“اضطررت لأخذ جرعات وريدية مدعمة لتعوضني عن فقدان السوائل مرت أيام عصيبة، كانت إصابتي من النوع الشديد، ولو تأخرت في طلب العلاج كان يمكن أن يكلفني ذلك حياتي، بحسب ما قاله الأطباء لي بعد أن تعافيت”، يروي الشاب منصور ريحانة لـ “صالون سوريا” ماحدث معه مؤخراً عندما أصيب بالكوليرا في دمشق.
احتاج ريحانة لتطبيق البروتوكول العلاجي من الدرجة العليا، “وصلت المستشفى في حالة تجفاف خطير نتيجة إسهال لم يتوقف وأعراض إضافية، ما جعل حياتي عرضة للخطر” يضيف.
وعن تلك الأعراض يشرح أنّها كانت عبارة عن صداع وإقياء وآلام معوية متنوعة، إضافة للإسهال الشديد، قبل أن يسعفه أهله إلى المستشفى الذي أجرى له تحاليل فورية، ليصار إلى ادخاله لقسم العناية المخصص لهذا الغرض، وتم وضعه تحت المراقبة اللحظية حتى تم الاطمئنان على صحته.
حالة ريحانة هي واحدة من العديد من الحالات التي أصبح السوريون/ات يسمعون/ن عنها يومياً، وقد صار معروفاً أنّ الكوليرا قد انتشر فعلياً في سوريا، لكن الخلاف كان حول مدى انتشاره، لتدخل منظمة الصحة العالمية على الخط مؤكدةً انتشاره في 13 محافظة من أصل 14، وبأنّها فعلياً قد خصصت ملايين الدولارات لمواجهة الوباء.
المنظمة أكدت في بيانها أيضاً وجود أكثر من 13 ألف حاله اشتباه بالمرض، ويضاف إليها 60 حالة وفاة ناجمة عن الوباء في أكثر من محافظة.
وحتى نهاية الأسبوع الثاني من شهر تشرين الأول / أكتوبر من العام الجاري بلغ عدد الإصابات قرابة 825 حالة، في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة فقط، أما الوفيات فبلغت 40 وفية، وذلك بحسب بيانات ومعطيات وزارة الصحة، وهذه الأرقام تتعارض بصورة واضحة مع أرقام منظمة الصحة العالمية.
من يتحمل المسؤولية؟
الطبيب أحمد الزائر يشكك بالأرقام الرسمية لأكثر من اعتبار، أبرزها غياب دقة الملاحظة وإمكانية المسح الطبي الشامل في ظل ما تتعرض له سوريا من تدمير على أكثر من صعيد، وبالتأكيد فإنّ الصعيد الطبي هو ميدان من ميادين الصراع تلك، بحسب الطبيب.
يقول الزائر لـ”صالون سوريا”: “اتفق مع تصريح مدير دائرة الأمراض السارية والمزمنة الأخير بأنّ عدد الحالات المشتبه بإصابتها بالكوليرا كثيرة، وفي نفس الوقت لا اتهم الوزارة ولا امنحها صك البراءة، فهي تجود من الموجود، والدليل على غياب قدرتنا على المسح هو تدني أعداد مصابي كورونا في سوريا، قياساً بكل دول العالم، إضافة لوجود الكثير من العوامل المتداخلة، سواء في مناطق العشوائيات، أو الأرياف المحررة، أو خلافه من تلك المناطق التي يصعب تأمين مياه شرب نظيفة لها بسبب الواقع الحالي من دمار البنى التحتية الهائل”.
وكان مدير دائرة الأمراض السارية والمزمنة في وزارة الصحة قد أدلى مؤخراً بتصريح لوسيلة إعلام محلية أكد فيه كثرة الإصابات قائلاً إنّ المشكلة أنّها غير مشخصة، “إنما هي اضطرابات معوية نتيجة تغيرات الطقس واختلاف درجات الحرارة”، وأضاف “الحل الوحيد للوقاية من المرض هو الالتزام بسلوكيات الصحة العامة، وتناول طعام مأمون، وشرب مياه من مصدر آمن، وغسل اليدين جيداً”.
سالم اسم مستعار لطبيب في دمشق فضل عدم ذكر اسمه بعد أن بيّن لـ “صالون سوريا” شكوكه الكبيرة بآلية عمل وزارة الصحة ومنظومتها في كل المحافظات السورية، قائلاً: “في سوريا تتوافر كل العوامل المساعدة على انتشار الكوليرا بشراسة، ولكن الوزارة لا تذكر الأرقام الحقيقية، كما درجت العادة، ببساطة كيف يمكن أن تكون مصادر مياه الشرب في المناطق الشرقية والشمالية ملوثة وتحمل الوباء ويكون هذا العدد فقط مصاباً”، ليختتم حديثه ساخراً: “أم أنّ الوزارة تظن الناس جميعهم يشترون المياه الصحية المعبأة للشرب؟”.
يرى بدوره المهندس مازن الجرف أنّ وزارة الصحة تقع تحت احتمالين اليوم، “إما هي عاجزة عن المسح، أو أنّها تعلم وتخفي الأرقام الحقيقية، وفي الحالتين الأمر كارثي”.
ويتفق الأكاديمي صلاح مؤنس مع الجرف في خطورة عدم معرفة أو عدم الإعلان عن حقيقة أرقام الإصابة، ويقول: “وزارة الصحة لن تنسلخ عن الحكومة بطبيعة الحال، وهذه الحكومة لن تنسلخ عن طبيعة عمل سابقاتها، في الهرب إلى الأمام من المشاكل، ومحاولة التنصل من المسؤولية، وعلاوةً على ذلك محاولة إبراز قدرة قد تكون وهمية على التصدي للمخاطر في مختلف جوانب حياة السوريين”.
ويختلف الحقوقي ساري بيرقدار مع تلك النظرية التي تحمل وزارة الصحة المسؤولية وتتهمها بالتقصير أو إخفاء الأرقام، ويقول لـ “صالون سوريا”: “ليس قليلاً ما مرّ على سوريا في هذه السنوات العجاف، القطاع الصحي مدمر ومحطم والنهوض به يحتاج سنيناً طويلاً وتظافراً محلياً ودعماً دولياً، فأن تتمكن الوزارة من علاج حالات الكوليرا في مستشفياتنا المحلية، فهذا إنجاز، وإنجاز كبير صدقاً”.
الأسباب
السبب الأبرز لانتشار الكوليرا المطرد في سوريا يعود لمياه الشرب الملوثة والتي تلوثت لأسباب عدة، أبرزها الدمار الهائل في البنية التحتية في سوريا، ما سمح لبعض خطوط الصرف الصحي أن تتسرب وتجد طريقها للاختلاط بالمياه النظيفة، وفوق ذلك سقاية بعض المزارعين خضرواتهم بتلك المياه الملوثة، كما حصل خلال الفترة الماضية في غوطة دمشق، وإلى جانب ذلك فإن تلوث مكعبات الثلج المستخدمة في الحالات الطبيعية لعب دوراً في الأمر.
في الشمال يُضاف لهذه الأسباب انخفاض منسوب نهر الفرات ونهر “قويق” بحيث تتحول المساحات المائية لمستوعب رئيسي للجراثيم، بسبب تحولها إلى مصب لمجاري الصرف الصحي، خصوصاً بعد توقف محطة تنقية مياه الصرف في منطقة الراموسة بحلب عن العمل، حيث يعتبر النهر المصدر المائي الوحيد لريّ الأراضي الزراعية لقرى منطقة ريف حلب الجنوبي. وفوق ذلك ضعف القدرة على تأمين الوقود لتشغيل محطات الطاقة الضرورية لإتمام عملية جرّ المياه وتأمينها.
كل ذلك دفع الأهالي –مكرهين- للاعتماد على مصادر مياه بديلة وغير مأمونة، ولا زالوا حتى الآن يعتمدون عليها في ظل غياب الحلول الجذرية.
ومن الجدير ذكره أنّ نحو نصف السكان في سوريا يعتمدون على مصادر بديلة تكون غالبا غير آمنة لتلبية أو استكمال احتياجاتهم من المياه، بينما لا تتم معالجة 70% على الأقل من مياه الصرف الصحي، وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف).
وكانت قد أعلنت مديرية زراعة ريف دمشق في وقت سابق عن اتلاف محاصيل زراعية بمناطق عدة لمخالفات السقاية بمياه الصرف الصحي للمزروعات.
وقد قدرت الكميات المتلفة بالغوطة الشرقية وحدها بـ 45 دونم مزروعة بمحاصيل صيفية َمثل (باذنجان – فليفلة – ملوخية – سبانخ – بامية – كوسا – خيار).
وفي الكسوة فقد قدرت بحوالي 46 دونم مزروعة بمحاصيل صيفية (باذنجان . كوسا – بامية – ملوخية – بامية، و ذرة ودوار الشمس).
وكذلك صدر تعميم فوري من وزارة الصحة للمطاعم بالامتناع عن تقديم جميع أنواع الخضراوات الورقية ضمن المطاعم ولدى بائعي الساندويش تحت طائلة الإغلاق بسبب كونها عاملاً مساعداً في انتقال الكوليرا.
الحماية
لا تحدث اعراض سريرية واضحة لدى القسم الأكبر من المصابين، بينما يظهر المرض متوسط الشدة لدى 80 بالمئة ممن تظهر لديهم الأعراض المعروفة، و20 بالمئة منهم تتطور الحالة لديه مسببةً الوفاة ما لم يتم تدارك الوضع والمعالجة الوريدية الفورية.
وحول العلاج فإنّ معظم الحالات تشفى باستخدام أملاح الإماهة الفموية، بينما تعالج الحالات الشديدة في المستشفى، ويمكن تحضير محاليل الإماهة في المنزل كخطوة إسعافية ريثما يتم تأمين الوصول إلى المستشفى، وتحضير المحلول يكون عبر استخدام نصف ملعقة صغيرة من ملح الطعام، مع ست ملاعق من السكر، وواحد ليتر ماء نظيف.
وللوقاية يجب على الأشخاص السليمين تجنب مخالطة الأشخاص المصابين، واستخدام مياه نظيفة للشرب، وغسل اليدين جيداً، والأهم الإسعاف الفوري لأي مصاب حالته شديدة.
كانت الطفلة تُجاهد حتى تبقى واقفة على قدميها بعد أن أعياها الجوع، أوقفت الشاب عدنان ز، وقالت له “حباب، الله يخليك اشتريلي صندويشة، وبعطيك الي بدك ياه”، يروي الشاب عدنان لـ”صالون سوريا”، مضيفاً “نهرتُها، وأشحت بوجهي عنها وأنا أتمتم, روحي عمو الله يعطيكي ويستر عليكي”. انفجر طوفانُ دمعٍ من مقلتيها لتنتهي الحكاية بمشهد جسد صغير يهوي فوق “جسر الرئيس” وسط العاصمة دمشق.
لم يتعرف أحد على الطفلة، ولم يعرف اسمها أحد، عاشت وماتت مجهولة.
سرديات الانتحار السوري
تتوالى اخبار الانتحار، من صبيةٍ رمت بنفسها من على شرفة منزلها في الطابق السادس بمنطقة الحمراء في دمشق، ورجل كبير بالسن وضع حدٍ لحياته بإلقاء نفسه من إحدى نوافذ مستشفى المواساة وهو عارٍ كما ولدته أمه. مراهقان انتحرا بتفجير قنبلة يدوية، وصبيةٌ انتحرت بعد أن قتل أخوها، الشاب الذي أحبها وأحبته. فما الذي أوصل السوريين لهذه الحال؟
الحرب، يقول الباحث في علم الاجتماع السياسي زياد موسى لـ”صالون سوريا” مضيفاً: “في هذه البلاد التي تعصف بها الحرب تتزايد حالات الانتحار، فالمشافي في سوريا باتت تصلها بشكلٍ منتظم أجسادٌ محطمة لأشخاص حاولوا الانتحار”، وتتنافس حكايا المنتحرين/ات في القهر، ومن أقساها تلك التي أنهى فيها وائل أيوب وصديقه محمود أبو حسون وهما في الـ 17 و18 من العمر حياتهما أمام كاميرا الموبايل، صرخ الشابان: “سئمنا الحياة، سامحونا، أحزناكم كثيرا، ظروف حياتنا تسوء يوماً بعد الآخر، ليس لدينا الحق لنعيش”.
نعى المراهقان نفسيهما، قبل أن يخلعا مسمار الأمان من قنبلةٍ يدويةٍ كانا يحملانها، ليُقدما على الانتحار في حديقة الفيحاء بالسويداء، تاركين فيديو لعائلتيهما ورفاقهما.
في السويداء أيضاً وضع الشاب راغد سيف ذو الـ20 عاما حدا لحياته بتفجير نفسه بقنبلة لأنه لم يتمكن من الارتباط بمن يحب نتيجة الفقر، وفي حماة أقدم الشاب يزن كيوان من بلدة سلحب على قتل نفسه برصاصة في الرأس بعد أن أجهز على الشابة ساندي التي رفضت الزواج به، وفي اللاذقية انتحر الشاب طارق علي بإلقاء نفسه من على سطح مستشفى تشرين في المدينة، وفي دمشق انتحر الخمسيني حكمت علي بعد أن قتل مدير توزيع الغاز في منطقة نهر عيشة جنوب دمشق إثر غلاء سعر أسطوانة الغاز.
وصلت حالات الانتحار لذروتها في العام 2020 لتسجل 197 حالة، بحسب مدير عام الهيئة العامة للطب الشرعي في سوريا الدكتور زاهر حجو، وأحصت الهيئة بحسب آخر الأرقام المتوفرة، منذ بداية العام 2022 وحتى الأول من آب الماضي، 101 حالة انتحار، 24 بالمئة منها لنساء و17 بالمئة لأطفال.
احتلت محافظة حلب المرتبة الأولى في تعداد المنتحرين بـ28 حالة، بينما جاءت محافظة ريف دمشق في المرتبة الثانية بتسجيل 21 حالة، ثم طرطوس بـ13 حالة، تلتها دمشق بـ11 حالة، ثم اللاذقية بـ9 حالات، والسويداء 7 حالات، فحماة 6 حالات، أما في مناطق سيطرة المعارضة شمال سوريا, فسُجلت منذ مطلع العام الحالي 31 حالة انتحار، بينها 11 طفلاً، و11 امرأة.
وبحسب ما كشفه الدكتور حجو، فإن محاولات الانتحار التي انتهت بالوفاة، تضمنت الانتحار بالشنق وهو الأكثر بواقع 60 حالة، والطلق الناري 21 حالة، وتناول مواد سامة 11 حالة والسقوط من على مرتفع 9 حالات، مؤكداً أن أعداد المنتحرين الحقيقية قد تتجاوز عشرة أضعاف ما يتم الإعلان عنه سنويا.
من جهته كشف مدير مستشفى ابن خلدون للأمراض النفسية في حلب الدكتور بسام الحايك لـ”صالون سوريا” عن إنقاذهم للغالبية العظمى من حالات الانتحار التي تصل لمستشفاهم أسبوعياً، مما يشير للعدد الكبير من المحاولات.
الأسباب
تقول الباحثة الاجتماعية غادة عبد الرحمن أن السوريين يعيشون ضمن ما يُعرف في علم النفس بمجتمع المخاطر، وهذا ما يجعلهم غير قادرين على استيعاب التسارع الرهيب للأحداث التي تحيط بهم وتدور حولهم.
وتضيف في حديثها لـ”صالون سوريا”: “الأسباب متعددة منها الهروب من جحيم الحرب، والظروف الاقتصادية والمعيشية، ونسب البطالة العالية، والقمع”، فيما يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي زياد موسى أن الأسباب السياسية بالدرجة الأولى هي التي أسهمت بشكل كبير في خلق ما ذكرته الباحثة غادة عبد الرحمن من أسباب.
في رسالة الوداع التي خطها محمد شرف 32 عاما قبل انتحاره كتب “إذا كنت لا أستطيع شراء اللباس المدرسي لأطفالي، إذاً لا معنى لحياتي”.
“لم أعرف يوماً معنى العناق، ولم يعانقني أحد بحياتي، فمنذ طفولتي وجدت نفسي بدون أم، ومجبرة على تلقي إهانات زوجة والدي، ثم الناس في الشارع. المكان الوحيد الذي عرفت فيه العناق هو هنا مع زميلاتي السجينات”، تقول أحلام المُقيمة في معهد خاص بالفتيات السجينات دون سن الثامنة عشرة بدمشق.
أحلام (اسم مستعار) بدأت قبل عدة شهور بتعلم اليوغا بفضل جهود متطوعات من “المركز السوري للتأمل واليوغا”، وبعد أن استغربت الأمر في البداية، وتعاملت معه بعدم اهتمام، عشقت تمارين اليوغا، وأصبحت تنتظر الحصة بفارغ الصبر.
تقول أحلام لـ”صالون سوريا”: “هذه الرياضة تدخل الراحة إلى قلبي، وتجعلني أنسى الكثير من اللحظات السيئة التي مررت بها، وأحلم بالاستمرار بها لو ساعدتني الظروف بذلك”، وعن علاقتها مع المدربات تؤكد أحلام بأنها تشعر بالأمان معهن، وبفضلهن تغير تعاملها مع المحيطين بها وأصبحت أكثر هدوءاً وقدرة على تحمل الآخرين.
علا زينة مدربة اليوغا المسؤولة في هذا المشروع تقول بأن البحث عن الفرص لمساعدة الاخرين دون توقف هو من فلسفة اليوغا وقوانينها، وتضيف “لأننا مؤمنات بالتغيير الذي تحققه ممارسة اليوغا، اتجه المركز لكل فئات المجتمع، وخاصة الأطفال والمراهقين، ووجودنا مع فتيات المعهد هو جزء من خدمات مركزنا، لأن هؤلاء الفتيات ضحايا المجتمع الذي ورطهن بمشاكل وجرائم أكبر منهن”.
وتختلف التهم وفترات الأحكام في المعهد المخصص للفتيات، ولكنهن جميهن يتشاركن المكان وأوقات الفراغ التي قررت متطوعات المركز ملء جزء منها بجلسة أسبوعية، تنتظرها العديد من الفتيات بشغف، وقد غير هذا الشغف شخصية فداء (اسم مستعار) التي توقفت عن إيذاء نفسها كما كانت تفعل بالسابق.
وتوضح علا بأن الأثر الذي تتركه دروسهم يعتبر فردي نوعا ما لعدم وجود ثبات بالأعداد، فكل اسبوع تقريبا يوجد فتيات جديدات، كما تغادر فتيات مقيمات، ولكن بشكل عام “الأثر موجود وجميل جداً” بحسب علا، فبعض الفتيات غيرن سلوكهن مع النفس، وإحداهن كانت تفكر بالانتحار في السابق لكنها عدلت عن ذلك، وأخرى كانت عنيفة في ردود أفعالها وبدلّت هذا، كما تعلمت الفتيات القيام بالتأمل مع بعضهن بمهاجعهن قبل النوم، إضافة لممارسة تمارين التنفس.
وتعمل المتطوعات على خطة تتضمن عدة محاور منها التنفس الذي يخلق تغييراً حقيقياً عن طريق التأثير بموجات الدماغ وتحويلها للموجات الأكثر هدوءاً، ما يوفر راحة لكل من الدماغ والجملة العصبية، أما الفكرة الثانية في البرنامج، فهي التأمل.
وتشرح علا “أهمية هذه الخطوة هي مساعدة الدماغ على التخلص من الصدمات والنزعات، وبعد هاتين الخطوتين تأتي مرحلة التمارين الجسدية التي تريحهن من الألم والتعب، خاصة وأن هذا النشاط مترافق مع وجود مدربة يوغا اخصائية بالصحة العامة، تشرح لهن عن الغدد الهرمونية وافرازاتها، وكيف يمكنهن مع التنفس والحركات التحكم بأجسادهن، كما تقدم لهن شرحاً عن خلايا الدماغ وتأثير الأوكسجين على صحة الخلايا وصحة الجهاز العصبي”.
ويُقدّم البرنامج للفتيات أسئلة يومية لتتمكن من فهم أنفسهن مثل: “هل أنا عنيفة؟ كيف أرد عندما أغضب؟”، بحيث يراقبن ردود أفعالهن وحركاتهن وألفاظهن، “ومع التنفس تبدأ الأفكار السلبية بالمغادة بالتدريج، ومع الوقت يصلوا لفكرة أن بداخلهن سلام، ولهذا كرسنا مفهوم العناق، وعلمنا الفتيات معانقة أنفسهن وبعضهن” تقول علا.
ولتعزيز هذه النتيجة تأتي مرحلة “التوكيدات الإيجابية” تجاه أنفسهن أولاً، ثم تجاه الآخرين، فيتعلمن قول :”أنا لطيفة ودودة، أنا استحق الحب، أنا استحق ان اعتني بجسدي واحترمه”، كما يتعلمن خلق عادة ايجابية ونوايا ايجابية جديدة تجاه أنفسهن، أما الخطوة الأخيرة في النشاط فهي العمل الجماعي، من خلال جمعهن بألعاب وحوارات ونشاطات مثل تحضير الطعام وغيرها.
تتردد سيدتين إلى أحد محلات الملابس المستعملة (البالة) لشراء ملابس قطنية ممزقة وخرق مهترئة بأسعار رخيصة لإعادة حياكتها واستعمالها، فالسيدة الأولى تستخدمها كفوط لوالدتها المقعدة، وذلك بعد غلاء سعر فوط الكبار عدة أضعاف، فسعر الكيلو منها وصل إلى 14 ألف ليرة سورية، بينما السيدة الثانية اقتنت كنزتين قطنيتين بسعر ألف ليرة سورية، لصنع فوط لابنها المصاب بالشلل الدماغي، ليقوم البائع بإعطائهما كنزتين إضافيتين مجانا، بعد أن رأف بحال المرأتين حالما علم بأوضاعهما الصعبة.
من جهتها تستخدم سماهر الاقمشة لصنع مفارش أرض مميزة مستعينة بموهبتها بالرسم، عن هذا تقول سماهر: “أشتري من جاري الخياط قطع قماش متناثرة ومجتزئة فاضت عن حاجته بثمن بخيس، أختار منها الألوان التي تناسب أثاث منزلي وأحرص على اختيار السميك منها لتمنحنا بعض الدفء في فصل الشتاء، أقوم في البداية برسم الشكل، ثم أجمع عدة قطع بألوان مختلفة، وأحيكها جيدا”.
بدائل المشروبات الأساسية
استعانت نهى (28 عاماً) بنواة التمر لصنع القهوة فهي غير قادرة بدء يومها بدون هذا المشروب المنشط وقد ازداد سعره لحد كبير فلم يعد باستطاعتها شراءه، تقول نهى لـ”صالون سوريا”: “استهلك كيلين من البن خلال الشهر، كنت سابقا اخصص ميزانية لهذا المشروب، لكني لم أعد أستطيع تكبد نفقاته بسبب تغير سلم الأولويات، كشراء المازوت للتدفئة في شتاء، إلى جانب أجرة المنزل”، وتتابع حديثها:” كنت قد شاهدت في إحدى المرات على اليوتيوب طريقة تحضير القهوة من نواة التمر، فقررت إتباعها، وأعجبني طعمها، صحيح أن البن أشهى، لكنه لذيذ أيضا ويفي بالغرض، المهم أريد ما يبقيني يقظة خلال العمل والدراسة”.
تشارك الناشطة النسوية سلوى زكزك عبر صفحتها على “الفييس بوك” نصائحها في تأمين البدائل والتحايل على الغلاء بمواد أقل كلفة، فالسيدة استبدلت مع صديقاتها مشروب “المتة” بدزينة من الزهورات والأعشاب الطبيعية، كتبت زكزك في منشورها “اليوم حضرنا تحويجة متة جديدة لأنو ارتفع سعرها وريحتها مو طيبة وعم تمصل، زعتر نوعين، ونعناع نوعين، وميرمية وورق غار، وعطرة وشمرا وزنجبيل وقرنفل مطحون، ويلي ما عندو ضغط يحط أكليل الجبل، نرحب بأية إضافات أو ملاحظات طبية أو تتعلق بالنكهة والطعم”.
سائل الجلي كبديل لمنظف الشعر
نسفت جانسيت مستحضر تنظيف الشعر “الشامبو” من قائمة المشتريات الشهرية، لتستبدلها بسائل الجلي، حيث حرصت على شرائه مصنوع من مواد طبيعية لتضمن عدم تلف شعرها ، توضح جانسيت” طبيعة شعري دهنية، فأحتاج إلى غسله يوميا، فارتأيت تقليص النفقات وشراء سائل جلي طبيعي غير مضر من سيدة تعمل في صنع المنتجات المنزلية الطبيعية”.
من جهتها تعاني أم نور من سوء المياه في جديدة عرطوز بريف دمشق، فهي غالبا ملوثة ولا تصلح للاستخدام البشري، فاستعانت بالطريقة التقليدية لتنقيتها، تقول :” تسببت المياه بتسمم العديد من السكان هنا، ولا قدرة مادية لي لشراء غالونات مياه معقمة، فأقوم بغلي المياه ليلا عندما تكون الكهرباء متوفرة، ثم أبردها وأقوم بتعبئتها وحفظها في البراد، أخشى على أطفالي من التسمم ودخول المستشفيات الحكومية غير الآمنة”.
الزيت مقابل الدواء
تدخل سيدة أربعينية إلى إحدى الصيدليات ممسكة بيدها ليترين من زيت الزيتون الأصلي، تقدمه للصيدلي، ليناولها علبتين دواء القلب، خاتما حديثه معها “يسلم ايديكي”، سألته عن التفاصيل، فقال لي “السيدة لا تملك المال الكافي لشراء الدواء لزوجها المصاب باحتشاء عضلة القلب، فقايضتني بلترين من زيت الزيتون الصافي حصلت عليه من بستان زوجها الذين اعتادوا زراعته وبيعه كمصدر للدخل، الله يعين الناس”.
أما أم جبير فقد خبأت نصف ليتر من زيت الزيتون منذ العام الماضي بصبر عن أعين طفليها المتطفلة، إيذانا لاستخدامه عند افتتاح المدارس وتحضير السندويشات لطفليها، تقول:” أقوم بخداع ولدي عبر خلط ليتر كامل من المياه مع الزيت ليتماهى العنصرين مع بعضهما البعض، هكذا أحصل على كمية أكبر من الزيت، صحيح أنه سيكون لزجا وخفيفا وغير متماسك، لكن هذا أفضل من استخدام الماء لوحده، كما تفعل جارتي”.
صبغة شعر ببقايا القهوة
وجدت مها في بقايا القهوة حلا بديلاً لصبغ شعرها، فشعرها طويل وقد أصبحت العناية به مكلفة، حتى أنها تخلت عن قصّه بين الفينة والآخرى، وقررت الاعتماد على دقة ملاحظتها في قص شعرها بنفسها، تقول مها :” سمعت سيدة في البزورية تتحدث عن طريقة استعمال رواسب القهوة والشاي الأسود لصبغ الشعر، فاستفسرت منها أكثر عن الطريقة وجربتها، صنعت نقيع من العنصرين إلى جانب قشر الجوز وملعقة من زيت الزيتون ووضعته على شعري لساعات طويلة، أعجبتني النتيجة وهي غير مكلفة، فسأواظب عليها”.
استثمار في الفوارغ البلاستيكية
تتبنى أم طارق قاعدة ذهبية “لا ترم الأشياء، فسيأتي أوانها وتحتاجها لاحقاً”، فالفوارغ البلاستيكية والعلب المصنوعة من الورق المقوى لا تفلت من يدها وتدبيرها المنزلي الماهر، تقول لـ”صالون سوريا” :”استعمل فوارغ المنظفات وأعبئها بالزيت بعد تنظيفها جيدا، كما أقوم بإعادة تدوير الكراتين (الورق المقوى) وجمعها سوية لاستعملها كتعليقة للأقلام الجامعية والمدرسية لأطفالي”.
أما ريهانا فتقوم بإعادة تدوير الصناديق البلاستيكية، فراتبها يكفي فقط لأجرة الغرفة ونفقات الطعام ولا مجال للكماليات حسب قولها، “تقول:” أطلب من صاحب البقالية الاحتفاظ ببعض السحارات، لأغلفها بقطع قماش ملونة من ملابسي التي لم تعد تصلح للاستخدام، وأضع مستلزماتي الخاصة ومستحضرات التجميل وطلاء الأظافر”.
“بخوف سألتني ابنة أختي الصغيرة همساً عندما جاءنا أحد الأشخاص باحثا عن سقف يؤويه: خالتو هاد من عنا؟!.. ما خطر ببالي يوما بأني سأتعرض لهكذا سؤال من طفل أو طفلة” تقول نيرمين محمد لـ”صالون سوريا”، وتتابع: “نزل سؤالُ الصغيرة على رأسي كصاعقة، أجبتها: إي خالتو هاد سوري، لم تقتنع، عاجلتني بعبارةٍ أخرى، قالت: بس بابا قال ما بدنا نأجر حدا مو من عنا”.
أخذتني كلمات نوارة بعيدا، لَحِظَتْ نيرمين ذلك، وعندما اصطدمت عيناي بعينيها، طأطأت رأسها أمامي خجلاً، وعادت لتحدثني “مازالت ابنة أختي في حيرة من أمرها تبحث عن أي معالم لهوية أو انتماء”.
تقول أسما التي نزحت من دير الزور، عن دمشق: “هذه المدينة منحتني الأمان بفترات كنت كتير بحاجتو، لكنها اليوم تلفظني لأني من الطائفة التي بدأت بـ(الشي)”.
تعيش أسما في حي المزة 86 وعنه تقول “كل المفاتيح هناك في الحي بيد العلويين، فصوتهم أعلى وامتيازاتهم أكبر، ودائما ما تُحسم أي مشكلة لشبابهم، ولا أعتقد أن هذا سيتغير في المستقبل، نحنا مكسور جناحنا.. فينا نعيش هون طالما نحنا أوادم”.
تغيير وجه دمشق
بجولة طويلة بين أحياء دمشق المختلفة٬ مشيت في الشوارع التي أعرفها وتعرفني، تحدثت مع قاطنين أصولهم من هنا، ومع وافدين قُدامي وجدد، عبر حكاياهم وما تحمله أرواحهم من انطباعاتٍ عن المدينة٬ حاولت رصد ماهية الأرض المشتركة التي تجمعهم أو تفرقهم٬ ما ملامحها كما يصفونها٬ وما إذا كانت هناك مساحة لانتمائهم لها أم لا.
كانت دمشق الممتلئة حُبا وصخبا وضجيجا وكذبا من يوم إنشائها ملجأ لكل المظلومين والمساكين والفقراء والمطرودين، أما اليوم فهناك وضعٌ جديد يُرسم على الأرض، وهو ما يحذر منه الباحث في علم الاجتماع السياسي فايز عدنان في حديثه لـ”صالون سوريا”، يؤكد فايز: “أن محاولات حثيثة تتم لإفراغ العاصمة السورية وما حولها من طائفةٍ بعينها، فقبل سنوات من الآن وتحديدا قبل اندلاع الحرب السورية كان من السهولة بمكان أن تجد مكانا يؤويك في دمشق أيا كانت منطقتك أو طائفتك، في تلك الأيام لم تكن بحاجة لأكثر من ورقة ممهورة باسمك وباسم صاحب العقار لتستأجر منزلا في العاصمة. أما اليوم فتشابكت الأمور كَكُرَة صوف مع تزايد الحاجة للمنازل في قلب دمشق الذي يشهد اختناقاً سكانياً وانتشار الخوف بين مكونات المجتمع السوري، ناهيكم عن العراقيل الأمنية التي توضع في وجه الباحثين من طائفةٍ أو مناطق معينة عن مسكن يُظلهُم تحت سقفه، ويزيد من الوضع مأساوية ما تقوم به المكاتب العقارية من تأجير البيوت وفق خريطةٍ طائفية”.
يتابع فايز عدنان حديثه قائلا: “يُمنع السَكَن مثالا لا حصرا في عش الورور, وهي منطقة تقع على أحد سفوح جبال قاسيون مُطِلة على منطقة برزة، إلا لمواليدها أو العاملين بها أو المالكين لعقاراتٍ فيها، كما يُمنع أيضا تجديد إيجار السكن في بعض المناطق الدمشقية كحي (المزة 86)، إلا للعلويين والشيعة وبعض الحالات الخاصة الأخرى”.
قدرٌ اختير لنا
في “الكيكية” على سفح قاسيون استقر سامر العشا في منزلٍ مستأجر هو عبارة عن غرفة صغيرة لا يصلها ماء ولا تُنيرها كهرباء، سامر النازح من الحجر الأسود جنوب العاصمة دمشق ما كان قادراً برغم ما عرضه من مال على تأمين منزل له ولأسرته في حي “المزة 86” الرخيص نسبيا مُقارنة بالمناطق المنظمة في العاصمة دمشق كحي “ركن الدين” الذي يصل فيه بدل الإيجار لمنزل تبلغ مساحته 120 متراً حوالي الـ600 ألف ليرة سورية شهريا، والسبب هو “طائفته.”
يروي سامر حكايته لـ”صالون سوريا”: “قالها السمسار لي علناً، لن تجد من يؤجرك منزله مهما دفعت من مال، فأنت غريب عن تركيبة الحي الطائفية للسكان، وقعت كلماته عليَّ كزلزال، زَعَقتُ في وجهه، يا أخي أنا لست إرهابياً ولا مطلوباً، فلماذا لا استطيع السكن وسط دمشق؟”.
وفي حي باب توما الدمشقي، تتحفظ نجاح طنوس، وهي صاحبة منزل في الحي الذي تسكنه غالبية مسيحية، عن استقبال بعض المستأجرين، تقول: “ما بدي مشاكل، أخوتنا المسلمين عالعين والراس، لكنهم سيسببون المتاعب لي، وأنا لا أريد أي متاعب، هم أخوتنا ولم نكن نميز، لكن اليوم الحذر واجب”.
ويرى الباحث الاجتماعي فايز عدنان: “أن النزعة الطائفية التي يلمسها أي شخص في مناطق كعش الورور والمزة 86 ذات الغالبية العلوية، عند بعض السكان بعد الحرب هي نتيجة استفزاز الهوية المُعرَضة للخطر”.
ليست الطائفية وحدها مشكلة في السعي لاستئجار منزل في دمشق، بل المناطقية أيضاً. عمار الشيخ بكري نازح من “كفر بطنا”، وسمه أهل المنطقة بالـ”عوايني” أي جاسوس النظام، فخرج منها، إلا أن تعاونه مع الدولة لم يشفع له عند السماسرة وأصحاب العقارات في حي “المزة 86” العشوائي.
فالجهة الأمنية المشرفة على المنطقة “المخابرات العامة” والتي قصدها تباعا لثلاث مرات متتاليات بصحبة ثلاثة من أصحاب المنازل التي حاول استئجارها في الحي، أخضعته “لسلسلة من الإهانات” بحسب قوله.
في النهاية رفضت المخابرات بعد الاطلاع على بطاقة عمار الشخصية منحه الموافقة الأمنية اللازمة لتوقيع عقد الإيجار، والسبب انتمائه لمنطقة تعتبرها دمشق حاضنة شعبية للمعارضة السورية المسلحة، و بات واضحا أنه في منطقة “المزة 86″، يستحيل أن يسكن من هو قادم من الغوطة الدمشقية.
الموافقات الأمنية تعزز الانقاسامات
يقول المحامي وسام طه لـ”صالون سوريا”: “إن عمليات إيجار البيوت والعقارات في مناطق النظام، تخضع إلى رقابة أمنيّة مشددة، إذ تفرض السلطات على المستأجر والمؤجر مراجعة مقارها الأمنية والحصول على موافقة خطيّة، قبل إبرام العقود أو عند تجديدها”.. وصدرت في عام 2014 أوامر أمنية تمنع منعا باتا الموافقة على تأجير منزل أو غرفة في دمشق دون الحصول مسبقا على الموافقة الأمنية.
ويقتضي الحصول على الموافقة الأمنية، أن يذهب المواطن ويملأ استمارة تفصيلية عن وضعه وعائلته وعمله وتوجهه السياسي، قبل أن يجري تصديقها من البلدية المعنية في المنطقة المراد السكن فيها، وانتظار أسبوع إلى 15 يوماً بل وربما شهراً ريثما تصل الأوامر بالموافقة أو الرفض. يأتي ذلك في ظل تشديد النظام السوري الإجراءات الأمنية في العاصمة خوفا من تسلل عناصر المعارضة.
يُتابع المحامي وسام حديثه بالقول: “يُنفّذ هذا الإجراء بصرامة خصوصا في العاصمة دمشق ومحافظة حلب، ويبدو أن النازحين من المناطق التي شكلت بيئة حاضنة لمعارضة النظام هم الأقل حظاً في الحصول على الموافقة”.
لا يواجه سماسرة العقارات مشاكل كبيرة في الحصول على الموافقة الأمنية إن كان المستأجر فتاة، حتى لو كانت من طائفة مختلفة وفقاً لسومر سلوم، وهو صاحب مكتب عقارات في حي المزة 86، يقول السمسار لـ”صالون سوريا”: “يحتاج الرجال للحصول على الموافقة الأمنية لواسطة كبيرة، في الواقع نحن لا نستطيع توقع النتيجة دائماً ولكن طلبات عديدة تُرفض، بما فيها طلبات تجديد عقد الإيجار، وذلك لاعتبارات أمنية أو طائفية”.
يتابع السمسار سومر حديثه بالقول: “كنا نتحايل ونلتف على الأمر لمساعدة المستأجرين بتنظيم العقد باسم أحد نساء العائلة التي تريد استئجار أحد المنازل وتقديم تفاصيل هوية المرأة للجهة الأمنية لتسهيل الحصول على الموافقة وتوقيع العقد، لكن المشكلة المستجدة التي منعتنا من الاستمرار في هذه الحيلة هي المداهمات الشهرية والتفتيش الأمني الدقيق الذي باتت تقوم به الجهات المختصة بين حينٍ وحين للمكاتب العقارية، وبشكل عشوائي للمنازل المُستأجرة للاطلاع على بيانات وأسماء المستأجرين في تلك المنازل”.
يختلف البعض مع ما ذهب إليه سومر عن معاملة أمنية مختلفة للنساء، اذ تروي أم حسن وهي أم لخمسة أطفال ما عاينته في أحد المراكز الأمنية، تقول: “كان عناصر الأمن يعاملون الجميع بدونية وكأننا مُجرمون، أما النسوة اللواتي كن يتشحن بالجلابيب أو بالخمار فكان لهن نصيب الأسد من الإهانات”، وتُردف: “أن الضابط تحرّى عن اسمي واسم زوجي المتوفى بحادث سير، وكذلك عن اسم أبي وإخوتي وأمي وحتى جدي وجدتي، بعدها سألني الضابط عن حادثة زوجي الأمر الذي استغربته، قبل أن يطلب مني الإنصراف مصحوبةً بتحذير شديد من استضافة أياً كان في منزلي المُستأجر”.
فوبيا أصحاب العقارات الأمنية
يتملك الخوف أصحاب العقارات من عدم الامتثال للإجراءات الأمنية، فقد تم استدعاء عدد من أصحاب البيوت لفرع الأمن العسكري حتى أن بعضهم اعتُقل بتهمة إيواء مطلوبين
وفي هذا السياق يشير حيان علي، وهو مالك لأحد العقارات في “حي تشرين” الدمشقي، في حديثه لـ”صالون سوريا”: “لا يمكنني تحمل مسؤولية تأجير المنزل من دون الموافقة الأمنية، لا أحد مستعدٌ لتحمل مسؤولية وجود مطلوبين، أو حتى من يتعاطف مع المسلحين في منزله، هذه مسؤولية كبيرة”.
ويشير متطوع إغاثي في دمشق، يوسف بلاط (اسم مستعار) إلى أن “الجهات الأمنية تُعاقب عدداً كبيراً من المطلوبين لإجبارهم على تسليم أنفسهم من خلال اعتقال أقاربهم ممن يتوجهون إلى المقرات الأمنية للاستحصال على موافقة تخولهم استئجار منزل في العاصمة دمشق”، ويضيف: “حتى في مراكز الإيواء التي عملت فيها ومنها مركز الحرجلة في الريف الدمشقي، كان علينا كفرق إغاثية تقديم بيانات مفصلة عن النازحين إليها، وطرد بعض النازحين بالفعل بسبب خلفياتهم المناطقية وأحيانا الطائفية”.