فرق الموت الإنكشارية في الساحل السوري وجباله

فرق الموت الإنكشارية في الساحل السوري وجباله

يبدأ الرعب والترقب بعد موعد الإفطار مباشرة وهو الوقت الذي يقوم فيه المجاهدون بقرع أبواب البيوت وتفتيشها. الاتصالات بالأمن العام لم تُجد نفعاً. كان ردهم يأتي قاطعاً: ”لا نستطيع أن نفعل أي شيء معهم“. رصاصات تخترق النوافذ وتُهشّم البلور، أصوات مهدِّدة على مداخل الأبنية وفوهات بنادق تصعد الدرج في طريقها إلى القتل. وائل هرّب ابنه إلى بيت عائلة سنية تسكن في شقة تقع في طابق آخر. اقتحم خمسة مسلحين في منتصف الليل بيت حسين وملكة وسألوا إن كان يوجد شباب ثم طلبوا منهما أن يخرجا. مذعورين صعدا في ثياب النوم إلى الطابق الثاني، إلى بيت جيرانهم السنة. قرر المجاهدون الاستيلاء على البيت والإقامة فيه.

أحمد كان يرتجف وهو ينظر إلى ولديه والكلمات تخرج منه مختنقة ثم طلب إنهاء المكالمة قائلاً إنهم وصلوا إلى مدخل البناء ولا يستطيع مواصلة الحديث. طمأنني فيما بعد في رسالة نصية إنهم لم يدخلوا.  كانت ريم تترقبُ وهي تحتضن ابنتيها البابَ الذي يؤدي إلى النفق الأسود للموت. ثمة قصص كثيرة لأشخاص مجهولين لا يعرف أحد ما الـذي حدث لهم في لحظاتهم الأخيرة. بقيت جثامينهم النازفة كي تروي الحكاية التي ربما لن تجد من يرويها في الإعلام الجماهيري القائم على فبركة الأكاذيب قالت ريم وهي تبكي: ”إن القتلة يمتلكون الحكاية والشاشة والجمهور. سلحوا أنفسهم بتغطية إعلامية جاهزة لوصف جرائمهم على أنها معارك ضد فلول النظام“. 

تسرّبت صورٌ لمدينة جبلة كأنها صحراء، تماماً كما وصفها جهاديّ أجنبيّ تداول الإعلام الاجتماعي الفيديو الــذي صوّرهُ وهو يفتخر بدوره في تحويلها إلى صحراء. انتشر له أيضاً فيديو يقتل فيه شيخاً طاعناً في السن بالكلاشينكوف وهو راكب على الموتوسيكل مع إرهابي آخر. 

كان ديب طالب الثانوية يمشي هو وزميله في قريته ظاناً أنه بعيد عن مسرح الأحداث حين جاءت زخة الرصاص من نافذة سيارة قافلة المجاهدين. مرهج أقنع زوجته بالإسراع في مغادرة جبلة إلى قرية حميميم، حيث كان القتلة بانتظاره هناك. قُتل المئات، وثمة من يقول إن الآلاف قُتلوا، وأن عملية التوثيق تجري ولم نصل إلى رقم نهائي. سامية بكت على الهاتف: ”لا يوجد طعام ولا ماء ولا يمكن الخروج أو حتى التفكير بفتح الباب”. كانت هي وولداها، الطالب الجامعي والآخر من ذوي الاحتياجات الخاصة الذي يعي جيداً سبب ملامح الرعب على وجه أخيه وأمه، يجلسون على الأرض بعيداً عن النوافذ في الظلمة المطبقة. وائل سمع صراخ الجارة التي قُتلت هي وولداها. سمع الجميع الصراخ إلا أنهم لم يستطيعوا الخروج لإنقاذها أو مساعدتها. لم يكن أحد يقوى على فعل أي شيء. أيمن اتصل بصديقه السني وقال له تعال خذني إلى بيتك. حسين وملكة لجآ إلى بيت جارهما السني في الطابق العلوي ووائل هرّب ابنه كي يمكث مع عائلة سنية في الطابق السفلي. جهاديون سوريون وأجانب قادمون للذبح يجوبون شوارع المدينة فيما سوريون علويون يحتمون في منازل أصدقائهم وجيرانهم السنة.

قال أحمد في اتصال آخر: ”أفهم الآن إحساس الموت في الحرب، أفهم الموت تحت القصف، أعرف أن الموت يأتي مع صوت الهاون، مع احتمال سقوط البرميل المتفجر، مع انفجار اللغم، أفهم أن كل ما حدث في الشمال والشمال الشرقي يشحن بطارية هذا الموت هنا. لقد ارتكبتُ خطأ. في هذه اللحظة اكتملت في ذهني صورة معاناة السوريين الآخرين والجرائم الوحشية التي ارتكبها النظام بحقهم. كان يجب أن أكون أكثر شجاعة في إعلان تضامني معهم منذ بدأت أن عملية استهدافهم في العقد الماضي. كنت خائفاً، ولم أكن أفهم قوة التضامن الإنساني مع الآخر الذي دُفع دفعاً إلى التطرف. إلا أن قتل المدنيين ليس حلاً. لم أقاتل السوريين في إدلب ولن أفعل ذلك حتى ولو أجبرت عليه”. كان مروان بدوره غاضباً، لا يأتيه النوم في أنغولا ويمضي وقته كله على الهاتف كي يطمئن على أولاده صاباً جام غضبه على بشار الأسد وكيف أوصل الجميع إلى هذه اللحظة وعدّه المسؤول الأول عن الجرائم التي تُرتكب في سوريا. أضاف: ”إنهم يجلعوننا ندفع ثمن ما اقترفته أيدي غيرنا. لسنا حاضنة النظام كما يدّعون. إن الحاضنة التي ربت النظام هي إيران وروسيا والغرب والدول العربية النفطية. كانوا يمولون النظام ويدعمونه ولم نكن إلا أشخاصاً نبحث عن وظيفة إلا أننا لم نفهم أننا كنا جزءاً من آلة القمع الخادمة للأسدين. أفهم هذا الآن. إن الصدمات الوجودية تعمّق الوعي. لكن انظر إلى من يُقتلون، إنهم الأبرياء والفقراء الذين لا حول لهم ولا قوة بينما المجرمون الحقيقيون هربوا كلهم بمقتضى الصفقة التي غيرت اتجاه بوصلة البلد. إن الذين ارتكبوا الجرائم قاموا بتسوية وضعهم أو هربو ومن يدفع الثمن الآن هم الأبرياء والفقراء“.

  عزير، الذي قُتل صديقه الشاعر هو ووالداه أمام عيني الأم، قال: ”إن القتلة مهيؤون إيديولوجياً لارتكاب جرائمهم. ينظرون إلى الآخر ككافر وزنديق. صحيح أننا نستحق النقد على ما حدث لغيرنا من السوريين وعلى ضعف تضامننا معهم لكننا كنا خائفين من أجهزة الأمن مثلنا مثل غيرنا ولم نقبل بقتل السوريين. أخطأنا في أننا لم نرفع صوتنا عالياً لكن كثيرين منا عبّروا عن مواقفهم بكل رجولة وشرف. كان السوريون يرددون في بداية الثورة إن من يقتل شعبه خائن وهذا ما يحدث الآن، يظنون أنهم يقتلون كفاراً ومجرمين لكنهم في الحقيقة يقتلون أبناء شعبهم“.

لم يكن غسان مستسلماً للخوف مما يجري. قال: ”كنت أتوقع هذه اللحظة. ممارسات النظام السابق كلها تقود إلى المصائب. إن المشكلة تكمن أيضاً في الثقافة. تحتاج المرجعية التي تستند إليها عقلية الطوائف كلها في سوريا إلى تفكيك وتغيير. نحتاج إلى ثقافة جديدة مختلفة جذرياً تُبقي العقيدة أمراً بينك وبين ربك. إن العلة هي في النص المقدس وفي النص الثاني الذي تحدث عنه المفكر والباحث الجزائري محمد أركون والإيمان الأعمى بحرفية النصوص. نحتاج إلى ثقافة جديدة تسمح بالاختلاف وحرية الفكر وإلا فإن هذه المذبحة ستتكرر“.  لم يكن غسان خائفاً. كان يؤمن بالإنسان السوري وبقدرته على أن ينهض بسوريا مهما كانت الظروف. أضاف: ”إن الكهرباء مقطوعة والمياه مقطوعة والطعام مقطوع. الشيء الوحيد الذي يتدفق ويجرفنا هو الخوف من هذا القتل المجاني، أن تُقتل كحشرة مجرداً من إنسانيتك. أكيد أن القاتل الذي سيدخل بعد قليل لا يعرفني، ولا يعرف أفكاري، ولا يحاول التعرف عليها. بالنسبة له أنا كافر ولا أنتمي إلى أمة الإسلام. ثمة سرديات تُرضعه أفكاره وتغسل دماغه وتوجهه في اتجاه التطرف والنظرة الأحادية القائمة على المسبقات. إن ثمني رصاصة بالنسبة له وقد يدوس على وجهي ببوطه ويلتقط صورة سيلفي وقد يأمرني أن أنبح كالكلب أو أشهنق كالحمار وهو يركب فوق ظهري ثم يفرغ رصاص حقده في رأسي وصدري لأنه لا يعدّني إنساناً وكأنه بهذا قد أصلح البشرية”.

لم يتسن لي الحديث بالهاتف مع كثيرين كنت أريد أن أطمئن عليهم. الظلام حالك والبرد شديد وأشباح الخوف تجوب الشوارع حيث تجوس فرق الموت باحثة بين البيوت تمارس جرائم الإبادة الجماعية ونهب الممتلكات وحرقها في الساحل السوري وريفه. 

نجحتُ في الاتصال مع سمر. بكت على الهاتف. قالت: ”لست خائفة من الموت بل من هذه النظرة إليّ بوصفي لا أتمتع بهوية إنسانية، النظرة التي تجردني من صفتي الإنسانية وتشيطنني وتُلبسني هوية ليست لي، وتحمّلني أوزار الآخرين. بعد قليل ينتهي الإفطار. قد يكون دور بيتنا هو التالي“. أضافت: ”تنتمي فرق الموت إلى قوات صارت نظامية بعد حل الفصائل وتوحيدها في إطار وزارة الدفاع. سمعنا في البداية أن هذه القوات جاءت لنصرة الأمن العام الذي تعرض لهجوم من فلول النظام إلا أن هذه القوات التابعة لوزارة الدفاع جاءت كي تقوم ب ”غزوة“ جهادية تنسجم مع تقاليد القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية واقتحمت بيوت المدنيين العزّل ونفذت عمليات إعدام بدم بارد للأطفال والنساء والشيوخ والشباب حتى دون أن تحاول إخفاء ذلك بل صورته بالموبايلات وتركت الجثث مرمية في الشوارع أو في البيوت وأطلقت عبارات تجرد الضحايا من صفتها الإنسانية وتزيد من شيطنتها متوعدة بتحويل المدن والحواضر إلى صحارى. وما تزال قوافل فرق الموت تواصل عمليات القتل تحت حجة محاربة فلول النظام في إطار من الغموض الذي يلف تصريحات الحكومة التي حاولت في أحدث تصريحاتها تصوير المجازر في الساحل كرد فعل على ما حدث في الماضي كما لو أن في ذلك تبرير للجريمة وتشجيع عليها. لم تقم بإيقاف القتل وسحب المجرمين من المناطق التي تُمارس فيها الإبادة الجماعية كما لو أنها تتم تحت غطاء شرعي“. 

لم أتمكن من الاتصال صوتياً مع طارق لكنه كتب لي قائلاً: ”إن دوريات القتلة تتجول في شوارع جبلة واللاذقية وبانياس وطرطوس وريف مصياف.  يقتحم المجرمون البيوت بعد أن يتناولوا وجبة الإفطار. كان الرعب يخيم على السكان بعد موعد الإفطار الذي تحول إلى موعد مع عزرائيل.  وبعد أن يتم القتل تُسرق النقود والمصاغ والسيارة التي لا تمكن قيادتها أو نقلها تُحرق في أرضها، كما تم احتلال بعض البيوت وتحويلها إلى غرف عمليات كما حدث في جمعية سكن المعلمين في جبلة“. 

أضاف طارق: ”إن القتل ما يزال متواصلاً والقتلى يتساقطون في حي الرميلة وفي قرى كثيرة ولم يعمل أحد على وقف الإجرام“. 

أنور الذي غادر دمشق إلى الساحل بعد أن ضاقت سبل العيش في وجهه بعد تسريحه من المستشفى الذي كان يعمل فيه حدّثني عن الجوع وتوقف الرواتب وتسريح الموظفين والغضب الذي يعتمل في النفوس وكيف أن فرق القتل جاءت كي تُخرس الجميع. أضاف: ”إن في تصريحات المسؤولين السوريين تنصلاً واضحاً من إدانة الإبادة الجماعية الممنهجة ومن التعامل معها كجريمة ضد الإنسانية، ينظرون إليها كرد فعل مبررعلى ما حدث في الماضي، كما لو أنهم يشرّعون الانتقام خارج أطر القانون والعدالة الانتقالية. ولو أن من مارس فعل الانتقام كان من الناس العاديين لتفهمنا الأمر لكن من ارتكب جرائم الإبادة الجماعية قوة نظامية تابعة لوزارة الدفاع، من قوات النخبة، أو قوة انكشارية كما أود أن أسميها، مؤلفة من المتطرفين الأصوليين المرضى الذين يرون في قتل الآخر وفي التطهير العرقي طريقاً إلى الجنة. إن أحد مشائخهم قال بالحرف الواحد في خطبة مسجد في دمشق إنهم يريدون أرض الشام نقية من الأرجاس لأنها أرض المحشر التي لا يرسل الله إليها إلا خيرة خلقه. فمارأيك بهذه العنصرية الواضحة؟ إن تنصل المسؤولين من المجازر وخطب الجامع العنصرية والحملة الإعلامية التي يتواطأ فيها الكثير من الإعلاميين والمثقفين السوريين والعرب يعني أنهم أعطوا الضوء الأخضر لارتكابها. والدليل على ذلك أن القتل ما يزال متواصلاً في بعض المناطق وأنا أتحدث معك“.

يُحْرقُ قرباناً على مذبح البعل: زراعة التبغ في جبال الساحل السوريّ

يُحْرقُ قرباناً على مذبح البعل: زراعة التبغ في جبال الساحل السوريّ

مع بداية كل موسم جديد،  يفكِّر الفلاحون بتهيئة قطع صغيرة من الأرض متناثرة هنا وهناك في القرى الجبلية الساحليّة، من أجل زراعة شتلات التبغ استعداداً لتنميتها للحصول على موسم قد يُساعد هذه الطبقة الكادحة في مواجهة زوابع الفقر والجوع والحرمان.

     تبدأ العمليّة بفلاحة الأرض، إما بوساطة الحيوانات أو جرّار زراعي، ثم تترك إلى شهر آذار حيث تُوضع كميات من السماد الطبيعيّ على وجه الحصر؛ لأنَّ السماد الكيماوي يُفقد التبغ نكهته ومذاقه الفريد، وتتفاضل أنواع السماد الطبيعيّ فأفضل الأنواع هو “بعر الماعز” ثم “بعر الغنم” وأخيراً “روث الأبقار”. وترجع جودة بعر الماعز كسماد للتبغ؛ لأنَّ غذاء الماعز من الأشجار الجبليّة التي يكون بعضها عطراً، فتعطي فضلات الماعز شتلات التبغ غذاء ممتازاً، فتصبح أوراق النبات ناعمة وممتعة للمدخنين؛ ولذلك أصبحت تجارة السماد الطبيعيّ ناجحة إلى حدّ بعيد، نظراً إلى حيويتها وأهميتها في يتعلّق بزراعة التبغ.

    بعد أن يُفرش السماد الطبيعيّ على قطعة الأرض المُراد زراعتها في شهر آذار كما سبق القول، يقوم الفلاح بحراثة أرضه مرة أخرى من أجل أن يختلط السماد بالتربة على نحوٍ جيد، ويكون الفلاح قد جهّز ما يُسمّى باللغة الدارجة “المساكب”، وهي مكان من الأرض الزراعية يتراوح عرضه بين متر أو أكثر وطوله بين مترين أو أكثر، يقوم الفلاح بتكويم التراب فيه ليعلو فوق سطح التربة الطبيعية للأرض، ويبذر فيه بذور التبغ، ثم حينما تنمو الشتلات وتبلغ قدْراً معيناً من الحجم “يقلعها” من “المسكبة” ويزرعها في الأرض التي كان قد حضّرها مسبقاً في خطوط متلاحقة على امتداد الأرض، وتبعد عن بعضها بعضاً مسافات متناسبة، ويقوم الفلاح بسقاية التبغ والعناية به ومكافحته من الآفات على نحو مستمر، وإلا خسر موسمه.

     ولقد قال لي أحد المزارعين إنَّ حبّات البَرَد تساقطت مرة على حقله، فتلفت شتلات التبغ كلّها؛ ولكنه ابتسم ابتسامة ماكرة، وقال: لم يستطع الطقس العنيف أن يدفعني إلى اليأس، فقد وجدتُ حلّاً، إذ قمت بقصّ شتلات التبغ كلّها من على وجه الأرض، ثم عادت ونبتت من جديد، وكان موسمي منها من أفضل مواسمي على الإطلاق.

    حينما يأتي موسم قطاف أوراق التبغ في شهري تموز وآب يبدأ الفلاح هو وأسرته بقطفها ووضعها في سلال ثم نقلها إلى فسحة خاصة أمام منزل الأُسرة، يجلس بعد ذلك أفراد العائلة ويستخدم كلّ واحد منهم ما يُسمّى باللغة الدارجة “مِسَلَّة” وهي سيخ حديدي رقيق عرضه 1 سم وطوله 20 سم فيه ثقب من جهته الخلفيّة ومدبّب الرأس من جهته الأمامية مثل الإبرة، يوضع فيه خيط من القنّب ويُعقد ويتمّ شكّ أوراق التبغ بهذه “المِسلَّة”، ويُمرّر فيها خيط القنّب من رأس الورقة فتتخاصر الأوراق على الخيط، وتُراعى في عملية الشك أمور منها حجم الأوراق، فالأوراق القريبة الحجم من بعضها بعضاً تُشك في خيط واحد، وتستمر العمليّة حتى ينتهي استيعاب الخيط، ويتراوح طوله بين المتر أو المترين أحياناً. ومن هنا جاء اسم أحد أجود أنواع التبغ في سوريا وهو “شَكّ البنت”. إذ كانت البنات في القرى يساعدن أهاليهن على شك هذا النوع وهو المعروف أيضاً باسم التبغ البلدي؛ ولكن غلب عليه هذا الاسم الجميل “شك البنت”.

     بعد أن تنتهي عملية شك أوراق التبغ وهي عملية مرهقة تستمر عدّة أيام، إذ إنَّ الفلاح لا يقطف الأوراق دفعة واحدة بسبب تفاوت نضوجها، فما يجب قطافه هو الأوراق التي أصبح لونها أصفر؛ أما الأوراق الخضراء، فتُترك إلى حين إصفرارها ثم تقطف. إذن، بعد أن تنتهي عملية شك الأوراق تُنقل خيوط التبغ، أي الخيوط التي تمَّ تعليق أوراق التبغ عليها إلى الخارج من أجل تعريضها لأشعة الشمس: فإما أن تُسطَح على الأرض ويتم تقليبها كلَّ يوم أو أو تعلّق بطرق مختلفة فوق الأرض، أو أن تُدلّى من أغصان الأشجار بحيث يشملها الظل، وهذه هي الطريقة الأفضل كما قال أحد المزارعين، وتبقى الأوراق على الأرض أو معلّقة حتى يتحوّل لونها من الأصفر إلى لون بني مُشرب بالحمرة، وتحتاج إلى شهر ونصف أو إلى شهرين من أجل بلوغ ذلك.

    يقوم الفلاح بعد ذلك بجمع خيوط التبغ ويُشترط في ذلك أن يجمعها عند الفجر حتى تكون الأوراق طريّة مرنة، بسبب قطرات الندى، أما إذا جمعها الفلاح في الظهيرة مثلاً، فيمكن أن تتفتت الأوراق لأنها تكون يابسة بفعل حرارة الشمس فيخسر موسمه كلّه. هذا، وبعد أن يجمعها يقوم بترتيبها وتصنيفها ووضع خيوط التبغ فوق بعضها بعضاً على هيئة ما يُسمّيه الفلاحون “الشَبْحَة” وتُغلّف بغطاء أو كيس كبير مصنوع من البلاستيك وتُوضع خيوط التبغ داخله بترتيب معيّن ثم يُطوى عليها من أجل حفظها وتخميرها، ويكون ذلك طبعاً في مكان خاص (غرفة جانبيّة مثلاً) وتُترك أوراق التبغ من أجل التخمير ستة أشهر على الأقل.

    بعد كلّ هذا العناء لا يحقّ للفلاح أن يبيع تبغه بالسعر الذي يراه مناسباً، وهذه هي المفاجأة الصاعقة؛ لأنَّ شركة حصر التبغ والتنباك التي يسمّيها مزارعو التبغ في سوريا (الريجي) تحتكر تجارة التبغ ولا تسمح لأيّ شخص بأن يتاجر بالتبغ وإذا فعل سيتعرض لعقوبات تصل إلى السجن ودفع غرامات ماليّة كبيرة، ولذلك تبعث هذه الشركة “خبراء” يقدّرون مدى جودة التبغ، وعلى هذا الأساس يصرفون مبالغ مالية للمزارعين الذين عملوا بإخلاص كامل من أجل الحصول على مبالغ مالية تافهة لا تتناسب مع جهودهم.

    ولكن يقوم بعض مزارعي التبغ بإخفاء كميات من تبغهم عن مراقبي “الريجي”، ويبيعونها في السوق السوداء، ويتراوح سعر الكيلو غرام من ثلاثين ألف ليرة سورية إلى مئة ألف ليرة سورية، حسب جودة التبغ؛ ولكن الآن بدأت عملية مراقبة بيع التبغ في السوق السوداء من قِبَلِ الدولة، فأيّ شخص يُلقى القبض عليه وهو يقوم ببيع التبغ يتعرض إما للسجن أو لدفع غرامات مالية بأرقام كبيرة، فهناك تضييق حقيقيّ على مزارعي التبغ.

    والأسوأ من ذلك أنَّ شركة حصر التبغ والتنباك في سوريا (الريجي) لم تنجح على مدى عشرات السنين في إنتاج أي نوع من التبغ صالح للتدخين، علماً أنَّ تبغ جبال الساحل السوري من أجود أنواع التبغ في العالم، ومردّ ذلك أنَّ الأنواع الجيدة من التبغ يتم تصديرها إلى الخارج للحصول على العملة الصعبة، وقد استطاعت الدولة أن تحصّل مبالغ طائلة من وراء تصدير التبغ إلى الخارج، علماً أنها لا تعطي مزارع التبغ ما يسدّ رمقه. أما الأنواع الرديئة من التبغ فيتم تصنيعها وتباع للمواطنين داخل سوريا؛ ولكن نظراً لرداءَتها اتجه المواطنون إلى شراء التبغ المُهرَّب عبر الحدود؛ ولكن حتى تهريب التبغ أصبح حكراً لأشخاص محدّدين من المقرّبين للسلطة، فما أحلاها من مهزلة ليس لها مثيل في تاريخ التبغ منذ الهنود الحمر الذين اكتشفوه إلى يوم الناس هذا.

     يُعدُّ غريباً؛ بل عجيباً أن تُصادر حياة مزارع التبغ إلى هذا الحدّ، فشركة حصر التبغ والتنباك تفرض عليه زراعة أنواع محددة من التبغ، وتشتريها منه بالسعر الذي تحدّده، وتتحكم بمصيره تحكماً مطلقاً. والحقيقة أنَّ ما تفعله شركة حصر التبغ والتنباك هو استمرار لما فعله المشرفون على زراعة التبغ زمن الاحتلال العثماني وزمن الانتداب الفرنسي، فالعثمانيون والفرنسيون كانوا يعرفون مدى الأهمية الاقتصادية لزراعة التبغ في جبال الساحل السوري، فقمعوا المزارعين واستغلوهم وما زال هذا الاستغلال مستمراً، والأدهى من ذلك أنه حينما تمَّ تأميم شركة حصر التبغ والتنباك في سوريا عام 1951، تركت الحكومة آليات عمل الشركة دون أي تغيير، أي أنها تركت زراعة وصناعة وتجارة التبغ من مهامها التي لا ينافسها عليها أحد، وإن فعل سيُعاقب كما كان يُعاقب زمن الاحتلال العثماني وزمن الانتداب الفرنسيّ.

    ولكن رغم كلّ هذه الضغوط ما زال القرويون يدخنون نبات التبغ مستمتعين به إلى أقصى حدّ، محاولين تأمين مؤونتهم منه بوسائل شتّى مخالفين ومتحدّين في آن شركة حصر التبغ والتنباك؛ مثلما تحدّوا شركة حصر العقول والنفوس!!! بل هناك أشخاص برعوا في صناعة سيجار يضاهي السيجار الكوبي، وهو يصنّعونه ويبيعون كميات قليلة منه سرّاً خوفاً من إلقاء القبض عليهم بتهمة الإضرار بالاقتصاد الوطني؛ الذي تهكم مرة الشاعر نديم محمد على وزيره في أبيات منسوبة إلى هذا الشاعر الكبير:

يا وزير الاقتصاد الوطني        بالله قل لي كيف أصبحت غني

لم تهاجر لم تتاجر            لم ترث عن أبيك الفذ غير الرسن

    ولسوف نعثر على في سوريا على تجارب إنسانيّة تؤكد تأكيداً عميقاً جداً أنَّ جوهر الإنسان، يُعاد اكتشافه من جديد، أعني الإنسان بما هو إنسان، من دون انتمائه إلى عرق ولا طائفة ولا قبيلة، فجوهره هو ذلك الموجود الذي ينفث دخان لفافة تبغه في وجه الطغاة في الخارج والداخل الذين دمّروا حياته غير عابئ بهم، لأنه يبني انبثاق عالمه القادم من كفاحه وحيداً ضدهم، ولكن هذا الكفاح لا يظهر للعين غير الخبيرة، لأنه كفاح ليس من أجل قضية بعينها؛ بل من أجل الوجود، أو الاستمرار في الوجود.