by علي جازو | Dec 12, 2025 | Culture - EN, Poetry - EN, Reviews - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
في ديوانها الجديد “مثل قلب على مدخل بيت” (دار أثر، 2025) تقدّم الشاعرة السورية هنادي زرقه شعرًا في حالته الأولى: شعرًا خامًا، يولد في البدء والمباشرة، ويستمد مادته وأنفاسه من سيرة الذات وأيامها المعاشة. الشعر هنا، نداء وجداني، محاورة النفس وتكثيرها بالتذكر والحنين والظنون والأحلام والشكوك والمخاوف، بما هو مستقر في قاع النفس ملتصق بها ولا يغادرها.
تجربة فعلية
تأتي الكلمات والعبارات من التجربة الفعلية، من الحياة المعاشة كما هي، من الإحساس الأوليّ، من الانطباع الفطري والآنيّ، مما هو خاطرة ويوميات، مما يشبه قصاً قصيراً، سرداً أقرب إلى مقاطع من سيرة. هو ذا شعر لا يتكل على عدة من خارجه. شعر قادم من الداخل الذي هو حياة متحولة وذكرى حياة. شعرٌ كهذا لا يجد فرقاً بين الحياة والكلمات، وهو على الأرجح يُلحم الاثنين يُطعّمهما ليغدُوا جديداً واحداً. شعرٌ يستنبت نفسه، يسقيها وينتظر إثمارها. لنقل إنه يُثمر من أي جهة طالما كانت معاشة ومختبرة. يأتي من الألم لكنه يتخطاه. شعرٌ هو بمكان ما يتنزه مع كلاب الوحدة.
تكتب هنادي كما تتحدث مع أصدقائها، كما تفكر وتشعر، كما تمشي وتشير، كما ترى وتتذكر. لا مسافة بين ما نتكلمه وما نكتبه. الفكر والشعر والسيرة والرؤية والتذكر أمر واحد، قصيدة. التأليف والترتيب الفنيان يأتيان على وقع ما نعيش وما عشناه. هنا نجد مثالاً أليفاً للشعر، مثالاً لا يأتي من الرمز أو التصعيد الجمالي أو التسامي الذاتي من خلال اللغة بما هي جوهر شعري ربما يبتعد عن مصدره وأصله. هنادي لا تبتعد عن المصدر “الأهلي” للشعر، عن التذكار العائلي والطفولي، عن نفسها كما كانت وكما هي الآن.
يأتي الشعر من الكلام المسموع والمقروء، مما قد تفتت وتناثر وهاجر، من الرحلة وركام التنقل والسفر والإقامة الجديدة. مصدر الشعر هنا ليس الكتب وحسب ولا القراءة فقط. كلمات الكَلام هي ما تصنع القصيدة، الكلمات بما هي حاجة وبما هي منهل وبما هي ناقل ورسالة ورجاء واستنطاق للصمت والعزلة والحيرة. لكن الشاعرة أيضاً تتكلم إلى نفسها، أو تسمع صوتها الذي لا تجد له مقابلاً في وجه آخر. الشعر والكلام هنا حاجة قبل أن يكون تأليفاً.
تأملات في اللحظة العادية
يتميز ديوان “مثل قلب على مدخل البيت” بلغةٍ حيةٍ قريبة، تنبثق من التجربة الشعورية المباشرة، مما يشبه ما نتداوله من كلمات وعبارات لا من التنظير أو الزخرفة اللفظية. الشعر ان ترى وتقول ما تراه. لا تجد هنادي في الكلام المتناقل، قد لا يكون بالضرورة كلامها هي نفسه، والحدث العادي ورؤية الأشياء اليومية ما يبعدها عن الشعر. على العكس هي تجد في اللحظة العادية والمتكررة ما يستدعي التأمل وما يجلب الانتباه. لا بلاغة استعراضية ولا تغريب. فهي لغة بسيطة، لكنها عميقة المنشأ الحسي إذ تعتمد على التفاعل الفوري مع اللحظة، فتسجّل الانفعال كما هو، دون أقنعةٍ أو تصنّعٍ. ليست البساطة شحّاً لغوياً، بل هي هنا اختيارٌ فني وتكثيف حسي، ما يجعل الكلمة تعبّر بصوت الفرد الذي ربما لم تبق غير الكلمات تصوّره وتحميه، تتحول إلى خلق ثان وثوب جديد.
الكتابة في هذا الديوان أقرب ما تكون إلى التصوير الفوتوغرافي، حيث تتحول القصيدة إلى لقطةٍ حيّةٍ، تلتقط تفاصيل الواقع المحيط. الكلمات هنا ليست رموزًا غامضة، بل هي صور ملموسة، تُمكِّن القارئ من رؤية المشهد وسماعه ولمسه.
هذه اللغة، بما تحمله من لمسٍ حسيٍّ ورجاءٍ دافئٍ وشكوى مريرةٍ، تُعبّر عن عمق التجربة الإنسانية التي تعيشها الشاعرة. فهي تجمع بين الأمل الصعب والإيمان الأصعب، بين الحلم والخيبة، وتنسج من هذه التناقضات نسيجًا شعريًا متماسكًا. لا مكان في هذا الديوان للمجاز الفضفاض أو الغموض المفتعل؛ فالمَجاز هنا ينبع من حرارة الشعور لا من صنعة البلاغة. وهكذا يصبح الديوان شهادةً على صدق القول الشعري وقدرته على الإمساك بجوهر الحياة في لحظتها الآنية.
تدوُّن هنادي كلمات قَصائدها كما تأتيها. هذا قد يعني أنها تكتب على السماع على ضوء الصدى، على نوعٍ من اليُسْر والتبسيط، على ما يتردد ويَتواتر في ذهنها. لكنها أيضاً تكتب وتنهل من معجم مرئي أمامها. من هذا المكان الجديد المتاح والمعاش والمفتوح أمام ناظريها. هي إذاً تسمع وترى وفي الآن تمزج المرئي بالمسموع في بنية واحدة في مقاطع صوتية قصيرة ومتتابعة.
نضارة اللاشكل
ليس ثمة شكلٌ واحد أو نموذجٌ شكليٌّ يتكرّر. فكل قصيدة، إذ تُكتب وتنمو، تبلغ خاتمتها من دون قيدٍ مسبق أو شرطٍ شكليٍّ مفترض. وقد يوحي ذلك للقارئ بأن هنادي تنطلق من اللاشكل، أو بأن البنية النهائية للقصيدة ليست ذات أولوية. الأهم هنا هو القول والكتابة وإيجاد المعنى؛ الأهم هو هذا الحوار الداخلي والنداء الذاتي، وإخراجهما إلى نور الكتابة ونهار القصيدة.
يحضر في هذا الديوان العالمان المكاني والنفسي جنبًا إلى جنب، الذاكرة والحاضر. نرى الأمكنة القديمة والجديدة تتجاوَرُ كأنها وجوهٌ مختلفة للذات نفسها. ما هو نفسيٌ قرينٌ لما هو زمنيّ، أحدهما يشكل الآخَر ويُدخله في نسيجه ومحتواه. الدقائق مشاعر وحالات، الساعات والشهور مراحل وتحولات. برلين، على وجه الخصوص، تتجسد حضورًا كثيفًا، ليست مجرد مدينة، ليست انتقالاً جغرافياً، بل كيانٌ شعوريٌّ نابض: مدينة الكلاب والعزلة والأشجار الكثيرة، اللغات التي لا تتحول أو تقدر ان تكون لغة واحدة متاحة ومفهومة حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى إشاراتٍ عن الوجود الإنساني في أكثر حالاته هشاشة ووحدة وتخبطاً كما في قصيدة “حيوان أليف يدخن” إذ نقرأ “تجلسين على الشرفة لتدخّني. التدخين، في برلين، ممنوع داخل المنازل! تنصاعين مثل حيوان أليف. يخرج سنجاب من ثقب في أسفل الشجرة. سنجاب متردد. يقف. يحك قدمه ثم أنفه. يصعد. ينزل. يواصل الصعود والنزول اعتباطاً من غير هدف واضح. أو هكذا يبدو. يسقط على الشرفة المقابلة. يقف حائراً لا يعلم أي اتجاه يسلك إلى الثقب-البيت. ساعة بأكملها، تراقبين السنجاب في ضياعه. تبرد القهوة. تنطفئ السيجارة، فيما سنجاب الوحدة يحفر ثقباً في روحك/ تحاولين الولوج منه إلى بيتك هناك”.
سجل حياة
الشاعرة تكتب سجلّ حياتها الشعري، الحياة بما هي معاش يومي ومكابدة مزدوجة، مكابدة المعنى ولغة المعنى. ثمة الواجب وثمة صورته الماثلة والثقيلة، ثمة الجديد الطارئ والقديم الذي يرفض أن يتقادم ويبتعد ويندثر. ثمة النموذج المفترض، وثمة غواية اللا نموذج. هنا الحاضر البرليني وهناك والماضي السوري. لكن القصيدة غير قادرة على النجاة من ماضيها وماضي بلد الشاعرة. هي عالقة بين زمنين مُقسَّمة، دون أن تنتمي الى اي منهما على نحو كلي وناجز. السؤال الشعري سؤال في الانتماء والهوية يطوف حول الذاكرة، الحنين لا يكفيه جواباً والنسيان لا يشفيه. لا أحد يمد طوق النجاة، لا سند ينقذ الشاعر والشعر نفسه. القصيدة هي هذا التوهان هذا التأرجح المَرَضي، الانتقال غير المستقر بين زمنين وفكرتين. لكن هنادي تنقل هذه الاسئلة الحياتية والأدبية من عالم الفكر المجرد الى التجربة الفردية المحسوسة، وربما يكون الفرد هنا معياراً تُقاس به وعليه الحوادث ومعانيها.
لا بوصفه تذكّراً للأحداث، بل بوصفه تأمّلًا في الشعر نفسه، في كونه طريقة حياة لا مجرّد كتابة. الشعر عندها مواز للحياة، نسخة عنها، بل شرطها وسرها ودافعها الأول، فهو الدليل في التيه، والاختبار المرير في مواجهة معنى ينسف الإيمان الشخصي. إنه اعتراف وكتمان في آنٍ واحد، تردّدٌ دائم بين التذكّر والنسيان، بين الرغبة والندم. يبلغ الشعر هنا مرتبة النشيد الشفاهي، فهو خطابٌ وحوارٌ ونداء. الكلمة ليست غاية، بل تفصيلٌ للنداء نفسه، حياكةٌ للقول حول التجربة.
إن مجموعة قصائد “مثل قلب على مدخل البيت” ليست مجرد نصوص ذاتية، بل رحلة في الوعي الحسي والشعور الحرّ، رحلة تثبت أن الشعر، حين يكون صادقاً، ووليد تجربة وترحال يصبح شكلاً من أشكال العيش، ووسيلةً لمحاورة الذات مع وحدتها. الشعر هو هذا القِران المستولد من عزلات متراكمة، هذا التزاوج، هذه النجوى وهذا الإسرار بالدعاء “إلهي.. إلهي/لا أريد أن أكون غزالة أو فيلاً/ أعد لي جديلتي/وعيني الواسعتين/وفمي الكبير/وضحكة واحدة/ تخلخل هذا الموت الجاثم فوق صدري”.
by علي جازو | Aug 25, 2025 | Culture - EN, Poetry - EN, Reviews - EN, بالعربية, Articles - EN
القصيدة ـ الديوان “الكلمة المرفوضة”، صدرت عن “خان الجنوب” في برلين، للشاعر الكردي السوري جولان حاجي لا تنحو لقول شيء بعينه ولا تتمحور حول موضوع واحد، على الرغم من أن الديوان كله محوره العين.
العين الحقيقة العلمية، العين والحياة المحيطة المرئية، العين التي تحول كل ما خارجي إلى داخلي، والتي تظل نظيفة خالية، إنها العين اللغز، حسّاً ومعنى وصورة. “الوجه لغزٌ لغزُهُ العينُ/ من أي كلمة تُستخرَج الحقيقة لتُرمى كلُبّ الجوز إلى كلب الموت فيشمّها ويتركها/ بأي حدقة كالفلس الصدئ سيُرشى/ خائفةً وصلت الروح، جريحةً بالسوط في يدها، الذائقة علقمَ النظرات، المستظلة بالخفاء/ الحالمةَ بأجمل الأجساد، المحرومة رَجَت لرحلتها صاحباً أوفى من الغبار، مؤونةً أخفَّ من الذاكرة، يداً أرحمَ من الشمس ـ خوفُها أقوى من أي حنين ص100.”
يبدأ الديوان بمقدمة “ابتسامة جمجمة” عود إلى التذكير بأيام الملتقى الأدبي لجامعة حلب سنة 1980. كان بين شعراء الملتقى فؤاد محمد فؤاد الذي أصدر مجموعة شعرية بعنوان مستعار من أرسطوطاليس “أجزاء الحيوان”. يرى جولان حاجي في أجزاء الحيوان “استقراءً لأعضاء الجسد عبر قصائد غنائية قصيرة. يبدأ هذا الديوان الصغير بالحيوان وبه ينتهي… يقرأ فؤاد ما لا يُرى من الجسد، تدخل الكلمات تحت الجلد، وراء الصورة التي يحب أن يراها الناس. يخاطب الغضروف ويستنطق المخيخ والحبل الشوكي والمعثكلة والطحال..، كل عضو يحمل نهايته موسوماً باسمه، فيما الحيوان لا ينطق ولا يسمّي ولا يفسّر شيئاً ولا يعي موته”.
في القسم الثاني من كتاب جولان حاجي نجد نص “العصا والمخروط”. تذكير بآلية عمل العين، حاسة البصر، مع شروح علمية حول مسار الضوء وأثره على الرؤية، وتأثير الصور المرئية على الذاكرة والفكر وبالتالي اللغة والتعبير “نصف المعلومات التي ينهمك بها الدماغ هي معلومات بصرية، عيوننا لا تلتقط صورة طبق الأصل عن أي شيء.”. وفي القسم الثالث يبدأ “المنفذان” وهو متن ديوان “الكلمة المرفوضة”.
القصيدة لدى جولان في هذا الكتاب تنبسط من تلقاء نفسها، مثل راحة يد مفتوحة، تتلقى الضوء ولا تطلب ولا تشكو ربما إلا له. القصيدة شكوى الجلد إلى الضوء. تقفز من حال إلى حال، تعلو وتتداعى، مثل حال أنفاسنا ومخاوفنا، توجز وتسهب وتقتبس بعضها من بعضها في كل جامع غير متشابه.
هكذا غير عابئة بشكل محدد، ولا بصيغة ثابتة، تنتقل من طور إلى آخر، من زمن الطفل إلى مأوى الشيخ، في رحلة طويلة متشعبة، جامعة المعاني والأسئلة، الذكريات والآمال والكوابيس، لكن غير غافلة عن النسيان سيد الأزمان كلها: “جسده مدينة خاوية استعجل الوصول إليها ليجلس على بابها كالحراس الوحيدين، حراً وسجينا كالبحر، سرق أحدهم الكلمات من أفواه النائمين فيها، رفع ثوب السماء واندس تحت الأفق، هارباً بحقيبتين من النفائس ـ لن يجد المستيقظون فيها في الغد كلمة واحدة لا تستحق النسيان، لن يجد الجار تحية صغيرة يلقيها على جاره ص51”.
قصيدة طويلة تتناسل عبر سرد نثري متواصل متقطع في آن واحد. نحن أمام شعر لا يغنّي ولا يعظ ولا يأمر. لا صوت عالياً ولا حماسة ثائرة . القصيدة في غِنىً عن كل ذلك. هنا نجد الشعر وقد تحول إلى تلقٍ حاضنِ الضوءَ والظلامَ، الليل والنهار مختلطين. بل هو احتضان رحب يتجاوز الضوء والظلام، ذلك أن الشعر في الكلمة المرفوضة أوسع وأرق وأقسى من أن يتحول إلى لقاء سهل لتناقضات بلا منفذ بلا نهاية! ربما هو شعر كتب بمزاج الفجر ورحيقه الحارق.
القول إنه شعرٌ أوسع وأرق وأقسى إنما يعني أن الاكتفاء بالمرئي قد تحول إلى ثراء هادئ، والرقة أخذت بيد التائه والمنبوذ إلى ملاذ الناسك، والقسوة غدت مرآة الماضي الذي لا يكف عن العودة بالخيبة الثقيلة والمرارة الجارحة.
سرد متعاقب متقطع من خلال ذاكرة بصرية حافلة، ذاكرة هي رحلة للجسد والنفس عبر العين وحدها.
الشعر مع جولان حاجي شاهدٌ نزيهٌ ومراقبٌ صامتٌ. الهامشُ بيتُهُ، بعدما ضاق المتن بالجميع وأفسدهم. من الصمت يأتي كل هذا الصخب الدفين، وهذا العبور الهائل فوق الأسئلة، العبور الرافض لقيود الجواب الرنانة.
by مفيد عيسى أحمد | Aug 21, 2025 | Culture - EN, Poetry - EN, العربية, بالعربية, Articles - EN
تطوّر المنجز الإبداعي الشعري في الشكل وأداة التوصيل وأغراض الشعر، على ضوء متغيرات عصر النهضة، هذا ما عمل عليه الدكتور “إياس حسن” في كتابه ” النهضة والشعر ” الذي صدر عن دار “أرواد” للطباعة والنشر؛ عام 2025.
أتبع العنوان الرئيس بعنوان شارح هو “أثر النهضة العربية في الشعر العربي” وحدد مجال البحث الذي تضمنه الكتاب في الصفحة الداخلية للعنوان ببندين هما: نشوء المجموعة الشعرية وتطوّر بيئة الشعر التواصلية وظهور المنهج النقدي.
خصّص الباحث الفصل الأول لنشوء المجموعة الشعرية وقدّم لذلك بالتعريف بالمجموعة الشعرية؛ وتناول المواضيع التالية:
ظهور المجموعات الشعرية
يرى الباحث أنه كان للإرساليات الدينية القادمة من الغرب، وللنهضة التي شملت نواحي الحياة كلها أثر جليّ في ظهور المجموعة الشعرية. هذا الشكل الجديد المادي من حوامل الشعر، كذلك يعيد الباحث التطور الذي حدث على نظم الشعر وتجميعه إلى ظهور الجمعيات الثقافية كجمعية شمس البر التي أعلن عنها عام 1868 وجمعية زهرة الآداب التي أعلن عنها عام 1869 إضافة إلى تأثير انتشار الطباعة التي أدت إلى ظهور المكتبات كمكتبة بطرس الأمريكاني التي افتتحت عام 1876 والمكتبة الظاهرية التي افتتحت عام 1879. تأثير آخر كانت له أهمية كبرى هو الاستشراق الذي ساهم في نشر التراث العربي وإن كان بنظرة مغايرة للمعتاد التقليدي الذي تناوله كموروث ثابت جامد يقترب من الكامل لا يجوز تناوله بالنقد.
أثر الكتاب المطبوع كحامل مادي جديد:
تغيّرت وسيلة التواصل الشعري بالخروج من الحالة الشفاهية التي كانت تقوم على المنشد الراوي، إلى وسيلة جديدة تمثلت بالكتاب كحامل مادي، وبذلك انتقلت الوصاية على النص من المنشد إلى الناسخ في حالة الكتابة، الوراقة، ثم الناشر في حالة الطباعة.
تبدّلت هذه الوصاية بعد ذلك، فعملية تجميع القصائد، صار الشاعر يقوم بها، بينما كان سابقاً أصدقاؤه أو المهتمون يتكفلون بهذا العمل. هذا ما فعله أحمد شوقي في ديوانه “الشوقيات”.
لكن سلطة الشاعر ظلت ناقصة؛ فمراجع الديوان أو الناشر ظلّ يغيّر في عناوين القصائد وترتيبها، كما فعل أحمد الخوفي في ديوان أحمد شوقي، توضّح ذلك بعد ظهور الديوان المطبوع، والذي اقتضى عنواناً للديوان ومكاناً خاصاً لهذا العنوان، كذلك ظهر الغلاف وصار عتبة للديوان بتطوّر شكله وإخراجه، بدل أن كان مجرد حافظ مادي في المخطوطات.
تطوّر العنوان وعلاقته بالحامل المادي:
يتناول الباحث التطورات التي مرّ بها العنوان، في خضّم تطورات أخرى شملت المنتج والحامل الشعري، بيّن أن العنوان لم يكن مفرداً على الغلاف، بل كان يسبقه تعريف بجنس الكتاب والكاتب، مثل “كتاب كذا ” و “ديوان فلان”، ويورد مثلاً لذلك ديوان (ناصيف اليازجي) الأول الذي نشره عام 1852 وعلى غلافه نبذة عن الديوان.
ظهر بعد ذلك العنوان الترويجي لكنه لم يكن مستقلاً مثل ” نفحة الريحان ” مالبثت مسألة التعريف بجنس الكتاب أن أخذت سمة عامة كما في ديوان (خليل الخوري) المعنون “زهر الربى في شعر الصبا” والذي نشر عام 1857 وقد سبق هذا العنوان كلمة “كتاب” لكن (الخوري) تخلى عن التعريف بجنس الكتاب في ديوانه التالي واقتصر على عنوان ترويجي هو ” العصر الجديد”.
تابع الباحث تطوّر العنوان حتى صار جزءاً من العملية الإبداعية وذلك بفعل عوامل منها الطباعة وانتشــار الصــحف والمجلات، كجريدة (الوقائع) التي صدرت في القاهرة عام 1828، وجريدة (حديقة الأخبار) التي صدرت في بيروت عام 1858، وجرائد ومجلات أخرى.
يربط الباحث بين ظهور الصحافة وانتشارها وظهور عناوين جديدة للمجموعات والدواوين الشعرية؛ مركزاً على الدواوين التي صدرت في سورية ومصر وذلك كون المنطقتين تشكلان وحدة ثقافية بتجارب مشتركة متقاربة.
تطور النص الشعري في الشكل والأسلوب:
يعزي الباحث للصحافة تأثيراً هاماً على النص الشعري؛ هو تجديد أسلوب الكتابة بالابتعاد عن الإنشاء، فقد بدأت النصوص الشعرية تتخلّى عن السجع والبديع، وهذا ما أوجد الحاجة لعلامات الترقيم لتدّل أين تنتهي الجملة ولضرورتها في إيصال المعنى، جرى استعمالها في أواخر الثلاثينات من القرن التاسع عشر، مما دفع “أحمد زكي باشاستة” لوضع دليل بعنوان “الترقيم وعلاماته في اللغة العربية” وقد صدر عن المطبعة الأميرية في مصر.
تحوّل آخر للمجموعات الشعرية والقصائد؛ هو التحقيب الذي يدّل على زمن إنشاء القصائد، وزمن نشر الديوان، والتحقيب كما ذكر الباحث-أتى بصيغ مختلفة قد يكون بالترقيم الذي يدّل على تسلسل إصدار المجموعات، أو الإشارة إلى مرحلة من العمر مثل ” أشعار الصبا” أو “عبرات الشباب”.
يذكر الباحث أنّ جماعة “الديوان” اعتمدوا صيغة أخرى للتحقيب وهي المواربة، وفيها يشار إلى زمن إنشاء القصيدة بالإيحاء أو الدلالة كاستخدام تسلسل زمني (الفجر، الصباح، الظهيرة.) مثل “أنداء الفجر” لـ “أحمد زكي أبو شادي “.
الفصل الثاني من الكتاب جاء بعنوان: التطوّر الموازي في بيئة الشعر التواصلية وظهور النقد المنهجي.
استعرض الباحث في هذا الفصل روافع الشعر الذين كانوا يروّجون له ويشرحونه على مدى تاريخه، ثم تطرّق إلى ظهور الرواة في العصر الأموي والعباسي، لنصل إلى عصر النهضة حيث ظهرت الدواوين والمجموعات، وعلى إثرها ظهر المقرظون الذين كانوا يقومون بالتراجم وتقريظ العمل بما يقوم مقام المقدمة فيما بعد.
أغراض جديدة للشعر ومقدمات بدل التقريظ:
يقارب الباحث النص الشعري من ناحية الذائقة، فالذائقة التي كان يعبّر عنها بالتقريظ لم تستمر أمام التغيرات الكثيرة التي شملت العلاقات الاجتماعية في أواسط القرن التاسع عشر، إثر الإصلاحات العثمانية، والتي أدت إلى انتهاء حكم العائلات وبروز دور المؤسسات، فمع هذه التغيرات تغيرت وحل محل التقريظ التقويم الموضوعي الذي شكّل إرهاصاً للمقدمة.
المقاربة الأخرى أتت لموضوع الشعر وغرضه، فالتغيّر الأهم والذي كان من المفترض أن يعطى مساحة أكبر في البحث، هو تغيّر مواضيع الشعر وأغراضه، حيث بدأت القصائد تدور حول مواضيع غير مطروقة شعرياً، بدأ ذلك على يد “خليل الخوري” و”سامي البارودي”، هذه المواضيع رتبت ظهور المقدمات بمحتواها الجديد الذي علب عليه مناقشة ماهية الشعر ومفهومه.
موصلات أخرى للشعر:
يعود الباحث إلى ما حسبناه أغفله سابقاً، حيث يتناول مجالات أخرى لتوصيل المنتج الشعري، مجالات تقليدية كانت معروفة تاريخياً منها “الأغورا” عند اليونان، و “الفوروم عند الرومان، والأسواق عند العرب، إلى أن يصل إلى حلقات المساجد التي كانت تعقد في المساجد والجوامع في البلاد الإسلامية، كحلقة الشيخ “طاهر الجزائري” في دمشق.
ونتيجة للإصلاحات التي أقرتها السلطات العثمانية عامي 1839 و1856 والتي منحت الأقليات بعض حقوقها؛ ظهرت الجمعيات العلمية، ثم المجالس التي أخذت لنفسها خطاً تنويرياً.
كذلك لعبت المقاهي دوراً هاماً في التوصيل الثقافي والشعري، ثم ظهرت مجالس البيوت التي اضطلعت بها الطبقة العليا، كمجلس الأميرة نازلي فاضل ومجلس محمود باشا البارودي، أعقب ذلك ظهور الصالونات الأدبية كصالون “مريانا مراش” في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في حلب، وصالون “ألكسندرا الخوري؛ أفرينوه” في أواخر القرن التاسع عشر في مصر. الصالون الأشهر كان صالون مي زيادة التي أعلنت عن مولد صالونها عام 1913.
ظهرت بعد ذلك الجمعيات والروابط الأدبية التي لعبت دوراً هاماً في النقاش والسجال حول الشعر كنتيجة لعملية التطّور والتحوّل الذي كانت تحدث، هذا السجال والنقاش شكّل أساساً للنقد المنهجي.
الكتاب تضمن بحثاً هماً وجديداً ربط بين النهضة بمفاعليها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وبين تطور الحامل والموصل الشعري على صعيد العنوان والتبويب، المواضيع والأغراض الشعرية؛ لكنه لم يأخذ بالاعتبار تطوّر المنجز الإبداعي الشعري العربي من الناحية الفنية إلاّ لماماً، ربما لأن ذلك لم يكن موضوع وغاية البحث، التي حددها الباحث في الخاتمة بقوله “كانت غاية هذا البحث تقصّي العوامل التي ساهمت في ظهور المجموعة الشعرية بصفتها ظاهرة تاريخية.”
by أديبة حسيكة | Nov 5, 2024 | Culture - EN, Poetry - EN, بالعربية, Articles - EN
(1)
في وقت فراغي
كنتُ أملأ الأوراق البيضاء بالحقول
كان يبدو الفجر أقرب و السحاب يمرّ فوق الطرقات بلا خسائر..
وكان
الماضي
يمتلئ
بالألوان.
لا شيء مثل اللحظة
حين لا تجد المسافة الكافية لتخترع أجنحة
تكاد تنمو كزهرة برية.
بدأتُ أجمع صوتي من الريح
و أفسّر الكلام المعطوب كثغاء قطيع خائف.
صارت كل التفاتة فراغاً في النافذة
أتعبَتني
الأقنعة
القصائد الحُرّة
و رائحة الدم في المخيّلة.
…
(2)
و كما لو أنني
أشتهي الغرق لأنني التقيتُ بك
ماذا سيحدث
إن نظرتُ إليك بحبّ، دخلتُ في افتتان الزرقة،
قرأتُ أمام عينيكَ قصيدة، و أغلقتُ البحر
ورائي؟
أريد
أن أفرّ من الخمر و ألجأ إلى الأنفاس
خلف الستارة عاشقٌ يسحب
خيوط اللهفة ليربطها في الأصابع كالزرازير الملونة
وحين بلوغ الطيران دوخة العطر يغيب في الصرخة العميقة، و يقطف
ا
ل
ش
ه
ق
ا
ت
عن وجه الماء.
أشعر
باللّذّة آخر الموت
بالأشياء تخضع للأسماع
بالجنون يشاركني النفخ في السكون فتنمو على الجدران الروائح…
النرجس السكران.. طربون الحبق… عبيق الجوري.. ضحكات بعيدة…
طرقات نسيتها تمشي
وجهك القديم
وصدى أغنيات.
…
(3)
سأكتفي
بالذي كنته حلم عاشقة عابر
أحدّق في بداية النوم كأنّك أنا نطير فوق جناح العاصفة إلى أن تغلق الممرّات
أبوابها.
غارقة
في عرائي
ستنبت للعيون وشوشات، ستكفّ الأصابع عن الإيقاع الرتيب
والإشارات عن المرور فوق يومي
الطويل.
أربّي الأخطاء بجانب الطريق و ألوذ بالموسيقا
قبل أن أتفادى
السفلة… النمامين.. القتلة.. الجند… السكارى… العجائز..
الفقراء
ا
ل
م
ص
د
و
م
ي
ن
بالواقع.
الأكاذيب كانت قصيرة
رغم هذا يجهلني الشعر و يمنع الرواة من تحرير الألم
ظلّ يكسِّر الصوت حتى شاخت النصوص
لكنه
أبقى على صرير المخيلة.
…
(4)
كل شيء
من أجل طريق عائد إلى البيت يحوّلني إلى عائلة من الغرباء
ماذا يحدث؟
لو أُبذر الحنين في حضن السطور حين لا أجيد لغة الكلام !
لو
تفتحين
عيونك
أيتها
الحقيقة.
كان لي تعب و نسيان،
كان لي أماكن على شكل ذراعَين
حبّ تؤجّجه الأغاني
استثنائي و ساذج
يمارس التنفس على نحو خفي
ملاذ من التيه
يتبع ما وراء الحدس كي لا
تخونه
الحياة.
سألتُ الشرفة عن أجنحتها مثل قميص في نوبة ذهول
ها أنا انتظر اللاشيء كمن تتوقف عن الاستجداء
كأن يكون الذهول أعمق من النظر
كأن تكون اللحظة المحفوفة بالمخاطر تأخذني على محمل الجنون
كأن يكون الزحام المصاب بضيق الصدر يقودني إلى
سفر
في
الفراغ
مصطحبة معي مسافة طويلة يكتمها الترقب
و كلمة مشنوقة تتدلى
على عنق القصيدة
كشاهد عيان.
…
(5)
من يستطيع أن يعطّل مخارج الصرخة؟
بينها و بين الوصول شفتان مرتعشتان
وقبل أن تشيخ الحبال بفعل الصوت المحايد..
توشك الشبابيك أن تقفل عيونها على الشرفات المضيئة
والصورة يسوَدّ وجهها
حين انكشاف نضارة الأسماء.
.
بكل تطرفها
النَعَم التي جفّفت المرايا
أَرَتْني النجوم في عزّ الظهيرة.
بموفور لغته
النص المستكين يؤدي إلى الماضي إذا ما صادفته جمله اعتراضية غاضبة
ي
ت
ه
يّ
ب
فصاحة الواقع.
مشقّة الاعتذار
بكامل وداعته
لم تستطع أن تبدّل صرختي إلاّ إلى بكاء عميق.
…
(6)
و ناداها باستعجالٍ بادٍ قبل أن ترتّب أصابعها على ثقوب اللحظات العابرة:
أحملُ بين ذراعيّ أخباركِ الساخنة
أيتها المزدحمة في الفراغ كنسيان معنّت.
أما آن لسيقان الريح المجنونة أن تنفرج عن حلم
يهبّ دفعة واحدة كزفير موسيقى مطارَدة؟
نقطة تخلد متأخرة للنوم ولا تخاف هوة الأخطاء التأويلية بين الفواصل؟
أصابع اللوحة تتلمس
رائحة الألوان الطازجة
تدل على
قبلات تجز عشب الجسد
عيون تتلصّص على شعشعة النشوة
وشفاه فارغة تمتلئ بالكرز الأحمر
هذا الأديم المحموم
أما آن لجماجم الخوف الزاحفة أن تصرخ تحت انكشاف الجرح
إذن
فلتمنحنا كهوف الترقب الطويل بعض الجنون.
في متن النصوص المواربة حيزٌ محايدٌ للآيروتيك
من السهل أن نخترع مناسبة رومانسية لاقتراف الغواية بلا نهايات
فقط
بعين واحدة نوقظ الارتعاش في الجناحين
والمعنى العارم على غصن الشجر العاري.
by كوس كوستماير | Dec 7, 2023 | Culture - EN, Poetry - EN, العربية, بالعربية, All Reports, Articles - EN
ترجمة عن الإنكليزية: أسامة إسبر
كوس كوستماير شاعرٌ ومسرحيٌّ وروائيٌّ أميركي بدأ حياته الأدبية كاتباً مسرحياً وكاتب سيناريو. صدرت له عدة مسرحيات وثلاث مجموعات شعرية وتُرجمت له رواية إلى العربية بعنوان ”فارغو بيرنز“ صدرت عن دار خطوط وظلال في الأردن في ٢٠٢١. عُرضت مسرحياته في أميركا وفي بلدان غربية أخرى وحصل على العديد من الجوائز بما فيها جائزة دائرة نقاد المسرح في لوس أنجلوس لأفضل مسرحية وجائزة جمعية نقاد المسرح الأميركية.
من أعماله المسرحية ”حول النقود“، ”تاريخ الخوف“، “المستنقع الغربي الكبير“، و”حلم الحرية المطلقة“، وصدر له في الشعر الدواوين التالية: ”سرير الزواج“، ”العام الذي اختفى فيه المستقبل“، ” بلا عنوان“، أما في الرواية فله ”دين مفقود“، ”سياسة اللامكان“، و“جادة الأيام الحزينة“.
القصائد التالية هي قصائد جديدة كتبها الشاعر عن حرب غزة، وخصَّ بها ”صالون سوريا“.
١- عناد
الرجلُ يستعملُ يديه بدل المطرقة
يركع وحيداً بين الأنقاض
يضربُ الفولاذ
يُدْمي الحجر
يصرخُ منادياً أسماءهم بأعلى صوته
يصلّي كي ينطق من تبقى
غير أنه لا يخرج أحد.
الرجلُ الذي يستخدم يديه بدل المطرقة
ينبش الأرض بأظافره
يتضرّعُ إلى الموتى
يتوسّل إليهم أن يرجعوا.
حين تكتفي الريح من الإصغاء
تُعْول وتهبّ مبتعدةً
حينها، حتى المطر
يشعر بالعار من بقائه.
٢- الحرب على الأطفال
“هذه حرب على الأطفال”.
جيمس إلدر الناطق باسم الأمم المتحدة متحدثاً من جناح في مستشفى في غزة.
تتقدّم الجيوشُ
فوق الحليب الأسود والدم المسفوح.
يبكي أطفالٌ رضّعٌ
تحت الأنقاض ويفرُّ الناس.
تُعرّى أمهاتٌ
وتُقْحم أصابعُ في أعضائهن.
يُلفُّ آباء بالرايات ويُضْرَبون.
يُجْبرُ أطباء على السير على الماء
يُقتل أطفالٌ في حاضناتهم
يُقتل أشقاءٌ وشقيقات
وتتعفّن جثثهم في ضوء الشمس
حين لا يأتي أحدٌ كي يضع حدّاً للمجزرة.
تتدفق الأسلحةُ من الولايات المتحدة.
سياستنا موادّ لصناعة الأسلحة.
شهدْنا نهاية الأيام
وما من طريقةٍ كي نبعث المستقبل.
الأنهار تتدفّقُ داكنةً وحمراء من الدم
وما من مكانٍ نهرب إليه،
أو نختبئ فيه
ما من طريقةٍ لإصلاح الريح المتكسرة
أو لإعادة الأطفال
كي نغنّي وندغدغ بشرتهم الناعمة التي كالعسل
حين لا يأتي أحد ليضع حداً للمجزرة.
نرى أجساد الأطفال
تُرْفَع محطّمةً من تحت الأنقاض.
نسمعُ أشخاصاً يتسوّلون شربة الماء
يصلّون للسلام،
لكن لا أحد يأتي كي يخفّف أحزانهم
ويحوّل أمنياتهم إلى خبزٍ
أو يروي ظمأهم الحارق
لإنقاذ أطفالهم من الدفن
لا أحد يتمرد
ضد العرض المقيت لأكاذيب قديمة
تتقدّم عبر أخبارنا اليومية
وتزحفُ على شاشاتنا في الليل
كي تحتفي بدولارات جُمعت
وأذى أُلحق بالآخرين
حين لا يأتي أحدٌ ويضع حداً للمجزرة.
٣- درس لشرح المفردات
(إلى نعومي شهاب ناي)
نتعلّمُ اللغة في مركز العالم المحترق.
(السياسة، جريمة، صديق، عذاب، شظايا، دولة)
كلّ كلمة لطخةٌ لا نستطيع إزالتها
(بطل، قناص، شهيد، طاغية، سلطة، مصير)
هناك كلمات مجنونة، وأخرى مُهلكة وغادرة
وهناك كلمات كثيرة كاذبة.
(غريب، صاروخ، وطني، خصم، الآخر، نار)
إن نَحْو المأساة عظيمٌ، وإذا ما أصغيتَ
ستسمعه يتكسّر على الجدران
ويعاود ترتيب الجثث في جميع الأمكنة.
دَرْسُنا اليوم هو كلمة ”دبابة“.
هل تعرفونها؟
Tank: الكلمة ذات المقطع الأحادي الثقيل
تمتلك شهية أسطورية
للموت وتقتلُ كل شيء
يقع في مدى بصرها.
تستهدف الجنود والأطفال والنساء والمعلمين
والطلاب والمزارعين، والأطفال
والناس بشتى أصنافهم.
هذا الاسم الذي لا يعرف الصفح
يتكاثر في جميع الأمكنة
ويفضّل أن يعمل في الشوارع
ليتمكن من استخدام خطمه القاتل والإجهاز على فريسته
دون أن يضطر لالتهام ما تبقى.
وكل ما يتبقى هو الشيء نفسه دوماً:
مرادف للأسى
وكلمة أخرى للكراهية.
٤- فن الحرب
حين جاءت الطائرات
كان قايين يستلقي في فراشه في البنسيون
شبه نائمٍ ولم يحلق ذقنه بعد.
أنتم تعرفون المشهد،
أعرف أنكم تعرفونه،
ومطّلعون على خلفية الفيلم:
الغرفة القذرة بالأسود والأبيض
حيث كلّ الأغطية رطبة من الخبز المتعرّق
التلفاز مُدار، والسيجارة مُشعلة.
وحين بدأت القنابلُ بالسقوط
كان يقف عند النافذة
في الوهج الأحمر للصواريخ
والسماء مذهلة وملتهبة.
تعرفون الأغنية،
أعرف أنكم تعرفونها:
الأطفال يموتون، هذه الجعجعة الفارغة.
النار تلتهم حقول القمح
الظلال تتقيّح في الشوارع.
لكن هذا هو قابيل، أتفهمون؟
الرجل نفسه الذي يحدّق بالأطفال وهم يحترقون،
ويركضون في عاصفة معدنية
صُنعت بلغةٍ
لم يتعلموها أبداً في المدرسة.
يتذكر فجأة
كيف سقط أخوه الأصغر هابيل تحت الضربات
قرب مذبحٍ دمويٍّ في يوم الأضاحي الكريه ذاك.
السماء فارغةٌ وصامتة الآن
آه، لكنّ جميع الأمهات يعرفْن
أن الموت قادم غداً إلى البلدة.
يقفْن خلف نوافذهن ويحدّقْن في الخارج
إلى الأشلاء وشظايا العظام، والبراز الدموي.
تعرفون المشهد:
الرئيس، ثم بالطبع فواصل إعلانية
وفجأة ابن الإنسان
بوجهه المنهك منعكساً على لوح زجاج النافذة
يصيح بصوت مرتفع: ما الذي فعلتُه؟
ما الذي فعلته؟
ثم يكرر الصياح: ما الذي فعلته؟
٥- النظام العالمي الجديد
يتجلى جمال الأمم حين تكون النكهات كلّها محليةً،
وتصبح الحياة لذيذة في جميع الأمكنة
إذا تُبّلت بطريقة ملائمة.
في اليونان، مثلاً، يمكن أن تشرب الريتسينا، وتتذوّق على شفتيك
أحجار التاريخ المرّة. يتصلّبُ لسانك كالفولاذ داخل فمك
وتشعر بأنك قادر على ممارسة الحب مع زوجتك
طوال الليل حتى الصباح.
أحجارُ اليونان نظيفةٌ وبيضاء،
لكن النبيذ الأحمر الداكن لبوجليا يجب ألا يُزدرى أبداً. فهو يمنح
فمك طَعْم الطمي
والشذى الأسود للتوت المسحوق.
لكلّ منزل سرّهُ،
ولكلِّ أمةٍ متعتها:
الجوز الأرضي من السنغال
نبيذُ النخيل من غامبيا.
خيوط المعكرونة الفضية النحيلة والساكي الحارق من اليابان،
الشنكليش والمكدوس من قلب سوريا الجريح،
أطباق المازة التي تُدْعى التاباس من أسبانيا
وخبز التشاباتي من إسلام آباد.
يجب أن تُزال الحدود اليوم،
على الفور،
وتحلّ محلّها قوائمُ طعامٍ بأطباقٍ محلية.
وفي هذا النظام العالمي الجديد
سنمدّ مائدةً مشتركة تحت قبة السماء
ونتحلّقُ حولها كأصدقاء وجيران
ونعدّ وليمةً عظيمة.
نحتفي بالصداقة أولاً،
نحكي قصصاً مدهشة بكل اللغات
عن أعاجيب عادية رأيناها.
نتقاسم كلّ ما أحضرناه،
ونعتني بالجميع
مبتدئين بكبار السن ثم بالصغار.
حينها كم ستبدو الحياة ثمينة لنا!
كم ستبدو رائعة وعذبة!
وبعد العشاء نتذوّق أباريق متخمّرة
من شاي النعناع القوي،
ثم نجتمع معاً تحت النجوم
ونهدهد أطفالنا إلى أن يناموا.
by مازن أكثم سليمان | Jul 31, 2023 | Culture - EN, Poetry - EN, بالعربية, Articles - EN
يعودُ الوحشُ إلى ما يظُنُّ أنَّها ذاتُهُ،
فتَزِيغُ بينَ يديْهِ الدَّلالاتُ،
وتَسِيلُ عطراً مُلتبِساً بالنَّارِ.
…
يُلقِي التُّهَمَ على خِداعِ الطَّريقِ المُنمَّقِ الأنيقِ
على تَمويهِ العابِرَينَ في باطِنِ ساعاتٍ ذهبيَّةٍ
وعلى وُعودِ التَّلويحاتِ البعيدَةِ الغامِضَةِ.
…
يعودُ، كي يَستأنِفَ الأسئلَةَ
فتُحاصِرُهُ ظلالُهُ المُبعثرَةُ
بأجوبَةٍ قد تُرْجَأُ
إذا صدقَتِ المَرايا معَ نُسْغِ الأشجارِ، لا معَ أغصانِها..
…
(وهذا ما لا يحدُثُ إلّا بتبادُلِ الحقيقَةِ والمَجازِ للخِياناتِ باستمرارٍ).
…
طريقُ الوحشِ مَرشوشَةٌ بماءِ زهرِ اللِّيبيدو الحزينِ.
…
ما أرادَهُ اللِّيبيدو منذُ نُعومَةِ الأُغنياتِ
هوَ تعريةُ الوحشِ تحتَ مِقصلَةِ الحُرِّيَّةِ
لا ترويضَ الخُطَى بوُصولٍ مُستحيلٍ.
…
/ كأنْ تُنظِّفَ المَسَامَ المقلوبَةَ
خَناجِرَ في نقْيِ العِظَامِ
منَ التَّلوُّثِ السَّمعيِّ والبصَريِّ
على امتدادِ أرصفَةٍ ثكلى على الجانبيْن
لكنَّ للعالَمِ مَداخِلُهُ التي لا يعرِفُها هوَ نفسُهُ /
…
بينَ الولادَةِ والموتِ
اللِّيبيدو ليسَ سُلَّمَاً للعُلُوِّ
ولا مُنطاداً للتَّرفيهِ
ولا حتَّى ذرَّاتِ هواءٍ مائلٍ.
…
ثمَّةَ قفلٌ بلا مفاتيحَ في حمَّالَةِ أثداءِ مُشعوِذَةٍ
يُقالُ إنَّها تُقيمُ معَ الأفاعي الصَّريحَةِ جدَّاً
في وادٍ مَجهولٍ..!!
…
الغابَةُ، كذلكَ، لها اقتراحاتُها
لفصْلِ الوحشِ عن وهمِ اللِّيبيدو الأثيرِ
لمَحْوِ رغبَةِ الأنا
بأنْ تُرفرِفَ ذاتاً
تحتَ غُيومٍ شاعِرَةٍ
أو فوقَ بحرٍ هرَبَ خارِجَ حُفرَتِهِ.
…
: الغابَةُ غيرُ المَوجودَةِ أصلاً…….
…
أقصَى ما يحلُمُ بهِ الوحشُ
أنْ يقتُلَ اللِّيبيدو
ويُذوِّبَ جثَّةَ الفراغِ بالأسيدِ
ثُمَّ أنْ يقذِفَهُ الطَّريقُ رُجوعاً
إلى أوَّلِهِ/ آخِرِهِ.
…
سلاماً أيُّها الرَّحَّالَةُ
في هَوادِجَ من سَرابٍ.
*تنشر بالتعاون مع جدلية.