حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

حين افترست السلطة ذراعها: حكاية مخلوف، أسماء الأسد، واقتصاد الانهيار

بحلول عام 2019، كانت سوريا، تحت حكم بشار الأسد، على موعدٍ مع زلزالٍ غيّر مجمل المعادلات الداخلية على الصعد الاقتصادية والمالية والسياسية، ودفع بالمجاعة شبه الجماعية التي كانت قد بدأت بالتشكّل إلى التنامي بوتيرة متسارعة وبجدولٍ زمني قياسي، أقلّ بكثير مما توقّعته حسابات قصر المهاجرين.

في ذلك العام، قرّر الأسد إزاحة ابن خاله رامي مخلوف تمامًا عن المشهد الاقتصادي، في خطوة واحدة ومفاجئة، أعقبها عزله الكامل عن أي نشاط اقتصادي أو تجاري، ومصادرة أصول أمواله وشركاته وتجميدها، وهي التي كانت تُعدّ بالمئات. كان رامي مخلوف وريث عائلة مخلوف الإقطاعية تاريخيًا، والمنحدرة من قرية بستان الباشا في قضاء جبلة بريف اللاذقية. وإضافة إلى هذه التركة الكبيرة، ورث عن والده محمد مخلوف (خال بشار الأسد) إدارة الاقتصاد السوري بكل مفاصله وتفصيلاته وعقوده واحتكاراته.

أحد الذين عملوا ضمن الدائرة الضيقة لرامي مخلوف، ويقيم اليوم في دبي، قال لـ«صالون سوريا»، مفضّلًا عدم الكشف عن اسمه، إن «رامي مخلوف لم يكن رجلًا نشأ من العدم؛ فقد شارك في تربيته والده وحافظ الأسد معًا. ومع استلام بشار الأسد الحكم عام 2000، انتقلت مفاتيح السلطة السياسية إلى الأسد الابن، فيما آلت مفاتيح السلطة الاقتصادية إلى مخلوف الابن. ولم يُمنح رامي حينها امتيازات أو تفضيلات تميّزه عن بقية التجّار السوريين أو المستثمرين الأجانب، بل مُنح الاقتصاد السوري كاملًا، دون نقصان ولو بمقدار ذرّة، ليصبح هو من يوزّع فتات الكعكة على بقية التجّار».

وأضاف المصدر: «كان مطلوبًا من مخلوف، بالضرورة، أن يترك استثمارات صغرى وغير حيوية لغيره، حتى وإن بلغت قيمتها مليارات الدولارات، لكنها لم تكن تُشكّل شيئًا يُذكر في موازين الربح والخسارة لديه. هكذا صار واحدًا من أقوى رجال الاقتصاد في العالم العربي، ومنافسًا محتملًا لأثرياء العالم. غير أن السلطة، بوصفها سلطة تُطوّع ذراعًا ماليًا خارج مؤسساتها لسدّ فراغاتها، ووفق فكرٍ عصبيٍّ وتعصّبيّ، لم تكن تسمح، حتى في آخر لحظاتها، بالكشف عن ملاءتها المالية، باستثناء الإعلان السنوي عن الموازنة العامة».

تلك الموازنة، التي أشار إليها المصدر نفسه، كانت موضع شكّ دائم، إذ بقي النفط خارجها لعقود طويلة، ليُسوَّق جانبيًا تحت مسمّى «مكتب النفط» في رئاسة الوزراء. وكان عبد الرؤوف الكسم ومحمود الزعبي، رئيسا الحكومات السورية بين عامي 1980 و2000، من أبرز من أتقنوا إدارة هذا الملف.

في عهد بشار الأسد، كان أكثر ذكاءً في إدارة ملف النفط، وأكثر غباءً فيما عداه، وفق توصيف أشخاص عملوا معه. فقد أعلن عن كميات الإنتاج السنوي، وما يُخصّص للاستهلاك الداخلي، وما يُصدَّر إلى الخارج، غير أنّ الواقع بقي على حاله: عائلتا مخلوف–الأسد تديران القطاع وفق منطق الربح الفردي، دون أن يجرؤ أي سوري على السؤال. ولأجل تطوير القطاع، أُدخلت شركات أجنبية، لكنّ السلطة استحوذت على الحصص الأوسع منها، فيما كان رجال الدولة، في قصورهم، شركاء حتى في «حصة الطير من صيده».

بداية الانهيار الداخلي

في صيف عام 2019، وتحديدًا في شهر آب/أغسطس، وضعت السلطات السورية يدها على جمعية «البستان» الخيرية، العائدة بملكيتها إلى رامي مخلوف، والتي كانت تتبع لها قوة عسكرية كبيرة تُعرف باسم «قوات البستان». وصدر قرار متزامن بحلّ الجمعية والقوة التابعة لها، وصرف عشرات الآلاف من مقاتليها.

وفي نهاية العام نفسه، صدر قرار بالحجز على جميع أموال مخلوف وزوجته وأولاده، بتهم تتعلق بالتهرّب الضريبي والتربّح خلال الحرب. كما طالت العقوبات المحلية أصول أمواله وكيانات شركاته في الخارج.

ومع بداية عام 2020، فُتح ملف شركة «سيرياتيل»، أكبر وأضخم شركة تُدرّ عوائد مالية عالية تصبّ في حسابي السلطة ورامي مخلوف معًا. وعمليًا، تُعدّ «سيرياتيل» واحدة من شركتي الاتصالات الوحيدتين في سوريا: الأولى مستحوذ عليها بالكامل، والثانية، بشكلٍ أو بآخر، تعود ملكيتها إلى السلطة أيضًا. في هذا السياق، كان مخلوف عرّاب قطاع الاتصالات، ومع فقدان السلطة المركزية سيطرتها على منابع النفط والغاز الرئيسية في شمال شرق سوريا بعد عام 2011، إضافة إلى معارك حقول تدمر مع تنظيم «داعش»، باتت عوائد الاتصالات الباهظة تشكّل العمود الفقري للاقتصاد السوري، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ«بترول البلد»، كما يُوصف في البلدان التي لا تمتلك موارد نفطية وتعتمد على قطاعات أخرى لتعويض أرباحه المفترضة.

في 30 نيسان/أبريل من العام نفسه، قرّر مخلوف الخروج إلى العلن عبر فيديو مطوّل، شرح فيه للمرة الأولى ملابسات ما جرى. ومن مكان إقامته الإلزامية، وعبر سلسلة مقاطع مصوّرة متعاقبة ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأ مخلوف برفع سقف خطابه، كاشفًا الأسرار والخبايا، ومخاطبًا ابن عمته بلسان العاتب، قبل أن يتحوّل خطابه لاحقًا إلى هجومٍ صريح، بعد أن فقد أي أمل في استعادة ما كان يراه حقّه وجنى عمره وتعبه، ولا سيما بعد أن جرى «تشليحه» من كل شيء تقريبًا.

خلف الكواليس

لم يكن الخلاف بين رامي مخلوف وبشار الأسد ليقع، نظريًا، تحت أي ظرف. فقد شكّلا، لسنوات طويلة، جناحين للسلطة: أحدهما للسياسة، والآخر لضمان ديمومة الاقتصاد المُنقِذ، ولو في حدوده الدنيا. غير أنّ شيئًا ما تبدّل في لحظة مفصلية، حين طالب بشار الأسد رامي مخلوف بمبلغٍ مالي ضخم لتسديد ديون واستحقاقات وضرائب شخصية. هذا الطلب لم يلتفت إليه السوريون جيدًا في حينه، لكنّ الدائرة المقرّبة من مخلوف شرحته لاحقًا بتفصيل، ولا سيما بعد سقوط النظام.

وبحسب تلك الدائرة، فإن رفض مخلوف الدفع، انطلاقًا من اعتقاده بأن الدولة قائمة أساسًا على أكتافه، أشعل شرارة الصراع. ولم تكن تلك الحرب، في جوهرها، بين نسيبين كما بدا ظاهرًا، بل كانت أعمق من ذلك بكثير. فقد أكّدت مصادر مقرّبة من مركز القرار آنذاك، ما صار واضحًا لاحقًا، من أنّ أسماء الأسد، المحسوبة بشدّة على الجانب الروسي، رتّبت كل شيء لإقصاء مخلوف جانبًا، والاستيلاء على ممتلكاته، وعلى الأرباح القادمة من مختلف القطاعات والشركات والاتفاقيات.

ورغم أنّ الإعلان الدستوري الجديد يجرّم المديح في آل الأسد، لم يكن واضحًا ما إذا كان رامي مخلوف مشمولًا به، ولا سيما في ظل تسريبات صحافية تحدّثت مؤخرًا عن لقاء جمع أحد أشقاء الشرع بمخلوف خارج سوريا، لبحث إجراء وساطة تسوية لا تزال شديدة التعقيد. وتُحاول تركيا رعاية هذه الوساطة، فيما يسعى الشرع إلى التهرّب منها، خشية نقمة الشارع على حكمه.

المهم في كل ذلك أن التاريخ لا ينسى. فلا يختلف اثنان على أنّ مخلوف كان داهية في الاقتصاد، وفي الوقت نفسه لصًا وناهبًا ورجل مافيا. لكنه فعل ما لم يفعله غيره بالطريقة ذاتها؛ إذ رهن جمعيته الخيرية «البستان» لإجراء عمليات جراحية وغيرها، مهما تعاظمت تكلفتها، لكل محتاج، ومن أي طائفة كان.

يقول الدكتور ماهر حمّور، الذي عمل ضمن مجموعة مخلوف وكان مطّلعًا على هذه الملفات، لـ«صالون سوريا»: «بمعزل عن قِصر ذاكرة الشعوب، فإن الجمعية بالفعل أجرت عشرات وربما مئات آلاف العمليات للمحتاجين من مختلف الانتماءات. إلى جانب ذلك، كانت تتكفّل بتوزيع حصص مالية وغذائية شهرية للمحتاجين ولكل من يقصدها. وبهذا تحقّق المثل القائل: “كان يعطي من الجمل أذنه”. لكنه، على الأقل، كان يعطي؛ يسرق كثيرًا ويعطي قليلًا. أما بقية رجالات الأسد، فكانوا يسرقون كثيرًا ثم كثيرًا».

ويضيف حمّور: «مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ من يعرف بشار الأسد عن قرب كان يدرك أنّه ربما واحد من أبخل قادة التاريخ، هو وزوجته، وقد عرفتهما عن قرب. وبالعودة إلى مخلوف، ومساعداته ومنحه، فإنه، في الوقت نفسه، قضى على الاقتصاد الحر، وتسبّب في هجرة آلاف الصناعيين والتجّار والمستثمرين. كانت أرباحه تعنيه على صعيده الخاص لا على صعيد تطوير البلد. ومن هذه الزاوية، يرى كثير من السوريين أنّ الجمعية كانت غطاءً لقول كلمة “شكرًا” له، فيما ترحّم آخرون عليه بعد إبعاده عن المشهد».

صاحبة التاج

منذ زواج أسماء الأخرس، الفتاة الحمصية التي كانت تعمل في أحد المصارف في بريطانيا، من وريث الحكم الأسدي في سوريا، نظرت إلى نفسها بوصفها صاحبة التاج والملك. لم تتعامل يومًا مع البلاد كجمهورية، بل كإقطاعيةٍ ملكية.

ومع مرور السنوات، ازدادت قدرتها على التأثير في زوجها وسلوكه، وبدأت تنشط في قطاعات إغاثية وتنموية كبرى، ليتصدّر اسمها واجهة الأخبار، حتى مُنحت قسرًا لقب «سيدة الياسمين». غير أنّ لقبها في المجالس السورية الضيّقة كان «سيدة الصبّار»، بحسب ما قالت رقية الأحمد، التي عملت في إحدى مؤسسات أسماء خلال الحرب، لـ«صالون سوريا».

عمليًا، لعبت أسماء الدور الأكبر والحاسم في توجيه الضربة القاضية لرامي مخلوف. ولم تكن تلك الضربة ارتجالية تُدخل البلاد في فراغٍ اقتصادي تاريخي، بل جاءت ثمرة إعدادٍ سابق، سبق الخلاف برمّته، وتهيئةٍ لما بعده. ومع إخراج مخلوف من المشهد على نحوٍ فوري، عرف السوريون بوجود مكتب داخل القصر يُعرف باسم «المكتب السري»، وهو عمليًا «المكتب الاقتصادي» الذي أُنيطت به مهمة الحلول مكان مخلوف، ولكن هذه المرة لتركيز الثروات كلّها في اتجاهٍ واحد: القصر الرئاسي.

أدار هذا المكتب أحد المقرّبين من أسماء الأسد، وهو يسار إبراهيم، إلى جانب أربعة آخرين، من بينهم فارس كلاس، المدير العام السابق للأمانة السورية للتنمية التابعة لأسماء، ورجل الأعمال المعروف خضر علي طاهر، الشهير بـ«أبو علي خضر». بدأ الأخير حياته بائعًا للدجاج، لتصنع منه الحرب وأسماء لاحقًا اسمًا اقتصاديًا موازيًا لمخلوف، متدرّجًا عبر شبكة العلاقات والمعارف وصولًا إلى دائرة القرار، من دون امتلاكه أدنى مقوّمات الذكاء الاقتصادي–الاستراتيجي، إذ اقتصر دوره على الحصاد والابتلاع والجباية، وهي نقطة قوّته الوحيدة.

كان «أبو علي خضر» أقوى ذراع في مكتب يسار إبراهيم، فأُنيطت به إدارة المعابر، وجمارك السيارات، والتبغ والدخان، والهواتف الخلوية، والمشروبات الكحولية، والمواد الغذائية، فضلًا عن ابتزاز التجّار وإدارة الملفات الجمركية عمومًا. وقد قاد ذلك إلى عملية إعادة تسعير شاملة، كانت بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير.

لماذا قصمته؟ يجيب الأستاذ السابق في كلية الاقتصاد نجيب سليمان قائلًا: «لأن إزاحة مخلوف بين عامي 2019 و2020، وولادة المكتب السري، تزامنتا مع جائحة كورونا وسريان تطبيق “قانون قيصر”. ومع غياب الرؤية التنموية وخطط المعالجة وضرورة العمل على التعافي المبكر، اجتمعت هذه العوامل كسيارةٍ تسير بسرعة هائلة لتقود أكثر من 90 في المئة من السوريين إلى ما دون خط الفقر»، بحسب تأكيدات الأمم المتحدة.

أسماء تحكم وتدمّر

سارت أسماء الأسد على نهج زوجها ووالده، وعلى خطى الأنظمة الشمولية عمومًا. فلطالما اختارت رجالها من المطيعين وأصحاب الولاءات المثبتة، مقابل تأمين الحماية لهم وإسنادهم والسماح لهم بالاستفادة الجزئية. وهذه الاستفادة، على محدوديتها، أتاحت لبعض رجالاتها جمع مئات ملايين الدولارات وأكثر. والسؤال الذي ظلّ يتردّد بين السوريين: كم كان في سوريا من مال، فيما الشعب لا يجد رغيف خبز؟

بعد الأحداث التي وقعت بين عامي 2020 و2024، وما خلّفته من تأثير بنيوي عميق جرّاء تفكيك «الاقتصاد العميق» للدولة، واعتماد منطق التجربة بدل الرؤية، بدأ بشار الأسد يفقد، شيئًا فشيئًا، أهليته الشرعية في الشارع، وحتى بين مناصريه ومواليه شعبيًا وطائفيًا. فالناس الذين اقتنعوا، يومًا، بأن البلاد تتعرّض لمؤامرة، وأن الوقوف إلى جانبه ضرورة وطنية، باتوا يرون بوضوح أنّه لم يعد مكترثًا بأحوالهم.

وقد أتاح توقّف حرب الجبهات عمليًا، وفق مساري أستانا وسوتشي عام 2018، فرصةً مثالية للبناء والإنعاش. غير أنّ المقارنة التي عقدها الناس لاحقًا كانت فادحة: إذ يرون أن «هيئة تحرير الشام» استغلّت الفترة بين 2018 و2024 في التجهيز والتدريب والتحضير للحظة الحاسمة، بينما قضى الأسد على مواليه وجيشه، وأدخلهم في متاهة غير مسبوقة من الجوع والحرمان والتضييق، وصارع حلفاءه، ورفض مصالحة خصومه، وتعامل مع نفسه بوصفه زعيمًا منتصرًا بكل المقاييس.

ومع مرور الوقت، بات واضحًا أن اهتماماته، هو وزوجته، انحصرت في جني المال، المال وفقط. ويرى السوريون في ذلك العلامة الفارقة والنهائية التي مهّدت لسقوط النظام القمعي بعد سنوات طويلة.

ديوك الحي

تحدّث كثير من السوريين، علويين وسنّة، ومن مختلف الشرائح الاجتماعية، لـ«صالون سوريا» عمّا فعلته بهم أسماء الأسد وزوجها والسلطة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2024. ففي تلك السنوات، كان الأمن العسكري وأمن الدولة مكلّفين بضرب أي مصلحة تجارية، صغيرة كانت أم كبيرة، بأساليب أقرب إلى عمل العصابات: اعتقال أصحابها، وفرض فديات مالية لإطلاق سراحهم، وصلت أحيانًا إلى مليارات الليرات السورية، فضلًا عن احتجاز نحو 150 تاجرًا من دون تهمة في فرع المداهمة «السرية 215 أمن عسكري – دمشق»، بغرض الابتزاز، وذلك في الربع الأخير من عام 2023.

الصادم في تلك الوقائع أنّ عمليات الاعتقال والابتزاز جرت، وفق مصادر مطّلعة، من دون علم أسماء الأسد أو زوجها. فقد نُفّذت بتشاركٍ مباشر بين «أبو علي خضر» واللواء أسامة صيوح، رئيس الفرع. هذا الأمر استدعى لاحقًا نقمةً عارمة من القصر تجاه الطرفين، بعدما تبيّن أنهما شرعا يعملان لحسابهما الخاص في الظل. وعلى إثر ذلك، صودرت أموال «أبو علي خضر» وطُبّقت عليه إجراءات عزل وعقوبات مشابهة لتلك التي فُرضت سابقًا على رامي مخلوف، فيما أُودِع اللواء أسامة السجن، قبل أن يهرب ليلة «التحرير» إلى لبنان، حيث يقيم حاليًا.

«أنا أو أحرق البلد»

في الصحافة، ثمّة حيّزٌ يسمح بالتوثيق لا بالتدخّل أو الإملاء. وخلال سنوات طويلة من الحرب، امتلك بشار الأسد قاعدة شعبية واسعة داخل سوريا، كانت المسيرات المليونية تعبّر عنها أحيانًا، كما عكستها أعداد القوات العاملة والمتطوّعة، وآراء شريحة من السوريين التي رأت فيه ضمانةً وصمّام أمان. وكان ذلك كلّه، في حينه، جزءًا من حق التعبير المكفول.

غير أنّ هؤلاء أنفسهم، اليوم، ينظرون إليه – بحسب تعبيرهم – بوصفه «لصًا هاربًا بخيرات سوريا»، تركهم بلا سند أو حماية، فيما كان قادرًا، في أي لحظة، على المغادرة. ويرى كثيرون أنّ هذه القناعة لم تولد لحظة السقوط، بل بدأت تتشكّل قبل ذلك بوقت طويل.

يتساءل مناصرون سابقون للأسد عمّا إذا كان قد هرب في نهاية المطاف تحقيقًا لشعار «أنا أو أحرق البلد». ولماذا لم يسلك مسار القرار الدولي 2254 الصادر عام 2015، والذي بقي متاحًا أمامه حتى لحظة رحيله؟ ولماذا لم يكن أكثر شجاعة ووطنية في الأشهر والسنوات الأخيرة، حين كان بوسعه نقل السلطة، أو التفاوض، أو حماية من وقفوا إلى جانبه، أو الانخراط في تسويات إقليمية، أو التوقّف عن استعداء شريحة واسعة من السوريين المعارضين له؟

قبيل هروبه، كان في متناول يده الكثير ممّا لم يفعله: الجلوس إلى طاولة تفاوض، حماية حلفائه، الانفتاح على المسارات الإقليمية، والتخفيف من كلفة العداء الداخلي. غير أنّ ذلك لم يحدث.

خلاصة القول، كما يراها كثير من السوريين اليوم، أنّ ما ظهر من بشار الأسد وزوجته لم يكن سوى أنانية ديكتاتور ترك خلفه مجتمعًا ممزّقًا، يتقاذفه الفقر، والانتقام، والتهجير، والاضطهاد، والأحقاد، والرغبة الجماعية في الهجرة ومغادرة الوطن.

وكما قال أحد سكّان طرطوس لـ«صالون سوريا»:

«بشار وزوجته كانا يصلحان، في أفضل الأحوال، لإدارة حديقة ملاهٍ. ومع ذلك، فاحتمال فشلهما كان كبيرًا، لأنهما كانا سيسرقانها، ولن يدفعا ليرة واحدة في تطويرها أو حماية عمّالها. وهذا تمامًا ما فعلاه، هما ورجالاتهما، في سوريا».

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

مثقفون سوريون في المعترك الطائفي

عام 2001 وعقب عرض مسرحية “المتنبي” للرحابنة، وفي لقاء تلفزيوني مع منصور الرحباني سأله المذيع ماذا كانت طائفة المتنبي؟ تردد الرحباني قليلاً ثم قال: لقد كان علوياً. عقّب المذيع ومعد البرنامج قائلا: يقال إنه كان اسماعيلياً. 

عاد الرحباني وأكّد ببطء وبصوته الرخيم، قائلاً: لقد كان علوياً.

لم أجد مبرراً لهذا السؤال، فما علاقة الإبداع بالانتماء الطائفي!؟  خاصة وأنه في ذلك الحين لم تكن قد استشرت النزعات التي نعاني منها اليوم، وكان خطاب الانتماء الوطني هو السائد. 

في اليوم التالي قال لي أحد زملائي مازحاً: لم أعد أحب المتنبي، تصوّر يا رجل أنه كان علوياً..

بالمقابل فاجأتني الخيبة التي اعترت أحد شعراء البحور حين عرف أن الفرزدق مدح أمراء بني أمية: سليمان بن عبد الملك والوليد بن عبد الملك بن مروان، ومدح يزيد بن عبد الملك وبشر بن مروان، حتى أنه مدح الحجاج بن يوسف الثقفي.

وقد قال بالحرف: لا بد أن القصائد منحولة، فلا يمكن لمن يمدح علي زين العابدين أن يمدح هؤلاء.. 

عادت إلى ذهني الحادثتان مؤخراً مع ما وصلـت إليه الحالة السورية من تداعي الانتماء الوطني وصعود الانتماء الطائفي.

من الطائفية المقنعة إلى المتفشية السافرة

على مدى سنوات طويلة كانت مقاربة الطائفية في سورية تتم بحذر ووجل، حتى الدراسات التي تتناول المسألة الديموغرافية والأنثربولوجية، والتي من المفترض أن تسمي الأشياء والأحوال بمسمياتها؛ لم تكن محبذة في الدوريات والكتب الصادرة في سورية. 

ومن يفعل ذلك على الصعيد الشعبي؛ في الشارع أو في أي مكان عام، أو على الصعيد الرسمي إن كان في وظيفة أو في أي جهة عامة أخرى، كان يسارع إلى الاعتذار وإحالة الأمر إلى التندر والمزاح. 

كان السؤال الأكثر انتشاراً والأكثر مباشرة وجرأة بما يخص الانتماء هو: من أين أنت؟ رغم أن الإجابة لا يمكن أن تحمل معلومة دقيقة تفيد بالانتماء الطائفي في ظل التنوع الديموغرافي الطائفي والإثني السائد في كل المناطق السورية. 

يمكن القول إن التغيير في هذا الأمر بدأ يأخذ منحى آخر مع بدء الأزمة السورية، حيث بدأت المجاهرة بمسألة الانتماء الطائفي وذلك في سياق الاصطفاف السياسي الذي ساد الواقع السوري وتحوّل بسرعة إلى اصطفاف عسكري، وفي سياق هذا تم تبادل الاتهامات التي تتناول الحالة الوطنية لأطياف المجتمع السوري، فقد رأينا اتهامات تشكك بالانتماء الوطني لطائفة من قبل طائفة أخرى وبالتبادل. 

بعد سقوط النظام السابق الذي كان يتظاهر أنه ليس طائفياً، وهو فعلاً لم يفضّل طائفة على أخرى إلا في سبيل مصالحه، وكان يطبّق ترويكا طائفية غير معلنة على كافة المستويات في أجهزة الدولة، طفحت الطائفية في الخطاب البيني السوري، وعلى كل السويات وفي كل المجالات؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على المستوى الشعبي والرسمي، وهذا كان متوقعاً مع وصول تيار يقوم على أيديولوجيا دينية تخص طائفة بعينها، تيّار موصوم بالتطرف، إلى السلطة، وذلك في سياق الفعل ورد الفعل، فتبني جهة ما للطائفية لا بد أن يفرز طائفية مضادة ولو بعد حين.

مثقفون في مهب التعاطي الطائفي

لم تقتصر الطائفية على الفعاليات التي ذكرناها، بل رشحت إلى الناحية الثقافية، كان ذلك مفاجئاً للبعض، والمفاجأة هنا تأتت من الحوار الذي كان يدور بين المثقفين السوريين من كافة الأطياف، ففي خضم هذا الحوار تبيّن النزوع الطائفي لكثير من المثقفين الذين كانوا يعرفون بالتنوير والعلمانية، هذا النزوع الذي تبلوّر فيما بعد في مواقف واضحة؛ وأداء وتصرفات طائفية صريحة لم تعد ترى ذلك عيباً أو خطأً ولا تخجل من ذلك.

أغلب الحوارات كانت في البداية تتسم بالعقلانية والمنطق البعيد عن الطائفية وتبني الطروحات التي تعزز الانتماء الوطني، لكنها يوماً إثر يوم بدأت تتبدّل وكأن هناك ما استيقظ في نفوس بعض المتحاورين، فالنزوع الطائفي كان موجوداً ومكبوتاً، كأنه كان نائماً فقط وأتى من يوقظه.  

في تلك الحوارات والتي شاركت في بعضها، تم استحضار الحساسيات الطائفية المزمنة والاتهامات المعروفة باحتضان النظام البائد والتشكيك بمصداقية الانتماء من قبل مثقفين معروفين، ووصل الأمر بالبعض في إحدى جلسات الحوار إلى المطالبة بضرورة تفكيك الخطاب العلوي وتخليصه من خرافاته من قبل أحد مثقفي الطائفة السنية، ورد عليه مثقف علوي أن خرافات الخطاب العلوي ليست قاتلة، الأهم أن نتخلص من خرافات الخطابات القاتلة. 

تصاعد التوتر الطائفي في تلك الحوارات وفي التعاطي بين المثقفين بشكل مباشر وغير مباشر، واستحضرت شخصيات تاريخية أدبية ليدور السجال على صفحات السوشال ميديا حول انتمائها الطائفي كأبي نواس وأبي فراس الحمداني والفرزدق وعلي بن الجهم وغيرهم، وفي الواقع صار الفرز الطائفي لدى الكثير من المثقفين واضحاً، وصارت أية خطوة أو إجراء يتم اتخاذه يفسّر طائفياً.

 مثال ذلك، عندما قام رئيس اتحاد الكتاب العرب بفصل عدد من المنتسبين إليه، أعاد الكثيرون ذلك إلى دافع طائفي، رغم أن قائمة المفصولين كانت تضم كتابا من أطياف المجتمع السوري كافة. 

لمست ذلك عقب نشري منشوراً تناولت فيه كيفية انتساب الكاتب “حسن م يوسف” للاتحاد حيث مُنح العضوية بشكل فخري من قبل رئيس الاتحاد حينها، المرحوم “نضال الصالح” وقد كنت حاضراً وشاهداً على ذلك، ورأيت أنّ ذلك “التنسيب” أثار أسئلة عدة حينها، فكيف لكاتب بحجم يوسف ألا يكون عضو اتحاد حتى ذلك الوقت؟ إمّا أنه لم يكن يرغب بذلك وإمّا أنه تقدّم ولم يقبل وهذه مفارقة، فكيف لمثله ألا يقبل؟ وكيف قبل بالعضوية الفخرية؟ 

سارع أحد الأصدقاء إلى الاتصال بي ولامني على ما نشرت قائلاً: حسن م يوسف فصل طائفياً وأنت بما نشرت تتفق مع ذلكّ!؟ 

لا بد من القول أنه إن صح أن الأمر وإن لم يصح تمّ بدافع طائفي، فرد الفعل كان طائفياً أيضاً فأغلب من تنطعوا للدفاع عن أسماء من طائفة معينة لم يذكروا أسماء المفصولين من الطوائف الأخرى. 

كذلك قرأنا تصريحات تخص أعمالاً أدبية ودرامية أعيدت إلى الدافع الطائفي ومنعكسه السياسي كتصريح مدير المسارح في وزارة الثقافة والذي تناول فيه مسلسلي “ضيعة ضائعة” و”الخربة”.

الاحتفاء بالآخر البعيد ورفض الآخر القريب 

توضح تبني الطائفية في الوسط الثقافي في قضية ترشيح أدونيس لجائزة نوبل للآداب، فقد أثار هذا الترشيح ردود أفعال متباينة؛ القليل منها تبنى وجهة نظر قائمة على أساس أدبي، نقدي أو متعلق بالذائقة فقط، بينما رأينا تعليقات كثيرة بصبغة طائفية، و الطائفية هنا تجلت في الحكم على أدونيس بناء على منبته و انتمائه الذي لا محيد عنه حتى و لو لم يتبن هو ذلك، فأدونيس رافضي و من فئة سعى البعض لحصرها في إطار اجتماعي وسياسي معين، فهي مهزومة بنظرهم وفوز أدونيس سيشكل عاملاً لتعويمها وإكسابها سمة جديدة، ثقافياً واجتماعياً على الأقل.

 في المقابل نحى مثقفون آخرون المنحى الطائفي بما يخص قضية أدونيس، وهم من طائفته بطبيعة الحال، فقد تمّ تبنيه من قبل هؤلاء ومنهم من رفضه سابقاً، وذلك بدافع إثبات وجود الطائفة ثقافياً ومعرفياً وعلى نطاق عالمي بعد محاولات طمس وجودها سياسياً وتحميلها عبء ممارسات النظام البائد، فأدونيس في رأيهم حال فوزه سيشكل رافعة للطائفة.

 المؤسف أن الكثير من الآراء التي طرحت لم تقم على أساس أدبي، ولا نقصد تلك الآراء التي صدرت عمن ليس لهم علاقة بالأدب؛ بل من أدباء ونقاد معروفين. 

بعد فوز الكاتب المجري “لاسلو كراسناهوركاي” تباينت الآراء بخصوص أدونيس بين الأسف والارتياح، إن لم نقل الشماتة، وكأننا هنا في مهب مقولة القريب والبعيد، لكنها هنا معكوسة فالآخر البعيد مفضّل ومحبّذ عمن يعتبر “الآخر” القريب.  

من المؤسف أن يصل الاستقطاب الطائفي في الوسط الثقافي إلى هذا الحد، ألاّ نستطيع التوافق على شخصية ثقافية سورية بانتمائها وأيديولوجيتها، وهي وجه من وجوه سورية الثقافية والمعرفية عالمياً بما حققته، ونختلف أيضاً حول قضايا ثقافية وشخصيات تاريخية على أساس طائفي. في الوقت الذي كان من الممكن أن يكون المثقفون عاملاً فاعلاً في تصويب الخطاب الطائفي اللاوطني.      

عودة السوريين المنتمين للثورة وجدلية الداخل والخارج 

عودة السوريين المنتمين للثورة وجدلية الداخل والخارج 

بعد تحول الثورة السورية إلى حربٍ دمّرت البلاد وقتلت مئات الآلاف، غادر جزءٌ كبير من السوريين المنتمين للثورة البلاد، طلباً للنجاة وبحثاً عن حياة جديدة، فيما آثر جزء آخر البقاء لاعتبارات عديدة. وطوال سنوات الحرب أثارت العلاقة بين جزء كبير من سوريي الداخل والخارج جدلاً كبيراً، كان يتفاقم في كل حدثٍ أو مناسبة، ليتم تبادل الاتهامات وتوزيع أدوار الوطنية. اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد البائد، وعودة كثير من السوريين المحسوبين على الثورة إلى البلاد، خلال الأشهر الماضية، عاد الجدل مجدداً، رغم فرحة معظم سوريي الداخل بعودتهم. 

سياحة ثورية

يرى جزء من السوريين الذين لم يغادروا البلاد طوال سنوات الحرب، أن معظم من عادوا، بعد سقوط النظام البائد، أتوا كزائرين يدفعهم الحنين والاشتياق، وليسوا كأبناء وطنٍ، يرغبون في المساهمة في بناء سوريا التي حلموا بها ورفعوا لأجلها شعارات الثورة في عام 2011. كما أصيب جزء آخر بخيبة أمل بعد عودة بعض المعارضين البارزين في الثورة، إذ اكتفوا بزياراتٍ استعراضية لأبرز معالم العاصمة، كانت أقرب إلى “السياحة الثورية”، وكان هدفها الظهور الإعلامي والتقاط الصور، فيما اقتصرت معظم نشاطاتهم على الجلوس في المقاهي، التي اكتظت بالنشطاء المدنيين والسياسيين العائدين، كمقهى الروضة. وبدل أن يحاولوا الاقتراب من الحياة الحقيقية التي يعيشها الشعب السوري ليروا جزءًا من معاناته ويحاولوا أن يشاركوه ببعضها، كانوا يعيشون حياةً مترفة لا تشبه حياة أغلب السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، إذ أقام الكثير منهم في الفنادق أو البيوت الفاخرة ضمن الأحياء الراقية.  

“كانت سعادتي لا توصف بعودة صديقي الذي لم أره منذ نحو عشر سنوات، كنت مستعداً لاستقباله في بيتي، خلال زيارته لدمشق، لنستعيد التفاصيل والذكريات التي جمعتنا في السابق، لكنني فوجئتُ بأنه قد حجز في أحد الفنادق ليقيم فيها طوال فترة زيارته، وعند لقائي به شعرت أنني أمام شخصٍ آخر، لا يشعر بشيءٍ من معاناتنا وأوجاعنا”.  هكذا يصف الفنان التشكيلي طارق (46 عام) لقاءه بصديقه العائد من أوروبا، مضيفاً: “ورغم أنني كنت عاطلاً عن العمل، نتيجة الواقع المؤلم الذي تعيشه البلاد، وبالكاد أجد ثمن علبة سجائر، لم يُبد صديقي أي تضامن أو تعاطف معي، على الرغم من أن المبلغ الذي أنفقه في إحدى سهرات البار كان يكفيني ثمن طعامٍ لأسبوع، والمبلغ الذي كان يدفعه كإيجار يومي لغرفتة  في الفندق يعادل إيجار بيتي المتواضع لشهر. كل ذلك جعلني أشعر بشرخٍ كبير في علاقتي معه، وبالمقابل مازالت علاقتي بأصدقائي، الذين لم يغادروا سوريا طوال الحرب، تزداد عمقاً، إذ كنا وما نزال سنداً لبعضنا، نحفّز بعضنا على التطور والإنجاز، ونتقاسم الفرح والحزن وما في جيوبنا من نقود”. 

  ذاكرة جديدة وانتماء جديد 

طوال سنوات الحرب، كان معظم المنتمين للثورة من الذين لم يغادروا البلاد، لا يخرجون من محافظاتهم أو حتى مدنهم وقراهم إلا فيما ندر، بقوا محاصرين بذكريات الثورة، يستذكرون تفاصيلها الجميلة فيما بينهم، وبقيت أحلام بعضهم تتعلق بواقع البلاد وسقوط نظام الأسد وتحسن الواقع المعيشي والاقتصادي، وبالمقابل كثير ممن غادروا البلاد أصبح لديهم حياة جديدة وأحلام مختلفة وبعيدة عن الواقع السوري، بل تعودوا على نمط مختلف من العلاقات الاجتماعية، التي يغلب عليها الطابع الأوروبي، وتحول بعضهم إلى شخصيات غريبة، لا تشعر بأي حنينٍ إلى البلاد وما فيها، ولا تُشبه ما كانت عليه خلال الثورة.  

 تحدثنا المدرّسة رشا (45 عام) عن لقائها بعددٍ من أصدقائها الذين عادوا إلى سوريا، بعد غيابهم عنها لسنوات: “بعد عودتهم تفاجأت (أنا وأصدقائي الذين لم يغادروا البلاد) بهم وتفاجؤوا بنا. كنا ننتظر منهم الكثير ونطالبهم بأن يكونوا مثلنا، لكننا اكتشفنا أنهم تغيّروا بشكلٍ جذري، أصبح لديهم حياة بعيدة عن نمط حياتنا. ببساطة هم لم يعيشوا خوفنا وظروفنا المعيشية الصعبة، إذ كنا طوال السنوات الماضية نضيّع أيامنا ونحن نلهث خلف لقمة العيش، ونقاوم الموت بشتى السبل ونبذل كل طاقتنا لنتكيَّف ونتأقلم مع ظروف الحرب ونحافظ على شيءٍ من توازننا العقلي والنفسي”. وتضيف: “كنا فقط ننتظر منهم شيئاً من العزاء والمواساة، وأن يلاقونا بلهفةٍ واشتياق أو على الأقل بنوعٍ من الحنين إلى ماضينا المشترك، لكننا، وللأسف، اكتشفنا أننا وحدنا من يحتفظ بذكريات الماضي، الذي تجاوزوه وصنعوا بدلاً عنه ذاكرة جديدة، فباتوا ينظرون إلى ذكرياتنا المشتركة كنوع من الفلكلور، بل بات ذكر ذلك الماضي بالنسبة لهم غير مُحبّبٍ، ربما لأنه يُشكل لهم عبئاً وحساسية تتعلق بخروجهم من البلاد”.  

من جهته يرى الموظف والناشط السياسي عمار (40 عام) أن جزءًا كبيراً ممن عادوا إلى سوريا قد تغير انتماؤهم الوطني وأصبح لديهم بطاقات أمان، كونهم يحملون جنسياتٍ أخرى أو إقاماتٍ تخوّلهم العودة إلى بلدانهم البديلة متى شاؤوا، لذا “تجدهم يتحدثون من برجهم العاجي وبكثيرٍ من المثالية والطوباوية، ولديهم الكثير من الوقت لكي ينظرّوا ويتثاقفوا، ويقدموا لنا الاقتراحات حول آليات بناء الأوطان وتطوير الإنسان، دون أن ينظروا عن قرب إلى الواقع الاقتصادي والسياسي والأمني الحقيقي للبلاد الممزّقة، والتي بإمكانهم مغادرتها بمجرد نفاذ ما يملكونه من أموال، بينما نحن لا نملك أي خيارٍ للخروج منها في حال اخترنا ذلك، وليس لدينا أي انتماءٍ إلا إليها” بحسب عمار الذي يضيف: “بعض أصدقائي الذين عادوا كانوا يتذمرون من كل شيء يرونه، يتذمرون من الازدحام في الشوارع وتراكم القمامة حول الحاويات، ومن انقطاع الكهرباء والماء، وفوق ذلك كانوا ينظرون إلينا بفوقيةٍ وتعالٍ، ويتحدثون طوال الوقت عن الفوارق بين بلادنا وبلدان إقامتهم في أوروبا وغيرها، ويذكروننا بأننا نعيش في بلادٍ متخلّفة ومُعدمة، بعيدة عن التطور ولا تصلح للحياة البشرية، وكأنهم بذلك يبررون قرار خروجهم منها ويرون فيه انتصاراً، ويتهموننا، نحن الذين آثرنا البقاء لأسباب وطنية، بالغباء لأننا لم نغادر البلاد”.

 تصدر المشهد السياسي وتولي المناصب  

يرى جزء كبير من المعارضين والمنتمين للثورة، ممن لم يغادروا البلاد، أنهم، ورغم ما عانوه من خطر الموت والاعتقال، ورغم الثمن الكبير الذي دفعوه نتيجة بقائهم، لم يُنصفوا كما يجب بعد سقوط النظام البائد، بل تم إقصاؤهم عن المشهد السياسي والثقافي، وهو ما يؤكده الناشط المدني تمّام (44عام) حيث يقول: “معظم الذين عادوا بعد السقوط تصدروا المشهد الثقافي والسياسي، فور عودتهم، وكأنهم فاتحون، أقاموا في العاصمة ليبقوا على مقربة من الأنشطة والفعاليات الثقافية، وعلى تماس مباشر مع وسائل الإعلام، وراحوا يعقدون الندوات والاجتماعات لكي يسرقوا الأضواء، بينما كان بعضنا عاجزًا عن تدبير تكاليف المواصلات لكي يذهب إلى الفعاليات والمحاضرات، بل كنا أحياناً نستدين النقود لكي نؤمن ثمن المواصلات”. ويضيف” جزء كبير من معارضة الفنادق الذين أساؤوا لأهداف الثورة ونهبوا الكثير من الأموال باسمها، عادوا كالأبطال لينظّروا على الشعب الذي صمد طوال سنوات الحرب في أسوأ شروط الحياة، ويقدموا له محاضرات عن المواطنة والعدالة، وليثبتوا وجودهم على الأرض ويحصلوا على المناصب السياسية والثقافية”.  

وحول تولي المناصب والحصول على فرص العمل يقول : “جزء كبير من المعارضين البارزين ارتموا بأحضان السلطة فور عودتهم وراحوا يتملقونها، ليحصلوا على المناصب، ناسين أنهم كانوا ثواراً ومعارضين للسلطة السابقة. وإلى جانب ذلك، ثمة جزء ممن استغلوا الثورة لسنوات، وعاشوا  على مكتسباتها، وعملوا مع المنظمات المشبوهة، حتى صار هدف بعضهم هو الحصول على التمويل فقط، عادوا بعد السقوط ليقتنصوا فرص العمل مع وسائل الإعلام والمنظمات الممولة أو قاموا بالحصول على تمويلات من مصادر مختلفة لإقامة بعض الورشات الشكلية، حول المواطنة والعمل المدني،  وتنظيم بعض الفعاليات الاحتفالية، ليحققوا بذلك مزيداً من الدخل دون أي جهدٍ فاعل يذكر،  بينما نحن الذين عملنا طوال الحرب كمتطوعين في الإغاثة والعمل الإنساني، مازلنا نعيش في ظروف معيشية واقتصادية متردية”.  

على الرغم من الآراء السابقة لا يمكننا أن ننسى بأن جزءاَ كبيراً ممن خرجوا من سوريا خلال الحرب أُجبروا على ذلك  نتيجة معارضتهم الشرسة للنظام، ونتيجة تدمير بيوتهم وموت أقاربهم، وتعرضهم للتهديد المباشر بالقتل، وخشيتهم من الاعتقال، كما أنهم دفعوا ثمناً كبيراً نتيجة خروجهم، فعاشوا لسنوات في المنافي وحُرِموا من رؤية أحبتهم وعائلاتهم ومن إمكانية زيارة بلادهم، بل حرموا حتى من وداع من فارق الحياة من أحبتهم، كما حُرم جزء كبير منهم من حقوقهم المدنية وتمت مصادرة أملاكهم من قبل النظام البائد، لذا يشعر بعض هؤلاء بأنهم الثوار الحقيقيون وأصحاب الانتصار الحقيقي، ولهم الأحقية بتصدر المشهد السياسي والثقافي وتولي المناصب والحصول على فرص العمل. 

سيكولوجيا الحشد والطاعة: كيف يتحوّل الجمهور إلى قاتل؟

سيكولوجيا الحشد والطاعة: كيف يتحوّل الجمهور إلى قاتل؟

“الشعب” تلك الكلمة المقدسة التي ناءت بما حُمّل عليها من معان ومسؤوليات، وما يقابلها من مفردات بذات المعنى، “الشعب الذي يعرف طريقه”، الحشد الجماهيري أو “الجمهور”، البوصلة التي تنتهي عندها غايات السياسيين والمفكرين وما يتغنى به البعض من أنه نبض الحقيقة وصوت الشارع الصارخ بالحق وما إلى ذلك. هـذه الكلمة تُعالج بشكل مختلف في كتاب جديد  لنبيل ملحم صادر هذا العام يأتي بما يناقض هذا المفهوم ويفكك بنية وسلوك الجمهور” ذاك الحشد الذي لا يرى ويحلل عميقًا تحولاته متنقلاً بين الأدب والسياسة وعلم الاجتماع بروح الروائي الذي يستحضر ما ثبت في ذاكرته الخصبة من نتاجات سابقيه. 

يستند بداية إلى كافكا في نص “المحاكمة” ففي قلعته تكون السلطة غير مرئية ويكتشف وجودها من آثارها وسطوتها غير المباشرة وحتى الأدوات التي تستخدمها لا تدرك الغاية من سياساتها ومع ذلك تلتزم هذه الفئة بالتعليمات لأنها تكون بحسب ظنها من واقع الضرورة أو دافع البقاء فحالة الغياب للسلطة يخلف هالة من القداسة حولها. 

منذ البداية يحاول تفكيك نظام الطاعة الذي يحكم الألوف المؤلفة من الناس، بسؤال حساس ما لذي يجعل القطيع قطيعاً من دون سوط، فالطاعة هنا ليست نقيض الحرية بل يمكن أن نسميها استراتيجية البقاء، فهذا الحشد يعمل كداعم قوي للسلطة غير المرئية حيث الاغتراب والعزلة والخوف يمهد الأرضية للطاعة والصمت واللامبالاة ما يجعله تربة خصبة لمفهوم “الجمهور القاتل”، وقبل أن يوضح مفهوم هذا الأخير يستعرض بعض النماذج من النازية للفاشية وصولاً للتطرف لدى الإسلام السياسي تلك التي حملت خطاب الكراهية مما أعطى شرعية للعنف الاجتماعي في مراحل صنع العدو فقد صعدت النازية الكراهية ضد اليهود والسلاف والغجر وكذلك الفاشية حين نفت أي صفة حضارية عن الأفارقة  والتمجيد العنصري للذات عبر الأسطرة التاريخية لجد ماثل بالأذهان للعصر الآري الذهبي وأيضاً إحياء التاريخ الإمبراطوري لروما، فخطاب الكراهية يأتي من خلال شيطنة الآخر عبر الدعاية والبروباغندا، فالدعاية النازية هي التي حشدت الشعب وراء الفكرة القاتلة خلف مشروع عنصري قاتل وقول وزير خارجيتها الشهير غوبلز “اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس” حيث اللعب على العاطفة لا العقل فالحشود تعامل بالشعارات لا بالعقلانية، ومن خلال هذه المقارنة يحاول تفسير متى يتحوّل الجمع إلى وحش؟ ومتى ينقلب التصفيق إلى أداة قتل؟ 

إن خطورة التماهي مع السكوت والإجرام بوصفه أمراً طبيعياً تكمن في أن الجمهور القاتل لا يكتفي بالطاعة بل يتماهى مع الطاغية طارحاً السؤال المتجدد لماذا يقدس الناس طاغية مثله، ماهي دوافعهم! 

في بيئة الخوف المزمن يبرز الناس ميلاً للتعاطف مع الجلاد الذي يحب أن يطرح نفسه كأب ورمز للاستقرار، ففي حالة الفراغ الأيدلوجي السياسي يميلون للتشبث بمن يظنونه منقذاً. وهناك البعض منهم ممن يعتبره تجسيداً لرغباتهم المكبوتة في الانتقام والسحق، إذ إن سورية تحولت بالقوة إلى ماهي عليه، فهي كانت دولة ناشئة فيها أحزاب وحياة سياسية ونقابات في فترة الخمسينات، والطغمة مسخت الوطن على صورة الزعيم، ففي عهد هتلر كان الطبيب النازي جزءًا من منظومة نازية لها فلسفة بينما الطبيب السوري الذي مارس التعذيب والتنكيل والقتل في زنازين الأسد كان يدور في فراغ أيدلوجي قوامه الطاعة والامتثال لقوة عليا، ولم يكن المقتول معارضاً دائماً بل يمكن أن يكون سورياً صامتاً عن التمجيد، وبين القاتل والمقتول امتدت سورية في خرابها.

يؤكد صاحب “خمارة جبرا” بأن السوريين لا يعرفون بعضهم وهو يربط ما سبق  مع الحالة السورية اليوم وقد فشلت دولة الأسد في بناء مواطنة صحيحة، إذ يجري الآن أسلوب شيطنة العلويين فهم ” نصيريون  كفار”؛ والدروز” زنادقة وكفار باطنية” والأكراد “انفصاليون وعملاء للغرب، وحتى يشكك بانتمائهم لسوريا بالتالي إعادة إنتاج خطاب الكراهية من خلال التحريض الطائفي في خطب الجوامع  والدروس الدينية بل هناك مشاهير من الدعاة والقنوات مثل “صفا والوصال” تبث سمومها باستمرار ويصبح تدريجياً الخطاب المتشدد سلطة تشريعية وإقصائية تبرر وتمنهج القتل ويصبح العنف والقتل واجباً شرعياً  يجند لها وسائل الإعلام كافة من تلفزة وسينما وصحافة ومناهج دراسية للأطفال وخوارزميات الفيس بوك واليوتيوب تنتصر للفعل المثير مما جعل مشاهد القتل تنتشر بسرعة كبيرة، مع ما يقابلها من تفعيل الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني،مثال الدرزي الذي سب النبي وتبين بعدها  إنه مغرض ولكن ما يراد منه قد تم، كما يتم الترويج لدعاية مضللة كتهجير الكرد للعرب أو تصوير الدروز كعملاء لإسرائيل دون أن يشار للأسباب التي دعت البعض لذلك وتكبير المشهد دون حاجة لإعمال العقل والتفكير. والغريب أن يشهد الجوار علاقات سمحة مع إسرائيل رغم الموت في غزة ولا يستفز المشهد أحداً  ومن هنا تفسر مجازر العلويين ومجازر الدروز وخطف النساء، ومن الغريب أن يستغرب البعض هذه الحالة والشروط مستوفاة لوجودها، وحالات سبي الايزيديات وسبيهن ماثلة للاعين بذات الايدلوجية.

هناك شخصيات قاتلة لها جمهور قاتل دون أن تمسك بالسلطة ممثلة بالحركات الراديكالية خارج الدولة مثل الإسلام الجهادي الـذي يمثل الإله عبر القتال والتكفير في خطاب تزييني للموت (أسامة بن لادن) مما أسس لسيكولوجية الانتحاري الذي يموت لأنه يحب فكرة التمجيد المرضي للموت الاستشهادي.

كذلك شهوة العنف لدى “أبو مصعب الزرقاوي” الذي وصف بأنه “شخصية حدية ذات نزوع سادي” حيث يبرز القتل والذبح والتصوير وكأنه فعل تطهري والتكفير هوية له، ففي حين اعتمد الزعيم الجهادي على سلطة العقيدة والانتماء العقائدي الأممي والجمهور كمنفذ لواجب إلهي في حين اعتمد الزعيم القومي على سلطة الدولة والجهاز الأمني وعلى الانتماء الوطني وعلى الشعب كمطيع.

وقد صنع “بن لادن” جمهوره القاتل باعتماده على مظلومية إسلامية كونية  (فلسطين والبوسنة- العراق الحجاز) واستثمر في الرموز العاطفية الكبرى (القدس كربلاء الأندلس) في تمثل فكرة الولاء والبراء حيث التقارب والمودة مع إخوة الدين وإعلان البراءة والتنصل من أعداء الدين، لأن توجيه الغضب ضد العدو له ميزتان إحداها جنسية حيث الحور العين والثانية روحية تأمل برضا الرب، ولكن الزرقاوي  أنتج جمهورًا أشد دموية وتطرفًا لأنه يقوم على قتل الشيعي والعلماني والمسيحي والمسلم المرتد ومسرحة القتل عبر التصوير والنشر والتلذذ بالقتل وهذا ما كان في سلوك تلامذته في مجازر الساحل والسويداء وعشرات المجازر قبل استيلائهم على السلطة.

يعرف غوستاف لوبون الجمهور في ثلاث حالات الجمهور الغبي والقاتل والمهدور فالأول جمهور تحكمه العاطفة لا العقل. يقول لوبون: “الجماهير لا تفكر بل تقاد” فهي عفوية وساذجة وتصفق وتهتف وتستجيب لرموز السلطة ولكنها قابلة للتحول السلمي وتحتاج لمن يقودها ومن هذه المقارنة يحلل لوبون أن الساذج عندما يعطى شحنة لاهوتية أو أيديولوجية دموية يتحول من جمهور غبي إلى جمهور قاتل.

فالجمهور القاتل معبأ ومؤدلج دينياً لأن يفجر ويذبح متحولاً إلى أداة سلطة وموجه للعنف ويخلق من نفسه قائداً أو قاتلاً. 

وهناك تفصيل آخر هو الإنسان المهدور: فالإنسان العربي يعيش مهدور الكرامة والحق والرأي متعرضًا للقمع السياسي والإفقار الاقتصادي وإلى التهميش النفسي، لهذا يتحول إما لسلبي خانع أو ينفجر في عنف هدام قد يكون عنفًا دينيًا أو ثورة، فالإنسان المهدور يعيش اغتراباً وخوفاً وفقدًا للكرامة لأنه ضحية منظومة هدر مستمرة لذا فهو قابل للانفجار أو للانسحاب مما يهييء لتحوله إلى جمهور قاتل، يتجاوز وضعه عبر القتل في إثبات الذات مستعيداً كرامته فيها، حيث العنف عقيدة لا أداة والخلاصة في ذلك أن الجمهور القاتل هو الإنسان المهدور حين يتحول من ضحية إلى جلاد حيث  يقضي بضربة واحدة عدوه وتاريخه وماضيه،  وهو جمهور لا فرادة له فهو بلا عقل يقوده يقين وكل يقين قاتل لأنه على الضد من فكرة المواطنة، فالهدر والتعبئة يقودان إلى الجريمة المقدسة.  

يعود الملحم إلى واقع الحراك الذي انفجر بسوريا في 2011 وكيف تناسل الرد الطائفي من بعضه مع دعم وتهيج الجوار لجزء من هذا وجزء من ذاك، بين الخليج العربي وتركيا وبين إيران وروسيا، فالطائفية لم تدمر اللحظة الثورية بل أنتجت السوريين كغرباء عن بعضهم وبات أنتم ونحن صيغة متداولة بين أصدقاء الأمس. فالطائفية وظفها النظام والمعارضة وقعت في فخها ودول الجوار صبت الزيت على نارها وعليه سقط شعار الشعب السوري واحد. 

كل ضحية مهيأة لتقوم برد فعل عنفي وتتحول من ضحية إلى جمهور قاتل فهي تعيد إنتاج نفسها من عقدة المظلومية، والأمر ليس محصوراً بالراديكالية الإسلامية بل هناك تحول للأقليات الضحايا إلى جمهور قاتل مثلاً مشاركة الميلشيات الدرزية بالحرب اللبنانية،–هجوم الأرمن على قرية الأذريين في قرة باخ، وبعض المجازر بحماة قام بها علويون من منطلق طائفي.

ولهذه الأقليات شروط لتحولها إلى القتل الجمعي تأخذ شكلها عندما تتحول المظلومية إلى خطاب سياسي يومي إذ سرعان ما تتحول إلى ماكينة لإنتاج جمهور قاتل وأحياناً يلعب الخوف من الإبادة للقيام بفعل استباقي وخاصة عند تشكل ميليشيات لحماية الأقليات قد تتحول لأدوات قتل خارج سياق الحماية وخاصة إذا استقوت بالتحالف مع دولة قوية. 

لقد نشأت سورية عمارة هشة كنتاج للقوى العالمية ووريثة فشل الدولة العثمانية وتاليها فشل الدولة الوطنية، والسؤال هل يمكن لسورية أن تبنى على أساس غير طائفي؟

نبيل الملحم في كتابه يلامس مفاصل حساسة ويفكك واقعاً حلوله شائكة ويطرح أسئلة حرجة مثل كيف نتجنب هذا السقوط في فخ الكراهية والقتل، ربما نقارب ما قالته حنا أرندت:” إن ما يحمي الإنسان من الانخراط في القتل ليس الخوف من القانون بل القدرة على التفكير الأخلاقي” لذا هل نستطيع إعادة تربية المجتمع على الأخلاق؟ 

أسئلة صارخة برسم الضمير الأخلاقي لمن يريد لسورية أن تنهض من جديد.

هدايا “التحرير” لأطفال سوريا

هدايا “التحرير” لأطفال سوريا

لم تكن الطفلة حلا قطان تنتظر بابا نويل فهي تعرف أن آب ليس الشهر الذي يمر به ليرمي الهدايا من الشرفات أو نوافذ المنازل ومداخنها، ورغم أنه كان دوماً بعيداً عن شوارع الفقراء في مدينتنا إلا أنها لربما كانت كما كل الأطفال، تحلم به وبهداياه في يوم ما. لم تكن الهدية التي رميت على بيت حلا تشبه هدايا بابا نويل الذي تعرفونه ولا في موعده، كانت هدية غير متوقعة ( قنبلة) رمتها يد الإجرام والعبث اليومي في شوارعنا فقصفت حلم حلا حتى بيوم عادي، حين مر أحدهم في الثانية بعد منتصف الليل في 13 آب 2025 ورمى قنبلة على منزل حلا الكائن في حي العباسية في مدينة حمص ودمر أحلامها البريئة والبسيطة بعد أن عانت بضع ساعات ثم ماتت.

 لم تكن الطفلة الأولى التي قتلت بهذه الطريقة، فقد تكرر فعل رمي القنابل وصار أحياناً يومياً في بعض الأحياء، تقريباً منذ الشهر الأول للتحرير، كان يذهب ضحيته أحياناً عدد من أفراد العائلة ذاتها، كما في يوم 12 آيار الماضي في الشارع رقم 17 كرم الزيتون حيث تهدم جدار المنزل وأصيب عدد من سكانه.

في 18 آب مساء، شابان على دراجة نارية أطلقا النار على شرفات المنازل، فقتلت الطفلة غنى الحسن إذ اخترق الرصاص رئتيها.

وكل يوم في منتصف الليل قد تسمع صوت انفجار في مكان ما وحين تسأل ستعرف فوراً أو بعد حين عبر صفحات التواصل أنها قنبلة انفجرت في مكان ما من الأحياء التي صارت تعتاد أعمال العنف.

قد يكون الهدف ليس القتل بل مجرد الاعتداء كما حدث في حي السبيل حين ألقى أحدهم قنبلة على سرفيس مركون فاحترق بالكامل، وتلك خسارة كبيرة في الحقيقة رغم أنها لا تساوي حياة إنسان. وقد تكون القنبلة صوتية لمجرد إحداث الرعب والفوضى حتى أن خبر انفجار قنبلة في أحد الشوارع صار يمر دون توقف إن لم يكن هناك ضحايا.

وبنفس الطريقة ذات يوم قتل الطفل حيدر سليمان أمام منزله في حي كرم اللوز.

كانت الأغنية تقول: “وقالو شلحلي ورد عا تختي” يا للمفارقة من كان يتخيل أن نقارن يوما بين الوردة والقنبلة؟ هل سمع المجرمون هذه الأغنية وهم يرمون قنبلة على سرير حلا؟ هل فاضلوا يوماً بين الورد والموت وهم يرمون الهدايا القاتلة؟ 

كيف يطغى السواد على العقول ويحجب عنها التفكير وهي تحرم البشر من حقهم بالحياة؟ يحجب التفكير بنتائج أفعالهم وتصور الآخرين مجرد أجساد تذهب إلى الموت ببرود، ألا يخطر للقتلة أن هؤلاء الأطفال الذين يموتون يشبهون أطفالهم؟ وهؤلاء وأولئك يشبهون الأطفال الذين قضوا بالكيماوي يوماً، أولئك الذين أعيد شريط صورهم إلى ذاكرتنا منذ أيام. كانت الأم تقول لطفلها: لا تتنفس الهوا رح يقتلك. وكأن الطفل يستطيع ان لا يفعل وكأن بإمكانها أن تحميه من غاز السارين الذي دخل رئتيه. بأجسادهم النحيلة ووجوههم الشاحبة يودعون الحياة دون أن يعرفوا منها، سوى الرصاص والقنابل والموت اختناقاً. بأي ذنب قتلوا؟ 

هل تذكرون أطفال الحولة، أي قلوب قدت من الصخر استطاعت أن تقتلهم ذات يوم؟

هل تتذكرون طفل الحزام (إبراهيم شاهين) الذي قتل في أول أيام عيد الفطر مع عائلته في قرية حرف بنمرة في الساحل السوري، في يوم على المؤمنين فيه فعل المزيد من الخير، ربما كان إبراهيم يحلم بحزام حقيقي لبنطاله الذي يشده على جسده النحيل بخيط، يا لوجع الطفولة المقهورة. تحولت صورة إبراهيم إلى رمز لسوريا. وإليه أهدى سميح شقير أغنيته الجديدة والتي تبدأ ب “تيشد خصرو ربطوا بخيطان عافقر حالو هالصبي ربيان أيا إله بيقبل يندبح ودموعلى الرصيف سايل” سيبقى السؤال مشرعاً.

في جنوب البلاد كان هناك حلا أخرى، حلا الخطيب التي فقدت عائلتها بالكامل في أحداث السويداء وكانت الناجية الوحيدة إذ اختبأت في خزانة الملابس لتنجو رغم إصابتها بطلق ناري في الوجه تركها في حالة أذى شديدة.

أما تالا حسام الشوفي ذات الأربعة عشر عاماً التي استشهدت بطلقة في الرأس من قناصة، فكتب والدها الطبيب حسام الشوفي: تالا يا عمري سامحيني لقد خذلتك ولم أحميكي. خذلك الوطن. خذلتك ما كنا نسميها ثورة ولم تري منها سوى الظلام والموت.”

 مات أطفال مع عائلاتهم، وهناك أطفال شهدوا قتل أهلهم وتركوا وحيدين، هل الموت أقسى من مشهد ينحفر في الذاكرة لأهل يقتلون؟ هكذا تقتل الطفولة وتبقى الأجساد تعارك الألم وجروح الروح. 

أبعدوا أيديكم عن الأطفال فلا ذنب لهم أو علاقة بالحروب والصراع من أي نوع، لا تجعلوهم يحملون آثامكم، أبعدوا الأطفال عن معارك الثأر القبيحة. لا فرق بين قاتل وآخر فالقتلة يتشابهون! 

دعوهم يعيشون ويحلمون بهدايا تسقط عليهم غير القنابل ورصاص القناصة، غير السكاكين التي تحمل الهول ورعب الذبح، دعوهم يحلمون ككل أطفال العالم ببابا نويل الذي يحمل الألعاب لا الموت.

حين عثرت الذئاب على الطفل الصغير ماوكلي لم تأكله بل أرضعته. هل تعقلون؟ 

حين تتحول الفاشية إلى فخ سياسي

حين تتحول الفاشية إلى فخ سياسي

ليست اللغة بريئة، ولا المصطلحات أدوات محايدة. فقبول تعبير ما، حتى لو على سبيل نقده، قد يرسّخ حضوره في التداول ويمنحه سلطة غير مقصودة. ولعلّ تعبير “الفاشية السنية” مثال حي على هذا الفخ؛ مصطلح يبدو للوهلة الأولى تفسيراً جذاباً لمشهد سلطوي جديد في سورية، لكنه سرعان ما يتحوّل إلى وصم جماعي، يختزل ملايين البشر في استعارة لغوية ملتبسة. خطورة المصطلح لا تأتي فقط من فجاجته الطائفية، بل من كونه يعيد إنتاج المنطق الذي تغذّى عليه الاستبداد لعقود؛ تفسير السياسة بالهويات، لا بالبُنى.

ظهر هذا النقاش على خلفية التحوّلات التي أعقبت سقوط دمشق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، حين انسحب النظام المركزي وفرضت هيئة تحرير الشام وفصائل ثورية معارضة أخرى سيطرتها على العاصمة. بدا المشهد متناقضاً؛ شعب يطيح بديكتاتورية الأسد، لكنه يجد نفسه بعد فترة وجيزة في مواجهة سلطة قد لا تقل عسكرة ولا انغلاقاً، وإن لبست خطاباً دينياً هذه المرّة. في هذا السياق لجأ أحد الكتّاب إلى استعارة قاموس الفاشية الأوروبية لوصف الظاهرة الجديدة، معتبراً أن الإسلام الجهادي هو “نسختنا المحلية من الفاشية”، وأن ما جرى في سورية ليس إلا بعثاً جديداً للأمة السنية بعد عقود من التهميش. ربط الكاتب بين أسطورة الأصل الأموي، والتعبئة الجماهيرية من المساجد والعشائر، وممارسات عنف إبادي ضد الأقليات، ليخلص إلى أن الحكم الجديد يكرّس “فاشية سنية” قائمة على نقاء الجماعة وتفوقها.
هذا الطرح، مهما كان مثيراً للجدل، يستحق التوقف عنده لا لصحته بقدر ما يكشفه من ميل إلى القراءة الغائية. فهو يلتقط بالفعل سمات سلطوية واضحة: النزعة الشمولية، مركزية العقيدة، تمجيد العنف كأداة، والتعبئة ضد الأقليات. لكنه يسقط في فخ أخطر وهو تحويل تلك السمات إلى “قدر مذهبي” يلتصق بأهل السنة جميعاً، بدل أن يُرى كإعادة إنتاج لبنية استبداد تستثمر الدين كما استثمر الأسد من قبل القومية والبعث. هنا يصبح المصطلح أداة وصم، ويختلط فيه النقد بالاتهام، والتحليل بالتحريض.

ومن بين أبرز عناصر القراءة التي تبنّت وصف “الفاشية السنية” فكرة العودة إلى الأصل الأموي، باعتبار أن صعود هيئة تحرير الشام بعد سقوط الأسد هو بعث سياسي جديد لأهل السنة، الذين يفترض أن يستعيدوا سلطتهم التاريخية. لكن هذه الاستعارة التاريخية تقوم على استدعاء انتقائي للماضي، وتحويله إلى أسطورة تبرّر الحاضر، على نحو يذكّر فعلاً ببعض ممارسات الفاشيات الأوروبية التي ربطت نفسها بـ”أصل نقي” أو “أمة عظيمة”. غير أن خطورة هذا الربط في السياق السوري تكمن في أنه يجرّد التاريخ من تعدديته، ويحوّل طائفة دينية واسعة ومتنوعة إلى جماعة سياسية متخيلة، وكأنها امتداد مباشر لبني أمية أو لمشروع تاريخي واحد. بينما الواقع السوري الحديث يبيّن أن أهل السنة لم يشكلوا يوماً كتلة سياسية موحدة، بل كانوا موزعين بين تيارات ليبرالية وقومية ويسارية وإسلامية وصوفية، ما يجعل الحديث عن “بعث سني” أقرب إلى الوهم الأيديولوجي منه إلى الواقع الاجتماعي.

الركيزة الثانية في هذا التوصيف كانت التعبئة الجماهيرية التي شهدتها بعض المدن والبلدات؛ حشود تخرج من المساجد، نداءات عشائرية للفزعة، خطابات تحشد ضد العلويين أو الدروز. هذه الصور تذكّر فعلاً بمشاهد التعبئة الفاشية في أوروبا، حيث الجماهير تُستدعى لتبرير العنف. لكن الخطر هنا أن يُفهم الأمر كدليل على “طبيعة سنية” للفاشية، في حين أن ما نراه هو توظيف ظرفي للأدوات الدينية والاجتماعية المتاحة. فكما استثمر البعث النقابات والمدارس والجيوش في تعبئته، تستثمر السلطة الجديدة المنابر الدينية والعشائرية. إنّ تحويل أدوات التعبئة إلى جوهر طائفي يُغفل أن هذه الأدوات متاحة في كل بنية سلطوية تسعى للسيطرة، وأن الجماهير نفسها ضحية الاستخدام لا شريك في مشروع “قدر تاريخي”.

عنصر ثالث استندت إليه القراءة هو فكرة التطهير الداخلي داخل الجماعة السنية نفسها، من خلال خطاب الولاء والبراء، والتهديد بإقصاء كل من يخرج عن الصف، بل وملاحقة المختلفين من داخل الطائفة بتهم الانحراف أو العمالة. هنا أيضاً تلتقي التجربة السورية الجديدة مع ملامح سلطوية عالمية؛ كل استبداد يسعى لإحكام قبضته يبدأ من الداخل، من ملاحقة الأصوات النقدية وشيطنة المختلفين. لكن اعتبار هذا السلوك “فاشية سنية” يُحوّل الطائفة إلى كيان واحد متماسك له مشروع ذاتي، بينما الواقع أن الانقسامات بين السنة أنفسهم، بين مؤيد ومعارض لهيئة تحرير الشام، بين صوفي وسلفي، بين مدني وعشائري، تكشف هشاشة أي ادعاء عن “نقاء داخلي”. ما يجري هو محاولة سلطة جديدة لتأبيد بقائها عبر منطق النقاء، وليس مشروعاً جماعياً للطائفة.

في ضوء هذه العناصر الثلاثة السابقة، يتضح أن المشكلة ليست في رصد الظواهر، بل في طريقة تسميتها. فالاستبداد الجديد الذي قد ينمو في دمشق، يتغذى على أساطير الأصل، ويستثمر أدوات التعبئة الدينية والعشائرية، ويستخدم خطاب النقاء للتخلص من خصومه. لكن كل هذا لا يجعل منه “فاشية سنية”، بل نموذجاً آخر من السلطوية الدينية الراديكالية، أو ما يمكن تسميته “استبداداً مؤدلجاً بالشرع” (المقصود الشريعة الدينية!). هذا التوصيف يضع المشكلة في مكانها الصحيح؛ البنية السلطوية التي تعيد إنتاج نفسها عبر أدوات مختلفة. مرة بالبعث، مرة بالشرع، وربما غداً بواجهات أخرى. هكذا نحتفظ بدقة التحليل، ونتفادى تحويل المذهب إلى قدر سياسي أو هوية قاتلة.
تجربة السوريين تكشف أن الاستبداد لا يزول بسقوط رأسه، بل ربما يتكاثر بأشكال جديدة، متكئاً على الرموز والرايات الطائفية واللغة المغلقة. هنا تكمن الخطورة؛ فالمصطلحات لا تبدو انعكاساً محايداً للواقع، إنما هي جزء من إنتاجه. إنّ شيوع تعبير مثل “الفاشية السنية” لا يصف الاستبداد بقدر ما يرسّخ منطقه، إذ يُعيد صياغة السياسة كصراع هويات، لا كبنية سلطوية يمكن تفكيكها.
المطلوب إذن البحث عن لغة دقيقة تقرّ بالوقائع دون أن تقع في فخ الوصم. فالاستبداد الذي يلبس عباءة الدّين اليوم لا يختلف في جوهره عن الاستبداد الذي لبس عباءة البعث بالأمس، وكلاهما يعيد إنتاج المنظومة ذاتها؛ قمع التعددية وتأبيد السلطة. لكن ما يحدد مسار المستقبل هو كيف نصف هذه الظاهرة: هل نحمّلها لهوية مذهبية، أم نضعها في إطارها الصحيح كسلطوية عابرة للأقنعة؟ إن التحرر السياسي يظل رهناً بتحرر معرفي يسبقُه؛ لا يكفي إسقاط الطغيان ما لم نحرر خطابنا من أدواته. المعركة الأولى ليست في الشارع وحسب، إنما في المعجم الذي نختار أن نتكلم به. ومن دون هذا التحرر اللغوي، سيظل الاستبداد يجد لنفسه دائماً اسماً جديداً ليعود به من أي خطاب أو مقال أو قانون.