مقاهي دمشق تعود تدريجياً والقراءة على ضوء الشموع

مقاهي دمشق تعود تدريجياً والقراءة على ضوء الشموع

همّشتْ الحرب الدائرة المثقفين السوريين وأنواع الفنون الثقافية، وحُرم الكتاب والمثقفون المقيمون في الداخل، رغم ظروف الحرب، من المشاركة في المهرجانات والمعارض  والأنشطة الثقافية العربية. كانت القطيعة داخلية وخارجية، وقد أدت إلى حرمان الجمهور من الاطلاع على كافة الإصدارات الجديدة من كتب ومجلات كانت تأتي إلى العاصمة السورية بشكل دوري قبل الحرب. واليوم نجد أنفسنا أسرى العالم الإلكتروني – في الأوقات التي تأتي فيها الكهرباء – باحثين عن كتاب أو مجلة أو صحيفة لنطلع من خلالها على ما يدور من أحداث ونتاج ثقافي لم يعد يصل إلينا كمنشورات ورقية.

المقاهي تعود جزئياً

عاد لبعض المقاهي الدمشقية ألقها وتحولت إلى مواقع للتواصل الاجتماعي بعد أن هجرها الكثير من المثقفين صوب العالم الافتراضي. تجد غالبية المهتمين من روائيين وكتاب يحرصون على تواجدهم في المقاهي الشعبية للمشاركة بحوارات وندوات ارتجالية للبحث في ظاهرة أو النقاش حول إصدار جديد رغم أن أبرز ما يسيطر على الجلسات هو الوضع الأمني والتطورات السياسية، لكن أغلب المثقفين يغيبون عن فعاليات ثقافية منظمة تطلقها المؤسسات الرسمية، وهي لم تخرج عن شكل الصالونات الثقافية التي كانت منتشرة في سورية قبل عقود، لكن من دون أن يكون هناك أي اتفاق مسبق على المواضيع التي ستطرح أو تناقش أثناء هذه الجلسات الودية والتي نادرا ما تصل إلى سبعة أفراد.

إعادة تدوير

المطالعة على ضوء الشموع في ساعات الليل هي ما يميز ليالي المثقفين السوريين، كثير منهم عاد لقراءة كتب كان قد قرأها سابقاً، أو قراءة كتب مركونة في مكتبته المنزلية ولم يسمح له الوقت للاطلاع عليها في زمن الكهرباء والتواصل الاجتماعي، حتى زمن الكتابة على الورق عاد وفرض نفسه بقوة. ولم يعد البعض يرزح تحت رحمة التيار الكهربائي، المهم أن لا يتوقف عن الفعل.

هناك قسم كبير من المثقفين بدأ يرتاد مكتبات الرصيف للبحث عن كتب قديمة أو كتب ترفض المكتبات وضعها على رفوفها ليطفئ عطشه الثقافي، إعادة تدوير ثقافية لصحف ومجلات صادرة في عشرينات وثلاثينيات القرن المنصرم.

ورغم الكثير من العراقيل هناك من يصر على إنشاء حركة ثقافية ولو على الصعيد المحلي، القاص خضر الماغوط قال: “ما زلنا نتابع الحياة الثقافية والأدبية، عن طريق الندوات والمحاضرات والملتقيات الخاصة التي أحدثتها الحرب في العديد من المناطق السورية، غير خاضعين للظروف القاهرة والصعبة التي تصادفنا،” مؤكدا على “أن المقاطعة الدولية والعربية المفروضة على سورية لم تكن مقاطعة اقتصادية فقط، بل هي مقاطعة لكل نواحي الحياة بما فيها الثقافية، فلم يعد يصل من دور النشر الخارجية إلى سورية كتب، مجلات، صحف، دوريات أو حتى تبادل للوفود الثقافية بين سوريا والعالم الخارجي. تُوجه إلينا دعوات لمهرجانات الرواية والقصة من قبل المنظمين في الدول العربية، لكن السياسة تحرمنا من المشاركة ولا تمنحنا سمة دخول.”

يضيف أن المكتبات وأكشاك بيع الصحف أصبحت خاوية تماماً من كل ما هو جديد. وبالطبع افتقدنا جميعاً إلى الكثير من الصحف والمجلات التي كنا نتابعها وفقدناها فجأة، وكان من الممكن أن يحدث تصحر ثقافي بالكامل لولا وجود الكتب والجرائد والمجلات الورقية بما يعادلها من النسخ الإلكترونية عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت في متناول الأغلبية من المهتمين رغم بعض الصعوبات أحياناً.

هناك دوريات ليس لها مواقع على الشبكة العنكبوتية، وأخرى لا تزود مواقعها إلا بعناوين الموضوعات،  إضافة إلى قلة عدد الصحف والمجلات السورية، حتى الصحف التي تصدر غاب عنها زوايا الثقافة والفكر والأدب والإبداع لسببين، أولهما أن الجريدة الرسمية تخصص أغلب صفحاتها لمواضيع تخص الحرب والصراع في المنطقة، وغابت عنها الصفحات الثقافية، إلا في ما ندر، أما الصحف والمجلات الخاصة فنجدها جنحت إلى الاهتمام بالدعاية والإعلان التجاري، أضف إلى ذلك الشللية والعلاقات الخاصة، فلا يجد الكاتب مكاناً له طالما هو بعيد عن الشلل واللوبيات الثقافية، هذا ما يحدث أيضا في الجرائد والمجلات الحكومية، التصحر موجود في العلاقات بين المثقف والصحف المحلية، أكثر مما هو ناتج عن غياب الصحف والمجلات الخارجية، لكن رغم الإمكانيات البسيطة والثقافة والوعي، استطعنا  تجاوز المعوقات التي تسعى إلى توقف حياتنا الاجتماعية والفنية والثقافية وما زال هناك وسائل لاستمرار الحياة الثقافية، رغم قساوة الظروف التي خلقتها الحرب وتخلقها في كل لحظة.

الشاعرة عبير سليمان تؤكد على استمرار علاقتها مع الكتاب رغم أنها فوضوية نوعا ما: “قبل الحرب كنت أحرص على اقتناء الإصدارات الجديدة وأثابر على القراءة، أثناء الحرب أقرأ مجموعة من الكتب وبشكل عشوائي من غير أن أنتهي من قراءتها أنهيت بعضها فقط، الكتب التي أحرص على قراءتها وأنتهي منها في يوم واحد كتب الشعر ربما لأنها الأقرب وجدانيا.”

أما فيما يخص دور النشر الخارجية لم يعد يصلنا الجديد، أحيانا نستطيع الاطلاع على النسخ الإلكترونية للأصدقاء خارج سورية، أما الكتب الأخرى فنعرف عنها من خلال ما تكتب عنه الصحافة. في سورية دور النشر مستمرة وثمة أزمة إعلانية، لا أحد يلقي الضوء على الأسماء والإصدارات الجديدة، ودور وزارة الثقافة خجول بالنسبة للكتاب كما النشاطات الأدبية شبه المعدومة، ولولا التواصل الافتراضي بين الكتاب والشعراء لاعتقدنا أن أنواع الأدب أصابتها قذيفة ولفظت أنفاسها الأخيرة.

الكاتب والفنان التشكيلي أيمن الدقر قال: “لا أعتقد أن التصحر الثقافي بسبب الحرب، التصحر قائم أصلا عند معظم الناس. لا أعتقد أن هناك عائلة سورية لا تمتلك مكتبة منزلية، وهناك مكتبات تزخر بكتب مهمة وعشرات الكتب التي تحمل توقيع مؤلفها وأجزم أن أحدا منهم لم يقرأ إلا صفحة الإهداء.” لكن بشكل خاص وإن كنا نريد الحديث عن النخبة أو القارئ الحقيقي، أعتقد أن أغلب ما كان يرد من مجلات لا يستحق القراءة أما الكتب فهناك ما يستحق المطالعة والاقتناء، غير أن غالبية الدوريات التي كانت تصل ورقية كالصحف حجزت لها مكانا على صفحات الانترنت، ومن يريد فعلا أن يقرأ ويتطلع إليها يستطيع ذلك بسهولة باستثناء القليل ممن لم يتصالحوا مع التطور التكنولوجي وما يزالون يستخدمون القرطاس والقلم جازماً أن أسباب التصحر الحقيقية بدأت قبل الحرب. يسأل: “أين كتب الطفل ومجلات الأطفال واليافعين؟.” الطفل استبدل الكتاب بجهاز خليوي وألعاب إلكترونية، مع تطور عالم الميديا والقنوات الفضائية التي تعمل على خلق ثقافة جديدة أرهقت الإنسان العربي وجعلته غير قادر على تنمية ميوله الثقافية وتركته رهينة القلق والخوف من المستقبل.

من جسر فكتوريا إلى جسر جورج واشنطن

عمار شاهين صاحب بسطة لبيع الكتب، قال لنا: “بالطبع هناك مشكلة بالنسبة للإصدارات الجديدة التي لم يعد يصل أغلبها، لكن ذلك لم يؤثر بشكل كبير، هناك آلاف الكتب المهمة التي تستحق القراءة ولم تطلع عليها الأجيال الجديدة، وهي موجودة لدينا بأسعار زهيدة مقارنة بأسعار الكتب الجديدة التي تصدر وغير مهمة.” ويرى شاهين أن الكتب القديمة والمجلات مضامينها أهم بكثير مما فقدناه من الكتب والمجلات الحديثة التي لم تعد تصل أثناء الحرب، مضيفا: “هل يمكن مقارنة مجلة شعر أو الآداب بالمجلات الثقافية التي كانت تأتي من الخليج وكتب التنفيعات. كنا دائما نرفض شراءها ووضعها ضمن مجموعتنا، حتى الإصدارات القديمة من المجلات السورية – مجلة المعرفة – أهم بكثير من الأعداد الجديدة التي تصدر اليوم من المجلة ذاتها، لدينا الكثير الكثير من أمهات الكتب القيمة التي لا يمكنك أن تجدها أصلا في أشهر المكتبات السورية، لكن ما زال البعض يتعامل مع مكتبة الرصيف بتعالٍ خاصة، ولم تهتم الحكومات بمكتبات الرصيف وتمنحها أكشاكاً خاصة بها كما منحت بعض المهن اليدوية وبائعي السجائر.

عادل صاحب بسطة صغيرة في مدخل بناء يؤكد أنه كان يعيش وعائلته من مهنة بيع الكتب والمجلات، لكنه اليوم يضع كتباً قديمة ومجلات قديمة نادرا ما يجد راغبا لها. يقول: “اليوم يعرض علينا كتب ومجموعات أكثر مما يطلب منا، أكثر من شخص طلب مني أن أبيع له مجموعات أدبية، وموسوعات كان اقتناها في زمن الرخاء، اليوم رغم ارتفاع سعر الورق والتجليد الفني سعر تلك المجموعات أقل لكن لا أحد يقبل أن يقتنيها، المهتمون بالكتاب والثقافة لا يملكون المال، وأصحاب الأموال لا يعنيهم إلا المجلات الفنية وأخبار الموضة،” نعم هناك جفاف وتصحر و”تقحل” حسب تعبيره.

أبو مهيار الميداني لديه عروض للكتب المستعملة، لكن الكتب القيمة مغلفة يضعها جانبا في صناديق كرتونية، مجلات مسرحية وسينمائية تعود إلى أيام الوحدة بين سورية ومصر، مجلدات ضخمة، أعداد قديمة جدا لمجلات مصرية ولبنانية، جهة مخصصة للكتب الصادرة عن دور نشر عراقية، للوهلة الأولى تعتقد أنه مجرد بائع “كومسيون” يشتري ويبيع الكتب المستعملة، لكن ما إن تبدأ الحديث معه حتى تجده يكبر ويكبر حتى يملأ الفراغ تحت جسر فكتوريا. يكاد رأسه يوازي الجسر، تكتشف أنه ليس مجرد بائع أو مطلع يرشدك إلى الكتب المهمة، يقدم شرحا وافياً عن كل كتاب، حتى الكتب غير الموجودة لديه يقدم لمحة عن المؤلف وأهم ما صدر له بما فيها الكتب المترجمة، تكتشف لا حقا أنه خريج كلية الآداب قسم اللغة العربية. يقول: “ما تشاهده عندي مجرد جزء مما كنت أملكه من الكتب، المكتبة التي فقدتها مع منزلي وابني المخطوف في حي “عين ترما” كانت تضم خمسة عشرة ألف كتاب وكلها كتب مهمة، سأبيع ما بقي لدي من كتب وأهاجر إلى أمريكا، لدي موافقة من قبل الحرب لكن لم أسافر، اليوم لم أعد أملك إلا القليل من الكتب.

دور النشر والمكتبات

بعض الدور لا تصدر عنواناً واحداً في العام، وبعضها تعيد طباعة ما نشرته سابقاً. الدور العلمانية وبعض الدور الدينية ما زالت تحافظ على نشر كتب جديدة، الكل يحاول الحفاظ على وجوده رغم المتغيرات السياسية، وكثيرة هي العناوين التي يعاد نشرها، أو تقوم بعض الدور بطباعتها على نفقتها الخاصة إكمالا لمشروعها  غير المعلن. بالمقابل هناك الكثير من دور النشر توقفت عن العمل بسبب الظروف الاقتصادية التي فرضتها الحرب، ودور عمرها بعمر الحرب لم تطبع كتابا واحدا، وأخرى قديمة تعيد طباعة عنوان واحد فقط. كلفة طباعة الكتاب الواحد اليوم توازي طباعة ستة كتب في العام الأول من الحرب وذلك بسبب غلاء الورق والأحبار والمواد التي تخضع لانخفاض سعر الليرة، وهذا برأي الكثيرين سبب إحجام البعض عن اقتناء الكتاب اليوم، والذي لا يتناسب سعره مع دخل الفرد. كما يلجأ بعض الكتاب لطباعة مؤلفه على نفقة المؤسسات الرسمية من غير أن يدفع ليرة واحدة لكنه يقع في مشكلة الحذف والرقابة التي ترفض غالبا ما لا يتوافق مع مزاج الرقيب.

العناوين الجديدة

العناوين الجديدة قليلة نسبياً في أي مكتبة مختصة. يتصدر الواجهة كتب الصراعات السياسية والحروب، وكتب تروي سيرة بعض الحكام الذين أثروا في العالم أثناء فترة حكمهم. الرواية تحتل المكتبات لكن أغلبها إصدارات قديمة ومحلية، الكتب والروايات التي تطبع في دول مجاورة لكتاب سوريين من غير الممكن أن تجدها على رفوف مكتبة بسبب غلاء ثمنها والاحتكار الذي تمارسه الدور الخارجية على المؤلف حين تكون الطباعة على كلفتها.

يرجع صاحب مكتبة نوبل المشكلة إلى غياب الكثير من العناوين الجديدة بسبب فرق الأسعار ودخل الفرد يقول: “إن دخل الفرد في الحرب لم يعد يسمح له باقتناء كتابين، جميع أنواع الكتب السورية تضاعفت أسعارها ثلاث أو أربعة أضعاف بما فيها الكتب القديمة كونه لم تعد تتكرر طباعتها، غير أننا لم نعد نستطيع تلبية رغبة القارئ بأنواع الكتب التي تصدر في دور نشر خارج سورية لعدة أسباب أولها فرق السعر وانخفاض سعر الصرف، وأجور الشحن الغالية نسبياً، الأمر الذي يضاعف سعر أي كتاب إلى عشرة أضعاف سعره في السابق، حتى أننا لم نعد قادرين على شراء عناوين جديدة لوضعها في الواجهة ولا أحد يسأل عنها، الكثير من المهتمين يسألون عن أسماء وعناوين لكنهم يحجمون عن شرائها، وللأسف لم يعد يوجد نهم للقراءة بسبب ظروف الحرب، للأسف الثقافة لم تعد أولوية عند المواطن السوري. وبعد بدء الحرب الكثير من المكتبات أغلقت أبوابها ومنها ما تحول إلى مطاعم للوجبات السريعة ولبيع إكسسوارات الهاتف الخليوي.”

لم تتوقف الجهات المعنية بالثقافة والكتاب عن العمل طيلة فترة الحرب سواء في طباعة المؤلفات السورية، أو ترجمة المؤلفات من لغات أخرى، محاولة أن يكون سعر الكتاب متماشياً مع دخل الفرد رغم الزيادة التي طرأت عليه خلال الخمس سنوات الماضية، حتى أنه بإمكان المهتم ترقب المعارض الصغيرة الدائمة والتي تقدم حسومات للقارئ تصل إلى خمسين بالمائة أحيانا، لكن أغلب الإصدارات تتعلق بالحرب وآثارها وأسبابها وتداعياتها وثقافة المقاومة، العروبة وأسئلة النهضة، الأزمة السورية وثقافة التكفير الإرهابي، الحرب القذرة …الخ. أما الكتب الثقافية فنجدها مكررة كأن تصدر المجموعة الكاملة لشاعر أو قاص، أو دراسات نقدية عن الشاعر وشعره وغالبا ما تكون بتكليف من الشاعر ذاته لبعض أصدقائه، أو تكون من أجل المال فنجدها خالية من النقد الحقيقي وتتجه نحو الإطناب والتصفيق والتأليه الأدبي، وللأسف أغلب الإصدارات الثقافية ضعيفة من حيث المضمون والكتب التي تحمل قيمة قليلة نسبيا بالنسبة لما يتم طباعته ونشره كل عام. وهو أحد أسباب عزوف ونفور الفرد عن قراءتها والاطلاع على محتوياتها.

دمرت الحرب الكتاب كما دمرت رموزاً من التراث الإنساني، وهو ليس مجرد كلام استهلاكي فهناك الكثير من الجرائم الفنية ارتكبت بحق المكتبات الخاصة، ومستودعات كثيرة للكتب خاصة وعامة لا  أحد يعرف شيئاً عن مصيرها، وثمة كتب نُهبت وكتب أُحرقت وكتب كان مصيرها حاويات القمامة، مكتبات شخصية تركها أصحابها وأغلب تجار الكتب المستعملة فقدوا مستودعات مليئة بكتب قديمة، وكل هذا انعكس على الجو العام وعلى حياة الفرد والمثقف فلم تنج الثقافة هي الأخرى من اللصوص والحدث اليومي والقذائف والحرب.

التجييش الطائفي: مثالان من سورية

التجييش الطائفي: مثالان من سورية

أحاول قراءة الواقع من كل الزوايا التي أستطيع الرؤية منها ومستنداً إلى التاريخ (المدوّن والشفهي) ووقائعه من وجهات نظرٍ متعددة. قرأت الكثير عن حوادث تاريخية ومجازر شهدتها بلادنا وقد استُخدِمت بعض السرديات حول هذه المجازر بغرض التحريض الطائفي لاحقاً رغم أن جذر المجزرة الأصلية لم يكن يمتّ للطائفية بصلة. ورغم ذلك يتداول البعض هذه السرديات دون نقد بغرض التحريض الذي قد يُفضي إلى القتل ويتم إضافة تفاصيل مختلقة قد تطغى على جوهر وجذور الحدث نفسه.

فعلى سبيل المثال كنت أسمع عن مجزرةٍ ارتكبها الإسماعيليون بحق العلويين في بلدة القدموس (التابعة لمحافظة طرطوس) منذ بضع مئات من السنين، وبحسب المرويات فقد قتلوا خمسين من رجال الدين العلويين الذين تم رميهم في بئرٍ في قلعة القدموس. كانت الروايات أحياناً تزيد من قسوة المشهد عبر رواية تفاصيلٍ عن التمثيل بالقتلى وكأّنّ الرواة شهود عيانٍ لكنّ الصور المكثفة التي ينسجها الخيال تجعلك، إن كنت علوياً، متحفزاً لقتل كل اسماعيليٍ. أما واقع الحال فإنّ القصة وإن حدثت فعلاً إلا أنّ أسبابها ليست طائفية كما يتداول البعض مساهماً في بناء مظلومياته الخاصة. ربما كان الضحايا جميعاً من خارج المذهب العلوي أو ربما قتل بضعة أفراد والبقية كلهم من المذهب الإسماعيلي من أنصار ولي عهد قلعة القدموس الذي تم تهريبه وقتل أنصاره ليستتب المُلك (الإمارة ) لابن أمير القلعة، الذي أصدر أمراً بتعيين ابنه ولياً للعهد بدلاً من أخيه الذي هرب بعد قتل أنصاره في القلعة وكوّن أسرةً جديدةً من مذهبٍ آخر وأصبح علوياً.

كان “صالح” ولي عهد القلعة والجد الأكبر لعائلتي وأصبح أعرجاً جرّاء القفز من القلعة وبقيت ذكرى هذه الحادثة متداولة في عائلتنا. قد يقول قائل إنّ ولي العهد الفار كان علوياً قبل مغادرة القلعة، يبقَى ذلك مجرّد تكهناتٍ لا يمكن التحقق منها. والمغزى من هذه القصة، وغيرها من قصص المظلوميات المتداولة بين من يحسبون أنفسهم أبناء طوائف ومذاهب، أن أساس المجزرة كان صراعاً بين الأخوة على السلطة وليس على المذهب.

بدأت بهذه المقدمة الطويلة لأشير إلى توظيفٍ مشابه لحوادث، لا أساس أو دافع طائفي وراءها، وقعت في عدة مناطق بعد اندلاع الانتفاضة السورية وخلال الحرب الدائرة ويتم تداولها بغرض التحريض الطائفي ولحرف الأنظار بعيداً عن جذر الحدث، وقد عايشتُ بعض هذه الحوادث عن قرب.

في 8 شباط/فبراير من العام 2014، وأثناء المفاوضات على خروج المدنيين من حمص القديمة وإدخال المعونات لمن سيبقى تحت الحصار كانت هناك مطالبات بالكشف عن مصير المختطفين بالمناطق المحاصرة والذين تم اختطافهم على خلفية طائفية. انتهت المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة بعد مخاض عسير وتم الاتفاق بموجبها على خروج المدنيين ممن يريدون الخروج وإدخال مساعدات غذائية لمن رفض الخروج. وبالفعل خرج الكثير من المدنيين وغالبيتهم من النساء والأطفال والعجزة وتم إدخال المساعدات تحت إشراف الأمم المتحدة، في هذه الأثناء تداعى الكثير من أهالي المخطوفين من أحياء الزهراء وعكرمة والنزهة للاعتصام ضد تنفيذ الاتفاق حتى يتم الكشف عن مصير أبنائهم المخطوفين.

أخذت هذه الدعوة أشكالاً تحريضية على صفحات التواصل الاجتماعي بشكل مريب، فقد تداول بعض الناشطين (المعارضين) الخبر تحت عنوان “أهالي الأحياء الموالية يعتصمون ضد إدخال الغذاء إلى المحاصرين بحمص القديمة” في حين دعا بعض المؤيدين صراحةً بالموت للمحاصرين بناءً على دوافع طائفية، بينما انتفى العنوان الحقيقي لسبب الاعتصام وهو الكشف عن مصير المختطفين الذين تمت تصفيتهم وحرمانهم من الحياة وبنفس الوقت وُجد من يتهم الآخرين بأنهم يريدون منع الغذاء عن المحاصرين. هذا لا يعني أبدا عدم وجود مثل هؤلاء الذين يريدون منع دخول المساعدات إلى المحاصرين لاعتبارات شتى ولكن الجميع خرج تحت عنوان نريد معرفة مصير المفقودين وقد تم تغييب ذلك العنوان تماماً عن كل الصفحات والأخبار. كنتُ قد كتبت حول هذا التحريض والتشويه لحقيقة ما يحدث على صفحتي الشخصية السابقة على الفايسبوك (قبل إغلاقها إثر اعتقالي) بعد اتصالي مع بعض الناشطين الذين دعوا إلى الاعتصام. وقد سألت شابة اختُطف شقيقها واسمه حسن ادريس وأخبرتني عن أسباب تنظيم هذا الاعتصام وأكدت لي أنه “يوجد بعض من يستغل الاعتصام لهدفٍ آخر ولكننا سنخرج من أجل هدفٍ واحد ألا وهو معرفة مصير مخطوفينا.”

كنت قد حذرت وقتها وأنا أرى التهافت على التحريض الطائفي: “تريثوا وتبينوا ولا تهجموا كالمجانين حتى لا يصيبكم الندم. ما حدث مخجل أن يفعله كائن بشري، ولكن ردة الفعل كانت من نفس البضاعة وكلي أسف وأنا مكتئب لدرجة أنني فكرت بتسكير كل أنواع الاتصالات وقنوات التلفزيون. لن ننتصر إلا بالحب ومن يصدر الحقد سيرتد إليه.” لكنّ التشويه والكذب لم يتوقف.

بعد اتفاق الوعر (آذار/مارس 2017) تمت الدعوة مجدداً للاعتصام على طريق طرابلس من أجل الموضوع نفسه والمطالبة فقط بمصير المخطوفين، ولكن لم يتم الأمر ولم يعرف أحد من ذوي المخطوفين أية معلومة عن أبنائهم. ربما كانت السلطة راضية عن ذلك حتى لا يكون هناك مطلب من الطرف الآخر بالكشف عن المختفين في سجون النظام أيضاً. الذي يهمني من المثال الذي أوردته هنا، ومثله كثير، هو الآلية التي يتم من خلالها استغلال العنف والغضب من أجل التحريض الطائفي وفرض قراءة للحدث من زاوية واحدة وهي نفس الزاوية التي يتم من خلالها توصيف الصراع في سوريا كصراعٍ بين طوائف عبر إخفاء الأسباب الرئيسية لبعض الحوادث لأنها لا تخدم أجندته وهذه جريمة بحق المجتمع وأهالي الضحايا، ولكن يوجد دائماً من يلوي عنق الحقيقة ويعزو الحدث لشيء آخر.

عند انعدام الأمانة والتعتيم على حقيقة حدثٍ ما، فإنّ الناقل يُخفي شيئاً من القصة ويضيف ما يناسبه ليقدمه لهذا الطرف أو ذاك حتى لو تسبب الخبر في تشويه التاريخ وهدم الوطن والتحريض على القتل. يجري الآن توثيق الكثير من الحوادث التي حدثت بالسنين السبع الأخيرة ويمكن أن تجد وثائق لا تتعدى مصداقيتها أكثر من ذكر الواقعة، في حين تضلل تلك الوثائق الباحث عن حقيقة ما حدث فعلاً ويضيع السبب والفاعلين والشهود، وبرأيي هذه جريمة يرتكبها هؤلاء بحق السوريين. أن تخفي الكثير أو القليل من الوقائع لأنها لا تتفق مع قضيتك أو تعريفك للضحية والمجرم فأنت تسهم في استمرار الجريمة.

بوريس جونسون: خياراتنا في سوريا محدودة

بوريس جونسون: خياراتنا في سوريا محدودة

أكد وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، في حديث إلى «الشرق الأوسط» أمس، أن زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى لندن ستسفر عن نقل العلاقات إلى مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجة بين البلدين.

وقال جونسون إن المحادثات السعودية – البريطانية ستتناول تعزيز العلاقات الثنائية وملفات الشرق الأوسط، موضحاً: «نحن نعتقد ونفهم حق السعودية للدفاع عن أمنها». وأشار إلى أنه «ليس مقبولاً أبداً أن تُستخدم الصواريخ الحوثية الإيرانية ضد السعودية، ونريد أن نرى نهاية لها. ولندن توافق الرياض القلق من الدور الإيراني» في الشرق الأوسط.

وعن الملف السوري، قال جونسون: «ما قام به النظام السوري بالسلاح الكيماوي والكلور والسارين، مقرف. ويجب أن يحاسب على ذلك. وهذا أحد الأسباب. العديد من الناس الذين كانوا ينتقدون الرئيس دونالد ترمب أيدوه عندما قرر توجيه ضربات (على قاعدة الشعيرات) بعد الهجوم على خان شيخون» في أبريل (نيسان) العام الماضي.

وسئل عن تقارير تفيد بأن ترمب يبحث توجيه ضربات جديدة، فأجاب أن هناك تقارير من ان الأمر يناقش حالياً في واشنطن. وأوضح: «ليس هناك اقتراح محدد. هذا شيء افتراضي. لكن قرار ترمب الهجوم على قاعدة الشعيرات في أبريل العام الماضي، قرار صحيح».

ولاحظ جونسون أن الغارة الأميركية على «مرتزقة» روس قرب دير الزور أدت إلى «مقتل 195 منهم. وهذا أكبر عدد رأيته من الروس الذين قتلوا من قبل الأميركيين طوال حياتي»، ما يعني أن الروس يخسرون. وأضاف أن ما يحصل في غوطة دمشق «مأساة وأمر شائن… لكن لا نستطيع إرسال إشارات إلى الناس الذين يعانون أننا سنأتي لمساعدتهم ولا ننفذ وعودنا. الخيارات التي لدينا محدودة». وزاد: «فرصة التدخل العسكري حصلت في 2013 ولم نأخذها، ونحن نعيش تداعيات ذلك إلى الآن».

وهنا نص الحديث الذي جرى في مكتب جونسون في الخارجية البريطانية مساء أمس:

– أنت ذاهب بعد قليل لاستقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في المطار؟ وهذه أول زيارة لولي العهد إلى دولة أجنبية بعد مصر؟

– نعم إنني ذاهب لاستقبال ولي العهد السعودي في المطار. وإنني فخور بصفتي وزيرا للخارجية البريطانية وأيضاً الحكومة البريطانية فخورة بذلك. وهذه شهادة لعمق العلاقة التاريخية التي تعود إلى أمد بعيد من زمن (رئيس الوزراء الراحل) ونستون تشرشل وجد الأمير محمد. بريطانيا كانت منخرطة بدفء مع السعودية. شراكة عميقة بين البلدين. وحان الوقت كي نضع الأساس للانتقال إلى مرحلة جديدة.

– ما هي هذه المرحلة؟

– مرحلة نؤسس فيها مجلساً للشراكة الاستراتيجية الذي يعقد أول اجتماعاته غداً (اليوم). لو نظرت إلى الأمير محمد، فإنه يغيّر بلده والحديث في كل مكان عن هذا الأمر. وهذا أمر واقع. أطلق برنامجاً للإصلاح نعتقد أنه مشجع ويسير في الاتجاه الصحيح. هناك تقدم يحصل وممكن أن يحصل، لكن نعتقد في بريطانيا أنه مشجع وأن هناك انسجاماً عظيماً بيننا وبين السعودية. لدينا مجالات لتعزيز التعاون، حيث إن اقتصادي البلدين قويان ولدينا أهم الجامعات ونظام تعليم قوي ومركز علمي لتقنية المعلومات في بريطانيا. وإننا نرى ما يقوم به الأمير محمد برؤيته ونقل السعودية بعيداً من النفط والذهاب إلى اقتصاد المعلومات والذكاء الاصطناعي والمدينة الجديدة «نيوم» التي سيقيمها.

نعتقد أنه يمكننا التعاون في هذا المجال وإقامة شراكة في الثقافة والصحة والنقل والتكنولوجيا والتعليم في كل المجالات السياسية أيضا. سنتحدث، والحكومة ستتحدث مع الأمير محمد حول أفكاره لنرى ما يمكن القيام به لبناء شراكة ليس فقط للمستقبل القريب، بل إقامة بنية تحتية بيننا تستمر لوقت طويل وأجيال قادمة.

-كيف ترى الإصلاحات في السعودية من حيث السرعة والعمق؟

– أعتقد أن الشعب البريطاني يحتاج الى معرفة وفهم ما يقوم به الأمير محمد. أن تقود النساء السيارات، هذا أمر عظيم. بالنسبة للبعض يراه خطوة صغيرة، لكن في السعودية هي خطوة كبيرة. هناك أيضا في السعودية، انفتاح على الموسيقى والسينما. ما نشعر به وبقوة أن هذا يحصل في بلد عظيم وقيادي في العالم الإسلامي، وهذا بداية لتغيير في كل العالم الإسلامي. لذلك، فإننا معجبون بقوة بما يقوم به الأمير محمد، ونريد الانخراط بما يحصل، وفهمه ودعمه.

– ماذا عن التبادل التجاري؟

– سأخبرك قصة. عندما ذهبت للقاء الأمير محمد قبل أسابيع، غادرت من مطار هيثرو. كانت هناك امرأة شابة مشت معي إلى الطائرة، وقالت لي إنها من السعودية وهي لم تذهب لعشرين سنة، لكنها تذهب الآن وللمرة الأولى (منذ سنوات طويلة) لأنها سعيدة جداً بأنها باتت قادرة على حضور مباراة كرة قدم. هذا شيء صحيح. إن الأمور تتغير بوضوح. ويجب علينا أن نكون جزءاً من ذلك ونشجعه.

– تجارياً، هل يمكن بالفعل رفع مستوى الاستثمارات السعودية في بريطانيا إلى مائة مليار دولار أميركي خلال عشر سنوات؟

– نأمل بذلك. هناك استثمارات في أميركا بقيمة 400 مليار دولار أميركي. نحن أفضل من أميركا وآمالنا كبيرة. لذلك، نحن نأمل في الحصول على استثمارات سعودية.

– وشركة «أرامكو» قد تدرج في سوق لندن المالية؟

– دعنا نرَ. يجب أن ننتظر ونرى، إن شاء الله. نأمل ونعمل لتحقيق ذلك. لكن لا أستطيع الذهاب إلى تفاصيل الاستثمارات التجارية. يجب أن نترك ذلك لولي العهد.

– هناك جدول أعمال مكثف للزيارة ولقاءات رفيعة المستوى واستثنائية مع الملكة إليزابيث والأمير تشارلز ورئيسة الوزراء تيريزا ماي وقادة من بقية المؤسسات البريطانية والروحية. ما الرسالة من ذلك؟

– أهمية ذلك عظيمة. إن الأمير محمد رجل إصلاح ولديه رؤية معتدلة للإسلام. وهي تظهر أن لديه رغبة بالاستماع إلى جميع الديانات وأنه رجل تسامح واحترام متبادل. هذا أمر عظيم بالفعل.

– بالنسبة إلى الشؤون الخارجية، ماذا عن اليمن؟ ما المطروح على جدول الأعمال؟

– بصراحة، نحن نعتقد ونفهم حق السعودية للدفاع عن أمنها والرغبة في حماية نفسها، ونفهم أن الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي، وأن هناك قراراً دولياً يطلب دستوراً، وأن هناك تحالفاً يريد تحقيق ذلك (إعادة الشرعية). نفهم ذلك ونرى أن الحل سياسي في اليمن. يجب أن يكون هناك تقدم سياسي، ونحن في حاجة لرؤية نهاية لصواريخ الحوثيين.

– كيف يمكن وقف صواريخ الحوثيين؟

– يجب أن تكون هناك عملية سياسية وعمل لوقف هذه الصواريخ. ولا بد من محادثات بين الأطراف وآمل في تحقيق تقدم لعقد صفقة لتسوية سياسية تقبل بعض الدور للحوثيين في الحكومة اليمنية وتطلق برنامج استثمار في اليمن الفقير. وهناك شيء ضروري هو وقف اللاعبين الآخرين العسكريين. لا بد من دستور جديد في اليمن. وهذه الفكرة تلقى بعض الاهتمام.

– ماذا عن دور إيران في ذلك ودعم الحوثيين؟

– ليس مقبولاً أبدا أن الصواريخ الإيرانية تستخدم ضد السعودية. نريد أن نرى نهاية لهذه الصواريخ.

– كيف… وهناك دول عربية قلقة من دور إيراني الإقليمي؟

– نحن نوافق على ذلك. نريد رؤية الدور الإيراني في اليمن مضبوطاً. وهناك طريقة لتحقيق ذلك، مع دعم الحل السياسي.

– ماذا عن سوريا؟ هل تتفقون مع الرياض إزاء الملف السوري؟

– سوريا مأساة كبرى. أعتقد أننا نتفق مع أصدقائنا السعوديين في الرغبة القوية بإطلاق المفاوضات السلمية في جنيف وبداية عملية سياسية. ما يحصل في الغوطة الشرقية لدمشق أمر شائن. آمل في أن الروس والأسد سيقتنعون بأنهم لن يربحوا الحرب بهذه الطريقة. إنهم يزرعون الحقد لأجيال وأجيال. إنها مأساة وسيكون مستحيلاً أن يحصلوا على قبول الشعب السوري بعد كل ما حصل. يجب أن تكون هناك عملية (سياسية) وانخراط المعارضة السورية لمناقشة الوصول إلى حل سياسي لسوريا. هذا رأي بريطانيا. أعتقد أن ما قام به النظام السوري بالسلاح الكيماوي والكلور والسارين، مقرف. ويجب أن يحاسب على ذلك. وهذا أحد الأسباب، كثير من الناس الذين كانوا ينتقدون الرئيس دونالد ترمب أيدوه عندما قرر توجيه ضربات (على قاعدة الشعيرات) بعد الهجوم على خان شيخون (في ادلب).

– هناك تقارير أن ترمب يناقش حاليا توجيه ضربات أخرى؟

– هناك تقارير ان الأمر يناقش حالياً.

– ما موقف بريطانيا من ذلك؟

– ليس هناك اقتراحات محددة. هذا شيء افتراضي، لكن قرار ترمب بالهجوم على قاعدة الشعيرات في أبريل (نيسان) العام الماضي، قرار صحيح.

– يبدو أن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون يراهن على الانخراط مع الروس؟

– يجب الانخراط مع الروس الذين يريدون الخروج (من سوريا). وإذا هم يريدون تمويل إعادة الأعمار، يجب أن ينخرطوا في العملية السياسية.

– هل تعتقد أن الرهان على الانخراط مع الروس صحيح وسيحقق نتائج؟

– أعتقد أنه يجب أن نحاول. الروس صار لهم في سوريا وقت طويل. شاهدنا قبل أسابيع أنه في دير الزور مات كثير من الروس يعملون مع شركة مرتزقة. نحو 195 قتلوا. هذا أكبر عدد من الروس الذين قتلوا من قبل الأميركيين اراه طوال حياتي. أيضا، يخسر الروس وهناك كلفة لهم في سوريا. وليس هناك حل بالسلوك الروسي الحالي. الأسد يسيطر على نصف الأراضي السورية وعلى 75 في المائة من الناس، لكنه لا يريح قلوب السوريين وعقولهم. كثير من السوريين سيواصلون المقاومة. الروس يفهمون ذلك وعليهم أن يدفعوا نحو تحقيق حل سياسي.

– ماذا عن الغوطة الشرقية، هل تعتقد أنه بالإمكان إنقاذ الغوطة بالتمني؟ تمني أن يتوقف الروس؟

– لا. أبداً، لا. لكن لا نستطيع إرسال إشارات إلى الناس الذين يعانون بأننا سنأتي لمساعدتهم ولا ننفذ وعودنا. قمنا بذلك سابقا. الآن، الخيارات التي لدينا محدودة. الناس في الغرب مرعوبون ومتعاطفون مع ما يحصل ومع المعاناة ومأساة الناس (في الغوطة). لكن لا بد من القول إن فرصة التدخل العسكري حصلت في 2013 ولم نأخذها، ونحن نعيش تداعيات ذلك حتى الآن. يمكن أن نقوم بضربات محددة، كما حصل في الشعيرات، لمساعدة الناس. المأساة هي أنه سيكون أسوأ أن نعد الناس الذين يعانون بأننا يمكن أن نقدم حلاً سحرياً عسكرياً، لكن في الواقع لا أرى ذلك (ممكناً).

تم نشر هذا المقال في «الشرق الأوسط»

حين اشتقتُ إليك

حين اشتقتُ إليك

حين اشتقتُ إليك

حين اشتقتُ إليكِ كتبتُ قصيدةً على الجدار

هدمتْها القذيفةُ

.وسالَ الدمُ من حروفها

حين اشتقتُ إليكِ بحثتُ عن أطفالٍ غير جياعٍ

.فلم أجدْ

حين اشتقتُ إليكِ صعدتُ إلى الجبال

ونظرتُ إلى المدن

.فلم أجدْها

حين اشتقتُ إليكِ أشعلتُ شمعةً

وفضحتُ تشرّدي الأخير.

حين اشتقتُ إليكِ لمستُ جثّةَ مقاتلٍ جانبي

.وشعرتُ به يبتسم

حين اشتقتُ إليكِ نسيتُ قصيدةيطير الحمام.. يحطّ الحمام

وتذكرتُ قصيدةفي البالِ أغنيةٌ يا أختُ عن بلدي

فأحسَسْتُ بحَلْقي طعمَ العِتاب.

حين اشتقتُ إليكِ نزلتْ طيورٌ خضراءُ في حَنجرتي

.وماتتْ من قلّةِ الماءِ والخبزِ في هذا الحصار

.حين اشتقتُ إليكِ كانت الرصاصةٌ قد غيّرت اسمي

حين اشتقتُ إليكِ تنفّستُ هواءً نقيّاً

.وكأنني لستُ في ثلاجة الموتى

حين اشتقتُ إليكِ سمعتُ الملائكة يحصونَ أهل الجنّة

.ويكذّبون نشرة الأخبار

.حين اشتقتُ إليكِ كان الشعراءُ يلصقونالنعواتعلى أعمدة الكهرباء

حين اشتقتُ إليكِ دخلتُ مغارةً

.ونمتُ بهدوء طفلٍ لم يعرفْ أنه على هذه الأرض

…إلخ

.ليست خيانةً أنْ أشتاقَ إليكِ في هذه اللحظات الأخيرة

* * *

كان هذا الشتاء غزير التوابيت

كان هذا الشتاء غزير التوابيت

كان هذا الشتاء غزير التوابيت

فتاةُ القرى

وهي تلمحُ بين التلال القطار البعيد

وأعوامَها وهي تعبرُ مثل ثلاثٍ وعشرين غيمةْ

تحدّثُ جارتها عن ذهابِ الجنود إلى الحرب تحت المطرْ

تقول لقد كان هذا الشتاء غزيرَ التوابيت

والأرضُ تزهرُ في كل يومٍ مئاتِ الضحايا

ولي عاشقٌ غاب من سنتين

ولكنه يتلفّظُ باسمي إذا ما اعتراهُ الرصاص

..فينجو

هو ابنُ ثلاثٍ وعشرين نجمةْ

يهاتفُني من قرى الآخرين

ويلمح بين التلال القطار البعيد..

فتاةُ القرى لا تقول لجارتها

إنّ عاشقها لا يهاتفُها منذ عام..

وجارتُها لا تقولُ لها إنها لمحتْ

نجمةً سقطتْ

.منذ عامٍ وراء التلال

* * *

لم يعد أحدٌ منذ عام وأكثر

لم يعُدْ أحدٌ منذ عامٍ وأكثرَ

:قيلَ لنا

“مرّ هذا الشتاءُ على أهلِنا قاسياً

والذي سوف يأتي به الصيف أقسى”

خرجنا سريعاً من الباب

بابِ المدينة

كانت خيوطُ الدماءِ تسيلُ على الجانبين

هبطْنا بأثقلِ أحزانِنا فوق أرضِ الهزائم

ثم انتظرنا

انتظرنا طويلاً وراء التلال

ومرّ الشتاءُ

ومرتْ بنا العرباتُ محمّلةً بالجنود

ذئابٌ رماديةٌ

ونساءٌ يضعنَ قلائدَ مسبوكةً من رصاصٍ

رأينا على صفحةِ النهرِ أجسادَنا وهي تطفو

وراياتِنا تتمزّقُ قبل المغيب

وقيل لنا لن نعود كما لم يعدْ أحدٌ منذ عامٍ وأكثرَ

لكننا كلما اهتـزّ من تحتِ أرجُلِنا الجسرُ

مدّ إلينا الشتاءُ حبالَ الحنينِ

وعُدنا إلى ضفّةِ الحزن..

هذا خرابٌ عظيم

تجاعيدُ أحلامِنا باتتِ الآن أكثرَ عمقاً

وصارتْ ضفائرُ أشجارِ هذا الطريقِ رماديةٌ

لم يعُدْ أحدٌ

لم تلوّح لنا من وراءِ الجدارِ يدٌ

لم يصلْ طائرٌ

والخيولُ الثلاثون تلك التي انطلقتْ بالرجالِ الثلاثينَ

لم ينجُ منها صهيلٌ على الجرفِ

لكنّ ضوءً خفيفاً فقطْ

شعَّ في عتمةِ الليل..

قيل لنا إنّ نجماً هوى

قيل نبعٌ تفجّرَ

قيل حريقٌ خَبَا

..قيل سيفٌ أطاحَ برأس الملكْ

لم يكنْ غيرَ نصلٍ فقطْ

..شعَّ في عتمةِ الليل

.ثم سقطْ

 * * *

نماذج من الشعر السوري الجديد

نماذج من الشعر السوري الجديد

ملف أعده لصالون سوريا: أسامة إسبر

رغم أن الحرب هدمت سوريا عمرانياً وفكّكتْها اجتماعياً لا يزال الشعر يمثل فضاء مشتركاً للسوريين، وهو يكتسب أهمية كبيرة، كونه فناً غير قابل للتوظيف، ويمثل اللغة في أرقى وأعلى أشكالها التعبيرية، كما أنه يلوِّن اللغة ويُغنيها بألوان الشعراء المختلفين، وبرؤيتهم وبنائهم للعلاقة بين اللغة وعوالم الواقع وأشيائها. والشعر، يضيءُ عتمات، ويقود أضواء فيها، تظلُّ تبحث عن الخفي، والذي يظل هارباً، ولهذا لا تُستنفد اللغة الشعرية، بل تظلُّ مقترنة بالمستقبل، لأنها غوصٌ فيه، واستكشافٌ له، ورحلة في تقلبات الذات.

وفي هذا الملفّ الذي يمثّل جانباً مميزاً، وليس شاملاً، من الشعر السوري الجديد، يتفرد الشعراء المشاركون، كلٌّ بلغته الخاصة ورؤيته المختلفة، في بناء قصيدة تعيش غير مستقرة، لا وطن لها، فلا المنفى بكل مغرياته يخلق الطمأنينية، ولا الأوطان. وهكذا، يعيش الشاعر في وطن بديل، هو وطن الفن، العالم الشعري الذي يبنيه ويوسعه، والذي هو نافذة للآخر كي ينظر إلى الأشياء بطريقة جديدة، كي يرى نفسه ومحيطه خارج نطاق السائد والمألوف، هذا هو عالم الشعر، وتلك هي مغرياته، وهنا تكمن فرادته، في أنه دوماً يولد مع كل قصيدة جديدة، ويتشكل في كل تجربة شعرية، وبالتالي فإن كل شاعر كوكب يدور في فلك الشعر، أحياناً تكون الإضاءة خفيفة وفي أحيان أخرى يشتدّ السطوع. وفي هذه المختارات التي ينشرها صالون سوريا، ثمة رسالة عميقة، وهي أن ما يوحّد السوريين، يكمن في الإبداع، وفي أفق العلاقات الجديدة التي يبنيها الأدب والفن بين الذات والآخر، بين الروح المبدعة والروح المتلقية، في هذا التفاعل يولد الأمل، ويتوهّج ضوء الحضور.

في الأيام القادمة سننشر المواد تباعاَ ونقوم بتفعيل روابطها:

١: كان هذا الشتاء غزير التوابيت
تمام التلاوي

٢: حين اشتقتُ إليك
حكمة شافي الأسعد

٣: ولو كان ورداً أقلّ
سُرى علّوش

٤: الغريب
عبد الكريم بدرخان

٥: تقطيع المشاهد بالاختناق
عمر الشيخ

٦: في البدء كانت السكين
صلاح إبراهيم الحسن

٧: لا يحزنني الموت
لينة عطفة

٨: قصائد
محمد شعبان

٩: فيلُولوجيا الأزهار
أمارجي

١٠: النساءُ الأوروبيّات
مناهل السَّهْوي

١١: رائحة البرتقال
ميس الريم قرفول