعته وما جنته، خسارات قليلة والأهم أنها لم تهدي أحدا صندوقاً من التفاح ولم تأكل هي وعائلتها ما يشبعهم منه، هذا العام قررت ترك أرضها لليباس، على حين قام شقيقها بقلع بعض شجرات التفاح المعمرة وزرع بدلاً عنها خوخاً ودراقاً، البَرَد هذا العام قضى على أزهار المشمش والخوخ، والرياح العاتية كسرت ترابين الكرمة والمطر الحامضي ثقب الأوراق وباتت غير صالحة للبيع أو للأكل، دواء الرش غير فعال وكلفة النقل إلى أسواق المدينة مكلفة ومرتفعة جداً، وسعر التفاح في هبوط مستمر والدولار يأكل الأخضر واليابس ويرفع أسعار كل شيء إلا خيراتنا ونتاج مواسمنا، والضمّان يئن ويشتكي من قلة أرباحه والعمال الزراعيون في الكساح وقطف التفاح وتوضيبه في الصناديق يطلبون ما يحتاجونه للعيش وليس ما نقدر على دفعه وأسعار الصناديق البلاستيكية حلقت عالياً جداً.
المواسم المحروقة أعراس مؤجلة وديون متراكمة، ارتفعت أسعار القمح رسمياً لكن القمح احترق! ولا سعر له، لم يعد يساوي شيئاً. ومن لا يزرع لا يكتوي بنار المواسم المحترقة لكنه يخاف ارتفاع ثمن الخبز، ويخاف من غياب الرغيف، والمزارع يخاف من التربة المحروقة التي تضررت وقد لا تنتج ما يغطي دورتها الزراعية المطلوبة منها، وأكياس الخيش تنام في المستودعات والمؤن ضئيلة وشحيحة، كيف يشتري مزارع القمح برغلاً من غير أرضه، كيف سيكون طعمه أو رائحته!
في القرية الوادعة حيث ابتلع النهر أراضي المنحدرات سيرصف الرجل الذي يُقرض الفلاحين بالفائدة هيكل صليب الكنيسة بالحجر الأسود وسيشكرونه كثيراً وسيكتسب صفة ابن القرية البار والمؤمن، ودفتر الديون في جيبه وفي عقله يسجل أرقاماً متتالية ومتصاعدة، وهناك حيث رائحة الحرائق وحيث يكتوي التراب من النار سينشدون أغاني الحصاد وتدور حلقات الدبكة لتحتفل بمواسم لم تحصد، لترسم حدود الخسارات في كل الاتجاهات، حيث لا أجوبة ولا ترقب ولا توقعات أو نتائج لمن يقرر السؤال، أسئلة الخسارات لا غير ودوامة من العبث والفراغ والفزع، ومزيد من الأراضي المعروضة للبيع وبأسعار جائرة وبعضها لسد الديون فقط، والبعض الآخر وإن حالف أصحابها الحظ ستؤمن لهم ما كان مطلوباً من موسم واحد تأمينه! تخيل أن تخسر أرضك سداداً أو تعويضاً لغلال موسم واحد! إنه سؤال الخسارات وماذا بعد.