الانتظار وحرائق جدتي

الانتظار وحرائق جدتي

آلاف المشاهد تزدحم في ذاكرتي لأصدقاء وأبناء غادروا على عجلٍ دون أن يلتفتوا خلفهم وكأنّ رحلة هروبهم لم تكن إلا لعبة غميضة قصيرة الأمد يلعبونها في زوايا المكان لكنها طالت وامتدت بعيداً إلى أماكن الشتات في كافة أصقاع الأرض. سأروي يوماً قصص الشوق المعلّق على محاجر الأمهات في انتظار أبناءٍ لن يعودوا، أبناءٍ دفنتهم الحرب وغابوا في شقوق الأرض وآخرون غيبهم سراب الطريق الطويل في غربةٍ لا نهاية لها. “لن أتأخر في غيبتي” هكذا أخبروا أحبتهم ظناُ منهم أنّ العودة قريبة، كانوا في لحظتها على ثقةٍ بأنّه رغم كل هذا الرعب والدمار الذي خلفته سنوات الحرب السورية الطويلة لابدّ وأن يحظوا بلحظة وداعٍ أخيرة حرموا منها جميعاً، فكل الحروب تنتهي عاجلاً أم آجلاً. أما اليوم فلم يبق لهم سوى الانتظار، وحده الشتات كان بانتظارهم وحدهم.

 كنتُ واحداً ممن غادروا هذه البلاد وعدتُ إليها بعد أن كاد يخنقني الحنين. أقف اليوم عند عتبة بيت جدي مستعيداً ذاكرة طفولة ضبابية كالحلم، وكما في تلك الأيام، أجلس عند موقد النار وألفّ أصابعي بخيوط الصوف السميكة، تلك التي كانت تستخدمها جدتي لتصنع منها فتيلاً لضوء قنديلها، وأتذكرها اليوم كما لو أنّ ما حدث لم ينته بعد. أسترجع صوتها وهي تنادي على عمي كي لا يسافر بعيداً، لتبقى بعدها تردّد بمرارة “لم يعد مجيد يا بني، يبدو أن الشموع التي أضأتها له لم تنفع، آه لو يعود سأشعل له أصابعي إن عاد.”

 ألفّ أصابعي الآن وأنا أستعيد مشهد جدتي وهي تحكي لي حكايات الغابات والأنبياء بينما كان مغزل الصوف يدورُ في يدها، أنا الطفل الذي ظنّ وقتها أنها تغزل الخيطان وتخبئها لتلفها ذات يوم على أصابعها وتوقدها احتفاءً بعودة ابنها، لذلك كنت أكرهُ صوف الخراف كثيراً وأبكي كلما رأيت شيئاً يشبهها. لم أرد شيئاً يذكرني بخيوط الصوف حتى لحية جدي البيضاء والطويلة كانت تشعرني بالفزع والخوف، وكم كنت أخاف النار أيضاً، النار التي لا تعني لي سوى احتراق أصابع جدتي، وكي أحميها خطرت ببالي فكرةٌ صغيرة وهي ألّا أدعها تُشعل النار لوحدها أبداً، ومن حينها لا أذكر إن مرّ يومٌ دون أن أكون حارس النار في بيتها، حارساً يحمل أعواد الثقاب بجيبه الصغيرة ويفتح دفتر ذاكرته ليشهد على نارٍ لن تنطفئ بعدها.

في صباحات تلك الأيام البعيدة كنتُ أستيقظ على صوت باب الغرفة الخشبي وهي تشرعه لندى الصباح ورائحة الحبق المزروع في زوايا المكان، ليبدأ يومي بإشعال التنور في الغرفة الصغيرة في قبو البيت، فجدتي كانت تحرص على أن تُعدّ خبزها بنفسها مع فجر كل صباحٍ. كنتُ أرقبها وهي تعارك وعاء العجين ملثمة بشالها الأبيض كما لو أنها كانت فارساً يخوض معركةً عنيفةً، بينما كنتُ أجلس بالقرب منها لأدفع ببقايا القش وأوراق البلوط تحت نار الموقد كي لا تخمد. لا يمكن أن أنسى مشهد الضوء المتسلل من الشباك الصغير في أعلى الغرفة الحجرية وهو يمتزج بدخان الموقد ورائحة الخبز مشكلاً فضاءً ممتداً لخيال طفل أدهشته ألاعيب الضوء والدخان، وكالجنية في الحكايا كنت أخالها تحاكي أحداً ما أو ترقص معه وهي تلوّح بكلتا يديها بأرغفة الخبز وكأنهما جناحا حمامة، ضاربة أكفها تارة على خشبة أمامها وتارة أخرى على صاج الخبز بجانبها، كم كنت سعيداً وأنا أسترق النظر محدّقاً بأصابعها الصغيرة لأتأكد أنها بخير.

 كنتُ أحرصُ على إبقاء النار متقدة ًفي بيتها كل يوم خوفاً من أن تُشعل أصابعها في غفلةٍ مني، فأدورُ حول نار الغسيل ونار الطبخ ونار الشتاء كفراشةٍ تحتفي باللهيب لأشعلها بدلاً عنها. من خوفي على أصابعها أخذت على عاتقي حتى إشعال البخور في ليالي الصيف الحارة لطرد الحشرات من غرفتها، “لن أدعها تمس النار” كنت أهمس في داخلي وأردد “أنا حارس النار …أنا حارس النار”.

لا أتذكر إن مرّ يومٌ في طفولتي دون نارٍ، لكني فزعت ذات يوم عندما انتبهت أن خيوط الصوف تملأ البيت، خيوط طرزتها على شبابيك غرفتها وعلى أطراف السرير، شالات خبأتها في رفوف خزانتها، معطف جدي، إطار الصورة المعلقة لعمي مجيد، بساط الغرفة المصبوغ بالأحمر، وسادة نومها، وحتى مقابض الأبواب ومعطفي الدافئ، وحدها أصابعها كانت عارية من خيوط الصوف، لم أنتبه في غفلة دهشتي أنها ربطت جديلتها أيضاً بعقد صوفيّ مطرز يتدلى على أكتافها وعنقها ويمتد حتى أسفل ظهرها.

في آخر أيامها وقبل أن تتيبس عظام مفاصلها رأيتها تمسك صندوقاً صغيراً وتنزل به القبو عبر الدرج، وما إن شممت رائحة الدخان تنبعث من غرفة التنور حتى هُرعت صوبها لأجدها جالسةً بجانب الموقد وقد فتحت الصندوق وبدأت بإحراق كتبٍ ودفاتر كانت كل ما بقي لها من رائحة ولدها الغائب. وقفتُ متجمداً عند الباب فاللحظة التي كنت أخافها دائما قد أتت، كان الصمت رهيباً في الغرفة والدخان الكثيف المنبعث من الموقد قد حوّل المكان لمسرحٍ كبيرٍ مفتوح على كل المشاهد والأسئلة، وحدهما عيناي كانتا مسمّرتين على يديها في انتظارٍ وخوفٍ أوقف الهواء في حنجرتي، لم أدر كم من الوقت مرّ حينها وكل ما أذكره بعد ذلك أنها وبعد أن خمدت النار ضمتني إلى صدرها وأطلقت أصوات حنجرتها المكبوتة منذ زمن لنحيبٍ طويل.

جدتي التي أضرمت النار في طفولتي ذات يوم، قالت لي وهي على فراش الموت هامسة في أذني: “عندما أموت قُصّ ضفيرتي الملفوفة بعقد الصوف وأشعلها عندما يعود مجيد.”

أطفال اللاجئين والحجْر المزدوج

أطفال اللاجئين والحجْر المزدوج

* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات

بعد انتشار فيروس كوفيد-19 (كورونا)، امتد الحظر الصحي ليشمل معظم دول العالم، مخلّفاً آثاراً اجتماعية واقتصادية ونفسية يجهد الأخصائيون للبحث فيها، والعمل على تخفيف التداعيات الناتجة عنها قدر الامكان. ففي ألمانيا التي يبلغ عدد سكانها حوالى 83 مليون نسمة، تستمر القيود المفروضة للحد من انتقال العدوى، إذ بلغ عدد الإصابات وفق البيانات الرسمية المسجّلة حتى يوم 15 نيسان/أبريل 133.154 حالة، تماثل أكثر من نصفهم للشفاء فيما توفّي نحو 3600 شخص، مع ملاحظة تراجع عدد الإصابات المسجّلة يوميا، مما يؤكّد جدوى هذه القيود ودورها في تقليل عدد الإصابات.

يعدّ إغلاق المؤسسات التعليمية المستمرّ في ألمانيا منذ 16 آذار/ مارس إحدى أكبر الخطوات لدرء خطر انتشار الفيروس، باعتبار أن المدارس والجامعات أماكن تجمعات يومية لأعداد كبيرة قد تنتشر فيها العدوى كالنار في الهشيم. لكن لا بد من تبعات لهذا الإجراء، فالأرقام تشير إلى تضرّر ما لايقلّ عن 11 مليون تلميذ وتلميذة في المدارس العامة والمهنية، عدا عن طلاب الجامعات. ويخشى طلاب السنوات الدراسية الأخيرة أن يتسبب إغلاق المدارس في حرمانهم فرص النجاح في امتحاناتهم النهائية. ورغم اللجوء إلى خطة طوارئ عاجلة عملت الكوادر التدريسية عليها بجهد ملفت للنظر، إلا أن اعتمادها على التكنولوجيا والتعليم الرقمي، جعل عيوبها واضحةً للعيان بعد أسابيع قليلة من الحظر، وظهرت تحدّيات كبيرة خلال تنفيذ الخطة التي لم تخضع من قبل للتجربة. فإضافةً لضعف شبكة الإنترنت في مناطق عديدة من ألمانيا، لايتقن كثير من المعلمين آليات التعليم الرقمي، فهم لم يتدربوا عليها وفق ما صرح مختصون بالتعلم الرقمي، عدا أن المواقع التعليمية التابعة لوزارة التعليم تعرّضت لضغط كبير على الشبكة مما أثّر على جودة أدائها المتواضع أصلاً.

في الوقت نفسه يفتقر طلاب كثيرون إلى الأدوات اللازمة لإتمام العملية في المنزل. فإن امتلك غالبية الطلاب- وليس جميعهم – هواتف ذكية، لكنّهاغير كافية ولابد من كمبيوتر لاستخدام برنامج التعلّم الرقمي بالشكل الأمثل، وهو غير متوفر عند الجميع. كما أن كثيراً من أوراق العمل المرسلة بالبريد الالكتروني تحتاج للطباعة من أجل حلّها ثمّ مسحها ضوئياً عبر (سكانر) وإعادة إرسالها للمعلم/ة، ولا يمتلك الجميع كل هذه المعدات في المنزل. المشكلة الأُخرى تسببها الواجبات غير الواضحة التي يجهد الأهل في محاولة فهمها من المعلمين كي يساعدوا أطفالهم فيها، وصعوبات غيرها لاتنتهي، كعدم رغبة الأطفال بالقيام بهذا الكمّ من الواجبات المملة والمكرّرة لمراجعة ما تعلّموه سابقاً، أو تلك الجديدة الصعبة التي ليس من السهل على الأهل شرحها لهم.

الأطفال اللاجئون ونتائج الحجر الصحي:

ماسبق مشكلات يعاني منها الطلاب جميعاً، لكنّها تتضاعف عند الأطفال اللاجئين في نواحٍ مختلفة لعدة أسباب، مسفرةً عن نتائج تزداد سوءاً مع تمديد فترة الحجر الصحي. فالأطفال الذين وصلوا ألمانيا قبل سنوات قليلة ولم تزل ذاكرتهم غضة تغصّ بمعاناة الهروب من الخطر عبر طريق الموت، بدؤوا يعيشون مجتمعاً جديداً مختلفاً بقيمه ومعاييره، ودخلوا المدارس وأجادوا اللغة الألمانية بسرعة قياسية فبدؤوا يفكرون بها ويتواصلون مع محيطهم من خلالها حتى كادت تزيح اللغة الأم من عقولهم تدريجياً، رغم محاولات الأهل الحثيثة التحدث معهم بها. غالبية هؤلاء غدوا الآن مراهقين، واتسعت الفجوة بين الأهالي وأبنائهم، ففقدوا دورهم في العملية التعليمية والتربوية التي تفترض شراكة ثلاثية الأبعاد ما بين الطفل والمدرسة والأهل.

يعمد المهتمون من الأهل للبحث عن وساطة لغوية للاطلاع على أوضاع أطفالهم المدرسية، لكنّ صعوبة وتكلفة ذلك جعلت كثيرين ينكفئون عنه، منصرفين لحل التعقيدات البيروقراطية التي تواجه حياتهم اليومية، في بلد يعتمد على الورقيات المعقدة التي يعجز الألمان أنفسهم أحياناً عن فهمها ومتابعتها، كما يتغيبون حتى عن حضور اجتماعات أولياء الأمور لعدم توفّر الترجمة دوماً، ويبقى الطفل وحيداً مع مدرسته.

في الوضع الراهن تعيّن على الأهل التواصل مع المدرسة من جديد، ومع الفجوة اللغوية القائمة عجز معظمهم عن متابعة العملية التعليمية عن بعد، والتي تحمل صعوباتٍ حتى بالنسبة للأطفال الالمان كما ذكرنا. بينهم من لا يملك حتى بريداً الكترونياً لتلقّي أوراق العمل وتعليمات المعلمين ونصائحهم، فضلاً عن التسجيل في المواقع التعليمية التي تبدو أشبه بالأحجية عند عدد لايستهان به منهم. البرامج التوضيحية والفيديوهات على اليوتيوب ليست كافية لأن غالبيتها تقدم باللغة الألمانية، وبالتالي لايستطيع الأهل فهم الواجب المطلوب وشرحه للطفل. قد يتمكن بعض الأطفال من تدبر أمرهم دون الاستعانة بالأهل، لكن هذا لاينطبق على جميع الأطفال ولا على المراحل التعليمية جميعها، وهكذا يخسر أبناء اللاجئين وقتاً ومعلومات وفرصاً كثيرة، وتُلقى على عاتقهم أعباء وتحديات سيتحتم عليهم مواجهتها والتعامل معها بعد العودة إلى المدارس.

آثار الحجر الصحي لاتقتصر على الجانب التعليمي عند الأطفال اللاجئين، بل تمتد إلى قضية أكثر تعقيداً وعمقاً هي حجرهم مع أسرهم التي أصبحت تمثل لغالبية الأبناء، وخاصة المراهقين، مجتمعاً موازياً مختلفاً عن مجتمع الأقران والمدرسة، فالهوية متعددة الألوان بدأت تتشكل عندهم، وبعض ألوانها لا يلقى القبول نفسه في كلا المجتمعين، مما يؤدّي لاختلال التوازن وفقدان كثير من عناصر استقرارها أثناء الحجر.

البقاء في البيت مع العائلة ضمن مساحات صغيرة معظم أوقات اليوم، ليس سهلاً على أطفال اعتادوا تمضية نحو سبع ساعات وسطياً كل يوم، تتضمّن برنامجاً منظمّا وأنشطة متنوّعة لا تتوفر في الظروف الحالية، مما يشكّل ضغطاً جديداً تسبّبه مقارنات لا تنتهي: فهم مركز مقارنة في المدارس لاختلافهم، كما يقارنون حياتهم مع حياة أقرانهم وقيمهم وعاداتهم، بدءا بالمأكل والمشرب والملبس، وليس انتهاءً بعلاقات السيطرة والعنف بأشكاله وتعارضها مع ما تعلّموه من حقوق. لذا فإن بعض الأطفال والمراهقين/ات، وقد عرفوا جيداً حقوقهم القانونية وأبعادهم في المجتمع الجديد، لا يتردّدون في اللجوء إلى الشرطة أو مكتب الشباب، وهو ما قد يعرضهم لمزيد من العنف يزيد الطين بلة، في عائلات تسعى بكل السبل لحماية صورتها وتقاليدها وهويتها.

إنها حقاً مفارقة كشفت فترة الحجر عن اتساع نطاقها في أوساط اللاجئين. آلاف العائلات اضطرّت إلى هجر موطنها وسلكت طريق اللجوء لتحمي أطفالها، والآن يضطر الأطفال أنفسهم للهجرة عن ذويهم نفسياً نتيجة ضياع اللغة وفقدان التواصل بينهم، ليقضي كثيرون منهم أثناء الحجر حجراً مضاعفاً من نوع خاصّ، لحماية أنفسهم لا من كورونا بل من آثار اغتراب وتصدع نفسي.

السوريون ينتظرون «كورونا»…خائفين جائعين معزولين

السوريون ينتظرون «كورونا»…خائفين جائعين معزولين

وصول «كورونا» إلى سوريا يعني الكثير. ثقل الوباء في هذه البلد يختلف عن غيره. سيكون توغله في أراضي هذه البلاد المنكوبة، أكثر وطأة من بلدان كثيرة.

لا بيوت يبقى فيها كثير من السوريين تحسباً لغارات الوباء، ولا مستشفيات يلجأون إليها. لسيارات الإسعاف صوت آخر، وخيمة مرمية في العراء، ملاذ المحظوظين من المشردين.
سوريا، خريطة مشرحة في 3 «مناطق نفوذ» على مائدة 5 جيوش بعد 9 سنوات من مخاض الحرب الدامية. كانت تترقب بأمل إشارات السلام، فإذا بأعراض الوباء تقبض رويداً على عنق البلاد وصدور أهلها.
الموعد السري لـ«تسونامي كورونا»، في مايو (أيار). ينتظره السوريون على الجمر. إلى حين ذلك، الحديث العلني في دمشق عن هذا الفيروس الخطير، خطير. تعزيزات قائمة لـ«معركة الحسم» ضده. هناك إصابات به ولا وفيات بسببه. «كورونا» لم يدخل بعد في القاموس الرسمي، سبباً للوفاة. «الالتهاب الرئوي» سبب مريح لقصة الموت. ونُقل عن شخصين في مستشفى دمشقي، أنهما تلقيا «أوامر شفهية بدفن قصص الموتى مع جثامينهم وعدم دق ناقوس الخطر».

في سوريا، تتراكم سلسلة من الأسباب تجعلها تقيم على حالة نادرة في التعاطي مع هذا الوباء:

أولاً، لم تعد الحكومة تسيطر على كامل أراضيها. منطقة فيها ثلثا سوريا ومعظم المدن الكبرى تدار من دمشق، لكن بنفوذ روسي وإيراني بقوتيه الخشنة والناعمة. الثلث الآخر، تدير معظمه الإدارة الذاتية الكردية تحت مظلة التحالف الدولي بقيادة أميركا في شرق الفرات وفصائل معارضة بدعم الجيش التركي وأدواته «التتريكية» بوسائل عسكرية وخدماتية في شمال سوريا وشمالها الغربي.

ما يجمع «الدول الثلاث في الدولة الواحدة»، هو تدهور القطاع الصحي. في مناطق الحكومة، هاجر الأطباء هرباً من الملاحقات أو الخدمة الإلزامية أو بحثاً عن حياة جديدة أو أنهم بقوا لكن في إطار العمل العسكري. وفي المناطق الخارجة عن سيطرتها، دمرت مستشفيات بغارات سورية وروسية وتراجعت قدرات البنية التحتية التي أقامتها مؤسسات مدنية سورية وغربية.

ثانياً، بالنسبة إلى مؤسسات الأمم المتحدة، العمل متاح قانونياً في دمشق باعتبار أن الحكومة هي ممثل البلاد، حسب المنظمة الدولية، وليس في مناطق المعارضة. لكن إقامة مؤسسات الأمم المتحدة في العاصمة السورية، جعلها «أسيرة» قرار الحكومة ومعطياتها وخطابها في السنوات السابقة. منعكسات ذلك، بدأت تظهر أكثر لدى بدء الإعدادات لمواجهة «كورونا».

ثالثاً، استعادت الحكومة السورية معظم النقاط الحدودية والمطارات، لكنها لا تزال بعيداً عن أن تكون جميعها في عهدة دمشق. هناك نوافذ مع العراق وتركيا لا تزال تحت سيطرة الإدارة الكردية أو فصائل معارضة. كان هناك قرار دولي سمح بتمرير المساعدات الدولية عبر الحدود، لكن عدد البوابات المرخصة، قلص بإرادة روسية في بداية العام الجاري، وهو بانتظار التمديد في منتصف العام الماضي. هذا يضيف تعقيدات راهنة.

رابعاً، خروج أكثر من نصف الشعب السوري من بيوتهم. أكثر من 6 ملايين لاجئ في دول الجوار وخارجها والباقي في مخيمات مكتظة في مناطق مختلفة في البلاد. وهناك أيضاً، نازحون في مناطق الحكومة.

خامساً، وجود أزمة اقتصادية تصاعدت في الأشهر الأخيرة جراء طول الحرب والعقوبات الخارجية، إضافة إلى تدهور سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي ليصل إلى 1200 ليرة مقابل الدولار، بعدما كان 46 ليرة في 2011. ويثير انقطاع الكهرباء ساعات طويلة قلقاً إضافياً في المنشآت الطبية.

سادساً، عقوبات أميركية وأوروبية على مؤسسات حكومية وشخصيات نافذة أو رجال أعمال بسبب دورهم في الحرب وقرب تطبيق «قانون قيصر» الذي أقره الكونغرس الأميركي نهاية العام الماضي، الذي يعاقب أي جهة أو شخص بسبب المساهمة في إعمار سوريا. أيضاً، تستمر العزلة السياسية على دمشق وتغيب سفارات معظم الدول الغربية والعربية عنها.

أمام هذا الواقع، سارع كل طرف إلى «تسييس» الحرب على «كورونا». موسكو قادت مع بكين ودمشق حملة لرفع العقوبات عن دمشق. إلى الآن، لم تغث الصين سوريا بطائرة فيها معدات طبية كما فعلت مع إيطاليا. واشنطن ودول غربية بدأت حملة لإطلاق السجناء ووقف النار لـ«محاربة الوباء». أما الأمم المتحدة، فهي منقسمة. العاملون في دمشق يميلون إلى رأي الحكومة. يقودون حملة لـ«رفع العقوبات»، لكنهم لا يخوضون حواراً لدفع الحكومة كي تكون شفافية في التعاطي مع الوباء. عملياً، تدفع هذه المؤسسات إلى المساهمة في معالجة وباء غير موجود رسمياً. قبل أيام حصل اجتماع تنسيقي في دمشق لمؤسسات أممية، غاب عنه كبار المسؤولين السوريين. جرى تكرار المطالب نفسها، لكن من دون حوار يتضمن الوصول إلى ضمانات وتأكيدات بوصول المساعدات إلى جميع الأراضي السورية وقبول تقديمها عبر المعابر الحدودية، إضافة إلى شمول ذلك بإيصال المعدات عبر نقاط التماس إلى مخيم الركبان قرب الحدود الأردنية الذي يضم 45 ألفاً ومناطق شمال غربي سوريا أو شمالها الشرقي، حيث يقيم ملايين السوريين معظمهم نازحون.

لكن ماذا عن الواقع الصحي في سوريا؟ حسب تقرير داخلي للأمم المتحدة وبحث أعده «برنامج أبحاث النزاعات» التابع لكلية لندن للاقتصاد الممول من الخارجية البريطانية، يمكن رسم الصورة الآتية:

– نقاط الدخول

تأثرت المعابر الحدودية بوضوح بتفشي الوباء، مع اتخاذ سوريا والدول المجاورة عدداً من الإجراءات الاحترازية. وأعلن عن وقف الرحلات الجوية إلى مطار دمشق الدولي، مع فرض إجراء حجر صحي إجباري على القادمين من دول بعينها. وأجرت وزارة الصحة فحصاً للعابرين من نقاط عبور برية ومطارات دمشق واللاذقية والقامشلي قبل إغلاقها.

ومنذ 26 يناير (كانون الثاني)، أعلنت الإدارة الذاتية عن إغلاق معبر فيشخابور- سيمالكا البري غير الرسمي أمام جميع صور حركة المرور غير الطارئة، مع استثناء يوم واحد في الأسبوع للحالات الإنسانية. وفي 23 مارس (آذار)، أعلنت الإدارة الذاتية إلغاء هذه التصاريح وإغلاق المعبر لأجل غير مسمى.

حالياً، غالبية الحدود البرية إلى داخل سوريا مغلقة، مع بعض الاستثناءات المحدودة (من الأردن وتركيا ولبنان)، أمام الشحنات التجارية وشحنات الإغاثة وحركة العاملين بالمجال الإنساني والمنظمات الدولية.

وأفادت الأمم المتحدة بفرض بعض القيود على نقاط العبور داخل سوريا، بما في ذلك نقطتا الطبقة والتايهة شمال شرقي البلاد، حيث تنتشر فرق طبية لإجراء عمليات مسح ويجري فرض قيود على حركة المدنيين والسلع والشاحنات. وذكرت تقارير عن تقييد حركة الدخول والخروج في تل عبيد أمام التجار والعاملين بالمجال الإنساني والإداري. وأغلقت نقطة عبور شانان في الرقة، وكذلك أبو زندان وعون أدات (شمال ريف منبج). ورغم التوجيهات الرسمية، وردت أنباء عن بعض الحركة العشوائية حول بعض نقاط العبور، حسب تقرير أممي.

– صورة عامة وذعر

هناك ذعر بدرجات مختلفة وإقبال على شراء الحاجات في دمشق وإدلب والقامشلي. داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، يجري توفير أكثر السلع الأساسية من جانب عدد محدود للغاية من الهياكل الاحتكارية ذات الصلة بمؤسسات حكومية. ويجري دعم أكثر السلع الأساسية وإتاحتها فقط من خلال تلك المنافذ. هناك صفوف من المواطنين في كل مكان للحصول على الحاجات الأساسية، بينما تبدو الأسواق مرهقة. وتسود حالة حادة من الذعر مع إسراع الجميع لشراء وتخزين الإمدادات. ويحمل هذا الأمر صعوبة بالغة نظراً لأن غالبية الأفراد يعيشون على دخل يومي.

ولا يقف وراء حالة الذعر تلك غياب المعلومات، وإنما حقيقة أن الناس ليس أمامهم خيار آخر. في الشوارع، تبدو الحركة طبيعية، لكن المتاجر أغلقت أبوابها جبراً. والمؤكد أن الاستمرار على هذا النحو سيخلق تداعيات اقتصادية بالغة الخطورة، خصوصاً أن معدلات الفقر في سوريا تفوق 80 في المائة.

ارتفعت أسعار الخبز في سوريا كغيره من الحاجات. وحدث نقص في سلع أساسية (بنسب تتراوح بين 10 في المائة و15 في المائة) وكذلك في أدوات التعقيم والحماية الشخصية؛ مثل أقنعة الوجه والقفازات ومطهر اليدين التي ارتفعت أسعارها بنسب بلغت 5000 في المائة.

تشير تقديرات بعض المصادر إلى أنه في سوريا بأكملها فقط 12 ألف سرير في المستشفيات. ووصل إلى دمشق منذ يومين ألف جهاز اختبار، لكن لا تتشارك الحكومة معلوماتها مع أي جهة حتى الآن. وأكدت مصادر في دمشق أنه «لم يجرِ تخصيص أي موارد لمكافحة كورونا بسبب معاناة الموازنة من الإفلاس». وترفض الحكومة إشراك المؤسسات الدولية في جمع المعلومات وإحصاءات أعداد العاملين بالمجال الصحي. وفي الوقت ذاته، فإن الأشخاص الذين يعانون أعراض الفيروس يخشون الذهاب إلى المستشفيات. وبالتأكيد، يحمل هذا المستوى من الخوف تداعيات خطيرة على صعيد أعمال العنف والتصعيد.

يتوقع خبراء دوليون في دمشق أن يصل الوباء إلى ذروته داخل سوريا في مايو (أيار) أو يونيو (حزيران). لكن حالياً، يجري الحديث عن الالتهاب الرئوي، وليس «كورونا»، تجنباً لإثارة مسألة الاستجابة الحكومية. وتفرض الحكومة حظر تجول جزئياً، لأنه في حال تسبب الفيروس في سقوط المئات أو الآلاف من الوفيات، فإن هناك قلقاً في دمشق من «منعكسات ذلك على الاستقرار للافتقار إلى القدرة على الاستجابة جراء تداعي منظومة الرعاية الصحية والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية المروعة التي سيخلفها الوباء، في وقت أصبحت فيه قدرة البلاد على تحمل أي ضغوط إضافية محدودة للغاية»، حسب مسؤول غربي في دمشق.

يقول «مركز أبحاث النزاعات» إن العدد الأقصى لحالات الإصابة بالفيروس التي يمكن خضوعها للعلاج بصورة في سوريا يصل إلى 6500 حالة. ويضيف: «بمجرد تجاوز عدد الحالات المسجلة الحد المذكور البالغ 6500 حالة، من المتوقع انهيار نظام الرعاية الصحية مع الحاجة اللازمة لاتخاذ القرارات الترشيدية، مع توقعات بارتفاع المعدل الإجمالي للوفيات بما لا يقل عن نسبة 5 في المائة بين الحالات المصابة».

يضاف إلى ذلك، وجود نقص كبير في الوعي العام بمخاطر الفيروس، مع نقص كبير موازٍ في الموارد، وتدهور واضح ومستمر في الأوضاع العامة، الأمر الذي يجعلها معرضة وبشدة لمخاطر تفشي الوباء الفتاك على نطاق كبير تتعذر مواجهته أو تحمله.

– مناطق الحكومة

فرضت الحكومة مجموعة من الإجراءات الوقائية. في 24 مارس، أعلنت فرض حظر تجول ليلي بحلول مساء اليوم التالي. وأعلنت إغلاق جميع المدارس والجامعات والمعاهد حتى 2 أبريل (نيسان) 2020 على الأقل. كما جرى تعليق صلاة الجمعة والتجمعات داخل المساجد وجميع الفعاليات والتجمعات الكبرى وإغلاق جميع المطاعم والمقاهي والأندية الليلية والأندية الرياضية والثقافية. وقلصت مكاتب القطاع العام ساعات العمل بها وفرضت الحكومة تقليص قوة العمل الموجودة بالمكاتب إلى 40 في المائة.

في 22 مارس، أطلقت الحكومة السورية حملة تعقيم في المدارس والسجون والأماكن العامة، مثل المتنزهات ووسائل النقل العام بالمدن الكبرى والسفن التي ترسو بالموانئ. وجرى إرجاء الانتخابات البرلمانية من 13 أبريل حتى 20 مايو. وفرضت الإدارة الذاتية الكردية حظر تجول على المواطنين، بجانب إغلاق المدارس والجامعات والمعاهد.

وأعلنت دمشق عن 5 حالات إصابة مؤكدة فقط بـ«كورونا». لكن كثيراً من المؤشرات يوحي بأن الفيروس أكثر انتشاراً من ذلك بكثير داخل البلاد قياساً إلى الأوضاع في الدول المجاورة يشارك بعضها في العمليات العسكرية في سوريا. وقال المركز: «تواجه إيران تفاقماً كارثياً في أعداد حالات الإصابة بالفيروس، في وقت تشارك فيه بقوات عسكرية في سوريا. حتى وقت قريب للغاية كان الآلاف يتحركون ذهاباً وإياباً بين سوريا والعراق عبر مطار دمشق أو عبر قواعد عسكرية إيرانية في سوريا، خصوصاً في دير الزور الواقعة شرق البلاد، قرب الحدود مع العراق». ولوحظ أن دمشق قررت قبل أيام وضع أكثر من 100 شخص بالحجر الصحي بعد وصولهم من طهران.

الإعلان عن وجود إصابات أخذ منحى تدرجياً. في البداية اتخذت دمشق الإجراءات الوقائية قبل الإعلان عن إصابات. وكان لافتاً أنه بالتزامن مع نفي دمشق وجود مصابين أعلنت باكستان بداية الشهر، أن 7 أشخاص قادمين من سوريا تأكدت إصابتهم بالفيروس. وفي 24 مارس، أعلنت بغداد عن حالتي إصابة لشخصين جاءا من سوريا. وقال «مركز أبحاث النزاعات»: «هناك أدلة شفهية مهمة من داخل مناطق تخضع للسيطرة الحكومية حول وجود أفراد تظهر عليهم أعراض حادة للفيروس بعضهم توفي بالفعل. وهناك ارتفاع حاد في الوفيات الناجمة عن عدوى رئوية والالتهاب الرئوي بين مرضى تتجاوز أعمارهم 60 عاماً، ظاهرة قائمة عبر أرجاء مختلفة من البلاد». ونقل عن شخصين في «مستشفى المجتهد» في دمشق أنهما تلقيا «أوامر شفهية» من ضباط بالاستخبارات بدفن هذه القصص مع الموتى وعدم دق أي أجراس خطر» عبر وسائل الإعلام.

– مخيمات ولاجئون

هناك 71 ألف شخص لا يزالون مشردين بلا مأوى في شمال شرقي البلاد و15 ألفاً موزعون في مآوٍ جماعية، إضافة إلى مائة ألف يعيشون في 4 مخيمات للإيواء. وبالتنسيق مع الجهات الصحية، وضعت منظمة الصحة العالمية خطة للتوعية بمخاطر «كورونا» في المخيمات والملاجئ الجماعية. وجرى توزيع مواد المعلومات، والتعليم والاتصالات ذات الصلة بتعزيز النظافة الشخصية على نطاق واسع داخل المخيمات والمرافق المدعومة، وتم تقاسمها مع السلطات بغية تعميمها على نطاق أوسع. كما جرى توسيع نطاق التعزيز والتوعية بشأن النظافة العامة داخل المخيمات.

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) حذرت من أن مئات آلاف الأشخاص في شمال شرقي سوريا يواجهون مخاطر متزايدة بالإصابة بـ«كورونا» بسبب انقطاع إمدادات المياه.

ومنذ عدة أيام، أوقفت محطة مياه العلوك لإمدادات المياه في رأس العين، المدينة الواقعة على الحدود السورية – التركية والخاضعة لسيطرة تركيا وفصائل سورية مدعومة من أنقرة، ضخ المياه إلى المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الكردية السورية. وأكد «المرصد» أن انقطاع المياه قررته تركيا.

وتؤمن محطة العلوك المياه لنحو 460 ألف نسمة، بينهم سكان مدينة الحسكة ومخيم الهول للنازحين، حيث يقيم الآلاف من عائلات عناصر «داعش». وأسفرت ضغوط عن إعادة تشغيل المحطة. لكن الإدارة الكردية حذرت من أن المناطق الخاضعة لسيطرتها غير مجهزة بشكل كافٍ لمواجهة احتمال انتشار الوباء. وقال الجنرال مظلوم عبدي قائد «قوات سوريا الديمقراطية»، التي يدعمها التحالف الدولي بقيادة أميركا، إن «خطر انتشار الفيروس لدينا وارد جداً. لهذا قامت الإدارة باتخاذ عدة إجراءات مهمة من أجل مكافحة انتشار هذا الفيروس»، داعياً السكان إلى عزل أنفسهم في المنازل.

– «الكارثة الحقيقية»

للوضع الإنساني في «مثلث الشمال» في إدلب وبين أرياف حماة وحلب واللاذقية، حالة خاصة، بسبب الاكتظاظ البشري، حيث يقيم 3.5 مليون سوري معظمهم نازحون، وكان مسرحاً للعمليات العسكرية قبل وقف النار بموجب تفاهم روسي – تركي، إضافة إلى وجود تنظيمات مدرجة على قائمة مجلس الأمن بأنها «إرهابية».

منذ بداية العام، نزح أكثر من مليون مدني وهناك 60 ألفاً يعيشون في الحقول المفتوحة والمدارس والمساجد. وجرى إغلاق 62 منشأة صحية على مدار الشهرين الماضيين. كما فقد كثير من عمال الرعاية الصحية حياتهم أو أجبروا على الفرار خشية على أعمارهم. ونتيجة لذلك، لا يوجد في هذه المناطق أكثر من 166 طبيباً و64 منشأة صحية، من الذين يعملون بالحد الأدنى من البنية التحتية الممكنة بقدرات متدنية للغاية، حسب «برنامج أبحاث النزاعات». وقال أحمد المنظري، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في شرق المتوسط: «بدأ اختبار الحالات المُشتبه في إصابتهم بالفيروس في شمال غربي سوريا منذ يومين بعد وصول شحنة من 300 اختبار إلى أحد شركاء المنظمة. وسيصل 600 اختبار إضافي إلى المختبر في إدلب، ومن المقرر وصول شحنة من 5000 اختبار إلى مدينة إدلب الأسبوع المقبل. وتم توزيع معدات الوقاية الشخصية بالفعل على 21 مرفق رعاية صحية، كما تم شحن معدات وقاية شخصية إضافية للعاملين الصحيين في مدينتي إدلب وحلب هذا الأسبوع».

وتعاني المنظمات الصحية السورية غير الحكومية مع مديرية الصحة في إدلب من نقص مزمن في عدد الموظفين مع قلة التمويل. وقال الدكتور منذر خليل، رئيس المديرية الصحية في إدلب، إن «احتمالات تفشي فيروس كورونا مرتفعة للغاية» وسط مخاوف من كارثة. وحذر خليل من صعوبة أن تعمل خطة الاستجابة الطارئة بفاعلية كاملة في غياب الدعم الكامل من الجهات المانحة الدولية، وذلك بسبب تدهور قدرة المرافق الصحية الوطنية، ونقص الممرضين المدربين، ونقص وحدات العناية المركزة والتعطل المستمر لشبكات المياه والكهرباء، والحركة المستمرة للمواطنين النازحين داخلياً، مع عدم قدرة كثير من الناس على التكيف مع الضغوط الاقتصادية الناشئة عن العزل الذاتي مع تعليق الأنشطة الاقتصادية.

وتنظر منظمات المجتمع المدني في شراء أطقم الاختبار من الأسواق التركية، نظراً لانعدام الثقة مع دمشق. ودشنت حملات توعية مع تطوير كثير من استراتيجيات الاستجابة الأخرى التي تستكمل جهود مديرية الصحة في إدلب والمنظمات الصحية غير الحكومية الأخرى حيال مكافحة الوباء. كما قام عناصر «الدفاع المدني» بتعقيم مخيمات وأماكن مدمرة مستفيدين من وقف النار الذي قام وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو بزيارة دمشق التقى خلال الرئيس بشار الأسد لتأكيد تثبيتها حالياً.

**تم نشر نسخة من هذا المقال في «الشرق الأوسط».

حملة في إدلب لمنع كارثة كورونا

حملة في إدلب لمنع كارثة كورونا

* تُنشر هذه المادة ضمن ملف “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات

بدأت كل من فرق الدفاع المدني وعدد من المنظمات الإنسانية والإغاثية بحملة تعقيم واسعة استهدفت المدارس والمخيمات والمرافق العامة والمساجد في شمال غرب سوريا خاصة في “إدلب ومخيمات النازحين”، كإجراء وقائي من فيروس كورونا، وذلك في الوقت الذي يعيش فيه النازحون والمهجرون حالة من الترقب الحذر لوقوع إصابات بفيروس “كورونا” المستجد والذي طال البشرية جمعاء.

واعتبر نشطاء حقوقيون وإعلاميون وكوادر الصحة والدفاع المدني ومسؤولو منظمات شمال غرب سوريا أن سبب المخاوف والحذر من انتشار فيروس كورونا، هو الاكتظاظ السكاني وضيق المساحة التي تعاني منها المخيمات، مما استدعى استنفار الفرق الطبية وكوادر المنظمات الإنسانية إلى التحرك وإطلاق حملات توعية وإرشادات للمدنيين تبعها حملات تعقيم واسعة وتوفير السبل اللازمة لذلك.

وتأتي هذه الحملة بالتعقيم، مع تفشي فيروس كورونا “كوفيد19” بكل أنحاء العالم والدول المجاورة، حيث تتخوف المنظمات الدولية والإنسانية من تفشي الفيروس في شمال غرب سوريا وعلى وجه الخصوص في المخيمات.

مدير مديرية الدفاع المدني “الخوذ البيضاء” في إدلب مصطفى حاج يوسف قال: “كنا قد أطلقنا قبل نحو أسبوع حملة توعية وإرشادات هامة للمدنيين والنازحين في شمال غرب سوريا، وعلى وجه الخصوص ’المخيمات والمناطق المأهولة بالسكان في إدلب‘ لتوعيتهم من خطر انتشار فيروس كورونا الذي اجتاح دول العالم وتسبب بوفاة الآلاف، وأتبعنا الحملة منذ أيام بحملة أخرى لفرق مدربة تابعة للدفاع المدني في إدلب لتعقيم المخيمات وأماكن تجمع المدنيين كالأسواق والأفران والمساجد تزامناً مع حملة التوعية للمدنيين من خلال لقاءات تجريها فرق الدفاع المدني والمدنيون لإطلاعهم على مخاطر فيروس كورونا فيما لو وصل إلى المخيمات والمدن والمناطق المأهولة بالسكان ضمن شعار ’خليك بالبيت‘”، ويضيف: “قمنا بتعقيم أكثر من 100 مسجد بالإضافة إلى تعقيم 40 حديقة وروضة أطفال بالتزامن مع حملة تعقيم متواصلة بدأت باستهداف المخيمات على نطاق واسع بالتنسيق والتعاون مع مديرية صحة إدلب ومديرية الصحة التركية.”

وأشار إلى أن هناك تواصلاً مستمراً بين إدارة الدفاع المدني في الشمال السوري وبين المنظمات العالمية لاستجرار الكميات الكافية من المواد المعقمة، لمواصلة حملات التعقيم في المخيمات وغيرها من المناطق المأهولة بالسكان للوقاية من مخاطر انتشار فيروس كورونا بين الناس .

الدكتور عارف أبو كرش المنسق الطبي في جمعية عطاء للإغاثة والتنمية قال: إ”منذ انتشار فيروس كورونا في عدد من دول العالم وخطره على الإنسان بدأت جمعية عطاء وعدد من المنظمات بإطلاق حملة توعية للتعريف بهذا الوباء العالمي وطرق الوقاية منه.”

ويضيف أنه تم استهداف 30 مخيماً على الحدود السورية التركية بحملات توعية رافقتها حملة تعقيم للخيام والكرفانات للنازحين والمدارس والمساجد المنتشرة في المخيمات، وتوزيع الكمامات الوقائية مع مواصلة فرق الإرشاد تقديم النصائح والتعليمات الوقائية ضد خطر انتشار فيروس كورونا.

ولفت إلى أنه تم إنشاء عدة خيام مجهزة طبياً لعزل المشتبه بهم بالإصابة بفيروس كورونا ونقلهم إلى مراكز مختصة لتلقي العلاج من جهة ومن جهة ثانية الحد من انتشار الفيروس فيما لو وصل إلى مخيمات النازحين.

دعوات إلى فض التجمعات والتزام الخيام والمنازل
الدكتور عبدالحكيم رمضان منسق الصحة العامة في مديرية صحة إدلب قال: “قمنا وعدد من الأطباء والنشطاء في إدلب والمخيمات بدعوة المدنيين لفض التجمعات وعدم الاختلاط والتزام الخيام خلال الفترة القادمة تجنباً لوصول فيروس كورونا إلى المخيمات، وبالتالي لا يمكن السيطرة عليه بشكل سريع وذلك لعدة أسباب وأهمها طبيعة إنشاء المخيمات المزدحمة وتلاصق الخيام بعضها ببعض، وعدم توفر الفسحات المطلوبة لتوفير شروط عدم الاختلاط، وكذلك الأمر بالنسبة للأسواق والبازارات.”

ويضيف: “قمنا ببعض التجهيزات الطبية المتواضعة لمواجهة فيروس كورونا في عدد من المشافي والمراكز الطبية في شمال غرب سوريا، كمبادرات من المديريات وبعض المنظمات، رغم ضعف الامكانيات، ريثما يتم تنفيذ الأنشطة الخاصة بخطة الصحة العالمية، وبإنتظار الكيتات الخاصة لتحليل وفحص العينات المشتبة بإصابتها بالفيروس ونتوقع وصولها خلال الأيام القادمة من تركيا”، ولفت إلى أنه، حتى الآن لم تسجل إي إصابة بفيروس كورونا بين المدنيين في شمال غرب سوريا.

الناشط عبد الكريم العلي قال: “يبلغ عدد مخيمات اللجوء في الشمال السوري 1275 مخيماً، ويقطنها نحو مليون و22 ألفاً من النازحين، منها 348 مخيماً عشوائياً وخياماً متراكمة، فضلاً عن أن عشرات المدن شمال غرب سوريا تكتظ بالمدنيين وجلهم من المهحرين والنازحين، وحتماً أمام هذه الأرقام المرعبة من البشر في ظل تفشي فيروس كورونا في كثير من بلدان العالم واقترابه من المخيمات بعد أن وصل إلى تركيا، يتطلب ذلك تضافر الجهود بين مختلف الفعاليات والكوادر الطبية والدفاع المدني والناشطين وتعاون المدنيين معها للتقيد بالتوصيات والإرشادات المتعلقة بالوقاية من خطر انتشار كورونا في المخيمات.”

عزل شخصي 
الحاج محمود السعيد نازح من مدينة حلفايا بريف حماة، على الحدود السورية التركية قال إن هواجس الخوف والقلق من انتشار كورونا في المخيمات دفعته مؤخراً إلى التفكير بالانتقال من المخيم الذي يقيم فيه إلى جانب أكثر من 1000 أسرة وخيمة وسط حالة من الازدحام، واللجوء إلى منطقة جبلية بعيدة عن المخيمات.

وقال: “أحاول الآن أن أشتري بعض اللوازم الحياتية من طحين ومواد تموينية بالإضافة إلى المؤن المتوفرة لدينا لتمكننا من العيش بعض الوقت بمعزل عن الناس، خوفاً من وصول فيروس كورونا وعدم تمكن الفرق الطبية من السيطرة عليه في أسرع وقت، لأحافظ على حياة أسرتي وأطفالي بعد أن أنقذتهم مرات عديدة من الموت بالبراميل المتفجرة والكلور السام وصواريخ النظام، ولا أريد أن يلحق بهم الأذى والموت إلى المخيمات بفيروس كورونا الذي بات يشكل رعباً لكل دول العالم وخاصة المتطورة علمياً وطبياً منها”.ويضيف: “أن هذا القرار ليس هو فقط من اتخذه فحسب، وإنما هناك عدد كبير من أقربائي وأصدقائي في المخيمات سيرحلون إلى الجبال لذات الهدف.”

ولفت إلى هواجس الخوف والقلق الذي خيم على قاطني المخيمات من “كورونا” وانتشاره بين النازحين ليس فقط بسبب الازدحام، وإنما أيضاً بسبب الخدمات الصحية الجماعية كالتواليتات والحمامات وخزانات مياه الشرب وطبعاً هذا يشكل خطر انتقال العدوى بسرعة.

Syria in a Week (9 – 16 March 2020)

Syria in a Week (9 – 16 March 2020)

The following is a selection by our editors of significant weekly developments in Syria. Depending on events, each issue will include anywhere from four to eight briefs. This series is produced in both Arabic and English in partnership between Salon Syria and Jadaliyya. Suggestions and blurbs may be sent to info@salonsyria.com.

Death, Destruction, and Displacement

14 March 2020

Nine years of a bloody and destructive war in Syria have left more than three hundred and eighty-four thousand people dead, including one hundred and sixteen thousand civilians. The civilian death toll includes twenty-two thousand children and thirteen thousand women, according to a report from the Syrian Observatory for Human Rights (SOHR) on the tenth anniversary of the conflict.

The war has triggered the largest humanitarian crisis since the second world war, according to the United Nations, with the displacement of more than half of the population inside and outside of the country. It also depleted the economy, resources, and infrastructure and caused a record fall in the value of the Syrian pound.

As for the non-civilian death toll, the SOHR documented the death of more than one hundred and twenty-nine thousand people from government forces and allied militants of Syrian and non-Syrian nationalities, half of whom are Syrian soldiers, in addition to one thousand six hundred and ninety-seven Hezbollah members, which has been openly fighting alongside Damascus since 2013.

According to the SOHR, the toll includes people whose death it was able to document as a result of bombardment during battles, but it does not include those who died as a result of torture in government detentions or those who went missing and kidnapped. This group is estimated to be around ninety-seven thousand people.

In addition to human casualties, the conflict left tremendous destruction, which the United Nations estimates around four hundred billion dollars.

Coronavirus Measures

13 March 2020

Syrian authorities on Friday declared a set of measures to reduce the possibility of a Coronavirus outbreak in the war-torn country which has not officially announced any infections, according to the official Syrian news agency SANA.

Parliamentary elections, which were scheduled for 13 April, have been postponed. After a cabinet meeting headed by Prime Minister Imad Khamis, the government announced the “suspension of universities, schools, and public and private vocational institutions starting from 14 March until 2 April.”

“All scientific, cultural, social, and sport activities will be suspended” the government announced, while prohibiting “hookahs in cafes and restaurants.”

SANA also said that the number of workers in the public sector will be reduced by forty per cent, while working hours will be limited to 9:00 to 2:00.

The Syrian government said that quarantine centers will be set up “with an average of two centers in each governorate,” according to SANA. Syria has not announced any Corona virus deaths or infections up to now.

The Syrian health minister affirmed on Friday that his country does not have any COVID-19, according to SANA.

Russian-Turkish Patrols

13 March 2020

Turkish and Russian officials on Friday agreed to conduct joint patrols in the Syrian governorate of Idlib on the weekend, said the Turkish Defense Minister Hulusi Akar after a fragile ceasefire in the last stronghold of Syrian militants.

A Russian military delegation has been in Ankara since Tuesday to work out the details of the ceasefire reached on 5 March in Moscow between the Turkish President Recep Tayyip Erdogan and his Russian counterpart Vladimir Putin.

The agreement provides for the establishment of a security corridor by dispatching Turkish-Russian patrols along the M4 highway in Idlib governorate, northwest of Syria.

Idlib has come intense bombardment by Syrian forces and Russian planes since December, leaving hundreds of civilian dead and forcing around a million people to flee toward the Turkish border.

Two Children a Day

12 March 2020

Shortly before the tenth anniversary of the war in Syria, the United Nations Children Fund (UNICEF) appealed to governments and public opinion not to abandon Syrian children. “Every ten hours, one child dies as a result of the war,” the organization said in a statement on Friday.

UNICEF estimates the number of children who cannot go to school because of the war to be around 8.2 million children, adding that many of them have never been to school.

In recent weeks, more than nine hundred thousand people were displaced in the Syrian governorate of Idlib, fleeing toward the Turkish border. Idlib is considered the last stronghold for Islamic militants who withdrew from other Syrian governorates.

In its statement, the UNICEF said that around sixty percent of the displaced were children, adding that they suffered from violence and extreme destitution on the front lines.

Mysterious Killing

12 March 2020

Twenty-six members of the Iraqi Popular Mobilization were killed in an airstrike east of Syria on Wednesday night, according to a new toll by the Syrian Observatory for Human Rights (SOHR), after an offensive that targeted the US-led coalition forces in Iraq which left a number of casualties and deaths.

The international coalition denied that it launched raids in Syria on Wednesday night, after the SOHR suggested that its planes targeted the Iraqi militants near the border town of Bou Kamal in the eastern countryside of Deir Azzor.

The airstrike came hours after the killing of two soldiers, an American and a British, and an American contractor as a result of a Katyusha missile attack that targeted the Iraqi al-Taji military base, which houses US soldiers, north of Baghdad.

This was the bloodiest attack against US interests in Iraq for many years. No one has claimed responsibility for the missile attack on the military base.

Caesar in Congress

11 March 2020

A Syrian military defector, who documented the violations of Syrian President Bashar al-Assad’s security apparatus, urged the US Congress during his testimony on Wednesday to ensure that the perpetrators would be held accountable.

The former military officer, who worked as a photographer in the Syrian army and has come to be known as “Caesar,” defected in 2014 and succeeded in smuggling fifty-five thousand pictures that document the brutal practices in government prisons during the suppression of the uprising in Syria.

In an unfamiliar site in the US congress, Caesar provided his testimony to the Foreign Relations Committee wearing an oversized hoodie. Attendees and the media were asked to turn of phones and cameras.

Caesar said that despite the risks he took, he has not achieved his objective of putting an end to the violations.

After a previous testimony to the US Senate in 2014, senators passed a draft law that carried his name which imposed financial sanctions on Syria, including the cessation of reconstruction aid until the perpetrators of brutal acts are brought to justice.

The draft imposed sanctions on companies that deal with al-Assad, including Russian companies, and was recently signed by President Donald Trump in December after deliberations in the congress that went on for years.

Caesar praised the law but called on the congress to make sure it is implemented.

Torture Crimes

10 March 2020

A German court said on Tuesday that for the first time in Germany two Syrians will be tried in April for charges of torture crimes committed in the prisons of Syrian President Bashar al-Assad.

The higher regional court in the city of Koblenz gave the green light to the trial brought forward by the federal general prosecution against two former members of the Syrian intelligence.

According to data from the European Center for Constitutional and Human Rights, this trial will be the first criminal trial of its kind in the world involving torture acts by the Syrian government.

Dividing Idlib

10 March 2020

Turkey’s military will patrol to the north of a security corridor being set up around a highway in northwest Syria’s Idlib governorate and Russian forces will patrol the southern side, Turkish Foreign Minister Mevlut Cavusoglu said on Tuesday.

Agreement on the corridor was part of a ceasefire deal reached by Turkey and Russia last week to halt a conflict in Idlib which displaced nearly a million people in three months and created the risk of a military clash between Turkey and Russia.

The deal cemented gains by Russian-backed Syrian forces over Turkish-backed rebels but stemmed the advances of Assad’s forces and eased Ankara’s greatest fear – an influx of more Syrian migrants to join the three and a half million Syrian refugees already in Turkey.