بواسطة دعد ديب | أغسطس 19, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
يمثل الترند “”The trend أًحياناً رأياً عاماً يطغى على كل الخطابات السائدة مما يدفع المعنيين في أي شريحة اجتماعية لركوب الموجة والسيطرة على هذا الرأي وتوجيهه بما يتفق مع مصلحة هذه الجهة أو تلك، والترند كمفردة إنكليزية تترجم على أنها ميل أو اتجاه وقد صار استخدامها وإدراجها في اللغة والحديث العام من الأشياء البديهية نظرا لكثرة تداولها في جميع الأوساط والمواقع، والحقيقة إن الدخول في تفنيد هذه القصص وعزل الحقيقي منها وتنقيته من الشوائب الإعلامية هو كالخوض في عش دبابير حيث لن ترضى عنك أي جهة، وسترى ألف جهة تخوّن وتتهم وتزور أحيانا ولكننا نقول إن محاولة عرض كل الوقائع على الملأ، يمكن أن يساهم في تكوين رأي عام لصالح الضحايا، الضحايا أينما كانوا .
تحفل الذاكرة السورية بحمص من أيام نظام الطاغية ما عُرف وقتها بحادثة الطفلة “جنى” التي راحت ضحية جشع عصابات الكبتاغون والمافيات التابعة لها حيث انتشرت قصتها لتصبح رأياً عاماً وطلب الناس مباشرة من رأس النظام التدخل لإنقاذ حياتها الأمر الذي لم يحصل، وتمت المماطلة والتسويف إلى أن قضت الطفلة نحبها، وهنا كان لزامًا على الحكومة اختراع قصة تسكت الناس في الكشف عن ملابسات الحادثة وتقبض على الفاعلين وتحاسبهم. جاءت القصة المفضوحة باتهام إنسان بسيط يعيش حياة بائسة ومتخلفة وسط المزابل، وتم أخذ إفادته بالاعتراف بقتل الطفلة بعد اغتصابها، القصة التي جاءت منفصلة عن تفاصيل وأوصاف الطفلة: ماذا تلبس وألوان لباسها وما إلى ذلك. ويبدو أن القصة تسربت كذلك إلى وسائل الإعلام الشعبي والخارجي وخوفًا من تداعيات الأمر الذي قد يستدعي لجنة تحقيق خارجية أو تدخل جهة ما قيل إن المرتكب مات لمعاناته من مشكلة صحية طارئة وانتهى الأمر هنا وسكتت كل الجهات بفعل السطوة الأمنية المعروفة بشدتها وتدخلها بكل شيء وضاع حق الطفلة المجني عليها.
رجع هــذا الحادث وملابساته الآن للذاكرة مع ملابسات حادثة مقتل السيدة الراقية” ديالا الوادي التي تحمل الجنسية البريطانية، ابنة صلحي الوادي الفنان العريق والتي يشهد الجميع بثقافتها ورقيها ليتم القبض على الفاعل خلال أربع وعشرين ساعة وهنا تأتي التفاصيل التي يكمن الشيطان فيها، فقد عرف الفاعل بشهادة أحد الجيران الذي طارده مسافة لابأس بها ووثقت الكاميرات صورة الفاعل، وكان من الواضح شعر الرأس الأسود لتأتي صورة الفاعل واعترافاته بهيئة مغايرة للصورة الأولى التي انتشرت وبدا حليق الرأس ويرتدي ثياب السجن. واعترف أن القتل تم بهدف السرقة بعد الاتفاق مع الخادمة، وهذه السرعة تلفت الانتباه وتثير المخاوف في بلد يشكل لجنة طويلة الأمد لمرتكبي جرائم موثقة بالصوت والصورة، قد يكون الهدف منها تسكيت وتطمين الرأي العام عن الشوشرة واللغط الذي يدور عبر ألسنة البعض كونها شخصية معروفة جدًا والتسريبات بأن منزل المغدورة كان مرصوداً لأنه في منطقة المالكي أغلى بيوت الشام وأفخمها وقد تعرضت لزيارات متعددة من قبل جهات مسؤولة من أجل بيتها وملكيتها. ويحكى أنها رجعت من الخارج خوفًا من استملاك بيتها كما يحصل مع الكثير من البيوت الفارغة التي يجري السيطرة عليها بحجة امتلاكها بطريقة غير مشروعة من قبل النظام البائد أو أنها عائدة لأحد رجالاته الهاربين، طبعًا في كل حادثة لا يمكن الجزم بصحة رأي أو عدمه أو التيقن من حقيقة ما الحكاية بخواتيمها وهل الحقيقة هي ما قيل أم سيكشف الستار عن حكاية أخرى وهل سيصار المنزل إلى الورثة أو سيؤول إلى جهة ما.
وتأتي قصة اختفاء سيدة من الساحل لتتصدر الترند فترة من الزمن ليكون اختفاؤها الترند المستمر بعد إنكار شامل مغطى من قبل جهات حكومية وإعلامية لحوادث الخطف التي أقضت مضجع السوريين جميعاً ورغم كل ذلك، في كل يوم تصدر صرخة من إحدى الجهات بغياب فتاة أو امرأة وفقدان الاتصال معها في بقعة ما، ويبقى الإنكار سيد الموقف للجهات العامة رغم توثيقها من قبل جهات خارجية “كلجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا التابعة للأمم المتحدة” التي قامت بتوثيق بعض الحالات وتعمل على المزيد منها. وقد نشرت وكالة “رويترز” تقريراً يفيد بوقوع حالات اختطاف لفتيات ونساء في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، حيث يطالب الخاطفون بفدى مالية ويهددون بتصفية المخطوفات إن لم تستجب عوائلهن لمطالبهم.
السيدة فُقد أثرها قرابة أكثر من شهر رغم أنها متزوجة ولديها ثلاثة أولاد وقد توصل أهلها عبر وساطات عدة لمكانها وجاءوا بها، ولكن المفارقة أنها لم تتعرف على أهلها وزوجها وأخيها الذين طلبوا أن تعرض على لجنة طبية توضح وضعها النفسي والصحي، ولكن نمي عنها أنها رجعت لزوجها الآخر في الأتارب بإرادتها والذي يقيم معها علاقة شرعية وهـذا طبعًا يلفت النظر إلى التساهل في قضية زوجة تترك زوجها ليُعترف بعلاقتها بآخر دون طلاقها من الأول مما يشير أن وراء الأكمة ما وراءها
لكن الترند الجديد في ظهورها في فيديو مصور فجر القصة من جديد وحكاية جديدة لما حصل بأنها هربت من عنف زوجي وعائلي وهي سعيدة جدًا بحياتها الجديدة ولن ترجع عنها، وبالنسبة لأولادها تخيرهم في أن يلحقوا بها أم لا ولا تشير لارتباطها بآخر من بعيد أو قريب. الحقيقة أن القصة غير مقنعة رغم إقرار صاحبة الشأن بذلك والثقة المبالغ بها بصوابية ما فعلت لسبب بسيط وهو تناقضها مع الإحساس الأمومي الطبيعي ودعم الجهات الوصائية لفعلتها وخاصة أنها جهات لا تسمح بوجود رجل وامرأة على مقعد في باص، وتضع مصاعد خاصة للرجال والنساء في معظم دوائر الدولة وتمنع تنزه شاب وشابة في حديقة مما يثير الريبة أنها تتسامح وببساطة مع بقصة من هذا النوع وتدافع عنها وكأنها قصة ميرا تعاد من جديد حيث يتجند إعلاميون وجهات مانحة لاحتضان حالتها وكأني بهم يمررون فكرة هروب الفتيات من منازلهم فداء للحب طبعاً. لا يمكن التنبؤ بما قد يحصل لها فيما بعد لإسكات صوت قد يقول الحقيقة يوماً ما.
كل ذلك من أجل إنكار وجود خطف بالبلد رغم الصيحات المتتالية التي تعود في كل حين حول فقدان أثر امرأة ما والأمر هنا لا يتعلق بالنساء وحسب، ولكن أيضاً هناك شباب يُختطفون ولكن سرعان ما تظهر جثثهم في مكان ما دون أن يعرف أحد ملابسات الأمر.
وطبعا لا تتدخل أي جهة حكومية لغاية اللحظة لتفسير وتبرير ما يحصل باعتبارها الجهة المسؤولة عن الأمن والأمان بغض النظر عن فاعلية هذا الأمر.
وتتحول القضية إلى قضية رأي عام يصمت فيه من حاول أن ينفي حوادث الاختطاف ويعلو صوت من هو متضرر من تلك الحوادث المريبة التي تصنف تحت يافطة السبي والاتجار بالبشر المحرمة دولياً وقانونياً بالوقت الذي كانت الضحية الأخيرة موجودة ولتوصم جميع المختفيات بوصم الانفتاح والتهتك الأخلاقي وعن مسؤوليتهن الشخصية فقط في الخروج عن العائلة والأعراف لا بصفتها قضية عامة تنشأ بفترة النزاعات والحروب كوسيلة ضغط عل الجهة المهزومة أو كفكرة عقائدية جهادية تعيد إلى الأذهان ما فعلته داعش بالايزيديات التي مرت ذكرى استعبادهن من فترة وجيزة ولكن هنا في هذه الحالة التي بين أيدينا قد يخشى من الضغط الدولي من المجاهرة بالهدف منها.
حيال كل هذا لا غنى عن تفعيل دور القضاء المستقل والأهم اعتماد قوانين وضعية معترف بها دولياً وعدم الركون إلى رؤية فقهاء أو مشايخ لم يحدد إمكانيتهم الفكرية والمعرفية والاعتماد على القوانين المتعارف عليها ريثما يتم الإجماع على قوانين بديلة وتبقى الشفافية والوضوح الوضع الأمثل لمن يريد ويبغي الحقيقة كل الحقيقة.
بواسطة دعد ديب | أغسطس 3, 2025 | Cost of War, العربية, تقارير, مقالات
كأن الموت بات قدرًا يلازم السوريين على اختلاف انتماءاتهم وتباين توزعهم الجغرافي، إما فرادى أو جماعات، من مجازر الساحل إلى أحداث صحنايا إلى المجازر المرتكبة في السويداء تلك التي ظل أهلها معتصمون في الشوارع على مدى عام ونصف احتجاجًا على الطاغية قبل سقوطه.
تصدمنا جميعاً الوقائع المتصاعدة من أحداث قتل وتنكيل وخطف بعد أن استبشرنا بعهد جديد ينفض الاستبداد عن كاهل الناس ويعد بحرية مأمولة بُذل الغالي والرخيص لأجلها، لنعاود الرجوع إلى واقع غوغائي ما قبل الدولة لا يعرف المرء فيه لماذا يُقتل وكيف.
كان الكثير من معارضي النظام البائد أول الناس الذين استهدفوا في مجازر الساحل نتيجة انتمائهم الطائفي ولم تشفع لهم سنواتهم الطوال في معتقلات الأسد وكأن عبارة الفلول أصبحت مشجبًا يعلق عليها كل من يريد الانتقام والتخلص من أي كان نتيجة أحقاد طائفية ترجع لألف وأربعمائة سنة خلت لخلاف بين أناس لا نعرفهم بل انتمى كل منا إلى فئة بحكم الصدفة ورغم تكرار الحوادث والارتكابات ورغم ما حصل ويحصل وما هو مستمر بالحصول لم نسمع أنهم ألقوا القبض على أي منهم.
وكما كرة الثلج التي تكبر شيئًا فشيئًا تتصاعد حكاية مصرع الشاب “يوسف لباد” التي تصدرت وسائل الميديا والتواصل الاجتماعي من آراء واجتهادات بين مدافع ومدين؛ بين مبرر ومتهم لحادثة موت غير طبيعي، فيوسف الشاب القادم من ألمانيا لرؤية بلده بعد طول غياب قضاها في غربة عنه وقد أخذ عهداً على نفسه إن تحررت سورية من الأسدية أن يبات ثلاثة أيام في المسجد الأموي، وكانت النتيجة وكأنه جاء لحتفه. لا نستطيع الاختباء وراء إصبعنا في تفسير الحادثة وقد سبقتها أكثر من حكاية مشابهة لمن يدخلون للتحقيق ونسمع عن جثثهم ملقاة في مكان آخر في مشفى أو طريق وخاصة أن الرواية المتناقضة للأوساط الحكومية تكشف اضطرابًا غير مقنع في تفسير لحالة الموت التي تباينت بين إصابته بجلطة وبين تسمم وإدمان كحولي وآخرها أن المغدور يعاني من اضطراب نفسي جعله يقتل نفسه أثناء وجوده في غرفة الحراسة حيث أقدم على إيذاء نفسه بشكل عنيف عبر ضرب رأسه بأجسام صلبة، ما تسبب له بإصابات بالغة، وقد تم الاتصال بالإسعاف على الفور، إلا أنه فارق الحياة رغم محاولة إسعافه، وعلى إثرها تقرر تشكيل لجنة للتحقيق بملابسات الحادث وحصر وتحميل المسؤولية لمن يتهم بالأمر أو يثبت تورطه، وقد صار معروفًا لدى العامة أننا اذا أردنا تمييع قضية نشكل لها لجنة للتحقيق ووضع من يتحمل المسؤولية أمام مسؤولياته.
لا يوجد اثنان يختلفان على التشكيك بمحاولة التغطية على الحادثة فالشاب لم يكد يمضي على وصوله للبلد ثماني وأربعون ساعة ويحمل الجنسية الألمانية ولم يكن يعاني من شيء حسب إفادة زوجته وأقاربه ولم يكن ليسمح له بالسفر بالطائرة لوكان يعاني أي شيء من هذا القبيل، ولم يكن الشاب المغدور ينتمي للأقليات فهو ليس علويًا أو درزياً أو مسيحيًا بعد أن صار قتل هؤلاء أمراً عاديًا وتهمتهم جاهزة.
ولم يكن سنياً كافراً فهو جاء ليعتكف بالمسجد الأموي ويؤدي صلاته للخالق سبحانه وتعالى فما الحكاية ولماذا استهدف؟ هل هو استسهال للفعل بحكم العادة أو سطوة السلطة والغرور الذي يتملك بعض أفرادها بقدرتهم على العنف واحتكارهم له، باعتقادي لا يمكن الابتعاد عن البنية التكفيرية التي تقضي بقتل أي مخالف في العقيدة وندخل هنا في تفاصيل الفرق والنحل الدينية التي تكفر بعضها في المذهب الواحد وخاصة أن المرتكب هنا يقنع نفسه بأنه يؤدي واجبًا دينيًا يخفي شهية الدم خلفه، وهذا سيستمر ويتصاعد إذا لم يتم التأسيس لقوانين وضعية واضحة وصريحة باعتبار أي حادثة مشابهة جريمة قتل عمد تعرض صاحبها للمحاكمة العلنية بتهم بينة، لأن السيناريو تكرر وسيتكرر مالم يوضع له حد وإلا فالقصة تنذر بفوضى عارمة لن يستطيع أحد إيقافها وخاصة بتزايد عدد الضحايا الذين يقضون بلا سبب واضح أو تهمة محددة.
نهر الدم يجب أن يتوقف، وخاصة عندما يفقد الفرد إيمانه بأي عدالة وعندما يفكر كل شخص بحل مشكلته بشكل فردي.
لا يمكن أن تقام دولة على اجتهادات مشايخ في فهم الدين والتشريع وهناك مئات التجارب لقوانين مدنية عالمية ومحلية ثبت من ممارستها أهميتها في ضبط الأفراد في حقوقهم وواجباتهم ودائمًا هناك قانون مكتوب ومعروف مبنى على عقد اجتماعي معروف لدى الجميع وقبل أن نلغي قوانين معمول بها من المفروض أن تنشر بدائلها على الإعلام والتصويت المجتمعي لقبولها، خاصة في واقع صار أشبه بغابة نتيجة تكرار حوادث القتل التي لا تنتهي وأحبولة التعامل معها كحوادث فردية لا يحاكم أصحابها بتجاهل متعمد يخفي ما وراءه.
وفي كل جولة للموت لا نستطيع منع أنفسنا من تذكر كل ما مر على هذه الأرض خلال هذه الأشهر السبعة المنصرمة والتي كنا جميعا محملين أثناءها بطاقة هائلة من الأمل بزوال حقبة الاستبداد والطغيان لتضمحل تلك الأماني شيئًا فشيئاً ولتتصاعد كارثية الأمر عندما لا يعرف المرء ذنبه أو خطيئته وينفذ به الحكم قبل أن يدان من أي جهة.
في الحقيقة لا نستطيع إلا رفع الصوت عالياً بأن دم سوري على السوري حرام وأن دم الإنسان على الإنسان حرام وهذا أضعف الإيمان وأضعف ما نستطيع فعله في هذه المقتلة المستمرة ونردد ما قاله أحد الشعراء: يا دجلة الخير لقد هانت مطامحنا حتى لأدنى طماح غير مأمول.
بواسطة وداد سلوم | يوليو 24, 2025 | Cost of War, News, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
منذ ستة أشهر أي منذ سقوط النظام في سوريا، كانت العدالة الانتقالية ٌإحدى أهم النقاط التي يتفق عليها السوريون مهما كانت الاختلافات بينهم، وتجتمع الأصوات على المطالبة بها كطريقة منصفة لرد الحقوق والعدالة بانتزاع حق الضحايا وخاصة بعد الظهور العلني لشخصيات ثبت تورطها بالدماء السورية وبالمجازر التي ارتكبها النظام، إذ كانوا جزءاً من منظومة القمع والقتل الخاصة به. كما شاهدنا إجراء تسوية لمسؤولين كبار كانوا على صلة مباشرة بإعطاء الأوامر خلال الحرب السورية الطويلة. ولهذا صار الشغل الشاغل للناس هو الخوف أن يذهب الدم السوري وحق الضحايا أدراج الرياح.
وهذا الخوف كان أحد الدوافع التي ساقت البعض لأخذ حقهم بيدهم وهذا ما يلاحظه أي متتبع لحوادث الخطف والقتل والسطو على البيوت بإخراج أهلها منها، خاصة بعد ما تغنت السلطة بشعار اذهبوا فأنتم الطلقاء، منذ البداية إذ أنذرت هذه العبارة بعدم المحاسبة وأعطت الضوء الأخضر للعقلية الثأرية التي مازالت تحرك الرؤوس. وانعكس هذا سلباً على الواقع العام، فأخذ الحق باليد من وراء كواليس سماحة السلطة، شجع كثيرين أيضاً لاستغلال الفرصة وللقيام بأعمال عنف وفوضى ما زالت تهدد السلم الأهلي وحياة المواطنين.
من هنا كانت العدالة الانتقالية ضرورة ملحة تتفق عليها الأصوات الواعية للانتقال إلى عملية البناء ومطلب حقيقي للحفاظ على أمن البلاد وحياة الناس وعلى السلم الأهلي الذي دونه لن تنجو البلاد من حرب دموية، وهذا ما أكدته كل البيانات الصادرة بعد كل حدث.
كان للمؤتمر الصحافي الذي أجراه حسن صوفان رئيس لجنة السلم الأهلي وقع الماء البارد في وجه السوريين وصدمة أثارت ضجة كبيرة، وردود أفعال غاضبة وجدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ صار مناسبة لسرد مظلوميات الأفراد والعائلات والجماعات، الذين لحق بهم أذى غيّر مصير حياتهم وذهب بحياة الكثيرين من أحبتهم، يحركهم في ذلك ليس فقط هذا الأذى والألم بل أيضاً الإحساس بالخذلان جراء مساومة السلطة على ألمهم وتناسيها له بالقدر الذي يخدم مصالحها مع القتلة، وكأن دمهم هو مثار المساومة. ولو كان للقتلى فم يحكي لصرخ في وجه القتلة الذين يتحركون علناً وعلى المنابر والشاشات.
وما أثار الناس في المؤتمر ليس فقط نسيان جرائم شخصيات بعينها بل تقريب هذه الشخصيات. أما العذر الذي قدمه صوفان للسلطة القائمة، فهو دور هؤلاء في المساعدة بإسقاط نظام بشار الأسد. فهل يبدو هذا مقنعاً كمبرر للعفو عن شركاء الأسد وداعميه؟
والسؤال المطروح هل تخلى هؤلاء عن نظام الأسد حباً بالثورة أو جراء تغيير في موقفهم من النظام البعثي المجرم؟ أم أنها خيانة لأصحابهم في النظام، تضاف لسجلهم غير النظيف أم أن هذا كله كان بأثمان قبضوها لتسليم نظام الأسد؟ وهل كان هذا العفو هو ثمن دماء السوريين؟
بكل الأحوال هذا لا ينظف أيديهم من الدم السوري الذي ما زال يسفح حتى الآن فمن شعر أن السلطة قد خذلته بتقريب فادي صقر وغيره من شخصيات داعمة لنظام بشار الأسد عسكرياً واقتصادياً قد يلجأ إلى أن يأخذ حقه بيده من أشخاص مقدور عليهم، كما حدث الانتقام من فلول النظام بقتل القرويين البسطاء وسكان قرى الساحل الأكثر فقراً وتغييباً عن أي تأثير، أو من الشباب الذين أجبروا على الخدمة الإلزامية بعد أن اقتنصتهم حواجز النظام دون أن يتمكنوا من السفر خارج البلاد، والذين تحملوا عبء استخدام النظام الانتماء الطائفي.
ففي الوقت الذي تعفو فيه السلطة عن هؤلاء المثبتة إدانتهم، ما زالت تتحفظ على العسكريين والشباب الذين قبضت عليهم في الحملات الأمنية ومنذ خمسة أشهر أو أكثر دون توجيه تهمة محددة لهم ودون أن يتمكن الأهالي من معرفة إن كانوا على قيد الحياة أم لا، فلا زيارات ولا اتصال معهم ولا توكيل محامين، تبقى قضيتهم معلقة تحت الشبهة ودون توجيه تهمة. مع كل ما يترتب من ذلك على حياة أسرهم اقتصادياً.
ونستطيع العودة إلى تجارب الشعوب التي خرجت من حروب أهلية كالوضع السوري للاستفادة منها بأشكال عديدة من طرق تطبيق العدالة الانتقالية كراوندا وجنوب إفريقية وغيرها.
يتم تداول الإشاعة بأن الحساب سيأتي فردياً ومن خلف الكواليس، إذ قد تتم تصفية هذه الشخصيات بطرق خاصة تباعاً. يعيدنا هذا لفكرة أهمية العدالة الانتقالية والانتقائية فضرورتها، ليس فقط المحاسبة وأخذ الحق الشخصي، ومن يفكر بأن موت هؤلاء أو سجنهم هو الهدف يرتكب خطاً فادحاً، فمحاسبتهم لها شقان : الأول أنها سترد الحق لأصحابه، حق المظلومين، وتشير باليد لمن استهان بدم الناس، إلى المسؤول الحقيقي عن جرائم النظام الأسدي وأعمدته التي ساهمت في تفتيت البلد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وبالتالي ستعيد تمكين النسيج الاجتماعي السوري وتكون الأساس المتين لبناء المجتمع الجديد، أما الشق الثاني: فإنها ستكرس مبدأ القانون وتعزز مكانة الدولة وكيانها كحامي لحقوق المواطنين، ومسؤول عن رد الحقوق لأصحابها. وتعيد للقانون سلطته في المجتمع، القانون الذي يقف عنده الجميع على خط المساواة وتقضي على حالات الثأر الفردية وفورة الدم وتعزز السلم الأهلي وهذه أولى خطوات تمكين الدولة و بناء المجتمع.
بواسطة أسامة إسبر | يوليو 15, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
”إن العالم الذي نعتقد أننا نعرفه يتغيّر تحت أقدامنا لأننا قمنا بتغييره. نحن ندخل مرحلة المناخ المجهول.“
جون فايلانت
حين ينعدم اليقين، ويُوظَّف الخطاب الإعلامي الرسمي ليخدم رواية محدّدة بدلاً من أن يكون مصدراً للمعلومة الدقيقة، غالبًا ما تأتي نظريات المؤامرة بأسلحتها من الشائعات وتسدّ الفراغ، وتنتشر كمثل النار في الهشيم محمّلة بشحنات عاطفية، وتُعيد تشكيل فهم الناس للأحداث. والسبب هو أنها تتوافق مع طرق التفكير السائدة، وتخدم الانتماءات الإيديولوجية. نشهد هذا على أوضح وجهٍ في الجوّ السوري حيث تتواصل الاتهامات والاتهامات المضادة حول أسباب حريق اللاذقية، وترسم صورة مشوهة له وهو يلتهم الرئة الخضراء لسورية.
من الأجدى أن نقرأ حريق اللاذقية في سياق التغير المناخي، لا بمعزل عنه، وأظن أن كتاب الصحافي الكندي جون فايلانت ”طقس النار: على الخطوط الأولى لعالم يشتعل“ يقدّم رؤية عميقة لفهم هذا النوع من الكوارث. يذهب فايلانت إلى أننا دخلنا عصراً جديداً لم تعد فيه الحرائق ظواهر طبيعية مألوفة كما عهدناها، بل تغذيها قوى مناخية. فمع ارتفاع درجات الحرارة، وجفاف الهواء، واشتداد الرياح، يتشكل الجو المثالي للاشتعال. ذلك أن النظام المناخي بات يحتوي على قدر غير مسبوق من الطاقة الحرارية، ومع الاحترار العالمي تتعرض الغابات للجفاف بوتيرة متسارعة، وتتحول النباتات إلى وقود هش سهل الالتهاب. لكن الحرارة، كما يشير فايلانت، ليست سوى طرف واحد في المعادلة، فالرطوبة المنخفضة تمثل عاملاً خفياً لكنه بالغ التأثير. إذ حتى عندما لا يبدو سطح الأرض جافًا، قد يكون الهواء نفسه شديد الجفاف، ما يؤدي إلى سحب الرطوبة من الأشجار والتربة والأعشاب. وبهذه الشروط، يتكوّن ما يُعرف لدى رجال الإطفاء بـ ”الوقود المتفجر“، حيث تكفي شرارة صغيرة لإشعال حريق لا تمكن السيطرة عليه. أما الرياح فهي العنصر الأخطر في رأيه، ولقد قدم وصفاً شعرياً لحريق فورت ماكموري في كندا قائلاً إن النار لم تكن تشتعل فحسب بل تتحرك بسرعة وكأنها مُطَاردة. فالرياح لم تكن تدفع الحريق فحسب بل تغذّيه. يشير فايلانت أيضاً إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن الحرائق صارت قادرة على صناعة طقسها الخاص. ففي ظل الحرارة الشديدة يمكن لأعمدة الدخان والهواء الصاعد أن ينتجوا سحباً تُطلق برقاً ورياحاً عنيفة كالعواصف الرعدية فيتحول الحريق إلى نظام ذاتي التغذية. يطلق فاليانت على هـذا الطقس الجديد اسم طقس الحرائق الـذي يعكس تحولاً في سلوك الحرائق لأن العواصف الرعدية باتت تصل دون مطر وتشعل الأراضي الجافة.
حرائق مضيئة ومؤامرات لا تحتاج إلى نظرية
ثمة حرائق سابقة حدثت في مناطق أخرى من العالم يوضحُ الجدلُ الـذي دار حولها كيف تؤثر الإيديولوجيا والانقسامات السياسية في الروايات المتداولة حول أسبابها: أثناء حرائق ولاية أوريغون الأمريكية عام ٢٠٢٠، اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي مزاعم لا أساس لها من الصحة بأن نشطاء مناهضين للفاشية ومتطرفين يمينيين أشعلوا الحرائق عمداً. انتشرت الشائعات بسرعة وتدفقت على مراكز الطوارئ اتصالات من مواطنين تحدثوا عن اعتقالات لم تجْر. وعلى الرغم من نفي الشرطة، ومكتب التحقيقات الفيدرالي لهذه المزاعم، إلا أن كثيرين واصلوا تصديق أن الحرائق نجمت عن مؤامرة سياسية منظمة. لكن كل ما فعلته هذه الاتهامات هي أنها حاولت تقويض الخطاب البيئي حول الاحتباس الحراري، ورسّخت المعلومات المضللة، وأثرت في الطريقة التي فسّر بها الناس الأزمة.
يكشف لنا الإعلام الاجتماعي أننا لم نعد بحاجة إلى منطق أو أدلة تدعم ما نقوله أو نسوقه على أنه الحقيقة والسبب هو أننا دخلنا في ما دعتْه الفيلسوفة السياسية الأمريكية نانسي روزنبلوم مرحلة المؤامرات التي لا تحتاج إلى نظرية. في جوّ كهذا تصبح المزاعم العاطفية، حتى وإن كانت غير صحيحة، بدائل مؤقتة حيث يفتقر الناس لليقين. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعل من المستحيل تقريبًا احتواء نظريات المؤامرة، إذ تتم تغذيتها بمحتوى يعزز القناعات المسبقة، الأمر الذي ينتج حلقات مغلقة تتكرر فيها الأكاذيب حتى تبدو حقيقية. يشبه هذا ما يجري في الواقع السوري حيث تُشْحَن بطاريات الاتهامات بكهرباء طائفية تصرف أنظارنا عن الأسباب البيئية للكوارث الطبيعية. في جو مشحون كهـذا تغيب التفسيرات العلمية، ويُغطّى موضوع التغير المناخي بحجابٍ إيديولوجي يخفيه، ويُصوَّر الأمر على أنه صراع بين سلطة تحاولُ تأمين الاستقرار وفلولٍ يحاولون زعزعته من طريق إشعال الحرائق بدعمٍ وتمويل من جهات خارجية تتربّص بالنظام الجديد. فيما يشيع البعض الآخر أن ما يجري محاولة لتهجير سكان هذه المناطق من أجل مشاريع اقتصادية قادمة.
تدخلت الإيديولوجيا في حريق اللاذقية، وتعددت حول أسبابه روايات تلائم مصلحة كل طرف. وبصرف النظر عن قصة هذا أو ذاك، تكشفت النار عن وضع مأساوي سوري ينذر بمخاطر جمة تهدد الأفق المتوسطي. ورغم هذا الخطر الداهم لم تحدث فزعةٌ رسمية لإطفاء الحريق كالفزعة التي حدثت لإخماد تمرد الفلول وارتكاب المجازر ضد المدنيين العلويين في بيوتهم. ولم تحدث فزعة عربية أو دولية فورية لاحتواء الكارثة وإنقاذ المساحات التي احترقت.
عالم جديد
يقول الصحافي الكندي جون فاليانت إن العالم الذي كنّا نعيش فيه ونطمئن إلى ثقافته قد تهاوى، وولد مكانه عالم جديد تتربّع على عرشه النيران. يقترح استبدال مصطلح “الإنسان العاقل” بـ”الإنسان الناري”، وهو اسم مشتق من ولائنا للاحتراق واعتمادنا عليه. فنحن، في نظره، كائنات نارية، لأن النار هي محرّك حياتنا وقوتنا العظمى. لكن المفارقة أن هذا الاعتماد الكبير على الاحتراق جعل العالم أكثر قابلية للاشتعال من أي وقت مضى في تاريخ البشرية. وفي هذا العالم القابل للاشتعال، لا يمكن حصر حريق اللاذقية – الذي قضى على أكثر من ١٦ ألف هكتار من الرئة الخضراء لسورية – ضمن حدود التأويل الإيديولوجي، أو تلوينه بلون الانقسامات والاستقطابات التي نعيشها. فالنار التي التهمت غابات الساحل لا تسأل عن هوية من تضرهم، بل تحرق بيئة السوريين جميعًا، وتحدث آثارًا بعيدة المدى تهدد حياتهم ومستقبل أبنائهم. ومع اشتداد النيران، يكتشف السوريون الحريصون على بلادهم مرجعية جديدة تتشكل من رماد الحرائق يصنعها أبطال متطوعون من مختلف الطوائف، يقفون على الخطوط الأولى للحريق في جبال اللاذقية، بإمكانات محدودة وعزيمة لا تلين. هؤلاء، وليس المرجعيات الطائفية العابرة للحدود، القادمة من قُم أو من نجد، هم من يستحقون أن يكونوا نواة لوعي وطني جديد، وركيزة لبناء سورية على أسس تتجاوز الطائفية والانقسام.
بواسطة عامر فياض | يوليو 9, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
بعد سنوات طويلة من غياب الحياة السياسية في سوريا، خلال حكم نظام الأسد البائد، تشهد الساحة السورية اليوم ولادة العديد من التيارات والتجمعات والمبادرات، التي حاولت ومازالت تحاول أن تدخل المشهد السياسي وتضع موطئ قدم لها في طريق بناء سوريا. ولكن، على الرغم من أهميتها ومحاولة بعضها أن يحل محل الأحزاب السياسية، يبقى المشهد السياسي في سوريا مفتقداً لوجود تلك الأحزاب، في ظل غياب أي قانون خاص لتنظيم عملها وطبيعة نشاطها، إذ أن معظم التيارات والتجمعات التي تأسست بعد سقوط النظام كانت ذات صبغة مدنية ومجتمعية، ورغم اقتراب بعضها قليلاً من المجال السياسي إلا أنها تبقى بعيدة عن نهج وأدبيات وممارسات الأحزاب السياسية.
وبالنظر إلى طبيعة نشاط تلك التجمعات والتيارات سنجد أنها بمعظمها تتبنى أفكاراً وطنية عامة حول المواطنة والتعددية والعدالة وبناء دولة القانون، دون أن يكون لها أية أيديولوجية خاصة أو مشاريع سياسية تفصيلية ومؤثرة أو حتى رؤية وآليات سياسية ناجعة أو خطة عمل واضحة، إذ تتشابه في أفكارها وأهدافها وطبيعة نشاطاتها، التي تنحصر في قيامها بعددٍ من الأنشطة والفعاليات (التي يغلب عليها الطابع المدني والثقافي والإجتماعي) وعقد بعض اللقاءات وجلسات الحوار، وإصدار البيانات حول القضايا والأحداث العامة ورفع بعض الشعارات التي تحمل مطالب وطنية عامة، إلى جانب تنظيم بعض الوقفات التضامنية والاحتجاجية، بغضّ النظر عن مدى تأثيرها الفعلي في الشارع. وقد تأسس بعد سقوط النظام عدد كبير من المبادرات والتيارات والتجمعات المدنية التي حاولت أن تملأ الفراغ السياسي في البلاد، وسنكتفي هنا بالحديث عن مبادرة بدايتنا/ سوريا للجميع، التجمع المدني في جرمانا، التيار المدني الديمقراطي وتجمع سوريا الديمقراطية.
مبادرة بدايتنا/ سوريا للجميع: بحسب ما جاء في تعريفها: “تهدف هذه المبادرة إلى تحقيق رؤيةٍ وطنية تُجسّد تطلعات الشعب السوري في الحرية، الكرامة، والعدالة، وتُعبّر عن إيماننا الراسخ بدور المجتمع المدني كمحرك أساسي للتغيير الإيجابي”. وقد نظَّمت المبادرة، التي تضم أكثر من 200 عضو، عدداً من جلسات الحوار مع بعض السياسيين والحقوقيين، ومن بينها: جلسة حوار مع الكاتب والباحث حازم نهار بعنوان: المؤتمر الوطني السوري: الضرورة، الآليات، والتحديات. جلسة حوار حول العدالة والصفح في سوريا اليوم، معالكاتب والباحث ياسين الحاج صالح والمحامي والدكتور عبد الحي السيد. جلسة حوار مع أخصائي الطب النفسي الدكتور جلال نوفل،بعنوان: قضايا المحررين والمفقودين وذويهم من وجهة نظر نفسية واجتماعية وإعلامية، وجلسة حوار حول الإعلان الدستوري مع الدكتور في القانون الدولي والباحث القانوني والدستوري إبراهيم دراجي. كما شاركت المبادرة في عدد من الوقفات التضامنية والاحتجاجية، ومن بينها: وقفة تضامنية مع أهالي المعتقلين والمغيبين في ساحة المرجة بدمشق، نظّمتها رابطة عائلات قيصر. وقفة احتجاجية في ساحة الحجاز، بالتعاون مع التجمع المدني في جرمانا، للمطالبة بحماية السلم الأهلي والالتزام بتطبيق العدالة الانتقالية.ووقفة احتجاجية ضد انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية والأراضي الفلسطينية. وإلى جانب ذلك شاركت المبادرة في مؤتمر الحوار السوري حول العدالة والحقيقة، الذي عُقد في دمشق/ فندق الشام، في الشهر الأول من العام الحالي، كما نظَّمت المبادرة، بالتعاون مع وحدة تمكين المجتمع المدني، ورشة تدريبية لثلاثة أيام حول مفهوم المواطنة، مبادئها وقيمها والقضايا المرتبطة بها.
التجمع المدني في جرمانا: بحسب ما جاء في بيانه، يطمح التجمع بأن تكون سوريا وطناً ديموقراطياً تعددياً يصون كرامة الناس وحياتهم، يحكمه الدستور الجامع، ويسوده القانون والقضاء المستقل، وتتقدمه مبادئ المواطنة من حرية ومسؤولية ومساواة وتشاركية وقيم المواطنة العديدة.
ويضم التجمع أكثر من 200 عضو، من سياسيين وحقوقيين وفنانين ومثقفين ونشطاء مجتمع مدني. ومن أبرز النشاطات التي قام بها: المشاركة بالوقفة التضامنية في ساحة المرجة دعماً لذوي المعتقلين، استجابة للدعوة التي أطلقتها رابطة عائلات قيصر. تنظيم وقفة أمام محطة الحجاز للمطالبة بحماية السلم الأهلي والالتزام بتطبيق العدالة الانتقالية. تنظيم وقفة تشاركية لدعم استحقاق المؤتمر الوطني العام أمام محطة الحجاز بالتشبيك مع الرابطة المدنية الشبابية السورية ورابطة المحامين السوريين الأحرار. المشاركة في وقفة احتجاجية ضد قرارات الفصل التعسفية بحق آلاف الموظفين. المشاركة في اعتصام مدينة دوما تنديداً بتصريحات نتنياهو ضد التقسيم وضد الطائفية. وإلى جانب ذلك أقام التجمع عدداً من الجلسات الحوارية ومنها: جلسة مع الكاتب والباحث السياسي د.حازم نهار، بعنوان “المؤتمر الوطني السوري العام/ الأهمية – الهدف – التحديات” وجلسة مع الدكتور عمر شحرور، رئيس حزب العدالة والتنمية السوري، بعنوان: “حزب العدالة والتنمية السوري: المبادئ _ الأهداف _ الرؤية السياسية للمرحلة الانتقالية، وللمستقبل السوري”.
التيار المدني الديمقراطي: بحسب ما جاء في تعريفه: نرى نحن في التيار المدني الديمقراطي أن الدولة المدنية الديمقراطية، هي دولة الكل الاجتماعي، التي تنبثق سلطتها عن الشعب، بانتخابات حرة ونزيهة، تشارك فيها كل الأحزاب والتيارات والتجمعات السياسية المستقلة والمنظمات المدنية والاجتماعية والثقافية والنقابات والهيئات الاقتصادية والأفراد، التي تعتمد مبدأ المواطنة المتساوية أساساً لها، بحيث يرى فيها كل المواطنين الأحرار وطنهم السياسي.
وجاء في تعريفه أيضاً: يعمل التيار المدني الديمقراطي بوسائل سلمية سياسية، من أجل التغيير المدني الديمقراطي الشامل، الذي يعيد صياغة أوضاعنا الداخلية على أسس و مبادئ مدنية ديمقراطية، تجمع في وحدة جدلية، لا تنفصم عراها بين الوطني والديمقراطي، أي بين تحقيق السيادة والتحرر من جهة، وبين الديمقراطية ببعديها السياسي والاجتماعي، من جهة أخرى .
ويرى التيار أن جوهر التغيير المدني الديمقراطي الشامل هو “أن يصبح الشعب مشاركاً حقيقياً في صنع القرارات، التي تمسه”، من خلال “تفعيل دور أحزابه وتياراته وتجمعاته السياسية ونقاباته ومنظماته واتحاداته وروابطه المستقلة، وضمان حرية الصحافة والرأي والتعبير والنشر والحق في التنظيم والتظاهر والإضراب السلميين واستقلال القضاء وفصل السلطات وتطبيق القانون على الحاكم والمحكوم بالتساوي، ومكافحة الفساد كبيره وصغيره، والتوزيع العادل للثروة والدخل”.
تجمع سوريا الديموقراطية: بحسب ما جاء في بيانه التأسيسي: “تداعى في مدينة اللاذقية مناضلون وفاعلون وشخصيات وطنيّة، وتوافقوا على إطلاق مبادرة باسم تجمع سوريا الديمقراطيّة مفتوحة لجميع السوريين، وللتنسيق مع مبادرات مماثلة، ومع كلّ القوى والهيئات والنقابات التي نتوافق معها”.
ومن أهداف التجمع: المساهمة الفاعلة في حماية السلم الأهلي والمرافق العامة مع كل من يساهم في ذلك. العمل الجاد من أجل مؤتمر حواري وطني سوري، ومتابعة عملية الانتقال الديمقراطي. العمل الفوري الجاد على توحيد وتنسيق جميع الجهود الرامية إلى خلاص سوريا من أي احتمال لعودة الاستبداد، وسيرها على طريق الحريات والحقوق الكاملة غير المنقوصة. الدفاع عن مصالح الطبقات والفئات الشعبية الاقتصادية والسياسية وحقوقها بالتنسيق مع نقاباتها واتحاداتها المختلفة المستقلة القائمة أو المزمع إقامتها في المستقبل القريب والبعيد. والتنسيق مع مختلف الاتحادات الثقافية والأدبية والفكرية وسواها، الحريصة على إبراز وجه سوريا الحضاري.
ما بعد وقفة المرجة
خلال المجازر والانتهاكات التي وقعت بحق أبناء الطائفة العلوية، نظَّم عدد من التيارات والتجمعات المدنية والشخصيات الثقافية والسياسية وقفة في ساحة المرجة للتضامن مع ضحايا المجازر ومع شهداء الأمن العام، الذين قضوا بهجمات فلول النظام، وللمطالبة بمحاسبة مرتكبي الجرائم. وخلال الوقفة اصطدم المشاركون، الذين كانوا بمعظمهم شخصيات معارضة للنظام السابق ومحسوبة على الثورة، مع بعض الأصوات المعارضة التي أطلقت شعارات طائفية واقتحمت الوقفة لتقف بوجههم وتتهمهم بأنهم عملاء وفلول، ليتطور الأمر إلى عراك بالأيدي ولإطلاق النار بالهواء من قبل عناصر الأمن العام لتفريق المشاركين. ونتيجة لما حصل صُدم معظم المشاركين وأصيبوا بخيبة أمل كبيرة وتراجع حماس ونشاط الكثير منهم وتسلل الخوف إلى قلوبهم، بعد أن أعادهم المشهد إلى زمن النظام البائد وطريقة تعامله مع المظاهرات التي كانت تطالب بالحرية، وهو ما أدى إلى تراجع زخم النزول إلى الشارع بشكل كبير، ليقتصر الأمر على بعض الوقفات الخجولة، وعلى بعض الأنشطة المدنية والاحتفالية التي يتعلق معظمها بذاكرة الثورة، وهو ما بدا واضحاً خلال أحداث جرمانا وصحنايا والسويداء، التي وقعت بعد التسجيل المسيء للنبي الكريم محمد، فرغم رغبة الكثير من النشطاء المدنيين بتنظيم وقفات احتجاجية ضد ما حدث بحق أبناء الطائفة الدرزية، لم يسجل الشارع أي وقفات احتجاجية أو تضامنية تذكر، وذلك نتيجة تخوفهم الواضح من ردة فعل مشابهة لما حدث خلال وقفة المرجة، في حل تم النزول إلى الشارع.
في غياب الأحزاب السياسية
رغم أهمية تلك المبادرات والتيارات والتجمعات المدنية، تبقى الحاجة لوجود أحزاب سياسية ضرورة ملحة لتحقيق أهداف الثورة السورية التي نادت بالحرية والديمقراطية، إذ ينتظر الكثير من السوريين إصدار قانون الأحزاب الذي سيتيح لهم إمكانية تشكيل أحزاب سياسية جديدة تُعبِّر عن أفكارهم وتطلعاتهم السياسية. وترى معظم النخب السياسية والثقافية أن غياب الأحزاب السياسية في سوريا وتهميشها وإقصائها سيشكل تهديداً لشكل الدولة الديمقراطية المستقبلي ويعرقل عملية التحول الديمقراطي ويغلق الطريق أمام إمكانية الإصلاح والتغيير المنشودين من قبل السوريين، فمن المعروف أن غياب الأحزاب يعني غياب الديمقراطية، حيث يساهم وجودها في تفعيل وتنشيط الحياة السياسية في المجتمع ونشر الوعي والفكر السياسي والإرتقاء بهما، وتكريس مفهوم الدولة الديمقراطية الحديثة التي يُعتبر وجود الأحزاب السياسية أحد مرتكزاتها ودعائمها. كما أن وجود الأحزاب يُشكل ضغطا مباشراً على الحكومة ومراكز صنع القرار ومؤسسات الدولة لكي تنهض بمسؤولياتها وواجباتها على أكمل وجه، كما تساهم الأحزاب أيضاً في تشكيل الرأي العام وتحريضه من أجل النهوض بواقع البلاد وتسليط الضوء على أخطاء وممارسات السلطة والوقوف بوجهها في حال حادت عن برنامجها السياسي ونكثت بالوعود التي وعدت الشعب بتنفيذها.
بواسطة أوس يعقوب | يونيو 28, 2025 | Cost of War, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
واقعٌ مريرٌ يعيشه السوريون اليوم، بعد تزايد المخاوف من استمرار التوتر وتجدّد اندلاع المزيد من أعمال العنف والقتل، وتغييب العدالة الانتقالية ومحاسبة الجناة من كل أطراف النزاع السوري الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية بحقّ السوريين على مدار السنوات الأربع عشرة الماضية، الأمر الذي يهدّد السلم الأهلي، ويقوض أيّ فرصة لبناء سلام مستدام في البلاد، في حال لم يحقّق مبدأ العدالة للجميع، وتواصلت الانتهاكات والتجاوزات وعمليات القتل خارج نطاق القانون، وعدم مضي صنّاع القرار في سورية الجديدة نحو بناء دولة قائمة على العدالة وسيادة القانون، ووضع حدٍّ لثقافة الإفلات من العقاب المتجذرة، والتعامل بمسؤولية تاريخية مع الإرث الثقيل للنزاع الدموي، واختيار مسار العدالة الانتقالية المدروس والمتوازن والشامل، الذي يعتبر شرطاً أساسياً وجوهرياً لبناء دولة مستقرّة وديمقراطية تقوم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.
المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس اللجنة العليا للسلم الأهلي، حسن صوفان، في العاشر من الشهر الجاري، في دمشق، كان في مجمله مخيباً لآمال الناجين وأهالي الضحايا والمفقودين، لا بل لكل السوريين الذين تضرّروا وضحوا خلال سنوات الثورة (2011 -2024).
كما أثارت تصريحات صوفان خلال المؤتمر موجة من الاستياء المجتمعي جراء تعامل السلطات الجديدة مع شخصيات مثيرة للجدل، ومتهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة، وعودتها لتتصدر المشهد السوري الحالي، أمثال فادي صقر، يطرح الكثير من التساؤلات حول جدوى المصالحة دون ضمان تحقيق العدالة ومحاسبة الجناة، خصوصاً في ظل وجود تقارير تشير إلى وجود نحو 125 ألف معتقل لدى وزارة الداخلية، بالإضافة إلى 450 ألف موقوف من أتباع نظام بشار الأسد البائد، جميعهم دون محاكمات أو إجراءات عدالة انتقالية واضحة.
وبحسب مراقبين حقوقيين فإنّ هذا الواقع يطرح إشكالية جوهرية حول التوازن بين المصالحة والعدالة، إذ لا يمكن تحقيق سلم أهلي مستدام دون معالجة مظالم الماضي بشكلٍ عادل ومنصف.
أمام مفترق الطرق المفصلي الذي تمرّ به سورية في هذه المرحلة الانتقالية، يجد السوريون أنفسهم في مواجهة أسئلة صعبة؛ عن معنى ودروب وشروط العدالة الانتقالية تحقيقاً لمسار السلم الأهلي المستدام ببلد في طور نهضة جديدة، بعد نحو ستة عقود من الحكم الاستبدادي البعثي في ظل عائلة الأسد، وهي الأسئلة التي نحاول تفكيكها في هذا المقال، بعد ستة أشهر على هروب بشار الأسد إلى موسكو، في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، لا سيّما بعد إصدار رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في 17 مايو/ أيار الماضي، المرسوم رقم (20) لعام 2025، الذي ينصّ على تشكيل هيئة مستقلّة تحت مسمّى “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، تزامناً مع صدور مرسوم رئاسي آخر يقضي بتشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين”، تكلّف “بالبحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم”.
لقد كان أحد أبرز أهداف مطالبة السوريين بتشكيل هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، هو ضمان تحقيق السلم الأهلي على المستوى البعيد بين أبناء الشعب الواحد، عبر تحقيق المحاسبة والعدالة للناجين ولأهالي الضحايا والمفقودين بما يوقف عمليات الانتقام التي بدأت تتصاعد كثيراً خاصّة في محافظة حمص ومناطق الساحل السوري.
إنّ الوصول إلى إنصاف الناجين وأهالي الضحايا والمفقودين، وبالتالي تحقيق العدالة المنشودة في سورية الجديدة الماضية إلى الأمام نحو مستقبل ديمقراطي آمن، لا يمكن أن يكون، بحسب الأكاديمي السوري الدكتور رضوان زيادة (المدير التنفيذي لـ”المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية” في واشنطن، والباحث الزائر في “مركز كار لحقوق الإنسان” في جامعة هارفارد)، إلّا عبر إطلاق مسار رسمي يشمل الكشف عن مصير المختفين قسراً عبر البحث عن مصيرهم، وضمان تحقيق العدالة لهم عبر التعاون مع وزارة العدل لتأسيس ما تسمّى “المحكمة السورية الخاصّة بجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية”، وتأسيس معادل وطني للمؤسّسات الدولية التي تشكّلت بعد بداية الثورة، مثل “لجنة التحقيق الدولية المستقلّة”، و”الآلية الدولية المحايدة الخاصّة بالمساءلة الجنائية”، و”المؤسّسة المستقلّة المعنية بالمفقودين”، وكلتا الآليتين شكّلتهما الجمعية العامّة للأمم المتّحدة. ولذلك يجب أن تتشكّل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” نظيراً وطنياً يستطيع التعامل مع هذه الآليات، وتحقيق العدالة بالنسبة إلى كثير من أسر الضحايا في ما يتعلّق بتقدير التعويضات الضرورية الخاصّة لهم، وضمان مسؤولية نظام بشار الأسد عن ارتكاب هذه الجرائم، وتحقيق المصالحة الوطنية هدفاً بعيداً عبر تجنّب مبدأ الإدانة العامّة لطائفة بعينها، وإنّما تقديم المسؤولين الفرادى المسؤولين عن ارتكاب الجرائم للعدالة، وهو ما يفتح الباب لتحقيق المصالحة الوطنية وضمان السلم الأهلي” (1).
الناشط الحقوقي في مجال حقوق الإنسان والمُساءلة والعدالة الانتقالية، مصطفى حايد، الذي عمل سابقاً كاستشاري دولي مع منظّمة “هيومن رايتس ووتش” ومكتب المستشار الخاصّ المعني بمنع الإبادة الجماعية ومسؤولية الحماية، يعرّف مصطلح “العدالة الانتقالية”، بالقول إنّه “مصطلحٌ هجين، حديثُ العهد، يشيرُ إلى عملية متكاملة وشاملة تهدف إلى تحقيق العدالة خلال فترات التحوّل الكبيرة في البلدان. كما هو الحال في سوريا، التحوّل من (سوريا الأسد) إلى (سوريا للجميع)” (2).
تُعدّ المصالحة الوطنية الحقيقية هدفاً رئيساً وأساسياً للعدالة الانتقالية، لكنّها لا تتحقّق تلقائياً بمجرّد انتهاء النزاع. إنّها عملية معقّدة ومتعدّدة الأبعاد تتطلّب بناء الثقة، والاعتراف العلني بمعاناة الضحايا، وتقديم المسؤولين للمحاسبة العادلة، وإصلاح المؤسّسات التي سمحت بالانتهاكات، خاصّة بعد أن بدأنا نشهد بالفعل حالات متزايدة من الانتقام الشخصي ضدّ أشخاص محسوبين على نظام بشار الأسد البائد، وإن استمرار هذه الظاهرة وتوسّعها يضع العملية الانتقالية برمّتها على محك خطير.
من هنا تبرز الأهمّية القصوى للتحرّك السريع والمنهجي والشامل لإيجاد إطار مؤسّسي للعدالة الانتقالية، يستجيب لتطلّعات الناجين وأهالي الضحايا المشروعة في تحقيق العدالة وإنصافهم وحفظ حقوقهم، لحماية المجتمع من قيام البعض بأعمال انتقامية خارج إطار القانون، والانزلاق نحو حلقة جديدة من العنف المدمّر.
وعلى الرغم من أنّ الإعلان الدستوري المؤقّت، الذي وقّعه الرئيس الشرع، في 13 مارس/ آذار 2025، والذي يحدّد مدّة المرحلة الانتقالية في البلاد بخمس سنوات، يلزم الحكومة السورية بتهيئة الأرضية لتحقيق العدالة الانتقالية، باعتماد آليات فاعلة تشاورية مرتكزة على الضحايا، لتحديد سبل المساءلة، والحقّ في معرفة الحقيقة، وإنصاف للضحايا والناجين، من خلال المادتين 48 و49، إلّا أنّه (أيّ الإعلان الدستوري) – وفقاً لخبراء حقوقيين سوريين مختصّين -، يفتقر إلى وضوح التفصيل التنفيذي والضمانات المؤسّسية، إذ لم يحدّد اختصاصات الهيئة وصلاحياتها، ولا خطوات إلغاء القوانين الاستثنائية وإبطال الأحكام الجائرة. كما لم يُشر إلى حقوق الضحايا في جبر الضرر، وغاب عنه النصّ الصريح المتعلّق بإصلاح المؤسّسات الأمنية والقضائية، التي تشكّل أحد الأركان الأساسية للعدالة الانتقالية.
بحسب هؤلاء الحقوقيين، فإنّ المادتين 48 و49 وإن كانتا تشكلان “إعلان نوايا قوي”، لكنّهما تحتاجان إلى تشريعات تنفيذية تكملهما، وتفصّل الإجراءات، وتبني المؤسّسات، وتحمي الحقوق، وفي المقدّمة منها جبر الضرر، الذي يلزم بالضرورة إنشاء “صندوق وطني لتعويض الضحايا” كل الضحايا من كل أطراف النزاع السوري، في الفترة ما بين اندلاع الثورة في 11/03/2011 وسقوط نظام الأسد في 08/12/2024، تُخصّص له نسبة من الموارد العامّة والمساعدات الدولية وأصول النظام السابق المجمّدة.
يؤكّد الخبراء الحقوقيون والقانونيون السوريون، أنّه لا تمكن معالجة ملف المفقودين والمختفين قسراً بمعزل عن المسار الشامل للعدالة الانتقالية، لما يحمله من أبعاد حقوقية، وسياسية، واجتماعية تتجاوز الأثر الفردي للمفقود لتشمل البنية المجتمعية بكاملها.
انطلاقاً من هذا المنظور، فإنّ ذلك يتطلّب معالجة كافة الملفات، وفي المقدّمة منها ملف المفقودين، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً ضمن سجل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدها النزاع المسلح منذ عام 2011، شريطة أن تكون تلك المعالجة في سياق مقاربة شاملة ترتبط بالكشف عن الحقيقة، والمساءلة ومحاسبة الجناة ومرتكبي الانتهاكات، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسّسي، والتوصل إلى نتائج ملموسة لصون السلم الأهلي وإعادة الأمل بتحقيق العدالة للناجين وللضحايا.
ومنذ صدور المرسومين الرئاسيين تنوّعت الآراء حولهما بين متفائل وبين منتظر لنتائج تشكيل اللجان المنبثقة عن الهيئتين، وآخر يطالب بضرورة إشراك أهالي المفقودين والمتضرّرين والمجتمع المدني والمنظّمات الحقوقية التي عملت منذ سنوات على مسار العدالة الانتقالية. ورابع ينتقد فصل مسمّى “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” عن “الهيئة الوطنية للمفقودين”.
تنوّع تلك الآراء رافقه شعور بالإحباط ساد بين السوريين، لاقتصار المرسوم الرئاسي القاضي بتشكيل هيئة العدالة الانتقالية على جرائم نظام الأسد المخلوع واستبعاد كافة أطراف النزاع السوري، وهو ما يُعدّ اجتزاءً لحقوق ضحايا الأطراف الأخرى التي شاركت في النزاع سواء كانت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أو “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، وغيرها من القوى المسلحة على الأرض السورية.
إحصائيات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” كشفت حجماً هائلاً من المآسي ومعاناة السوريين في السنوات الأربع عشرة الماضية (2011 – 2024)، فوفقاً لبيانات الشبكة فإنّ 231 ألف مدني قضوا خلال النزاع، غالبيتهم (202 ألف) على يد قوات النظام، و15,393 شخصاً توفوا تحت التعذيب. إضافة إلى ما لا يقل عن 177 ألف شخص لا يزالون في عداد المختفين قسراً على يد مختلف أطراف النزاع.
كما تشير قاعدة البيانات، إلى أنّ هناك أكثر من 16,200 من مرتكبي الانتهاكات الذين جرى تحديد هويتهم، منهم 6,724 من (القوات الرسمية) و9,476 من (القوات المُعاونة/الرديفة). هذا بالإضافة إلى استخدام أسلحة محرّمة دولياً بشكلٍ ممنهج، حيث ألقى الطيران الحربي (التابع للجيش السوري والحليف الروسي) ما لا يقل عن 81,916 برميلاً متفجراً، ونفّذ 217 هجوماً كيميائياً، و252 هجوماً بذخائر عنقودية. وقد أدّت هذه الانتهاكات الممنهجة إلى تشريد قرابة 14 مليون سوري – أيّ ما يعادل نصف السكان – بين نازح داخلي ولاجئ في دول الجوار والعالم، بعد التدمير الممنهج للبنية التحتية، وهو ما أدّى إلى تمزيق النسيج الديموغرافي للمدن والقرى السورية، وخلق واقع جديد من الاستقطاب الحادّ والفرز السكّاني على أسس سياسية وطائفية وإثنية متعدّدة.
انطلاقاً من الواقع المأساوي المشار إليه آنفاً، فإنّه لا يمكن معالجة ملف المفقودين والمختفين قسراً والمتضرّرين وعائلاتهم بمعزل عن المسار الشامل للعدالة الانتقالية، لما يحمله من أبعاد حقوقية، وسياسية، واجتماعية تتجاوز الأثر الفردي للمفقود لتشمل البنية المجتمعية بكاملها. لذا، تتطلّب معالجته مقاربة شاملة ترتبط بالكشف عن الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسّسي. ذلك أنّ غياب آليات العدالة المؤسّسية والمنظّمة يؤدّي حتماً إلى تنامي ظاهرة “العدالة الشعبية” أو “محاكم الشارع” الفردية والجماعية، التي غالباً ما تكون عشوائية وانتقامية وتفتقر للضمانات القانونية الأساسية، وهو ما يُسهم في إنتاج موجات جديدة من العنف الانتقامي، الأمر الذي يهدّد الاستقرار المجتمعي ويزيد من تجذر الضغائن، ويُصعِّب مسار المصالحة مستقبلاً، ويُعقد إمكانيات الوصول إلى السلم الأهلي، والبدء بعملية حوار وطني شامل حول الماضي وكيفية التعامل معه بشكلٍ بنّاء.
وكانت هيئات ومنظّمات حقوقية سورية قد وثّقت منذ الأيام الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، محاولات من بعض الأطراف لتدمير وثائق وأدلة خاصّة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبت بشكلٍ ممنهج ضدّ المدنيين السوريين منذ عام 2011، في مقرّات الفروع الأمنية ومؤسّسات الدولة. وكذلك فرار العديد من المتورّطين الرئيسيين في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك مجرمي حرب بارزين، إلى خارج البلاد وإفلاتهم من المساءلة القانونية. وكلما تأخر إنشاء آلية واضحة وفعالة للمساءلة الجنائية ازدادت فرص هروب المزيد من المتورّطين، ما يهدّد بشكلٍ مباشر بضياع فرصة العدالة الحقيقية للضحايا.
لم يكن انهيار نظام الأسد وهروبه إلى موسكو، بعد ما يزيد عن أربع عشرة سنةً من اندلاع الثورة في سورية، وما رافقها من نزاع دموي خلّف مآسٍ ومعاناة كبيرة لملايين السوريين وجراحاً عميقة في نسيج المجتمع، لم يكن مجرّد تحوّل سياسي، بل إنّه نقطة تحوّل فارقة في التاريخ السوري المعاصر تستدعي وضع البلاد على طريق التعافي والاستقرار، وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة الجديدة والمجتمع بكل أطيافه وشرائحه وطوائفه على أسس واضحة وجلية من العدالة والمساءلة والكرامة.
ومنذ الأيام الأولى التي تلت انهيار النظام برزت قضية العدالة الانتقالية بوصفها من أعقد الاستحقاقات التي لا يمكن القفز فوقها أو تأجيلها. وقد عكست المطالب الشعبية المتزايدة، خصوصاً من أهالي الضحايا والمخفيين قسراً وضحايا المجازر الجديدة، حالة من الترقب والقلق إزاء شكل العدالة الممكنة في المرحلة القادمة، وجدّية السلطة الجديدة في مقاربة هذا الملف الحساس من منظور الحاجة إلى عدالة لا تقتصر على العقاب والمحاسبة، بل تمتدّ لتشمل الإصلاح المؤسّسي، والمصالحة المجتمعية، وجبر الضرر، بما يحقّق توازناً حقيقياً بين استحقاقات السلم الأهلي ومتطلّبات المساءلة، لا سيما بعد سلسلة من الحوادث الدموية في عدد من المناطق السورية، والتي وصفتها جهات حكومية بـ “تصرفات فردية”، ولكنّ هذه الحوادث كانت دافعاً رئيساً باتّجاه المسارعة بتحقيق العدالة الانتقالية، ومن أولى الخطوات في تحقيق العدالة الانتقالية المرجوة كان السعي لإنشاء هيئة وطنية مستقلّة للعدالة الانتقالية، توازن ما بين موجبات العدالة وٌنصاف الناجين وردِّ المظالم إلى ذوي الضحايا وجبر الضرر عنهم بما يضمن المصالحة المجتمعية وحفظ السلم الأهلي، دون التفريط بحقوق أحد من كل الأطراف وليس من طرف واحد، كون الهدف الرئيسي هو تحقيق وتكريس عدالة انتقالية حقيقية وليس عدالة انتقائية أو انتقامية، إلى جانب تعزيز قيمة وثقافة المساءلة بدلاً عن ثقافة الإفلات من العقاب في المجتمع السوري الجديد، في ظل الانقسامات التي تعانيها سورية اليوم، خصوصاً في المناطق ذات الانقسامات الطائفية والعرقية مثل حمص وحلب والساحل والشمال الشرقي السوري.
رئيس “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، الدكتور فضل عبد الغني، يرى أنّ “مجرّد النصّ الدستوري، رغم أهمّيته البالغة، لا يكفي وحده لضمان فعالية هيئة العدالة الانتقالية. فالترسيخ الدستوري يحتاج إلى آلية تنفيذية تضمن أن تكون الهيئة مستقلّة وتمثيلية وفعالة. وهنا تبرز إشكالية جوهرية: هل يتم إنشاء الهيئة بمرسوم تنفيذي، أم من خلال قانون يصدر عن المجلس التشريعي؟” يؤكّد عبد الغني، أنّ “سنّ قانون أساسي للعدالة الانتقالية عبر المجلس التشريعي، وليس بمرسوم تنفيذي، يمثّل ضرورة حيوية لضمان شرعية وفعالية هيئة العدالة الانتقالية في سورية. وتستند هذه الأفضلية إلى مفهوم “كرامة التشريع”، أيّ أنّ القوانين الصادرة عن هيئة تشريعية منتخبة ومتعدّدة الأطراف تكتسب سلطة أخلاقية متميّزة تتجاوز مجرّد الإلزام القانوني الرسمي”. ذلك أنّ العدالة الانتقالية الفعالة في سورية “تتطلّب الالتزام بثلاثة مبادئ مركزية: الاستقلالية، والشفافية، والملكية الوطنية. ويعزّز المسار التشريعي هذه المبادئ جوهرياً” (3).
رؤية “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” حول تأسيس هيئة العدالة الانتقالية في سورية، تقترح إطاراً تنظيمياً للهيئة عبر بنية مؤسّسية متعدّدة المستويات، مصمّمة لتحقيق التوازن بين مركزية التنسيق ومرونة التكيف مع الخصوصيات المحلّية. هذه البنية الهرمية المتكاملة تعكس المرونة الهيكلية التي تمزج بين الإجراءات الموحدة والاستجابة التكيفية للسياقات المتغيّرة. ويتولّى قيادة هذه الهيئة مجلس إدارة يتكوّن من خبراء قانونيين وممثلين عن المجتمع المدني والضحايا. على أن تقوم معايير اختيار أعضاء الهيئة على مقاربة تدمج الكفاءة، والتمثيل العادل، والاستقلال السياسي، بما يعالج تحدّي الموازنة الدقيقة بين متطلّبات التمثيل والحياد والفعالية.
وقد حدّدت رؤية الشبكة عن مسار العدالة الانتقالية في البلاد ست فئات مركزية لهذه العملية: “منظّمات المجتمع المدني، الضحايا، الجهات السياسية، المجتمعات المحلّية، النساء والشباب، والداعمين الدوليين”. ويتّسق هذا التصميم مع رسم خريطة الجهات المعنية، أيّ التحديد المنهجي للفئات التي تُعدّ مشاركتها ضرورية لضمان المشروعية الاجتماعية والسياسية للعملية. وتؤكّد الرؤية أنّ “لجميع الضحايا الحقّ في رفع دعاوى قضائية ضدّ المسؤولين المباشرين عن معاناتهم، بغض النظر عن رتبهم أو مناصبهم”.
إنّ تأجيل تطبيق آليات العدالة الانتقالية يعرّض المجتمع السوري لمخاطر متعدّدة ومتشعبة، أبرزها ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب التي سادت لعقود طويلة من حكم عائلة الأسد، مما يقوّض بشكلٍ خطير الثقة في شرعية المؤسّسات الجديدة ويبعث برسالة مدمّرة مفادها أنّ ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لا يستتبع مساءلة حقيقية. بينما ما يحتاجه المجتمع السوري اليوم هو وضع أسس متينة للعدالة الانتقالية، والتركيز على جبر الضرر وإصلاح المؤسّسات التي تورّطت في الانتهاكات، خاصّة المؤسّسات القضائية والأمنية والعسكرية، وإرساء قواعد عادلة وشاملة للمصالحة المستدامة في خضم هذه الفترة الحرجة والفاصلة.
***
هوامش:
- رضوان زيادة، مقال بعنوان: “أهمّية إطلاق هيئة العدالة الانتقالية في سورية اليوم”، موقع “تلفزيون سورية”، تاريخ النشر: 09/05/2025.
- مصطفى حايد، مقال بعنوان: ” لماذا يختلف التعاطي مع العدالة خلال فترات التحولات الكبرى؟”، موقع “الجمهورية”، تاريخ النشر: 27/05/2025.
- فضل عبد الغني، مقال بعنوان: “مسار العدالة الانتقالية في سورية… الرؤية والتطبيق”، صحيفة “العربي الجديد”، ملحق “سورية الجديدة”، تاريخ النشر: 20/03/2025.