العلاقة بين الزمان والمكان والشخوص في القصة القصيرة السورية 

العلاقة بين الزمان والمكان والشخوص في القصة القصيرة السورية 

مع تبلور القصة القصيرة كجنس أدبي؛ خرج الحدث من حالة اللاتعيين التي كان يتسم بها في الحكاية، فقد صار له فضاء مكاني وزماني، ولم يعد الزمان كان يا ما كان، والمكان عائماً خيالياً، أماً الشخوص فقد تنوّعت وصارت بصفات محددة وليس على سبيل التعميم كما كانت ملكاً أو صياداً أو أميراً…

يحكم هذه العناصر الثلاثة علاقة تفاعلية مع بعضها بدرجات مختلفة، وذلك في سياق النص القصصي، وتتبدى هذه العلاقة وفق منطلقات ثلاثة هي:  

العلاقة من منطلق الزمان

ليس من الضروري أن يكون الزمان في القصة زماناً كرنولوجياً، والذي يعني تسلسل الأحداث وفق تاريخ وقوعها. فالزمان هنا؛ هو زمان فني يأتي بصيغ مختلفة وفق تقنية الكتابة التي يعتمدها الكاتب.   

تحديد الزمــان قد يأتي بشـــكل غير مباشــر كما في قصة (الجمار) لأنيس إبراهيم، حيث الزمان يتحدد بتبديات الطبيعة، سقوط الجمرات، والحدث يتمحور ويتمفصل على هذه التبديات، سقوط الجرة الأولى.. الثانية.. الثالثة.

تتضح علاقة الزمان بالمكان والشخوص في هذه القصة، فالزمان يحدده سقوط الجمرات من الجمرة الأولى، والمكان الأرض التي تسقط فيها الجمرات والشخصية هي أنثى “بادية” التي ينعكس سقوط الجمرات في كيانها كما الأرض، فالعناصر الثلاثة تتناغم مع بعضها في سياق سردي محكم حتى نهاية القصة.

بينما نجد في قصة (مسافر نسيه القطار) لوليد معماري أنّ الزمان محدد بشكل واضح في مطلع القصة “دخل المدينة ساعة منتصف الليل..” رغم ذلك تبدو علاقة الزمان بالمكان علاقة مشوشة وعلاقة الشخصية بهما مرتبكة. تمضي القصة بنقلات سردية يحكمها تحديد الزمان، الذي يحدد بدوره المكان وتواجد الشخصية وحالتها حيث تعاني هنا من فائض الزمان، مما يشعرها بالضياع والفوضى “تحت ضغط ميوعة الوقت” في الساعة الواحدة “ساحة باب الفرج، في الساعة الثالثة في محطة القطار…في الساعة السادسة فاته القطار ونفد الزمان وصار له معنى آخر، يمكن اعتبار هذه القصة قصة زمان بامتياز. 

علاقة الزمان بالمكان تأخذ طابعاً آخر في قصة (القطار) لجورج سالم، ففي هذه القصة يندغم المكان بالزمان، وصولاً إلى تحقيق حالة ينطبق عليها مصطلح الزمكان أدبياً، علماً أن دلالة المصطلح أدبياً تقترب منها علمياً، والتي تعني أيضاً “دمج مفهومي المكان والزمان ضمن استمرارية معينة” وهذا المفهوم يعود لــ”هيرمان ميتوفسكي” وقد صاغه على أساس نظرية النسبية بعد ثلاث سنوات من وضعها من قبل ألبرت أينشتاين. 

في هذه القصة يشكّل القطار مكاناً وزماناً للحدث، فالحدث يبدأ زمنياً من لحظة اكتشاف الشخصية بأنها على متن القطار دون أن تدري كيف وصلت إليه، وسيرورة الحدث تمضي مع سير القطار.. 

من ناحية العلاقة بين العناصر الثلاثة؛ تبدو الشخصية غير متوافقة مع ما يجري، تشعر بغربة وبخلل كبير لا يمكنها ضبطه، فهي منصاعة مع سير القطار (الزمكان) بلا إرادة، وهذا يحيلنا إلى مسألة تشوه المكان ببعده الرابع، الزمان وفق النسبية أيضاً.

العلاقة من منطلق المكان

لا يمكن للمكان أن يكون حيادياً في العمل الأدبي، بعبارة أخرى”المكان ليس بريئاً” ووفق جماليات المكان لغاستون باشلار “المكان الذي ينجذب إلى الخيال لا يمكن أن يبقى لا مبالياً، ذا أبعاد هندسية وحسب.”

علاقة العناصر الثلاثة من منطلق المكان نراها في قصة “السبعا وأربعين” لسعيد حورانية، فالمكان هو من يرسم حدود الزمان وطبيعة الشخوص ويشترع العلاقة بينها.

المكان في القصة مكانان؛ مكان متحرك “الباص” ومكان ثابت ” العراء الذي يمضي فيه على طريق الرقة، وشخوص القصة مشتتة بينهما خوفاً من تعطل الباص، والزمان بدأ في المكان المتحرك واستمر زمان ترقب وخوف. المكانان لا يلبثا أن يتوحدا في مكان واحد عند تعطل الباص ليصبح وكأنه جزء من العراء. علاقة الزمان بالمكان في هذه القصة تكون في حالة تقاطع حيناً وتواز حيناً آخر، أماّ بالنسبة للعلاقة مع الشخوص فهي مشوشة مرتبكة عند البعض متسقة عند الآخر، وذلك حسب قربه وبعده من البيئة، فالمعلم الدمشقي يبدو غير منسجم لا مع المكان ولا الزمان، بين الآخرين يبدو كل شيء عندهم معتاداً مألوفاً.

يأخذ المكان سمات مختلفة في قصة “الأرض القديمة” لناظم مهنا، فالمكان تاريخي باسمه ومكوناته رغم ذلك ليس حقيقياً، والشخوص كذلك، ولا بد للزمان من أن يكرّ إلى الوراء ليتسق مع المكان والشخوص.

في هذه البيئة لا يمكن فصل الزمان عن المكان أساساً، ولكن ليس وفق مصطلح الزمكان، فالحدث هنا كيفما انتهى هو حدث سالف، ولا يمكن أن يكون محمولاً على تغيير ببعد مستقبلي. 

  في قصة (هذه المرة) لإبراهيم صموئيل لا تحديد للمكان ولا للزمان، غير أن ذكر أشعة الشمس بشكل عابر يشي بأن الوقت نهار وعلى الأرجح في الصباح، أماّ المكان فمن سياق الحدث نخمّن أنه يمكن أن يكون في المنزل.

تبدو الشخصية التي تروي الحدث غير عابئة بالزمان والمكان، مأخوذة بالحدث البسيط والمفاجئ في مجراه والمفجع في نهايته، وكأن المكان لم يحدد لعدم أهميته ولضعف دوره في الحدث وبما يؤول إليه.

العلاقة من منطلق الشخوص:

الشخوص في القصة هي من يقوم بالفعل ومن يعبّر عن تبدلات الإحساس والشعور.  قد تكون موصوفة بالهيئة (الفيزكس) أو جوانية تعبر عن نفسها وسماتها بالموقف والفعل. 

 بغض النظر عن التنظير لنماذج الشخوص بسيطة أم مركبة… من المفترض أن تكون حاملة للدهشة، فليست كل شخصية قادرة على الحضور في العمل الأدبي بأثر جمالي.

 تختلف علاقة الشخوص بعنصري الزمان والمكان، ففي قصص ما تكون الشخصية حاضرة بقوة، كما في قصة (فارس) لاعتدال رافع، الشخصية في القصة هو (أبو شفيق) والمكان هو (مقهى أبو شفيق) المعروف في مدخل دمشق الغربي، والزمان غير محدد، يمكنه اعتباره زمان استمرار أبو شفيق في المقهى.

علاقة الشخصية بالمكان في هذه القصة علاقة تناغم واتساق، فهو الناظم للمكان والمتحكم به، بينما العلاقة بالزمان إشكالية يحكمها التناقض بين ما مضى والآن، بين المتغير الذي يرفضه أبو شفيق، فهو يجهد لأن يوقف الزمان على ظرف وحال معين. 

 نجد في بعض القصص شخوصاً ليست آدمية، حيوان كما في (حكاية الرجل الذي رفسه البغل) لوليد معماري، (النمور في اليوم العاشر) لزكريا تامر، أو نبات كما في قصة (شجرة الغَرَب) لإبراهيم الخليل. في هذه القصص تقوم علاقة هذه الشخوص بعناصر القصة الأخرى على أنسنتها، إن كانت العلاقة مع الزمان أو المكان، والأخص علاقتها بالشخوص الأخرى.

قد تأتي شخصية القصة جماداً كما في قصة (التمثال) لإبراهيم خريط. التمثال هو تذكار لشاعر ميت وعلاقته بعناصر القصة، خاصة شخوصها الأخرى تنهض على إرث هذا الشاعر، وكأنه ما زال حياً، أي كأنه شخصية القصة الحقيقية. 

هناك شخوص تتصف بخصوصية مميزة كما في قصص زكريا تامر، حيث تقترب شخوص قصصه من شخوص أعمال الواقعية السحرية، وهي ذات تفاعلية وعلاقة وطيدة كبيرة مع المكان والزمان، نجد ذلك في قصة (موت الياسمين)، فالشخصية معلمة مدرسة وهي واقعية بوجودها وسماتها لكنها ليست كذلك بما يتعلق بالحدث.

تلعب التفاعلية بين العناصر الثلاثة: الزمان والمكان والشخوص؛ دوراً كبيراً في نجاح وتميّز النص القصصي، حتى في التجارب القصصية التي نحت باتجاه التجريب والتجريد لم يسقط أي من هذه العناصر، بل أخذت طابعاً افتراضياً تخيلياً.

حين يصبح الحرف موقفًا: منير الشعراني يتكلّم

حين يصبح الحرف موقفًا: منير الشعراني يتكلّم

استطاع الفنان منير الشعراني أن ينتقل بالخط العربي من أداة للتواصل، وفنّ تطبيقي إلى فن تشكيلي ولوحات فنية عصرية لافتة للانتباه، بما يكشفه ويضفيه على الكتابة والخطوط التقليدية من جماليات التشكيل بأبعاد مختلفة وعبر رؤيته التجديدية الخاصة، أقام الفنان معرضاً للوحاته في حمص بالتعاون مع مؤسسة تراثنا على المسرح الأرثوذكسي العريق في المدينة، فكان لنا هذا اللقاء معه:

يجدر بالذكر أن الفنان منير الشعراني من مواليد سلمية 1952 عاش في دمشق وتعلم فيها الخط، ثم درس في كلية الفنون الجميلة وتخصص بالتصميم الغرافيكي.

ضد قتل السوريين في كل مكان وضد القتل عموماً

السؤال الأول: في كل حدث كان يمر على البلاد كنا نشاهد لوحة أو ملصقًا للأستاذ منير الشعراني. هل ترى اللوحة أو الملصق مشاركة لمعاناة الناس أم إشهار لموقف؟

أرى الاثنين يتفاعلان مع بعضهما ليعبرا عن الموقف وليقوما بالدور المطلوب، ويتكاملان ليصلا إلى الناس، نعم اللوحة والملصق مشاركة وإشهار موقف بشكل مرئي، فالناس غالباً ليس لديها وقت لقراءة منشورات طويلة، بينما يصل محتوى الملصق للناس بشكل أسرع، وكنت أفعل ذلك لأني معني بإظهار موقفي  فأنا، علاوة على كوني فناناً، واحد من المواطنين السوريين يهمه ما يجري في سوريا، وهذا ليس بجديد فأنا لدي اهتمام سياسي لوحقت من أجله 25 عاماً أي منذ عهد حافظ الأسد، بقيت  خلالها خارج البلد ولم أستطع العودة إلا في عام 2004 بعد عفو عام، وبقي موقفي واضحًا ومعلنًا بعد ذلك مع شعبنا وحريته وقضاياه، وضد ما يجري بحقه من قمع وعسف، لمواجهة إرادة الناس ومطالبها بالحرية والديموقراطية والمساواة، فكنت مع الحراك وانتفاضة شعبنا عام 2011 منذ البداية، إضافة لذلك شاركت بتأسيس (تجمع التشكيليين  السوريين المستقلين) ونشاطاته المناهضة للنظام البائد والداعمة لانتفاضة الشعب، وبإدارة صفحته على الفيسبوك، وصفحة (الفن والحرية) التي كنا ننشر فيها أعمالًا لفنانين يقفون في صف الانتفاضة والنضال السلمي، إضافة لما كنت أنشره على صفحتي الخاصة، وبعض مانشرته آنذاك معروض هنا في المعرض. 

ومازال موقفي في صفّ شعبنا وقضاياه مستمرًا حتى اليوم، لأنه ما زال أمامنا الكثير مما يجب فعله بعد سقوط النظام البائد. ولم يتوقف تصميمي ونشري للملصقات، ففي أحداث الساحل، أقصد مجزرة الساحل، كان لي موقف واضح ونشرت ملصقًا في مجموعة “أنقذوا” بعنوان “أنقذوا الساحل” ثم بعد ذلك نشرت أيضاً ملصقات مشابهة في أحداث جرمانا وصحنايا و”غزوة” السويداء.

أنا ضد قتل السوريين في أي مكان، وضد القتل عموماً، وهذا الموضوع يعنيني مباشرة وأجد من الواجب علي أن أعلن موقفي وأساعد الناس على إعلان موقفهم منه.

السؤال الثاني: العبارات المكتوبة في اللوحات هل هي أقوال مأخوذة من فلاسفة أو أشعار أو حكم وأقوال مأثورة، وكيف تختارها؟

العبارة بالنسبة لي هي مسألة أساسية فأنا منذ بداية عملي الفني، لا أتبنى نظرية الفن للفن، بل أرى أن للفن دوراً مهماً ويجب أن يكون له دور مؤثر في كل وقت، وبالتالي فكل العبارات منتقاة بعناية، وهذا حدث وما يزال بطريقة تراكمية وعلى مدى سنوات طويلة كنت خلالها أجمع كل ما يقع تحت نظري من مقولات مكثفة وبليغة تتفق مع رؤيتي للحياة والإنسان والحق والخير والجمال والحرية، وكنت أحياناً أقرأ بصورة قصدية مؤلفات محددة كديوان المتنبي لأخرج من شعره أهم ما فيه من حكمة وغير ذلك مما له علاقة بالإنسان والقيم وكذلك فعلت مع المعري. كذلك الحال مع القرآن الذي ركزت في اختياراتي منه على ما لا علاقة له بالميتافيزيقيا، مما يتعلق بالناس وشؤونهم وحياتهم والقيم العليا، وكذلك فعلت مع الإنجيل والمتصوفة، بالإضافة إلى الأقوال المترجمة لكتاب وشعراء أجانب. أختار العبارة بحيث تكون متسقة مع فكري وتصوراتي عن الإنسان والحياة والحب والجمال، ومحتوى كل عبارة يجب أن أكون مقتنعاً به وأرى فيه ما يمثلني، وبالتالي يمكن قراءة توجهي الفكري والإنساني من خلال مجمل أعمالي.

السؤال الثالث: تتعامل مع الخط كلوحة فنية فماهي الجمالية التي وجدتها فيه لتحول الخط إلى لوحة؟

المسألة متكاملة: الإنسان حين يتربى على امتلاك الذهن النقدي يكون نقديًا تجاه كل القضايا والمسائل ومنها الخط العربي في حالتي،  الخط كان مستنقِعًا برأيي، لأن الخطاطين حتى الآن مازالوا يعيدون إنتاج الخطوط التقليدية بنفس الآلية وبنفس الطريقة وبنفس القواعد، و في رأيي أن هناك إمكانيات لتطوير الخطوط قد عرقلت أو أهملت، وأن هناك خطوطًا أبعدت أو استبعدت من الصورة، وكان ممكناً أن يكون هناك تجديد يضيف شيئًا ويطور أشياء لأن قراءتي لتاريخ الخط تؤكد انه كان حياً يتطور ويتنامى ويتجدد طوال فترات الصعود الحضاري، وحين توقفنا عن هذا الصعود وخضعنا للاحتلال العثماني بدأ هذا الانحدار والاستنقاع واستبعاد كثير من الخطوط التي كان يمكن الاستمرار بتطويرها لتعطينا إمكانيات فنية عالية لدرجة أن الخط تحول بأذهان الناس إلى فن تقليدي، لكتابة عبارة مقدّسة تزين بها البيوت، أو لأشياء من هذا القبيل، بعد أن كان له دور معرفي مهم ومرتبط بالحضارة والتطور، الأمر الذي افتقدناه، و ما حاولته في تجربتي كان لتغطية هذا الجانب، وهذا يقتضي العمل على التطوير من حيث الشكل والمحتوى، ومن حيث علاقة العبارة بخطّها، وإنجاز العمل الفني بوسائل متطوّرة بعيداً عن الوسائل التقليدية، هذه المنظومة المتكاملة عملت عليها لتكون بالنتيجة مختلفة عما نرى من حيث المحتوى والشكل.

وانا أرى أن الخط العربي يحل إشكالية طرحت كثيراً تتعلق بموضوع الشكل والمحتوى وعلاقتهما ببعض فالخط العربي فن تجريدي، لكننا بالوقت نفسه نستطيع من خلال لوحة الخط العربي المشكلة من خط لعبارة أن نجعله جامعًا للشكل ولمحتوى منسجم مع روحه، ويستطيع المتلقي أن يتعامل معه من حيث الشكل والدلالة في الوقت نفسه.

السؤال الرابع: على هذا هل تعتقد أنك قادر أن تصل إلى المتلقّي بسهولة وأن لوحتك تصل إليه ويقرأ العبارة بسهولة؟ 

لا، عمومًا ليست لوحة الخط العربي وحدها لا تصل بسهولة إلى المتلقّي،  فحتى اللوحة التصويرية (الرسم مثلًا) لا تصل إليه بسهولة ولا تصله كل التفاصيل مباشرة، أول عامل مهم يجب أن يكون متوفرًا هو أن  تمتلك اللوحة عامل جذب بصرياً للمتلقي يدفعه للتفاعل معها ومحاولة فك رموزها، والخط العربي كفن حتى في محتواه التقليدي لم يكن محتواه يومًا سهل القراءة إن لم يكن متلقيه حافظًا للنص المشكّل فيه، لكن يمكن أن يفك المتلقّي الكلمات ويعمل على إعادة تركيبها ليصل إلى العبارة التي تحتويها، وهذه العبارة  تقوده إلى آفاق جديدة لرؤية العمل ثانية وبشكل متجدد، فالعمل الفني لا يُرى بنظرة واحدة ولا يُحل بنظرة واحدة، لكن  التفاعل معه قد يضيف للمتلقي أمورًا عديدة من الناحية الفنية ومن الناحية البصرية ومن ناحية المحتوى .

السؤال الخامس: كيف وجدت الإقبال على المعرض؟

الحقيقة أنا متفاجئ، نحن للأسف لدينا مركزية في كلّ شيء، ودمشق هي المكان الذي تحدث به معظم الأنشطة والفعاليات، لذلك سبق لي وعرضت في حمص، وكان الإقبال جيدًا أيضًا، لكني لم أتوقع ان يكون هذا الإقبال مستمرًا بعد الافتتاح ولطوال مدّة المعرض، وسرني أن الجمهور متعدد ومتنوع يضم شبابًا وكبارًا من أجيال ومشارب مختلفة ومن المهتمين بالثقافة والاطلاع على جديد لا يعرفونه، فحتى في دمشق وهي المركز يحدث الازدحام عادة في الافتتاح ثم يقل الحضور في الأيام التالية كثيرًا؛ في حمص بالإضافة إلى ما سبق كان هناك أناس كثيرون مهتمون بالاستفهام عن مسائل فنية ومسائل لها علاقة بالمحتوى وعلاقتهما في تجلي العمل، وعن كيفية  رؤيتهم  للوحة، مثلاً حضر ثلاثة مطارنة واستغرق كل منهم وقتاً طويلاً في تتبع العبارات ومعانيها وتجليها الشكلي وحدثت حولها وحول مصادرها حوارات وأعجبوا جميعًا بالخيارات وتشكيلها الخطّي، كذلك تفاعل كثير من الناس مع شكل ومحتوى العبارات فشدتهم الأعمال من حيث الشكل وتفاعلوا مع العبارات التي وظفتها في لوحات المعرض. 

السؤال السادس: هل لديك تجارب في فنون تشكيلية أخرى أم اختصيت بالخط العربي فقط؟

أنا خريج فنون جميلة مختصّ بالتصميم الغرافيكي وعملت بتصميم الكتب والشعارات والملصقات والهويات البصرية طويلًا، وأنا خطاط قبل ذلك كلّه، فقد أولعت بالخط منذ الصغر وبدأت بتعلمه في سنتي العاشرة، وصرت بالخامسة عشرة خطاطاً معروفاً في محيطي، وبعض من يحتاجون إلى الخطّ كالمطابع ومكاتب الدعاية والإعلان، قبل أن يبتدئ مشروعي الفني الذي أشعل شرارته تراكم الأسئلة حول الخط الكلاسيكي الذي تمّ تنميطه وصار تقليديًا، ألحّ علي السؤال: ماذا بعد؟ هل سنبقى نكتب بنفس الأنواع والأساليب التي وصلتنا وكتب بها السابقون؟ هل علينا أن نستمرّ في تقليدهم؟ أم أن من الضروري أن نضيف إلى ما أنجزوه؟ وهل علي أن يكون لي بصمتي الخاصة، فأعمل على المضيّ إلى الأمام في إنجاز ما أستطيعه إضافة أو تطويرًا أو ابتكارًا؟
كنت أرسم وأخطط وقد درست في مركز أدهم إسماعيل للفنون في دمشق أثناء دراستي الثانوية، وكنت أشارك في المعارض المدرسية بلوحات رسم وأعمال فنّية أخرى،  ثم التحقت بكلية الفنون الجميلة واخترت التصميم الغرافيكي  كتخصص، وكان مشروع تخرّجي بعيدًا عن الخط، استخدمت فيه  الصورة الفوتوغرافية والمونتاج والطباعة بالشاشة الحريرية، وكان مجموعة ملصقات إعلانية موضوعها “القمع والتسلط العسكري” وكان ممكنًا حتّى ذلك الوقت ومتاحاً للطالب حسب نظام الكلية اختيار الموضوع الذي يريده لمشروع تخرجه، ليتم تحكيمه من الناحية الفنية من قبل لجنة من الأساتذة، لكنهم منعوا حضور نقاش المشروع  وتحكيمه لأي كان من الطلاب وحتى من أهلي، وقد كان ذلك في آذار 1977 فتخرّجت بتفوق وكنت الأول على تخصصي.

السؤال السابع: في هذا السياق أود أن أسألك ما رأيك حالياً بمنع الموديل العاري في كلية الفنون الجميلة؟

حين دخلنا الكلّية ودرسنا فيها كان لدينا موديلات بالكلية وهم موظفون ويتقاضون راتباً لقاء ذلك، وكان هناك موديلات تأخذ أجرًا على كل مرّة يقفون فيها أمام الطلاب ليرسموهم، واستمر ذلك بعد تخرجنا حتّى بداية الثمانينات، بخلاف ما ادّعاه عميد كليّة الفنون الحالي من أن الموديل  قد منع منذ عام 1974؛ هذه الموديلات كانت تقف عارية تماماً، وأذكر أنه كان هناك موديلان هما أم وابنتها وكانتا مصريتان، كما كان هناك موديل سورية اسمها ميري، وأذكر أن الممثلة نبيلة النابلسي وقفت عدة مرات كموديل قبل أن تصبح نجمة، كما كان هناك موديل اسمه أبو الفوز، ولم يكن الغرض من الموديل العاري رسم العري، لكنه كان ليفهم الطلاب التشريح الذي ينبني عليه كل شيء في رسم الأشخاص بكلّ الأساليب.

منع الموديل لم يأت بقرار في الثمانينات، لكنه منع بقرار شفوي من عميد تولى المنصب وكان ذا عقلية متزمتة، وصار الطلاب يرسمون بعض التماثيل بدلًا من الموديل الحي، أو يجلسون أمامهم شخصًا بثيابه ليرسموه، هذه التماثيل معروفة وتستخدم كوسيلة مساعدة في كليات الفنون الجميلة في العالم للتمرين على رسم  الوجه والجسد إلى جانب الموديل الحي الذي يساعد على فهم الحركة وتغيرها بشكل حيوي عبر رسمه من زوايا مختلفة وبأوضاع متعددة، بعد ذلك أتى عميد آخر سار على خطا الذي سبقه ودعمه النظام في مراضاة ضمنية للاتجاه الإسلامي الذي كان النظام البائد يود الاستمرار في استمالته واسترضائه وتحييده خلال المواجهة مع الحركة الإسلامية  المسلحة في الثمانينات وهذا الاتجاه هو من أفرز في مجتمعنا القبيسيات ومدارس تحفيظ القرآن التي ملأت البلد أكثر من المدارس التعليمية.

مسائل جديدة بحاجة إلى حل 

السؤال الثامن: لماذا اخترت حمص لإقامة المعرض بعد (التحرير)؟

تقصدين سقوط النظام، فهناك فرق، أنا معارض قديم للنظام البائد منذ سنوات الأب، لكني اليوم حين يقال انتصرت الثورة، أرى هذا غير صحيح نعم سقط النظام، لكن   المطالب الأساسية التي طالب بها شعبنا لم تتحقق، وصار لدينا مسائل جديدة تحتاج إلى حل، لقد انتقلنا من أحادية الاستبداد والفساد، إلى أحادية اللون المذهبي، والتمييز بناءً عليه.

الحقيقة كان قد تشكل لدي موقف من أسلوب عمل وزارة الثقافة، وأسلوبها في العمل والتعاطي مع الثقافة عمومًا، وفي تعاطي مؤسساتها وغيرها من المؤسسات مع موضوع الفنون والفنون التشكيلية خصوصًا ومن زوايا مختلفة، وأتى القرار الذي صدر في كلية الفنون الجميلة، وما جرى بموضوع سينما الكندي، وغير ذلك من تفاصيل دفعتني إلى أن أقرر الامتناع عن العرض في الصالات الحكومية في دمشق، ولم أكن أرغب أن يبدو غرضي من العرض ماديًا لو تمّ في صالة خاصة بعد امتناعي عن العرض لأكثر من 14 سنة. 

كنت قد تعرفت على مؤسسة “تراثنا” منذ عدة سنوات ورأيت الأفكار التي يعملون عليها مفيدة ومثمرة ولها علاقة بما نحرص على تحققه واستمراره بشكل صحيح في مجال التراث، والترميم، والذاكرة، والتاريخ، لهذا وافقت على دعوة المهندسة لمى لإقامة المعرض في صالة المسرح الأرثوذوكسي، أما بالنسبة لدمشق فسأقيم معرضي فيها في مرسمي على الأغلب.

بعد آخر معرض لي في حمص توقفت عن العرض طوال 14 عاماً لأني كنت ضد محاولة النظام إظهار أن الأمور عادية وطبيعية بينما كنت أراها غير عادية أو طبيعية فلقد كان القتل والتدمير والتهجير شغالًا في البلد، لذا كنت أرفض إقامة معرض لأعمالي خلال السنوات الماضية، ولم أكن أود أن أعود للعرض بطريقة تعبر عن رضى بأشياء غير مرضية بعد هذه الغيبة فما يهمني الآن أولًا أن يكون معرضي فنيًا وثقافيًّا أولاً، وأن يحمل رسائل جمالية ومعنوية.

بوبليليوس السُّوْرِيُّ: مَنْ يَحْرِمُ وَطَنَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ

بوبليليوس السُّوْرِيُّ: مَنْ يَحْرِمُ وَطَنَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ

     ازدهرَ بوبليليوس السُّوري (Publilius Syrus) في القرنِ الأوَّلِ قبلَ الميلاد، ولدَ في أنطاكيا، وعاشَ فيها إلى أن تعرَّضَ للأَسْرِ من قِبَلِ القوات الرُّومَانيّة، وأُبْحِرَ بهِ على سفينةٍ ليُباع عبدًا في روما، وذَكَرَ عالِمُ الطبيعيات الرُّومانيّ بيلني الأكبر Pliny the Elder (23-79 م) في كتابهِ “التَّاريخ الطبيعيّ (35 ,§199)” أنَّ بوبليليوس السُّوريّ وصلَ إلى روما على مَتْنِ السَّفينة نفسها مع مانيليوس السُّوريّ الفلكي (Manilius the astronomer) وستابيريوس السُّوريّ النُّحوي (Staberius the grammarian)؛ وهذا يدلّ في ذلك الوقت على مدى انحطاط الرُّومان آنذاك، إذ كانوا يختارون صفوة السُّوريين ويقومون ببيعهم عبيدًا في أسواقِ النِّخاسة في روما.

   ظل بوبليليوس عبدًا لأمدٍ قصير، لكنَّ مواهبَه وفضائله في شبابهِ دفعت سيّده إلى أن يقومَ بعَتْقِهِ، واستطاعَ أن يتقنَ اللغة اللاتينيّة ويثقِّف نفسه بثقافة عصره، وبدأ بكتابة مسرحياتٍ من نوع يُسمَّى “mimes”، أي مسرحيات إيمائية صامتة، وهو الذي ابتكر هذا النّوع من الفنّ المسرحيّ. ولقد حقق نجاحًا كبيرًا في هذا المجال لدرجة أنَّ يوليوس قيصر (100 ق.م-44 ق.م) استدعاه إلى روما للمشاركة في الألعاب العامَّة ومَنَحَهُ وسامَ “النَّخْلة the palm”، وشملت قائمةُ منافسيه المهزومين مؤلِّف المسرحيات الهزليَّة الرُّوماني لابيريوس Laberius (105 ق.م -43 ق.م). انتشرت شعبية التمثيل الإيمائي بشكل كبير بعد وفاته، وتوجد إشارات من الكاتب الروماني بترونيوس Petronius (27 م-66 م) بأنَّ مسرحياتِهِ كانت لا تزالُ تُعرض وصولًا إلى عهد نيرون (حكم من 54 م إلى 68 م). لكن للأسف ضاعت كلها.

    لم تقتصر مواهب بوبليليوس السُّوريّ على كتابة المسرحيات، بل كتب في الـ Sententia أي الحِكَم القِصار أو الشذرات، وصاغها باللاتينية بطريقة إيقاعية، وكان من حِكَم بوبليليوس السوريّ ما شقَّ الآفاق، ومنها حكمة وردت باللاتينية وفق الآتي: (honesta turpitudo est pro causa bona)، وتَرْجَمَتُها الحرفية إلى العربيّة: (“الخطيئة الشَّريفة تكون من أجل قضية عادلة.”) لكن انتحلها نيقولا مكيافيللي (1469-1527 م) وأعاد صياغتها وفق الآتي: “For although the act condemns the doer, the end may justify him,” (Discourses, i.9.). وتَرْجَمَتُها: (“لأنَّه رغم أنَّ الفعلَ يدينُ فاعلَه، فإنَّ الغاية قد تبرِّرهُ.”) ونُقِلت هذه العبارة نفسها إلى اللغة الإنكليزيّة هكذا: (The end justifies the means) وتَرْجَمَتُها إلى العربية: (الغاية تبرِّر الوسيلة)، وشاعت في الأدبيات السياسيّة العربيّة على أنَّها من بنات أفكار مكيافيللي!

    هذا، ولحُسن الحظّ بقيت لنا مجموعة من حِكَمه محفوظة في المخطوطات اللاتينيّة، ونُشرت عدّة نشرات. ونختار في هذا المقام طائفة منها من كتاب: 

J. Wight Duff, Arnold M. Duff, Minor Latin poets; with introductions and English translations, London Heinemann, 1934, pp.14-111.

مختارات من الشَّذرات

I. الحِكْمُةُ مع الحُبِّ نادرًا ما يُمنحان حتَّى لإله.

II. الشَّيءُ الصَّحيحُ الوَحِيدُ الذي يفعلهُ البخيلُ هو المَوْت.

III. يُخفي الزَّمنُ الفاسِدَ ولكن لا بدّ من أن يكشِفَهُ.

IV. ما الذي يمكنُ أن تتمنَّاهُ لبخيلٍ أكثرَ من حياةٍ مديدة؟

V. يجب على المرء ألا يَثِقَ مُطْلَقًا بعقلٍ يُعَاني من الأَسَى.

VI. الحُبُّ مُتْعَةٌ للشابِّ وعارٌ على الشِّيخِ.

VII. المرأةُ العجوزُ المُتقَلِّبةُ المِزَاجِ لُعبَةٌ مُفَضَّلةٌ للمَوت. 

VIII. المرأةُ العفيفةُ تختارُ الرَّجُلَ بعقلِها لا بعينِها.

IX. الزَّمنُ، لا العَقلُ، هو ما يُنهي الحبَّ.

X. الشَّجاعةُ تنمو بالإقْدَام، والخَوفُ بالإحْجَام.

XI. من يَخْشَى نَفْسَهُ يُعاني عذابًا لا ينتهي. 

XII. تحكَّم في مَشَاعِركَ لئلا تتحكَّم فيك.

XIII. التعوُّد الدَّائم على الرَّخاء لَعْنَةٌ.

XIV. قبول الهِبَةِ بيعٌ للحُريَّة.

XV. لا توجدُ سعادةٌ تامَّةٌ إلا وفيها شقاءٌ لآخر.

XVI. الموتُ رحمةٌ إذا أَنْهى آلامَ الحياة.

XVII. الهَرفُ بكلماتِ الخيرِ شرٌّ عَظِيمٌ.

XVIII. يوطَأُ الشِّيُ الجيّد بالأقدام، لكنَّه لن يُمحى البتة.

XIX. الجُودُ يخْتَلِقُ حتَّى الأسبابَ من أجل العطاء.

XX. الفقيرُ الشَّريفُ عارٌ على الأَتْقِياء.

XXI. الاسمُ الحَسَنُ يبقى مُشرقًا حتَّى في الأيامِ المُظلمة.

XXII.قد تُخْفِقُ الأفكارُ الجيّدةُ، لكنَّها لن تضيعَ.

XXIII. غضبُ الطَّيبِ كبرقِ السَّماءِ، سريعُ الزوالِ.

XXIV. إنَّهم إمَّا مُحْتَالون أو حَمْقى أولئك الذين يَظنون أن الامتيازات ليست أكثر من هِبَات.

XXV. طُوبَى لِمَنْ عَاشَ حَتَّى مَاتَ حِينَ شَاءَ.

XXVI. حُسْنُ الذِّكْرِ مِيرَاثٌ ثَانٍ لِمَنْ عَقَلَ.

XXVII. عَلَامَةُ الصَّالِحِ أَنْ لَا يُخَيِّبَ أَمَلًا، وَلَوْ فِي مَمَاتِهِ.

XXVIII. الحَقُّ لَا يَخْشَى حَاكِمًا، وَلَا يَهَابُ مِيزَانًا.

XXIX. لَيْسَ بِصَالِحٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ صلَاحُهُ لِلكُلِّ.

XXX. لَا أَمَانَ فِي مُصَالَحَةِ العَدُوِّ، فَهِيَ وَهْمٌ يُخَادِعُ النُّفُوسَ.

XXXI. الضَّمِيرُ النَّقِيُّ لَا يَلْجَأُ إِلَى أَعْذَارٍ مُتَكَلَّفَةٍ.   

XXXII. أفرَاحُ الأشرَارِ كَسَرَابٍ، سَرِيعًا مَا تَتَلَاشَى فِي دَمارٍ.

XXXIII. “الشَّوقُ إِلَى المَوْتِ يُورِثُ اتِّهَامًا لِلحَيَاةِ.

XXXIV. لِمُوَاجَهَةِ الجَهْلِ، الإِفْرَاطُ فِي سَعَةِ العَقْلِ حُمْقٌ.

XXXV. لَيْسَ شجاعًا، بَلْ وحَشًا، مَنْ يَقْتُلُ طِفْلًا.

XXXVI. العَيْنَانِ لا تُبصِران حِينَ يَشْغَلُ العَقْلَ هَمٌّ آخَرُ.

XXXVII. العِشقُ يَمْنَعُكُ من أن تكونَ حكيمًا، وَالحِكْمَةُ تَمْنَعُكُ من تكون عاشقًا.

XXXVIII. مَا يُصِيبُ وَاحِدًا قد يُصِيبُ الجَمِيعَ.

XXXIX. قَلَّمَا يقوى الإلهُ نَفْسُه ضِدَّ المحظوظِ، فَالحَظُّ حِصْنُهُ.

XL. كَثْرَةُ العَفْوِ تُحَوِّلُ الأَحْمَقَ إِلَى مَاكِرٍ خَبِيثٍ.

XLI. الغَدُ وَلِيدُ الأَمْسِ.

XLII. الحَرْبُ تَسْتَلْزِمُ طُولَ تَهْيِئَةٍ لِتُعَجِّلَ بِالنَّصْرِ.

XLIII. أَتْقَنَتِ المَرْأَةُ فَنَّ الدُّمُوعِ لِلتَّضْلِيلِ. 

XLIV. احْذَرْ عَطَاءَ يَوْمِ، فَإِنَّهُ سَرِيعًا مَا يُسْلُبُ.

 XLV. التَّرَوِّي مَدْرَسَةُ الحِكْمَةِ.

XLVI. التَّرَدُّدُ كَثِيرًا مَا يُفَوِّتُ الفُرَصَ.

 XLVII. اجْتَنِبْ حَتَّى الحُلْوَ الَّذِي قَدْ يَصِيرُ مُرًّا.

XLVIII. أَحْسَبُ الآلِهَةَ تَبْتَسِمُ حِينَ يَنْذُرُ المحظوظُ.

XLIX. المَسَاءُ يَكْشِفُ عَنْ أَصْدِقَاءَ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْعَلُ الفَجْرُ.

L. حَتَّى فِي الجَرِيمَةِ يَبْرُزُ الإخلاصُ في ارْتِكابِها بِصُورَةٍ لَائِقَةٍ.

LI. البَائِسُونَ يَمْلِكُونَ قَلِيلًا مِنَ الفِكْرِ وَكَثِيرًا مِنْهُ فِي آنٍ.

LII. أَحْيَانًا يَلِيقُ بِكَ أَنْ تَنْسَى حَتَّى مَنْ تَكُونُ.

LIII. تَذَمُّرُ البَشَرِ جَعَلَ الحَظَّ إِلَهَةً.

LIV. اجْتِنَابُ الشَّهْوَةِ فَتْحُ مَمْلَكَةٍ.

LV. المَنْفِيُّ بِلَا وَطَنٍ جُثَّةٌ بِلَا قَبْرٍ.

LVI. مَنْ يَحْرِمُ وَطَنَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ.

LVII. حَتَّى الشَّعْرَةُ الوَاحِدَةُ لَهَا ظِلُّهَا.

LVIII. وَيْحَ مَنْ يَشِيخُ بِالخَوْفِ!

LIX. العَالِي المَكَانَةِ أَسْرَعُ تَأَثُّرًا بِالنَّكَبَاتِ.

LX. النِّهَايَةُ دَائِمًا تَسْبِقُ.

LXI. كَثِيرًا مَا يَسُوءُ التَّعَوُّدُ حَتَّى عَلَى الأَشْيَاءِ الجَيِّدَةِ.

LXII. حِينَ تُدَاهِنُكَ الأَقْدَارُ، فَهِيَ تَحِيكُ شَرَكًا.

LXIII. الأَقْدَارُ تُحَوِّلُ مَنْ تُلاطِفْهُ إِلَى أَحْمَقَ.

LXIV. المُسْتَقْبَلُ يُكَابِدُ أَلَّا يَقَعَ فِي قَبْضَةِ أَحَدٍ.

LXV. الصَّبْرُ إِذَا تَكَرَّرَ جُرْحُهُ يَتَحَوَّلُ إِلَى جُنُونٍ.

LXVI. الأَقْدَارُ لَا تَرْضَى بِإِيذَاءِ أَحَدٍ مَرَّةً وَاحِدَةً.

LXVII. الحَظُّ يَخْطُو خُطْوَةً لَا يَرَاهَا أَحَدٌ.

LXVIII. الحَظُّ أَنْفَعُ لِلرَّجُلِ مِنَ الحِكْمَةِ.

LXIX. الشَّجاعَةُ تَضْمَنُ النَّجاحَ في المَخاطِرِ,

LXX. دائِمًا ما يَكُونُ الشَّرُّ الأَكْثَرُ خُطُورَةً هُوَ ما يَخْتَبِئُ بَعِيدًا عَنِ الأَنْظارِ.

LXXI. آهِ، كَمْ هُوَ مَهِيبٌ مَنْ يَرَى المَوْتَ آمِنًا!

LXXII. كَمْ هُوَ مُؤْلِمٌ العَذابُ الَّذِي لا صَوْتَ لَهُ!

LXXIII. آهِ، كَمْ مِنَ الأَسَفِ يَجْلِبُهُ طُولُ العُمْرِ!

LXXIV. آهِ، كَمْ هُوَ بائِسٌ أَنْ تَتَعَلَّمَ أَنْ تَكُونَ خادِمًا بَعْدَ أَنْ نشأتَ عَلَى أَنْ تَكُونَ سَيِّدًا! 

LXXV. الكَلامُ المَعسولُ يَنْضوي على سُمِّهِ الخاصِّ.

LXXVI. يَمُوتُ الإِنْسانُ كُلَّما فَقَدَ أَحِبَّاءَهُ.

LXXVII. الإِنْسانُ مُعَارٌ لِلْحَياةِ، وَلَيْسَ مَمْلُوكًا لَها.

LXXVIII. تَحْتَ القِناعِ، دُمُوعُ الوَرِيثِ ابْتِسامَةٌ.

LXXIX. أَسْمَى المُنافَساتِ هِيَ في الإِنْسانِيَّةِ.

LXXX. أَنْ تَصِفَ نَفْسَكَ بِـ “السَّعِيدِ” هُوَ أَنْ تَسْتَدْعِيَ الكارِثَةَ.

LXXXI. في البُؤْسِ، حَتَّى الحَياةُ تُصْبِحُ إهَانَةً. 

LXXXII. إمَّا الشُّجاعُ أَوِ المَحْظُوظُ هُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَ عَدَمِ الشَّعْبِيَّةِ.

LXXXIV. مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ نَفْسَهُ يَتَغَلَّبُ عَلَى أَعْتَى الأَعْدَاءِ.

LXXXV. التَّجْرِبَةُ تجعَلُكَ تَخْشَى العَدُوَّ وَلَوْ كَانَ وَضِيعًا.

LXXXVI. الأُذُنُ تَتَحَمَّلُ الخَطَأَ أَكْثَرَ مِنَ العَيْنِ.

LXXXVII. النَّارُ تَحْفَظُ حَرَارَتَهَا حَتَّى في الفُولَاذِ.

LXXXVIII. في الحُبِّ، الأَلَمُ دَائِمًا في حَرْبٍ مَعَ الفَرَحِ.

LXXXIX. الطَّرِيقُ يَمْتَدُّ حَيْثُمَا تَرَكَ السَّابِقُ أَثَرَهُ.

XC. إِنَّهُ لَعَارٌ أَنْ يَلُومَ مَنْ نَجَا مِنَ الغَرَقِ مَرَّتَيْنِ إِلَهَ البَحْرِ.

XCI. َأنْ تَرْتَفِعَ مَعَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ هُوَ العَارُ بِعَيْنِهِ.

XCII. النَّارُ لَا تُلْقِي ضَوْءَهَا بَعِيدًا دُونَ أَنْ تُحْرِقَ شَيْئًا.

XCIII. مَحْظُوظٌ مَنْ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ المَوْتَ.

XCIV. السَّيِّدُ الَّذِي يَخْشَى عَبِيدَهُ أَدْنَى مِنَ العَبْدِ.

XCV. أَن تُتقِنَ الرِّثاءَ هُوَ أَنْ تَعِيشَ ِدُونِ خَطَرٍ.

XCVI. إذا شَرَحْتَ قَوْلًا سَيِّئًا، فَأَنْتَ تَزِيدُهُ سُوءًا.

XCVII. المَرْأَةُ الَّتِي تَتَزَوَّجُ كَثِيرًا تُكْرَهُ مِنْ قِبَلِ الكَثِيرِينَ.

XCVIII. دَوَاءُ الكَارِثَةِ هُوَ رباطةُ الجأش.

XCIX. دَمْعَةُ المَرْأَةِ هِيَ تَابِلُ المَكْرِ.

C. مَنْ يَعْرِفُ قُوَّةَ الكَارِثَةِ لَهُ القُوَّةُ الأَكْبَرُ.

CI. العَاهِرَةُ آلَةُ العَارِ.

CII. لَيْسَ الدُّمُوعُ بَلِ الهَدَايَا مَا يُؤَثِّرُ في العَاهِرَة.

CIII. المَوْتُ حَظٌّ لِلطُّفُولَةِ، مُرٌّ لِلشَّبَابِ، وَمُتَأَخِّرٌ لِلشَّيْخُوخَةِ.

CIV. في سَعْيِكَ لِتَزْيِينِ قَضِيَّةٍ سَيِّئَةٍ، أَنْتَ تُدِينُهَا.

CV. ِإنَّهَا لَخُطَّةٌ بَائِسَةٌ تِلْكَ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ.

CVI. الطَّرِيقُ الآمِنُ طريقُ العَبِيدِ المُسْتَأْنَسِينَ.

CVII. مَوْتٌ بِلَا شرفٍ اسْتِهْتَارُ القَدَر.

CVIII. طَوِيلٌ هُوَ الزَّمَنُ قَبْلَ أَنْ يُطِيحَ الانْهِيارُ بِمَنْ يَخْشَى التَّصَدُّعَ.

CIX. لَا نَمُوتُ نَحْنُ البَشَرَ في مَكَانٍ أَفْضَلَ مِمَّا نَمُوتُ في مكانٍ عِشْنَا فيه بِرِضَانَا.

CX. َلا قُبْحَ في الجُرحِ الَّذِي تُوَلِّدُهُ الشَّجَاعَةُ.

CXI. الأُمُورُ الكَبِيرَةُ جِدًّا يجبُ أَنْ تَكُونَ بِدَايَاتُهَا صَغِيرَةً جِدًّا.

CXII. الضَّرُورَةُ تَفْرِضُ القَانُونَ: ولَكِنَّها لا تَخْضَعُ له.

CXIII. الشَّجَاعَةُ لَا تَعْرفُ الإِذْعَانَ للكَوارِثِ.

CXIV. الضَّرُورَةُ تَنالُ مَا تُرِيدُهُ مِنَ الإِنْسَان.

CXV. الضَّرُورَةُ تَخْتَطِفُ ما تَطْلُبُهُ، إلا إِذَا أَعْطَيْتَهُ.

CXVI. مَا تُخْفِيهِ الضَّرُورَةُ يُبْحَثُ عَنْهُ سُدًى.

CXVII. كَمْ هُوَ ثَابِتٌ عَرْشُ الضَّرُورَةِ!

CXVIII. دُونَ الفِطْنَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، لَا فَائِدَةَ مِنَ الاسْتِمَاعِ إِلَى الحُكماء.

CXIX. الرَّجُلُ الحَكِيمُ لَا يَرْفُضُ شَيْئًا تَقْتَضيه الضَّرُورَةِ.

CXX. لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ الإِفْلَاتَ مِنَ المَوْتِ أَوِ الحُبِّ.

CXXI. إِنَّهُ لَنَبِيلٌ أَنْ تُقْتَلَ عِنْدَمَا تكونُ عُبُودِيَّتُكَ شَائِنَةً. 

CXXII. الأَلَمُ الَّذِي يَقْتُلُ الأَلَمَ يَعْمَلُ كَتِرياق.

CXXIII. أَنْ تَلْجَأَ إِلَى مَنْ هو أَدْنَى مِنْكَ خِيَانَةٌ لِلنَّفْسِ.

CXXIV. الدَّمْعَةُ السَّرِيعَةُ تَعْنِي الخِيَانَةَ، لَا الحُزْنَ.

CXXV.الخوفُ نَوْعٌ من العبوديّة.

CXXVI. الرَّجُلُ المَحْظُوظُ لَا يَعْرِفُ أَبَدًا كَيْفَ يُوَاجِهُ الشَّدَائِدَ.

CXXVII. مَا أَشْأَمَ أَنْ تَهْزِمَكَ المصَادَفة!

CXXVIII. مَا أَشْأَمَ أَنْ يُجَدَّدَ شَرٌّ قَدِيمٌ!

CXXIX. الحَكِيمُ يُحَارِبُ العالَمَ عِنْدَمَا يُفَكِّرُ.

CXXX. البَرَاءَةُ دَائِمًا تَتْبَعُ نُورَهَا الذَّاتِيَّ.

CXXXI. حَتَّى الشَّوْكَةُ تُصْبِحُ مُفْرِحَةً عِنْدَمَا تُظْهِرُ وَرْدَةً.

CXXXII. وَجْهُ الشَّجَاعَةِ لَهُ نَصِيبٌ في النَّصْرِ.

CXXXIII. النَّدَمُ يعقبُ الخُطَّةَ المُتَعَجِّلَةَ.

الوجع السوري في “كل عار وأنتم بخير”: وجوائز جديدة للأخوين ملص

الوجع السوري في “كل عار وأنتم بخير”: وجوائز جديدة للأخوين ملص

بديكور بسيط ومساحة صغيرة من المسرح الكبير استطاع الأخوان ملص أن يستحوذا على مشاعرنا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فاستنفرت دموعنا على ضفاف الضحكات واختلط الضحك بالبكاء وكأننا نختزن منذ سنوات هذه المشاعر التي ما إن وضعت أمامنا المرآة حتى رأينا عري ألمنا الفاضح، وكيف تتشابك لحظات ضعفنا وخيباتنا وتختلط ضحكاتنا بالدماء، وكم من قسوة تسترت بها ملامحنا لنستمر.

حدث ذلك في العرض الذي قدماه على خشبة مسرح دار الثقافة في حمص بعنوان ” كل عار وأنتم بخير”  وكانا قد تجولا به في المدن السورية بعد أن منع من العرض في وقت سابق، إثر منشور لهما على صفحتهما في الفيسبوك قبل أن تتراجع وزارة الثقافة عن ذلك في بيان لها تعتبر فيه أن ما حدث ليس أكثر من سوء تفاهم. ومع الأخذ والرد بين الأخوين ملص والوزارة كان تشويقنا يتزايد لرؤية العمل والحكم عليه خاصة أن صدى أعمالهما في أوربا قد سبقهما إذ حصل فيلمهما ” البحث عن عباس كيارستامي” على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان هوليود إنترناشيونال وفيلمهما “أيام الكرز” على جائزة الجمهور في مهرجان البوسنة، وكانا قد ترشحا قبل ذلك لموسوعة غينيس عن فئة أصغر مسرح في العالم عام 2009، بينما يشهد لهما خروجهما ضد نظام الطاغية بشار منذ بداية الحراك السلمي في سورية. 

ببساطة الحوار واللباس وتلك التلقائية لامس الممثلان الوحيدان على الخشبة في عرضهما هذا ومجابهاتهما فيه الألم السوري الذي سار بعيداً في الزمن رغم أوهامنا بأمل الخلاص. فالعرض لم يحدد زماناً أو مكاناً بل كان قطعة من الزمن السوري المحمل بالوجع تدور أحداثه في بقعة من الجغرافيا السورية. عبر اجتماع شخصين تربطهما صداقة للاحتفال بالعيد رغم أنهما متناقضا الهوى والاتجاه: فأحدهما جندي في الجيش السوري والآخر مثقف مضطهد في سجون النظام قضى أكثر عمره في المعتقل وخرج مكسوراً، انسحبت خيبته على حياته كلها فحتى على صعيد الحب لم يمتلك الجرأة في التعبير عن مشاعره لفتاة أحلامه واكتفى باجترار الخيبة والألم وكلمات الحب في رسالة كتبها ولم يرسلها.

أما الجندي فقد تضخم لديه مفهوم البطولة حتى لم يعد يعرف سوى التغني ببطولة لم تحدث تحت سيطرة مفهوم كان يربيه النظام في عقول الناس ضمن منظومته ليكون من السهل استخدامهم متى شاء. 

يحاول الجندي الذي لا يملك سوى وقت قصير جر صديقه المتثاقل للفرح بالعيد في رغبة لتجاوز الواقع الضاغط بما يحمله إرث سنوات متتالية من الحرب، لينتهي الاحتفال إلى مواجهات متكررة ثم إلى مشادة كلامية قاسية، يقوما فيها بتعرية أحدهما للآخر، فيهاجم الجندي المثقف ويتهمه بالجبن والتخاذل والاستسلام حتى على الصعيد الشخصي في إحجامه عن مصارحة المرأة التي يحبها بمشاعره طوال سنين كرمز عطالة عن الفعل، و يهدده بالقتل إن لم يتجاوز نفسه ويمتلك الشجاعة لمصارحة الحبيبة عبر الهاتف بمشاعره التي اختزنها خمسين عاماً، في مشهد درامي متصاعد استنفر أحاسيس الجمهور وجعله يصفق ويبكي معه. إذ كان كل منا يرى في جبنه هذا جزءاً منه ولحظة هاربة من الزمن الذي يريد ويتمنى استعادته ولو تحت التهديد.

 كان أداء الأخوين ملص يسحب المتفرج إلى خشبة المسرح وكأنه يتماهى مع الممثل ويشارك في الأداء إذ يشاهد صورته تتألم وتتمزق.

ومع استمرار الأداء المتميز في لحظة يتصاعد فيها المشهد إلى التحول فيتبادل الأخوان الأدوار في حركة سريعة لافتة تسجل لهما، ليصبح الجندي عجوزاً مصاباً بحرب لا يعرف سببها ولا يعرف إن كان قد انتصر فيها أم هزم يتنمر عليه المثقف الجديد وقد غدا شاباً يمثل جيلاً جديداً منتصراً، ويضعه أمام المرآة ليشهد خرافة البطولة المزعومة ووهمها بينما مضى عمره في عجلة النظام ولم يمتلك الجرأة لمصارحة حبيبته بمشاعره  خاصة بعد انتهائه للعطب الجسدي والنفسي ، ثم يهدده بالقتل إن لم يقم بمصارحتها بمشاعره وأحلامه بها  وبيئته التي دفعته إلى الانجرار إلى عجلة النظام :” نحنا أفقر بيت بالضيعة يا حلا”.

استخدم الأخوان ملص في حوارهما طوال العرض، إشارات وعبارات تعيد المتلقي  إلى مجابهات سورية مستمرة وحديثة العهد أي بعد سقوط النظام لكنهما أخذا المتلقي إلى زاوية من المشهد ليدرك أن كلا الشخصيتين ضحية ورغم تناقضهما في الموقع يتشابهان في المعاناة والأثمان المدفوعة وأن تلك المعاناة التي أكلت عمرهما جعلتهما بحاجة الواحد للآخر وتحسسهما لآلام بعضهما أيقظ بينهما مشاعر مختلطة بين الألم والمعاناة والرغبة بالعيش المشترك في سلام يتوقان إليه،  فحين يقرران الانتحار كحل لكل هذه المواجهات ونبش الآلام بالاتفاق على قتل أحدهما للآخر، وبعد بروفات عديدة يفشلان في التنفيذ في مشهد مؤثر جداً، لقد وجدا أن الموت ليس رغبتهما الحقيقية. 

لعل التوأمة البيولوجية للأخوين بما حملته من شبه بينهما واضح المعالم، كانت الحامل الذي لا لبس فيه لفكرة الشعب الواحد الذي مهما اختلفت مواقف أفراده وخياراتهم يبقى لهم جذر واحد يحكمه الانتماء لهذه البقعة من الأرض والجغرافيا، وبالشراكة كحالة لا يحق لطرف سلب الآخر وجوده فيها.

حمل النص المسرحي الإشارة إلى الألم السوري المستمر، منذ خمسين عاماً دون أن يجد براً ليرسو، كما حمل رسالة النبوءة بأنه لن يتوقف إلا عبر الشراكة الحقيقية والجلوس على الطاولة نفسها كرسالة موجهة لكل سوري. وبهذا فقد أعادا للمسرح دوره الحقيقي في تحقيق التواصل والإضاءة على لب القضية لتكوين رؤية جامعة تستنهض روح التشارك لواجهة الخراب العام.

تميزت حركة الممثلين بالسرعة والانتقال السلس من الكوميديا إلى التراجيديا وبراعة الأداء المتناسبة مع بيئة العمل والموسيقا وبالانسجام والتلقائية التي أوصلت العمل للمتلقي وانتزعت إعجابه، وكان اختيارهما للأغاني موفقاً لتطعيم العمل بالمواقف الكوميدية التي تواصلت من الحوار إلى حركة الجسد. فاستحوذا على تفاعل الجمهور وتصفيقه الطويل.

أعادا خلال ذلك للمسرح دوره الحقيقي منذ البوستر الذي كتب عليه “لأن المسرح فعل مقاومة حقيقي” في واقع ليس خافياً فيه تراجع العمل المسرحي بشكل عام وضحالة المهرجانات التي كانت تقام في الآونة الأخيرة.

يذكر أن مسرحية “كل عار وأنتم بخير” نالت في 30 آب 2025 جائزتين ضمن مهرجان مسرح الرحالة الدولي للفضاءات المغايرة في الأردن وهما جائزة أفضل ممثل مناصفة بين أحمد ومحمد ملص وجائزة أفضل نص مسرحي للأخوين ملص.  

في أرصدةِ ما بعد الحداثة:”بلادٌ لا تشبه الأحلام”

في أرصدةِ ما بعد الحداثة:”بلادٌ لا تشبه الأحلام”

لعلّه النطاقُ الأكثرُ حيويّةً والأصعبُ اختباراً لفنّ كتابة السيرة الذاتيّة بنسختها المعاصرة ذاك الذي يختارهُ المؤلّف كإجابةٍ فرديّة استثنائية عن سؤال المصير الجماعيّ، وتحديداً عبر كسره تقليديّة النمط” أدبيّاً” وهو يعيد إنتاج سرديّتنا المنهارة، كأفراد، في مسافة تفكيرنا بين ما ينبغي أن يفعله الوطن لأجلك وما قد يفعله بكَ. وتفنيداً لأدبيّات المغاير والمختلف، الواجب توفّرها للخوض في هذا السياق الجريء على توقّعاتنا الجماليّة ، نضع هامشاً من النقد الاجرائيّ على متن كتاب ” بلادٌ لا تشبه الأحلام” عن دار نوفل/ هاشيت أنطون، بيروت 2025، في السيرة الذاتيّة للشاعر والكاتب السوريّ بشير البكر، حيثُ يفتح الباب واسعاً أمام ما يزيد عن أربعين عاماً من حلّه وترحاله الاختياريّ تارةً، والقهريّ تارةً أخرى، لتمارسَ الكتابةُ عن الحقيقة والنسيان طقساً سيريّاً أراد له أن يكون مائزاً في تعامله مع حمولة الذاكرة الفرديّة، فيقدّم إضافة مهمّة لذائقة القارئ حين  يمنح أجواَء التلقّي بعداً جماليّاً لا يعتمد هذه المرّة على حدثيّة السيرة الذاتيّة ودراماتيكيّة التشويق في ذاكرة التجربة الشخصيّة وحسب، بل على دور تقنيات الكتابة في تأجيج شغف القارئ  بالفكرة التي يقوم عليها العمل بالأساس، ((فراغٌ واسع عليّ أن أملأه كلما ابتعدت المسافةُ كثُر الفراغ، تمدّد مثل ظلّ طويل لا نهاية له، أسير كمن يمشي باتجاه واحد، وراء ظلّ يبدأ من نقطة في قرى البعيد، نحو قارات ملونة بالأوهام، فرحاً بالمطر وبهجة الشمس))، ولكنّ محاولة تأثيث هذا الفراغ يهيمن على مجرياتها وعي المؤلّف لحقيقة أنّنا، عندما نكتب عن الذاكرة، نحن لا نلتقط الماضي، بل نخلق فجوة بين ما كان وما نقول إنه كان*، فمن المصافحة الأولى مع القارئ يثبّتُ  الكاتبُ مكاشفةً مبكرةً  لجهة تغيير نظرتنا عن علاقة الحدث بالذاكرة حين يرضخان لاعتبارات ما بعد الحداثة في أنّ السيرة الذاتيّة ليست نقلاً للحقيقة بل فعلاً إبداعيّاً يعترف بفشله مسبقاً، ((لا شيء مما ورائي يشغلني سوى المكان الفارغ الذي تركته؛ الكرسيّ، الطاولة السرير البيت القرية، المدينة. تلك المساحات الصغيرة والكبيرة تشعل بي أرقاً، وتطرح عليّ أسئلة لا أجوبة لها حتى في لحظات التداعي العميق!))  

إنّ أنساقاً من الشفافيّة الداخليّة في صفحة ” المبتدأ” أراد الكاتب تثبيتها كميثاق مرجعيّ يوقّعه مع القارئ بما يتعلّق بثنائيّة (الصادق والحقيقيّ) وهي المرتكز الذي تقوم عليه نمطيّاً ثقة القارئ بالموضوعيّة المفترضة في كتب السير الذاتيّة، إلّا أنّ هذه الأنساق توقّع هذا الميثاق على أنّه تأويلٌ لجوهر هذه الثنائيّة  وليس كإقرارٍ بفهمنا التقليديّ لها، هذا التأويل قد يبدو الكتابُ بمجمله بنيةً ومحتوىً تجلٍّ من تجلّياته وكأنّ البكر استدعى الفيلسوف  الفرنسي فرانسوا ليوتار ليطلّ معه على الجمهور من شرفة ذاكرته الحافلة بشظايا الهويّة والذات في غزارةٍ من تنوّع التواريخ والأمكنة، ملوّحاً بأنّه ” ليس هناك ذكرى نقية، كل ما لدينا هو أرشيف من التشوهات التي تنتجها اللغة ” وبأنّ ” الماضي لا يُستعاد، بل يُعاد اختراعه كلّ مرة نرويه فيها” ((صحيح أنّي أمضيت نهارات وليالي كثيرة عند ضفّة النهر، ولكنّ ضوء القمر والنزهات في القوارب، وأشجار الصفصاف على الضفاف عبارة عن إضافات، تستدعيها اللوحة التي أريد رسمها عن تلك البلاد المفقودة التي صارت هباء، هي لا تُشبه الأحلام، أنا من أراد ذلك، وأصرّ عليه، بعد أن صدّقتُ بأن ذلك هو السبيل لطرد الكوابيس))،
هذا النزوع الليوتاريّ تقابله من جهة البنية السرديّة للكتاب لياقةٌ تأليفيّة عاليةُ الأداء في ثمانية وعشرين فصلاً تُحيل العمل بأكمله إلى كون البكر لا يعيد من خلاله إنتاج ذاته عبر الذاكرة وماضي تجربته الشخصيّة ويقدّمه للقارئ كنصّ مرجعيّ وحسب، بل يعرض له أيضاً سلوكاً في التذكّر، مقدّماً تأثيره في القارئ على الذاكرة نفسها، ويمكننا أن نُجْمل طبيعةَ هذا السلوك في الملامح التالية:

– في كلّ فصلٍ من السيرة ثمّة تراتبيّة زمنيّة في التسريد تعتمد على حقيقة أنّ الحدث قد يطفو في الذاكرة خارج تسلسله، كجزرٍ صوتية مبعثرة، وعلى سبيل الإبانة نأخذ فصل ” اليزيديّ” الذي يفتتحه بمشهديّات ريعان الطفولة ومجرياتٍ من حميميّة النشأة في مسقط رأسه محافظة الحسكة السوريّة ((مسرعةً في اتجاه جبل سنجار بقيتُ أتبعها بنظري وهي تتجه شرقاً حتّى اختفت وراء خط الأفق، وصارت غيمةً بيضاء، جالسةً فوق قمة الجبل في هيئة حمامة تنظر باتجاهي من بعيد)) ثمّ يكسر خطيّةَ السرد وأجواءَهُ هامشٌ بعنوان، بحر مرمرة ، يختطفنا بها القصّ إلى ” محمّد برّو” الناجي من سجن تدمر الصحراوي ثم زنازين صيدنايا قبل أن يفرّ من قصف البراميل المتفجّرة على مدينته حلب ليستقرّ طافياً في ملوحة بحر مرمرة الخفيفة، ثم نقلة جديدة مع فاصلة: مطر، بموجة نوستالجيا رعويّة الأصول، ليختتم الفصل بهامش: صور بالأبيض والأسود ((حديث الذكريات يمر سيّالاً، ولا يترك من الماضي أكثر من تفاصيل متقطّعة مشوشة وعابرة، بينما يجعلني رصف الصور بعضها إلى جانب بعض، أعمل على صناعة إطار خاص لها، وأتخيل سيرة فتصبح لها حياة جديدة، غير حياتها التي بقيت هناك بعيدًا عني)). 
هكذا تؤثّث الفواصل والهوامش كلّ فصلٍ من فصول الكتاب دون مراعاة الخطيّة الزمنيّة والترابط المنطقيّ في استرجاع حدثيّة الأمكنة والتواريخ (الميلاد → النضج → الإنجازات)، فالسيرة عند البكر تتكون من شظايا ذكريات، تناقضات، لحظات غير مترابطة، ولأنّ التذكّر في لحظة التداعي السيريّ الفعليّة تجربةٌ تجزئ الزمن ولا تُختزل في حبكة متماسكة، أراد أن يكون حقيقيّاً أمام القارئ، لتبدو السيرة فسيفساءَ من تداخل الوقائع وتبعثر فصولها بين الماضي والحاضر ولحظة الكتابة نفسها، وتقوم بنيتها على نقلات شذريّة تعكس جماليّةً تأليفيّة مفارقة للتقليديّ تحوّل القارئ إلى شريكٍ ينظر إلى السيرة نظرةً تأويليّة، وهذه خطوة جريئة على ما يمكن أن يتوقّعه قرّاء السير الذاتيّة، وربّما تكون قد اضطرت الكاتبَ ليضيف صفة روائيّة بعد عبارة “سيرة ذاتيّة” إرضاءً للمصنّفين، ولكن تحت مظلة أدب ما بعد الحداثة واعتباراته حول كتابة السير الذاتيّة لن يتبقّى هناك حاجة لإضافة تلك الصفة، حيث أنها مسلّمة من مسلمات هذا الفنّ.  

–  ثمّة خيارٌ لغويّ اعتمده الكاتب في ممارسة التذكّر كسلوكٍ يكرّس مقولة يُجمع عليها منظرو فنّ كتابة السيرة الذاتية وهي ” الصدق المستحيل”، هذا الخيار تجلّى بارتفاع منسوب الأداء الاستعاري للغة وربّما أكّدته أحد تصريحات المؤلّف حول الكتاب بقوله ” كتبتُه بلغتي كشاعر”، ولعل بعض الآراء التقليديّة تجنح إلى اعتبار انّ هذا الخيار يحوّل الكتاب إلى نصوص من البوح الشاعريّ، إلّا أنّ المنطق النقديّ ما بعد الحداثيّ ينسف هذه الآراء مؤكّداً على أنّ، الاستخدام الكثيف للغة الاستعاريّة هو ضرورةٌ ليس كزخرفةٍ وإنّما للدلالة على عدم كفاية اللغة الحرفيّة و حقيقة عجزها عن نقل التجربة المباشرة دون الانزياح،* (( دخلتُ بيروتَ وتركتها على مطر يغسل المدينة، يتفرّع في دروب صغيرة نحو البحر، ليس هذا مصادفة بلا رجع بعيد، المطر في كل الأوقات قرين حياتي، تعلقت به منذ الطفولة، وصار مثل موسيقى داخلية، تأخذ طعم اللحظة، فرح حزن نشوة مرارة، وفي جميع الحالات إيحاء الغيب الحافل بالغموض والوعد، مطر ومظلات، وأنا أبحث بين الوجوه، أتهجى الملامح، أتابع الخطى، أمشي خلف زمن يتقاطع بأزمنة أخرى ))، ومن نافلة القول أنّ السيرة الذاتيّة سردٌ للماضي إلّا أنّه يتمّ بلغة الحاضر وشروطه الثقافيّة مما يجعل مصداقيّته مطلباً مستحيلاً،ويسعفنا هنا فيليب لوغان صاحب الميثاق السير ذاتي بعبارته الشهيرة “السيرة الذاتية هي الكذبة الأصدق التي نرويها عن أنفسنا” وعليه فإنّ اعتماد هذا الخيار اللغوي ينظرُ إليه من باب أنّ الاستعارة هنا أقلّ خيانة من الادعاء بموضوعيّة الحقيقة، وهو الخيار الأمثل لنردم الفجوة بين ما عشناه وما نعبّر عنه من الذاكرة.

– إنّ انتقائيّةً مخصوصة تُمارس على أرشيف الذاكرة يبدو من خلالها سلوك بشير البكر في التذكر وكأنّه عمليّةُ تفخيخ لعلاقتنا بالسرديّات الكبرى ويقينيّاتها التي رُوّج لها في المنطقة العربيّة منذ ستينيات القرن المنصرم إلى اليوم، الناصريون، الشيوعيون، البعثيون، اليساريون العرب، الإسلاميون، المثقّفون العضويون جميع أولئك لهم متكأٌ واسعٌ عبر مسارات التذكّر والقصّ الحدثي في بلاد لاتشبه الأحلام، وكذلك الشعراء والأدباء و الفنانون، إلّا أنّ المؤلّف ينتقي من يوميّاته معهم داخل سورية وفي المغتربات والمنافي، تفاصيل هامشيّة وحكايات صغيرة منمنمة معبّأة بالحمولة العاطفيّة الإنسانيّة، مشاعر، ذكريات، وتفاصيل يومية تافهة ومقدسة في نفس الوقت،(( في نهاية كلّ سهرة كان علينا أن نوصله إلى المنزل، ونلعب معه اللعبة التي يمارسها كل ليلة، حيث يرتدي كفناً أبيض ويطلب من الحاضرين تأبينَه ، يموت أسامة عاشور في آخر الليل، ويصحو في أول النهار، يعيش مثل إله أسطوري قديم))، وبذلك يحطّم عند القارئ إطار السرديّة الكبرى الذي زجّتهم فيه سلطة الثقافة والمعرفة، مقترِحاً الجديد عبر سرديّات منمنمة ومخصوصة، غير مبالٍ بمحلّيتها وهامشيّتها أو محدوديّة الإدراك العمومي لتفاصيلها، يتتبع فيها الجسديّ والنفسيّ والحسيّ والغرائزيّ، وكأنّه يؤرشف روح الذاكرة بعد أن تفارق جسد التواريخ والأمكنة وهي تقاومُ قدراً حتميّاً أليماً اسمه النسيان، وهذا مالم تكن لتغفل عنه فلسفة ما بعد الحداثة فأصرّت على أنّ التسيير الذاتي ليست سرداً للماضي وحسب بل محاولة لالتقاط اللامعبّر عنهُ. 
ختاماً:

لبشير البكر الكاتب والشاعر السوريّ، أن يضع بين يديّ القارئ العربيّ منجماً سيريّاً ثميناً بمحتواه الحدثيّ سوريّاً وعربيّاً، مستفزّاً القارئ بعمق وغزارة وعيه الذاتيّ الفرديّ بمعضلةٍ جماعيّةٍ اسمها ” الوطن ” عبر ذواكر تجربةٍ شخصيّةٍ حافلة بالترحال، ولنا بالمقابل ّأن نضعَ كتابه” بلادٌ لا تشبه الأحلام ” وديعةً في أرصدة أدب مابعد الحداثة ، ونرى في البنية والأسلوب تجسيداً استثنائيّاً لإحدى مقولاته ” الذاكرة مثل شاطئ، كلّ موجة تأتي تغيّر شكل الرمال، وتترك وراءها أثراً مختلفاً عما سبق”*، وكلّ ما يتبقّى للكاتب هو أن يكون حقيقيّاً مع هذه الفكرة ويجسدها للقارئ سلوكاً في التذكّر، حينها تكون كتابة السيرة الذاتيّة إبداعاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
1-* عن فيلسوف مابعد الحداثة الفرنسي فرانسوا ليوتار ” مقابلة

2-* كتاب الاختلاف ” فرانسوا ليوتار” / 3-* كتاب المتحوّلون من الإنسان ” فرانسوا ليوتار

نحو انبعاث اسم سوريا من غياهبه التاريخيّة

نحو انبعاث اسم سوريا من غياهبه التاريخيّة

استخدم المؤرخ اليوناني هيرودوت (484-425 ق.م) في كتابه “التاريخ”، بشكل متكرر، اسم (“سوريا=Συρία=تنطق باليونانية سيريّا”) للإشارة إلى منطقة تشمل مساحة أوسع مما يُفهم عادةً على أنه سوريا اليوم، إذ كانت تمتدّ مِنَ الشَّمال من نهر هاليس الذي قال عنه هيرودوت حرفيًّا: “هذا النهر، الذي يفصل سوريا عن بافلاغونيا Paphlagonia، يتدفق من الجنوب إلى الشَّمال، ويَصَبُّ في النهاية في البحر الأسود”. علمًا أنَّ الأتراك يُسمّون نهر هاليس الآن نهر (قيزيل إرماك) ويتدفق في مسافة إجمالية تبلغ نحو 1335 كم، كما كانت منطقة بافلاغونيا موطنًا لشعب قبلي هو الكاشا في عهد الإمبراطورية الحثية القديمة التي ترجع إلى الألفية الثانية قبل الميلاد؛ وتمتد سوريا جنوبًا وفق هيرودوت حتى جبل قاسيون وتشمل مدن مثل قادش (Cadytis)، التي يُعتقد أنها القُدس؛ ولم يحدِّدْ هيرودوت حدودًا شرقية واضحة، لكن يُفهم من سياق كتاباته أن سوريا تمتدُّ شرقًا حتى مناطق قريبة من بلاد الرافدين؛ أما حدودها الغربية فتشمل الساحل الفينيقي على البحر الأبيض المتوسط. إذن، -وفق هيرودوت- كانت سوريا تشمل رقعة جغرافيّة هائلة.
لكن تحدَّث هيرودوت في كتابه نفسه عن (“آشور Ασσυρία=تنطق باليونانية أسيريّا”)، على نحو أدّى إلى حدوث خلط في عقول القرّاء اليونانيين بين (Συρία=سيريّا) و(Ασσυρία= أسيريّا)، أي بين سوريا وآشور، ويُلاحظ هذا الخلط حتى في رسم هذين الاسمين باللغة الإنكليزية، إذ يرد اسم سوريا هكذا: Syria ويرد اسم آشور هكذا: Assyria، وقِسْ على ذلك في لغات كثيرة.

انتبه المستشرق الألماني ثيودور نولديكه (1836-1930 م) إلى هذا التقارب في النطق والكتابة بين اسمي سوريا وآشور. إذ في بحث له نشره في مجلة “هرمس” في العام 1871، وضع نظرية مفادها أن الصفة “سوري (Syria(n))”” في اليونانية هي شكل مختصر من الصفة “آشوري “(Assyria(n))، وسادت نظريّة نولديكه منذ ذلك الحين في الأوساط العلميّة المتخصّصة، ونبّه نولديكه إلى أنَّ الترجمة السبعينية للكتاب المقدس العبري، وكتابات الفيلسوف الرواقي السوري بوسيدونيوس، والمؤرخ اليهودي يوسيفوس، وأعمال الآباء المسيحيين الأوائل تشهد جميعها على أنَّ العالَم الناطق باليونانية، بدءًا من القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد تقريبًا، قَصَرَ اسم “سوري” على اللغة الآرامية والآراميين أينما وُجدوا، سواء في سوريا نفسها أو حتى في جنوب بابل. لكن سنجد لاحقًا أنَّ هذا الرأي يحتاج إلى تدقيق أعمق!
استمر رأي نولديكه سائدًا وصولًا إلى العام 2006، حين نشر عالم الآشوريات ر. رولينجر Rollinger بحثًا في “مجلة عالم الشرق” نبّه فيه إلى نقش كُشِفَ حديثًا، يعود إلى النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد، من بلدة تشينيكوي Çineköy بالقرب من أضنة في تركيا الحديثة. يحتوي النقش على نص ثنائي اللغة، مكتوب بالهيروغليفية اللوية Luwian hieroglyphs (=لغة كانت سائدة شمال سوريا) والأبجدية الفينيقية. في النص الفينيقي، يُكتب الاسم الجغرافي “آشور” (Assyria) واسم “آشوريين” (Assyrians) بينما يستخدم النص اللوي المقابل Sura/I = سوراآي للتعبير عن كلا الشكلين علمًا أنّه لم يكن من غير المألوف في العصور القديمة وفق رولينجر استخدام اسم جغرافي بصيغة المفرد كجمع، للدلالة على مجموعة من الناس).

لذلك يدحض ر.رولينجر نظريّة نولديكه، إذ بدلًا من أن يكون اليونانيون قد حرفوا “سوري” (Syria(n)) من “(آشوري” (Assyria(n)، من المحتمل أنهم تبنوا الشكل المختصر من هذه المناطق.
لكن استطاع الباحث في الدراسات الآرامية جوني ميسو Johny Messo في بحث له بعنوان (“أصل مصطلحي “سيريان” و”سو-ريو-يو” مرة أخرى” أن ينبّه ببراعة إلى أنه رغم الارتباك الذي لوحظ بالفعل بين اليونانيين والرومان بعد هيرودوت، لم يكن هناك مثل هذا الارتباك موجودًا بين المسيحيين الأوائل الناطقين بالآرامية الذين كانوا متضلّعين في اللغة اليونانية. في لغتهم الأم، كان هناك دائمًا تمييز واضح بين آشور (آشوريين) وسوريا/(سوريين)، حيث كانت هذه المصطلحات مختلفة تمامًا في الصوت والنطق وكذلك في المعنى. كما هو الحال الآن في اللغة العربيّة الفصحى.
لكن في رأي ميسو وقعَ الآراميون ضحية التهلُّن Hellenization. إذ بمجرد أن بدأ اليونانيون في حكم الشَّرق الأدنى والسيطرة على الأراضي الآرامية أو التي تنتشر فيها اللغة لآرامية إلى حد كبير، قيَّدوا المصطلح الآراميّ الشامل سابقًا “سوري SŪRYOYO” وحصروه بالآراميين، بما في ذلك لغتهم وثقافتهم وأراضيهم. ويقصد ميسو من ذلك أنَّ اسم سوريا الذي كان يُطلق وفق هيرودوت على رقعة جغرافيّة هائلة ويوصف سكانها بأنهم سوريون أصبح يُطلق فقط على الآراميين، وهنا نميّز بين مرحلتين في التأريخ اليوناني لسوريا: مرحلة هيرودوت، ومرحلة ما بعد هيرودوت التي بدأت مع غزو الإسكندر الكبير لسوريا واستمرت مع خلفاء الإسكندر من السلوقيين على وجه التحديد.

وعليه، لا يمكن أن تصمد النظرية الشائعة التي تفسر “سوريا” كشكل مختصر من “آشور” التي أدت إلى فكرة أن اسمي سوريا وآشور مرتبطين في اللغة الآرامية. وهذا الفهم-في رأي ميسو-لا ينسجم مع ما يُسمَّى الصحوة القومية بين السريان/الآشوريين في أواخر القرن التاسع عشر، حيث سعى بعض المفكرين والنشطاء إلى تأكيد هويتهم الآشورية وتمييزها عن الهوية السريانية العامة. لكن هذا –في رأي ميسو-يُعَدّ مسعى حديثًا لا يوجد أساس تاريخيّ له، وهو نتاج الصحوة القومية السريانيّة منذ القرن التاسع عشر، التي تعززت بعد الحرب العالمية الأولى.
وأشار ميسو إلى معلومة مهمة جدًا وهي أن الفيلسوف الرواقي السوري بوسيدونيوس (مات 51 ق.م) والمؤرّخ اليوناني استرابون (مات 24 م) أكدا أنَّ اليونانيين أطلقوا على الآراميين اسم “سوريين”، لكنهما أضافا أنَّ الآراميين كانوا لا يزالون يطلقون على أنفسهم اسم “آراميين”. ويؤكد المؤرّخ اليهوديّ يوسيفوس أن آرام بن سام بن النبي نوح، “حكم الآراميين”، الذين يُسمِّيهم اليونانيون سوريين، وأصبحت لغتهم تُسمَّى السريانيّة، ومن هنا خرجت نظريّة أنَّ سوريا هي بلاد سام، ثم أصبحت بلاد “الشام”.

كان السِّريان المجموعة الآرامية الوحيدة في العصور القديمة المتأخرة التي كان كلّ فرد من أفرادها يُطلق على نفسه بسبب التأثير اليونانيّ اسم سوريّ (Sūryoyo= تنطق سو-ريو-يو)، ولفت ميسو انتباهنا إلى أننا نجد أقدم الوثائق التي يرد فيها هذا الاسم العِرقي في مخطوطات الآرامية الإديسية، أي الآراميّة الرُّهاويّة التي كانت منتشرة في مدينة الرُّها السوريّة التي خضعت للتهلُّن بشكل كبير، وبدأ هذا الاسم بالانتشار مع مطلع القرن الخامس الميلاديّ إذ بقيت اللغة اليونانية سائدة حتى في العصرين الروماني والبيزنطيّ.
هذا، -وفق ميسو- بمجرد صياغته وإدماجه في الآرامية الرُّهاوية، تعايش مصطلح “سوريّ Sūryoyo” مدّة مع التسمية الذاتية “آرامايَه” (Armāyā) التي كان الآراميون يطلقونها على أنفسهم. وهكذا، ظهرت مرحلة زمنية انتقالية، يمكن تأريخها تقريبًا بين 440 و500 م. بعد أن اكتسب الاسم الجديد سيادة، أصبحت التسمية الذاتية التقليدية قديمة الطراز وسقطت في نهاية المطاف في غياهب النسيان؛ ومع ذلك، استمر السريان الشرقيون والغربيون في بعض الأحيان في تعريف أنفسهم ولغتهم بـأنهم “آراميون؛ ولغتهم آرامية” حتى القرن الرابع عشر، إن لم يكن لاحقًا. ومن المثير للاهتمام-في رأي ميسو-أن القرن الخامس الميلادي يظهر مرحلة انتقالية استُخدمت فيها التسميات الآرامية لـ “سوري؛ سرياني” (Sūryoyo) و”آرامي “(Armāyā) جنبًا إلى جنب. في النهاية، حلَّ “سرياني”، الاسم المترجم للمصطلح اليوناني “سُريوس Súrios”، كتسمية ذاتية للآراميين المسيحيين على حساب التسمية الآرامية الأصلية “آرامايَه”، التي تطورت لاحقًا إلى “أرومويو” (Oromoyo) في السريانية الغربية.

لكن ما يجب أن ينصبّ عليه البحث أصلًا هو من أين استقى هيرودوت نفسه اسم سوريا، ولا يوجد أيّ احتمال-في تقديري-سوى أنه استقاها من الكنعانية أو الفينيقيّة، ويُعَدّ مستغربًا بالنسبة لي ألا نجد عناية هؤلاء العلماء (المستشرقين) قد انصبّت على البحث عن أصل اسم سوريا في الكنعانيّة أو الفينيقيّة.
يجب هنا أن نقف عند اسم يرد في النقوش الفينيقيّة هو: [‘SR] وينطق بالفينيقية سور، وفُسِّر في “معجم الحضارة الفينيقية والبونية” الذي حرَّره إدوارد ليبينسكي (الناشر: بريبولس، تومهويت، 1992، ص: 45-46.) على أنَّ SR يدلّ على مكان: آشور (Assyria)، لكن فُسّرَ الاسم نفسه [‘SR=سور] في معجم ف.ل.بينز “الأسماء الشخصية في النقوش الفينيقية والبونية، ص: 73.” (الناشر: المعهد الكتابي للطباعة، روما، 1972.) على أنّه اسم للإله آشور.
وإذا تتبّعنا النقوش الفينيقيّة سنجد الاسم نفسه SR=SOR=سور يرد في “معجم الحضارة الفينيقية والبونية، ص: 477-480” بمعنى آخر هو صُور، أي المدينة الفينيقيّة المعروفة، كما نجد الاسم نفسه (SRY= SORI=سوري) يرد في معجم ف.ل.بينز “الأسماء الشخصية في النقوش الفينيقية والبونية، ص: 178” بمعنى صُوري، أي أحد سكان مدينة صُور، أو أحد سكان فينيقيا بوجه عامّ.
إذن، هنا يظهر التباس كبير فاسم [‘SR=سور] يدل وفق هذه المعاجم في وقت واحد إما على بلاد آشور أو مدينة صور، على نحو يكشف التباسًا في تأويل النقش، فما سبب الإحالة في التأويل إلى آشور أو صُور دون الإحالة إلى سوريا وفق وصف هيرودوت لها، لذلك تحتاج هذه المسألة إلى إعادة نظر بعمق لأنَّ البحث الدؤوب لا بدّ أن يكشف ورود اسم سوريا في النقوش الكنعانيّة أو الفينيقيّة بما يتضمن الدلالة على سوريا نفسها. مثلًا يرد اسم مدينة صُور باليونانية Τύρος=تيروس=ويرد أيضًا باللاتينية Tyrus=تيروس، ولا يرد بما يتفق مع نطق الاسم الفينيقي [‘SR] =سور. لذلك يمكن أن يكون اسم سوريا الفينيقيّ الأصلي قد طُمِس في اسم صور، وفُسِّرت النقوش الفينيقية التي تحتوي على أسماء من قبيل سوريا، سوري…على أنها تدل على صور، صوريّ، أو آشور، آشوريّ، وهذا بحث يحتاج من دون شك إلى دلائل أركيولوجيّة حاسمة على أساس إعادة تفسير النقوش بناء على معايير علمية دقيقة.