بواسطة عمر الشيخ | فبراير 3, 2026 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير
ثمّة بداياتٌ مفاجئة لتحوّلات التوازن في شرق المتوسط. قد تبدأ من خريطةٍ صغيرة تُتداوَل همساً كأنها “معلومة”، وقد تنتهي بسفينةِ مسحٍ زلزالي تُعامَل كأنها “قرارٌ”. البحر، من بعيد، يبدو مساحةً بلا ذاكرة؛ ماء يبتلع أثره ولا يترك شاهداً. لكن هذا الحوض بالذات لا ينسى. هنا، كل خطٍّ يُرسَم على ورقٍ يتحوّل سريعاً إلى نزاعٍ على الموانئ، وعلى شركات التأمين، وعلى شرعية الحركة في الماء؛ نزاعٌ تُديره العواصم ببرود، وتدفع ثمنه الدول الأضعف بالتقسيط.
ومنذ تبدّل ميزان الحكم في دمشق أواخر عام 2024، تصرّفت أنقرة كأن نافذةً أُزيحت أخيراً؛ سورية التي كانت مغلقة بالحديد والفيتو أصبحت “قابلة للترتيب” من جديد. ضمن سلة الملفات، يبرز البحر كفرصةٍ مزدوجة الحدّ؛ فرصة لأن الغاز والممرات والأسواق تُغري، ولأن تثبيت الخطوط يعني تثبيت النفوذ. وخطرٌ لأن أي خطوةٍ غير محسوبة قد تُدخل دمشق في اشتباكٍ كبير مع أوروبا، وتمنح تركيا – بحكم الخبرة والقدرة – أوراقاً تتجاوز اللحظة، وتضغط على هامش سورية في السنوات القادمة؛ ليس فقط في المتوسط، بل في طريقة عودتها إلى العالم أصلاً.
وبحسب المتاح من مؤشراتٍ وتصريحاتٍ متفرقة، ثمة حديثٌ عن مسارٍ تركي–سوري يتصل بتحديد مناطق النفوذ في البحر. لا شيء مُعلناً بوصفه اتفاقاً نهائياً، ولا وثائق منشورة، ولا إحداثيات مُودَعة. لكن مجرد تداول الفكرة يهمّنا، لأن ظهورها سياسي في جذوره؛ هل تريد سورية الجديدة أن تبدأ علاقتها بالبحر من بوابة مقايضةٍ سريعة، أم من بوابة تثبيت سيادةٍ هادئة لا تُستدرَج إلى صراعات الآخرين؟ كما أن تركيا، في المقابل، لا تنظر إلى المتوسط بوصفه حيّزاً جغرافياً محايداً. لديها عقيدةٌ بحرية وخطابٌ مُعلن عن “المجال الحيوي” وأولوية حماية مصالحها، وبخاصة ما تعتبره “حقوق القبارصة الأتراك” المرتبط بالمنطقة الشمالية من قبرص والتي تقع تحت وصاية تركيا. ومع كل حديثٍ عن تفاهمٍ مع دمشق، يظهر ظلّ قبرص فوراً، حتى لو لم يُذكر بالاسم.
قبرص: الجار الذي يفرض نفسه
الجغرافيا هنا أوضح من النوايا. الساحل السوري قصير نسبيّاً، وأي انحرافٍ بسيط في زاوية الخطّ يغيّر المساحات والحقوق ويُضعف قابلية الدفاع القانوني. لكن المسألة ليست حسابات أميال فقط. وقرب قبرص يجعلها طرفاً فعليّاً في أي معادلة، حتى لو أُخرجت من الخطاب. وتجاهلها يُعدّ مخاطرةً سياسيةً مبكرةً.
الصورة يجب أن تُقرأ كما هي؛ إذا صيغت خطوط تركية–سورية تُقلّص أثر قبرص أو تلتفّ على وزنها، فلن تُعامل كترتيبٍ ثنائيٍّ بريء. ستُقرأ كخطوةٍ تستفز نيقوسيا وأثينا، وتدفع الاتحاد الأوروبي إلى الردّ، لأن الملف عنده سيادةٌ وحدودٌ وطاقةٌ، لا ورق خرائط فقط. والأسوأ أن تُمرَّر الصيغة -مباشرةً أو مواربةً- بما يُدخل “شمال قبرص” المحتل، في المنطق الترسيمي، نصّاً أو عبر نقاطٍ مرجعية. هنا تتحول المسألة إلى أزمةٍ دبلوماسيةٍ شبه مؤكدة، وتصبح سورية هي من يدفع الكلفة؛ على صعيد الانفتاح الأوروبي، وعلى صعيد الاستثمار والتمويل والتأمين، وعلى صعيد الشرعية السياسية التي تحتاجها في مرحلة انتقالية حساسة.
ولا ينتهي الأثر عند قبرص. جنوباً، يطل لبنان عبر حساسية “نقاط الالتقاء” البحرية. أي خطٍّ ثنائي قد يربك لاحقاً تفاوض دمشق مع بيروت، أو يرفع ثمن أي تسويةٍ لاحقة. وفي الخلفية، تبقى إسرائيل وملفات الطاقة عامل ضغطٍ دائماً في شرق المتوسط. هذه ليست ساحاتٍ منفصلةً لكل دولة. إنها مساحة تداخل. ومن يتصرف كأنه وحده في البحر سيكتشف سريعاً أن الآخرين سيحوّلون خطوته إلى كلفةٍ مضاعفة؛ قانونيّاً، ودبلوماسيّاً، وماليّاً، وأمنيّاً.
من يمسك القرار… ومن يدفع الثمن؟
في هذا النوع من الملفات لا يكفي أن نعرف “من يتفاوض”. المهم أن نعرف من يقرّر، ومن يستطيع تحويل الورق إلى واقع. في أنقرة، الخارجية هي الواجهة السياسية–القانونية، والرئاسة هي سقف القرار لأن أي خطوة في البحر تُربط عادةً بسلةٍ أوسع؛ أمن، حدود، تجارة، لاجئون، وطاقة. وبينهما قنواتٌ خلفية تتولاها أجهزة الأمن حين تصبح الاتصالات حسّاسة أو حين يلزم تمرير الرسائل بعيداً عن الضوء. بعد ذلك تدخل الطاقة والمؤسسة البحرية بوظيفتها الصلبة؛ خرائط، تقديرات، وخيارات مسحٍ واستكشاف.
أما في دمشق الانتقالية، فالقرار -إن وصل إلى مرحلة النضج- قرار سيادي من الدرجة الأولى، ولا يمر بسلاسة عبر مؤسسة واحدة. الخارجية قد تدير التفاوض، ومؤسسات الطاقة قد تراجع الحسابات، لكن التوقيع -إذا حدث- يحتاج غطاءً أعلى، ومرجعيةً داخليةً لا تبدو مستقرة بعد. هنا مكمن الضعف؛ اتفاق كبير يُبرَم في لحظة انتقالية، من دون سند مؤسسي وإجرائي واضح، قد يتحول لاحقاً إلى مادة انقسام، ويُستخدم كسلاح سياسي ضد السلطة نفسها.
وهناك عامل لا يجوز تجاهله، وهو أن الساحل السوري ليس مساحة هادئة سيادياً حتى داخل سورية. توازنات نفوذ، ذاكرة امتيازات طاقة، وحضور روسي ثقيل في طرطوس وما حولها. مصالح متشابكة قد لا تتقبل سريعاً انتقالاً يمنح تركيا مكاسب صافية من دون أثمان مقابلة. هذا قد لا يظهر في التصريحات، لكنه يظهر عند التنفيذ؛ عند دخول الشركات، عند ترتيبات الحماية، عند التأمين البحري، وعند الأسئلة التي تُسقط أي خطاب إنشائي: من يضمن؟ من يموّل؟ ومن يوقّع فعلاً؟
ما بين الانفتاح الغربي وقيود الواقع
يسهل على أي طرف أن يقرأ 2025 بوصفها سنة “تخفيف القيود” عن سورية. ظهرت إشاراتٌ إلى انفتاحٍ أوروبي أوسع، وإلى تفكيكٍ جزئي لبعض منظومات العقوبات أو إعادة ترتيبها. لكن الخطأ أن تُفهم هذه التحولات كأنها تفويضٌ مفتوح لتوقيع اتفاقات بحرية شائكة بلا ثمن. التحسن السياسي لا يلغي كلفة الامتثال، ولا يرفع فجأةً الحساسية الأوروبية حين يتعلق الأمر بالبحر وقبرص.
أي مشروع بحري يحتاج شركاتٍ، ومصارفَ، وتأميناً، وتقنيات قد تُصنّف “مزدوجة الاستخدام”، وشبكات امتثالٍ لا تعمل بالنوايا، بل بالخوف؛ خوف من المخاطر القانونية، ومن الإشارات السياسية، ومن أي نزاع يمكن أن يطيح التمويل والتشغيل. لهذا قد يكون التوقيع أسهل من التنفيذ. وقد ينجح الطرفان في إنتاج ورقة سياسية، ثم يكتشفان أن تحويلها إلى عملٍ فعليّ يصطدم بجدار؛ تأمين لا يأتي، أو شركة تتراجع، أو مصرف يطلب ضمانات لا يمكن توفيرها، أو اعتراض أوروبي يرفع كلفة كل خطوة.
ثم إن أوروبا -خصوصاً قبرص واليونان- لديها حساسية مسبقة من أي خطوط تُرسم خارج مقاربتها القانونية، ولديها سجل واضح في الاعتراض على ترتيبات بحرية اعتبرتها تمس حقوق أطراف ثالثة. لذلك يُقرأ أي تفاهم تركي–سوري، عند أول خطوة ميدانية، كاختبار عملي لإرادة الاتحاد الأوروبي في حماية ما يراه “حدوده” ومجاله البحري. وهنا يضيق الهامش على دمشق؛ سورية تريد باباً أوسع إلى العالم، لكن قد تُستدرج إلى ملف يجعل هذا الباب أضيق، ويعيدها إلى دائرة الاشتباك بدل الخروج منها.
كيف نعرف أن الأمر خرج من دائرة الكلام؟
في هذا النوع من القضايا لا أعوّل على التسريبات، ولا على العبارات المرنة التي تصلح لكل شيء. ما يهمني هو الأثر القابل للقياس. إذا أردنا مراقبة المسار بعقلٍ بارد، فهناك إشارات قليلة لكنها فاصلة:
أولاً: إعلان تشكيل لجنة مشتركة بصلاحيات واضحة. تتحدث عن منهج عمل، وجدول زمني، ومرجعيات قانونية، ومن يوقّع باسم من. وجود لجنة بهذا الوزن يعني أن الملف خرج من تبادل الأفكار إلى تفاوضٍ مؤسسي.
ثانياً: بدء أعمال مسح بحري أو زلزالي بتنسيق فعلي قبالة الساحل السوري. وهذا إعلانٌ ضمني عن “مساحة عمل” وعن حدودها السياسية والأمنية. لحظة خروج السفينة إلى الماء يتغير كل شيء: يبدأ الاختبار الحقيقي، وتظهر فوراً الاعتراضات أو القدرة على تحمّلها.
ثالثاً: ظهور وثيقة يمكن تتبعها، حتى لو كانت مذكرة أولية. وثيقة تحمل خطوطاً أو نقاطاً أو صيغاً تقترب من فكرة الإيداع الدولي لاحقاً. من دون ورقةٍ قابلة للتتبع، تبقى الخرائط المتداولة مجرد تصورات للاستهلاك والضغط، لا للبناء.
لكن الأهم، برأيي، ليس فقط “كيف نراقب” بل ماذا يجب أن تفعل دمشق كي لا تُحاصر نفسها. إذا كانت سورية جادة في حماية هامشها البحري، فلا يجوز أن تُسلّم مستقبلها في المتوسط لقناة واحدة. تنويع المسارات ضرورةٌ؛ فتح حوار تقني مع لبنان، ترك نافذة مع نيقوسيا، وعدم السماح بتحول الملف إلى “حزمة” تُستعمل فيها خطوط البحر كعملة لتسويات أمنية أو سياسية قصيرة النفس.
وأخشى تحديداً من فخ “الرمادي”: تفاهم لا يذكر قبرص صراحةً لكنه يُترجم عملياً بطريقة تستفزها، أو لغة مبهمة تسمح لأنقرة بإدخال ملف شمال قبرص إلى المعادلة من الباب الخلفي. هذا النوع من الصيغ يبدو أنيقاً على الورق، لكنه يسقط عند أول احتكاك ميداني، ويترك الطرف الأضعف -وغالباً دمشق- وحيداً في زاوية الدفاع.
كيف ترى سورية الجديدة نفسها، وأين تريد أن تضع قدمها في الإقليم. المتوسط هو أكثر من “فرصة غاز” تُضاف إلى جدول أعمال مزدحم. هو ساحة سيادة. إمّا أن تُصاغ قراراته بوعيٍ طويل النفس، وبحدٍّ معقول من الشفافية والغطاء الداخلي، وإمّا أن تتحول الخطوط إلى “صفقة” تُبرَم سريعاً ثم تُترك سورية وحدها تتعامل مع ارتداداتها.
التجربة القريبة في شرق المتوسط تظهر بوضوح أن كل خطٍّ يتجاهل توازن القوى والجغرافيا السياسية يعيش كأزمة مؤجلة. وكل اتفاق يمرّ فوق رؤوس الأطراف المتأثرة يعود لاحقاً كصدامٍ قانوني ودبلوماسي وربما ميداني. من حق دمشق أن تبحث عن مصلحتها، ومن حق أنقرة أن تجرّب توسيع هامشها، لكن ليس من مصلحة سورية أن تُستدرج إلى معركة قبرص، ولا أن تربط مستقبل بحرها بمقايضة قصيرة العمر.
لهذا أعتقد أن التريث هو شكل من أشكال السيادة. لأن أي خط يُرسَم اليوم قد يُغلق أبواباً غداً. وسورية في لحظتها الانتقالية تحتاج أن تفتح الخيارات لا أن تقفلها؛ اقتصاداً، وعلاقاتٍ خارجية، وشرعية داخلية. في هذا البحر، لا يكفي أن ترسم خطّاً. عليك أن تعرف كيف ستعيش معه، وكيف ستدافع عنه، وكيف ستدفع ثمنه إن لزم الأمر.
بواسطة أسامة الكومه | يناير 27, 2026 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
انهيار النظام المركزي في سوريا، في ديسمبر 2024، خلّف فراغاً مؤسسياً واسعاً. لكن الحياة لم تتوقف. خلال أسابيع قليلة، وجد كثير من السوريين أنفسهم يديرون تفاصيل يومهم عبر الهاتف؛ بيعاً وشراءً، وتحويلات، وتنسيقاً للخدمات، وتبادلاً للمعلومات. لم ينتظر الناس عودة الدولة لترتيب نفسها، بل انتقلوا إلى الشاشات والتطبيقات بوصفها حلاً عملياً لتجاوز إرثٍ طويل من الروتين والبيروقراطية. ومنذ الأسابيع الأولى، برز نمط جديد عبر منصات التواصل؛ إذ لم تعد مجرد مساحة للتعبير، بل تحولت إلى بنية “خدمات” غير رسمية. صار المواطن يتابع حاجاته اليومية عبر مجموعات ومنصات رقمية، فيما بدأت بعض الجهات الرسمية، تدريجياً، تكييف إجراءاتها مع هذا الواقع بدل مقاومته.
هكذا صار الفضاء الرقمي جزءاً من مشهد ما بعد الانهيار؛ ليس بديلاً كاملاً عن الدولة، لكنه قناة تُخفف الاحتكاك المباشر وتعيد تنظيم الحدّ الأدنى من المعاملات والاحتياجات. أوضح وجوه التحول كان اقتصادياً. مع استمرار تعطل النظام المصرفي التقليدي وصعوبة الوصول إلى النقد، وفقاً لما عايناه في تلك المرحلة، اتجه سوريون إلى المنصات الرقمية لضمان استمرار المبادلات اليومية. فخلال عام 2025 تحولت مجموعات “فيسبوك” و”واتساب” إلى أسواق افتراضية تُعرض فيها السلع، تُقارن الأسعار، وتُعقد الصفقات مباشرةً بين المستخدمين. لم يعد وجود سجل تجاري هو معيار الثقة الوحيد، بل صار “الأثر الرقمي” مهماً في سمعة البائع، وتاريخ التعامل، وتقييمات المتابعين داخل المجموعة.
يقول الدكتور جميل الحوشان، أستاذ القانون التجاري والمحامي، لموقع صالون سوريا: “إن الممارسة العملية بدأت تتوافق مع حاجات المجتمع، وأصبحت الأعراف الرقمية قاعدةً متناميةً للتعاملات اليومية”. بهذا المعنى، لم يعد المواطن ينتظر الدولة فقط، بل بات جزءاً من دورة الإنتاج والتبادل، يصنع قواعده المؤقتة ويتكيف معها، ريثما تتبلور مؤسسات أكثر استقراراً.
ثم برز تطبيق “شام كاش” كنموذج واضح للتحول المالي الرقمي في سوريا، حيث شكّل هذا التطبيق محفظة إلكترونية تُستخدم لتسهيل المعاملات المالية اليومية، بما في ذلك تحويلات الأفراد وصرف الرواتب. وابتداءً من مايو/أيار 2025، أصبح قناةً رسميةً اعتمدتها وزارة المالية لتمرير رواتب موظفي القطاع العام، وفق آلية أُلزم محاسبو الجهات العامة بالعمل عبرها. أبرز الخدمات التي يقدمها التطبيق: صرف الرواتب وتحويلها إلكترونياً، بما يقلل الاعتماد على النقد ويخفف ضغط الطوابير. تحويل الأموال بين الأفراد بسرعة، ومن دون عمولاتٍ بحسب مستخدمين، وسداد فواتير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والإنترنت وخدمات أخرى. السحب والإيداع النقدي عبر شبكة مراكز حوالات محددة، مثل “الهرم” و”الفؤاد”. ميزات أمان، مثل رقم “PIN” وخيار التحقق بالبصمة.
لكن هذه المزايا ترافقها تحديات مرتبطة بالأمان والشفافية: التطبيق غير متوفر على “جوجل بلاي” أو “آب ستور”، ويُحمَّل عبر موقع رسمي فقط، ما يطرح أسئلةً حول التحقق التقني ومسؤولية التحديثات. فيما تتزايد أخطار الاحتيال الرقمي وانتحال الهوية، مع انتشار مجموعات تنتحل صفة “الدعم الفني” بهدف اصطياد بيانات المستخدمين.إضافةً إلى تحديات سياسية واقتصادية تتصل بموقع التطبيق خارج إطار البنك المركزي السوري والنظام المالي العالمي، وبإدارته عبر شركة مسجلة في تركيا، وهو ما قد يفتح الباب أمام تركّز الخدمة بيد جهة واحدة ويزيد هشاشة العلاقة مع القطاع المصرفي النظامي.
وتصف حنين الحمود، لاعبة منتخب سوريا بلعبة المبارزة من حماة، خلال حديثها لموقع صالون سوريا واقع استخدام “شام كاش” قائلةً: “التطبيق أعطى الناس قدرةً على إدارة حياتهم المالية، لكنه خلق أيضاً وعياً بحماية المعلومات والحرص على كل عملية، وأصبح المواطن جزءاً من منظومة مالية جديدة، لكنه مسؤول بالكامل عن أمان حسابه”.
من العقد إلى لقطة الشاشة
مع تراجع القدرة على الوصول إلى المحاكم التقليدية، بدأت المحادثات الرقمية و”لقطات الشاشة” تلعب دوراً يتجاوز التوثيق العابر، لتصبح في كثير من الأحيان لغةً يومية لإثبات المعاملات التجارية وتسوية الخلافات. لم تعد الورقة هي المرجع الأول في السوق الصغيرة، ولا ختم المكتب شرطاً مسبقاً للثقة، بل صار “الأثر الرقمي” -رسالة، تحويل، أو لقطة شاشة- جزءاً من ذاكرة التبادل بين الناس، خصوصاً في بيئاتٍ محلية تعتمد على التعامل المتكرر داخل مجموعاتٍ مغلقة.
يقدم الدكتور جميل الحوشان قراءةً حذرة لهذه الظاهرة، في حديثه لموقع صالون سوريا، مؤكداً أن “لقطة الشاشة ليست عقداً رسمياً ولا يمكن التعامل معها بوصفها بديلاً عن الوثائق القانونية، لكنها قد تتحول في بعض الحالات إلى قرينةٍ ضمن منظومة إثباتٍ آخذة بالتشكل، شرط أن تُفهم بوصفها دليلاً جزئياً قابلاً للتمحيص، لا حقيقةً نهائية”.فسلامة اللقطة نفسها تصبح موضع سؤال: هل هي أصلية أم خضعت للقصّ والتعديل؟ وهل تُمثل سياقاً كاملاً أم جزءاً منتقى؟
هنا تبرز أهمية الخبرة الفنية عند النزاع، كما تبرز حدود ما يمكن أن تمنحه الشاشة وحدها.
عملياً، تعمل “لقطة الشاشة” على أكثر من مستوى في آنٍ واحد؛ فهي تُستخدم أخلاقياً كمؤشرٍ للالتزام داخل التعاملات اليومية، وتصبح في لحظات النزاع مادةً للضغط الاجتماعي داخل المجموعة، وأحياناً وسيلةً لتسوية الخلاف عبر وساطاتٍ غير رسمية قبل الوصول إلى القضاء. وحين تصل القضية إلى مستوى قانوني، قد تُعرض اللقطة كدليلٍ مساعد، لكنها لا تضمن الحق بمفردها ولا تُغني عن العقد الرسمي، بل تدخل ضمن حزمةٍ من القرائن التي تُفحص وتُقارن وتُستكمل.
هذا الانتقال لم يفتح فرصاً فقط، بل رفع كلفة الوعي. فمع توسع الاعتماد على الفضاء الرقمي، صار الخطأ التقني جزءاً من المخاطر اليومية: رابطٌ خادع، رسالةٌ مزورة، أو حسابٌ منتحل يمكن أن يقلب معاملةً بسيطة إلى خسارةٍ كاملة.
يقول فرج مرعي، مدرّس من الحسكة، في حديثه لموقع صالون سوريا: “كل رابط، كل رسالة، كل معاملة، أصبحت مسألةً أمنية، اليقظة الرقمية جزء من ثقافة حياتنا اليومية”. ومع الوقت، تحولت الحماية إلى ممارسةٍ اجتماعية: العائلة تراقب وتنبّه، والمدرسة تزرع قواعد الخصوصية والتحقق، وبعض المجتمعات المحلية دفعت باتجاه دوراتٍ مجانية للتعريف بأساسيات الأمن السيبراني وحماية البيانات واكتشاف الرسائل الاحتيالية، كأن الثقافة الرقمية لم تعد للمعرفة، بل ضرورةً للبقاء في اقتصادٍ يتحرك على الشاشة.
وفي موازاة ذلك، لم تعد المجموعات الرقمية مجرد واجهات بيع وشراء، بل صارت مساحات تنظيمٍ اجتماعي تمتلك قواعدها وأدوارها. “الأدمن” أو مدير المجموعة بات يقوم بوظائف تقترب، في نطاقها الضيق، من بعض أدوار الدولة التقليدية: يضبط تدفق المعلومات، يحدد شروط الإعلان، يتدخل لفضّ النزاعات، ويصوغ قواعد تعاملٍ يلتزم بها الأعضاء لأنهم يحتاجونها. خلال عام 2025، ساهم هذا الشكل من “السلطة الرقمية” في خلق بيئاتٍ أكثر استقراراً داخل الفضاء الافتراضي، لكنها سلطة نابعة من الاستخدام والثقة داخل المجموعة، لا من تفويضٍ سياسي؛ شرعيتها مؤقتة وهشة، لكنها فاعلة ما دام الناس يعتمدون عليها في تفاصيل حياتهم.
البنية التحتية الرقمية: شرط البقاء والتمكين
صار الاستقرار في الإنترنت والكهرباء عاملاً فاصلاً في قدرة السوريين على العمل والتعلم وتسيير شؤونهم. تقول حنين الحمود في حديثها لموقع صالون سوريا: “إن ضعف الاتصال والانقطاعات المتكررة لا تُربك الحياة اليومية فقط، بل تُضيّق فرص العمل المهني، خصوصاً في الوظائف التي تعتمد على التواصل المستمر والإنجاز عن بُعد”. ومع اتساع الاعتماد على المنصات، ظهر خلال 2025 ما يمكن وصفه بـ”هجرة رقمية داخلية”: رصدٌ ميداني في عدة مدن سورية يشير إلى انتقال جزء من الشباب من الأرياف والمناطق الأقل اتصالاً نحو مراكز المدن، أو نحو مقاهٍ وأماكن عمل توفر إنترنتاً أكثر استقراراً ومولدات كهرباء. الدافع بسيط: الاتصال صار شرطاً لإتمام عملٍ حر، أو متابعة زبائن، أو إرسال ملفات، أو تلقي دفعات. لكن النتيجة معقدة: مناطق ريفية تخسر حضوراً شاباً كان يمكن أن يبقى لو توفر الحد الأدنى من البنية التقنية.
في هذا السياق، تحولت الطاقة الشمسية من خيارٍ منزلي إلى عامل اقتصادي مباشر. إفادات متكررة من مستخدمين تُظهر أن امتلاك الألواح والبطاريات بات مدخلاً عملياً للبقاء داخل الدورة الرقمية: من يستطيع تأمين كهرباء مستقرة يستطيع أن يحافظ على اتصالٍ منتظم، وأن يلتزم بمواعيد عمله، وأن يتعامل مع خدماتٍ مالية وتطبيقاتٍ تتطلب حضوراً دائماً.
أما من يظل رهينة انقطاع الكهرباء والإنترنت، فيُدفع تدريجياً إلى هامش السوق، لا بسبب نقص المهارة أو التعليم، بل بسبب غياب الاستقرار التقني. هنا تتشكل فجوة جديدة: تفاوت بين مناطق تملك إنترنتاً أسرع وطاقةً أكثر استقراراً، ومناطق أقل تجهيزاً. هذا التفاوت ينعكس مباشرةً على فرص الدخل، وعلى الوصول إلى التعليم عن بُعد، وعلى قدرة الناس على استخدام الخدمات الرقمية التي بدأت تتوسع. لذلك، أي حديث عن توسيع الاقتصاد الرقمي يظل ناقصاً إذا لم يُربط بخطة واضحة للكهرباء والاتصال، وبآليات تمنع تحوّل الاستقرار التقني إلى امتيازٍ طبقي دائم.
على الأرض، تُذكر محاولات متفاوتة لسد الثغرات: مقاهٍ مجهزة، حلول محلية بالطاقة الشمسية، ومولدات خاصة في مناطق محرومة. لكنها تبقى حلولاً متقطعة، تتوسع حيث توجد القدرة على التمويل وتتراجع حيث يتراكم الفقر.
ما يحتاجه هذا المسار معايير تشغيل واضحة، وحماية للمستهلك، وخرائط تغطية شفافة، وخيارات تضمن ألا يُقصى من لا يملك كلفة الطاقة والاتصال.
سوريا الجديدة: من المركزية إلى العصر الرقمي
بعد عام على رحيل النظام السابق، تتقدم الخدمات الرقمية بوصفها إحدى الأدوات التي تُخفف الاحتكاك اليومي بين الناس والمؤسسات، وتختصر مسارات كانت تُستهلك في الطوابير والمكاتب. في بعض المجالات، صار ممكناً متابعة الرواتب والتحويلات عبر “شام كاش”، وتسديد بعض الفواتير والخدمات الأساسية إلكترونياً، وتقليل الاعتماد على الوسطاء في معاملاتٍ كانت تُدار سابقاً عبر شبكات علاقات أو “تسهيل” غير رسمي. كذلك فتح الاتصال باباً لخدماتٍ عن بُعد في التعليم والصحة، وإن ظل الوصول إليها غير متوازن بين المناطق.
إلا أن توسع هذه المنصات من دون قواعد ناظمة يحمل مخاطر موازية: حماية البيانات، حقوق المستخدمين، وضمانات الاعتراض، ومنع الاحتكار، ومعايير التحقق. إن التحول الرقمي لا يمنع تلقائياً عودة المركزية بأشكال جديدة؛ قد يعيد إنتاجها عبر بوابات إلكترونية إن لم تُحدَّد حدود السلطة الرقمية، ولم تُكتب قواعد واضحة للمساءلة والشفافية وإتاحة المعلومات.
ما تكشفه تجربة عام 2025 هو أن بعض السوريين بنوا مسارات عملية لإدارة تفاصيل الحياة حين غابت المركزية، لكن المرحلة التالية تتطلب شيئاً مختلفاً: تنظيم هذا الواقع بدل تركه فوضى، وتثبيت الحقوق بدل تركها رهينة التطبيق، ووضع قواعد تضمن أن ما يُنجز على الشاشة لا يبقى قابلاً للانقطاع مع أول أزمة كهرباء أو أول احتكار أو أول اختراق.
عندها فقط يمكن الحديث عن “سيادة رقمية” بوصفها قدرة على إدارة الخدمات وحماية الناس، لا مجرد اعتمادٍ اضطراري على أدوات نجاة مؤقتة.
بواسطة أمجد اشتي | يناير 24, 2026 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
ليست المناهج التعليمية مجرّد أدوات لنقل المعرفة، بل تشكّل، في السياقات السلطوية والانتقالية على السواء، أحد أهم الحقول التي يُعاد فيها تعريف الماضي وصياغة الهوية الجماعية. ففي المجتمعات الخارجة من الاستبداد أو الواقعة في طور إعادة تشكيل السلطة، يغدو التعليم ساحة مركزية للصراع على الذاكرة: أيّ تاريخ يُروى، وأيّ أحداث تُهمَّش، ومن يُقدَّم بوصفه فاعلاً شرعياً أو خصماً مُداناً. في الحالة السورية، كان التاريخ المدرسي طوال عقود أداةً لإنتاج هوية واحدة، وضبط الانتماء، وترسيم حدود “الوطني” و“العدو”. ومع تعاقب السلطات وتبدّل أشكال الحكم، ظلّ منطق إدارة الذاكرة حاضراً، وإن تغيّرت لغته وأدواته. من هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى تتبّع تحوّلات سردية التاريخ في المناهج السورية، بوصفها مرآة لعلاقة السلطة بالذاكرة، والكيفية التي يُعاد عبرها استخدام الماضي لتبرير الحاضر، واحتواء الصراع، أو تأجيله بدل تفكيكه.
أولاً: الذاكرة والتعليم في خدمة السلطة
كيف صاغت الأنظمة السورية المتعاقبة التاريخ المدرسي بوصفه أداة لضبط الهوية والشرعية
يُعاد استخدام الماضي، في تجارب الحكم الشمولي، بوصفه مادةً سياسية قابلة لإعادة الصياغة، لا سجلاً مغلقاً للأحداث. ولا تكتفي السلطة بإدارة الحاضر، بل تسعى إلى ضبط الذاكرة نفسها، عبر تحويل الانقلاب إلى ثورة، والخلاف السياسي إلى خيانة ومؤامرة. في هذا السياق، شكّل حكم البعث في سوريا، ولا سيما في عهد حافظ الأسد، مثالاً واضحاً على تسييس الذاكرة، إذ استثمر الحزب ذاكرةً جمعية عن الاستبداد الإقطاعي والبرجوازي وتهميش الفلاحين والعمال بعد الاستقلال، وقدّم سرديته1 على أنها قطيعة تاريخية وخلاص اجتماعي، لكي يصل إلى الحكم،2 وشرعن من خلالها استبداده بالسلطة كوسيلة لتحقيق أهداف الثورة. وفي سبيل ترسيخ السلطة وتوطيد حكمه، حوّل التعليم إلى أداة للسيطرة على المجتمع، فربط دستور عام 1973 التعليم ببناء جيل ذي هوية عربية-اشتراكية.
في عهد بشار الأسد، وعلى الرغم من تبنّيه لـ“خطاب إصلاحي”، وإطلاق تحديثات متلاحقة للمناهج التعليمية، إلا أننا نلاحظ في مادة التاريخ وجوداً لنفس الأطر المحدِّدة للهوية؛ فيُصنّف كتاب الصف الثامن الأساسي3 الحكم العثماني على أنه احتلال، ويحمله (بشكل غير مباشر) مسؤولية تخلّف الحضارة العربية عن ركب الحضارات العالمية، ويقدّم الكتاب دولة محمد علي كمشروع دولة عربية باء بالفشل، ويضع سياسة “التتريك” ضمن عوامل اليقظة العربية، كما يذكر أن إعدام المفكّرين من قبل جمال باشا السفّاح كان السبب في قطع علاقة العرب مع العثمانيين والتعجيل بإعلان الثورة. ونلاحظ أيضاً في كتاب التاريخ للصف التاسع الأساسي4 عرض تاريخ سوريا الحديث بوصفه مساراً تراكمياً للخلاص الوطني، يبدأ بالتحرر من السيطرة العثمانية، ثم مقاومة الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال. ويُقدَّم حزب البعث بوصفه ذروة هذا التطور التاريخي، لا كفاعل سياسي بين آخرين، بل كمرحلة حاسمة في استكمال الاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
يُقدَّم حافظ الأسد كشخصية محورية أنهت مرحلة الانقلابات وحالة الاضطراب السياسي، ويُربط عهده بترسيخ الاستقرار، وبناء مؤسسات الدولة، وتعزيز دور الجيش كحامٍ للوطن. يتم عرض “الحركة التصحيحية” ضمن سردية إعادة ضبط المسار التاريخي للحزب، لا كتحوّل سلطوي، ويجري تقديمها كضرورة وطنية لضمان وحدة الدولة واستمرارها.
وعلى الرغم من إعفاء حزب البعث من قيادة الدولة والمجتمع بموجب دستور عام 2012، استمرت الكيانات التابعة له بعملها في المؤسسات التعليمية، وازدادت وظيفتها القمعية، خاصةً في الجامعات، ما حوّلها تدريجياً إلى مكتب رديف للأفرع الأمنية داخل الحرم الجامعي. أعطت هذه العلاقة المنتسبين إلى الهيئات الطلابية والحزبية مزايا وتسهيلات خاصة، كالنجاح في مادة مستعصية، أو الحصول على غرفة أفضل في السكن الجامعي، أو سلطة لتصفية خلافات شخصية، ومع الترقّي في المناصب من عضو عامل إلى قائد فرقة5، تزداد الامتيازات والتسهيلات.
تكمن المشكلة في الهوية التي كوّنها البعث للدولة بأنها سحقت هويات وقوميات أخرى تحتها (كالأكراد، والسريان، والتركمان، والشركس) وأقصتها من التاريخ، فلا يرد أي ذكر لها في المناهج التعليمية، ولا يُعترف بأعيادها ولا يُحتفى بثقافتها، ما خلق لديها ذاكرة بديلة عن مظلوميتها. وبسبب الطبيعة العصبوية لنظام الأسد واعتماده على الولاءات في التعيينات، خُلقت ذاكرة من التهميش والإقصاء على أسس الطائفة والمنطقة ضمن الأرياف السورية. لا تُروى هذه المظلوميات ولا تُعالَج، مما يراكم الخلل في الذاكرة الجمعية الهشّة ويفككها، فتنشأ ثقوب في الذاكرة، وتُملأ هذه الثقوب في الأماكن البعيدة عن مركز السلطة بذاكرة بديلة تروي ظلم الاستبداد وتدفع لمقاومته والثأر منه.
إن ارتباط الذاكرة الجمعية عن السلطة بالدولة ومؤسساتها يؤدي، حين تفكك السلطة وانهيار الاستقرار المزيّف الذي فرضته، إلى ظهور تساؤلات حول الهوية والوطن والانتماء، فتصعد مفاهيم بديلة ترتكز على الانتماءات الاجتماعية والدينية عوضاً عن الوطنية والقومية لتملأ الفراغات.
ثانياً: من السردية الإلزامية إلى الفراغ السردي
تحوّلات المناهج بين سقوط نظام الأسد وإعادة إنتاج منطق الذاكرة الواحدة
مع انهيار نظام الأسد وسقوطه عام 2024، بدا بأن هناك فرصة لتحرير الذاكرة من إرثها، غير أن هذه الفرصة لم تتحوّل إلى مسار واضح، بل غدت ساحة اختبار لكيفية إدارة الماضي في لحظة انتقال سياسي هشّة.
ومع الأشهر الأولى من تسلّم هيئة تحرير الشام الحكم في دمشق، باشرت حكومة الإنقاذ بإجراء تعديلات على المناهج التعليمية، أثارت جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب إزالة اسم زنوبيا من كتاب الديانة ضمن تعديلات أخرى على المناهج التعليمية، قبل أن تعلن وزارة التربية أنها “تعديلات ضرورية” تهدف إلى إزالة رموز النظام السابق وتصحيح بعض المعلومات.
وعند الاطلاع على التعديلات، نلاحظ إزالة مادة التربية الوطنية من المقرّر التدريسي، وحذفاً تاماً لأي أثر من آثار نظام الأسد. ونلاحظ أيضاً غياب توصيف الحكم العثماني بصفة احتلال6، بل يُقدَّم بوصفه حكماً سلطانياً مركزياً، قائماً على الجباية والضبط الإداري والعسكري، مع حضور محدود لدور السكان المحليين في صنع القرار. ويقدّم المنهاج سوريا بوصفها كياناً سياسياً ناشئاً خرج من انهيار الدولة العثمانية، حيث يُبرز محاولة إقامة حكم عربي بقيادة فيصل بن الحسين كتمثيل لإرادة وطنية مبكرة. ويُفسَّر فشل هذه التجربة ضمن إطار التآمر الأجنبي، ولا سيما من بريطانيا وفرنسا، رغم وجود دعم شعبي موثّق عبر لجنة كينغ–كراين. تُقدَّم هذه المرحلة كأساس لسردية مظلومية وطنية تُبرّئ الداخل وتحمّل الخارج مسؤولية الإخفاق.7
يسمّي كتاب التاريخ للصف الثامن الثورة العربية عام 1916 “تمرد حسين على العثمانيين”، ويرجع أسباب التمرّد إلى الدعم الخارجي والتآمر الاستعماري (البريطاني والفرنسي). بينما يسقط لقب “السفّاح” من اسم جمال باشا، ويصف الكتاب فترة حكمه بطريقة مهذّبة تبني مبرّرات لإعدام “المتآمرين العرب” في السادس من أيار.
ويختتم الكتاب الحديث عن العهد العثماني بربط انهياره بالحرب العالمية الأولى وضعف الدولة، مقدّماً خروج العثمانيين من بلاد الشام كخاتمة طبيعية لمرحلة حكم طويلة فقدت شرعيتها، وممهّدة لمرحلة جديدة عنوانها الأطماع الاستعمارية والهيمنة الغربية على سوريا.
يقدّم الكتاب بناء الدولة السورية بوصفه مشروعاً وطنياً مؤجَّلاً بدأ مع انهيار الحكم العثماني، حين أُتيحت للسوريين فرصة تأسيس كيانهم السياسي بدايةً بمحاولة إقامة حكم عربي بقيادة فيصل بن الحسين، التي أُجهضت نتيجة التدخلات الاستعمارية والتآمر الخارجي، دون الإشارة إلى الاختلالات الداخلية في المشروع ذاته. بعد ذلك، ينتقل السرد إلى مرحلة الانتداب الفرنسي، التي تُقدَّم كعائق مفروض حال دون تشكّل الدولة الوطنية، ويمرّ على المقاومة الشعبية بشكل مختصر، وينسب الكتاب قيادة ثورة الساحل ضد فرنسا إلى عمر البيطار.
ويصوّر الكتاب مرحلة ما بعد الاستقلال كمرحلة مليئة بالاضطرابات السياسية والانقلابات العسكرية التي عطّلت المسار الدستوري. ويُقدَّم انقلاب عام 1963 كنقطة انحراف حاسمة أنهت إمكانية بناء دولة مدنية قائمة على التعددية والمؤسسات، وأدخلت البلاد في حكم عسكري طويل بلغ ذروته مع حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد.
إن التعديلات التي طالت كتب التاريخ حملت دلالة رمزية واضحة، لكنها اتخذت غالباً طابعاً تقريرياً مختزلاً، دون طرح أسئلة جوهرية عن الماضي والذاكرة. غياب هذه الأسئلة جعل المناهج المعدّلة تقف في منطقة وسطى: قطيعة لفظية مع الماضي القريب، من دون تفكيك عميق لمنطق السردية الواحدة. وهكذا، لم تُستبدل الذاكرة8 الإلزامية بفضاء تعددي منظّم، بل جرى إضعافها من جهة وترك فراغها من جهة أخرى.
ثالثاً: ثقوب الذاكرة وبناء الدولة المؤجَّل
التعليم، العنف الرمزي، ومخاطر إعادة تشكّل السلطوية في المرحلة الانتقالية
هذا الفراغ تزامن مع أحداث عنف جسيمة، ولا سيما مجازر الساحل في مارس/آذار 2025، ثم أحداث السويداء في تموز/يوليو من العام نفسه. في مواجهة هذه الوقائع، عاد الخطاب الإعلامي الرسمي وغير الرسمي ليؤدي وظيفة ضبط الذاكرة: قصص تُروى بانتقائية، وتوصيفات جاهزة تُقسّم المجال العام إلى “ضحايا شرعيين” و“جناة مفترضين”، مع ضغط واضح لفرض هذه القوالب عبر الإعلام الرسمي ومؤثّرين موالين للسلطة على منصّات التواصل الاجتماعي.
يصعب رصد أثر التغييرات على الذاكرة وتحليلها بالدرجة نفسها التي أتاحتها التجربة السابقة في عهد حكم الأسد، بوصفها تجربة مكتملة انتهت وظهرت نتائجها بوضوح. في المقابل، لا تزال التجربة الراهنة قيد التشكّل ولم تتبلور نتائجها النهائية بعد. غير أن رصد سياق الأحداث والتغييرات في المناهج والعملية التعليمية أظهر مؤشرات على استخدام المؤسسة التعليمية كأداة للسلطة، إذ سُجّلت حالات فصل معلمين بدت في مراحلها الأولى اعتباطية، من دون إعلان معايير واضحة أو مبرّرات رسمية، ما أدّى إلى احتجاجات نفّذها معلمون ومعلمات في عدد من المناطق، من بينها وقفات احتجاجية أمام مديريات التربية في مناطق الساحل السوري.
كما رُصدت احتجاجات على نقل معلمات ينتمين إلى الطائفة العلوية من مدارس قريبة من مناطق سكنهن في ريف بانياس إلى مناطق أخرى ذات غالبية سنّية، في ظل غياب تفسيرات إدارية معلنة. وفي السياق نفسه، سُجّلت احتجاجات لأهالي قرية زارة في تلكلخ (وهي قرية ذات غالبية تركمانية سنّية) على فصل معلمات من أبناء القرية واستقدام معلمات من خارج المنطقة. ويأتي ذلك بالتوازي مع مقتل المعلمة ليال دمر غريب أمام مدرسة وليد النجار في حمص، في حادثة ذات خلفية طائفية بحسب المعطيات الميدانية المتداولة.
إضافة إلى ذلك، سُجّلت حالات متكرّرة من المشاجرات والخلافات بين الطلاب على أسس طائفية أو سياسية، وهي وقائع جرى توثيقها من خلال رصد ميداني مباشر، ما يشير إلى انتقال الاستقطاب السياسي والطائفي إلى البيئة المدرسية نفسها، وتآكل حياد المؤسسة التعليمية بوصفها فضاءً جامعاً.
إن الثقوب التي ولّدتها البيئة السلطوية للنظام السوري السابق ما زالت موجودة، وتتّسع ثقوب الذاكرة في ظل الغياب الكامل لمسارات العدالة الحقيقية خلال السنة الأولى من الحكم الانتقالي.
ومع مرور الوقت، تسهم هذه الثقوب في تعميق الشروخ بين الأفراد والجماعات، وتؤدي إلى تآكل متسارع للنسيج المجتمعي. كما تفضي هذه المسارات مجتمعة إلى إعادة إنتاج البنية السلطوية بصيغة جديدة، تقوم على معيار أخلاقي غير موضوعي، يُصنَّف الأفراد بموجبه بين “ثوار” و“فلول” أو “شبيحة”. ولا يُفرض هذا التصنيف عبر نصوص قانونية واضحة أو مناهج مكتملة، بل يُمارَس من خلال فاعلين غير محددي الهوية، وغالباً ما تمرّ أفعالهم من دون مساءلة قانونية.
إن أخطر ما في اتّساع ثقوب الذاكرة لا يكمن في الماضي ذاته، بل في توقيت استذكاره وإنكاره. ويساعد ذلك على تشكّل رواية سائلة عن المجرم والبريء، بشكل يعمّق الشروخ المجتمعية ويحول دون بناء الهوية الجامعة.
أخيراً، لا تكمن خطورة إدارة الماضي في حذف الوقائع أو استبدال المصطلحات فحسب، بل في الاستمرار في التعامل مع الذاكرة بوصفها أداة حكم. وما تُظهره تجربة المناهج السورية، قبل سقوط نظام الأسد وبعده، هو أن تغيير السلطة لا يعني بالضرورة تفكيك منطق السردية الواحدة، وقد يُعاد إنتاجه بصيغ جديدة، أكثر سيولة وأقل صراحة، لكنها لا تقل أثراً في تشكيل الانقسام الاجتماعي، ما يزيد اغتراب المؤسسات التعليمية، ويحوّل الطلاب والمعلمين إلى فواعل متورّطة في الصراع.
بواسطة عمر الشيخ | يناير 18, 2026 | Cost of War, News, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
في كل مرة تنتشر فيها مشاهدُ انتهاكٍ جديدة، يتصرف السوريون كما لو أنهم يكتشفون البلاد من الصفر. يشتعل الغضب، تتكاثر التعليقات، ترتفع اللغة، ثم يعود كل طرف إلى مكانه القديم. المشكلة تكمن، ربما، في الطريقة التي يُعاد فيها استخدام الصورة لتفادي الأسئلة التي لا مهرب منها: من صنع هذا العنف؟ كيف استقر في حياتنا العامة؟ ولماذا تعود أشكاله نفسها مهما تغيّرت الرايات؟
الناس يرون ما يريدون رؤيته. الصورة المريحة تُنقذ صاحبها من مسؤولية النظر إلى البنية التي تُنتج الجريمة ثم تُكرّرها. ولهذا تبدو إضاءة مشاهد الانتهاكات، أحياناً، جزءاً من المشكلة. الفضيحة السريعة، الفيديو المقتطع، والسجال الذي يشتعل ثم ينطفئ، لا يفتح باب الفهم، ويؤجّل مواجهة العلّة. وبين موجة وأخرى، يتكوّن عنفٌ من نوع مختلف: عنف الخطاب. تُوزَّع الإدانة وفق الهوية قبل الوقائع، وتُستعار مفردات قبول الآخر ثم تُستخدم للانسحاب من أي مسؤولية عامة. حتى من عاشوا سنوات طويلة داخل خطاب الأسدية أو استفادوا من صمته، يعودون إلى الكلام عند ارتفاع وتيرة العنف، وهم يرمون السؤال نحو الثورة من موقع المتفرّج: “هل هذا ما تريدينه من سورية؟” فيما السؤال الذي لا يُطرح كفاية هو: أين كان هذا الصوت حين كانت تُصنع شروط العنف وتُراكَم؟
من هنا تشتعل حرب الميديا الطائفية بين حين وآخر. لا تحتاج هذه الحرب إلى قرار سياسي كي تعمل؛ يكفيها جمهورٌ متوتر، وذاكرةٌ مثقلة، ومؤسساتٌ رخوة. تتحول السياسة إلى شاشة، والناس إلى جمهور، والبلد إلى سباق بين روايات متقابلة. تُعاد تعبئة الغضب في قوالب جاهزة؛ طائفة ضد طائفة، منطقة ضد منطقة، ضحية ضد ضحية. وفي كل مرة تتسع هذه السوق، تضيق مساحة المحاسبة الجدية. المحاسبة تتطلب تحديد مسؤوليات وأسماء وسلاسل قرار، بينما الميديا الطائفية تفضّل توزيع الكراهية لأنها أسرع وأربح.
وقد عزّزت هذه القابلية الصراعاتُ العسكرية بين جيش نظام بشار الأسد وقوات المعارضة السورية. كانت حرباً زادت العنف كثافة ووضوحاً، لكنها لم تخترعه. ما حدث في السنوات الماضية كان تتويجاً لمسار طويل: دولة تربّت على إدارة المجتمع بمنطق التعبئة والضبط، ومعارضة دفعتها أبواب السياسة المغلقة إلى أشكال تنظيم أكثر حدة. منذ عقود، عاشت سورية تحت نظام يعامل السياسة كخطر، ويعامل المختلف كملف أمني. وصُمِّمت التنظيمات الحزبية والطلابية لصناعة الامتثال. بمرور الوقت، تراجع الكلام عن الشراكة في السلطة، وتقدّم منطق الطاعة، وصار المجال العام مساحة اختبار ولاء أكثر مما هو مساحة حقوق.
حين جاءت لحظة الاحتجاج الكبرى في آذار/مارس 2011، دخل السوريون ساحة غير متوازنة منذ البداية. الشارع خرج بمطالب سياسية واجتماعية واضحة، وبلغةٍ مدنية في أيامها الأولى، لكن الدولة ردّت بعُدّةٍ أمنية ثقيلة: اعتقالات واسعة، إطلاق نار، ثم توسّع سريع في القمع. من درعا، حيث بدأت الحكاية من إهانةٍ واعتقالٍ وتعذيبٍ على خلفية شعارات كتبها أطفال، إلى حمص التي تحولت باكراً إلى عنوان للحصار والقصف، إلى حماة التي حاولت استعادة معنى السياسة في الشارع قبل أن تُطوَّق من جديد؛ كانت الرسالة واحدة؛ لا مساحة للاعتراض خارج تعريف السلطة.
ومع انسداد الطريق أمام تسوية داخلية، تمددت فوضى السلاح، وتداخلت الأطراف، وتكاثرت التشكيلات المسلحة والميليشيات، واتسعت الضغائن. عند هذه النقطة أصبح العنف لغة تفسير وتبرير، ومعياراً لتوزيع الشرعية داخل المعسكرات نفسها. وفي هذا المناخ ظهرت قوى قادرة على التنظيم السريع، بعضها حمل خلفيات دينية متشددة، وامتلك أدوات تعبئة جاهزة تقوم على ثنائيات حادة، سرعان ما أثرت في طريقة فهم السياسة وإدارة المجتمع، وفي تعريف العدو والحليف وحدود المسموح داخل المجال العام.
ومن المهم تذكّر أن جرَّ السياسة إلى العنف ليس وليد العام 2011. صدامات الستينيات، ومنها أحداث حماة 1964 في ظل توتر البعث مع الإخوان المسلمين، كانت علامة مبكرة على نمط يتكرر؛ احتجاجاً يتمركز حول فضاء اجتماعي-ديني، ودولة تتعامل معه بوصفه خطراً أمنياً، ثم يقترب الخصوم خطوةً بعد خطوة من خيار المواجهة المفتوحة. لاحقاً، في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، ترسّخ هذا المسار أكثر؛ كلما ضاقت السياسة واتسعت قبضة الأمن، ازداد ميلُ جزءٍ من المعارضة إلى السرّية والتشدد، وازداد ميل الدولة إلى الحلول القصوى. هكذا تُترك البلاد بلا أدوات وسيطة تحمي السياسة من الانهيار؛ أحزاب حقيقية، نقابات مستقلة، قضاء قادر، وإعلام يشتغل بوصفه رقابة لا تعبئة. وعندما تُلغى الوساطة، يصبح العنف خياراً قابلاً للتكرار لأنه يعمل في الفراغ الذي تتركه السياسة الغائبة، ويجد دائماً من يبرره ومن يورثه.
داخل هذا كله، يُصبح مثال مثل حمزة الخطيب أكثر من حادثة. الجريمة تقول شيئاً عن سلطة ترى في المجتمع رعايا يجب كسرهم حين يرفعون صوتهم. والصدمة التي أحدثتها الجريمة تقول شيئاً عن مجتمع لم يعد يجد طريقة لتثبيت معنى العدالة سوى تحويل الجريمة إلى رمز. ومع الرموز، تتراكم طبقات من الغضب. ومع الغضب، يتراجع العقل البارد الذي يحتاجه بناء السياسة. هكذا تتوسع المسافة بين الإدانة وبين المسؤولية.
في هذا السياق تبرز الذكورية كقواعد عمل، أكثر منها كعنوان اجتماعي. الذكورية هنا تظهر في طريقة إدارة المرحلة الانتقالية؛ لغة الهيبة، أولوية الردع، الحساسية المفرطة تجاه النقد، وتحويل السياسة إلى امتحان ولاء. يظهر ذلك في ميلٍ إلى تفضيل الانضباط على الكفاءة، وتقديم الأمن على النقاش، واعتبار المساءلة تشكيكاً. وتظهر أيضاً في تراث معارضات دينية متشددة صعد فيها الرجال كقادة وحراس للشرعية، فصار نموذج القيادة أقرب إلى صورة الأمير أو الشيخ القادر على الضبط، لا صورة المسؤول الخاضع للرقابة العامة.
وحين تجتمع عقلية الدولة الأمنية مع إرث التعبئة الدينية المتشددة، تُنتج إدارة تفضّل السيطرة على التمثيل. تظهر هذه الإدارة في قواعد العمل قبل الخطب؛ في تفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة، في توسيع معنى الخطر حتى يشمل الرأي واللغة والموقف، وفي تحويل الاختلاف إلى ملف. وتظهر في المجال العام عبر أدوات لا تحتاج إلى مؤسسات رسمية: تسريبات، لوائح اتهام، حملات تشهير، ومنصات تتحول إلى محاكم سريعة. يكفي مقطع مبتور أو صورة خارج سياقها لتُبنى حولها قصة كاملة، ثم تُعاد هذه القصة كمعيار للفرز: هذا معنا، وهذا ضدنا. ومع الوقت يصير الخوف سياسة يومية، وتصبح الهوية أداة تنظيم أسرع من القانون.
السؤال، في النهاية، لا يتعلق بالعنف وحده. يتعلق بما إذا كان السوريون قادرين على إنتاج معنى مشترك خارج العنف. ما يجمعهم هو اتفاق على المسؤولية؛ عدالة تُعرّف الجريمة وتحدّد مرتكبيها وسياقها، دولة تعمل بالقانون لا بالهيبة، ومجال عام يسمح بالنقد من دون تخوين. في هذا الطريق تحديداً، يصبح تفكيك الذكورية جزءاً من السياسة؛ قواعد تقيّد القوة، مؤسسات تُحاسِب، وتمثيل أوسع يفتح المجال العام أمام أصوات مدنية حقيقية، نساءً ورجالاً. لأن بلداً لا يسمع إلا صوت القوة، يعيد إنتاج القوة بوصفها قاعدة، ويترك الخلاف بلا مخارج آمنة.
بواسطة نور قهوه جي | ديسمبر 22, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
لم يعد من الصَّعب اليوم تناول المشهد الثّقافي السُّوري العام بعد مرور عامٍ على سقوط نظام حكم البلاد لعقودٍ طويلةٍ، فخلال الاحتفالات الّتي شهدتها الذكرى الأوّلى لـ “معركة ردع العدوان” وسقوط نظام الأسد انتشرت على منصّات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو التُقطت في الشّوارع والسّاحات، كان يسأل المراسلون فيها السّوريين عن مشاعرهم وانطباعاتهم في هذه المناسبة.
في تلك المقاطع تكرّرت عبارات مثل: “عاشت سوريا الأسد، وسقط بشار الأسد”، و”غير ثلاثة ما منختار؛ الله وسوريا وبشار وبس”، وغالباً ما كانت هذه العبارات تخرج على ألسنة النّاس بطريقةٍ عفويةٍ وغير مقصودةٍ، إمّا في حديثهم المباشر عن فرحتهم وإمّا في أثناء طلب المذيع منهم إكمال عبارةٍ مألوفةٍ؛ ليأتي الجواب فوريّاً وتلقائياً: “وبشار وبس” دونَ الانتباه إلى التناقض الّذي تحمله الجملة في سياقٍ يُفترض أنَّه احتفال بسقوط ما يُسألون عنه!.
هذه المواقف وغيرها لا يُمكن اختزالها بأنَّها زلّةُ لسانٍ أو التباسٌ لغوي عابر؛ بل تكشف عن أثرٍ أعمقٍ خلّفته لغةُ السّلطة السّابقة في الوعي الجمعي، لغةٌ جرى تداولها لعقودٍ في الإعلام، والهتافات، والمدارس… والفضاء العام، حتى تحوّلت إلى قوالب ذهنيّة جاهزة تُستحضر آليّاً في لحظات الانفعال، بما فيها تلك اللحظات الّتي يُفترض أنّها تمثّل قطيعةً مع الماضي، وكأنَّ التَّحرر من السُّلطة لم يكتمل بعد!
هذا التّكرار على ألسنة الغالبية العظمى من النّاس يتقاطع مع فكرة “اللُّغة كقوة رمزية” قادرة على إعادة إنتاج ملامح السَّيطرة حتى بعد غياب السُّلطة المباشرة، فالخطاب الّذي يستمر رغم انهيار النظام السِّياسي الّذي فرضه ليس مجرد صدى؛ إنَّه أثر للبنية الذهنيَّة المتراكمة الّتي تشكّلت داخل السُّوريين خلال عقود من الهيمنة السِّياسيَّة، فهو لا يزول بزوال مُنتِجه؛ بل يظلّ يعيش داخل الوعي الجمعي والمعجم الفكري بما يُصطلح عليه بـ “استمرارية الخطابات” حتى بعد سقوط الأنظمة الّتي صاغتها، والّتي أشار إليها ميشيل فوكو عند حديثه عن تحوّلات المعرفة والسّلطة عبر التاريخ، وبذلك تتجاوز مقاطع الفيديو تلك وصف “الطُّرفة”، وتقرأ كاختبارٍ يوحي بحجم الفراغ الفكري، وبالضرورة الثّقافي، الّذي يتكشّف بعد انهيار منظومة كانت تمسك الخطاب السِّياسي والإعلامي (المجال العام) بقبضةٍ مُحكمةٍ تؤطر وتنظّم ذهنيّاً العلاقات بين الفرد والمجتمع والدولة، مما يعني تشكّل “الوعي الجمعي” للمجتمع بطريقة ٍمحددةٍ تسيطر من خلالها على رؤيته.
لغةٌ جديدةٌ لوعي جديدٍ
لطالما كانت اللُّغة سلاح السُّلطات الأقوى، ليس عبر الشِّعارات فقط؛ بل من خلال خلق نسقٍ كاملٍ من المفاهيم الّتي تنظّم التفكير، وإنَّ إعادة بناء الخطاب ليست مجرد عمليَّة لغويَّة؛ بل إعادة تشكيل للوعي الجمعي، فالمفردات الّتي سادت لعقودٍ لم تكن مجرد كلمات؛ هي منظومة تؤطر الوعي وتُعيد إنتاجه، وقد أشار إدوارد سعيد إلى هذا النوع من استعمال اللُّغة بوصفها “بنية تفرض نفسها على أنَّها الحقيقة الوحيدة الممكنة”، بما يكشف عن الدور المركزي لعملية التوظيف تلك.
وعلى الرغم من أهميَّة الفكرة السابقة فإنَّها غير كافية، فلا يكفينا فقط أن تتغيّر اللًّغة حتى يتغيّر الوعي الجمعي، لأنَّ المطلوب إعادة إنتاج منظومة كاملة من المفاهيم الّتي تسمح للأفراد بالتعبير دون خوفٍ، وتربط الثّقافة باستعادة التّفكير النقدي. فأثر الرقابة الطويلة ما زال واضحاً؛ وكثيرون ما زالوا يتحركون داخل حدودٍ غير مرئية، تشبه ما وصفه فوكو بـ “السّجن غير المرئي للذات”، حيث تستمر الرقابة عبر الذاكرة لا عبر الأجهزة.
وإنَّ الذاكرةَ السُّورية مثقلةٌ اليوم بمزيجٍ من الخوف والتطلّع، فالتجارب الفردية الّتي عاشها المثقفون تحت السّلطة السّابقة، من الرقابة إلى الاستدعاءات الأمنيَّة، صنعت جيلاً معتاداً على “التفكير داخل الأقفاص”، وهذا ما يمكن قراءته في إطار ما يسمّى “الذاكرة الجريحة” الّتي تمنع المجتمعات من الانتقال السلس إلى خطاب جديد، فلم يستطع الجميع التحرّر وبقيت اللّغة القديمة في العقل، وما تزال الرقابة الذاتية تؤثر في الخطاب، وهنا على الجهات المعنية أن تحمل على عاتقها المسؤولية الكاملة لبناء مشروع وطني يشفي جرحنا، و يرمم ذاكرتنا، ويحرّر تفكيرنا.
ما بين الواقع والمأمول
يذكّرنا تتبع الواقع ورصده بما كتبه فرانز فانون عن “عودة أشباح السّلطة القديمة في لحظات الانتقال” حين تسعى القوى الجديدة إلى فرض وصايتها، ومن هذه الممارسات الّتي توحي بمحاولات إحياء أساليب قمع جديدة تعزّز الرقابة وتمنع الحرية، وعلى سبيل المثال لا الحصر حادثة التضييق على الكاتب والروائي خليل صويلح ومنع الرقابة السورية نشر روايته “جنة البرابرة”، وحادثة إغلاق “سينما الكندي” العريقة بحجة فسخ عقد إشغال العقار التابع لوزارة الثّقافة، وحادثة منع رسم النَّموذج (الموديل) العاري في كلية الفنون الجميلة، ومنع استيراد الآلات الموسيقيّة وغير ذلك كثير من الحادثات الّتي تجعلنا نقف أمام فكرة: ما مستقبل وشكل حوامل الثّقافة في سوريا الجديدة؟!، وما الآلية البديلة لغياب منتج ثقافي جديد يمحي أثر القديم؟!
عن غياب “مشروع وطني”
تبدو السَّاحة الثَّقافيّة بعد عام على سقوط نظام الأسد أقرب إلى الاضطراب والفوضى منها إلى الانتظام، فالمشهد الثقافي الراهن يقتصر على الأنشطة التي قوامها التَّجمهر الفئوي، من أمسيات محلية إلى تجمعات ذات طابع مناطقي…؛ ليتقدّم “الاجتماع الأهلي” على “الاجتماع الوطني”، ولعل من الإنصاف أن نشير إلى أنَّ هذا الحال لا يقتصر علينا فقط؛ ففي التَّجارب التَّاريخيَّة، عاشت دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الشيوعية الفراغ نفسه، وقد وصفته كاثرين فيردري بأنَّه “لحظة الانكشاف الكامل”، غير أنَّ هذا الأمر يستدعي بالضرورة طرح السُّؤال الآتي: إلى متى ستستمر هذه الأزمة؛ أزمة موت القديم وعدم قدرة الجديد على أن يولد بعد؟!
إنَّ الفراغ الثَّقافي الناتج عن غياب الإدارة الثَّقافيَّة وانعدام الرؤية الوطنية الجامعة وغياب المشروع الثّقافي الواضح الّذي يعيد تشكيل ملامح الفضاء الثَّقافي السُّوري العام من قِبل وزارة الثّقافة السُّوريَّة يوحي بحالة الفراغ العميقة ويُظهر أنَّ الدولة الجديدة لم تتشكّل بعد!؛ لينعكس على هيئة واقع يتسم بحرية شبه مطلقة من جهة وفوضى تنظيمية من جهة أخرى، وبذلك يغدو الإنتاج الثَّقافي خاضعاً لعشوائية السُّوق أو قوى النفوذ والتَّمويل بدلاً من السِّياسات العامة.
وهنا تبرز مجموعة من التساؤلات المهمة الّتي تتطلب إجابات محددة وواضحة من المعنيين والمسؤولين: إلى أين تتجه الثقافة السُّورية؟، وكيف تُعاد هيكلة المؤسسات الثَّقافيَّة؟، وكيف تُبنى سياسات ثقافيَّة تُوازن بين الحرية والضوابط المهنيَّة؟، وكيف نضمن ألا تنتقل الرقابة من سلطة سياسيَّة إلى قوة اجتماعيَّة أو دينيَّة؟، وما السّبيل إلى توظيف الثقافة كأداة للشفاء والعدالة الانتقاليَّة؟، وكيف نتأكد أنّها لن تتحول إلى أداة للانقسام؟، وهل ستستطيع الثّقافة السُّوريَّة أن تخرج من وصاية الخطاب القديم دون الوقوع في وصايةٍ جديدةٍ؟، وكيف لنا أن ننتج خطاباً وطنياً جامعاً يخلق سردية وطنّية بديلة تُعيد بناء الوعي الجمعي على أسس الحرية لا الخوف؟
كلّ هذه الأسئلة وغيرها مما لا يتسع المقام لطرحها توضّح أنَّ بناء الوعي الجمعي رحلة طويلة تتطلب أولاً وقبل أيّ شيءٍ تحملاً للمسؤولية، ثمَّ تخطيطاً سياسياً، وشجاعة إداريَّة مع قدرة على قراءة الماضي نقدياً لا إنكاره، وتبيّن أنَّ شكل الإجابات عنها سيفتح الأبواب نحو سوريا جديدة تُنجب خطابها لا تستعيره.
بواسطة عمر الشيخ | ديسمبر 19, 2025 | Cost of War, News, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
بعد قرابة عام على سقوط نظام بشار الأسد وصعود إدارة انتقالية جديدة برئاسة أحمد الشرع، لا يزال الاستقرار والأمن في جنوب سورية حالة هشّة تتجاذبها تناقضات الميدان. تضم محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة مشاهد متباينة لكنها مترابطة ترسم صورة معقدة؛ صراع نفوذ بين قوى محلية، وتصاعد دور التشكيلات الأهلية المسلحة، وتنامي التهديدات الخارجية عبر الحدود، وكل ذلك في ظل غياب فعالية الدولة المركزية، وفق ما تظهره تقارير رصد ميدانية ومصادر محلية تواصلنا معها على الأرض خلال الأسابيع الماضية.
شهدت مناطق الجنوب خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من الوقائع التي أبرزت أن ضمان الأمن بات رهيناً لموازين قوى غير تقليدية. ففي السويداء، تصاعد التوتر بين فصائل محلية درزية والسلطة الانتقالية، بينما تمكنت درعا جزئياً من احتواء العنف عبر الأعراف العشائرية رغم استمرار الاغتيالات وعمليات التهريب والتفلت الأمني في الأطراف. أما القنيطرة ومحيطها على الحدود مع إسرائيل، فقد أصبحت مسرحاً لتوغلات عسكرية إسرائيلية متكررة، واجهها أهالي القرى بالسلاح أو بالاحتجاج العلني على وجود القوات الغازية. هذه التطورات المتزامنة تكشف مشهداً أمنياً مضطرباً في جنوب سورية، حيث يتداخل الداخلي بالخارجي في صياغة معادلة الاستقرار.
السويداء
في السويداء، لا يمكن الحديث عن “اضطراب أمني” فقط؛ ما يظهر من تقارير خاصة ومصادر محلية هو تفكك منهجي لمنطق الأمان نفسه. وفقاً لمعلومات حصلنا عليها خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بدت ليلة التاسع والعشرين من الشهر لحظة مفصلية؛ تشكيل محلي يسمّي نفسه “الحرس الوطني”، يشكّل ضباط وأمنيون سابقون من النظام السابق عموده الصلب وقد أعادوا تدوير أنفسهم تحت مظلة مرجعية دينية، ينشر حواجزه عند مداخل المدينة، يقتحم بيوتاً بأسماء محددة سلفاً، يعتقل شيخاً معارضاً مثل رائد المتني ورجال أعمال وقياديين محليين، ثم تُنقل جثة المتني بعد يومين فقط إلى المشفى الوطني. في روايات الأهالي التي وثقناها في تقارير رصد، يظهر المتني كرجل دين كان جزءاً من محاولة لتنظيم السلاح بعد سقوط النظام، اختُطف عملياً من بيته، وتعرّض للضرب والإهانة أمام الكاميرات المحلية، ثم خرج من هذه الحلقة جثة بلا تحقيق ولا رواية قضائية مقنعة. هكذا تتحوّل السويداء، في عين أهلها، إلى ساحة تصفية حسابات مغلقة بين تشكيل يستقوي بشرعية “حماية الجبل” وسلطة انتقالية تكتفي بإصدار بيانات متأخرة.
الفلتان ليس في السياسة فقط؛ إنه في تفاصيل الحياة اليومية. وبحسب معلومات ميدانية جمعناها من منطقة ظهر الجبل وريف السويداء خلال الأيام نفسها، سُجِّلت سلسلة من عمليات السلب المسلّح: سيارات تُوقَف تحت التهديد، مبالغ بالدولار تُسحَب من أصحابها، مزارعون يتعرضون لإطلاق النار وهم في طريقهم لقطاف الزيتون غرب المدينة، وراعي مواشٍ يُصاب بجروح بعدما حاول مسلحون سلب قطيعه قرب صميد قبل أن يتدخل شبان من القرى المجاورة ويجبروا المهاجمين على الانسحاب. بالتوازي، شهدت مناطق أخرى مناوشات بالرشاشات الثقيلة بين “الحرس الوطني” والقوات الحكومية “الأمن العام” فوق رؤوس المدنيين، مع تحليق طائرات مسيّرة في أجواء الريف الشمالي والغربي بحسب تقارير ميدانية وثّقت لحظات الاشتباكات.
في يوم آخر، استيقظت إحدى بلدات الريف على خبر وفاة شابة في الثامنة عشرة ووالدتها داخل المنزل نفسه، بعد أن تحولت بندقية موجودة في غرفة الجلوس إلى مصدر ثلاث رصاصات أنهت حياتهما في ثوانٍ. سُجِّلت الحادثة رسمياً كسوء استخدام سلاح، لكنها في وعي المجتمع جزء من قصة واحدة؛ سلاح بلا ضابط، يدخل غرفة النوم كما يدخل الحقل والحاجز.
العنف القادم من “فوق” لا يقلّ قتامة. تقارير الرصد في الشهر نفسه تشير إلى أن قوات الأمن الداخلي استخدمت طائرات مسيّرة ورشاشات ثقيلة على محوري سليم وعتيل شمال المدينة؛ إحدى الضربات أصابت شاحنة نقل من نوع “انتر” كان يقودها عامل عائد من عمله في إحدى المداجن، فقُتل على الفور، وأُصيب ما لا يقل عن خمسة مدنيين آخرين في المنطقة نفسها. في 25 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، تحوّل الطريق بين اسليم وعتيل إلى خط نار لمجرّد أن نقطة أمنية قررت الرد على توتر عند حاجز بعيد.
بالتوازي، يُكشف عن مصير غسان نواف البدعيش، الذي خُطف من منزله خلال اجتياح تموز/يوليو الماضي، قبل أن تتعرف عائلته بعد أشهر على صور جثمانه في دمشق عبر هيئة الاستعراف؛ جسد يحمل آثار تعذيب بأدوات حادة إضافة إلى طلقات رصاص عدّة، ومدفون في مقبرة جماعية في منطقة إزرع بريف درعا الشرقي، وفقاً لشهادات أفراد من عائلته. هنا أيضاً، لا توجد رواية قضائية، بل مسار واحد متكرر؛ اعتقال في حملة “رسمية”، صمت طويل، ثم جثة في مقبرة بعيدة.
حتى الحقول ومراكز البحث لم تُستثنَ من هذا الانهيار. وفق إفادات مهندسين زراعيين نشرت على لسانهم تقارير إعلامية في المحافظة، تتعرض حقول مركز البحوث العلمية الزراعية ومحطات “مزارع الدولة” لعمليات استيلاء منظّمة؛ محاصيل تفاح وإجاص وبندق تُقطَف بالقوة، مبانٍ بحثية يُستوطَن فيها من دون أي سند قانوني، ونتائج تجارب استغرقت سنوات تضيع في موسم واحد. في الكفر، سُرقت ثمار نحو 300 دونم من التفاح كان قد اتُّفِق أن تُستثمر لصالح المحافظة عبر الجمعية الفلاحية بإشراف لجنة قانونية عليا، قبل أن يضع “بضعة أشخاص” يدهم على الأرض ويرفضوا الخروج أو دفع أي ضمانات. في مكان آخر، في مزارع مفعلة شرق السويداء، ينجح الأهالي في حماية نحو 600 دونم من التفاح باتفاق أهلي–تعاوني؛ المفارقة أن حماية الملكية العامة لم تعد وظيفة الدولة، بل وظيفة قرى تستطيع أن تفرض احترامها بالقوة الاجتماعية.
يُضاف إلى ذلك ملف الجثث المجهولة التي تُنتشَل متحللة بعد شهور من دفنها قرب بلدات مثل الثعلة، وتسليم الأردن جثامين شبان من عشائر السويداء قُتلوا خلال محاولة تهريب مخدرات عبر الحدود، وأخبار عن عشرات السجناء الدروز المضربين عن الطعام في سجن عدرا احتجاجاً على توقيف بلا مسوّغ قانوني. فوق هذا كله، يتغذى المشهد السياسي على انقسام حاد بين ما يوصف محلياً بـ”المشروع الإسرائيلي” المرتبط باسم حكمت الهجري، و”مشروع الدولة السورية الجديدة” الذي يُرفع حول شخصيات أخرى، وصراع رمزي–سياسي بين مرجعيات دينية يُختصر شعبياً بعنوان “طريف – الهجري”. في العمق، تُنظَّم مراسم تأبين لـ”شهداء اجتياح تموز” تتحول إلى منصة دعائية لـ”الحرس الوطني”، وتُغلَق الطرق لحماية الفعالية، فيما يراقب السكان كيف يُعاد تركيب هرم القوة في الجبل بسلاح قديم وخطاب جديد.
بهذه الصورة، تبدو السويداء نموذجاً مكثفاً لانهيار الاستقرار؛ محافظة تُدار عملياً بمنطق المربعات الأمنية المتنافسة، لا بمنطق ولاية واحدة. من يَختطف، ومن ينهب مزارع الدولة، ومن يطلق النار من حاجز رسمي أو من تلة يتمركز عليها فصيل محلي، يتحرك في فضاء واحد عنوانه أن السلاح هو الضمانة الوحيدة، وأن القانون، حين يُذكَر، يُستخدم إما لتبرير حملة اعتقال أو لإقفال ملف جثة جديدة بلا أسئلة مزعجة.
درعا
على عكس المشهد المتأزم في السويداء، تبدو محافظة درعا أكثر هدوءاً نسبياً من الناحية الأمنية، وإن لم يخلُ الأمر من حوادث عنف موضعية. يؤكد سكان محليون تحدّثنا إليهم أن وتيرة الحياة اليومية في معظم مدن وبلدات درعا ظلت طبيعية رغم الأحداث المتفرقة؛ الأسواق نشطة، وحركة التنقل بين القرى والمدن آمنة إلى حد كبير، وساهم انتشار الدوريات الأمنية وتعزيز الحواجز بعد الحوادث في طمأنة الأهالي. يصف كثيرون الوضع بأنه “استقرار هشّ”؛ تتركز فيه المشاكل الأمنية في الأطراف والنواحي الريفية وعلى الحدود، من دون أن تتحول إلى انفجار شامل في المراكز الحضرية الرئيسية.
رغم هذا الهدوء النسبي، شهدت المحافظة خلال نحو ستة أسابيع سقوط عشرات الضحايا في حوادث متفرقة (قرابة تسعين بين قتيل وجريح)، بينهم أكثر من عشرة قتلى جراء عمليات اغتيال أو اشتباكات محلية، وفقاً لتقارير رصد ميداني. تنوّعت دوافع هذه الحوادث بين الثأر العشائري، كما في جريمة ثأرية في إزرع أوقعت ثلاثة قتلى، واستهدافات لتصفية حسابات مرتبطة بالماضي الأمني أو الجهادي لبعض الأفراد، حيث تم اغتيال عناصر سابقين في الأجهزة الأمنية أو مقاتلين سابقين في تنظيم داعش في حوادث متفرقة، فضلاً عن خلافات شخصية تحولت إلى عنف، إحداها في نوى قُتل فيها شخص إثر اتهامه بممارسات “سحر”. كما بقيت بعض الجرائم غامضة الدافع، يُعتقد أنها نتيجة صراعات نفوذ محلية أو تنازع على موارد التهريب.
إلى جانب ذلك، نشطت في درعا – وخصوصاً في الريف الجنوبي والشرقي – شبكات تهريب المخدرات عبر الحدود الأردنية، مستغلة ضعف الرقابة واتساع مناطق الفراغ الأمني. وقد ضبطت الأجهزة الأمنية السورية خلال الفترة نفسها كميات كبيرة من الحبوب المخدرة في ريف درعا الجنوبي، فيما أعلن الجيش الأردني مراراً إحباط عمليات تسلل وتهريب من الجانب السوري. ويمثل انتشار تجارة المخدرات في الجنوب تحدياً أمنياً خطيراً يهدد استقرار المنطقة الحدودية بكاملها، ويحوّل مساحات واسعة إلى اقتصاد جريمة متشابك مع السلاح والفقر.
مصادر محلية في ريف درعا الغربي تحدثت أيضاً عن تزايد حالات التنقيب غير الشرعي عن الآثار والذهب في المواقع الأثرية والقرى، غالباً ليلاً، بواسطة معدات بدائية أو آليات خفيفة، في تعبير واضح عن بحث يائس عن الثروة في أرض تُستنزف منذ سنوات. هذا النمط الجديد من اقتصاد الظل يُفاقم الصراعات المحلية، إذ تحاول مجموعات مسلحة صغيرة فرض سيطرتها على “المواقع الواعدة” واقتسام العائدات، في غياب واضح لدور الدولة في حماية الموارد الأثرية والقانونية.
في المقابل، لعبت الأعراف العشائرية دوراً مهماً في الحفاظ على هذا الاستقرار النسبي. فشيوخ القبائل ووجهاء المجتمع يتدخلون فور وقوع أي حادث ثأري أو نزاع عائلي لاحتوائه عبر مجالس الصلح والعرف الاجتماعي، بالتنسيق أحياناً مع قوات الأمن المحلية. وقد ساهم ذلك في منع توسع دائرة العنف كما حدث في واقعة ثأرية بإزرع في تشرين الأول/أكتوبر الفائت، حيث فرضت السلطات حظر تجول مؤقت، وتدخل الوجهاء لتهدئة الوضع بعد سقوط ثلاثة قتلى. هذا النفوذ العشائري يحافظ على تماسك مجتمعي يردع – حتى الآن – ظهور ميليشيات محلية جديدة خارجة عن سيطرة الدولة، إذ يفضّل معظم الأهالي حل خلافاتهم بالطرق التقليدية وبالتعاون مع أجهزة الأمن، على الانخراط في حمل السلاح عشوائياً. لكن هذا النمط يحمل في ذاته هشاشته أيضاً، لأنه يبقي الأمن رهناً بتوازنات أعراف لا بمنظومة قانونية مستقرة.
القنيطرة
أما جبهة القنيطرة ومناطق غرب دمشق المحاذية لها، فقد شهدت في الفترة ذاتها تصعيداً خطيراً كان مصدره الأساسي تدخلاً عسكرياً خارجياً. لم تعد إسرائيل تكتفي بالمراقبة الجوية البعيدة وضربات الطيران السريعة، بل أخذت تنفّذ عمليات توغل بري واستخباراتي متكررة داخل عمق الجنوب السوري. يؤكد أهالي القرى الحدودية الذين تحدثوا إلينا أنهم باتوا يرون الجنود الإسرائيليين بأعينهم داخل محيط قراهم في بعض الليالي، بعد أن كان الوجود الإسرائيلي يقتصر سابقاً على الطائرات في السماء.
خلال شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2025 نفذت القوات الإسرائيلية سلسلة عمليات مباغتة في ريف درعا الغربي وريف دمشق الغربي، تمثلت في توغلات محدودة داخل قرى حدودية كمعرية وكويا، تخللتها مداهمات واعتقالات خاطفة، وقصف مدفعي لأهداف يُشتبه بأنها مواقع لتنظيمات مسلحة محلية أو نقاط رصد. لم تسفر هذه العمليات في معظمها عن قتلى، لكنها نشرت الذعر بين المدنيين الذين لم يعتادوا مشاهدة الجنود الإسرائيليين داخل بلداتهم، وحوّلت الحقول والطرق الزراعية إلى مناطق خوف دائم.
وفي 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بلغت المواجهات ذروتها بعملية إسرائيلية كبيرة استهدفت بلدة بيت جن في ريف دمشق الغربي. تسللت قبل الفجر وحدة خاصة كبيرة مؤلفة من عشرات الجنود والآليات إلى البلدة لاعتقال مطلوبين محليين. ورغم نجاحها في اعتقال ثلاثة أشخاص في بداية الهجوم، قوبلت القوة بمقاومة شرسة من أهالي البلدة ومقاتلين محليين تداعوا للدفاع. دار اشتباك عنيف من مسافات قريبة داخل الأحياء الضيقة، أدى إلى إعطاب آلية إسرائيلية وإصابة عدد من الجنود المهاجمين، مما أجبر القوات الإسرائيلية على التراجع بعد حوالي ساعتين.
عقب انسحابها، شرعت المدفعية والطائرات الإسرائيلية في قصف أطراف بيت جن بكثافة لتأمين تغطية الانسحاب ولإيقاع أكبر ضرر ممكن بالمنطقة. وأسفر القصف عن سقوط ضحايا مدنيين ونزوح عشرات العائلات، فيما أفادت مصادر محلية وتقارير ميدانية بسقوط أكثر من 13 شخصاً من أبناء البلدة، بينهم أفراد عائلة كاملة، إضافة إلى عشرات الجرحى وتدمير عدد من المنازل والمزارع.
وفي تطور لاحق يؤشر إلى استمرارية نهج “التوغلات القصيرة والضغط البري”، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في محيط بلدة خان أرنبة بتاريخ 9 كانون الأول/ديسمبر 2025، ونصبت حواجز مؤقتة عند مداخل البلدة الثلاث: جبا–خان أرنبة، خان أرنبة–الكوم، وخان أرنبة–عين النورية، بحسب ما وثقته مصادر ميدانية في القنيطرة. تزامن ذلك مع وصول رتل لـ”الأمن العام” من دمشق، حيث حاولت القوات الإسرائيلية عملياً عرقلة دخوله إلى مركز محافظة القنيطرة وإظهار قدرتها على التحكم بحركة القوات السورية الرسمية.
وعند المدخل الشرقي على طريق خان أرنبة–الكوم، أطلقت قوات الاحتلال النار مباشرة على مدنيين عبّروا عن رفضهم لوجودها في النقطة، ما أدى إلى إصابة اثنين منهم، قبل أن تنسحب القوة مستخدمة قنابل دخانية. كما أُصيب مدني ثالث في منطقة الحميدية بشظايا ناتجة عن رصاص متفجر أطلقته القوات الإسرائيلية في أثناء انسحابها.
شكلت معركة بيت جن وما تلاها من توغل في خان أرنبة اختباراً غير مسبوق للأوضاع الأمنية الجديدة في جنوب سورية بعد سقوط النظام. فللمرة الأولى تخوض إسرائيل اشتباكاً برياً بهذا الحجم داخل الأراضي السورية، ثم تكرّس نمطاً من التوغلات القصيرة المتعمدة لإرسال رسائل على مستوى الشارع والسلطة معاً، وتجد نفسها في مواجهة مجموعات أهلية تحركها دوافع الدفاع عن الأرض، دون ارتباط تنظيمي واضح بجهات خارجية. هذه المجموعات اللامركزية يصعب ردعها بالأساليب التقليدية (مثل الاغتيالات الجوية المحددة)، لأن سقوط أي فرد منها يستنهض سريعاً غيره من أبناء منطقته لحمل السلاح. وهكذا تتبلور ملامح معادلة أمنية جديدة في الجنوب؛ توغلات إسرائيلية أعمق وأجرأ تقابلها مقاومة محلية عفوية تزداد صلابة مع كل مواجهة، في ظل غياب سلطة سورية مركزية قادرة على ضبط هذه المساحات وإعادة تعريف “الأمن” بما يتجاوز منطق الأمر الواقع.
أخيراً، يبدو جنوب سورية بعد عام من التغيير السياسي في حالة فراغ أمني وصراع مفتوح على النفوذ. لم تتمكن الحكومة الانتقالية بعد من فرض سيطرتها الكاملة أو تقديم نموذج مختلف جذرياً عمّا سبقه؛ القوى المحلية تملأ الفراغ كلٌ وفق أجندته وسلاحه، فيما تستغل أطراف خارجية هذا الوضع لترسيخ حضورها وتحقيق أهدافها، كما هي الحال مع التدخلات الإسرائيلية على الحدود أو ازدهار التهريب وتجارة المخدرات والتنقيب غير الشرعي عبر خطوط التماس. وبين هذه وتلك يبقى المدنيون متعطشين لعودة استقرار حقيقي، لا استقرار مبني على الصمت والخوف.
يبقى مستقبل الجنوب مفتوحاً على عدة احتمالات؛ فإما أن تنجح السلطات الجديدة، بالتفاهم مع القوى المحلية، في بناء هيكل أمني–سياسي موحّد يعيد الاعتبار لمنطق الدولة والقانون، أو يستمر الوضع الحالي بتوازناته الهشة ومراكزه المتعددة وسلاحه المتنازع. وفي جميع الأحوال، فإن الحفاظ على استقرار جنوب سورية يستدعي أكثر من مجرد نشر حواجز ومسيّرات؛ يحتاج إلى قرار واضح بأن هذه الجغرافيا ليست حقل تجارب لعقائد أمنية، بل وطنٌ لمجتمعات تريد أن تعيش دون أن تُحاسَب كل يوم على خطيئة وجودها قرب الحدود.