بواسطة Talib Alkhayer | أبريل 9, 2018 | Cost of War, غير مصنف
قدرت الأمم المتحدة عدد المهجرين السوريين في داخل سوريا ب 6.5 مليون مهجر بحلول عام 2016. سنوات عديدة من الحرب الطاحنة دفعت الملايين لترك مناطقهم الواقعة تحت رحمة المعارك والسعي إلى الانتقال إلى المناطق الأكثر أمنا في الساحل السوري. بغض النظر عن الأسباب والظروف التي أسهمت في جعل الساحل أحد أكثر المناطق أمنا في بلد مزقته الحرب وهجرت أبناءه سلسلة لا تنتهي من الدمار والدماء، فهذا نقاش ليوم آخر.
غني عن البيان أن الغالبية العظمى من هؤلاء المهجرين ينتمون للطائفة السنية، حيثما تغلب الطائفة العلوية على الساحل و مدنه. ومثله أن الحرب السورية أصبحت ذات طابع طائفي لا ريبة فيه. هنا نرى أن هذه الحرب تدور رحاها بين معارضة سنية مدعومة من القوى الإقليمية السنية، و حكومة تديرها قلة من العلويين والتي تبنت دور حماية الأقليات رغم اعتمادها المتزايد على إيران-القوة الشيعية الوحيدة في المنطقة- والتي إليها ينسب العلويون رغم الاختلافات الثيولوجية المتجذرة.
لا ريب إذا أن اطلاق صفة الحرب الأهلية/الطائفية على الحرب السورية ليس بالخيال المحض ولا بالادعاء صعب الإثبات. هنا وقد أدركنا هذا فإنه من الضرورة إدراك المسببات، الظروف، والنتائج المنبثقة عن هذه الصبغة الطائفية، وهذا بدوره موضوع يطول نقاشه و تتشعب أفكاره.
ما يكفي أن يقال هنا، أن التعايش الطائفي في الساحل السوري هو حالة مثيرة للدهشة كما للتفاؤل، وهو بدوره أيضا مؤشر أن الطابع الطائفي للحرب ما هو إلا غطاء يخفي تلاعب الأطراف المختلفة للنزاع في عقول السوريين و ،بدرجة أكبر، إرادة الأطراف المتحاربة لتعبئة الطائفتين في هذا الخندق أو ذاك.
استقبلت مدن الساحل مئات الآلاف من المهجرين السنة في سنوات الحرب التي خلت، المدن نفسها التي يغلب عليها العلويون و المدن نفسها التي تشكل المنبع الرئيسي لقوات الحكومة السورية والتي بدورها ترسل لقتال المعارضة السنية في الشرق والجنوب. فكيف نفسر إذا الهدوء الملحوظ في مدن الساحل والتي لم تشهد أي اقتتال يذكر بين الطائفتين على أراضيها؟
هنالك روايتان رئيسيتان لتفسير هذه الظاهرة، واللتان يستخدمهما المهتمون بالشأن السوري. الأولى أن هذا التعايش ما هو إلا نتيجة لسيطرة النظام الكاملة على الساحل و فرضه النظام بالقوة. الثانية أن العلويين يؤمنون أن السنة القاطنين في الساحل، على عكس هؤلاء الذين اختاروا الحياة وراء الحدود، ما هم إلا “مؤيدون” للنظام وما كانوا ليسكنوا بين العلويين لو لم يكونو كذلك، و لذلك يعاملون بالحسنى.
لوجهتا النظر مسببات وجيهة تدعو للأخذ بهما، و لكنني هنا أنوي تبيان اعتقادي أن هنالك مسببا أكثر أهمية، وإن بدا مناقضا للاعتقاد الشائع، وهو أن النسيج الطائفي في سوريا ليس بالتهتك الذي نظنه.
نقاشي لهذا المفهوم يبدأ من تقدير القيمة الحقيقية لوجهتي النظر السابق ذكرهما أعلاه:
ليس هناك شك أن الحكومة السورية لا تزال ممسكة بزمام الأمور في الساحل السوري، وأن الأجهزة الأمنية و قوات الشرطة تبقى المهيمنة على الوضع الأمني على عكس المناطق الاكثر اضطرابا في الشرق والجنوب حيث يلعب الجيش و الميليشيات دورا رئيسيا في فرض السيطرة على المناطق التي زعزعت استقرارها عمليات القتال. ولكنه من الضرورة إدراك أن حاجز الخوف في الساحل لم يعد بالقوة التي كان عليها ما قبل آذار 2011. سكان الساحل أصبحوا أكثر ميلا لانتقاد أجهزة الدولة وتقصيرها في مختلف الأوجه، باستثناء بعض الخطوط الحمراء المعروفة جيدا. وجه آخر يعكس حقيقة أن الحكومة لا تتمتع بنفس القدر من السيطرة كالسابق، ألا وهو حقيقة ارتفاع معدلات الجريمة في السنوات الأخيرة، فالعصابات الإجرامية تقوم، وبشكل متكرر، بعمليات الخطف والقتل وسرقة السيارات. عمليات يقع ضحيتها الجميع بغض النظر عن الطائفة والانتماء. على العموم فإنه من المفيد إدراك أن الحكومة السورية لم تعد تطبق سيطرتها بالشكل الذي كان ما قبل الصراع. المثال الاكبر على ذلك ما حدث في عام 2015 عندما تظاهر المئات في حي الزراعة ذو الغالبية العلوية مطالبين بمحاكمة سليمان الأسد إثر قتل المذكور لضابط في الجيش، بدم بارد و أمام عائلته، جراء خلاف مروري. مظاهرة من هذا النوع كانت الأولى على الاطلاق، وإنها لتشكل تحولا جذريا و دليلا مهما على تقلص الخوف لدى علويي المدينة تجاه أي قمع أمني.
الرواية الثانية المعنية بتفسير هذا التعايش على أنه تفاهم طبيعي ناتج عن كون المهجرين السنة في الساحل مؤيدين للنظام بطبيعتهم ما يحتم قبولهم بين العلويين بدرجة أكبر. وجهة النظر هذه إنما هي لأبعد من الحقيقة من الرواية الأولى، فهي تتجاهل أن السنة المهجرين من مناطقهم الممزقة بالحرب لا يمتلكون العديد من الحلول البديلة لمآسيهم. فتركيا تفرض عليهم قيود اللغة ومعيشة أكثر تكلفة من الساحل، ناهيك عن القيود القانونية و البيروقراطية و العملية. الأردن هو الآخر ليس بالحل الأفضل رغم اللغة المشتركة والثقافة القريبة من تلك السورية. إن افتراض أن جميع الآلاف العديدين من المهجرين السنة ما هم إلا قد صوتوا بأقدامهم حينما قدموا إلى مناطق النظام ما هو إلا جهل بالواقع على الارض، استخفاف بالعقول، و سوء تقدير يعكس بعدا جذريا عن حيثيات الواقع اليوم الذي يعيشه السوريون. ما سبق بدوره يدركه علويو الساحل جيدا إذ لا يمكن لعاقل أن يؤمن أن العلويين مقتنعون بأن جيرانهم السنة ما تركوا مناطقهم إلا انطلاقا من قناعاتهم السياسية الإيجابية تجاه النظام. هذا بدوره لا ينكر أن هناك ربما نسبة لا بأس بها من المؤيدين السنة، سواء في الساحل أو خارجه، كما أن هناك معارضين علويين بنفس الدرجة.
بغض النظر عن مدى دقة الروايتين السابقتين أو تسيد أحدهما على الأخرى، فإنه يبدو واضحا أنهما ليستا بالكافيتين لتفسير التعايش الطائفي المثير للدهشة في الساحل. هنا يمكن القول بأن التفسير الثالث والعامل المكمل إنما هو قناعة متجذرة لدى أفراد الطائفتين بضرورة قبول العيش المشترك:
هذه القناعة تشكل العامل الثالث الذي لا يقل تأثيرا عن العاملين الآخرين، وهو مكمل لهذين العاملين إذ يملأ الفراغ الذي تفشل هذان النظريتان في ملئه. القناعة هنا هي إيمان غير ملموس بأن الحرب السورية أصبحت حرباً بالوكالة تخوضها دول إقليمية و قوى عالمية على الأراضي السورية، حرباً أصبحت طوائف سورية باختلافها وقودا و مطية لها. ويرى العلويون أن السنة في مناطقهم لم يأتوا إلا سعيا لحياة آمنة و مستقرة، أما السنة المصرون على قتال النظام فالبقاء في مناطق المعارضة هو خيارهم الوحيد.
سكان الساحل، سنة هم أم علويين، هم خير مثال على أن النسيج الاجتماعي السوري لا زال قابلا للشفاء والتعافي من سنين طويلة من التعبئة الطائفية و المجازر الوحشية. ما سبق يشكل مفهوما مرشدا شديد الأهمية عند اعتبار أي عملية إعادة بناء أو عدالة انتقالية. كل ما ينقص هو حكم القانون و توقف العنف، ولعلنا هنا نحلم بالكثير في هذه المرحلة، للأسف.
بواسطة الحسناء عدرا | أبريل 9, 2018 | News, غير مصنف
“يحدث الأمر بسرعة خاطفة، تدخل عالم الجنون، خواء شاسع يحيط بك ويشدّك إلى القاع محاولا الظفر بسعادة مؤقتة مدفوعة الأجر، كل ذلك بسبب شبق التجربة والتوق للغرابة”، هكذا وصف (أسامة 24 عاما) تجربته مع الحشيش، مضيفاً: “نحن كشرقيين الميزة الوحيدة التي نمتلكها هي العبثية، نحن نعشق تجربة الأشياء الغريبة.”
بشهية مطلقة للبوح تحدث الشاب العشريني (هندسة مدنية) عن تجربته الأولى مع تعاطي الحشيش منذ عامين في منزل أحد أصدقائه الذي دعاه لتذوق (الكيف) محضّراً المادة دون عناء يذكر؛ فلاقى العرض استحساناً منه. أضاف:”يتوفر الحشيش بسهولة فائقة وعندما تحاول ترتيب الأمر يتأمن بسرعة كبيرة.”
يتابع (أسامة) قائلاً :”أن الأشخاص ذوو الملكات العقلية تروق لهم المادة لما تمنحه من قدرات هائلة في تحليل الأمور وعمقاً أكبر في التفكير وتركيزاً مضاعفاً لا يلبث أن يتبخر مفعوله بعد عدة ساعات، ليقعوا في نهاية المطاف في فخ القدرات المزيفة. إن الأمر أشبه بالتورط في مديح نفسك أمام، إذ تقع في حفرة الأنا وينتابك شعور بالزهوّ والعظمة كلما انهال عليك تصفيق أصدقاء “الكيف” الذي يستعر مع كل جرعة إضافية، لكنني في واقع الأمر لم أكن أدري أنني كنت أعوم في أحشاء الوهم منسلخاً عن ذاتي ومنفصلاً عن الواقع.”
“افتعلتُ المشاكل مع أهلي وفشلتُ في الجامعة، فأكثرتُ من تدخين الحشيش الذي أثار قدرتي على ممارسة هوايتي المفضلة (الرسم). لقد حرّضني (الحشيش) على ابتكار أنواع جميلة من الخطوط لم أعرفها من قبل. تركتُ المنزل بعد مشاحنات عنيفة مع عائلتي، واستأجرتُ مع صديقي مرسماً في جرمانا كان يسكنه شاب اعتاد تأمين الحشيش لنا لكنه سافر إلى ألمانيا؛ غير أنه ترك لنا عنوان الموزع، فبدأنا باستقطاب الأصدقاء والتعاطي سوية؛ لتنهال علينا المشاكل بعدها، فأصبحنا مدينين للبقال واللحام والمتاجر وخسرنا عملنا، لكنها الحرب تفعل بنا الكثير.”
يستطرد الشاب: “في إحدى المرات زارني صديقي القديم إلى المرسم وحاول إخراجي من هذا الجو المقيت؛ فأقنعني بالعودة إلى منزل عائلتي في السويداء، وهناك استمريتُ أيضاً بتدخين الحشيش مع رفيق لي لمدة 3 أشهر، لأنتقل بعدها إلى مرحلة جديدة وهي تجربة حبوب الكبتاغون التي كانت متاحة بكثرة وبسعر زهيد؛ إذ لا تستطيع تخيل حجم الأفكار القذرة التي داهمتني عندما كنت (أحشش) ولاحقاً كنت أمارس أساليب شيطانية مع الفتيات لاستدراجهن عبر إرسال طلبات صداقة من خلال الفيسبوك لإقامة علاقات جنسية معهن وإشباع متعتي، ولأثبت لنفسي أنني قادر على الحصول على أي شيٍ أريده، كما وصل الأمر بي إلى محاولة جر أختي الصغرى إلى تجربة الحشيش!”
الحشيش هدية الله في الحرب
“دخلت في نوبة ضحك هائجة ونشوة عارمة… أحببتُ ذلك الشعور الذي التهم جسدي فقررت تجربتها على الدوام”، هذا ما قاله هادي (اسم مستعار) واصفاً تجربته الأولى مع الحشيش الذي تعرف عليه عام 2014 في سنته الأخيرة من دراسته لإدارة الأعمال في الجامعة الأوروبية. يتابع: ” كانت السيجارة تساعدني على التركيز من أجل التخرّج وتجاوز امتحانات العام الأخير تحت وابل من القصف والقذائف، حالي كحال أغلبية الطلاب الذين يفعلون الأمر ذاته في هذه الأوقات.”
يعتبر (هادي) الذي هاجر مؤخراً خارج سورية أن “الحشيش هدية من الله” ولا يعتبر الإدمان عليه مرضاً يستوجب العلاج على خلاف المواد الكيماوية كالكبتاغون التي تقود الإنسان إلى التهلكة، لكن الشاب يحمّل الحرب مسؤولية توجه جزء كبير من الشباب السوري إلى تعاطي المخدرات، ودخولهم عوالم التبنيج، فهي كما يقول “أصبحت المهرب الوحيد للاسترخاء ولو لساعة واحدة، ألوم الحرب لأننا كشباب يجب علينا أن نتابع دراستنا ونتخرج ونحقق أحلامنا ولكي ننسى همومنا ومآلات الحرب وأوجاعها”، وعن ثمنها يقول: “السعر يختلف بحسب مزاج تصريف الدولار، وكذلك وفقاً للمكان، فثمنها في مدينة اللاذقية يختلف عنه في العاصمة دمشق.”
المخدرات موضة كرستها سنوات الحرب السبع
يرى (حسام 24 عاماً) أن ظاهرة إدمان الشباب على الحشيش والكبتاغون والأدوية المخدّرة “ما هي إلا موضة كرّستها الحرب الدائرة في سورية، والتي أدت إلى تراخي قبضة الدولة في مراقبة المهرّبين والمتعاطين وإيلاء الأولوية لمكافحة الإرهاب ومحاربة المجموعات المتطرفة” مضيفاً: “بالتالي تراجعت رقابتها على هذه القضايا ولم تعد كما كانت قبل الحرب.”
يضيف حسام(هندسة اتصالات): “إن تفشي الرشى في مفاصل حكومية ساهم على نحو كبير بانتشار هذه الظاهرة لاسيما في ظل تراجع الدور الرقابي للدولة السورية بسبب يكفي أن تكون عسكرياً لتصبح المادة في متناول يدك دون رقيب وحسيب”، مبرراً الأمر بأهوال الحرب التي طال أمدها والمصير المجهول للمقاتلين على الجبهات وظروفهم. جميعها عوامل تدفعهم إلى البحث عن شيء يبعث لأنفسهم الراحة كالحشيش والكبتاغون وغيرها.
حسام كان تواقاً لتجربة الحشيش التي سمع عنها الكثير من أصدقائه ولا يمانع تجربتها بين الحين والآخر لكن بكميات دقيقة وغير مبالغ فيها، يعقب: “لا أمانع من تجربة الكبتاغون لمرة واحدة فقط في حياتي بداعي الفضول الذي كان وراء تجربتي الأولى، لكن الإمكانية المادية تلعب دوراً مهماً في استهلاك الحشيش، مادة الحشيش أو الكبتاغون صارت غالية بالنسبة لي، كوني لا أعمل، فلا أستطيع تحمل تكاليفها، إذ يصل ثمن الأوقية من الحشيش إلى (8000 آلاف ليرة 13 دولاراً أمريكياً تقريباً) وهذه لا تكفيني لمدة أسبوع، إنها تجارة مربحة للتجار وتدر عليهم ثروة هائلة.”
الحشيش كغيره من التجارات يقتضي وجود الموزع الذي بدوره يتعامل مع وسيط آخر خارج البلاد (الجهة المستوردة) يزوده بالمادة المطلوبة، بحسب الشاب الذي يضيف :”وقد يكون الأول شخصاً أو عدة أشخاص لا يعرفون بعضهم، كما يمكن أن يكون الموزع سائق سيارة أجرة يعمل على خط بيروت، ولديه علاقاته الخاصة مع عناصر في الجمارك فيسهل عليه التحرك بحرية مطلقة، وعادةً ما يتعامل الموزّع مع زبائن محددين ودائمين بشكلٍ مباشر متوخياً الحذر والحيطة إن لم يكن ذا نفوذ وله علاقاته الواسعة، بينما يعمل بشكل مكشوف ومعلن حين يكون له “دهاليز” مع جهات أمنية، مما يسهل عليه إدخال المواد بدون أن يسائله أحد.”
“stuff” بذرة من نبات القنب الهندي تأتي أحياناً مطبوخة، وتوضع داخل ورقة قصدير، وتغلق بإحكام ثم توضع في ماء مغلي، وبهذه الطريقة تترك أثراً مضاعفاً من السعادة والنشوة لدرجة الهلوسة، كما يشرح (حسام) متابعاً: “هذه الحرب أفرزت مصطلحاتها الخاصة فيما يتعلق بهذه الظاهرة ككلمة (عساكر) التي تعني أن المادة (الحشيش) جيدة، فيما تعني كلمة “ضباط” أن المادة ممتازة!”
التقيت بجاد (اسم مستعار) وآثار (الكبتاغون) من ليلة أمس مازالت تطفح على جسده ووجه ومزاجه العالي، قال:”في بداية الأمر كنت أرفض دعوات أصدقائي الملحة لتجربة الحشيش وشقيقاته من (وسائل البسط) إلى أن نال مني الفضول واستدرجني إلى مفعوله الآسر، حتى أضحت السيجارة لا تفارقني في كل السهرات والحفلات.” تسع سنوات من الخبرة في الحشيش وتوابعه كانت كفيلة للشاب العشريني أن يدرك طقوس هذه المادة وخواصها: “أهم ما في هذه المادة الخضراء هو فهم ماهيتها وكنهها واستيعابها على نحو صحيح، وذلك للحصول على أثرها المنشود، فالحالة النفسية تتدخل في خلق الأثر الفعّال، فإذا تم تدخينها في مزاج سيء وكئيب، فإن مفعولها حتماً سيكون سلبياً ومؤذياً، بل سيفاقم من حِدّة تلك المشاعر، والعكس صحيح.”
الحشيش يمتد إلى جبهات القتال
يعود الشاب بالذاكرة إلى قبل أربع سنوات عندما تطوّع في قوات (الدفاع الوطني) مستذكراً أنه دخّن (الحشيش) مرات قليلة مع رفاق محددين في أحد أماكن خدمته، لافتاً إلى توجّه العديد من الجنود إلى تعاطي مواد مخدّرة، وذلك لمنحهم الطاقة والقوة والقدرة على مواصلة القتال لأيام متواصلة ضد المسلحين الذين بالمقابل يتعاطون حبوب هلوسة وطاقة مفرطة، لكن وبعد أن تم تسريحه من الخدمة إثر إصابة بليغة في يده أدت إلى إحداث شلل في عصب اليد، اضطر (خالد) خلالها إلى علاجها لمدة عام كامل، دفعته إلى التحول إلى ابتلاع حبوب (الزولام/ zolam) و(الترامادول / tramadol) والتي أمست ترافقه في جيبه على الدوام. يسرد الشاب الذي يعمل كساقي كحول في أحد بارات باب توما: “لا أتمنى أن أبتلع هذه الحبوب، لكنني مضطر لذلك كونها صارت المصدر الوحيد لدي للمتعة والسعادة التي لا أجدها في الأوقات الطبيعية، حاولت قدر المستطاع السيطرة على نفسي وأخذ الأقراص بصورة غير منتظمة تجنباً للوقوع في حفرة الإدمان، لكن الحشيش والحبوب المخدرة قد أتلفت خلايا دماغي، وأضعفت من ذاكرتي؛ فأبناء جيلي شاخوا قبل الأوان، والحرب مازلت تربي الأفاعي في صدورنا ودمنا.”
حي القشلة والجامعات مرتعاً للمدمنين
حديقة القشلة (دمشق القديمة) أمست مرتعاً اليوم لمعشر الحشاشين ذكوراً وإناثاً ولمتعاطي حبوب الهلوسة بمختلف أنواعها وبشكل مزعج وغير منضبط بسبب ما أفرزته الحرب السورية من أزمات نفسية ومشوهي حرب، كما أن الجامعات أصبحت مدخلاً للتعرّف على وسائل الكيف كما يخبرنا (تيم طالب في كلية الآداب بدمشق) معتبراً “أن الحكومة السورية لا يتوجب عليها معاقبة المدمنين بل علاجهم وإعادة تأهيلهم.”
يحلم (تيم) كغيره من أبناء جيله بالسفر خارج سورية، ولو بأي طريقة كانت للهرب من نظرات المجتمع المستهجنة لمظهره الخارجي المتمرد على الطاعة الاجتماعية ولطبيعة عمله وأسلوب حياته مفصحاً عن رغبته بتجربة الماريجوانا الممتازة التي تختلف عن المواد الرديئة (الزبالة التي تباع داخل سورية) كما يصفها مؤكداً: “سأظل طول حياتي أدخّن الحشيش وأتعاطى حبوب الهلوسة كي أنسى ما يحدث في بلادي من خراب وقتل ودماء.”
(سهيل 26 عاماً) يحتج هو الآخر على نظرة المجتمع المسيئة للحشاشين: “نحن لسنا بالضرورة غير أسوياء، أو منعدمي الخُلق، بل هناك العديد منا لطفاء وطيبون، على خلاف أولئك الذين يتعاطون المخدرات وحبوب (الزولام) و(الترامادول) والتي غالباً ما يكون الإقلاع عنها صعباً للغاية، ناهيك عن فعلها المدمّر الذي يصيب الجملة العصبية بعد برهة من الزمن.”
قرر سهيل الذي يحضر رسالة (ماجستير تجارة واقتصاد بجامعة دمشق) المجازفة وتجريب تلك المادة التي تحيط بها هالة اجتماعية لا يجب المساس بها أو حتى الاقتراب منها؛ رغبة منه بتجاوز ما أسماه (الخطوط الحمراء). يقول: “جربتُ الحشيش للمرة الأولى منذ قرابة سنتين عندما كنت أدرس في منزل استأجرته بمدينة جرمانا مع أصدقائي. كان أحدهم شاب أثق به وعلى درجة عالية من الأخلاق، إذ رأيته يدخن الحشيش كي ينسى صوت الطائرات والقذائف، فجذبتني رائحة الدخان المنبعثة من السيجارة. وقتها اقترح عليّ أن أجرّبها، لكنها لم تعجبني كوني غير مدخن، فاقترح عليّ تجربتها عبر النرجيلة في المرة القادمة، فوافقت وراقت لي وأصبحتُ أدخّنها مع أصدقائي بين الحين والآخر.”
التغلب على هالة الرعب التي تحيط بالمخدرات بأنواعها كافةً هي أحد أسباب خوضي للتجربة يتابع سهيل: “الأبحاث العلمية صنفت الحشيش كمادة طبية، الأمر الذي طمأنني نوعاً ما، عدا عن إصراري على اختبار المادة والمقارنة بين أفكار المجتمع السائدة ونظرتي الشخصية تجاهها، لكنني لا أنكر أنها منحتني شعوراً بالاسترخاء والراحة و(الزهزهة) حتى التخمة. إنه أفضل شعور على الإطلاق ويجعلكِ تنسين صوت القصف والقذائف وصور من ماتوا في التفجيرات.”
التحشيش والإبداع
اللذة عدوها الأول الإشباع، فالمغالاة بتعاطي الحشيش سيؤدي إلى فقدان المتعة واللذة المنشودة”، يتحدث (طوني- 24 عاماً) ويتابع: “المواد الكيماوية بالرغم من مخاطرها، تحمل جانباً إيجابياً، إذ تخلق حالة من الصفاء الذهني حسب زعمه لكن هذا يتوقف على طبيعة الأشخاص المدخنين فالسيجارة عندها إما تصير عنصراً مثيراً ومحرضاً لعملية الخلق والابتكار كفعل الكتابة على سبيل المثال، أو تتحول إلى إدمان وكسل ونوم متواصل.”
بونات نفسية!
“يجب على كل شخص منا أن يكون لديه دفتر بونات خاص بالمنومات ومضادات الاكتئاب ونوبات الزعل المفاجئة يحصل بمقتضاها كل بالغ راشد عاقل (أشك بالأخيرة أي عاقل) على حصته اليومية من هذه الحبوب المباركة.”
يوضح أحد الشبان المدمنين على الحبوب المسكنة لم يذكر اسمه: “يكون دفتر بونات عادي يعني على شاكلة بونات السكر والرز قديما، كما يحكى أنه كان يوجد بون للتبغ من بين البونات التي يمتلكها الشعب في حقبة الثمانينات، لمن يذكرها كانت ملونة بالأخضر والنهدي والأزرق وعوض الرز والسكر وبقية هذه الكماليات يأتي الفاليوم والبالتان واللوكستان والزولام وكل أنواع المسكنات المركزية التي تجعل هذه الحياة القاحلة… محتملة ولو قليلا.”
“أتعس شعور في حياتي“
“كنت أسهر مع أصدقائي وعندما حان دوري لاستنشاقها لم تكن رائحتها الشبيهة بالزهورات مثيرة للاهتمام والدهشة بمقدار مفعولها الهائل، أذكر أنني انفجرت ضاحكا على أشياء تافهة وكأن أصابع تمتد إلي وتدغدغني، السيجارة الأولى لم تجد نفعاً أما الثانية فكانت القاضية والصادمة يضيف (ز. ش هندسة مدنية ) شعرت بالخدر يستولي على جسدي وعقلي، حاولت النطق لكن صوتي كان قد اعتقل، إحساس بالعطش الشديد اجتاحني، تناهت إلى سمعي أصوات قادمة من خلفي ثم اخترقت وجهي خيوط من الأنوار تحولت إلى حمى جعلتني أزحف إلى أقرب سرير متكورا على نفسي كالجنين.”
يقول الشاب :”الأمر الغريب والمزعج في التجربة أنني لم أشعر بالسعادة التي كنت أنشدها علاوة على عجزي الكامل عن التفكير والحركة وكأنني كنت أتعارك مع ذاتي، إنه أتعس شعور في حياتي ولن أكرره مرة ثانية.”
مستشفى ابن رشد والعجائب
لمتابعة الموضوع قمت بزيارة مستشفى ابن رشد بساحة (العباسيين) الواقعة تحت رصاص القنص وسقوط القذائف بأي لحظة. كان واضحاً أن وجودي كفتاة لم يكن موضع ترحيب من قبل مديرة هذا المصح الدكتورة أمل شكو، والتي استهجنت دخولي إلى هذا المكان المقتصر على الأطباء لكنني ادعيتُ بأنني أعمل على مشروع تخرّج حول عمل المستشفى ودوره في الوقت الراهن، وأحتاج لتزويدي ببعض المعلومات لإنهاء المشروع.
لم أكد انتهي من طرح سؤالي الأول حول عدد المرضى الحاليين المقيمين في المستشفى، حتى رمقتني الدكتورة (شكو) بنظرات ارتياب، وأجابتني بنبرة نزقة وعصبية وقالت: “عزيزتي لا أستطيع تزويدك بالعدد الحقيقي، كما أن العدد الحالي لعدد المدمنين هنا لا يعكس أبداً نسبة الإدمان الحقيقية في سورية.”
المستشفى الذي يعد قسم الإدمان فيه حديث العهد تم تأسيسه منذ عام 2003 بعد أن كان للأمراض السارية، وهو لا يستقبل المجرمين أو مرتكبي الجنايات، بل يقتصر على المدمنين الذين يرغبون بالعلاج بملء إرادتهم، وذلك بعد أن يوقّع المدمن ويبصم على ورقة للمكوث لمدة أسبوعين لا يخرج خلالها أبداً، وتُمنع عنه وسائل التواصل باستثناء هاتف المستشفى، ويكون من الضروري وجود كفيل للمريض من عائلته للتواصل معه في حال وقوع أي طارئ.
الدكتورة أمل شكو تحدثت وقالت: “إن ظروف الحرب واختلال الأمن في بعض المحافظات السورية؛ إلى جانب مشقات السفر وتكاليفها أسباب منعت قدوم المدمنين للعلاج على خلاف سنوات ما قبل الحرب.” هذا كان آخر سؤال أجابت عليه، وبعد ذلك طلبت مني لقاء أحد أطباء المستشفى ومغادرة الغرفة بحجة انشغالها ببعض الأعمال وضيق الوقت.
وفي محاولة لطيفة للتخلص مني والتهرب من أسئلتي الصحفية عرفتني (شكو) على الطبيب النفسي أيمن الحلاق الذي صادفته قبل دقائق من مقابلتها، طالبةً منه تزويدي بما أريد، لتجدد (شكو) استغرابها من وجودي. الحلاق الذي كان متعاوناً معي كشف أن عدد المرضى المقيمين وصل إلى 50 شخصاً، هذا الرقم انخفض كثيراً إذا ما قارناه قبل ست سنوات، وذلك بسبب ظروف الحرب والموقع الجغرافي غير الآمن للمستشفى المعرّض للقذائف التي مازالت آثارها ظاهرة على الجدران، ناهيك عن أصوات الرصاص المنبعثة من الجوار.
إدمان المستنشقات يطال أطفال سورية
(الحلاق) لفت إلى نوع آخر من الإدمان منتشر بين شريحة الأطفال السوريين، وهو إدمان المستنشقات كـ “لاصق الشعلة” التي تُستخدم في صناعة الأحذية وتباع في محال الإسكافية والبقاليات، ما يجعل توفيرها أمر سهل جداً، خاصة بالنسبة للمسحوقين اقتصادياً، كون هذه المادة رخيصة الثمن؛ وتكفي المدمن ليومٍ كامل: “كثيراً ما أشاهد الأطفال المُستنشقين لهذه المادة يفترشون شوارع دمشق كشارع 29 أيار ، وساحة المرجة وشارع العابد دون رقابة.”
يفسّر الدكتور حلاق تفشي هذه الظاهرة بين الأطفال واليافعين: “استنشاق هذه المادة يمنحهم شعوراً بالنشوة والسعادة، ويعوض الأطفال عن الحرمان العاطفي فيسبب إدماناً نفسياً وشعوراً دائماً بالحاجة إليها، كما أنها تصيب جسد الطفل بالنحول وتفقده الشهية على الطعام، وغالباً ما ترافقها علامات حول الفم إثر استنشاق المادة بكيس نايلون واحمرار في الأنف.”
وعن إدمان الأدوية المخدرة مثل الزولام و(الترامادول يوضح الطبيب المختص: “في البداية يتناولها المريض ليتمكن من النوم، وبعد فترة يصبح في حالة اعتياد عليها، حيث يسعى من خلالها لبلوغ النشوة، فيحاول من تلقاء نفسه زيادة الجرعات ما يسبب الإدمان، وهناك يستخدمها لعلاج الاكتئاب، كما يعمل الحشيش والكبتاغون على رفع المزاج لدى هؤلاء، أما الكوكايين فيرفع المزاج أيضا ويمنح شعوراً بالحيوية والنشاط وبالسعادة المؤقتة الرخيصة، ما يفسر إقبال السائقين على طرقات السفر الدولية عليها، فتبعد عنهم التعب والإرهاق، بينما يزود الهيرويين الإنسان بشعور السعادة المؤقتة والتثبيط والاسترخاء والهدوء والراحة دون النشوة.”
هرباً من الملاحقات الأمنية لا للعلاج
كشف أحمد زعويط مساعد نفسي في مستشفى ابن رشد (13 سنة خدمة ) أن 90% من المرضى في الظاهر يأتون لنية العلاج لكن في حقيقة الأمر مجيئهم ناجم عن عدة أسباب أبرزها الإفلاس، وعدم قدرة المدمن على شراء المخدرات وهناك من يتهرب من الملاحقات الأمنية باعتبار أن من يخضع للعلاج من تلقاء نفسه لا يلاحق أمنياً، وهناك من يتخذ من المستشفى مكاناً للنقاهة، ليستأنف فيما بعد إدمانه بعد خروجه منها.”
يكشف (زعويط) أن أغلب المدمنين هم من متعاطي الحبوب الدوائية المخدرة، والتي ازدهرت خلال الحرب، كإدمان (ترامادول) و(زولام) و(نيوترويلين) وهناك من يدمن نتيجة إصابة بالغة في الحرب أو خضوعه لعمليات جراحية قاسية، ومنهم من يقع ضحية غباء واستهتار أحد الأطباء الذي يقدّم له وصفة طبية بهذه الأدوية دون متابعة مثل (بروكسيمول) الذي عادة ما يكتبه أطباء الأسنان للمرضى كوصفة لتسكين الآلام، ناهيك عن قيام بعض الصيادلة عديمي الأخلاق ببيع هذه الحبوب بأسعار غالية دون وصفة طبية!
رئيسة دائرة المخدرات في وزارة الصحة السورية الدكتورة الصيدلانية ماجدة حمصي أوضحت بأن الدور المنوط بالدائرة؛ هو الموافقة على منح تراخيص استيراد المواد المخدّرة والنفسية والسلائف لمعامل الأدوية ومراقبة صرفها للأدوية لاحقاً: “هذه المواد الأولية تدخل في صناعة الأدوية المخدّرة التي هي تحت إشراف الهيئة الدولية لرقابة المخدرات، إذ لا يستطيع أي معمل شرائها من بلد المصدر وإدخالها إلى سورية، إلا بموجب رخصة تصدر من الشعبة بعد التأكد من عدم وجود إشكالية لإدخالها؛ إلا أنه مؤخراً صدر قرار جديد من معاون وزير الصحة هدى السيد بتكليف مديريات الصحة برقابة مستودعات الأدوية في المناطق التابعة لهذه المديريات، غير أن هذا الأمر يصعب تحقيقه في ظروف الأزمة الراهنة، ويهدد حياة الموظفين، وأحياناً أصحاب المعامل أنفسهم لا يستطيعون الوصول إلى معاملهم الواقعة في المناطق الساخنة كحلب على سبيل المثال.”
تشير القوانين الناظمة لافتتاح صيدلية في حي من الأحياء السورية إلى أنه يتوجب جلب دفتر نفسي من نقابة الصيادلة السورية المركزية؛ يُجبر بموجبه على عدم بيع أي دواء نفسي أو مخدّر إلا بموجب وصفة طبية، وفي حال بيعه عليه أن يسجل اسم المريض ورقمه الوطني والتاريخ والوصفة الطبية وعدد العلب التي تم شراؤها. تشرح لنا رئيسة دائرة المخدرات وتضيف: “لكن في ظل الأزمة يصعب ضبط جميع الصيدليات والاكتفاء برقابة البعض منها، خاصة الواقعة في دمشق، فلا نستطيع تغطية الصيدليات والمعامل الواقعة في المناطق الساخنة بفعل الظروف، فالدائرة تعمل بكامل طاقتها ووفق الإمكانيات المتاحة.”
مخدرات بأنواعها تباع في صيدليات دمشق وريفها
كشف مصدر لصالون سوريا (رفض ذكر اسمه) أن هناك قضايا عالقة في مجلس تأديب بنقابة الصيادلة منذ سبع سنوات ولغاية الآن لم يصدر أي قرار بحق الصيادلة المخالفين، وغالباً ما يتم حلحلة الأمور بالرشاوى ودفع الأموال. وقال المصدر ذاته إنه يوجد أكثر من صيدلية في العاصمة يديرها صيادلة يقومون ببيع حبوب مخدّرة بينها (الكبتاغون) بدون وصفة طبيب، وبناء على كلمة سر بين الصيدلي والزبائن.
أحد الصيادلة (لم يذكر اسمه أيضاً) ذكر أن ظاهرة بيع المواد المخدّرة قد تصل إلى بيع حبوب (الكبتاغون) وهي منتشرة في منطقة (جديدة عرطوز) بريف دمشق. مصدر في (إدارة مكافحة المخدرات) هو الآخر فضّل عدم ذكر اسمه قال إنه خلال عام 2017 تم ضبط 1719.575 كغ حشيش مخدر، و6.7 ملايين حبة كبتاغون، و1.2 مليون حبة دوائية نفسية، و612 كغ مواد أولية لصناعة المخدرات، إضافة إلى 12.6 كغ هيروين مخدر، و36 غرام كوكايين، و850 غراماً من الأمفيتامين، و1.70كغ مسحوق أوراق الحشيش.، و48 غراماً من الماريجوانا، و9 كغ مواد سائلة تدخل في تركيب وصناعة المخدرات، و30.65 كغ من مادة القنب الهندي.
ويضيف المصدر أن القانون رقم 2لسنة 1993 لمكافحة المخدرات ينص على الإعدام بالنسبة لجرائم زراعة وصناعة وتهريب المخدرات والاتجار بها، فيما يعفى المتعاطي من العقاب والملاحقة القانونية إذا قام بتسليم نفسه، أو من قِبل أحد ذويه لأحد مراكز المعالجة الحكومية على أن تكفل الدولة سريّة و مجانية العلاج.
يؤكد المصدر ذاته أن الدولة السورية قادرة على ضبط تهريب المخدرات في الأماكن الخاضعة لها، أما تلك القابعة تحت سيطرة المعارضة، فيصعب السيطرة عليها، حيث تنشط فيها عمليات الاتجار بالمخدرات؛ خاصة على الحدود المتاخمة لتركيا ولبنان؛ بالإضافة إلى مناطق ريف دمشق وحمص وأرياف حلب الشمالية و إدلب ودرعا.
عودة إلى ابن رشد
بعد أن فرغت من مقابلة كل الشخصيات آنفة الذكر؛ كان لابد لي أن أعود إلى مستشفى ابن رشد، لعل الحظ يحالفني وأظفر بحديث ودي قصير مع أحد نزلائه، وبالفعل تحقق الأمر، وذلك بعد أن تذرّعت لحراس المبنى بأنني أود الاستفسار عن الإجراءات والأوراق المطلوبة لتسجيل أخي في المصح.
ما أن دخلت حتى شاهدت رجلا يقف خارج غرفة الانتظار بادر بسؤالي عن حاجتي، فأخبرته أنني أرغب بلقاء أحد المرضى للاستفسار عن جودة الخدمات الطبية ومعاملة الأطباء ومدى نجاعة العلاج، فنادى أحد المرضى وبكلام مغمغم يستعصي على الفهم فأخبرني :”قصدت طبيب مختص بالأعصاب جراء إصابتي بأرق حرمني من النوم لثلاثة أيام متتالية، فأعطاني دواء لمدة شهرين ليساعدني على النوم، لكنني لم ألتزم بالمدة المحددة، وتناولته من تلقاء نفسي حتى الإدمان، فنصحني الطبيب بالقدوم إلى هنا للعلاج بالتزامن كي أتخلص من المادة المخدرة التي دخلت جسدي، لكنني أفكر بمراجعته لعلّه يعطيني دواءً يردع نفسي من أن تسوّل لها العودة إلى تناول الدواء مجدداً.”
“هددتُه بطلب الطلاق، فهذه هي فرصته الأخيرة للعلاج، بعد فشله في المرة الأولى منذ 3 سنوات”، تقول زوجة حسام وتتابع بلهجة يغلبها اليأس والإحباط: “تعرّض زوجي لحادث سير فظيع على أتوستراد المزة منذ خمس سنوات، أسفر عن ضرر كبير في قدمه، فخضع بسببها لاستخدام إبر (الترامادول) تحت إشراف الأطباء لكن يبدو أن الأمر أعجبه، فتحول إلى تناول الحبوب، مُستغلا تعاطف الصيادلة مع حالته الصحية”-أضافت الزوجة وهي ترمق زوجها المترنح خائر القوى: “الطبيب الخاص يكلف أجوراً لا طاقة لي عليها، كما أن الإرادة الهشة لزوجي بالعلاج ستسبب لي إحراجاً كبيراً، عدا عن تبديد المال والوقت.”
بالفعل عندما حان موعد المقابلة لم يستجب (حسام) لمحاولات زوجته بإنهاضه؛ مكتشفة أنه تناول خلسة حبة مخدّرة؛ محاولة بجهد جرّ جسده الثقيل إلى أقرب تاكسي ليقله إلى منزل عائلته.
بواسطة Syria in a Week Editors | أبريل 9, 2018 | Media Roundups, Syria in a Week, غير مصنف
“الكيماوي” مجددا
٨ نيسان/ابريل ٢٠١٨
توعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب المسؤولين عن “الهجوم الكيماوي المتهور” على دوما في غوطة دمشق بدفع “ثمن باهظ”. وقال ترامب في تغريدات على “تويتر” الاحد إن “الرئيس (فلاديمير) بوتين وروسيا وايران مسؤولون عن دعم (بشار) الأسد. سيكون الثمن باهظا.”
وقتل مئة مدني على الأقل ليل الجمعة – الأحد عندما استأنف النظام شن غارات جوية على مدينة دوما الخاضعة لسيطرة المعارضة في الغوطة الشرقية، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان. وأثارت تقارير حول هجوم محتمل بـ”الغازات السامة” تنديداً دولياً غداة توجيه معارضين ومسعفين أصابع الاتهام لقوات النظام السوري متحدثين عن عشرات الضحايا في دوما، آخر جيب للفصائل المعارضة في الغوطة الشرقية. ونفت وسائل الإعلام السورية الرسمية وروسيا حليفة النظام الاتهامات بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية.
وجاء الهجوم المحتمل الأخير من نوعه بعد عام من تعرض بلدة خان شيخون شمال غربي سوريا إلى هجوم بغاز السارين أسفر عن مقتل أكثر من ٨٠ شخصا واتهمت الأمم المتحدة القوات الحكومية بشنه.
ورد ترامب آنذاك على الهجوم بعد ثلاثة أيام حيث أطلقت بوارج حربية أميركية في المتوسط ٥٩ صاروخا من طراز كروز على قاعدة جوية سورية.
ونفى الأسد بأن يكون أمر بشن الهجوم فيما واصلت روسيا توفير غطاء دبلوماسي له في الأمم المتحدة.
وانتقد ترامب الأحد سلفة باراك أوباما لعدم التحرك بعدما كان حذر من أن استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا هو “خط أحمر”. وقال “لو أن الرئيس أوباما تجاوز خطه الأحمر (الذي رسمه) في الرمل لكانت الكارثة السورية انتهت منذ مدة طويلة ولكان الأسد أصبح شيئا من التاريخ!”
لاحقاً، نقل التلفزيون السوري الرسمي عن مصدر مسؤول قوله إنه تم التوصل لاتفاق لإطلاق سراح كل “المخطوفين في دوما” لدى “جيش الإسلام” الذي يسيطر على مدينة دوما مقابل خروج “جيش الإسلام” من المدينة. وأضاف المصدر أن المقاتلين سيغادرون إلى جرابلس شمال سوريا قرب الحدود مع تركيا.
استباحة السيادة… اجتماع أنقرة
٤ نيسان (إبريل) ٢٠١٨
اجتمع قادة تركيا وأيران وروسيا يوم الأربعاء في أنقرة وأفادوا في بيان مشترك أنهم عازمون على تسريع الجهود لضمان “الهدوء على الأرض” في سوريا وحماية المدنيين في “مناطق عدم التصعيد”. وقد أكدوا نقلاً عن وكالة الأناضول للأنباء التمسك بصيغة آستانة التي أثبتت فعاليتها في المساهمة في الاستقرار. كما أكدوا التمسك بسيادة واستقلال سوريا ووحدتها السياسية.
يذكر بأن القمة تأتي بعد قيام الجانبين الروسي والإيراني بدعم قوات النظام في الهجوم العسكري العنيف على الغوطة “إحدى مناطق خفض التصعيد”. وبعد عملية غصن الزيتون التي سيطرت فيها تركيا مع فصائل المعارضة المسلحة الحليفة لها على عفرين عبر عملية عسكرية واسعة النطاق.
وفي سياق متصل انتقدت تركيا الموقف الملتبس لأمريكا بشأن سوريا حيث الضبابية بشأن مدة بقاء القوات الأمريكية. كما يحتدم النقاش حول منبج فتركيا تطالب بنقل قوات حماية الشعب منها وإلا ستتدخل عسكرياً، بينما تتواجد قوات أمريكية في المدينة مما يغذي التوتر التركي الأمريكي حول وضع الأكراد. وتستمر المفارقات حيث صرح المتحدث باسم الرئيس التركي أنه لا حاجة للتدخل في تل رفعت في ظل تأكيد موسكو على عدم وجود وحدات حماية الشعب فيها.
وكانت تركيا اتهمت فرنسا بدعم ” الإرهابيين” في سوريا بعد لقاء الرئيس الفرنسي في الثلاثين من آذار/مارس بوفد سوري ضم وحدات حماية الشعب الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي وأكد للوفد دعم فرنسا من أجل تحقيق الاستقرار في شمال سوريا في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية. وقالت تركيا إن هذه المساندة تصل إلى حد دعم الإرهاب.
مفاوضات وقرارات تتعلق بكل ناحية وقرية في سوريا وباستخدام القوة العسكرية السافرة وبدون وجود للسوريين، ولكن تحت شعار حماية وحدة وسيادة سوريا. تقوم الأطراف بخرق الاتفاقات الموقعة بينها ويدفع السوريون الثمن المادي والمعنوي ويحتفلون بنجاح الاتفاقات! (وكالة أنباء الأناضول ورويترز)
استباحة الملكيات … القانون ١٠
٢ نيسان (إبريل) ٢٠١٨
في ظل وضع الإطار التشريعي لإعادة الإعمار في سياق حصد غنائم ما بعد الحرب، وبعد كل الظلم الذي لحق بأرواح وممتلكات السوريين، يتم إصدار القانون رقم /١٠/ لعام ٢٠١٨ القاضي بجواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية وذلك بمرسوم بناء على اقتراح وزير الإدارة المحلية والبيئة، كما يقضي بتعديل بعض مواد المرسوم التشريعي رقم ٦٦ لعام ٢٠١٢. ويأتي القانون في نفس سياق عدة تشريعات لإعادة توزيع الثروة وتوزيع مكاسب إعادة الإعمار مسبقاً، حيث تم اصدار المرسوم ١٩ للعام ٢٠١٥ الذي سمح للوحدات الإدارية بتأسيس شركات قابضة “خاصة” تتصرف بأملاك وحقوق هذه الوحدات.
القانون رقم ١٠ يقوم على إحداث منطقة تنظيمية جديدة ويدعو أصحاب الملكيات والحقوق العينية بالتقدم بالطلب لإثبات حقوقهم خلال ثلاثين يوماً. إن قضايا الملكيات والأراضي وتخصيصها من أكثر القضايا تعقيداً في أوقات السلم والرخاء، أما في أوقات الحرب والدمار وضياع المستندات والحقوق والتزوير والنهب الكبير والتهجير والتخويف فتصبح القضية شبه مستحيلة، تتم الخطوات حالياً في فترات زمنية ضيقة لا يبررها سوى الاستمرار في إعادة نهب ما تبقى وهو الأرض ومشاريع المستقبل.
بواسطة Ammar Diob | أبريل 6, 2018 | Roundtables, غير مصنف
يتجدّد النقاش تباعاً بموضوع الهوية في سورية، قبل الثورة والآن. الموضوع ذاته يتكرّر في البلدان غير المتطورة؛ بينما لا يُناقَشُ بكل هذه الحدّة في أوربا مثلاً، باستثناء موضوع هوية الوافدين إليها؟ السؤال هنا، لماذا يَحضر موضوع الهوية لدينا بينما يغيب في أوروبا؟ لن أناقش الموضوع في هذا المقال، ولكن طرح هذه المفارقة أساسي بسبب أن بلداننا وأوروبا تعيش في المرحلة التاريخية ذاتها.
تعددية فاسدة
المشكلة التي تُجدّد النقاش هي أنّه ليس من هويةٍ مهيمنة في مجتمعاتنا؛ فهناك الهوية القبلية والدينية والطائفية والقومية، وهناك من يُوسّع النقاش ليشمل هوية الفرد ذاته، فهي متعددة “بيولوجياً ونفسياً وفكرياً ودينياً وقومياً…” الإشكال هنا يكمن في اعتبار التعددية تماثل الشكل الطبيعي “التاريخي” لقضية الهوية، وأن كل محاولة لابتسار الهوية بالقومية المهيمنة مثلاً هي مصادرة على تعدّدية الهوية وإفقار لغنى الفرد أو المجتمع من ناحية الهوية.
إذاً هناك أطروحات متعددة تتناول قضيتنا، وهي قضية مطروحة عالمياً ومحلياً. سوريّا؛ هناك كلام كثير عن هوية ملتبسة، أي هناك هويات متعددة، وتبدأ مما تنتجه القبيلة والطائفة والدين والقومية والدولة، وكذلك مما يقوله تيار ثقافي ما بعد حداثي يُشيد بهويات فردية متمايزة بتمايز الأفراد وبما يفسد موضوع الهوية ذاته لتتعدد بتعدد الأفراد. لو تجاوزنا موضوع الهوية الفردية بنقاشنا، وذهبنا لما هو عام، فهناك الآن هويات متساكنة طوراً ومتضاربة طوراً أو”حربية” طوراً أخر؛ الحالة الأخيرة، تظهر في الحرب الدائرة، وفي النقاش “القاتل” للآخر، أي السني يجتث العلوي والعكس صحيح، وكذلك العربي ضد الكردي، وهكذا؛ هذا يوضح أن هناك تعدّدية هوياتية مُتشظية وملتبسة ومتداخلة للمجتمع السوري.
هوية الدولة المستبدة
هنا نتساءل، ما هي المشتركات بين السوريين وقد انفرط عقدهم السياسي المُقام بواسطة الدولة الأمنية قبل 2011، ولماذا لم تستطع الثورة والمعارضة تشكيل هوية جامعة للشعب، وبما يحدّد للأديان والطوائف بل وللقوميات مكاناً هامشياً، مقابل إعلاء الهوية الوطنية لكل الأفراد في سورية، وهل هذا ممكن من أصله؟
الدولة السورية الاستبدادية لم تستطع تشكيل هوية وطنية، بل الأدق إنّها لم تطرح على مهماتها هذه القضية، فهي دولة السلطة الحاكمة، وبالتالي أيّة هويّة سورية تشكلت تحت سيطرتها؟
هنا لا يمكن نقاش موضوع الهوية دون العودة لما قبل استقرار الدولة السورية في بداية السبعينات، وبداية تحكّم الأجهزة الأمنية بالدولة؛ سورية بلد تابع، وليس فيه تطور صناعي خارج المدن الرئيسية يدفع نحو تشكيل هوية قومية، ويساهم في تشكيل رابطة جديدة للأفراد، وبالتالي بقيت تتواجد في سورية، هويات متعددة، ولم تستطع الهوية القومية الهيمنة بشكل كامل، فأضيفت للهويات الماقبل حداثية هوية قومية وبشكل أقل “هوية وطنية”. هذا يوضح فساد الهوية في سورية، فهناك تعددية تشتتية للمجتمع.
هوية قومية قبل السبعينيات
إن سورية قبل السبعينات كانت تشهد نمواً مسيطراً للهوية القومية، وبشكل أقل الهوية الإسلامية والهوية الشيوعية وهويات إقليمية مرتبطة بالحزب القومي السوري. أقصد أن الهوية تعبر عن التطور المجتمعي وحدوده التاريخية، وكان التطور يستدعي القومية منها بالتحديد؛ إن وجود اللغة والعادات والثقافة لم يفرض تشكيل هوية جامعة وحداثية، وتهميش بقية الهويات. الهوية القومية البازغة اختلطت بالهوية الإسلامية مع خروج سورية من مظلة الدولة العثمانية، وهذا بسبب أن الهوية الدينية تناسب المجتمع الزراعي والقروسطي خاصة، وهي تعتمد على تعاليم مقدسة ترسم للمجتمع رؤيته بشكل فوقي. بتقدم المجتمع، ظهرت الضرورة لهوية قومية تُعلي من شأن الفرد والعقل والشعب، وتحدّد للدين والقبيلة والعائلة مجالاً خاصاً، أي هوية فرعية. الإشكالية هنا، لماذا لم تستطع الهوية القومية أن تصبح هي هوية المجتمع الأساسية، رغم أن الفكرة القومية “هيمنت” في كل الدول العربية وتشكّل لها أنصار وأحزاب، بل وتشكل وعي شعبي يُعرّف ذاته في كثير من المسائل قومياً.
حتى السبعينات كانت الهوية المهيمنة هي القومية، وهي ذاتها في أغلبية الدول العربية، وإن كان شكل طرح القومية مختلف من هذه الدولة إلى تلك. سورية والعراق وليبيا ومصر والجزائر وكذلك السعودية والمغرب مثلاً؛ نقول إن جميع هذه الدول عَرّفت نفسها قومياً، الفارق في سورية أن الدولة تبنت الأيديولوجيا القومية، كما حال مصر والعراق وليبيا خاصة. الإشكالية هنا أن سورية كما في هذه الدول أصبحت القومية فيها أيديولوجيا رسمية، وهمشت من المجتمع، وبمقدار ما تضخمت الدولة الأمنية بمقدار ما ضعفت الرابطة القومية، وراحت تحلّ مكانها الهوية الدينية والقبلية والطائفية والفردية. السؤال لماذا لم تتجذّر الهوية مجتمعياً رغم أن النظام يطرحها، ورغماً عن طبيعته الاستبدادية كحال الصين مثلاً؛ إذا الهوية الحداثية القومية لم تستطع نفي القديمة، ولكن أيضاً لم تستطع الهويات الفرعية، وليس بمقدورها أن تشكل هوية لكلية المجتمع الحديث، فالهوية القبلية أو الدينية هي هويات قديمة، وتناسب المجتمعات البشرية في مراحل سابقة عن الدولة الحديثة، والأخيرة تُعرّف عادة كدولة قومية أو دولة عدة قوميات، وكذلك لم يعد ممكناً للدين أن يشكل هوية واحدة لقوميات متعددة كما الحال حينما تشكلت دولة عربية إسلامية في العصور الوسيطة!
هوية ما بعد السبعينات
أين المشكلة إذاً؟ فالدولة السورية ومنذ السبعينات شكّلت هويات فرعية، وأعادت إنتاجها، وهمشت الهوية القومية.
الهوية العامة للمجتمع تتشكّل عبر صيرورة تاريخية، وبما يعكس التطور المجتمعي، وبالتالي غياب الهوية الجمعية للشعب يصبح مفهوماً في الدول المستبدة ومنها دولتنا السورية، حيث لا يمكن التكلّم عن دولةٍ وطنية، فهي مستبدة وتخص الحاكم. القومية في الدولة المستبدة المخلفة والتابعة أصبحت أيديولوجيا للنظام وللدولة، أي أصبحت علاقة تكاذب مع المجتمع وبين الأفراد؛ فالسلطة والدولة عامة، وفي الوقت الذي تدعي القومية، أعادت إنتاج المجتمع وفقاً للهويات الدينية، وتمّ كل ذلك بواسطة الأجهزة الأمنية والنظام السياسي الحاكم، ووفقاً للقرب من مراكز السلطة، وبالتالي لم تكن الهوية القومية المرجعية، ولكن أيضاً لم تصبح الهوية الماقبل الحداثية طاغية، وهذا غير ممكن من أصله، فالهوية الدينية تمييزية وانقسامية للمجتمع، أي لا يمكنها أن تكون هوية جامعة إلا عبر الطغيان، وهذا غير ممكن في المجتمع الحديث، وإن كان ممكناً في العصور الوسطى القائمة بأغليتها على التمييز الديني.
الهوية ما بعد ثورة 2011
إذاً، النظام فتّت الهوية القومية والقطرية وأعاد إنتاج الهويات الماقبل الحداثية، ولكن الأخيرة ليست مهيمنة، وبالتالي هناك تعدّد هوياتي مُقسِم للمجتمع. بتفجر الثورة 2011، مالت أغلبية المدن الثائرة إلى تشكيل هوية وطنية، وطرحت “لا سلفية ولا إخوان” أي تريد تشكيل هوية تتجاوز أزمة الثمانينات (التي أخذت شكلاً طائفياً)، وأن لا أسباب تاريخية أو ثأرية أو دينية للثورة، وأنها تنتمي لقضايا مجتمعية مختلفة، أي كان الهدف تشكيل هوية جامعة للسوريين، ولكن ما هي هذه الهوية؟ هنا لم تستطع الثورة وعبر شعاراتها طرح تصوّر محدّد للهوية، سيما أن المناخ العربي العام مضاد للهوية القومية؛ إن الثورة برزت بمناخ يُعلي من شأن الهويات الماقبل الحداثية. الإشكالية تعقدت هنا، فالنظام والثورة لم يمتلكا هوية جامعة للسوريين.
لا بد من التمييز بين المعارضة والثورة؛ فالثورة لم تطرح هوية وطنية لكل السوريين، وإن كانت واعية لطبيعة السلطة ولأزمة الثمانينيات، وراغبة بإعادة تشكيل المجتمع وطنياً. لكن هناك فارق كبير بين الرغبات، وبين الرؤية المدروسة لقضية الهوية ولكل أهداف الثورة وللرؤية الاستراتيجية لها. المعارضة بدورها، والتي كانت نشاطاتها تتحرك في إطار رد الفعل، أي تريد السلطة بديلاً عن السلطة القائمة، ولهذا التبست كل شعاراتها وأهدافها، ووصلت بمواقفها للارتهان للدول الخارجية، ولدفع الثورة نحو خيارات الهويات التي شكلتها السلطة من قبل. نستخلص هنا أن السلطة توافقت مع المعارضة في دفع الثورة نحو هويات ما قبل حداثية. نعم تلاقت السلطة والمعارضة في تطييف المجتمع ومحاولة إعادته للقبلية والدين والطائفية والاثنية، وكذلك نحو الهوية القومية، ولا سيما بما يخص الأكراد المسيسين قومياً بسبب صراعهم مع السلطة “القومية”، وبسبب غياب حقوقهم الاجتماعية الأوليّة.
أخطاء في نقاش الهوية
من أكبر الأخطاء في نقاش الهوية الاكتفاء بالمستوى السياسي، أي وفقاً لمنظور الدولة أو المعارضة لها، وكذلك من خلال تسكينها بلحظةٍ تاريخيّة محدّدة، أو النظر إليها من خلال واقع الحرب، كما واقعنا السوري منذ 2013 بشكل أساسي، وطبعاً من الخطأ تجاهل تأثير واقع الحرب واستخدام التطييف فيها، وتحولها كما يرى البعض إلى حربٍ طائفية. قلت ذلك، لأعيد تشكيل فكرتي السابقة، فالثورة غير المعارضة ومتناقضة مع السلطة. الثورة هذه لم تنطلق فقط لتشكل هوية وطنية، رغم الالتباس بذلك، وكذلك لا يمكن بنهاية الحرب الاكتفاء بما تشكلت عليه الهوية خلالها، أي لا بد من إعادة طرح الهوية مجتمعياً مجدداً، والانتقال نحو هوية وطنية مهيمنة.
من أهداف الثورة الانتقال بسورية إلى حالٍ أفضل للجميع، أي هناك عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية تؤكد ضرورة هوية جامعة للسوريين. الفكرة هنا: طُرحت سورية كهوية نهائية قبل الثورة، ولكن لم يتم التوافق على ذلك، وطرحت أثناء الثورة وأيضاً لم يتحقق ذلك. وعكس ذلك تمّ دفع الأوضاع لإعادة إنتاج الهويات الماقبل الحداثية ولكنها لا يمكن أن تكون هوية عامة للشعب ولا أن تتشكل الدولة وفقها، وبالتالي هل يمكن أن تتشكل هوية وطنية وتكون مهيمنة ونهائية لسورية؟
قصدت من فكرتي السابقة، أن الوطنية لم تستطع أن تكون هوية كل السوريين، ونافستها كما ذكرت الهويات ما قبل الحداثية وهويات ما فوق قطرية كالقومية والدينية، وبالتالي سكان سورية مفتتون بهويات متعددة، وهذا سيشكل عائقاً أمام تشكيل الدولة بالمعنى الحديث. وربما تدفع هذه الهويات نحو تشكيل دولة تتوافق مع بروز هذه الهويات، كما حال العراق وربما لبنان، أي دولة طائفية أو دينية وربما عشائرية كحال الخليج مثلاً، وهي وصفة الحرب الأهلية والطائفية المستمرة، أي صراع هوياتي قادم.
دول الخليج شُكلت بسياق الهيمنة الاستعمارية، وكذلك حدود سورية والعراق وسواها، وفشلت الدولة المستبدة في تشكيل هويتها الوطنية، أو تخطي الهوية الكولونيالية. هوية الدولة المستبدة أنّها تعبر عن سلطة مافياوية ناهبة للمجتمع ومفتتة لكل تقدم حقيقي فيه، ودافعة له نحو هويات ما قبل حداثية؟
دولة ما بعد السبعينيات، كانت سبباً مركزياً في تراجع الهوية القومية في الدولة الوطنية، وهذا تحقق في كل الدول العربية باختلاف أنظمة “تقدمية، ملكية.” والآن أية هويةٍ قادرةٍ على تحقيق توافق مجتمعي، في إطار الدولة الوطنية والتي شكلتها الدول الاستعمارية قبل الخمسينيات، وثبتتها الدولة العربية المستبدة ومنها سورية ولا سيما بعد السبعينيات؟ ربما سيكون الجواب التلقائي والصحيح هنا، إنّها الهوية المبنية على المواطنة وشرعة حقوق الإنسان والقومية ودولة الأمة، وهذا صحيح، ولكن كل النقاش أعلاه، ليوضح العقبات التي تمنع تحقّق ذلك.
بواسطة Samer Ismail | أبريل 6, 2018 | Cost of War, Culture, غير مصنف
هجرة كبيرة شهدتها سوريا لفرق “الموسيقى الجديدة” التي عرفت فورتها في تنوع اتجاهاتها؛ واختلاف تيارات ملحنيها، والشكل أو القالب الموسيقي الذي عملت عليه كل من هذه الفرق؛ فمنذ عام 1998 كان العديد من المجموعات الموسيقية لشباب وشابات قد درسوا كل أنماط الغناء والعزف على آلات شرقية وغربية في المعهد العالي للموسيقى بدمشق؛ لتظهر فرقة “كلنا سوا” كأولى هذه التجمعات وأكثرها حضورا؛ وكموسيقى اشتغل أصحابها على فلكلور البلاد؛ من حيث بناء قوالبه اللحنية، واستعاراتها لأنماط الروك والجاز والبوب، والفنك؛ وسواها من الاتجاهات الموسيقية الغربية.
“نوطة، توكسيدو؛ شام إم سيز؛ زودياك؛ إطار شمع، جين، فتت لعبت، أنس أند فريندز، ماظوط، حرارة عالية، مرمر، طويس، حوار” أسماء لفرق سورية تشتت شملها اليوم في ظل حرب دخلت عامها الثامن؛ تاركةً ذكريات تلك الأيام التي كانت تغص بها حدائق دمشق وساحاتها العامة بحفلات ما عرف وقتها بـ”موسيقى على الطريق” التظاهرة الأضخم التي كانت ترعاها محافظة دمشق.
من حديقة “القشلة” بباب توما، وصولاً إلى ساحة “المسكية” قبالة الجامع الأموي الكبير، ومسرح قلعة دمشق؛ وصولاً إلى حديقة “النعناع” في قلب العاصمة السورية، كان برنامج هذه الفرق يزدهر عاماً بعد عام؛ عاكساً رخاءً ثقافياً وفنياً واجتماعياً؛ وصعوداً مطرداً لنخب موسيقية شابة، أرادت التعبير عن نفسها؛ وبكل حرية؛ ليشتهر عبر هذا الحضور الكثيف العديد من الأصوات من مثل الثنائي ” لينا شاماميان، وباسل رجوب” اللذين أصدرا مبكراً ألبومات مشتركة كان أولها “خمير” و”شآميات” وسواها من الأسطوانات التي راجت بين أوساط الشباب؛ محققةً حضوراً لموسيقى دمجت بين فلكلور المنطقة من أغانٍ ومقطوعات أرمنية وسورية بتوزيع جديد أفاد من قالب الجاز التجريبي؛ أو ما يسمى “الجاز أورينتال”.
وقتها تقدمت أيضاً إلى الواجهة فرقة “نوتة” التي تكونت من عروة صالح- عود، مصعب تركماني- نزار عمران ترومبيت، باسل رجوب – ساكسفون؛ يزن هزيم درامز وعلى الغيتار قصي الدقر الذي يروي عن هذه الفرقة وغيرها من فرق الموسيقى الجديدة في بلاده فيقول لـ(صالون سوريا): “ليست (نوتة) هي الفرقة الوحيدة التي قمنا بتشكيلها فهناك فرقة (فتت لعبت) التي عزفتُ معها برفقة مؤسسها هانيبال سعد؛ حيث كانت مشروعاً غير ربحياً، وقتها لم نصدر ألبوماً.”
كنا نعزف دون مقابل مادي؛ فقط كان مجرد تأمين عدة صوت ومسرح كافياً لأن نذهب ونعزف في أبعد قرية سورية؛ (فتت لعبت)- يتابع الدقر- كان تعمل على شخصية الموسيقى الفلكلورية مع تماسك للموسيقى الغربية عبر إيقاعات فردية واضحة، أستطيع القول أنها كانت بمثابة الحالة التقدمية من الموسيقى الفلكلورية ولكن بشكل ثيمة ميلودي جديدة.”
اليوم تشتت شمل فرقتنا مثلما تشتت شمل الكثير من الفرق الأخرى- يقول الدقر ويتابع: فرقة (مازوط) التي أسسها رشوان ظاظا مع داني شكري هاجر معظم أفرادها، وفرقة (توكسيدو) التي عملت على نمط (الفنك)- موسيقى الخمسينيات أيضاً لقيت المصير نفسه؛ حيث كانت أول تجمع لرباعي نفخي على كل من آلات الترومبون والترومبيت والساكسفون؛ ورافقتهم على الغيتار أيضاً؛ فيما غنت معنا نور عرقسوسي.”
مغنيات ومغنيون سوريون رافقوا هذه الفرق ولمع نجمهم معها، لكن اليوم لينا شماميان تغني في تركيا، ولبانة قنطار في أميركا؛ و ورشا رزق وأنس أبو قوس ووعد بو حسون وشادي علي في الخارج أيضاً؛ كما توقف مع الحرب فعاليات مهرجان الجاز الذي كان يقام كل صيف على مسرح قلعة دمشق؛ إضافةً لتوقف العديد من الفعاليات التي كانت تحتفي بالموسيقى وجمهورها، لاسيما يوم الموسيقى العالمي الذي كان حدثاً ثقافياً استثنائياً للفرق الجديدة.
هجرة كثيفة ومتوالية حتى لطلاب المعهد العالي للموسيقى؛ تجاوز عددهم مؤخراً الثلاثين طالباً وطالبة، منهم ثمانية في معهد (فاينر) بألمانيا كما يخبرنا مدرّس رفض ذكر اسمه؛ فالأكاديمية الأشهر في سورية والتي تأسست بعد صدور المرسوم التشريعي رقم (28) لعام 1990؛ وهو مرسوم أعطى فكرة جيدة عن اهتمام الدولة بالفن الموسيقي، حيث جاء في نص مادته الثانية “تعليم أصول الغناء الفردي والجماعي، العربي والعالمي وإعداد باحثين موسيقيين وخاصة في الموسيقا العربية.”
الهجرة لم تتوقف على العازفين والمغنيين والطلاب، بل تجاوزتها لتشمل أهم الأساتذة هناك، وأبرزهم الروسي فيكتور بابينكو الذي وافاه الأجل منذ فترة بعد سفره من دمشق؛ وعسكر علي أكبر أستاذ العود الأذربيجاني، ولبانة قنطار مديرة قسم الغناء الشرقي التي تقيم اليوم في أميركا، وأراكس شيكيجيان مدرسة أصول الغناء الأوبرالي؛ مما ترك أثره واضحاً على الحركة الموسيقية الجديدة التي عرفت أول بزوغها على المسارح السورية بتيار “الموسيقى البديلة.”
بالمقابل هناك فِرق لا زالت تصر على حضورها في عز زمن الدم والعبث؛ فالموسيقى والحرب نقيضان لا يمكن أن يعيش الأول في ظل الآخر؛ ومن يستطيع خلق موسيقى لا يقدر أن يكون شريراً . الموسيقى هي تجسيد للغة الحب – يقول الفنان سيمون مريش مؤسس فرقة “زركشة” التي آثرت تقديم حفلاتها اليوم داخل البلاد ويضيف: “المتابع اليوم لحفلات دار الأوبرا يعلم أننا باقون؛ أجل لقد هاجر الكثير من الموسيقيين السوريين ولأسباب متعددة؛ ربما بحثاً عن لقمة عيش؛ أو مكان مناسب لإطلاق مشروع فني؛ أو هرباً من الحرب واللا استقرار؛ وفي حالات أخرى لمتابعة دراستهم.”
تستمر قائمة الأسباب- يعقب الفنان مريش ويضيف: “لا شك أن العمل في حقل الموسيقى في الظرف الذي نعيشه اليوم صعب جداً؛ إن لم يكن مستحيلاً بالنسبة للبعض. لكنني أعتبر نفسي محظوظاً؛ كوني ما زلت أعمل في الموسيقى حتى في هذا الظرف الصعب. دوماً نقول إن الحياة و الأرض التي نعيش عليها أعطتنا الكثير والآن حان الوقت لنردَّ الجميل و نصنع الفرق.”
الفنان رعد خلف ما زال يعمل أيضاً على مشروعه “أوركسترا ماري” والتي قدم سيمون مريش معها مؤخراً حفلين موسيقيين بدار الأوبرا؛ و هو عمل جدير بالمتابعة كون البرنامج القادم سيكون من تحقيق مجموعة من المؤلفات الموسيقية التي استوحاها رعد من الحضارات القديمة مثل حضارة أوغاريت وإيبلا وماري ولكن مكتوبة بقالب جديد.
Coma هو اسم الفرقة التي أسسها كل من قصي الدقر وناريك عبجيان، برفقة المغني ليفون عبجيان؛ والتي استمدت اسمها من ترجمتها الحرفية إلى العربية “الغيبوبة” لكنها أيضاً كما يخبرنا قصي الدقر مدرّس قسم الصوت والتقنيات في المعهد العالي للفنون المسرحية: “Coma ليست فقط غيبوبة؛ بل هي التسمية الحرفية لربع الصوت، أو ربع البعد الذي نشتغل عليه؛ سواء كان هذا الربع بعد أرمني أو بيزنطي أو سرياني أو تركي أو مصري.”
لفرقة ” الغيبوبة” هذه إنجاز لافت على صعيد التعويض في النقص الفادح بعدد العازفين معها، وندرة الحصول على عازفين اليوم في سورية لديهم الخبرة الكافية- يحدثنا الدقر شارحاً عن طبيعة عمل فرقته وتغلبها على هذه الصعاب: “صحيح الحرب أوقفت كل مشاريعنا، طلابي يقولون لي إنهم لم يحضروا حفلاً موسيقياً واحداً منذ دخولهم إلى المعهد؛ لكننا استطعنا في (كوما) أن نعوّض عن ذلك، وذلك عبر لجوئنا إلى نظام برمجي إلكتروني نتعامل معه بشكل تفاعلي حسب الحالة التفاعلية للجمهور؛ فهذا النظام عوضنا عن أربعين دوراً لعازف أو عازفة، متجهين بذلك نحو آلة الغيتار بدون خانات ربع الصوت الشرقي، وبصحبة الفنان ناريك عبجيان على آلة الدودوك الأرمنية، وصوت شقيقه عازف القانون أيضاً الفنان ليفون عبجيان.”
هذا الاشتغال قادنا إلى العمل على رباعيات الخيام – يتابع الدقر ويضيف: ” عملنا أقرب إلى التصويري منه إلى الموسيقي التقليدي، حيث نعتمد على إدخال المستمع أو من يحضر حفلاتنا في عالم من التأمل الخالص، دون أن يكون هناك في عملنا صدمة تجعل هذا الجمهور يستيقظ من حالة التكرار التي نعمل عليها ونطورها طوال فترة الأداء؛ مقتربين من أسلوب الحضرة الصوفية، والتطريب وحلقات الذكر، جنباً إلى جنب مع عرض بصري لأعمال (الفيديو آرت) التي ترافق أدائنا نحن الثلاثة على شاشات عرض حية؛ بينما نغيب على المسرح كحضور؛ أسلوبنا أقرب إلى مدرسة ( سايكا ديليك) إنه يا صديقي السفر عبر الموسيقى، أو قل الطيران دون توقف.”
“الموسيقى في وجه المجزرة” عبارة أطلقها موسيقيون سوريون في سنوات الحرب على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث بزغت في بعض المدن السورية تجمعات فنية أقامت العديد من الحفلات. المغنية والشاعرة علا حسامو تسرد قصتها هنا بعد إطلاقها لألبوم (صرخة إنسان) احتجاجاً على القتل العبثي؛ والذي وضعت كلماته ولحنتها وغنتها. تقول حسامو: “نعم ربّما توقف الموسيقى المجزرة…أو ربّما على الأقلّ توقف الحقد المتدفّق في العروق؛ ليمرّ بدلاً عنه نهرُ الحبّ ولو للحظات. أو ربّما توقف الموسيقى الرّغبةَ في القتل أمامَ اشتعال الرّغبةِ في الرّقص وفي البكاءِ ومعانقةِ من نحبّ.” وتضيف حسامو: “فكرة ألبوم (صرخة إنسان) ولدت من هنا تماماً، من قلب الوجع الّذي في أعلى إنسانيّتنا؛ حين نزلت به السياسة وملحقاتها إلى أدنى مستوياته؛ وذلك إثر تجربةٍ عِشتُها ضمن عملي مع شبكة (مبادرون) ومن صلب احتياجٍ عاينتهُ مع زملاءٍ لي في العمل الأهلي، إذ كنت أشارك في ورشة (بناء جسور السلام والتعايش السلمي)، وهي أحد ورشات شبكة (مبادرون التّنموية) الّتي يلتقي فيها ناشطون من مختلف الأطياف والانتماءات السياسية ،الدينية والفكرية؛ يتبادلون قصصهم وجهات نظرهم خلافاتهم واختلافاتهم، يتجادلون ويتبادلون الاتهامات فيظهر الشّرخ الكبير؛ في هذه اللحظة أذكر أنّ مَن كان يتهم الآخر صار يمسح دمعه وبلحظةٍ من الوجع المشترك والإحباط، أمسكنا بأيدي بعضنا وغنّينا وكأن الأغنية لفّتنا بذراع من حبّ وأمل، تحوّلت الاتهامات المتبادلة إلى رقصٍ وودّ، أذكر أننّا صرنا نبحث عن أغنيةٍ تمسّنا وترفع معنوياتنا دون أن تمجّد اسماً أو حزباً أو ديناً. ولم نجد سوى اثنين أو ثلاثة. حينها ارتجلتُ مقطعاً وغنّيته ومذ تلك اللحظة انطلقت بألبوم (صرخة إنسان)، وبتشجيع ودعم (مبادرون) ومنتدى التنمية والثقافة والحوار بدأتُ العمل كتابةً وتلحيناً.”
لكن هل حققت المغنية (حسامو) رغبتها في أن تجعل موسيقاها صرخة في مواجهة الحرب؟ تجيب المغنية السورية: “لم تصل مبادرتي هذه إلى هدفها الكبير بعد، لكنّها حقّقت أحد أهدافها بأن تتردّد الأغاني على ألسنةِ المؤّيد والمعارض من الشباب السوري… سواء انتمى إلى موالاة أو معارضة، وأن يحسّ كلّ منهما بأنّ أغنياتي تخصّه وتعنيه وتعبّر عنه، وأن يشعر ولو جزئيّاً أنّ على عاتقه مسؤوليّة وقف المجزرة”.
حاجز موسيقي
الفرق الموسيقية تراجع نشاطها في ظل الحرب، إذ شهدت السنوات السبع الماضية هجرة كبيرة للموسيقيين والمغنيين السوريين، لكنها وبعد مضي الحرب لإتمام دورتها الدموية الكبرى عادت الموسيقى لتقف في وجه الخراب. فرقة (حاجز موسيقي) كانت أبرز هذه الفرق التي أسسها شباب وشابات قدموا حفلاتهم على العديد من مسارح العاصمة، كان آخرها حفلتهم التي قدموها في (دارة الفنون بحي القنوات الدمشقي) تحت شعار “نحن أحياء وباقون” حيث اشتهرت (حاجز موسيقي) باسمها المشتق من الحواجز العسكرية والأمنية المنتشرة على طول الجغرافيا لطرفي النزاع السوري. الفرقة التي حملت على عاتقها إعادة صياغة التراث وفق تركيبة ما يسمى بموسيقى “الأورينتال جاز” لتقدم أغنيات من قبيل: “هالأسمر اللون” فوق النخل “وين على رام الله” ووفق الاشتغال على مفردات الحرب السورية سواء في الكلمات أو القالب اللحني. مدير الفرقة مجد الزغير قال: “إن (حاجز موسيقي) تهتم بتجديد الأغاني والإضافة عليها؛ فضلاً عن التلحين والتأليف؛ فالفرقة كانت تكتفي بتقديم الحفلات الموسيقية؛ لكنها مؤخراً أضافت فقرات غناء السولو بناء على طلب الجمهور الذي تفاعل مع فريقنا حفلةً بعد حفلة؛ واستمرار (حاجز موسيقي) خاصة في هذه الظروف يؤكد أن الحرب لا بد لها أن تنتهي و الموسيقى والحياة ستستمر رغم أنف الموت.”
ظاهرة موسيقية لافتة قدمتها الحرب في شوارع دمشق؛ تجلت في (مشروع ومضة) وهو عبارة عن تجمع من الموسيقيين والمسرحيين والمغنين الذين بادروا إلى أسلوب “المسرح الخفي” ودون أي دعم يذكر لهذا المشروع. أعضاء فرقة (ومضة) التقوا على هدف انتشال السوريين من حالة الحرب والموت ولو لدقائق قليلة، حيث قررت الفرقة بمبادرة ذاتية أن تواجه حالة الحرب التي تعيشها بلادهم بالموسيقى والرقص والمسرح والتمثيل، فما تقدمه هذه الفرقة هو شكل من أشكال المسرح التفاعلي، والذي يعتمد نجاحه على المؤدّين والمتلقين في آن معاً، واتكأ مشروع “ومضة” على التجمع الخاطف الذي يقوم على ظهور مجموعة موسيقيين بشكل مفاجئ في مكان عام من مدينة دمشق لتقديم عرض يكون غالباً غير اعتيادي. هنا كان يظهر أعضاء الفريق فجأة في أحد الشوارع أو في مكان ما غير متوقع، في ساعات الذروة ليفاجِئ السوريين ويرسم الأمل على وجوههم، في ظل التفجيرات وقذائف الموت وحصار المدن. اعتمد فريق (ومضة) على أنواع متعددة من آلات الموسيقى كالقانون والإيقاع، الترومبيت، والغناء. تقول نغم ناعسة وهي من مؤسسي (مشروع ومضة) وأبرز أعضائه: “لطالما كانت القنبلة ومضة، والمدفع ومضة، والتفجير ومضة، والقتل والموت يحدث في ومضة؛ ولطالما كانت هذه الومضات مجتمعة تشكل أبرز مشاهد حياتنا نحن السوريين اليوم، لذا قررنا أن نصنع ونقدّم ومضة إيجابية تجابه وتواجه ما سبق من ومضات شريرة؛ فقررنا أن نصنع ومضة حب، أو ومضة حلم وأمل، أو ومضة فن وموسيقى، وسمينا مشروعنا ومضة؛ ومضة دون بطاقات دعوة، دون مواعيد، نظهر في شوارع المدينة، نغني، نعزف، نرقص، وأحياناً نبكي…” وتضيف ناعسة: “استمر مشروع ومضة في سنوات الحرب الأولى دون داعم مالي أو حتى راع إعلامي، لقد تلقينا وعوداً من كثيرين بتقديم الدعم قبل انطلاق المشروع؛ لكن أحداً لم يفِ بما وعدنا به فتوقفنا اليوم، عندما تحين ساعة العمل والشروع بالتنفيذ ينفض من حولك مَن كانوا يقدمون أنفسهم كرعاة أو ممولين، لكن مشروعنا اعتمد فقط على جهود وخبرات المشاركين فيه وإيمانهم بأهمية ونُبل ما يقدمونه للسوريين كافة.”
إبادة جماعية موسيقية
مقطوعات موسيقية وغنائية كان قد قدمها أيضاً المغني معتز عويتي وفرقته مع نخبة من الموسيقيين السوريين الذين واظبوا على تقديم روائع من أغنيات موسيقى الجاز؛ حيث ساند الفنان عويتي في أمسياته هذه كل من رفاقه الموسيقيين: “طارق سكيكر؛ مهند السمان ، بلال حمور ، دلامة شهاب، سيمون مريش.” يقول عويتي عن حفلاته: “نحب أنا وفريقي أن نقدم في هذه الظروف نوعاً غنائياً و موسيقياً جديداً و لأول مرة للجمهور؛ إنها مجموعة أغانٍ كان أغلبها لمغني عالمي و جديد اسمه Gregory Porter والمميز بموسيقاه وأغانيه هي المزج بين موسيقى الجاز و البلوز والغاسبل بنفس الوقت؛ وبطريقة جميلة لاقت رواجاً كبيراً في الساحة العالمية؛ إذ أردنا نقل هذا النمط الجديد للجمهور السوري من محبي هذه الموسيقى بدلاً من تقديم موسيقى جاز تقليدية معروفة بالنسبة له.” وأضاف عويتي: “استمرارنا اليوم هو استمرار للحياة التي لا نريد لها أن ترحل عن مسارحنا وشوارعنا؛ فالفرقة الموسيقية التي أعمل معها هم من أفضل الموسيقيين المحترفين ومن القلة القادرين على عزف نمط الجاز الموسيقي المعتمد على أسلوب الارتجال في العزف حيث يتضمن برنامج أمسياتنا عادةً العديد من الفقرات أبرزها أغنية قمت بأدائها وكانت بعنوان: “إبادة جماعية موسيقية.”
فرق كثيرة ما زالت تزاول موسيقاها على الأرض السورية أبرزها اليوم هي فرقة “التخت الشرقي النسائي” والتي قدمت حفلاتها على مسرح الحمراء، معيدةً الاشتغال على الفلكلور والطرب الشعبي؛ إضافةً لموشحات سيد درويش وصباح فخري وآخرين؛ حيث تتألف هذه الفرقة من خريجات المعهد العالي للموسيقى في الغناء والعزف، واللاتي عملن منذ عام 2003 على تأصيل الغناء والعزف النسائيين؛ معتمداتٍ اليوم على حساسية المرأة إزاء ما يحدث من قتل عبثي وتهجير لآلاف العائلات المشردة؛ حيث تعتبر أعضاء هذه الفرقة الموسيقى بمثابة رحم لحماية ما تبقى من العائلة السورية الهائمة على وجهها في مشرق الأرض ومغربها.
في الحرب أيضاً تتالت الأمسيات الموسيقية والغنائية الشعرية التي تحتفي بمدينة حلب على مسارح دار الأوبرا السورية؛ فاستعادة التراث الحلبي عبر أمسيات الأوبرا، جاء في وقتٍ شهدت فيه عاصمة البلاد الاقتصادية مهرجانات مطوّلة من الدم والاقتتال المتواصل؛ وسقوط يومي لضحايا من المدنيين جراء إمطار القوى المتشددة لمدينة الموشحات بعشرات قذائف الهاون والصواريخ ومدافع جهنم؛ مخلفةً وراءها عشرات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال؛ في وقتٍ بات الغناء كبيرة الكبائر في عُرف قوى تكفيرية سيطرت في سنوات الحرب المنصرمة على أجزاء كبيرة من أحياء المدينة.
الحفلات التي أحيتها كل من فرق صفوان العابد و ميادة بسيليس و سمير كويفاتي و(دهب) لعمر سرميني” إضافةً لفرقة (شادي جميل) كانت استثنائية من جهة شمولها لمعجم الطرب الحلبي الأصيل؛ حيث استعاد فيها الجمهور روائع “السماعي من مقام النهاوند” لـ علي الدرويش وصبري المدلل وعمر البطش وصباح فخري أبرز شيوخ الطرب في المدينة.
مهرجان (قوس قزح سوريا) احتفى بدوره بالموسيقى الإثنية والعرقية مقدّماً فرق كردية وآشورية وعربية وأرمنية وشركسية وسريانية على مسرح دار الأوبرا، كان أبرزها فرقة (بارمايا) التي احتفت بأعياد الميلاد ومراسيم الزواج السريانية القديمة، بمصاحبة آلاتها الضاربة في القدم من (زُرنة وطبل وعود) إذ تعتمد على المراسم المؤداة فيها أو الأغنية التي تقوم الرقصة عليها، والتي تأتي هنا كوريث لفنون الميثيولوجيا المتعاقبة من سومرية وفينيقية وأكادية وكلدانية وبابلية وآشورية وآرامية، تمتد بجذورها التاريخية إلى أكثر من خمسة آلاف عام.
المهرجان الذي أنتجته (وزارة الثقافة) وثب خطاه في الحرب بعد ضغط ميزانيته التي بلغت (ثلاثة ملايين وستمائة ألف ليرة سورية- ما يعادل سبعة آلاف دولار$) معظمها ذهب كأجور لإقامة الفرق والإطعام والتنقلات الداخلية لأكثر من مائتين وخمسة وعشرين مشاركاً ومشاركة، حيث استطاعت هذه التظاهرة أن تبلور حضوراً متجدداً لفرق موسيقية شعبية، جاءت إلى عاصمة بلادها من عفرين وحلب والقامشلي والسويداء واللاذقية متحديةً صعوبات ومخاطر تشهدها طرق السفر الداخلية بين المدن السورية.
في ظروف الحرب تراجعت أجور الموسيقيين السوريين مما أثر في قرار مغادرتهم للبلاد واحداً تلو الآخر، فالعازفون داخل سوريا يعيشون من أجورهم لقاء الساعات التدريسية في المعاهد الموسيقية أو العزف مع الفرق المحترفة، فالعازف الواحد يتقاضى على المشاركة في حفل واحد مبلغ وقدره: (25 ألف ليرة سورية- ما يعادل خمسين دولاراً) أما أجور التدريس، فهي ليست أفضل حالاً، ففي المعهد العالي للموسيقى يتقاضى أستاذ الآلة الموسيقية على الساعة الواحدة مبلغاً وقدره: ( 450 ليرة سورية- ما يعادل دولاراً واحداً) و( 120 ليرة- ما يعادل ربع دولار) للساعة في معهد صلحي الوادي. ولغير الخريج ( 80 ليرة- أقل من ربع دولار). المطالبات بزيادة الأجور كانت دائماً تعود لمدراء المعاهد بترشيد الإنفاق وهذا ما عرقل أي أمل أمام موسيقيين يبحثون عن عيش كريم وإنساني.
بواسطة Malak Bitar | أبريل 6, 2018 | Roundtables, غير مصنف
الشارع السوري المتآكل تُغرقه ثلاثة قلوب!
تصدعت الرؤوس من كلمة فسيفساء سورية واللحمة الوطنية الممتدة على أراضيها لآلاف السنين وما شهد السوري ذاته من هذا ولا ذاك أي إثبات لما سمعه وردده ولربما آمن به، فانقضت الأعوام الثمانية الهرمة باستحقاق طرف على حساب الآخر و كينونته التس سيفردها عرض الطريق وطوله، وما تحمله من الأحقيّة (العمياء) التي تفضي بابتلاع الضفّة الأخرى بمن فيها بالحديد والنار أم بالرايات السوداء والصفراء لا فرق أبداً فغايتهم جميعاً ذاتها
(نحن أو لا أحد).
زاوية الاختلاف كانت تحمل في أضلعها المنكسرة بداية الحرب مؤيداً ومعارضاً فقط إلى أن التصقت بكلا الصفتين اصطلاحات تخوينية، تشبيحية، اندساسية وغيرها، لمس المواطن من خلالها تبعات مؤلمة للغاية لازالت تلذعه حتى اللحظة، رغم كل ذلك كان الأمر غاية في البساطة وقابلاً للفرز برفة عين وتحليل سياسي لشخصية اعتبارية في بداية النشرة المسائية التي تتناول الملف السوري مع إرفاق كلمة (خلصت) بينما يضغط المشاهد على زر جهاز التحكم الأحمر!
ليتضح فيما بعد أن سورية كالأخطبوط تماماً تضخّ النار على نفسها بأمرة من القلوب الثلاثة (الطائفية، الديموغرافية، العلاقات الدولية) المتناحرة كل على حدة فتتحول أذرعه الدفاعية إلى مجسات ناريّة تجتذب كل الخراب إلى محيطها إلى حضن الوطن الذي بات لا يتسع إلا للمغلوب على أملهم وأغنياء الحرب، البعض هاجر إلى الله (سكارسا) بقوارب الموت و البعض الآخر استطاع أن ينجو من رحلة الفناء مرتين على الأقل ليرسو أخيراً في إحدى الدول الأوروبية حطاماً هيّنا ترمّم شيئاً فشيئاً في بلاد تحترم الإنسان بما يحمله من فكر أو معتقد دونما أن يلتفت من حوله خشية الإفصاح عنها باللغة العربية أو الأجنبية فله الحق والحرية بما يحلو له تحت سقف الإنسانية، وقد حظي البعض بامتيازات إضافية في الخارج كالسريان في السويد، الأرمن في بلدهم الأم، حتى العائلات ذات الأصول التركية صبّت جهودها كاملة للحصول على الجنسية التركية وإن كلفها الأمر العودة لأصول الجد الثالث لأسرتها علّها تجد أخيراً هويتها المفقودة في البلاد التي لطالما اعتبرتها إرثها الحقيقي أما المهجّرون داخلياً فحكاياتهم لم تنته.
نازحون بأمتعة الذعر!
بدأت حركة النزوح الداخلية من المناطق الملتهبة إلى المدن والبلدات (الأكثر أمناً) خلال الحرب فضمّ الساحل السوري على امتداده أعداداً كبيرة من هؤلاء المهجرين ليصل إلى مليون ونصف نازح أي بزيادة 50 % على التعداد السكاني للساحل السوري على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية والبيئة المحيطة بهم التي جبلتهم من أول صرخة لهم حتى ثالث أو رابع قذيفة سقطت في حيّهم الذي أصبح حجارة مدماة وركاماً سحق الزواريب المندّاة ومحال الخضرة بمن فيها والكثير من شتلات الحبق على شرفاتهم المتهاوية، هذه العائلات رغم مصابها الكبير تخطط وهي في طريق النزوح أي حارة ستتخذ فيها مسكنها الجديد؟ هل ستسد المعونات الإنسانية أفواه أولادها الذين اعتادوا أكل المشاوي كل ليلة جمعة؟ الجيرة في الأحياء الملغومة سينفجرون بنظرات هجينة لمن سيشاركهم الجدران أم سنصبح من “أهل البيت”؟ الأسئلة تطول وفجوة الغربة الداخلية تكبر…
أهالي منطقة الجميلية في حلب على سبيل المثال لا الحصر يبحثون عن أقرانهم في مدينة اللاذقية إبّان الأهوال التي شهدتها المدينة فتلقائيا تموضعت نسبة كبيرة منهم في أحياء الطابيات الصليبة والشيخ ضاهر ومن المعروف أنه يوجد في هذه الأحياء أشهر المساجد في المدينة وأقدمها وهذا يشكّل لهم ارتياحاً نفسياً لامتناهياً كون سكّان تلك المناطق يؤدون الواجبات الدينية على نهجهم ذاته وكأن جميع الأهالي هناك يندرجون تحت رتبة الأنبياء بقليل!
في المشهد المقابل لنازحي الفوعة من إدلب تراهم اتخذوا من حييّ الزراعة وسقوبين خانتهم الجديدة كلّ حسب يسره المادي، المهم في الأمر الهيمنة السلطوية التي جمعّت أطراف متعادية مذهبياً لقرون ولّت، لتأتي المصالح السياسة وتجمعهم على حين غرّة من جديد.
هذه الشرذمات طالت حتى الطفل الذي ولد في وطيس الاقتتال ولم يتسن له نور السلام بعد. ابراهيم، بائع البسكويت على قارعة أحد شوارع اللاذقية (حارة العامود)التي تلفّها قوات حفظ النظام بالحواجز الطيارة في أي لحظة، دنوت منه وسألته عن اسمه ومدينته وبعض الأسئلة الحشرية التي يطرحها الصحفي كعادته دون أن أشعره بذلك، حقيقة لم أستطع أن أحدد لون عينيه وبصعوبة شديدة سمعته يرد قائلاً “أنا من إدليب وصرلنا سنتين هون” لم يجب إن كان طالباً للعلم أم لا ، لربّما أخذ ركناً من الطريق واستحضر به غرفته الدافئة ولا زال يتخصص بفن المبيعات على طاولته المزفّتة (بالفراطة وقشر البسكويت).
وبالعودة للوراء قليلاً، شهدت بعض العائلات الساحليّة الأصل نزوحاً معاكساً بعد أن اختير عديد منها للانتقال إلى مناطق أخرى بما فيها الشمال الشرقي، حلب، دمشق، وذلك لأسباب مهنية، كوّنوا أسراً متّزنة مثقّفة وأنجبوا أبناء لأمهات وآباء مختلفي الطوائف الأمر الجميل والمبشر بارتفاع معدل هرمونات المحبة السورية بين بعضها إلى أن بدأت الأحداث في 2011 تركت هذه الأسر كل شيء خلفها وباعت عقاراتها وأصولها وحولت أموالها إلى الساحل وهرعت إليه دون أي تأن أو وعي لما تفعله وكل ذلك قبل أن تتحول الأزمة إلى صراع مسلح ولا زالوا حتى اليوم يطلّون على الكورنيش البحري بعين السائح من خلف شرفاتهم المظللّة!
وجعلناكم شعوباً وقبائل لتناحروا!
شرائح قليلة جداً لعشرات الهويات السورية المتعاركة التي فرقت ما بينهم المرجعيات والألوية الدينية التي جمعت ثلل منهم تحتها (فعلاً تحتها)! فقد شُرّعت لها الأبواب على اتساع أرض -الفينيق- لتتمكن من عواطف السوريين المنحازة للانتماء الديني ومن لفّ لفيفهم من أولئك الذين ينادون بنصرة دين أو مذهب لا يفقهون عنه شيئا، كل هذه الضعضعة السورية السورية مهدت طريق الإرهاب للمقاتلين من العراق، لبنان، أفغانستان، إيران، السعودية، روسيا (الشقيقة) وغيرهم.
التعصب المقيت هذا ليس بحصاد عام أو اثنين، هو ذرائع انتمائية مخزية لا تمت للهوية السورية المعتّقة بالتمدن الصافي بصلة، هو وباء تطرفي محدث جعل من قلوب السوريين عفناً لا موسم له على أيدي السلطة قبل الحرب، هذه حقيقة تعايشنا معها ولكن لم نستطع أن نعيش بها على الاتساق ذاته بعد الآن ولعلّ أهل الساحل أكثر من مرّوا بذلك، فمن توقف تعيينه الوظيفي بسبب اسم أبيه المستفز طائفياً لرب العمل أو للجهات الحكومية المسؤولة عن ذلك الأمر سوف يحمل الحقد الطائفي ويعمل به بل وسيورثه أيضاً لا محالة، ومن توقف تخرجها من الطالبات لأنها لم تأخذ العلامات الإضافية المساعدة عند التخرج والتي تعتبر من أبسط الحقوق الدراسية وذلك بسبب عدم انتسابها للحزب اليتيم في سوريا من المؤكد أنها إما ستنجر في موكب الفاسدين لاحقاً أو سترضع أبناءها التطرف الذي لبسها عنوةً بعد الموقف ذاك، من المفترض عليها أنها انتسبت إليه مسبقاً وبشكل أوتوماتيكي كحال أهلها وجيرانها، كيف تجرأت على الدولة ولم تنتسب أساساً!
النسيج السوري المهترئ
هذه النماذج البسيطة وغيرها تكررت آلاف المرات يومياً ما قبل الحرب أما اليوم فأصبحت أكثر فجوراً ووحشية حتى الضّمنيّة منها، فأحداث الغوطة الأخيرة التي راح ضحيتها الكثير من الأطفال والنسوة اللواتي لا حول لهن ولا قوة بسبب الحصار المطبق عليهم وحملات التطهير التي لم تفرق بين مدني وإرهابي , يكافئهم
نسيج “أ” بمنطقة x السورية بكلمة أبيدوهم هؤلاء هم الخونة ونسلهم العاهر عار علينا! هكذا ملء أفواههم القذرة ولم تتوقف القذارة على هؤلاء أبداً بل باقية وتتمد لتصل إلى النسيج “ب” الذي يشرعن قتل الكرد في عفرين واتهامهم بالتواطؤ الإرهابي مثلاً، أو مصرع الطلاب العزّل وضح النهار بحجة حق الرد، هؤلاء تلقائياً عادوا إلى عصور الجاهلية وحقبة الأخذ بالثارات.
وإن كلّاً من “أ” و”ب” يهللّون بالانتصارات على جثث بعضهم البعض وقلوبهم الملطّخة بالوحشية مدانة…مدانة!
أما نسيج “ج” وهو الأقل غلظة بينهم يشير للإجرام بعين الحق متجرداً بذلك من أي عباءة شيطانية، يحلل بحكمة كل خطط التنمية والسلم بين شظايا القذائف والجثث وهم في الغالب فنانون، كتّاب وشعراء هذه الفئة الغير قادرة على حمل السلاح وإن كان دفاعاً عن النفس.
“د” ذاك النسيج القطني الذي يتمدد ويتقلص حسب درجات التأذي وتبعات الخراب والذي ضم أعداداً كبيرة وانحاز للسلطة بشكل مستميت لفترة ليست بقليلة إلى أن خسر ثلثي أبناء قراه متسائلاً لأجل ماذا ضحينا بأبنائنا مصفقين؟ وبالمقابل حظيت الجهات المؤيدة للتغير انقلاباً على مواقفها المعارضة بعدما فقدت أقرانها دون أي سبب أو لأسباب محتمة في حالة الحرب التي وقعت نتائجها الكارثية على كاهلهم الاقتصادية منها والاجتماعية والأمنية قبل أي شيء، والآن ماذا حققنا من المطالبة بالتغيير؟ هكذا يقولون…
ولعل الأربعة وعشرين حرفا المتبقين لن يكفوا لتصنيف الأنسجة السورية وهوياتها التي قد تجزئ مفهوم الإنسانية حسب ميولها السياسية.
مجتمع مدني في أخطر بقعة في العالم!
مصيبة الخلط العجيبة بين حقوق وواجبات السوري بشكل عام والمدلل نسبياً في المناطق الآمنة بشكل خاص، تخوّله أن يتمتع ويمارس المواطنة بشكلها السليم والبعيد كل البعد عن أي انتماء ديني أو سياسي إلا أن هذه الشعارات الرنانة لا تليق بالسوري في الأحوال الطبيعة فكيف لمساعي الفاعلين في تفعيل المواطنة أن تنجح على أرض صنّفت أنها الأخطر في العالم؟ فعلى مدار السنين تأطرت مخرجاتها الأساسية النبيلة تحت قبّة سلطوية واحدة لا ثانية لها حدّت ما تهدف له، وما حصده السوري (كسوري) مجتمعيّاً حفنة ضئيلة في كل هذه المعمعة.
“الكشاف” على سبيل المثال أحد المعالم المنعشة لجميع المناسبات والأعياد والتي تهدف إلى (مساعدة الغير في كل حين) بالمرتبة الأولى وبالفعل هناك من يعمل بإخلاص و تفان بها، أنت كسوري تتشجع للالتحاق بهذه الحركة العالمية والتي تعمل وفق معايير سامية ومحددة، تقدّم طلب الانضمام لأحد أفواجها وإذ تكتشف أن هنالك فوجاً كشفياً كاملاً لطائفة معينة دون سواها ومن غير المنطقي أن تكون الوحيد من الزمرة y!
الجمعيات كأسماء ومواقع وكهوية بصرية حتى دائماً ما توحي بالجهة التي تدعمها وتتخيل تلقائياً طبيعة الأشخاص الذين يديرونها، هذه المحاولات التجميلية بما فيها من جمعيات ومنظمات لا تأتي بحجم حجر في بركة تعجُّ بالجوامع والمزارات الدينية التي لا حسيب عليها ولا رقيب والمنتشرة بطريقة غير مقبولة، أكثر ما في الأمر استفزازاً أن الأهالي تسعد كثيراً لتزايدها وإن لم تطأ أقدامهم أي وجهة دينية منها أو من غيرها، ربما يستمدون قوتهم الواهية من كثرتها ؟ ما السبب الجوهري الذي يستدعي بناء 12 جامعاً في مدينة صغيرة كجبلة؟
ستنتهي الحرب السورية عام …20!
مرحلة إعادة الإعمار في سوريا لن نستطع تنشّق رائحة بيتونها طالما الأقطاب السورية والدولية متبدلة ومتشابكة بهذا الشكل والملفات الفاعلة لإخماد هذه الحرب الشنعاء توقّع وتمضي وتتلف تحت الطاولة وإنه لمن الأنجع لتشييد سوريا من جديد بناء الإنسان على أراضيها فوق جروحه الملتهبة وآلامه التي فاقت طاقة تحمّله النفسية لينال شرف حصوله على الهوية السورية الحقيقيةً بشموخها وحرّيتها أخيراً علّها تستفيق من هذا الوهم الأحمر الذي استنزف 22 مليون (سوري ).