بواسطة عمر الشيخ | سبتمبر 15, 2025 | News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
شكّلت زيارةُ وزيرِ الخارجيةِ السوريّ أسعدَ الشيباني إلى أثينا ما هو أبعدُ من إجراءٍ بروتوكوليٍّ عابر؛ بل هي اختبارٌ مبكّرٌ لتموضعِ سوريّة الجديدةِ في شرقِ المتوسّط، ولقدرةِ أثينا ونيقوسيا على تأطيرِ هذا التموضعِ ضمنَ الحساباتِ الأوروبيّةِ الأوسع. وخلفَ اللغةِ الملساءِ للدبلوماسيّةِ برزت عناوينُ صلبةٌ: قانونُ البحارِ وترسيمُ الحدودِ، إدارةُ الهجرةِ، حمايةُ الأقليّات -وفي مقدّمها المسيحيّون- وبناءُ المؤسّساتِ بوصفِه مدخلاً إلى اعترافٍ عمليّ. كما طُرِح إنشاءُ إطارٍ ثلاثيٍّ يونانيٍّ–قبرصيٍّ–سوريٍّ على هامشِ اجتماعاتِ الأممِ المتّحدةِ في سبتمبر/أيلول 2025، ويُرجَّحُ أن الزيارةَ رسمتْ خطوطاً حمراءَ لأيّ تفاوضٍ سوريٍّ–تركيٍّ معزولٍ محتملٍ حول البحر.
اليونان
بداية من منظور أثينا، تبدو الزيارة فرصة لإعادة وصل ما انقطع مع دمشق، لكن بشروط واضحة لا لبس فيها. أولها مرجعية القانون الدولي عموماً وقانون البحار خصوصاً؛ أي رسالة مباشرة بأن أي صيغة لترسيم بحري سوري–تركي على غرار “المذكرة التركية–الليبية” ستُعامل كخطٍ أحمر لأنها تمسّ حقوقاً سيادية لليونان ولقبرص وتعيد خلط خرائط شرق المتوسط خارج قواعد الشرعية. ثانيها المطالبة بحوكمة شاملة غير إقصائية من قِبل الإدارة الانتقالية السورية، بما يطمئن أوروبا إلى أن دمشق الجديدة لا تعيد إنتاج أنماط الاستبعاد القديمة، ويُفهم في آنٍ واحد كإشارة سياسية إلى أنقرة بأن أثينا ترفض تحويل سورية إلى امتداد مباشر لنفوذها. ثالثها رفع حماية الأقليات، والمسيحية خصوصاً، من حيز التعاطف الأخلاقي إلى بندٍ مُعلَن في المعادلة: استمرار الدعم الأوروبي وممراته المالية–الفنية مشروطٌ بسلوك انتقالي لا يهدد حياة وحقوق الجماعات الدينية والإثنية.
ولا تتوقف المقاربة اليونانية عند الخطاب؛ بل تُترجم إلى أدوات عمل: لجانٌ فنية لملف الهجرة، وخبراتٌ في بناء المؤسسات، أي لغة “الاعتراف العملي” من دون شيكٍ سياسي على بياض. بهذا المعنى تعرض أثينا أن تكون بوابة عبور دمشق إلى أوروبا، شرط ألا تُجازف الأخيرة بمصالح اليونان وقبرص أو بإطار الشرعية الدولية.
قبرص
وإذا كانت أثينا قد حدّدت إطار الإدماج المشروط تحت سقف القانون، فإن نيقوسيا تمسك بخيطٍ موازٍ أقلّ ضجيجاً وأكثر براغماتية؛ تُبقي قبرص نبرتها منخفضة لكنها لا تُخفي مصلحتها المباشرة في استقرار سورية، إذ تقوم مقاربتها على ثلاثية واضحة: أولاً، الحدود البحرية وموارد الطاقة، حيث إن أي اتفاق سوري–تركي يتجاهل حقوق قبرص في منطقتها الاقتصادية الخالصة يُعدّ التفافاً على مواقفها في البحر، ما يستدعي تثبيت قبرص طرفاً أصيلاً في أي هندسة إقليمية جديدة تمسّ سورية؛ ثانياً، الهجرة والأمن الداخلي، فالجزيرة في الخطوط الأمامية لمسارات العبور، والتعاون الفني مع دمشق -وعبرها مع أثينا- ينقل الملف من “صداعٍ مزمن” إلى برنامج عملٍ قابلٍ للقياس؛ ثالثاً، إعادة دمج سورية دولياً، إذ تميل قبرص مؤسسياً إلى صيغٍ ثلاثية مع اليونان (ومع مصر/ إسرائيل في ترتيبات أخرى)، وإدخال دمشق في إطارٍ مشابه يُدوّر حضورها ضمن شبكاتٍ شرعية ويقلّص هامش المقايضات الثنائية السورية – التركية على حساب الجزيرة؛ وبكلماتٍ أخرى، فإن الرهان القبرصي هو تطبيعٌ مشروط لدمشق داخل منصّات شرق المتوسط يجعل نيقوسيا شريكاً في الصياغة لا متلقّياً للنتائج، على نحوٍ يُتمّم المقاربة اليونانية بدل أن يتعارض معها.
سورية
بالنسبة إلى حكومة دمشق الانتقالية التي يقودها اليوم أحمد الشرع، فإن طرق باب أثينا يحمل أربع رسائل متوازية: أوّلاً، تنويع المنافذ بالخروج من ثنائية أنقرة/ موسكو نحو قناةٍ أوروبية تديرها اليونان وقبرص تَعِدُ بشرعيةٍ ومواردَ، لكن بثمنٍ سياسيٍّ معلوم: احترام القانون الدولي، والتهدئة البحرية، وإشاراتٌ عمليّة لحماية الأقليات. ثانياً، طمأنة الغرب عبر وضع ملفّ المسيحيين وسائر الأقليات في الواجهة لا كتنازلٍ مجاني، بل كأوراق طمأنة لازمة لتخفيف التحفظات الأوروبية وفتح أبواب تعاونٍ فنّي ومالي. ثالثاً، غموضٌ بنّاء حيال تركيا بإبقاء الباب موارباً أمام مفاوضاتٍ حول البحر والشمال السوري لرفع سقف المكاسب من الطرفين -أوروبا عبر أثينا ونيقوسيا، وتركيا عبر القنوات الأمنية والاقتصادية- مع إدراكٍ أن خطوةً خاطئة مع أنقرة قد تُطيح بما تعرضه أوروبا. رابعاً، المؤسسية عبر خطابٍ يتحدّث عن “بناء مؤسسات” و”لجان للهجرة” و”قنوات مع بطريركية أنطاكية”، بما يشي برغبةٍ في ترسيم انتقالٍ منضبط يبدّد هواجس الانفلات.
أوروبا
تنظر أوروبا إلى اليونان كمفوّض طبيعي لفتح قناة اختبار مع دمشق. الأولويات الأوروبية واضحة: منع موجات لجوء جديدة، خفض التوترات البحرية، إبقاء ملف الطاقة ضمن قواعد اتفاقية قانون البحار (UNCLOS)، وتحييد مساحات نفوذ تركية منفلتة في شرق المتوسط. وعليه تُرسم معادلة بسيطة: دعمٌ مشروطٌ بسلوك سوري منضبط. تعرض أثينا القيام بدور الضامن السياسي والمُصفّي الفني لهذا الدعم، على أن تمتنع دمشق عن مقايضات بحرية مع أنقرة على حساب اليونان وقبرص.
ماذا قال كل طرف… وماذا قصد؟
حين شدّدت أثينا على “القانون الدولي للبحار” لم تكن تُلقي درساً نظرياً؛ بل سمّت الخطر مباشرة: أيّ ترسيمٍ بحريٍّ سوري–تركي خارج إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، وبما ينتقص من حقوق الجزر ومن المنطقة الاقتصاديّة الخالصة القبرصيّة (EEZ). وحين تحدّثت عن “حُكمٍ شامل” فهي تربطُ الاعترافَ والتمويلَ الأوروبيَّيْن لسوريّة بإشراك الأقليّات وخفض منسوب الإقصاء والعنف. أمّا إبرازُ ملفّ المسيحيّين وسائر الأقليّات فحوّلته من قضيّةٍ إنسانيّةٍ إلى شرطٍ سياسيٍّ مُعلن لأيّ مسار تطبيعٍ مع دمشق. وأخيراً، طرحُ اللجان الفنيّة للهجرة هو اختيارٌ واقعيّ لبدء تعاونٍ عمليّ قابلٍ للقياس يسبقُ التطبيعَ السياسيَّ الشامل، بوصفه إجراءً من إجراءات بناء الثقة (CBMs).
الإطار الثلاثي: آلية ضبط التفاهمات الثنائية
الحديث عن اجتماع ثلاثي يوناني–قبرصي–سوري في نيويورك ليس تفصيلاً بروتوكولياً؛ بل أداة عملية لضبط الإيقاع الإقليمي. مؤسسياً، يحقق ثلاث فوائد متقاطعة: لليونان، تقييد هامش دمشق في أي مقايضة بحرية مع أنقرة عبر إدخال قبرص طرفاً أصيلاً؛ لقبرص، تحصين ملف منطقتها الاقتصادية الخالصة ونقل الهجرة من عبء مزمن إلى برنامج تعاون منظم؛ ولسورية، مظلة شرعية غير صدامية مع أوروبا وخيار بديل عن اصطفاف أحادي مع تركيا. بكلمات أخرى، الإطار الثلاثي أداة سياسية لإدارة المخاوف المتبادلة، لا مجرد صورة جماعية.
على مستوى المسارات الواقعية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات: الأول، مذكرة بحرية سورية–تركية تستدعي رداً يونانياً–قبرصياً–أوروبياً قاسياً سياسياً ومالياً وقانونياً وتغلق عملياً بوابة أثينا، مع تداعيات تتجاوز البحر إلى ملفات الهجرة والطاقة والمؤسسية؛ الثاني، انخراط منضبط تمضي فيه دمشق تدريجياً في تعاون فني للهجرة مع إشارات محسوبة لحماية الأقليات وامتناع عن خطوات بحرية استفزازية وفتح قنوات قانونية حول الطاقة، بما يفضي إلى دعم أوروبي مبرمج وعودة متدرجة إلى منصات شرق المتوسط؛ الثالث، توازن حاد تلعب فيه دمشق على الحبلين، تفاوض أنقرة بحساب وتحافظ على خيط أثينا–نيقوسيا، ما يطيل أمد الغموض المفيد لكنه يعلق أي دعم أوروبي على الاختبار التالي.
اختبار نيويورك
إذا انعقد اللقاء الثلاثي في نيويورك فسيكون الاختبار الأول لتحويل لغة البيانات إلى هندسة سياسية قابلة للاستمرار. مؤشرات المتابعة واضحة: تشكيل اللجان الفنية للهجرة وجدول عملها، أي تصريحات سورية حول قانون البحار، مستوى التواصل المؤسسي مع بطريركية أنطاكية، وخريطة الطريق القبرصية لدمج سورية في معادلة شرق المتوسط بلا صدام مع أوروبا. المعادلة بسيطة ومعقدة معاً: كلما اقتربت دمشق من قواعد القانون والتهدئة والاشتمال، اتسعت أمامها أبواب أثينا ونيقوسيا وبروكسل؛ وكلما انجرفت نحو صفقات بحرية وارتجالات أمنية عابرة، انغلقت تلك الأبواب سريعاً. الزيارة فتحت النافذة؛ أمّا العبور فمرهونٌ بواقعية رسائل الشيباني وبقدرة أثينا ونيقوسيا على تحويل الفرصة إلى إطارٍ مُلزِم.
بواسطة عامر فياض | سبتمبر 8, 2025 | العربية, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
يغيبُ اليوم عن مختلف الجامعات السورية، حكومية كانت أم خاصة، حضور أغلب طلبتها من أبناء الطائفة الدرزية، والذين باتوا مُهدَّدين بضياع سنوات دراستهم، وربما مستقبلهم التعليمي، بعد تعذّر ذهابهم إلى جامعاتهم لمتابعة دراستهم، وذلك نتيجة ما واجهوه من خطابات تحريضٍ طائفي، وما تعرضوا له من إهاناتٍ واعتداءاتٍ وتهديدات مباشرة من قبل عددٍ من زملائهم، ابتداءً بما حدث عقب انتشار التسجيل المُسيء للنبي الكريم محمد، وليس انتهاءً بما حدث خلال الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء.
العودة إلى البداية
صباح الثامن والعشرين من نيسان الماضي، وعقب انتشار التسجيل المُسيء، الذي نَسبَه البعض لأحد مشايخ الطائفة الدرزية، خَرج عدد من طلاب السكن الجامعي في حمص في مظاهرة هتفت بشعاراتٍ طائفية تدعو لمحاسبة أبناء الطائفة، ثم تطوَّرَ الأمر إلى هجومٍ على الوحدة التي يسكنها طلبة من أبناء الطائفة، حيث تعرَّض عدد منهم للشتم والضرب، ومن بينهم الطالب مجد الشيباني، الذي تلقى إصابة بليغة في الرأس، وهو ما استدعى تدخل الأمن العام لتفريق الطلاب الغاضبين. وبحسب ما قاله الشيباني في مقابلة مصورة ، تم إسعافه من قبل بعض الطلاب المهاجمين، بعد رؤيتهم لدمائه النازفة بغزارة. وعقب تلقيه للعلاج تم نقله هو واثنين من زملائه إلى مدينة جرمانا من قبل السيد مهند التركاوي أحد أبناء مدينة حمص.
على إثر حادثة الإعتداء على الشيباني، ومع ازدياد حجم المخاوف من اعتداءاتٍ مشابهة، تجمّعَ أغلب الطلبة الدروز على الفور وغادروا السكن الجامعي بواسطة باصاتٍ حضرت إلى المدينة الجامعية وقامت بإجلائهم. وفي اليوم التالي، ومع اتساع حجم المظاهرات التي حرَضت على عقاب الطائفة الدرزية، غادر من تبقى من الطلبة، وقد تم تأمين نقلهم إلى مدينة جرمانا مع عددٍ من طلبةٍ آخرين يعيشون خارج السكن الجامعي.
بالتزامن مع مظاهرة السكن الجامعي في حمص، خرجت مظاهرة مشابهة في السكن الجامعي في حلب، ما اضطر بعض الطلبة الدروز إلى مغادرة السكن على الفور والسفر إلى السويداء، خوفاً من أن يتعرضوا للاعتداء، فيما بقي العدد الأكبر منهم في سكنهم، بعد التطمينات التي قدمها لهم المسؤول الأمني في الجامعة. لكن تلك التطمينات لم يَدُم مفعولها وقتاً طويلاً، فمع تصاعد الخطاب الطائفي وما حدث في جرمانا وصحنايا والسويداء من هجمات واعتداءات مسلحة، عادت هتافات التحريض الطائفي وعمليات العنف والاعتداء على الطلبة الدروز مجدداً، من قبل عددٍ من زملائهم، حيث تعرض الطالب أدهم غنَّام إلى عملية طعن بسكين، كادت أن تودي بحياته. وعلى إثر تلك الحادثة تم نقل جميع الطلاب الدروز من وحداتهم إلى وحدة العرب والأجانب، تحت حمايةٍ أمنية مستمرة، فيما بقيت الطالبات في وحداتهنّ، مع وضع حراسةٍ مشدَّدة عليهن. وقد بقي أولئك الطلبة محاصرين في غرفهم لأكثر من أسبوع، محرومين من مواصلة دوامهم الجامعي ومتابعة دروسهم ومحاضراتهم، حتى تمكنوا من تأمين مغادرة آمنة بواسطة باصاتٍ قامت بنقلهم إلى السويداء يوم الخميس، الثامن من أيار.
ونتيجة ما حصل في السكن الجامعي في حمص وحلب، وبعد خروج عدة مظاهرات ، في دمشق ومحافظات أخرى، تدعو إلى معاقبة الطائفة الدرزية واجتياح السويداء، شعر معظم الطلبة الدروز المقيمون في المدينة الجامعية في دمشق (وقد التقينا ببعض منهم) بخوفٍ وخطرٍ يُهدّد سلامتهم، في ظل قيام عددٍ من الطلبة الغاضبين بشتمهم وتهديدهم، وغياب أية إجراءات أمنية تضمن حمايتهم وتردع الأصوات الطائفية التي تحرِّض ضدهم، وهو ما اضطرهم إلى مغادرة المدينة الجامعية في خروج جماعي (أثار ضجة إعلامية كبيرة) تحت حماية الأمن العام، الذي لم يُقدِّم لهم أية حلولٍ آمنة سوى مرافقة الباصات التي قامت بنقلهم إلى مدينة جرمانا، قبل أن يتمكنوا فيما بعد من العودة إلى السويداء تحت حماية فصائل مسلحة من أبناء المحافظة.
أحداث السويداء الدامية
في الفترة الممتدة بين منتصف شهر أيار ومنتصف تموز، وبعد أن هدأت التوترات قليلاً، عاد جزء كبير من الطلبة الدروز إلى جامعاتهم، فيما عاد جزء أقل إلى السكن الجامعي، وقد اكتفى بعضهم بالذهاب إلى جامعته عند الضرورة أو لتقديم الامتحانات، لكن تلك العودة القلقة لم تدم طويلاً.
في منتصف شهر تموز الماضي، وبعد ما شهدته محافظة السويداء من مجازر وانتهاكات وتدمير وحرق ونهب للبيوت وغير ذلك من أحداثٍ مأساوية كارثية، ارتُكبت بذريعة وجود عصاباتٍ خارجة عن القانون ومع ارتفاع حدَّة الخطاب الطائفي من قبل كثير من السوريين ضد أبناء الطائفة الدرزية، خاصة بعد قصف إسرائيل لمبنى الأركان في دمشق، عاد خطاب الكراهية والتحريض والتهديد ليعلو بقوة ضد الطلبة الدروز في مختلف الجامعات الحكومية والخاصة، حيث شهدت المدينة الجامعية في دمشق عملية اعتداء، من قبل بعض الطلاب الغاضبين، على عددٍ من الطلاب الدروز داخل مقصف المدينة، حيث تعرضوا للضرب وتم رميهم بالكراسي، مع إطلاق الشتائم وعبارات التحريض الطائفي، فيما تعرض جزء كبير منهم إلى إهانات واعتداءات جسدية في أماكن متفرقة داخل المدينة. وإلى جانب ذلك هاجم عدد من المتظاهرين الوحدات السكنية التي يسكنها طلاب دروز، وقاموا باقتحام الغرف وتحطيم محتوياتها. وبحسب بعض الطلبة الذين التقيناهم، لم يتدخل أحد من مشرفي الوحدات لحمايتهم ولتهدئة المتظاهرين، فيما فضَّل مدير السكن التزام الصمت وعدم التدخل، رغم أنه كان شاهداً على ما حدث. وعلى إثر تلك الاعتداءات نزح جميع الطلبة الدروز من المدينة الجامعية إلى جرمانا بعد تأمين باصات لنقلهم، ومازال معظمهم حتى اليوم يقيمون في بيوتٍ قامت باستضافتهم، أو في بيوتٍ تشاركوا في استئجارها، وذلك في ظل صعوبة العودة إلى السويداء.
بالتزامن مع ما حدث في السكن الجامعي في دمشق، شهد السكن الجامعي في حلب خروج مظاهرات هتفت بشعارات تحريضٍ طائفي ضد الطلبة الدروز، كما قام المتظاهرون بالاعتداء على عدد من الطلاب بالضرب ومهاجمة غرفهم ورميها بالحجارة وتكسير محتوياتها، لإجبارهم على مغادرة السكن، وقد تعرض بعضهم لإصابات نتيجة الاعتداءات، ومن بينهم طالب كلية الهندسة طلال أبو عاصي، وعلى أثر ذلك تم نقل أكثر من عشرين طالب وطالبة إلى فندق الميرديان، تحت حماية مكتب شؤون الطلاب، فيما بقي الطلاب والطالبات الذين يسكنون خارج السكن، وتحديداً في حي الشيخ مقصود، محاصرين داخل بيوتهم، في أجواءٍ من الخوف والرعب، غير قادرين على مغادتها.
بيانات تحريضية
في 17 تموز الماضي، وبالتزامن مع أحداث السويداء، ظهرت مجموعة من الطلبة، يحمل بعضهم علم التوحيد الأبيض، ليتلو أحدهم بياناً باسم “طلاب الهندسة في تجمع الهمك”، من داخل مبنى السكن الجامعي التابع لكليات الهمك. وقد حَمل البيان، الموجّه للطلبة الدروز، عنوان: “لا مكان لخبيثٕ بيننا، فإما نحن وإما نحن”، وقد جاء فيه: “لن نسامح ولن نصالح، فأرضنا وسكننا وجامعاتنا لا تتسع لهويتين، فإما نحن وإما نحن، ورقابنا دون ذلك”. وقد شهد السكن الجامعي التابع للهمك حملة تحريض ضد الطلبة الدروز ترافقت مع هجومٍ على غرفهم، ما أدى إلى نزوحهم إلى خارج السكن. وقد تعرض الطالب عبادة خداج، لعملية اعتداء فاضحة، إذ قامت مجموعة من الطلاب باقتحام غرفته، بعد أن حطّموا أبواب الغرف الأخرى، مرددين صيحات التكبير والتهديد، وقاموا بضربه ومن ثم حاولوا رميه من نافذة الغرفة في الطابق الخامس، قبل أن يصل عناصر الأمن الداخلي ويقوموا بإخراجه من الوحدة السكنية.
وبعد بيان طلاب سكن الهمك، خرج بيان آخر لطلاب السكن الجامعي في المزة، اتهموا من خلاله الطلبة الدروز بجريمة “الصمت”، إذ جاء في البيان: “نُعلن رفضنا القاطع للصمت المُشين الذي خيَّم على معظم أبناء هذه الطائفة، مما يجعل سكوتهم مشاركة ضمنية بالجريمة”، كما أكد البيان على رفض دخول أي طالب درزي إلى المدينة، “حتى تصدر مواقف واضحة من داخل طائفتهم تُدين العصابات التي شوَّهت تاريخهم”، بحسب البيان.
وفي المدينة الجامعية في حمص خرج عدد من الطلاب ببيان أعلنوا من خلاله: “لن نستقبل درزياً واحداً لا في جامعاتنا ولا وسكننا ولا حتى أوطاننا، ولن يكون هناك مكان لهؤلاء العملاء والخونة وأحفاد بني صهيون بيننا”. وبحسب ماقاله بعض طلبة إحدى الجامعات الخاصة في منطقة غباب، قام عدد من زملائهم بإصدار بياناتٍ مشابهة ضد الطلبة الدروز، لكن إدارة الجامعة عملت على حذفها عن السوشيال ميديا بشكلٍ سريع.
ورغم إصدار وزير التعليم العالي الدكتور مروان الحلبي، بتاريخ 10 أيار، قراراً يحظر نشر أو تداول أو ترويج أي محتوى يتضمن تحريضاً على الكراهية أو الطائفية أو العنصرية أو يسيء إلى الوحدة الوطنية أو السلم الأهلي، لم يُتخذ إي إجراء قانوني بحق الطلاب الذين خرجوا ببياناتٍ طائفية تُهدّد زملاءهم وتحرّض على طردهم من الجامعات والانتقام منهم، فقط لأنهم ينتمون للطائفة الدرزية.
اعتقال عدد من الطلاب
بعد أن قام الأمن العام بإنقاذ الطالب عبادة خداج من عملية الاعتداء، وتهدئة الطلاب الذين هجموا على غرفته، تم اقتياده إلى سيارة الأمن الداخلي، ولم يُعرف عنه أي شيء منذ ذلك الوقت، رغم المحاولات المستمرة من قبل أقاربه وأهله لمعرفة مكان اعتقاله.
وفي السكن الجامعي في الهمك أيضاً، وقعت حالة اعتقالٍ أخرى بحق الطالب حازم بلّان. وبحسب عدد من المصادر: غادر حازم السكن، يوم الخميس 17 تموز، بعد الاعتداء عليه ومهاجمة غرفته وتهديده من قبل عددٍ من الطلاب الغاضبين، لكنه لم يستطع أن يأخذ معه كل أغراضه الشخصية. تواصل معه مشرف الوحدة السكنية لكي يأتي في اليوم التالي لاستلام ما تبقى من أغراضه، فذهب حازم إلى الموعد المحدد لكنه لم يعد حتى الآن ولم يُعرف شيء عن مصيره.
وفي فيديو نُشر بتاريخ 17 تموز الماضي، ظهر الطالب سيف القلعاني وهو يتعرض للضرب من قبل بعض الطلاب المحتجين، قبل أن يتم وضعه في سيارة للأمن الداخلي، ليختفي منذ ذلك الوقت.
وفي السكن الجامعي في اللاذقية شنَّ الأمن العام حملة اعتقالات طالت عدداً من الطلاب الدروز، وكانت تهمة معظمهم كتابة منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، تتضامن مع ضحايا مجازر السويداء. ومن الأسماء التي تم توثيقها: مجيد البني، قيس غرز الدين، عدي جغامي، تيم رحال، نواف غزالي، عمار الدعبل، غدير الكفيري، أكثم شرف، قيس عمارة، ونواف عمارة. وقد أُفرج عن بعضهم في تاريخ 25 تموز، وبحسب شبكة الراصد تم تسليم الطلاب المُفرج عنهم إلى سيارة تابعة للهلال الأحمر السوري، قامت بنقلهم إلى مدينة درعا، قبل أن يتم تأمين دخولهم إلى السويداء.
رسائل قد لا تجد آذاناً صاغية
خلال إعداد هذه المادة التقيت بإحدى طالبات جامعة AIU /غباغب، وبعد حديثنا عن واقع الطلبة الدروز في الجامعة، أرسلت لي مجموعة رسائل كتبتها زميلاتها، كي نقوم بنشرها، لعلها توصل أصواتهن. وسننشر هنا بعضاً من تلك الرسائل:
رسالة من طالبة في كلية الهندسة المعمارية: “نحن طلبة السويداء وجرمانا وصحنايا، أصبحنا عاجزين عن إكمال دراستنا الجامعية، أولاً بسبب تعرضنا لحملة تحريض طائفي، من قبل زملائنا، الذين ينشرون عبارات التهديد والإهانات الطائفية على غروبات الجامعة في وسائل التواصل الاجتماعي، وثانياً لعدم تأمين وحماية الطريق إلى الجامعة، وهو ما قد يُعرّضنا في أي لحظةٍ لعمليات الخطف والاعتداء”.
رسالة من طالبة في كلية الصيدلة: “لن نجرؤ على الذهاب إلى الجامعة في الفصل الدراسي القادم، وربما طيلة السنة الدراسية، وذلك بسبب المخاوف الأمنية، وما يحدث داخل جامعتنا وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، من حملات تحريض طائفية ضدنا، وتمييز بين الطلبة على أساس طائفي. دماؤنا ليست رخيصة، ولن نتخلى عن حقنا في التعليم، لذا نُحمّل الجهات المعنية كامل المسؤولية عن منعنا، ولو بطرقٍ غير مباشرة، من الوصول إلى جامعاتنا، نحن الذين لم نرتكب أي ذنبٍ سوى أننا ننتمي لطائفة معينة”.
رسالة من طالبة في كلية الهندسة المدنية: “بعد الأحداث الدامية التي وقعت في السويداء، وبعد إغلاق جميع الطرق إلى خارج المحافظة، لم يعد بإمكاننا الذهاب إلى جامعاتنا، وبعد أن نُهبت منازلنا، بما فيها من أموالٍ وممتلكات، أصبحنا عاجزين عن تسديد أقساط الجامعة، هذا عدا عن تدمير ونهب البنوك التي كنا نسدد رسوم الجامعة من خلالها، وعجزنا عن الذهاب إلى مكاتب الجامعة لتسديد الأقساط، في حال توفرت، لذا نأمل أن تُراعي الجامعة ظروفنا، وتتحمل مسؤولياتها تجاهنا”.
رسالة من طالبة في كلية الفنون/ هندسة الديكور:” إن استمرارنا في الدراسة، أصبح مخاطرة كبيرة قد تُكلفنا حياتنا، في ظل استمرار عمليات الخطف والتهديد بالقتل، بعد ما شهدته عموم البلاد من حملات تحريض طائفي ضد الطائفة الدرزية، لذا نطالب الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق الطلاب الذين يقومون بتهديدنا ويستخدمون الخطابات الطائفية والتحريضية ضدنا ضمن الحرم الجامعي”.
بواسطة نور البرزاوي | سبتمبر 4, 2025 | العربية, بالعربية, تقارير, مترجم, مقالات
قامت نور البرزاوي بترجمة هذه المقابلة مع الدكتورة مروة داودي، والتي نُشرت باللغة الإنجليزية على موقع جدلية بتاريخ 22 نيسان 2020، حول كتابها أصول النزاع السوري: تغيّر المناخ والأمن الإنساني (منشورات جامعة كامبريدج، 2020). يُعيد موقع صالون سوريا نشر هذه المادة بالتعاون مع موقع لحلاح.
جدلية (ج): ما الذي دفعك لكتابة هذا الكتاب؟
مروة داودي (م.د): في عام 2011، أخذ الربيع العربي ثم الحراك السوري الجميع بالدهشة. وتحولت الثورة السورية إلى انتفاضة مطالبة بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. لكن سرعان ما تحولت أحلام التغيير والأمل إلى مأساة. كباحثة سورية الأصل متخصصة في الأمن البيئي وسياسات الشرق الأوسط، دفعني هذا المنعطف المفصلي في تاريخ سوريا والمنطقة الأوسع إلى تغيير بحثي ليتركز على الترابط بين تغيّر المناخ، والأمن المائي، والانتفاضة السورية.
على مدار العقود الماضية، برز مفهوم “رابطة المناخ والنزاع” وتم تطبيقه على الحالة السورية. وفق هذا المنطق، تسبب تغيّر المناخ في الجفاف بين 2006 و2010 في سوريا، مما أدى إلى فشل زراعي، تسبب بدوره في الفقر والسخط، و تتوج بالانتفاضة. معظم التحليلات التي اتخذت أساساً مناخياً كانت من علماء مناخ ومراكز تفكير أمريكية تفتقر إلى معرفة معمّقة بسوريا. ومن خلال تحدي هذا الطرح، كان هدفي الإسهام في النقاش حول سوريا من منظور داخلي.
ورغم أن الاحترار العالمي أمر واقع ويتطلب تحركاً دولياً عاجلاً، فإن تغيّر المناخ لم يكن في طليعة اهتمامات السوريين عام 2011. بل كان تركيز معظم الناس منصباً على مثل أخلاقي: إنهاء القمع والظلم الاجتماعي. وهذه قضايا أهتم بها بشدة.
ج: ما المواضيع والقضايا والأدبيات التي يتوجه لها الكتاب بشكل خاص؟
م.د: التوترات التي أشرت إليها أعلاه تبيّن الحاجة إلى إطار تحليلي منهجي. ومن هذا المنطلق، أقترح إطاراً مفاهيمياً جديداً أسميه “أمن الإنسان-البيئة-المناخ” (HECS)، لتحليل التفاعلات بين الأمن الإنساني، والأمن المناخي، والهياكل السياسية والاقتصادية.
كما يوضح هذا الإطار بنى القوى غير المتكافئة التي تسبب أو تغذي المعاناة الإنسانية، وما يترتب على ذلك من تداعيات جمة على الأمن المناخي وتبعاته في علاقات القوى غير المتوازنة بين الشمال والجنوب العالمي، أو بين الحكومة المركزية ومواطنيها المهمّشين. في حين أن السرديات الحتمية البيئية تنزع الفاعلية عن الناس وتضعها في يد تطورات خارجية، فإن هذا الكتاب يعيد لهم صوتهم.
هذا الإطار، أمن الإنسان-البيئة-المناخ (HECS)، يبني على رؤية نقدية للأمن البيئي ليتحدى الافتراضات الأساسية لفرضية ارتباط المناخ بالنزاع، من خلال إدخال عوامل اقتصادية وسياسية-اجتماعية تتفاعل مع التغيرات في الموارد. كما يسعى لتجاوز السرديات الحتمية والتحيّزات الاستشراقية حول مخاطر النمو السكاني، والتنقل، والندرة الناتجة عن الطلب، واستنزاف الموارد، وما يصاحبها من انعدام الأمن، وهي كلها أنماط تعكس الانقسام بين المركز والهامش وبين الشمال والجنوب. أُحدّد في هذا البحث المحركات الأيديولوجية والسياساتية لانعدام الأمن الإنساني في سوريا وتأثيره على أمن المياه والغذاء. ومن خلال الاعتماد على مصادر رسمية أولية، ونقاشات بين خبراء على المستوى المحلي، ومقابلات مع خبراء ونشطاء ولاجئين سوريين في لبنان وتركيا، أستعرض كيف ساهمت القرارات السياسات للحكومة في عهد حافظ الأسد وبشار الأسد في تفاقم هشاشة سكان الأرياف في العقود التي سبقت الانتفاضة. ويخلص الكتاب إلى أن العوامل السياسية كانت أكثر تأثيراً من الجفاف الناتج عن تغيّر المناخ في التحضير لأحداث 2011. ويمكن تعميم هذا المنظور على سياقات أخرى في الجنوب العالمي.
يبدأ الكتاب بمناقشة تأطير تغيّر المناخ كقضية أمنية، ويتناول الجدل الأكاديمي حول الأمن المناخي، وأمن الإنسان، والمياه، والغذاء، والهجرة الناتجة عن تغيّر المناخ. وتوضح الأجزاء الأولى كيف وسّعت الدراسات الأمنية النقدية مفهوم الأمن التقليدي ليشمل رؤى غير غربية. كما تكشف التفاوتات الهيكلية في توزيع السلطة والموارد دور الدول كمصدر لانعدام الأمن. وتُظهر أن نقاشات التحديث والتنمية لا تزال تجتهد في مفهوم الأمن الغذائي، الذي تطوّر ليشمل توفر الغذاء، والقدرة على تحمل التكاليف، والحاجات الأساسية، وبرامج الاستحقاق. ومع ذلك، لم تُثبت هذه الأدبيات بشكل قاطع الروابط بين تغيّر المناخ، وانعدام الأمن الغذائي، والهجرة، والنزاعات.
من خلال تقييم تاريخي لسياسات المياه في سوريا والشرق الأوسط، أُقدّم رؤية عن الأعراف الثقافية والمؤسسية حول المياه على مدى الألفيات السابقة. فقد استندت سوريا حديثة الاستقلال في أربعينات القرن الماضي إلى تشريعات المياه المستمدة من الشريعة الإسلامية، وقانون المجلة العثماني، وقانون المياه الفرنسي، والتي تميزت بتعزيز مبادئ الأمن المائي والبيئي. هذه النظرة التاريخية تشرح كيف باتت المعايير الإسلامية المتمثلة في العدالة الاجتماعية، والاستدامة، والمسؤولية في استخدام المياه تُعتبر ممارسات مثالية إلى الآن.
أُبيّن أيضًا كيف بلورت الأيديولوجيا وسياسات محددة الانعدام في الأمن الإنساني للفئات الضعيفة في سوريا، وساهمت في تعزيز الفقر، والبطالة،والتهميش، وفشل التنمية المستدامة. ويتتبع البحث القرارات السياسية المفصلية في تاريخ سوريا، من “العقد الريفي”، إلى “تجميع الأراضي الزراعية”، إلى سياسات زيادة إنتاج الغذاء. ومع الوقت، أصبح “الفلاح” رمزاً لأيديولوجيا البعث الجديدة، وطريقاً نحو الازدهار والشرعية.
وقد حسّنت الإصلاحات الزراعية ظروف المعيشة في الريف، لكنها جاءت على حساب استدامة استخدام المياه، حيث أدى التوسع في الري واسع النطاق إلى استنزاف المياه الجوفية وتدهور جودة التربة، مما أدى في النهاية إلى انعدام الأمن الإنساني بصيغة نزاعات على ملكية الأراضي وتهجير السكان. كما ترتبت على ذلك تكاليف اجتماعية، فقد استُبعد الأكراد السوريون من ثمار التوسع الزراعي من خلال سياسة “الحزام العربي” في النصف الثاني من القرن العشرين. كما أدت تفضيلات حزب البعث إلى تطبيق دعم على المياه والغذاء والوقود، مما أخلّ بأسعار السوق.
بدأ تفكيك التجميع الزراعي مبكراً في عهد حافظ الأسد، لكنه تسارع مع تولّي ابنه بشار الحكم في عام 2000. وهدفت السياسات الليبرالية في السبعينيات والتسعينيات إلى تعزيز دور القطاع الخاص، بما في ذلك في تقديم خدمات الرعاية الاجتماعية. وفي عام 2005، حدث تحول أيديولوجي كبير مع إدخال “اقتصاد السوق الاجتماعي”، في محاولة لمحاكاة النموذج الألماني بعد الحرب العالمية الثانية. وفي عهد بشار الأسد،سعى النظام إلى كسب دعم رجال الأعمال في المدن والمنظمات النيوليبرالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، من خلال خفض الدعم على الغذاء والوقود وإزالة شبكات الأمان للفلاحين. وقد تزامنت هذه السياسات مع موجة جفاف شديدة تاريخياً في عام 2006.
يُظهر التحليل الطولي للمؤشرات الأساسية بين عامي 1998–2001 (“الجفاف 1”) و2006–2010 (“الجفاف 2”) وجود ترابط واضح للهشاشة في ثلاث محافظات: الحسكة، ودير الزور، والرقة، حيث كانت مستويات الفقر والبطالة (خصوصاً في الزراعة) والاعتماد على القطاع الزراعي مرتفعة أصلاً. وقد زادت هذه الديناميكيات من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وأدت إلى اتساع الفجوة بين الريف والمدينة. وكانت الهجرة والفساد من أبرز مصادر انعدام الأمن الإنساني. وبحلول عام 2010، بات واضحاً أن الإصلاحات النيوليبرالية لم تحقق النجاح المنشود.
ج: كيف يرتبط هذا الكتاب بعملك السابق، أو كيف يختلف عنه؟
م.د: هذه الدراسة امتداد طبيعي لعملي متعدد التخصصات السابق في العلاقات الدولية وسياسات المياه. ركّز بحثي على تقاطع السياسة والاقتصاد والقانون في مسألة تقاسم المياه ومصادر القوة للدول في أحواض الأنهار الدولية.
لقد ساهمت في ظهور دراسات “الهيمنة المائية” (hydro hegemony). استكشف في كتابي الأول “الانقسام المائي بين سوريا وتركيا والعراق: التفاوض، الأمن، وعدم تكافؤ القوى“(2005) كيف تعكس اتفاقيات تقاسم المياه اختلالات القوة والفروقات الأمنية بين الدول المتشاطئة المتنافسة. جمعتُ فيه بين نظرية التفاوض ونظرية القوة لتوضيح أشكال القوة المختلفة والاستراتيجيات التي يستخدمها كل طرف.
وفي منشورات أخرى، طوّرت هذا التحليل لديناميكيات القوة وساهمت في تحليل القانون الدولي للمياه من خلال دراسة الخطابات القانونية ومواقف الأطراف الشرق أوسطية أثناء مفاوضات الدول وعملية تدوين اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، ضمن لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة. وبناءً على هذا البرنامج البحثي، كتبتُ أيضاً عن دور تقاسم المياه في مفاوضات السلام الدولية، وخصوصًا بين سوريا وإسرائيل. ومؤخراً، طبّقت نظرية العلاقات الدولية، وخصوصًا البنائية الواقعية، لشرح الانهيار في العلاقات بين تركيا وسوريا بعد عام 2011.
ج: من تأملين أن يقرأ هذا الكتاب؟ وما التأثير الذي تأملين أن يُحدثه؟
م.د: هذا الكتاب لديه القدرة على الوصول إلى جمهور أوسع، من بينهم أكاديميون من تخصصات مختلفة مثل محللي المناخ الذين يعملون على قضايا النزاع المرتبطة بالمناخ، ومؤرخون، بالإضافة إلى باحثين وطلاب مهتمين بالعلاقات الدولية، والبيئة، ودراسات الأمن، ومنطقة الشرق الأوسط، فضلًا عن صناع السياسات وجمهور مطلع يهتم بتغيّر المناخ أو الصراع السوري أو كليهما.
في وقت أصبحت فيه سوريا تتلاشى من المشهد العام، آمل أن يعيد بحثي تركيز الاهتمام الأكاديمي والسياسي على انعدام الأمن الإنساني المستمر فيها. فبدلاً من بناء القدرة الذاتية على التكيّف، فإن مرحلة “إعادة الإعمار” ما بعد الحرب تمهّد لتعزيز “صمود النظام” على أساس التفاوتات البنيوية، بينما تزيد من هشاشة السكان، خصوصاً اللاجئين الذين يُجبرون على العودة إلى بلادهم في ظروف غير آمنة. أزمة كوفيد-19 الحالية، إضافة إلى آثارها القاتلة، فإن لها تبعات اجتماعية واقتصادية بعيدة المدى عليهم.
ج: ما هي المشاريع الأخرى التي تعملين عليها حالياً؟
م.د: تركيزي الجديد يتمحور حول أمن الأفراد مقابل أمن الدول، مع دراسة التفاعلات على المستوى ما دون الوطني في قضايا الهوية، والأمن الغذائي، والنزوح الناتج عن النزاعات والمناخ. أعمل على تحويل التركيز من مصالح الدول الإقليمية والدولية إلى دراسات الأمن النقدي، وتحديداً “المدرسة الويلزية” التي تركز على التحرّر. ومن خلال إعطاء الأولوية للمهمّشين والمحرومين، يمكن أن يكشف التركيز على هذه القضايا الخطابات والممارسات التي تشكّل فهمنا لما يعنيه أن تكون (غير) آمن. ولهذا الغرض، أود تطوير مقارنات عبر أقاليم مختلفة تشمل بعض الدول الإفريقية لتعميم نتائج بحثي.
ج: إلى من تهدين هذا الكتاب؟
م.د: إلى ابنتي، وكل أطفال سوريا.
مقتطف من الكتاب
الفصل الأول: تغيّر المناخ والثورة السورية
“الحقائق المناخية ليست حقائق بحد ذاتها؛ فهي تكتسب أهميتها فقط في سياق إعادة هيكلة البيئة ضمن أنظمة الإنتاج المختلفة.”
— رولاندو غارسيا، الطبيعة بريئة: قضية التاريخ 1972، 1981
“أكتشف الآن فقط، ونحن نتحدث، هذا الطرح القائل إن ثورتنا كانت نتيجة تغيّر المناخ، ولا أفهم الغرض ولا السياق من مثل هذا الادعاء. الأشخاص الذين يطرحون مثل هذه التفسيرات لا بد أنهم يجهلون وضعنا وتاريخنا.”
— من نقاش شخصي مع ياسين الحاج صالح، كاتب سوري بارز ومعارض سياسي، إسطنبول، 18 تموز 2016
نحن على ما نحن عليه اليوم بسبب تغيرات مناخية حدثت في الماضي. فقد جادل عالم الإنسان القديم إيف كوبانز، مكتشف الهيكل العظمي لشبيه الإنسان الأسترالي “لوسي” في إثيوبيا عام 1974، في مذكراته المنشورة مؤخراً بأن جنسنا البشري نشأ نتيجة تغير مناخي سابق. وبسبب اضطرار الأنواع إلى النجاة مع ظروف أكثر جفافاً، طورت الحيوانات، بما فيها البشر، سمات فيزيولوجية جديدة مثل الأنياب أو شكل الأرجل، بعضها أدى في النهاية إلى ظهور الإنسان العاقل. وكما أن أجسادنا نتاج تغيرات مناخية سابقة، كذلك هي الهياكل الاجتماعية المعاصرة […].
حازت نظرية المجتمعات تتشكل وفق مناخها على شعبية في القرن التاسع عشر من قبل الداروينيين الاجتماعيين الذين سعوا لتبرير الاستعمار الأوروبي من خلال الادعاء بأن التفوق الطبيعي للمجتمعات الأوروبية نابع من مناخ القارة وجغرافيتها. وزعم المستعمرون أن البيئة تحدد التطور الاجتماعي والثقافي لأي بلد، مما أدى إلى سرديات حول التفوّق الحتمي والمبكر لأوروبا والتأخر المزعوم لأفريقيا والشرق الأوسط. ووفقاً لهذه النظريات عن الطابع الجغرافي، فإن المناخ المعتدل والقرب من البحار منح المجتمعات قوة، في حين أن الجفاف والموقع الداخلي للدول جعلاها عرضة للهيمنة العسكرية والسياسية والثقافية. يخفى هذا الحتم البيئي مسؤوليات الإمبراطوريات الاستعمارية في إدارة الكوارث مثل المجاعات. ففي كتابه المهم “مجازر العصر الفيكتوري المتأخر”، يشير مايك ديفيس (2001) إلى أن المجاعات الكبرى في الهند البريطانية،والصين، والبرازيل، وإثيوبيا، وكوريا، وفيتنام، والفلبين، وكاليدونيا الجديدة أواخر القرن التاسع عشر لم تكن نتيجة الجفاف فقط، بل أيضًا نتيجة سياسات استعمارية سيئة والاقتصاد السياسي الدولي […] الحكم الاستعماري أضعف البنى التحتية وزاد الفساد، إضافة إلى التلاعب بأسعار المحاصيل […]
ومثلما شُكّل البشر بالبيئة، فقد شكّل البشر البيئة أيضًا، منذ نشوء الزراعة وحتى الثورة الصناعية. ورغم أن المناخ يتغيّر ويتطور بشكل طبيعي دائمًا، فإن الأنشطة البشرية أثّرت على المناخات العالمية والإقليمية والمحلية. فمنذ حوالي عام 1800، بدأت انبعاثات الغازات الدفيئة من الأنشطة البشرية – بشكل أساسي من حرق الوقود الأحفوري، بإحداث تغيّرات مناخية أدّت إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة عالمياً. ومنذ “التسارع الكبير” في خمسينيات القرن الماضي، باتت هذه التغيّرات تحدث بوتيرة غير مسبوقة ومقلقة […]
ورغم الإجماع العلمي لعقود حول أثر الإنسان على البيئة، لا تزال طبيعة هذا الأثر ومداه أقل حتمية. […] ومع أن آثار تغيّر المناخ سوف تؤثر عالمياً، إلا أن أشدّها وطأة ستكون على الدول النامية والجنوب العالمي.
I. من تغيّر المناخ إلى أمن المناخ
خلال العقود الثلاثة الأخيرة، خاض الباحثون وصنّاع السياسات في الولايات المتحدة وأوروبا نقاشاً مطولاً حول ما إذا كان يمكن ربط تغيّر المناخ بالنزاعات العنيفة، وطُور خطاب “النزاع المناخي” مشابه لسيناريو “حروب المياه” الذي شاع في التسعينات. يركز هذا الخطاب، ضمن نقاشات أمن المناخ، على المخاطر التي يشكلها تغيّر المناخ على الحياة البشرية والبيئية، خصوصًا عبر التهديدات التي يخلقها الجفاف والمجاعة في المناطق الهشّة في العالم. […] لذلك فإن “التهديدات” المرتبطة بالتغيرات المناخية تشرعن إدماج الفاعلين الأمنيين لباحثي المناخ والممارسين ضمن مجالهم.
[…]
قد تبنّى طيف واسع من الأصوات، من سياسيين بارزين إلى رجال إعلام، مروّجين لسردية “رابطة المناخ والنزاع”. […] هذه السرديات تقدم تصوّرات دراماتيكية وتنبؤات كارثية عن انهيار اجتماعي واسع نتيجة النزاع المتسبب به المناخ، مما أدى إلى ظهور خطاب جديد يُعرف بـ”علم الانهيار” (collapsology)، وهو مصطلح صاغه الباحثان الفرنسيان بابلو سيرفين ورافائيل ستيفنز عام 2015 إشارة إلى الانهيار العام للمجتمعات بفعل تغير المناخ، وندرة المصادر، الانقراضات الواسعة، والكوارث الطبيعية. […] استخدمت سرديات الانهيار بهدف تحفيز العمل المناخي من خلال الخوف كعامل محفز، إلا أن الاستجابة المتوقعة لم تحدث فعلياً.
وقد تباينت ردود الفعل على هذا الخطاب. تبنّاه بعض الباحثين، بينما استخدمه آخرون كفرصة لانتقاد أنماط الإنتاج أو التوزيع الرأسمالية أو للعلاقة بين الناس وبين بيئتهم. على سبيل المثال، فقد اقترح الفيلسوف وعالم الاجتماع برونو لاتور نموذجًا جديدًا للفاعلية المشتركة بين الطبيعة والمجتمع في عصر الأنثروبوسين، بدلاً من النماذج التقليدية التي تعطي كل الفعالية إما للطبيعة أو للإنسان في فصل واضح بين الفاعل والمفعول به. في المقابل، يرى المتفائلون بالمناخ أن قدرة الإنسان على التكيّف قادرة على مجاراة حجم التهديدات البيئية وبذلك يمكننا الاستجابة الفاعلة للتغير المناخي. أشار ستيفن بينكر (2018)، الباحث في علم النفس الذهني والمتدرب في اللسانيات، إلى أن التقدم البشري الكبير في مستويات المعيشة خلال الـ250 سنة الماضية دليل على قدرة البشر على مواجهة التحديات المناخية.
ورغم هذه الاختلافات، هناك إجماع على أن تغيّر المناخ واقع، ويتطلب تحركاً عالمياً عاجلاً. لكن تبقى التساؤلات: هل علينا “أمننة” تغيّر المناخ(أي تأطيره كقضية أمنية) لرفع الوعي وتحفيز العمل؟ يرى البعض أن الجواب هو لا. […] ذلك أن مثل هذه السرديات قد تُستخدم لتبرير إجراءات قمعية تحدّ من حركة البشر داخلياً ودولياً، وتغذي تصورات تلوم “المهاجرين البيئيين” بدلاً من تحميل الأنظمة الاستبدادية مسؤولية الاضطرابات الاجتماعية والسياسية. كما أن توظيف سردية رابطة المناخ والنزاع يجعل من الحكومات المستقلة، خصوصاً في الجنوب العالمي، مجرّد أطراف سلبية وضحايا للطبيعة، بدلاً من فاعلين سياسيين لديهم القدرة والإرادة لوضع سياسات تعالج عدم الاستقرار المناخي.
إن الخلط بين تغيّر المناخ والنزاع قد يُخفي المحركات الحقيقية للنزاع […] وهو ما يبدو جلياً حين تكون سياسات الحكومات نفسها سبباً مباشراً للنزاع والاضطراب، كما في الحالة السورية.
II. من الأمن المناخي العالمي إلى الربيع العربي والثورة السورية
عندما عُثر على الطفل أيلان — الذي سافر مع عائلته بالقارب من سوريا — ميتاً على أحد الشواطئ التركية وانتشرت صورته على نطاق واسع، أعلنت صحيفة المراقب الوطني الكندي: “هكذا يبدو اللاجئ المناخي.”
لم تكن فكرة أن النزاع السوري نتاج لتغير المناخ جديدة أو هامشية. ففي الفيلم الوثائقي قبل الطوفان (2016) من إنتاج ليوناردو دي كابريو، ربط الرئيس أوباما بين الجفاف والاضطرابات المدنية في سوريا، وهو رأي ردده لاحقاً الأمير تشارلز في مقابلة أجريت معه قبل انطلاق مؤتمر المناخ العالمي (COP21) في باريس. وقد طُبِّق السرد حول النزاع المفتعل بالمناخ في سنوات سابقة على أزمة دارفور، حيث نُشر مقال رأي في مجلة ذا أتلانتيك عام 2007 عدّ فيه تغير المناخ أحد “الأسباب الحقيقية” للنزاع، وسرعان ما تبنّى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون هذا الادعاء في تصريحه حول “المذنب الحقيقي في دارفور”.
لكن في عام 2011، لم يكن تغيّر المناخ في طليعة اهتمامات الناس في الشوارع، سواء في سوريا أو في أنحاء العالم العربي. بل كان تركيز معظمهم منصباً على مثلٍ أخلاقي: إنهاء القمع والظلم.
وقد أثارت الاضطرابات في مصر وتونس مطلع عام 2011 حالة من الغليان في مناطق أخرى من العالم العربي، من بينها سوريا. ففي 18 آذار/مارس 2011، خرج أهالي درعا جنوب غرب سوريا بأعداد كبيرة للاحتجاج على تعذيب أطفال المدارس على يد أجهزة الأمن. وكان قد سبق ذلك اعتصامات في 15 آذار/مارس في العاصمة دمشق تضامناً مع الثورتين المصرية والتونسية […] شهدت البلاد احتجاجات شعبية بنطاق غير مسبوق، وردّ النظام باستراتيجية بقاء قائمة على القمع الوحشي والتهديد بالفوضى والحرب الأهلية.
حوّل النشطاء والمثقفون وأفراد المجتمع هذه التعبئة الأولية إلى انتفاضة وطنية أُطلق عليها اسم “الثورة السورية.”
لكن سريعاً ما تحولت أحلام التغيير والأمل إلى مأساة، مع انزلاق البلاد من تظاهرات سلمية ونشاط شبابي إلى تمرد مسلح، ومضاد، فحرب أهلية، ثم إلى ساحة صراع إقليمية بالوكالة. وقد ساهم التدخل العسكري لقوى أجنبية مثل الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا، والدعم المالي من دول الخليج العربي لفصائل إسلامية مسلّحة على الأرض، في تحويل الحراك الشعبي الأولي إلى نزاع دولي.
وفي موازاة ذلك، شكّل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وما تبعه من سيطرته وخسارته لأجزاء واسعة من الأراضي والبنى التحتية في سوريا بين عامي 2014 و2019 طبقة جيوسياسية إضافية تعقّد النزاع السوري.
بواسطة طارق علي | أغسطس 31, 2025 | News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
أقرت الإدارة السورية المؤقتة عبر قنواتها الاقتصادية السيادية وعلى رأسها المصرف المركزي اعتماد سياسة نقدية جديدة من شأنها بحسب المخطط المعلن أن تعالج ما أمكن من الخضّات المالية التي عانت وتعاني منها سوريا. ووفقاً لهذه السياسة سيتم استبدال الكتلة النقدية المتداولة بين أيدي الناس اليوم بفئات أخرى يحذف منها صفران، لتصبح الألف على سبيل المثال عشر ليرات، والمئة تصير ليرة واحدة. وهذا الإجراء ليس حكراً على بلد كسوريا، فقد سبقتها دول كثيرة، ومنها تركيا وفنزويلا، لاتباع هكذا سياسة تحت تأثير التضخم والمشاكل الاقتصادية. بعضها نجح في مخططه وأنقذ عملته، وبعضها الآخر كرّس مشكلة التضخم وانتقل من كارثة اقتصادية لأخرى أكثر فداحةً، كبعض الدول في إفريقيا.
آلية الاعتماد النقدي
سوريا اليوم تنوي طباعة ست فئات جديدة من العملة، ومن أجل ذلك ستشكل لجنتين استراتيجية وتشغيلية لمتابعة الملف، وقد حصلنا على معلومات موثّقة من المصرف المركزي بأنّ العملة الجديدة سيصعب تزويرها ضمن موثوقية حماية أمنية عليا، ولن تحوي على صور أشخاص، وسيتم اعتماد طباعتها لدى جهات “موثوقة.” ووفقاً لمصدر المعلومات من داخل المصرف إنّ الطباعة بهذا الشكل ستهدف إلى تخفيف معاناة المواطنين من التعامل مع كميات كبيرة من الأموال المنقولة سواء لشراء الاحتياجات اليومية ولأغراض البيع والشراء العامة. ولن يؤثر هذا الإجراء النقدي بأي شكل حقيقي على قيمة الليرة ذاتها وقوتها الشرائية، فالمليون هي المليون، ولكن بفارق التسمية وتعداد الأصفار. وباختصار فإن استبدال الكتلة النقدية لا يعني زيادتها في التداول والأسواق، بل يعني فقط تبديل ما هو متداول حالياً. فعلى سبيل المثال، مبلغ مئة ألف ليرة سورية اليوم يعادل نحو 10 دولارات أمريكية، وعند التداول قد يكون عبارة عن رزمة من مئتي ورقة من فئة 500 ليرة، أو مئة ورقة من فئة ألف ليرة، أو 50 ورقة من فئة ألفي ليرة، ومن هنا جاءت سياسة حذف الأصفار لتسهيل التعامل اليومي المباشر.
المراحل الثلاث
وحول طرح العملة الجديدة “الليرة” فإنّ ذلك سيكون على ثلاث مراحل، تبدأ بتداول تدريجي إلى جانب الفئات الحالية المتداولة، ثم سحب الفئات المتداولة سابقة، ومن ثمّ حصر التبديل عبر المصرف المركزي، بالتزامن مع حملات توعية إعلامية واقتصادية لأهمية الخطوة المتخذة وتبعاتها والتي يفترض أن يبدأ تطبيقها قريباً، (من المتوقع أن يكون ذلك مع حلول الذكرى الأولى لانتصار الثورة في الثامن من ديسمبر القادم).
ورغم ذلك ثمّة ما هو أهم بكثير من العملية تلك كلّها، وهي الأشياء التي يحاول المسؤولون عدم تبنيها أو الإعلان عنها بشكل مباشر والتركيز عليها وهذا جانب أساسي من المصداقية، وهنا يجب التوقف عند الجملة التي قيلت لنا في “المصرف المركزي” وهي إنّ الطباعة ستتم عند جهات “موثوقة،” فمن هي تلك الجهات، وما هو رأي الخبراء والأكاديميين بذلك؟
مجازفة استراتيجية
بات من المؤكد أنّ سلطات دمشق ستطبع العملة الجديدة لدى شركة “غوزناك” الروسية، فإذا اتجهت السلطة الانتقالية فعلاً إلى إعادة طباعة العملة السورية في روسيا عبر تلك الشركة المملوكة للدولة الروسية، فإنّ هذه الخطوة تعتبر انزلاقاً خطيراً، ليس بسبب دلالات الانفتاح على موسكو، فهذا موضوع له سياق آخر ومحددات مختلفة، لكن الأمر يتعلق بالشركة الروسية نفسها، فـ “غوزناك” واقعة تحت العقوبات الأمريكية، وسجلّها مثقل بالتورط في طباعة مليارات من الأوراق النقدية لصالح سلطات الشرق الليبي، وقد أُثير حولها الكثير من الجدل لاعتبارها أقرب إلى عملة موازية تفتقر إلى الشرعية، بحسب متخصصين.
كما أنّ الانعكاس السياسي لهذه الخطوة سيكون بالغ الخطورة، إذ ستعزز صورة السلطة الانتقالية ككيان يفتقر إلى رؤية اقتصادية متكاملة، وتضعها في مواجهة اعتراضات دولية وربما إجراءات عقابية جديدة، بحكم تعاملها مع مؤسسة خاضعة للعقوبات الأمريكية. وبدلاً من أن تشكّل لحظة بناء للثقة، ستُقرأ هذه الخطوة كإعادة إنتاج لآليات سلطات الأمر الواقع، ما يضعف موقع السلطة الانتقالية في الداخل والخارج.
مخاوف اقتصادية
طباعة العملة بحسب مصرفيين وأكاديميين تحدثنا معهم بتلك الطريقة وما سيترتب عليها من آثار وأضرار قد يدل على عدم نضوج اقتصادي يتيح للدولة الوليدة التحرك ضمنه. يشرح الباحث الأكاديمي الدكتور مالك الحافظ بصورة مفندة آليات التحرك الاقتصادي الذي ستقدم عليه السلطات السورية بادئاً من موضوع طباعة العملات في روسيا إذ يرى أنّ بحث السلطة الانتقالية عن حل سريع لأزمة فقدان الثقة بالعملة الوطنية، وعن محاولة إعادة تقديم “رمز نقدي” يوحي بوجود سياسة نقدية جديدة. لكن في الجوهر، لا جدوى حقيقية من هذه الطباعة إذا لم تُرفَق بخطة اقتصادية شاملة، لأنها لن تعالج أصل الأزمة المتمثل في التضخم، والانهيار المالي، وتآكل الثقة بالسوق. ويكمل: “بالتالي فإنّ جدوى طباعة عملة جديدة عبر شركة روسية ليست في جوهرها اقتصادية بحتة، فهي انعكاس لأزمة سلطة انتقالية تبحث عن أدوات سريعة تمنحها مظهراً بأنها تتحكم بالمشهد المالي. فالطباعة هنا تُقاس بكونها محاولة لإظهار أن السلطة قادرة على إنتاج نقد جديد وإدارة دورة المال، حتى لو كان ذلك في إطار هشّ ومن دون قاعدة اقتصادية صلبة. في الواقع، ما يُقرأ من هذه الخطوة أن السلطة تعطي أولوية للرمزية السياسية أكثر من المعالجة الاقتصادية، إذ تريد أن تُثبت أنها تمسك بزمام الملفات السيادية الكبرى، ولو شكلياً، وأنها ليست مجرد إدارة مؤقتة بلا أدوات”. وفيما يتعلق يحذف الأصفار يضيف الدكتور مالك الحافظ: “هذا الإجراء يهدف بالأساس إلى إعادة صياغة صورة العملة في وعي الناس، أي تقديم نسخة (مبسطة) توحي بالاستقرار وتُسهل التعاملات اليومية. لكنه لا يحل أصل المشكلة، فالقدرة الشرائية لن تتغير، والتضخم لن يتوقف. الأصفار يمكن أن تعود سريعاً إذا لم يكن هناك انضباط مالي وإطار اقتصادي متماسك. لذلك، يمكن القول إن جدوى حذف الأصفار محصورة في الجانب النفسي والتواصلي، لكنه في غياب رؤية أوسع سيُقرأ كإعلان غير مباشر عن فشل العملة السابقة، أكثر مما سيُقرأ كخطوة إصلاحية”.
الانعكاس المباشر
وحول انعكاس أمر الطباعة الجديدة على سوريا يرى الباحث مالك الحافظ أنّ الانعكاسات الاقتصادية لطباعة عملة جديدة في هذه المرحلة لن تكون حيادية، بل ستكشف سريعاً عن هشاشة البنية المالية والاقتصادية. في المدى القصير قد تُضخ سيولة في السوق وتُسهَّل التعاملات النقدية، ما يعطي انطباعاً أولياً بوجود قدرة على ضبط المشهد المالي. ويحذر: “لكن هذا الانطباع سرعان ما سيتبدد إذا لم يكن هناك إطار استقرار نقدي يحدد حجم الكتلة الجديدة ويضبط مسار العجز والإنفاق. فالعملة لا تكتسب قيمتها من الورق المطبوع وإنما من الثقة بالاقتصاد وبقدرة السلطة على إدارة التوازن بين الإيرادات والنفقات. إذا تم طبع العملة من دون ضوابط أو من دون وجود خطة لتعقيم السيولة الزائدة، فإن النتيجة الطبيعية ستكون تضخماً متسارعاً وانهياراً إضافياً في سعر الصرف”.
ويوضح الحافظ المخاطر المحتملة: “من المرجح أن تؤدي هذه الخطوة، إذا جاءت منفردة ومن دون إصلاحات موازية، إلى تسارع التضخم وتراجع قيمة العملة مقابل العملات الأجنبية. وحين يفقد الناس الثقة بالنقد الوطني، يتوسع اللجوء إلى بدائل كالعملة الصعبة أو حتى المقايضة، وهو ما يضعف دور الدولة في إدارة الدورة الاقتصادية. الأخطر أن الأسواق قد تفسر الطباعة الجديدة كدليل على عجز السلطة الانتقالية عن تأمين موارد حقيقية، ما يعمّق الشكوك ويزيد من حالة الهروب نحو الدولار. بمعنى آخر، الأثر الفعلي لهذه الخطوة سيكون تعزيز صورة أزمة الاقتصاد السوري لا التخفيف منها، لأن الطباعة ستبدو أشبه بمحاولة إسعاف شكلي لمرض مزمن، بينما الواقع يتطلب خطة اقتصادية متكاملة تعالج جذور التدهور وتعيد بناء الثقة قبل أي حديث عن إصدار نقد جديد”.
بين الطباعة لسوريا وليبيا
يعتقد الحافظ أنّ التعامل مع شركة روسية خاضعة لعقوبات دولية يفتح الباب على أزمة أكبر من مجرد طباعة نقد. فهو يضع العملة الجديدة، منذ لحظة صدورها، في موقع الشبهة أمام الأسواق الدولية والمؤسسات المالية. السلطة الانتقالية، التي تعاني أصلاً من نقص الشرعية ومن ضعف الثقة، ستجد نفسها متهمة بأنها اختارت طريقاً محفوفاً بالمخاطر يعرّضها لعقوبات إضافية، أو على الأقل لعزلة مالية أشد. هنا لا يعود النقاش حول جودة الورق أو تصميم العملة، بل حول شرعية الإصدار نفسه، وما إذا كان سيُعامل كعملة وطنية معترف بها أم كأداة نقدية مرتبطة بكيان مؤقت يخالف قواعد الامتثال المالي العالمي. وحول هذه النقطة يوضح الدكتور مالك الحافظ أنّه: “إذا نظرنا إلى تجربة ليبيا، فإن المثال يوضح خطورة الانزلاق. طباعة عملة عبر “غوزناك” هناك لم تساهم في حل الأزمة، بل خلقت ازدواجية نقدية وأثارت نزاعات حول شرعية الأوراق المتداولة. السوق الليبي تعامل مع النقد الجديد كأداة لتكريس الانقسام، وأصبح الاقتصاد أكثر تشتتاً، فيما تراجعت قدرة أي طرف على فرض سياسة نقدية موحدة. إعادة إنتاج هذا السيناريو في سوريا تعني عملياً أن العملة الوطنية ستفقد ما تبقى لها من رمزية”.
الموقف الدولي
تباينت آراء أكثر من متخصص في العلوم الاقتصادية حول طباعة عملة جديدة، البعض أشاد بالفكرة إن تمّ تطبيقها وفق رؤية مسبقة حقيقية وقائمة على نواة علمية ثابتة لضمان عدم تكرار هفوات وأخطاء وتجارب دول أخرى كانت تظن أنّ الخلاص بحذف الأصفار، لتجد أنفسها محتاجة ملايين الملايين من جديد لشراء قطعة بسكويت. فيما قال اقتصاديون آخرون إنّ شؤوناً من هذا النوع هي سيادية خالصة ولا تحتمل التأويل والتجريب والاعتماد على نصائح غير الخبراء، ومن بين أصحاب هذا الرأي المتخصص في العلوم المصرفية أحمد سويفان، إذ يرى المعاجلة في طرق الباب الروسي تعطي انطباعاً عن عدم التمكن من الوصول إلى دولٍ أخرى. فبالعموم اختيار شركة معاقبة من أصل شركات عديدة هو بمثابة رسالة انتحار للخارج الذي كان يراقب بهدوء السلطات الجديدة.
من خيار اقتصادي إلى عبء دبلوماسي
يمكن الاستخلاص إلى أنّ إقدام السلطة الانتقالية على طباعة عملة جديدة في روسيا، خصوصاً عبر مؤسسة معاقبة، سيضعف صورتها الرسمية على أكثر من مستوى. على الصعيد البروتوكولي، ستبدو كحكومة عاجزة عن الوصول إلى شركاء محايدين أو مقبولين دولياً، الأمر الذي يضعها في خانة “سلطة أمر واقع” أكثر من كونها سلطة انتقالية مسؤولة عن إعادة بناء الثقة مع الخارج. هذه الخطوة سترسل إشارة سلبية إلى العواصم الكبرى وإلى المؤسسات المالية الدولية مفادها أن الحكومة السورية المؤقتة لا تملك القدرة على احترام قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية، وأنها مستعدة للجوء إلى أي مسار، حتى لو كلّفها ذلك عزلتها.
أما على الصعيد المالي، فإن هذا الخيار يضعف احتمالات أي تعاون مستقبلي مع بنوك دولية أو مانحين، لأن التعامل مع عملة مطبوعة لدى جهة معاقبة سيجعلها غير مرغوبة في أنظمة الدفع العالمية، ما يعرقل أي عملية إعادة إدماج لسوريا في النظام المالي الدولي. وفي الداخل، ستظهر السلطة الانتقالية ككيان يفتقر إلى الرؤية الاقتصادية الرشيدة، ما يعزز الانطباع بأنها لا تدير مرحلة انتقالية من أجل الإصلاح، بل من أجل البقاء السياسي. النتيجة النهائية ستكون إضعاف موقع سوريا الرسمي في علاقاتها مع العالم، وتحويل خطوة كان يُفترض أن تكون إدارية إلى عبء دبلوماسي ومالي جديد.
بواسطة علي محمد إسبر | أغسطس 27, 2025 | Culture, بالعربية, مقالات
استخدم المؤرخ اليوناني هيرودوت (484-425 ق.م) في كتابه “التاريخ”، بشكل متكرر، اسم (“سوريا=Συρία=تنطق باليونانية سيريّا”) للإشارة إلى منطقة تشمل مساحة أوسع مما يُفهم عادةً على أنه سوريا اليوم، إذ كانت تمتدّ مِنَ الشَّمال من نهر هاليس الذي قال عنه هيرودوت حرفيًّا: “هذا النهر، الذي يفصل سوريا عن بافلاغونيا Paphlagonia، يتدفق من الجنوب إلى الشَّمال، ويَصَبُّ في النهاية في البحر الأسود”. علمًا أنَّ الأتراك يُسمّون نهر هاليس الآن نهر (قيزيل إرماك) ويتدفق في مسافة إجمالية تبلغ نحو 1335 كم، كما كانت منطقة بافلاغونيا موطنًا لشعب قبلي هو الكاشا في عهد الإمبراطورية الحثية القديمة التي ترجع إلى الألفية الثانية قبل الميلاد؛ وتمتد سوريا جنوبًا وفق هيرودوت حتى جبل قاسيون وتشمل مدن مثل قادش (Cadytis)، التي يُعتقد أنها القُدس؛ ولم يحدِّدْ هيرودوت حدودًا شرقية واضحة، لكن يُفهم من سياق كتاباته أن سوريا تمتدُّ شرقًا حتى مناطق قريبة من بلاد الرافدين؛ أما حدودها الغربية فتشمل الساحل الفينيقي على البحر الأبيض المتوسط. إذن، -وفق هيرودوت- كانت سوريا تشمل رقعة جغرافيّة هائلة.
لكن تحدَّث هيرودوت في كتابه نفسه عن (“آشور Ασσυρία=تنطق باليونانية أسيريّا”)، على نحو أدّى إلى حدوث خلط في عقول القرّاء اليونانيين بين (Συρία=سيريّا) و(Ασσυρία= أسيريّا)، أي بين سوريا وآشور، ويُلاحظ هذا الخلط حتى في رسم هذين الاسمين باللغة الإنكليزية، إذ يرد اسم سوريا هكذا: Syria ويرد اسم آشور هكذا: Assyria، وقِسْ على ذلك في لغات كثيرة.
انتبه المستشرق الألماني ثيودور نولديكه (1836-1930 م) إلى هذا التقارب في النطق والكتابة بين اسمي سوريا وآشور. إذ في بحث له نشره في مجلة “هرمس” في العام 1871، وضع نظرية مفادها أن الصفة “سوري (Syria(n))”” في اليونانية هي شكل مختصر من الصفة “آشوري “(Assyria(n))، وسادت نظريّة نولديكه منذ ذلك الحين في الأوساط العلميّة المتخصّصة، ونبّه نولديكه إلى أنَّ الترجمة السبعينية للكتاب المقدس العبري، وكتابات الفيلسوف الرواقي السوري بوسيدونيوس، والمؤرخ اليهودي يوسيفوس، وأعمال الآباء المسيحيين الأوائل تشهد جميعها على أنَّ العالَم الناطق باليونانية، بدءًا من القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد تقريبًا، قَصَرَ اسم “سوري” على اللغة الآرامية والآراميين أينما وُجدوا، سواء في سوريا نفسها أو حتى في جنوب بابل. لكن سنجد لاحقًا أنَّ هذا الرأي يحتاج إلى تدقيق أعمق!
استمر رأي نولديكه سائدًا وصولًا إلى العام 2006، حين نشر عالم الآشوريات ر. رولينجر Rollinger بحثًا في “مجلة عالم الشرق” نبّه فيه إلى نقش كُشِفَ حديثًا، يعود إلى النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد، من بلدة تشينيكوي Çineköy بالقرب من أضنة في تركيا الحديثة. يحتوي النقش على نص ثنائي اللغة، مكتوب بالهيروغليفية اللوية Luwian hieroglyphs (=لغة كانت سائدة شمال سوريا) والأبجدية الفينيقية. في النص الفينيقي، يُكتب الاسم الجغرافي “آشور” (Assyria) واسم “آشوريين” (Assyrians) بينما يستخدم النص اللوي المقابل Sura/I = سوراآي للتعبير عن كلا الشكلين علمًا أنّه لم يكن من غير المألوف في العصور القديمة وفق رولينجر استخدام اسم جغرافي بصيغة المفرد كجمع، للدلالة على مجموعة من الناس).
لذلك يدحض ر.رولينجر نظريّة نولديكه، إذ بدلًا من أن يكون اليونانيون قد حرفوا “سوري” (Syria(n)) من “(آشوري” (Assyria(n)، من المحتمل أنهم تبنوا الشكل المختصر من هذه المناطق.
لكن استطاع الباحث في الدراسات الآرامية جوني ميسو Johny Messo في بحث له بعنوان (“أصل مصطلحي “سيريان” و”سو-ريو-يو” مرة أخرى” أن ينبّه ببراعة إلى أنه رغم الارتباك الذي لوحظ بالفعل بين اليونانيين والرومان بعد هيرودوت، لم يكن هناك مثل هذا الارتباك موجودًا بين المسيحيين الأوائل الناطقين بالآرامية الذين كانوا متضلّعين في اللغة اليونانية. في لغتهم الأم، كان هناك دائمًا تمييز واضح بين آشور (آشوريين) وسوريا/(سوريين)، حيث كانت هذه المصطلحات مختلفة تمامًا في الصوت والنطق وكذلك في المعنى. كما هو الحال الآن في اللغة العربيّة الفصحى.
لكن في رأي ميسو وقعَ الآراميون ضحية التهلُّن Hellenization. إذ بمجرد أن بدأ اليونانيون في حكم الشَّرق الأدنى والسيطرة على الأراضي الآرامية أو التي تنتشر فيها اللغة لآرامية إلى حد كبير، قيَّدوا المصطلح الآراميّ الشامل سابقًا “سوري SŪRYOYO” وحصروه بالآراميين، بما في ذلك لغتهم وثقافتهم وأراضيهم. ويقصد ميسو من ذلك أنَّ اسم سوريا الذي كان يُطلق وفق هيرودوت على رقعة جغرافيّة هائلة ويوصف سكانها بأنهم سوريون أصبح يُطلق فقط على الآراميين، وهنا نميّز بين مرحلتين في التأريخ اليوناني لسوريا: مرحلة هيرودوت، ومرحلة ما بعد هيرودوت التي بدأت مع غزو الإسكندر الكبير لسوريا واستمرت مع خلفاء الإسكندر من السلوقيين على وجه التحديد.
وعليه، لا يمكن أن تصمد النظرية الشائعة التي تفسر “سوريا” كشكل مختصر من “آشور” التي أدت إلى فكرة أن اسمي سوريا وآشور مرتبطين في اللغة الآرامية. وهذا الفهم-في رأي ميسو-لا ينسجم مع ما يُسمَّى الصحوة القومية بين السريان/الآشوريين في أواخر القرن التاسع عشر، حيث سعى بعض المفكرين والنشطاء إلى تأكيد هويتهم الآشورية وتمييزها عن الهوية السريانية العامة. لكن هذا –في رأي ميسو-يُعَدّ مسعى حديثًا لا يوجد أساس تاريخيّ له، وهو نتاج الصحوة القومية السريانيّة منذ القرن التاسع عشر، التي تعززت بعد الحرب العالمية الأولى.
وأشار ميسو إلى معلومة مهمة جدًا وهي أن الفيلسوف الرواقي السوري بوسيدونيوس (مات 51 ق.م) والمؤرّخ اليوناني استرابون (مات 24 م) أكدا أنَّ اليونانيين أطلقوا على الآراميين اسم “سوريين”، لكنهما أضافا أنَّ الآراميين كانوا لا يزالون يطلقون على أنفسهم اسم “آراميين”. ويؤكد المؤرّخ اليهوديّ يوسيفوس أن آرام بن سام بن النبي نوح، “حكم الآراميين”، الذين يُسمِّيهم اليونانيون سوريين، وأصبحت لغتهم تُسمَّى السريانيّة، ومن هنا خرجت نظريّة أنَّ سوريا هي بلاد سام، ثم أصبحت بلاد “الشام”.
كان السِّريان المجموعة الآرامية الوحيدة في العصور القديمة المتأخرة التي كان كلّ فرد من أفرادها يُطلق على نفسه بسبب التأثير اليونانيّ اسم سوريّ (Sūryoyo= تنطق سو-ريو-يو)، ولفت ميسو انتباهنا إلى أننا نجد أقدم الوثائق التي يرد فيها هذا الاسم العِرقي في مخطوطات الآرامية الإديسية، أي الآراميّة الرُّهاويّة التي كانت منتشرة في مدينة الرُّها السوريّة التي خضعت للتهلُّن بشكل كبير، وبدأ هذا الاسم بالانتشار مع مطلع القرن الخامس الميلاديّ إذ بقيت اللغة اليونانية سائدة حتى في العصرين الروماني والبيزنطيّ.
هذا، -وفق ميسو- بمجرد صياغته وإدماجه في الآرامية الرُّهاوية، تعايش مصطلح “سوريّ Sūryoyo” مدّة مع التسمية الذاتية “آرامايَه” (Armāyā) التي كان الآراميون يطلقونها على أنفسهم. وهكذا، ظهرت مرحلة زمنية انتقالية، يمكن تأريخها تقريبًا بين 440 و500 م. بعد أن اكتسب الاسم الجديد سيادة، أصبحت التسمية الذاتية التقليدية قديمة الطراز وسقطت في نهاية المطاف في غياهب النسيان؛ ومع ذلك، استمر السريان الشرقيون والغربيون في بعض الأحيان في تعريف أنفسهم ولغتهم بـأنهم “آراميون؛ ولغتهم آرامية” حتى القرن الرابع عشر، إن لم يكن لاحقًا. ومن المثير للاهتمام-في رأي ميسو-أن القرن الخامس الميلادي يظهر مرحلة انتقالية استُخدمت فيها التسميات الآرامية لـ “سوري؛ سرياني” (Sūryoyo) و”آرامي “(Armāyā) جنبًا إلى جنب. في النهاية، حلَّ “سرياني”، الاسم المترجم للمصطلح اليوناني “سُريوس Súrios”، كتسمية ذاتية للآراميين المسيحيين على حساب التسمية الآرامية الأصلية “آرامايَه”، التي تطورت لاحقًا إلى “أرومويو” (Oromoyo) في السريانية الغربية.
لكن ما يجب أن ينصبّ عليه البحث أصلًا هو من أين استقى هيرودوت نفسه اسم سوريا، ولا يوجد أيّ احتمال-في تقديري-سوى أنه استقاها من الكنعانية أو الفينيقيّة، ويُعَدّ مستغربًا بالنسبة لي ألا نجد عناية هؤلاء العلماء (المستشرقين) قد انصبّت على البحث عن أصل اسم سوريا في الكنعانيّة أو الفينيقيّة.
يجب هنا أن نقف عند اسم يرد في النقوش الفينيقيّة هو: [‘SR] وينطق بالفينيقية سور، وفُسِّر في “معجم الحضارة الفينيقية والبونية” الذي حرَّره إدوارد ليبينسكي (الناشر: بريبولس، تومهويت، 1992، ص: 45-46.) على أنَّ SR يدلّ على مكان: آشور (Assyria)، لكن فُسّرَ الاسم نفسه [‘SR=سور] في معجم ف.ل.بينز “الأسماء الشخصية في النقوش الفينيقية والبونية، ص: 73.” (الناشر: المعهد الكتابي للطباعة، روما، 1972.) على أنّه اسم للإله آشور.
وإذا تتبّعنا النقوش الفينيقيّة سنجد الاسم نفسه SR=SOR=سور يرد في “معجم الحضارة الفينيقية والبونية، ص: 477-480” بمعنى آخر هو صُور، أي المدينة الفينيقيّة المعروفة، كما نجد الاسم نفسه (SRY= SORI=سوري) يرد في معجم ف.ل.بينز “الأسماء الشخصية في النقوش الفينيقية والبونية، ص: 178” بمعنى صُوري، أي أحد سكان مدينة صُور، أو أحد سكان فينيقيا بوجه عامّ.
إذن، هنا يظهر التباس كبير فاسم [‘SR=سور] يدل وفق هذه المعاجم في وقت واحد إما على بلاد آشور أو مدينة صور، على نحو يكشف التباسًا في تأويل النقش، فما سبب الإحالة في التأويل إلى آشور أو صُور دون الإحالة إلى سوريا وفق وصف هيرودوت لها، لذلك تحتاج هذه المسألة إلى إعادة نظر بعمق لأنَّ البحث الدؤوب لا بدّ أن يكشف ورود اسم سوريا في النقوش الكنعانيّة أو الفينيقيّة بما يتضمن الدلالة على سوريا نفسها. مثلًا يرد اسم مدينة صُور باليونانية Τύρος=تيروس=ويرد أيضًا باللاتينية Tyrus=تيروس، ولا يرد بما يتفق مع نطق الاسم الفينيقي [‘SR] =سور. لذلك يمكن أن يكون اسم سوريا الفينيقيّ الأصلي قد طُمِس في اسم صور، وفُسِّرت النقوش الفينيقية التي تحتوي على أسماء من قبيل سوريا، سوري…على أنها تدل على صور، صوريّ، أو آشور، آشوريّ، وهذا بحث يحتاج من دون شك إلى دلائل أركيولوجيّة حاسمة على أساس إعادة تفسير النقوش بناء على معايير علمية دقيقة.