بواسطة Abdullah Al Hassan | أبريل 12, 2018 | Cost of War, News, Reports, غير مصنف
(اعتمد هذا المقال على العديد من المصادر القريبة من مجريات الأحداث الأخيرة في مدينة دوما)
انتهت أزمة المدنيين في مدينة دوما، وتوصّل طرفا القتال إلى اتفاقٍ يقضي بخروج عناصر جيش الإسلام إلى مدينة جرابلس، الخاضعة لسيطرة قوات درع الفرات، وبقاء من يرغب من المدنيين تحت شروط مشابهة لأقرانهم في مدينة حرستا والقطاع الأوسط في الغوطة الشرقية، حيث تشمل الاتفاقية تسوية أوضاع الراغبين في البقاء من خلال لجنة تسوية مع ضمان عدم الملاحقة، ويُمنَح الفارّون والمتخلفون عن خدمة العلم مدة ستة أشهر قبل سوقهم والتحاقهم. وبالنسبة لطلاب الجامعات والمدارس، يستطيعون الالتحاق بأماكن دراستهم وكلياتهم بعد تسوية وضعهم الدراسي أصولاً، وأيضاً ستدخل الشرطة العسكرية الروسية (كتيبة شيشانية) كضامنٍ لعدم دخول قوات الجيش السوري وقوات الأمن الرديفة، وتدخل لجنة من محافظة ريف دمشق لتسوية جميع القضايا المدنية بالتعاون مع لجنة مدنية محلية من مدينة دوما، ويُفتح المعبر أمام الحركة التجارية بمجرد دخول الشرطة العسكرية الروسية.
تُظهِر الشروط المتعلقة بالمدنيين بأنها شروط عادية لا تختلف كثيراً عن أي من شروط تسوية المناطق الأخرى، وبالتالي كان بالإمكان الحصول عليها دون دفع فاتورة كل هذا الدم، وخاصة إبان التصعيد الأخير في السادس من نيسان حين حصل انتكاس في المفاوضات أدى إلى تصعيدٍ عسكري شديد من طرف النظام السوري وحليفه الروسي، راح ضحيته أكثر من ١٩٠ مدنياً في مدينة دوما، مع شبهةٍ واضحة لاستخدام مادة كيميائية محرمة دولياً خلال القصف.
في الرابع من نيسان، وبعد مفاوضاتٍ مكثفة، قدّم الكولونيل الروسي ألكسندر زورين ورقةً لمدير المكتب السياسي في جيش الإسلام ”ياسر دلوان“، تم تسريبها للإعلام لاحقاً، كان أبرز بنودها تسليم سلاح ”جيش الإسلام“ الثقيل خلال ثلاثة أيام، والسلاح الخفيف خلال أسبوع، ثم بعد تسوية أوضاع عناصر جيش الإسلام يتم تشكيل شرطة مدنية في المدينة تتبع لوزارة الداخلية، وكتيبة ”جيش الإسلام“ يكون تسليحها من الجيش الروسي، ومهامها محصورة في محاربة تنظيم ”داعش“ وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، وتأتي لجنة من محافظة ريف دمشق لحل جميع مشاكل المدينة، ويكون الضامن لذلك دولة روسيا الاتحادية.
يبدو أن قيادة جيش الإسلام أساءت تقدير موقف المفاوِض الروسي، وظنّت بأنها تملك أوراق تفاوضية تُمكّنها من طلب المزيد، خاصة وأنه خلال جلسات التفاوض، أرسل مكتب اللواء علي مملوك (الأمن الوطني) رسائل عدة إلى قادة جيش الإسلام، في محاولة للتواصل وبحث اتفاقٍ ما بمعزل عن الجانب الروسي، فكان أن دخل نائب قائد جيش الإسلام (أبو قصي الديراني) على خط التفاوض، واجتمع مع الكولونيل زورين في مكتبه عند مدخل معبر الوافدين في الخامس من نيسان، واقترح عليه تسويةً جديدةً، تحمل في طياتها ”تشكيل لجنة مشتركة من الشرطة العسكرية الروسية وجيش الإسلام مهمتها جرد السلاح الثقيل وتثبيت أماكن تواجده والقائمين عليه، على أن يبقى في مكانه“ وأن ”يرتبط تسليم السلاح النهائي وبشكل كامل بالحل السياسي الشامل في كل سوريا“ بالإضافة إلى تشكيل شرطة مدنية من عناصر الشرطة المدنية الموجودة حالياً، على أن تتبع لوزارة الداخلية بالرواتب والقوانين، واعتماد محاكم دوما بعد أن تتبع لوزارة العدل، والمصادقة على العمليات المدنية التي تمت خلال الفترة السابقة بما يتوافق مع قوانين الدولة، وفتح المعبر بشكل حر وآمن للأشخاص والبضائع، وأيضاً ”ضمان حق جيش الإسلام في العمل السياسي المعارض، وحرية حركة سياسييه داخل وخارج سوريا“، وذلك بوجود ضمانات دولية لمنع دخول قوات النظام والأمن إلى داخل المدينة.
يبدو أن طرح ”جيش الإسلام“ الجديد أزعج الجانب الروسي، ودخول نائب قائد جيش الإسلام وكلامه المتعالي، أعطى إشارة إلى المفاوِض الروسي بأن انقلاباً ما قد حدث داخل جيش الإسلام، حتى أن وكالات الأنباء الروسية والسورية والإيرانية في صباح السادس من نيسان نقلت تأكيداً لعملية الانقلاب، وتلميحاً حول اغتيالٍ حدث لقائد جيش الإسلام ”عصام البويضاني“ في عملية الانقلاب المزعوم، وأتبع ذلك اتهامات غير صحيحة بأنّ جيش الإسلام قام بقصف ضاحية الأسد (ضاحية حرستا)، وفي حوالي الساعة الرابعة عصراً بدأ الطيران الحربي السوري بقصف مدينة دوما دون سابق إنذار، موقعاً في الربع الساعة الأولى أكثر من ٣٠ ضحية من المدنيين (يبلغ تعداد من بقي في دوما حوالي مائة ألف) الذين فاجأهم القصف بعد عشرة أيام من الهدوء. استمر الأمر بشكلٍ تصاعدي ٍمع استخدام ٍلراجمات الصواريخ والبراميل المتفجرة، أدّى إلى وقوع العشرات من الضحايا بين صفوف المدنيين. استمر القصف بدون توقف حتى اليوم التالي، في محاولة للضغط على قادة جيش الإسلام لأجل العودة إلى بنود المقترح الروسي، وكان الكولونيل زورين قد أرسل لهم عدة رسائل يحثهم فيها على العودة إلى الورقة التي قدمها سابقاً ”خطتكم تقود إلى الحرب، لأن الأسلحة تبقى لدى الجميع، خطتي تقود إلى السلام، عليكم ان تخبروني قراركم حول خطتي بسرعة، أنتظر ردكم حتى الثامنة مساءً. خطتكم في الأساس غير مقبولة، بدون نزع السلاح لن يكون هناك سلام، انتظر اليوم حتى الثامنة مساءً، بعدها أوقف التفاوض“
لم يكن هناك رد من جيش الإسلام، رغم الضغوطات التي مُورِست عليه، وفي مساء يوم السبت، ذكر مشفى ريف دمشق التخصصي، في بيان له “في تمام الساعة ٧،٤٥ دقيقة من مساء السبت، ومع القصف المستمر على الأحياء السكنية في مدينة دوما، وردت العديد من الحالات تصل إلى ٥٠٠ حالة إلى النقاط الطبّية، أغلبهم من النساء والأطفال، بأعراض زلّة تنفسية وزرقة مركزية، وخروج زبَد من الفم، وانبعاث رائحة واخزة تشبه رائحة الكلور، لوحظ لديهم حروق قرنيّة بالفحص السريري، خراخر قصبية خشنة ووزيز،“ وأكد على أنّ “المعطيات السابقة تشير إلى حالات اختناق بغاز سام.“ بعدها بعدة ساعات، اتصل قائد جيش الإسلام بالكولونيل زورين وأبلغه استعدادهم للتراجع عن مطالبهم الأخيرة، مع تسليم السلاح الثقيل فوراً، وطلب أن يكون هناك اجتماع في صباح اليوم التالي لترتيب الاتفاق وتوقيعه. على الرغم من ذلك، لم يتوقف القصف طوال الليل، وإن أصبح بوتيرة أقل، وكذلك الحال في صباح اليوم التالي، مع أن جميع رسائل جيش الإسلام كانت تؤكد بأنه يتجاوب تماماً مع شروط الجانب الروسي، ولن يغامر مرة أخرى، لكن كان واضحاً بأن المفاوِض الروسي كان يريد أن يُلقّن ”جيش الإسلام“ درساً لن ينساه، وهو الذي قال لمفاوضيهم مرةً “أنا أُمثّل دولة روسيا الاتحادية، التي أطلقت محطة فضاء منذ ٤٠ عاماً، كما أنني أستطيع أن أتحكم بعشرات الأقمار الصناعية من هنا، أنتم من تُمثّلون؟“ وبالتالي استمر القصف على المدينة دون توقف، مع تراخي واضح من الطرف الروسي لعقد الاجتماع المقرر مع مدير المكتب السياسي لجيش الإسلام حتى تمام الساعة الواحدة ظهراً، وذلك على الرغم من إلحاح جيش الإسلام لعقد هذا الاجتماع بغية وقف القصف، وترتيب اتفاق يُرضي الجانب الروسي.
أخيراً، وبعد إلحاح شديد توقف القصف، وانتهى الاجتماع بتوقيع الطرفين على اتفاقية تقضي بتسليم السلاح الثقيل فوراً، وخروج من يرغب من المقاتلين نحو جبل الزاوية في محافظة إدلب، حيث لواء صقور الشام بقيادة أبو عيسى الشيخ، الحليف السابق لجيش الإسلام، وخروج من يرغب من المدنيين نحو مدينة جرابلس.
ولكن خلال أقل من ساعتين تغيرت وجهة مقاتلي جيش الإسلام فجأة نحو مدينة جرابلس بدلاً عن جبل الزاوية، وكما يبدو بأن الحكومة التركية لم ترغب في أن تتغير تركيبة توازن الفصائل في محافظة إدلب، بعد وصول أكثر من ٤٠٠٠ مقاتل من جيش الإسلام إلى هناك، وخاصةً بأنه معروف بعدائه الشديد لهيئة تحرير الشام، وبالتالي سارعت لاستضافته في مناطق درع الفرات في مدينة جرابلس، حيث يكون تحت عينها وفي عهدتها، وبالتالي من السهل التحكم بقيادته أو تغييرها كما حدث مع قادة أحرار الشام والزنكي وباقي الفصائل في الشمال السوري.
فور إعلان بنود الاتفاق، دخلت عشرات الحافلات مدينة دوما، استعداداً لنقل قادة جيش الإسلام وعناصرهم ومن يرغب من المدنيين نحو الشمال السوري، وتسلّم الجانب الروسي السلاح الثقيل مباشرة، على الرغم من قيام عناصر جيش الإسلام بحرق مدرعتين وتصويرهما بغاية التغطية على تسليم السلاح الثقيل، وحفظ القليل من ماء الوجه. كان من الواضح أن الجانب الروسي يريد الإسراع بتنفيذ بنود الاتفاق قدر المستطاع، خاصةً في ظل التطورات الجديدة على الساحة الدولية والمتعلقة بقصة (الكيماوي) الأخيرة في مدينة دوما، وتخوفه من عودة قادة جيش الإسلام عن تنفيذ الاتفاق بتحريض من جهة ما.
من ناحيةٍ أخرى، عادت قضية المختطفين للواجهة، بعد خروج العشرات من مختطفي عدرا العمالية (منذ نهاية ٢٠١٣) لدى جيش الإسلام على دفعات، مع سخط واضح من أهالي باقي المفقودين والمغيبين في الحرب السورية لعدم الكشف عن مصير باقي أبنائهم. علماً بأن القصف على مدينة دوما أدى إلى وفاة ٢٩ محتجزاً كانوا في سجن ”التوبة“ التابع لجيش الإسلام، وذلك بتاريخ ٢١ آذار ٢٠١٨، وفي سياقٍ متصل، تبقى قضية الناشطين الأربعة المختطفين من مقر إقامتهم وعملهم في مدينة دوما، رزان زيتونة وسميرة ووائل وناظم، بعيدة عن الحل، ومحفوظة في حوزة من يملك المعلومات الحقيقية من النافذين في تلكم الفصائل التي حكمت الغوطة الشرقية وأهلها ردحاً من الزمن.
بواسطة Moataz Nader | أبريل 10, 2018 | Roundtables, غير مصنف
سأبدأ بنتيجة ماثلة وعكسية من فكرة البحث عن الهوية السورية وحقيقة التعاطي معها كواقع مادي سياسي لا يقبل المقايضة بالمعنى المبدئي المتعلق بالثمن الباهظ الذي دفعه وما زال يدفعه السوريون من أجل التعاطي بشكل جدي ونقي وذي كفاءة مع إمكانية الحصول على جوهر الهوية الجديدة وفق رؤية العام 2011.
بصراحة الذين يتحدثون عن التقسيم مثلاً هم -ومن دون القصد في تخوينهم- ممن يسعون أو يبررون التقسيم بقصد أو بدون قصد وذلك يحصل عندما يتقبلون أو يبررون شرعية المصالح الإقليمية داخل سوريا بتعريفها كجهات مزعجة للنظام ومساعدة للهدف السوري الثوري النقي، وتلك القناعة تمثل وهماً مزدوجاً سياسياً وفكرياً. دولٌ تعيش داخليا حالات قمع غير متناهية، كيف بأي حال من الأحوال ستؤمن بالمشروع الديمقراطي؟ أو أن يكون لديها رغبة بإنهاء الصراع السوري من دون أن يكون لها أجندتها الخاصّة؟ علينا أن نستيقظ من توهمنا هذا. مع العلم أن فكرة التقسيم بمعنى أن تُحوّل سوريا لدويلات، فكرة هشّة ولا تنسجم مع طبيعة أو واقع الصراع في سوريا بالرغم مما تعيشه من تمددات عسكرية توحي بذلك، ومع ذلك يبدو البت في هذا الأمر بشكلٍ جذري صعباً، والأيام المقبلة ستشي بالكثير.
ضرورة التمرّد في هذه المرحلة
أرى ضرورة بناء الثقة وتبني الشجاعة الأخلاقية التي تجعل البيئة الرافضة للنظام السوري تقوم بمراجعة شاملة مبنية على رغبة جادة في التغيير الجذري لقوى المعارضة الناطقة باسم الشارع المعارض عموما بوصفها جزءاً من المشكلة، وليست مسبباً لها،
وبالتالي اعتبار بشكل واضح وصريح وعلني أن الائتلاف السوري المعارض والتيارات السياسية الأخرى لم تستطع أن تقدم إضافة يخدم المشروع المتمدن الحضاري الذي يطمح ويؤمن به السوريون.
وأرى أنه من الضروري في هذه المرحلة تحديداً البحث عن كيان معارض منظم أكثر فاعلية وبالتالي تحديد معنى الهوية القادمة التي تلبي طموح مفكري ومثقفي الحراك السوري ممن يؤمنون حقيقةً بمشروع 2011 كواجهة حضارية قادرة وجديرة تقوم لاحقاً بتصدير أفكارها بوصفها تكريساً لكل ما هو حر في العالم كله.
إذا دققنا النظر فسنلحظ أن الصراع السوري لم يعد بكافة تبعياته ملكاً للسوريين وحسب، بل بات ملكاً لكل من يفكر بنقاء وبوجع في الوضع السوري، كلٌ منّا سيلحظ من موقعه وفي أي بلد يعيش به كلاجئ أو مقيم –حجم التفاعل مع عدد ليس بقليل من بعض الشبان والمهتمين بشأن السوري لكونه حدثاً عالمياً يفرض نفسه بقوة على الفكر السياسي العالمي شاء أم أبى والبحث عن الكيان المعارض الذي قصدته يتم عبر الإصرار على رفض الكيان الموجود حاليا بشكل علني وعبر خطاب موحد، حتى لو لم يتسن خلق كيان معارض آخر كبديل جاهز.
حقيقة لا مفر منها
من الناحية الواقعية لن يستطيع الشخص السوري المعارض أو المؤيد على حدٍ سواء تقديم طموحاته السياسية من منطق اختيار “فيدرالية مركزية” ومن باب حقه في المواطنة بينما يتم الآن في اللحظة اجتياح الشمال السوري من قبل الأتراك، مثلما تمَ ويتم سيطرة الروس والإيرانيين على مناطق دمشق وريفها، وغوطتيها، يأتي هذا بالتزامن مع تصريحات تخرج من زبائنة النظام من هنا وهناك تقول إنهم لم يعودوا يحتاجون أصلاً للحل السياسي في ظل الانتصارات العسكرية التي يحققونها.
بالتأكيد لا أبتغي تكريس حالة التشاؤم في أوساط المعارضة من دون طرح حلول أو تقديم رؤية تسترجع حالة التعبير الرافض النقي التي باتت في الحضيض، برأيي الحل يكون في تبني مبدأ -الفكرة الصادمة – بمعنى القول علنا بأن المعارضة المتواجدة وكذلك الجيش الحر الذي بات فصيلاً تركياً أكثر من أي شيء آخر، هما فصيلان معارضان رافضان للنظام السوري، ولكن لا ينتميان للبيئة الثورية العادلة التي سعينا ونسعى إليها – وهي بيئة 2011، بمعنى ليس كل من يعارض النظام له الحق بأن يمثلني…
لماذا يقاتلون مع الأتراك؟
لماذا علينا على الدوام تقبل أي تحول سياسي من دون أن نعرض أفكارنا وطموحاتنا -نحن كتيارٍ غير مرئي لكنه لم يمت هل علينا تصديق بأن الفصائل الإسلامية المتشددة تقاتل من أجل إحلال دولة القانون بسوريا! كلنا يعلم إيديولوجية هذه الفصائل ومشروعها، لماذا علينا الرضوخ والاقتناع بأنه يجب أن نبقى تابعين لبرنامج سياسي دولي لا يمت لقِيمنا الثورية ببصلةٍ؟ لنسأل أنفسنا ماذا سنترك للجيل القادم داخل سوريا؟ يجب أن يعلموا بأن ثمة جيلاً كان فعليا يطالب بحقوقٍ مشروعة.
“النظام إذا انتصر” فهو لم ينتصر على حراك 2011 وإنما على محاكاة ذلك الحراك، انتصر –إذا انتصر- على معارضة لم تعد تمثلنا عندما تبتعد عنا لذلك الحد، معارضة لم تعد جامعة، معارضة لم تعد تملك القدرة على إصدار بيان يطالب بحماية المدنيين مثلما جرى بحالة مدينة عفرين السورية، بات الائتلاف السوري المعارض جزءاً من مشروع تركي ولم يعد مشروعا يمثل كل السوريين -كغاية لـ 2011!
إحياء مبادئ 2011من جديد
سيسأل سائل من نحن كي نفرض رأينا على المجتمع الدولي، أو على الآلة العسكرية؟ هذا تساؤل منطقي… ثم يضيف ذلك التساؤل من السذاجة التحدث عن مبادئ في ظل الخراب والدمار وانعدام كل ما يمت بِصلةٍ للقيم بسوريا.
ولكني أرى بما لا يقبل الشك أن الإصرار، وتبني الفكرة الصادمة القائمة على الرغبة بالتغيير الثوري والجهر بها، وتهريب الأفكار التي تنتمي –لإحياء الثورة النقية – وتبني مبدأ الفكرة الصادمة وتشريبها إلى الداخل السوري وبكل مكان يتواجد فيه السوريون والمؤمنون بالقضية السورية في العالم، عبر كافة القنوات المتاحة كي يطلع عليها الجيل السوري الذي يحاول النظام تأليبه علينها بوصفنا إما إرهابيين أو عملاء!
فالتصميم هو أن مصطلح التمرد النقي لم يَمت، وأننا ما زلنا خصوم النظام الذين يخشاهم أكثر من غيرهم من خلال تأثيرينا على تأليب الرأي العام بسوريا في أي وقت، من خلال أرشفة الكتابات وتمريرها على الداخل، وعبر الندوات والمناقشات، وعبر الضغط الثقافي في كل مناسبة تؤكد على قيم2011، لا نطالب هنا النسق الاحتجاجي التقليدي بتأليب الشارع المنهك من جديد، نحن نطالب أنفسنا بألا نتخلى عن هدفنا المشروع وعدم الإيمان بقناعات المجتمع الدولي عبر التسليم باطنيّاً بأن النظام انتصر فكريا. ربما يقول رأي أخر بأن هذا الطرح متفقٌ عليه وأنه يتسم بطابع نظري وغير واقعي؟
أقول: لا ليس متفقاً عليه! أي عندما لا نسعى للشيء الذي نتفق عليه جميعاً فإننا غير متفقين عليه من حيث المبدأ، إذا لم نسع للحظتنا الخاصة بنا فإن هذا هو الشيء النظري وليس عكسها، علينا أن نصدّق حلمنا وأملنا وألا نخذله عبر إهماله وعدم السعي خلفه وبالتالي تدميره بتركه للبديل الذي يمثل محاكاة لحلم الأمس. بمعنى، لماذا علينا أن نتوقع حدوث كل ما هو غريب وعبثي وسيء، وهذا يحدث في سوريا بطبيعة الحال، ولا نتوقع تحقيق شيء بسيط من الذي نؤمن به؟
عندما تشهد البلاد كل هذه الاحداث فمن الطبيعي أن يتحقق الهدف الأساسي المسبب لكل ما جرى، وهذا سيحدث بالضرورة، لكنه يحتاج لصبرٍ ووقتٍ وعمل بصمت، ولا يمكن الطلب في خضم ذلك من المناطق السورية التظاهر من جديد بينما نحن ننظّر من خارج البلاد كما يُقال، وإنما الهدف إنجاز ورقة يتم الاستناد عليها داخلياً لاحقاً على الأقل بعد رحيل الدفعة الأولى من نظام دمشق.
أرى أن الطريقة الوحيدة لنبذ ورفض حالة –الاحتلالات- التي تعيشها سوريا – روسيا-إيران-تركيا، والنظام كاحتلال داخلي، -هو العودة لإحياء الفكرة الأساسية التي خرجت الجموع من أجلها وهي: سوريا الجامعة – عبر تبديل النظام السياسي، ورفض الجيوش الإقليمية الموجودة عبر صوت واضح غر مقسّم يدعو عبر تعريف واضح ومكرر للعودة إلى الرفض النقي.
كيفّية تجاوز الحساسيات السورية
أعتقد واقعياً أنه سيتم تجاوز الحساسيات والصراعات السورية عبر صُدف وأحداث سياسية فجائية تدفع الأزمة السياسية إلى حافة سيتم عبرها فرض حل سياسي يتأقلم الجميع معه خاصة بعد الإنهاك الذي طال الناس في الداخل السوري تحديدا، وبالتالي ربما لا يكون تجاوز الصراع لدى السوريين خياراً بقدر ما هو حاجة للهدوء والأمان والتخلص من شبح الموت، على الرغم من خصوصية المسألة السورية عموماً ومكانة المنظومة الثورية سابقاً فيها إلا أنه ثمة تجارب سابقة عاشتها المنطقة تحاكي ما يحدث الآن في سوريا “كحرب لبنان مثلا” إذا فشلت محاولتنا كمتمردين نتطلع للعدالة فهذا لا يعني أننا فشلنا فعليّا بقدر ما يعني بأننا سننجح يوما ما.
بواسطة عامر فياض | أبريل 10, 2018 | Roundtables, غير مصنف
” الشعب السوري” العبارة الأكثر حضوراً في جميع الجلسات والمؤتمرات الدولية التي عُقدت لأجل سورية. جميع الأطراف السورية كانت ومازالت تفاوض وتتحدث باسم الشعب السوري وباسم الوطن السوري، ولكن كل طرفٍ يرى الشعب من منظوره فقط ووفقاً لسياسته الخاصة، ويختصر الوطن بمناطق نفوذه وبالأراضي التي تهمّه وتفيده.
هل فكر أحدهم بإيجاد تعريفٍ صادقٍ وموضوعيٍ للشعب السوري؟ هذا الشعب الذي صار اليوم بمعظمه منقسماً إلى عدة شعوبٍ وغاب عنه مفهوم الشعب الواحد، فهناك الشعب المؤيد والمعارض واللاجئ والنازح… وكل شعبٍ من هؤلاء بات ينتمي إلى وطنه الخاص، بعد أن تبدل مفهوم الوطن أيضاً. فبعض المؤيدين صاروا يرونه محصوراً بمناطق سيطرة الجيش، وبعض المعارضين يرونه بمناطق سيطرتهم أو ما يعرف بالمناطق المحررة، أما بعض اللاجئين فقد وجدوا وطنهم في بلدان لجوئهم في أوروبا وغيرها، حيث نالوا نصيباً من حقوق الإنسان والمواطنة، بينما ضاق الوطن عند كثيرٍ من ضحايا الحرب والنازحين ليقتصر على منزلٍ ورغيف خبزٍ وشيءٍ من الأمان، آخرون اختصروا وطنهم بعائلتهم أو ببضعة أصدقاءٍ أو بمجرد حبيب.
إن هذا الانقسام الشعبي الوطني، بات اليوم يشكل تهديداً واضحاً لموضوع الانتماء الوطني الجمعي ولمستقبل الهوية السورية الواحدة.
انقسام في التوجه الواحد والرأي الواحد
لم يعد الانقسام السياسي محصوراً بين تيارٍ مؤيدٍ وآخر معارض، بل تخطى ذلك ليدخل إلى قلب التيار الواحد والتوجه الواحد. فالخلافاتُ والسجالاتُ في جهة المعارضة باتت تندلع في كثيرٍ من الأحيان على أبسط الأشياء، ليتحوّل منشورٌ “فيسبوكيّ” لا يُغني ولا يُزيد إلى موضوع جدلٍ وشِجارٍ مرفقٍ بالتخوين والاتهامات. مثلاً، هناك من يجد الحلَّ الأمثل للقضية السورية في الخيار السياسي، بينما يجدهُ آخرُ في الخيار العسكري، وثمة من يرى في مناطق المعارضة مناطق محررة، بينما يراها مخالفٌ مناطقَ للموت والحصار.
الخلافات طالت مواضيع كثيرة أخرى… لنتذكر السجال الذي حصل بشأن منتخب كرة القدم، فالبعض نزعَ عنهُ هويّته السورية ووضعه تحتَ تصنيف (منتخب النظام) فهاجم مشجعيه واتهمهم بالخيانة وفي الجهةِ المقابلةِ تماماً اصطفَّ من نادى بفصل السياسة عن الرياضة ووهب المنتخب هويةً سورية ورأى فيه منتخباً يمثِّل كل السوريين.
لم تنج حقول الثقافة والفن من تلك الخلافات أيضاً، إذ كثيراً ما تحول حدثٌ فني أو ثقافي، إلى مناسبةٍ للجدل والاختلاف بين منتقدين ومخوَنين وبين مدافعين ومبررين، وذلك تبعاً للمكان والجهة المنفذة. فإقامة معرضٍ فني أو أمسيةٍ شعرية في مكانٍ ما من دمشق، قد تفتح البابَ لفئةٍ ما كي تنزع الصفة الوطنية عن صاحب المعرض أو الأمسية، بحجّة أنّه يدعم النّظام بتقديم أنشطةٍ وفعالياتٍ في مناطق محسوبة على الأخير، بينما تصرُّ فئةٌ أخرى على الهوية السورية للمكانِ والحدثِ وصاحبِه.
تلك الخلافات خوّنَت كتاباً وصحافيين واتهمتهم بمحاباة النظام والتخلي عن مبادئ الثورة، لأن كتاباتهم خالفت رأي البعض في مسائل وطنية قد تخضع للنقاش وتقبل التأويل.
الانقسام ذاته يتكرر على ضفة المؤيدين، فهناك من يرحب بقصف مناطق المعارضة وقتل وتهجير من فيها، في حين يرفض آخرٌ تلك السياسة ويدافع عن فكرة الحوار والتفاوض السياسي. أخٌ يخوِّن أخاه الذي رفض الالتحاق بالخدمة العسكرية والأخير يرفض أن ينخرط في تلك الحرب. صديقٌ يتهم صديقه بالعمالة لأنه يتواصل مع سوريين معارضين في الخارج وآخرُ يرى أنَّ السّوريّ سوريّ مهما اختلف رأيه وموقفه… وبين هنا وهناك هويّةٌ تُنتَزع وهويّةٌ تُعطى وهويّاتٌ تُبتَكر على مقاسِ صانعيها.
السؤال المطروح في ظل هذا: إذا كان أصحاب التيار الواحد لا يستطيعون الإجماع على رأيٍ موحدٍ لخطابهم الوطني أو رؤية مشتركة لنهجهم السياسي أو تعريف واضح للهوية الوطنية ومن يمثِّلها فعلاً، فهل سيمكنهم الإجماع على شكل هوية سورية واحدة؟
صراع الهوية بين الداخل والخارج
لعل التهديد الأبرز لمستقبل الهوية والانتماء في سورية يتمثل بانسلاخ مكوناتٍ كبيرةٍ من أبنائها عن وطنهم الأم لصالح أوطانٍ أخرى، فكثيرٌ من السوريين الذين رحلوا عن البلاد محوا فكرة العودة إليها أو فقدوا شعورهم بالانتماء إليها، وحسب تصورهم الهوية الإنسانية التي يحملونها قد رأت في الهجرة طوق نجاةٍ لهم، لثقافتهم وإنسانيتهم، بينما قد يحولهم البقاء في البلاد إلى قتلةٍ ومجرمين أو أرقاماً بانتظارِ رصاصةٍ أو قذيفة، فمن بقي في سوريا قد اختار الانتحار أو الموت البطيء. فيما يرى آخرون أن هذه البلاد لم تعد لهم، وأن وجودهم فيها لن يغير شيئاً، فليس بإمكانهم إنقاذها أو إيجاد حلٍ قد ينهي الحرب.
إن واقع الانسلاخ هذا سيؤثر حتماً على شكل الهوية السورية ونسيجها المتنوع، خاصة إذا ما تم تجنيس السوريين في الخارج، فربما حينها سيضيّع الكثير منهم بوصلة انتمائه وماهية هويته.
من جهةٍ أخرى، فئاتٌ ممن مازالوا في الداخل، باتت تشعر بالخذلان واليأس وبالعجز عن القيام بدور وطني فاعل، بعد أن أُخمد صوتها وشلَّ حراكها وخارت قواها، لذا أصبح السفر خارج جحيم البلاد حلماً لمعظمها، والرّضوخُ والتّماهي في اللامعنى هما الفعلان الوحيدان لها، ولعل هذا خطرٌ آخر سيحدق في موضوع الهوية، لاسيما وأن بعض تلك الفئات صار يشعر بالكره نحو بلده وبالحقد عليها بعد أن دمرت برأيه- كل ما يحبه وينتمي إليه ونبذته حتى وهو لايزال في أحضانها.
بالمقابل يصرُّ كثيرٌ من السوريين، الذين كان لهم دور وطني فاعل، على البقاء في سوريا ويجدون في الأمر صموداً ومقاومةً؛ بل وموقفاً نضالياً وبطولياً، ويرون أن بعض من رحلوا غير وطنين وإنهزاميين، ولم يقوموا بالدور المنوط بهم تجاه بلدهم حتى وهم خارجها؛ بل دمروها ورحلوا مفضلين مصالحهم ومشاريعهم الفردية على مصالح الثورة والبلاد وخذلوا السوريين الذين دفعوا فاتورة الحرب والدم لوحدهم.
إن هذا الصراع بين سوريي الداخل والخارج قد يشكل عائقاً مستقبلياً كبيراً أمام الإجماع على تشكيل هويةٍ سوريةٍ واحدة، بالنظر إلى حجم الخلاف والإختلاف الحالي بين الطرفين على مفاهيم وقضايا شائكة ومعقدة، كمفهوم الصمود والوطنية أو التخوين والإنسلاخ عن الوطن.
هل يمكن توحيد شكل الهوية السورية والانتماء إلى وطنٍ واحد؟
حتى اليوم، حاول أغلب المصطفين إلى جانب النظام حصر شكل الانتماء الوطني بالولاء لرموز هذا النظام وأدوات سلطته وفصّلوا سوريا على مقاسهم، ونزعوا عن كل من لم يتبع نهجهم سوريَّته وحاولوا تقزيمه ومعاقبته بشتى السبل، بالمقابل حوَّلت بعض قوى المعارضة المسلحة بوصلة الانتماء من الانتماء الوطني لسورية الثورة إلى الانتماء الديني والمناطقي، فراحت تشكل فصائل ذات ايديولوجيات دينية بحتة، وصارت تسعى لتحقيق مكاسب فردية وسلطوية بدلاً من المكاسب الوطنية.
ومع ارتفاع وتيرة الصراع في سورية وتقطع أوصال البلاد، تشرذمت معظم القوى الوطنية المؤثرة في المجتمع إلى كيانات سياسية ودينية وطائفية وعسكرية وقبلية، فبات من الصعب في المدى القريب توحيد شكل الانتماء والهوية والشعور الوطني الجمعي؛ خاصة بعد فشل جميع الأطراف السورية بإنتاج خطاب وطني موحد يؤسس لهوية سورية جامعة، كما إن إفراغ سورية من أهم رموزها الوطنية وأبرز عقولها ونخبها الفكرية والعلمية والثقافية، قد ترك الساحة السورية للعسكرة وتجار الحروب، فقد تحتاج البلاد لتلك الرموز والنخب للنهوض بها وبهويتها، لكنها ربما لن تجد من يقف إلى جانبها. وما زاد الأمر تعقيداً وضبابيةً، هو أن الصراع في سوريا قد استقطب إليها قوىً خارجية صارت فاعلة على الأرض بقوة، وهذه القوى لها أجنداتها ومصالحها الاستراتيجية وربما الاستعمارية التي ستتحكم في مصير ومستقبل البلاد، كما أن القوى الإقليمية والعالمية التي أصبحت معنيةً بالشأن السوري سيكون لها دور فاعل في مآلات الحرب، وبالتالي ستؤثر تلك القوى جميعها في موضوع الهوية والانتماء، فقد تجر البلاد إلى التقسيم أو الحكم الفيدرالي أو غيرهما من السيناريوهات المؤلمة المتوقعة، فقذارة التاريخ أقرت بأن العالم بأكمله يمكنه التحكم بمصير سورية وهويتها أكثر من السوريين أنفسهم.
بارقة أمل
لو استطاع الشعب في الداخل والخارج أن يقرر مصيره بنفسه بعيداً عن سلطة الأوصياء عليه، لو أقيم استفتاءٌ نزيهٌ برعايةٍ نزيهة لمعرفة رأيه ورغباته، فربما حينها سيستطيع إنقاذ الهوية السورية من الضياع، تلك أمنية، ولكن ثمة واقعٌ يزهر منه الأمل، فرغم مأساة هذا الشعب وتشتته وانقساماته وتمزُّق شعوره الوطني، هناك فئات كبيرة منه بقيت مخلصة للمبادئ الوطنية الجوهرية ومتمسكة بانتمائها الثقافي والفكري والحضاري لسورية كوطن وهوية. فئاتٌ قدمت نماذج رائعة في المواطنة وقبول الآخر ونبذ الطائفية والتصدي لأفكار الحرب ومفرزاتها، كما حافظت على مفهوم التعايش والتآخي بمساعدة النازحين وإيوائهم ومد يد العون لكل ما هو سوري، وأخرى حافظت على هويتها، رغم خروجها من سورية، فحاولت نشر ثقافتها وأصالتها، وعرَّفت العالم بثقافة البلاد وفنونها وحضارتها وتاريخها.
إذن، يبقى الأمل الوحيد لمستقبل الهوية السورية بالرهان على وعي تلك الفئات الوطنية بضرورة بناء شخصية سورية متجانسة لأنها الضامن الوحيد لتلك الهوية، وبالرهان على عودة سوريي الخارج المؤمنين بوطنهم وبضرورة دعمه لينهض من جديد. قد يحتاج الشعب وقتاً حتى يرمم جراحه ويعود إلى فطرته الوطنية الأصيلة، وربما سيحتاج مستقبلاً إلى نضالات وثورات جديدة على السياسة والدين والسلطات التي أفرزتها الحرب، حتى يستطيع الإجماع مستقبلاً على شكل هويةٍ وطنيةٍ واحدة.
بواسطة Mohammad Saleh | أبريل 10, 2018 | Cost of War, غير مصنف
الموارد الطبيعة هي ملك جميع البشر القاطنين في تلك المنطقة والذين سيولدون لاحقاً لذا من حق الأجيال القديمة علينا الإبقاء على الغطاء الأخضر على كامل التراب السوري إضافةً الى المياه الجوفية هذا إذا استثنينا بقية الموارد من نفطٍ وغيره. سأتحدث في هذا المقال عن الغطاء الأخضر وما يتعلق به .
التطور يكون دائما بمراكمة الأشياء والمعلومات وتطوير المهارات والحفاظ على الثروات واستهلاكها بحكمة وبحساب. في سوريا كان هناك قصر نظر في استهلاك الموارد منذ نهاية القرن التاسع عشر ونهاية الدولة العثمانية حيث بدأت الفوضى بقطع الأشجار من أجل تسيير القطارات ولم يكن هناك من رقابة على قطع الأشجار بل كان هناك تشجيعٌ وإعفاء من الخدمة العسكرية مقابل كمية معينة من الحطب، الأمر الذي قاد على المدى البعيد، وخاصة بالتوازي مع موجات الجفاف التي ضربت المنطقة، إلى زيادة التصحر على مساحة سوريا وخاصة في المناطق التي تعتبر ذات معدل هطول مطري منخفص.
أعيد تأهيل بعض المناطق لاحقاً بزراعة مناطق واسعة من الغابات من مختلف صنوف الأشجار الحراجية المثمرة وغير المثمرة وخصوصاً من الأشجار المعمرة كالصنوبر وبدرجة ثانية من أشجار الكستناء في المناطق الباردة كما هي الحال بمنطقتي ضهر القصير بجبل الحلو في الريف الغربي لحمص ومنطقة النبي متى شرقي الدريكيش. وتم تشكيل شرطة حراجية ترافق تلك الغابات وظيفتها حماية الغابات والحد من أعمال التعدي عليها على مساحة البلد كاملاً . في سنوات ماقبل الحرب بقيت هناك حالات اعتداء على ثمار تلك الحراج وأحياناً على الأشجار، ولكن كان هناك متابعة وملاحقة المعتدين إن لم يكونوا من “المدعومين”.
خلال السنوات الأخيرة ومع انتشار فوضى السلاح وترافق الجهل مع القوة، وتفاقم الحاجات الاقتصادية، بدأ قطع الأشجار بغية التدفئة بدايةً مع غياب مادة المازوت الخاص بالتدفئة ولكن على نحوٍ طفيف، ولكن مالبث أن انتشر القطع العشوائي وبيع الحطب دون تدخل الشرطة الحراجية خوفاً على نفسها، لأنّ الذي يقطع الأشجار لديه من القوة أكبر بكثير من شرطة الحراج ومستعدٌ للقتل، وهو تسلّح للقتل والخراب أساساً رغم مايطلقه من شعارات مغايرة، ولن يتوانى عن إطلاق الرصاص على أحد. هؤلاء المسلحون الذين لا يقيمون اعتباراً للمستقبل استطاعوا حرمان حتى أولادهم من ثروات البلد معتقدين أنّ تلك الثروات حكرٌ عليهم. من حقنا الاستمتاع بالأشجار (أو ماتبقى منها) لكن من واجبنا استهلاكها وفق حصتنا وحاجتنا ولنترك للجيل القادم ثروات هذه الطبيعة بما يستحق. كل استهلاكٍ يجب أن يكون باعتدال سواءٌ كان مياهاً جوفية أم بترولاً أم فوسفاتاً وغازاً.
خلال زياراتي الدورية في مناطق سوريا الداخلية والساحلية، لاحظت أنّ منطقة كاملة من أشجار الصنوبر قد تم قطعها بالقرب من ناحية عين حلاقيم، التابعة إدارياً لمنطقة مصياف في محافظة حماة، وعندما تدخل اثنان من شرطة الحراج خرج لهم ثمانية رجالٍ مسلحين ببنادق ليتراجعوا تاركين كل شيء حفاظا على حياتهم.
في الجزء التابع لمحافظة حماة من الغابة الجميلة في ضهر القصير أيضاً هناك حالات احتطاب كبيرة جداً في منطقة برشين للأشجار وكادت تقضي عليها (الصورة رقم 1). أسوأ الممارسات كانت في منطقة البادية شرقي السلمية حيث كان المقاتلين يعودون محملين بأشجار اللوز والزيتون بكاملها من مناطق القتال بحجة أنّ ملكيتها تعود لمسلحين معادين. فقدت هذه المنطقة غابات كبيرة في منطقة البلعاس في بداية القرن العشرين، ثم شهدت عودة تدريجية بعد حملات التشجير وزراعة بعض الأشجار التي تتلاءم مع تلك البيئة والتي تحتاج الى متابعة ومصاريف ليست بالقليلة حتى تستطيع النمو بدون حاجة لدعمٍ مائي غير طبيعي. كان ذلك مع مطلع ثمانينات القرن الماضي وبدعم ٍأوروبي للتقليل من التصحر بالتعاون مع وزارة الزراعة.

الصورة رقم 1: الاحتطاب العشوائي الذي قضى على أشجار الكستناء في منطقة غابات ضهر القصير المصدر، أرشيف الكاتب

على الطريق الواصل بين طرطوس وحمص والذي كان مظللاً بأشجار الكينا العملاقة، يمكن للمرء أن يرى كيف تم مسح بعضها تماماً عن وجه الأرض. تلتقي أحيانا مع هؤلاء وهم يحملون المناشر الآلية علناً ويسحقون تلك الأشجار.كما تمّ التعدي على أشجار طريق تدمر الجديد والذي يحوي على الصنوبر بشكل أساسي وأغلبه من الصنوبر الثمري وإن كان هذا التعدي بصورة أقل بشاعة من الحالات السابقة. أما غابات الساحل والحرائق المفتعلة فيها فليست جديدة ولكن الحرب زادت منها، وتؤلمني رؤية جبال مصياف حيث السواد يلتهم المساحات الخضراء التي أعرفها بمساحاتٍ هائلة. قدّر مدير الحراج في وزارة الزراعة السورية عدد الحرائق الحراجية خلال العام 2016 لوحده بـ 819 حريقاً حراجياً، و2285حريقاً زراعياً في مساحة بلغت 2000 هكتار.
تصدمك رؤية العمليات التخريبية المنهجية التي تعمل على إنهاء الحياة في هذه المساحات الخضراء ولمصلحة من؟ لمصلحة الخراب وزيادة ألم السوريين جراء هذه الأعمال التي تقتل كل حياة ولا تقيم اعتباراً لمستقبل الأجيال القادمة، وكأنّ الحرب تقتصر على الاشتباكات المسلحة والقصف. تلك هي النقطة الأساسية في كل شيء المستقبل واحترام الحياة وبالتالي العمل على مقومات الحياة والتقنين باستهلاك الموارد حفاظا على الأجيال المقبلة. تستطيع الكثير من الغابات ببعض الاهتمام تجديد نفسها وقسم ٌ منها بدأ هذا الربيع بالنمو من جديد في المناطق القريبة من جبال الساحل (الصورة رقم 2). وتبقى المشكلة الأساسية في تلك الأشجار المثمرة التي كانت تغطي مساحات لابأس بها في المناطق القليلة الأمطار، حيث تحتاج إلى سنوات طويلة ومشاريع مستديمة لاستعادة ماخسرناه في بضعة أعوام.

الصورة رقم 2: أشجار الكينا تعود للنمو مجدداً على الطريق الواصل بين حمص وطرطوس بالقرب من قرية خربة الحمام المصدر، أرشيف الكاتب
بواسطة Talib Alkhayer | أبريل 9, 2018 | Cost of War, غير مصنف
قدرت الأمم المتحدة عدد المهجرين السوريين في داخل سوريا ب 6.5 مليون مهجر بحلول عام 2016. سنوات عديدة من الحرب الطاحنة دفعت الملايين لترك مناطقهم الواقعة تحت رحمة المعارك والسعي إلى الانتقال إلى المناطق الأكثر أمنا في الساحل السوري. بغض النظر عن الأسباب والظروف التي أسهمت في جعل الساحل أحد أكثر المناطق أمنا في بلد مزقته الحرب وهجرت أبناءه سلسلة لا تنتهي من الدمار والدماء، فهذا نقاش ليوم آخر.
غني عن البيان أن الغالبية العظمى من هؤلاء المهجرين ينتمون للطائفة السنية، حيثما تغلب الطائفة العلوية على الساحل و مدنه. ومثله أن الحرب السورية أصبحت ذات طابع طائفي لا ريبة فيه. هنا نرى أن هذه الحرب تدور رحاها بين معارضة سنية مدعومة من القوى الإقليمية السنية، و حكومة تديرها قلة من العلويين والتي تبنت دور حماية الأقليات رغم اعتمادها المتزايد على إيران-القوة الشيعية الوحيدة في المنطقة- والتي إليها ينسب العلويون رغم الاختلافات الثيولوجية المتجذرة.
لا ريب إذا أن اطلاق صفة الحرب الأهلية/الطائفية على الحرب السورية ليس بالخيال المحض ولا بالادعاء صعب الإثبات. هنا وقد أدركنا هذا فإنه من الضرورة إدراك المسببات، الظروف، والنتائج المنبثقة عن هذه الصبغة الطائفية، وهذا بدوره موضوع يطول نقاشه و تتشعب أفكاره.
ما يكفي أن يقال هنا، أن التعايش الطائفي في الساحل السوري هو حالة مثيرة للدهشة كما للتفاؤل، وهو بدوره أيضا مؤشر أن الطابع الطائفي للحرب ما هو إلا غطاء يخفي تلاعب الأطراف المختلفة للنزاع في عقول السوريين و ،بدرجة أكبر، إرادة الأطراف المتحاربة لتعبئة الطائفتين في هذا الخندق أو ذاك.
استقبلت مدن الساحل مئات الآلاف من المهجرين السنة في سنوات الحرب التي خلت، المدن نفسها التي يغلب عليها العلويون و المدن نفسها التي تشكل المنبع الرئيسي لقوات الحكومة السورية والتي بدورها ترسل لقتال المعارضة السنية في الشرق والجنوب. فكيف نفسر إذا الهدوء الملحوظ في مدن الساحل والتي لم تشهد أي اقتتال يذكر بين الطائفتين على أراضيها؟
هنالك روايتان رئيسيتان لتفسير هذه الظاهرة، واللتان يستخدمهما المهتمون بالشأن السوري. الأولى أن هذا التعايش ما هو إلا نتيجة لسيطرة النظام الكاملة على الساحل و فرضه النظام بالقوة. الثانية أن العلويين يؤمنون أن السنة القاطنين في الساحل، على عكس هؤلاء الذين اختاروا الحياة وراء الحدود، ما هم إلا “مؤيدون” للنظام وما كانوا ليسكنوا بين العلويين لو لم يكونو كذلك، و لذلك يعاملون بالحسنى.
لوجهتا النظر مسببات وجيهة تدعو للأخذ بهما، و لكنني هنا أنوي تبيان اعتقادي أن هنالك مسببا أكثر أهمية، وإن بدا مناقضا للاعتقاد الشائع، وهو أن النسيج الطائفي في سوريا ليس بالتهتك الذي نظنه.
نقاشي لهذا المفهوم يبدأ من تقدير القيمة الحقيقية لوجهتي النظر السابق ذكرهما أعلاه:
ليس هناك شك أن الحكومة السورية لا تزال ممسكة بزمام الأمور في الساحل السوري، وأن الأجهزة الأمنية و قوات الشرطة تبقى المهيمنة على الوضع الأمني على عكس المناطق الاكثر اضطرابا في الشرق والجنوب حيث يلعب الجيش و الميليشيات دورا رئيسيا في فرض السيطرة على المناطق التي زعزعت استقرارها عمليات القتال. ولكنه من الضرورة إدراك أن حاجز الخوف في الساحل لم يعد بالقوة التي كان عليها ما قبل آذار 2011. سكان الساحل أصبحوا أكثر ميلا لانتقاد أجهزة الدولة وتقصيرها في مختلف الأوجه، باستثناء بعض الخطوط الحمراء المعروفة جيدا. وجه آخر يعكس حقيقة أن الحكومة لا تتمتع بنفس القدر من السيطرة كالسابق، ألا وهو حقيقة ارتفاع معدلات الجريمة في السنوات الأخيرة، فالعصابات الإجرامية تقوم، وبشكل متكرر، بعمليات الخطف والقتل وسرقة السيارات. عمليات يقع ضحيتها الجميع بغض النظر عن الطائفة والانتماء. على العموم فإنه من المفيد إدراك أن الحكومة السورية لم تعد تطبق سيطرتها بالشكل الذي كان ما قبل الصراع. المثال الاكبر على ذلك ما حدث في عام 2015 عندما تظاهر المئات في حي الزراعة ذو الغالبية العلوية مطالبين بمحاكمة سليمان الأسد إثر قتل المذكور لضابط في الجيش، بدم بارد و أمام عائلته، جراء خلاف مروري. مظاهرة من هذا النوع كانت الأولى على الاطلاق، وإنها لتشكل تحولا جذريا و دليلا مهما على تقلص الخوف لدى علويي المدينة تجاه أي قمع أمني.
الرواية الثانية المعنية بتفسير هذا التعايش على أنه تفاهم طبيعي ناتج عن كون المهجرين السنة في الساحل مؤيدين للنظام بطبيعتهم ما يحتم قبولهم بين العلويين بدرجة أكبر. وجهة النظر هذه إنما هي لأبعد من الحقيقة من الرواية الأولى، فهي تتجاهل أن السنة المهجرين من مناطقهم الممزقة بالحرب لا يمتلكون العديد من الحلول البديلة لمآسيهم. فتركيا تفرض عليهم قيود اللغة ومعيشة أكثر تكلفة من الساحل، ناهيك عن القيود القانونية و البيروقراطية و العملية. الأردن هو الآخر ليس بالحل الأفضل رغم اللغة المشتركة والثقافة القريبة من تلك السورية. إن افتراض أن جميع الآلاف العديدين من المهجرين السنة ما هم إلا قد صوتوا بأقدامهم حينما قدموا إلى مناطق النظام ما هو إلا جهل بالواقع على الارض، استخفاف بالعقول، و سوء تقدير يعكس بعدا جذريا عن حيثيات الواقع اليوم الذي يعيشه السوريون. ما سبق بدوره يدركه علويو الساحل جيدا إذ لا يمكن لعاقل أن يؤمن أن العلويين مقتنعون بأن جيرانهم السنة ما تركوا مناطقهم إلا انطلاقا من قناعاتهم السياسية الإيجابية تجاه النظام. هذا بدوره لا ينكر أن هناك ربما نسبة لا بأس بها من المؤيدين السنة، سواء في الساحل أو خارجه، كما أن هناك معارضين علويين بنفس الدرجة.
بغض النظر عن مدى دقة الروايتين السابقتين أو تسيد أحدهما على الأخرى، فإنه يبدو واضحا أنهما ليستا بالكافيتين لتفسير التعايش الطائفي المثير للدهشة في الساحل. هنا يمكن القول بأن التفسير الثالث والعامل المكمل إنما هو قناعة متجذرة لدى أفراد الطائفتين بضرورة قبول العيش المشترك:
هذه القناعة تشكل العامل الثالث الذي لا يقل تأثيرا عن العاملين الآخرين، وهو مكمل لهذين العاملين إذ يملأ الفراغ الذي تفشل هذان النظريتان في ملئه. القناعة هنا هي إيمان غير ملموس بأن الحرب السورية أصبحت حرباً بالوكالة تخوضها دول إقليمية و قوى عالمية على الأراضي السورية، حرباً أصبحت طوائف سورية باختلافها وقودا و مطية لها. ويرى العلويون أن السنة في مناطقهم لم يأتوا إلا سعيا لحياة آمنة و مستقرة، أما السنة المصرون على قتال النظام فالبقاء في مناطق المعارضة هو خيارهم الوحيد.
سكان الساحل، سنة هم أم علويين، هم خير مثال على أن النسيج الاجتماعي السوري لا زال قابلا للشفاء والتعافي من سنين طويلة من التعبئة الطائفية و المجازر الوحشية. ما سبق يشكل مفهوما مرشدا شديد الأهمية عند اعتبار أي عملية إعادة بناء أو عدالة انتقالية. كل ما ينقص هو حكم القانون و توقف العنف، ولعلنا هنا نحلم بالكثير في هذه المرحلة، للأسف.
بواسطة الحسناء عدرا | أبريل 9, 2018 | News, غير مصنف
“يحدث الأمر بسرعة خاطفة، تدخل عالم الجنون، خواء شاسع يحيط بك ويشدّك إلى القاع محاولا الظفر بسعادة مؤقتة مدفوعة الأجر، كل ذلك بسبب شبق التجربة والتوق للغرابة”، هكذا وصف (أسامة 24 عاما) تجربته مع الحشيش، مضيفاً: “نحن كشرقيين الميزة الوحيدة التي نمتلكها هي العبثية، نحن نعشق تجربة الأشياء الغريبة.”
بشهية مطلقة للبوح تحدث الشاب العشريني (هندسة مدنية) عن تجربته الأولى مع تعاطي الحشيش منذ عامين في منزل أحد أصدقائه الذي دعاه لتذوق (الكيف) محضّراً المادة دون عناء يذكر؛ فلاقى العرض استحساناً منه. أضاف:”يتوفر الحشيش بسهولة فائقة وعندما تحاول ترتيب الأمر يتأمن بسرعة كبيرة.”
يتابع (أسامة) قائلاً :”أن الأشخاص ذوو الملكات العقلية تروق لهم المادة لما تمنحه من قدرات هائلة في تحليل الأمور وعمقاً أكبر في التفكير وتركيزاً مضاعفاً لا يلبث أن يتبخر مفعوله بعد عدة ساعات، ليقعوا في نهاية المطاف في فخ القدرات المزيفة. إن الأمر أشبه بالتورط في مديح نفسك أمام، إذ تقع في حفرة الأنا وينتابك شعور بالزهوّ والعظمة كلما انهال عليك تصفيق أصدقاء “الكيف” الذي يستعر مع كل جرعة إضافية، لكنني في واقع الأمر لم أكن أدري أنني كنت أعوم في أحشاء الوهم منسلخاً عن ذاتي ومنفصلاً عن الواقع.”
“افتعلتُ المشاكل مع أهلي وفشلتُ في الجامعة، فأكثرتُ من تدخين الحشيش الذي أثار قدرتي على ممارسة هوايتي المفضلة (الرسم). لقد حرّضني (الحشيش) على ابتكار أنواع جميلة من الخطوط لم أعرفها من قبل. تركتُ المنزل بعد مشاحنات عنيفة مع عائلتي، واستأجرتُ مع صديقي مرسماً في جرمانا كان يسكنه شاب اعتاد تأمين الحشيش لنا لكنه سافر إلى ألمانيا؛ غير أنه ترك لنا عنوان الموزع، فبدأنا باستقطاب الأصدقاء والتعاطي سوية؛ لتنهال علينا المشاكل بعدها، فأصبحنا مدينين للبقال واللحام والمتاجر وخسرنا عملنا، لكنها الحرب تفعل بنا الكثير.”
يستطرد الشاب: “في إحدى المرات زارني صديقي القديم إلى المرسم وحاول إخراجي من هذا الجو المقيت؛ فأقنعني بالعودة إلى منزل عائلتي في السويداء، وهناك استمريتُ أيضاً بتدخين الحشيش مع رفيق لي لمدة 3 أشهر، لأنتقل بعدها إلى مرحلة جديدة وهي تجربة حبوب الكبتاغون التي كانت متاحة بكثرة وبسعر زهيد؛ إذ لا تستطيع تخيل حجم الأفكار القذرة التي داهمتني عندما كنت (أحشش) ولاحقاً كنت أمارس أساليب شيطانية مع الفتيات لاستدراجهن عبر إرسال طلبات صداقة من خلال الفيسبوك لإقامة علاقات جنسية معهن وإشباع متعتي، ولأثبت لنفسي أنني قادر على الحصول على أي شيٍ أريده، كما وصل الأمر بي إلى محاولة جر أختي الصغرى إلى تجربة الحشيش!”
الحشيش هدية الله في الحرب
“دخلت في نوبة ضحك هائجة ونشوة عارمة… أحببتُ ذلك الشعور الذي التهم جسدي فقررت تجربتها على الدوام”، هذا ما قاله هادي (اسم مستعار) واصفاً تجربته الأولى مع الحشيش الذي تعرف عليه عام 2014 في سنته الأخيرة من دراسته لإدارة الأعمال في الجامعة الأوروبية. يتابع: ” كانت السيجارة تساعدني على التركيز من أجل التخرّج وتجاوز امتحانات العام الأخير تحت وابل من القصف والقذائف، حالي كحال أغلبية الطلاب الذين يفعلون الأمر ذاته في هذه الأوقات.”
يعتبر (هادي) الذي هاجر مؤخراً خارج سورية أن “الحشيش هدية من الله” ولا يعتبر الإدمان عليه مرضاً يستوجب العلاج على خلاف المواد الكيماوية كالكبتاغون التي تقود الإنسان إلى التهلكة، لكن الشاب يحمّل الحرب مسؤولية توجه جزء كبير من الشباب السوري إلى تعاطي المخدرات، ودخولهم عوالم التبنيج، فهي كما يقول “أصبحت المهرب الوحيد للاسترخاء ولو لساعة واحدة، ألوم الحرب لأننا كشباب يجب علينا أن نتابع دراستنا ونتخرج ونحقق أحلامنا ولكي ننسى همومنا ومآلات الحرب وأوجاعها”، وعن ثمنها يقول: “السعر يختلف بحسب مزاج تصريف الدولار، وكذلك وفقاً للمكان، فثمنها في مدينة اللاذقية يختلف عنه في العاصمة دمشق.”
المخدرات موضة كرستها سنوات الحرب السبع
يرى (حسام 24 عاماً) أن ظاهرة إدمان الشباب على الحشيش والكبتاغون والأدوية المخدّرة “ما هي إلا موضة كرّستها الحرب الدائرة في سورية، والتي أدت إلى تراخي قبضة الدولة في مراقبة المهرّبين والمتعاطين وإيلاء الأولوية لمكافحة الإرهاب ومحاربة المجموعات المتطرفة” مضيفاً: “بالتالي تراجعت رقابتها على هذه القضايا ولم تعد كما كانت قبل الحرب.”
يضيف حسام(هندسة اتصالات): “إن تفشي الرشى في مفاصل حكومية ساهم على نحو كبير بانتشار هذه الظاهرة لاسيما في ظل تراجع الدور الرقابي للدولة السورية بسبب يكفي أن تكون عسكرياً لتصبح المادة في متناول يدك دون رقيب وحسيب”، مبرراً الأمر بأهوال الحرب التي طال أمدها والمصير المجهول للمقاتلين على الجبهات وظروفهم. جميعها عوامل تدفعهم إلى البحث عن شيء يبعث لأنفسهم الراحة كالحشيش والكبتاغون وغيرها.
حسام كان تواقاً لتجربة الحشيش التي سمع عنها الكثير من أصدقائه ولا يمانع تجربتها بين الحين والآخر لكن بكميات دقيقة وغير مبالغ فيها، يعقب: “لا أمانع من تجربة الكبتاغون لمرة واحدة فقط في حياتي بداعي الفضول الذي كان وراء تجربتي الأولى، لكن الإمكانية المادية تلعب دوراً مهماً في استهلاك الحشيش، مادة الحشيش أو الكبتاغون صارت غالية بالنسبة لي، كوني لا أعمل، فلا أستطيع تحمل تكاليفها، إذ يصل ثمن الأوقية من الحشيش إلى (8000 آلاف ليرة 13 دولاراً أمريكياً تقريباً) وهذه لا تكفيني لمدة أسبوع، إنها تجارة مربحة للتجار وتدر عليهم ثروة هائلة.”
الحشيش كغيره من التجارات يقتضي وجود الموزع الذي بدوره يتعامل مع وسيط آخر خارج البلاد (الجهة المستوردة) يزوده بالمادة المطلوبة، بحسب الشاب الذي يضيف :”وقد يكون الأول شخصاً أو عدة أشخاص لا يعرفون بعضهم، كما يمكن أن يكون الموزع سائق سيارة أجرة يعمل على خط بيروت، ولديه علاقاته الخاصة مع عناصر في الجمارك فيسهل عليه التحرك بحرية مطلقة، وعادةً ما يتعامل الموزّع مع زبائن محددين ودائمين بشكلٍ مباشر متوخياً الحذر والحيطة إن لم يكن ذا نفوذ وله علاقاته الواسعة، بينما يعمل بشكل مكشوف ومعلن حين يكون له “دهاليز” مع جهات أمنية، مما يسهل عليه إدخال المواد بدون أن يسائله أحد.”
“stuff” بذرة من نبات القنب الهندي تأتي أحياناً مطبوخة، وتوضع داخل ورقة قصدير، وتغلق بإحكام ثم توضع في ماء مغلي، وبهذه الطريقة تترك أثراً مضاعفاً من السعادة والنشوة لدرجة الهلوسة، كما يشرح (حسام) متابعاً: “هذه الحرب أفرزت مصطلحاتها الخاصة فيما يتعلق بهذه الظاهرة ككلمة (عساكر) التي تعني أن المادة (الحشيش) جيدة، فيما تعني كلمة “ضباط” أن المادة ممتازة!”
التقيت بجاد (اسم مستعار) وآثار (الكبتاغون) من ليلة أمس مازالت تطفح على جسده ووجه ومزاجه العالي، قال:”في بداية الأمر كنت أرفض دعوات أصدقائي الملحة لتجربة الحشيش وشقيقاته من (وسائل البسط) إلى أن نال مني الفضول واستدرجني إلى مفعوله الآسر، حتى أضحت السيجارة لا تفارقني في كل السهرات والحفلات.” تسع سنوات من الخبرة في الحشيش وتوابعه كانت كفيلة للشاب العشريني أن يدرك طقوس هذه المادة وخواصها: “أهم ما في هذه المادة الخضراء هو فهم ماهيتها وكنهها واستيعابها على نحو صحيح، وذلك للحصول على أثرها المنشود، فالحالة النفسية تتدخل في خلق الأثر الفعّال، فإذا تم تدخينها في مزاج سيء وكئيب، فإن مفعولها حتماً سيكون سلبياً ومؤذياً، بل سيفاقم من حِدّة تلك المشاعر، والعكس صحيح.”
الحشيش يمتد إلى جبهات القتال
يعود الشاب بالذاكرة إلى قبل أربع سنوات عندما تطوّع في قوات (الدفاع الوطني) مستذكراً أنه دخّن (الحشيش) مرات قليلة مع رفاق محددين في أحد أماكن خدمته، لافتاً إلى توجّه العديد من الجنود إلى تعاطي مواد مخدّرة، وذلك لمنحهم الطاقة والقوة والقدرة على مواصلة القتال لأيام متواصلة ضد المسلحين الذين بالمقابل يتعاطون حبوب هلوسة وطاقة مفرطة، لكن وبعد أن تم تسريحه من الخدمة إثر إصابة بليغة في يده أدت إلى إحداث شلل في عصب اليد، اضطر (خالد) خلالها إلى علاجها لمدة عام كامل، دفعته إلى التحول إلى ابتلاع حبوب (الزولام/ zolam) و(الترامادول / tramadol) والتي أمست ترافقه في جيبه على الدوام. يسرد الشاب الذي يعمل كساقي كحول في أحد بارات باب توما: “لا أتمنى أن أبتلع هذه الحبوب، لكنني مضطر لذلك كونها صارت المصدر الوحيد لدي للمتعة والسعادة التي لا أجدها في الأوقات الطبيعية، حاولت قدر المستطاع السيطرة على نفسي وأخذ الأقراص بصورة غير منتظمة تجنباً للوقوع في حفرة الإدمان، لكن الحشيش والحبوب المخدرة قد أتلفت خلايا دماغي، وأضعفت من ذاكرتي؛ فأبناء جيلي شاخوا قبل الأوان، والحرب مازلت تربي الأفاعي في صدورنا ودمنا.”
حي القشلة والجامعات مرتعاً للمدمنين
حديقة القشلة (دمشق القديمة) أمست مرتعاً اليوم لمعشر الحشاشين ذكوراً وإناثاً ولمتعاطي حبوب الهلوسة بمختلف أنواعها وبشكل مزعج وغير منضبط بسبب ما أفرزته الحرب السورية من أزمات نفسية ومشوهي حرب، كما أن الجامعات أصبحت مدخلاً للتعرّف على وسائل الكيف كما يخبرنا (تيم طالب في كلية الآداب بدمشق) معتبراً “أن الحكومة السورية لا يتوجب عليها معاقبة المدمنين بل علاجهم وإعادة تأهيلهم.”
يحلم (تيم) كغيره من أبناء جيله بالسفر خارج سورية، ولو بأي طريقة كانت للهرب من نظرات المجتمع المستهجنة لمظهره الخارجي المتمرد على الطاعة الاجتماعية ولطبيعة عمله وأسلوب حياته مفصحاً عن رغبته بتجربة الماريجوانا الممتازة التي تختلف عن المواد الرديئة (الزبالة التي تباع داخل سورية) كما يصفها مؤكداً: “سأظل طول حياتي أدخّن الحشيش وأتعاطى حبوب الهلوسة كي أنسى ما يحدث في بلادي من خراب وقتل ودماء.”
(سهيل 26 عاماً) يحتج هو الآخر على نظرة المجتمع المسيئة للحشاشين: “نحن لسنا بالضرورة غير أسوياء، أو منعدمي الخُلق، بل هناك العديد منا لطفاء وطيبون، على خلاف أولئك الذين يتعاطون المخدرات وحبوب (الزولام) و(الترامادول) والتي غالباً ما يكون الإقلاع عنها صعباً للغاية، ناهيك عن فعلها المدمّر الذي يصيب الجملة العصبية بعد برهة من الزمن.”
قرر سهيل الذي يحضر رسالة (ماجستير تجارة واقتصاد بجامعة دمشق) المجازفة وتجريب تلك المادة التي تحيط بها هالة اجتماعية لا يجب المساس بها أو حتى الاقتراب منها؛ رغبة منه بتجاوز ما أسماه (الخطوط الحمراء). يقول: “جربتُ الحشيش للمرة الأولى منذ قرابة سنتين عندما كنت أدرس في منزل استأجرته بمدينة جرمانا مع أصدقائي. كان أحدهم شاب أثق به وعلى درجة عالية من الأخلاق، إذ رأيته يدخن الحشيش كي ينسى صوت الطائرات والقذائف، فجذبتني رائحة الدخان المنبعثة من السيجارة. وقتها اقترح عليّ أن أجرّبها، لكنها لم تعجبني كوني غير مدخن، فاقترح عليّ تجربتها عبر النرجيلة في المرة القادمة، فوافقت وراقت لي وأصبحتُ أدخّنها مع أصدقائي بين الحين والآخر.”
التغلب على هالة الرعب التي تحيط بالمخدرات بأنواعها كافةً هي أحد أسباب خوضي للتجربة يتابع سهيل: “الأبحاث العلمية صنفت الحشيش كمادة طبية، الأمر الذي طمأنني نوعاً ما، عدا عن إصراري على اختبار المادة والمقارنة بين أفكار المجتمع السائدة ونظرتي الشخصية تجاهها، لكنني لا أنكر أنها منحتني شعوراً بالاسترخاء والراحة و(الزهزهة) حتى التخمة. إنه أفضل شعور على الإطلاق ويجعلكِ تنسين صوت القصف والقذائف وصور من ماتوا في التفجيرات.”
التحشيش والإبداع
اللذة عدوها الأول الإشباع، فالمغالاة بتعاطي الحشيش سيؤدي إلى فقدان المتعة واللذة المنشودة”، يتحدث (طوني- 24 عاماً) ويتابع: “المواد الكيماوية بالرغم من مخاطرها، تحمل جانباً إيجابياً، إذ تخلق حالة من الصفاء الذهني حسب زعمه لكن هذا يتوقف على طبيعة الأشخاص المدخنين فالسيجارة عندها إما تصير عنصراً مثيراً ومحرضاً لعملية الخلق والابتكار كفعل الكتابة على سبيل المثال، أو تتحول إلى إدمان وكسل ونوم متواصل.”
بونات نفسية!
“يجب على كل شخص منا أن يكون لديه دفتر بونات خاص بالمنومات ومضادات الاكتئاب ونوبات الزعل المفاجئة يحصل بمقتضاها كل بالغ راشد عاقل (أشك بالأخيرة أي عاقل) على حصته اليومية من هذه الحبوب المباركة.”
يوضح أحد الشبان المدمنين على الحبوب المسكنة لم يذكر اسمه: “يكون دفتر بونات عادي يعني على شاكلة بونات السكر والرز قديما، كما يحكى أنه كان يوجد بون للتبغ من بين البونات التي يمتلكها الشعب في حقبة الثمانينات، لمن يذكرها كانت ملونة بالأخضر والنهدي والأزرق وعوض الرز والسكر وبقية هذه الكماليات يأتي الفاليوم والبالتان واللوكستان والزولام وكل أنواع المسكنات المركزية التي تجعل هذه الحياة القاحلة… محتملة ولو قليلا.”
“أتعس شعور في حياتي“
“كنت أسهر مع أصدقائي وعندما حان دوري لاستنشاقها لم تكن رائحتها الشبيهة بالزهورات مثيرة للاهتمام والدهشة بمقدار مفعولها الهائل، أذكر أنني انفجرت ضاحكا على أشياء تافهة وكأن أصابع تمتد إلي وتدغدغني، السيجارة الأولى لم تجد نفعاً أما الثانية فكانت القاضية والصادمة يضيف (ز. ش هندسة مدنية ) شعرت بالخدر يستولي على جسدي وعقلي، حاولت النطق لكن صوتي كان قد اعتقل، إحساس بالعطش الشديد اجتاحني، تناهت إلى سمعي أصوات قادمة من خلفي ثم اخترقت وجهي خيوط من الأنوار تحولت إلى حمى جعلتني أزحف إلى أقرب سرير متكورا على نفسي كالجنين.”
يقول الشاب :”الأمر الغريب والمزعج في التجربة أنني لم أشعر بالسعادة التي كنت أنشدها علاوة على عجزي الكامل عن التفكير والحركة وكأنني كنت أتعارك مع ذاتي، إنه أتعس شعور في حياتي ولن أكرره مرة ثانية.”
مستشفى ابن رشد والعجائب
لمتابعة الموضوع قمت بزيارة مستشفى ابن رشد بساحة (العباسيين) الواقعة تحت رصاص القنص وسقوط القذائف بأي لحظة. كان واضحاً أن وجودي كفتاة لم يكن موضع ترحيب من قبل مديرة هذا المصح الدكتورة أمل شكو، والتي استهجنت دخولي إلى هذا المكان المقتصر على الأطباء لكنني ادعيتُ بأنني أعمل على مشروع تخرّج حول عمل المستشفى ودوره في الوقت الراهن، وأحتاج لتزويدي ببعض المعلومات لإنهاء المشروع.
لم أكد انتهي من طرح سؤالي الأول حول عدد المرضى الحاليين المقيمين في المستشفى، حتى رمقتني الدكتورة (شكو) بنظرات ارتياب، وأجابتني بنبرة نزقة وعصبية وقالت: “عزيزتي لا أستطيع تزويدك بالعدد الحقيقي، كما أن العدد الحالي لعدد المدمنين هنا لا يعكس أبداً نسبة الإدمان الحقيقية في سورية.”
المستشفى الذي يعد قسم الإدمان فيه حديث العهد تم تأسيسه منذ عام 2003 بعد أن كان للأمراض السارية، وهو لا يستقبل المجرمين أو مرتكبي الجنايات، بل يقتصر على المدمنين الذين يرغبون بالعلاج بملء إرادتهم، وذلك بعد أن يوقّع المدمن ويبصم على ورقة للمكوث لمدة أسبوعين لا يخرج خلالها أبداً، وتُمنع عنه وسائل التواصل باستثناء هاتف المستشفى، ويكون من الضروري وجود كفيل للمريض من عائلته للتواصل معه في حال وقوع أي طارئ.
الدكتورة أمل شكو تحدثت وقالت: “إن ظروف الحرب واختلال الأمن في بعض المحافظات السورية؛ إلى جانب مشقات السفر وتكاليفها أسباب منعت قدوم المدمنين للعلاج على خلاف سنوات ما قبل الحرب.” هذا كان آخر سؤال أجابت عليه، وبعد ذلك طلبت مني لقاء أحد أطباء المستشفى ومغادرة الغرفة بحجة انشغالها ببعض الأعمال وضيق الوقت.
وفي محاولة لطيفة للتخلص مني والتهرب من أسئلتي الصحفية عرفتني (شكو) على الطبيب النفسي أيمن الحلاق الذي صادفته قبل دقائق من مقابلتها، طالبةً منه تزويدي بما أريد، لتجدد (شكو) استغرابها من وجودي. الحلاق الذي كان متعاوناً معي كشف أن عدد المرضى المقيمين وصل إلى 50 شخصاً، هذا الرقم انخفض كثيراً إذا ما قارناه قبل ست سنوات، وذلك بسبب ظروف الحرب والموقع الجغرافي غير الآمن للمستشفى المعرّض للقذائف التي مازالت آثارها ظاهرة على الجدران، ناهيك عن أصوات الرصاص المنبعثة من الجوار.
إدمان المستنشقات يطال أطفال سورية
(الحلاق) لفت إلى نوع آخر من الإدمان منتشر بين شريحة الأطفال السوريين، وهو إدمان المستنشقات كـ “لاصق الشعلة” التي تُستخدم في صناعة الأحذية وتباع في محال الإسكافية والبقاليات، ما يجعل توفيرها أمر سهل جداً، خاصة بالنسبة للمسحوقين اقتصادياً، كون هذه المادة رخيصة الثمن؛ وتكفي المدمن ليومٍ كامل: “كثيراً ما أشاهد الأطفال المُستنشقين لهذه المادة يفترشون شوارع دمشق كشارع 29 أيار ، وساحة المرجة وشارع العابد دون رقابة.”
يفسّر الدكتور حلاق تفشي هذه الظاهرة بين الأطفال واليافعين: “استنشاق هذه المادة يمنحهم شعوراً بالنشوة والسعادة، ويعوض الأطفال عن الحرمان العاطفي فيسبب إدماناً نفسياً وشعوراً دائماً بالحاجة إليها، كما أنها تصيب جسد الطفل بالنحول وتفقده الشهية على الطعام، وغالباً ما ترافقها علامات حول الفم إثر استنشاق المادة بكيس نايلون واحمرار في الأنف.”
وعن إدمان الأدوية المخدرة مثل الزولام و(الترامادول يوضح الطبيب المختص: “في البداية يتناولها المريض ليتمكن من النوم، وبعد فترة يصبح في حالة اعتياد عليها، حيث يسعى من خلالها لبلوغ النشوة، فيحاول من تلقاء نفسه زيادة الجرعات ما يسبب الإدمان، وهناك يستخدمها لعلاج الاكتئاب، كما يعمل الحشيش والكبتاغون على رفع المزاج لدى هؤلاء، أما الكوكايين فيرفع المزاج أيضا ويمنح شعوراً بالحيوية والنشاط وبالسعادة المؤقتة الرخيصة، ما يفسر إقبال السائقين على طرقات السفر الدولية عليها، فتبعد عنهم التعب والإرهاق، بينما يزود الهيرويين الإنسان بشعور السعادة المؤقتة والتثبيط والاسترخاء والهدوء والراحة دون النشوة.”
هرباً من الملاحقات الأمنية لا للعلاج
كشف أحمد زعويط مساعد نفسي في مستشفى ابن رشد (13 سنة خدمة ) أن 90% من المرضى في الظاهر يأتون لنية العلاج لكن في حقيقة الأمر مجيئهم ناجم عن عدة أسباب أبرزها الإفلاس، وعدم قدرة المدمن على شراء المخدرات وهناك من يتهرب من الملاحقات الأمنية باعتبار أن من يخضع للعلاج من تلقاء نفسه لا يلاحق أمنياً، وهناك من يتخذ من المستشفى مكاناً للنقاهة، ليستأنف فيما بعد إدمانه بعد خروجه منها.”
يكشف (زعويط) أن أغلب المدمنين هم من متعاطي الحبوب الدوائية المخدرة، والتي ازدهرت خلال الحرب، كإدمان (ترامادول) و(زولام) و(نيوترويلين) وهناك من يدمن نتيجة إصابة بالغة في الحرب أو خضوعه لعمليات جراحية قاسية، ومنهم من يقع ضحية غباء واستهتار أحد الأطباء الذي يقدّم له وصفة طبية بهذه الأدوية دون متابعة مثل (بروكسيمول) الذي عادة ما يكتبه أطباء الأسنان للمرضى كوصفة لتسكين الآلام، ناهيك عن قيام بعض الصيادلة عديمي الأخلاق ببيع هذه الحبوب بأسعار غالية دون وصفة طبية!
رئيسة دائرة المخدرات في وزارة الصحة السورية الدكتورة الصيدلانية ماجدة حمصي أوضحت بأن الدور المنوط بالدائرة؛ هو الموافقة على منح تراخيص استيراد المواد المخدّرة والنفسية والسلائف لمعامل الأدوية ومراقبة صرفها للأدوية لاحقاً: “هذه المواد الأولية تدخل في صناعة الأدوية المخدّرة التي هي تحت إشراف الهيئة الدولية لرقابة المخدرات، إذ لا يستطيع أي معمل شرائها من بلد المصدر وإدخالها إلى سورية، إلا بموجب رخصة تصدر من الشعبة بعد التأكد من عدم وجود إشكالية لإدخالها؛ إلا أنه مؤخراً صدر قرار جديد من معاون وزير الصحة هدى السيد بتكليف مديريات الصحة برقابة مستودعات الأدوية في المناطق التابعة لهذه المديريات، غير أن هذا الأمر يصعب تحقيقه في ظروف الأزمة الراهنة، ويهدد حياة الموظفين، وأحياناً أصحاب المعامل أنفسهم لا يستطيعون الوصول إلى معاملهم الواقعة في المناطق الساخنة كحلب على سبيل المثال.”
تشير القوانين الناظمة لافتتاح صيدلية في حي من الأحياء السورية إلى أنه يتوجب جلب دفتر نفسي من نقابة الصيادلة السورية المركزية؛ يُجبر بموجبه على عدم بيع أي دواء نفسي أو مخدّر إلا بموجب وصفة طبية، وفي حال بيعه عليه أن يسجل اسم المريض ورقمه الوطني والتاريخ والوصفة الطبية وعدد العلب التي تم شراؤها. تشرح لنا رئيسة دائرة المخدرات وتضيف: “لكن في ظل الأزمة يصعب ضبط جميع الصيدليات والاكتفاء برقابة البعض منها، خاصة الواقعة في دمشق، فلا نستطيع تغطية الصيدليات والمعامل الواقعة في المناطق الساخنة بفعل الظروف، فالدائرة تعمل بكامل طاقتها ووفق الإمكانيات المتاحة.”
مخدرات بأنواعها تباع في صيدليات دمشق وريفها
كشف مصدر لصالون سوريا (رفض ذكر اسمه) أن هناك قضايا عالقة في مجلس تأديب بنقابة الصيادلة منذ سبع سنوات ولغاية الآن لم يصدر أي قرار بحق الصيادلة المخالفين، وغالباً ما يتم حلحلة الأمور بالرشاوى ودفع الأموال. وقال المصدر ذاته إنه يوجد أكثر من صيدلية في العاصمة يديرها صيادلة يقومون ببيع حبوب مخدّرة بينها (الكبتاغون) بدون وصفة طبيب، وبناء على كلمة سر بين الصيدلي والزبائن.
أحد الصيادلة (لم يذكر اسمه أيضاً) ذكر أن ظاهرة بيع المواد المخدّرة قد تصل إلى بيع حبوب (الكبتاغون) وهي منتشرة في منطقة (جديدة عرطوز) بريف دمشق. مصدر في (إدارة مكافحة المخدرات) هو الآخر فضّل عدم ذكر اسمه قال إنه خلال عام 2017 تم ضبط 1719.575 كغ حشيش مخدر، و6.7 ملايين حبة كبتاغون، و1.2 مليون حبة دوائية نفسية، و612 كغ مواد أولية لصناعة المخدرات، إضافة إلى 12.6 كغ هيروين مخدر، و36 غرام كوكايين، و850 غراماً من الأمفيتامين، و1.70كغ مسحوق أوراق الحشيش.، و48 غراماً من الماريجوانا، و9 كغ مواد سائلة تدخل في تركيب وصناعة المخدرات، و30.65 كغ من مادة القنب الهندي.
ويضيف المصدر أن القانون رقم 2لسنة 1993 لمكافحة المخدرات ينص على الإعدام بالنسبة لجرائم زراعة وصناعة وتهريب المخدرات والاتجار بها، فيما يعفى المتعاطي من العقاب والملاحقة القانونية إذا قام بتسليم نفسه، أو من قِبل أحد ذويه لأحد مراكز المعالجة الحكومية على أن تكفل الدولة سريّة و مجانية العلاج.
يؤكد المصدر ذاته أن الدولة السورية قادرة على ضبط تهريب المخدرات في الأماكن الخاضعة لها، أما تلك القابعة تحت سيطرة المعارضة، فيصعب السيطرة عليها، حيث تنشط فيها عمليات الاتجار بالمخدرات؛ خاصة على الحدود المتاخمة لتركيا ولبنان؛ بالإضافة إلى مناطق ريف دمشق وحمص وأرياف حلب الشمالية و إدلب ودرعا.
عودة إلى ابن رشد
بعد أن فرغت من مقابلة كل الشخصيات آنفة الذكر؛ كان لابد لي أن أعود إلى مستشفى ابن رشد، لعل الحظ يحالفني وأظفر بحديث ودي قصير مع أحد نزلائه، وبالفعل تحقق الأمر، وذلك بعد أن تذرّعت لحراس المبنى بأنني أود الاستفسار عن الإجراءات والأوراق المطلوبة لتسجيل أخي في المصح.
ما أن دخلت حتى شاهدت رجلا يقف خارج غرفة الانتظار بادر بسؤالي عن حاجتي، فأخبرته أنني أرغب بلقاء أحد المرضى للاستفسار عن جودة الخدمات الطبية ومعاملة الأطباء ومدى نجاعة العلاج، فنادى أحد المرضى وبكلام مغمغم يستعصي على الفهم فأخبرني :”قصدت طبيب مختص بالأعصاب جراء إصابتي بأرق حرمني من النوم لثلاثة أيام متتالية، فأعطاني دواء لمدة شهرين ليساعدني على النوم، لكنني لم ألتزم بالمدة المحددة، وتناولته من تلقاء نفسي حتى الإدمان، فنصحني الطبيب بالقدوم إلى هنا للعلاج بالتزامن كي أتخلص من المادة المخدرة التي دخلت جسدي، لكنني أفكر بمراجعته لعلّه يعطيني دواءً يردع نفسي من أن تسوّل لها العودة إلى تناول الدواء مجدداً.”
“هددتُه بطلب الطلاق، فهذه هي فرصته الأخيرة للعلاج، بعد فشله في المرة الأولى منذ 3 سنوات”، تقول زوجة حسام وتتابع بلهجة يغلبها اليأس والإحباط: “تعرّض زوجي لحادث سير فظيع على أتوستراد المزة منذ خمس سنوات، أسفر عن ضرر كبير في قدمه، فخضع بسببها لاستخدام إبر (الترامادول) تحت إشراف الأطباء لكن يبدو أن الأمر أعجبه، فتحول إلى تناول الحبوب، مُستغلا تعاطف الصيادلة مع حالته الصحية”-أضافت الزوجة وهي ترمق زوجها المترنح خائر القوى: “الطبيب الخاص يكلف أجوراً لا طاقة لي عليها، كما أن الإرادة الهشة لزوجي بالعلاج ستسبب لي إحراجاً كبيراً، عدا عن تبديد المال والوقت.”
بالفعل عندما حان موعد المقابلة لم يستجب (حسام) لمحاولات زوجته بإنهاضه؛ مكتشفة أنه تناول خلسة حبة مخدّرة؛ محاولة بجهد جرّ جسده الثقيل إلى أقرب تاكسي ليقله إلى منزل عائلته.