بواسطة عمر الشيخ | يناير 31, 2025 | Cost of War, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
حين نعود بالزّمن إلى ما قبل سقوط نظام الأسد في سوريا، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ ثقافيٍّ ضعيفٍ يخفي خلفه واقعًا قمعيًّا. كانت الكتب والمجموعات الشّعريّة الصّادرة عن الهيئة السّوريّة للكتاب، إلى جانب الرّوايات والمجلاّت، مجرّد واجهةٍ تروّج للإبداع المزيّف تحت سيطرة السّلطة. منذ أوائل ثمانينيّات القرن الماضي، فرضت القيود القمعيّة على الحرّيّة الثّقافيّة، ما أدّى إلى تدجين الإبداع السّوريّ. تفاقمت هذه الأزمة الفكريّة حتّى بلغت ذروتها مع عجز المؤسّسات الثّقافيّة عن مواكبة صرخات الثّورة السّوريّة في آذار/مارس ٢٠١١.
وعلى مدى عقودٍ من حكم آل الأسد، تحوّلت المؤسّسات الثّقافيّة في سوريا، إلى جانب الجمعيّات والأفراد، إلى أدوات دعايةٍ تخدم السّلطة وتروّج لروايتها الرّسميّة. هذه المؤسّسات شوّهت المشهد الثّقافيّ السّوريّ من خلال تصنيف أيّ معارضةٍ على أنّها “إرهابٌ”، بينما كانت الحقيقة تعكس واقعًا مأساويًّا تجلّى في استهداف المدنيّين، وتهجير العائلات، والزّجّ بالمعارضين في السّجون. بدلًا من أن تكون المؤسّسات الثّقافيّة مناراتٍ للإبداع ومساحاتٍ حرّةً تعبّر عن آلام النّاس وأوجاعهم، أصبحت أداةً لقمع الحقيقة وإقصاء الأصوات المستقلّة.
افتقدت هذه المؤسّسات لأيّ محاولةٍ جادّةٍ لتبنّي قراءةٍ بديلةٍ أو لتوثيق معاناة الضّحايا، ممّا حوّلها إلى وسيلةٍ لطمس الحقائق، بدلًا من أن تكون منبرًا للحرّيّة والدّفاع عن الشّعب.
وفي الوقت الحاليّ، يستمرّ المشهد الثّقافيّ السّوريّ في التّقوقع داخل إطارٍ مهادنٍ يتماهى مع الواقع المفروض، بعيدًا عن الاحتكاك الحقيقيّ مع القضايا الكبرى الّتي أثارتها التّجربة الثّوريّة. هذا التّراجع يعكّس عجز المؤسّسات الثّقافيّة عن مواكبة التّطلّعات الشّعبيّة لإسقاط النّظام وإقامة دولةٍ جديدةٍ تقوم على الكفاءة وتحرير الإبداع من قبضة الولاءات السّياسيّة، كما كان الحال خلال حكم البعث.
بدلًا من أن تصبح الثّقافة منبرًا لإعادة بناء الهويّة السّوريّة وتجديد روح المجتمع، لا تزال محصورةً في أطرٍ مكرّرةٍ، تفتقد للجرأة والانفتاح على التّجارب الثّوريّة الّتي أظهرت قدرة السّوريّين على الحلم بدولةٍ تعكس تنوّعهم وآمالهم.
اليوم، بات من الضّروريّ أن يتحرّر العمل الإبداعيّ في سوريا من القيود القديمة ليجد سياقه الاجتماعيّ والثّقافيّ الّذي يتطلّب تفاعلًا جادًّا وحقيقيًّا. السّينما، الدّراما، الكتابة الإبداعيّة بمختلف أشكالها شعرًا، نثرًا، قصّةً، وروايةً، إلى جانب الفنون التّشكيليّة والمسرح، تمثّل مجالاتٍ أساسيّةً لإعادة بناء الهويّة الثّقافيّة السّوريّة. لتحقيق ذلك، لا بدّ من تفكيك الهياكل الإداريّة والمعنويّة الّتي كرّست التّبعيّة لأجهزة الدّولة، واستبدالها بهياكل مستقلّةٍ تتيح للإبداع حرّيّة التّعبير والانفتاح.
يتطلّب هذا التّحوّل احتكاكًا حقيقيًّا بالثّقافات والتّجارب العالميّة، خاصّةً في البلدان الّتي حقّقت تقدّمًا في حرّيّة الإبداع، مع توجيه الجهود نحو تلبية احتياجات المجتمع السّوريّ وإبراز همومه وتطلّعاته.
يمكن للفنون أن تكون منصاتٍ حقيقيّةً للتّعبير عن الهموم الفرديّة والجماعيّة، تساهم في تخفيف العبث والاضطراب الّذي يعيشه الإنسان السّوريّ نتيجة الظّروف القهريّة. لتحقيق ذلك، يجب أن تتمتّع هذه التّجارب الإبداعيّة بالحرّيّة الكاملة، تحت حماية سلطة القانون الّتي تحترم الثّوابت الوطنيّة، مثل الهويّة ووحدة الأراضي، وتنبذ العنف والانقسامات.
في هذا السّياق، يمكن للفنون بمختلف أشكالها أن تنقل آلام النّاس وقصصهم إلى العالم، ممّا يتيح لهم مشاركة هذه الأوجاع مع الآخرين، ويخفّف من وطأتها على الأفراد. هذا النّهج، إذا استند إلى قيم التّنوّع والتّعدّديّة، يمكن أن يعيد للإبداع دوره الحقيقيّ كمرآةٍ للمجتمع ومصدر أملٍ للتّغيير.
وفي سوريا، تبرز الحاجة الماسّة إلى تحرير مجالات الإبداع من قيود الدّعاية السّطحيّة، وإعادة تفعيلها كأدواتٍ حيويّةٍ تسهم في نشر الوعي، توثيق القصص الإنسانيّة، والتّعبير عن الأفراح والأتراح. يمكن لهذه المجالات أن تكون وسيلةً لجمع السّوريّين على طاولة الحوار الإبداعيّ، وربط المدن والمناطق المختلفة بتجارب مشتركةٍ تسهم في تعزيز التّفاهم المتبادل. لتحقيق ذلك، يجب توجيه هذه الجهود نحو معالجة هموم الأفراد والجماعات، بما يساعد على فهمٍ أعمق لتفاصيل حياتهم اليوميّة ومعاناتهم. الإبداع، في هذا السّياق، يمكن أن يصبح لغةً جامعةً تسلّط الضّوء على التّنوّع والغنى الثّقافيّ، وتعبّر عن تطلّعات المجتمع نحو مستقبلٍ أكثر عدلًا وإنسانيّةً.
إنّ الأعمال الإبداعيّة في سوريا يجب أن تتحرّر من هيمنة السّلطة الّتي تسعى إلى تجهيل الأفراد والتّعتيم على قضاياهم، لتتحوّل إلى مرآةٍ صادقةٍ تعكس تطلّعات النّاس وآمالهم. سوريا اليوم بحاجةٍ ماسّةٍ إلى تجديدٍ فكريٍّ وثقافيٍّ يعبّر عن تنوّع مجتمعاتها وغناها الثّقافيّ، ويعيد بناء النّسيج الثّقافيّ والاجتماعيّ بعيدًا عن القيود التّقليديّة الّتي أعاقت تطوّره لعقودٍ.
وبالتّالي يجب دعم المبادرات المستقلّة الّتي تمنح المبدعين حرّيّة التّعبير، وتشجيع الأنشطة الثّقافيّة الّتي تعبّر عن تنوّع الهويّة السّوريّة.
في سوريا، لدينا وزارةٌ للثّقافة، وعشرات المراكز الثّقافيّة، والمكتبة الوطنيّة في ساحة الأمويّين، ودار الأوبرا بدمشق، وعددٌ من المسارح في بعض المدن. ومع ذلك، تبقى هذه المؤسّسات، بحالتها الرّاهنة، بعيدةً عن تحقيق الهدف الأسمى المتمثّل في تعزيز وعي المجتمع ومخاطبة العقول.
لماذا لا يتمّ إجراء مسحٍ شاملٍ لدور هذه الهيئات وأدائها الحاليّ؟ يمكن لهذه الخطوة أن تكشف عن مواطن القوّة والضّعف، وتساعد في إعادة توجيه هذه المؤسّسات لتكون أكثر ارتباطًا باحتياجات النّاس.
الثّورة، الّتي خاطبت وجدان السّوريّين، أكّدت ضرورة إحداث تغييرٍ جذريٍّ في كلّ مستويات المجتمع، بما فيه القطاع الثّقافيّ.
السّؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل تكفي الوجدانيّات والرّوحانيّات وحدها لبناء وعيٍ سياسيٍّ متينٍ وتعزيز الفهم الفكريّ لمسار تطوّر الدّولة الجديدة؟ يجب التّركيز على نوعيّة الأنشطة الثّقافيّة، وتعزيز حضورها في المشهد العامّ، وفتح المجال أمام الحرّيّات الثّقافيّة لتصبح أداةً في الواقع الاجتماعيّ.
يمكن الاستفادة من نماذج ثقافيّةٍ ناجحةٍ داخل سوريا وخارجها، كمصدر إلهامٍ لإعادة بناء المشهد الثّقافيّ. على سبيل المثال، شهدت دولٌ مثل لبنان والعراق مبادراتٍ ثقافيّةً رائدة بعد أزماتٍ حادّةٍ، تمثّلت في مهرجاناتٍ فنّيّةٍ وأدبيّةٍ مستقلّةٍ، ومعارض كتبٍ شاملةٍ، ومراكز ثقافيّةٍ مجتمعيّةٍ أصبحت منصّاتٍ لتبادل الأفكار وتخفيف الاحتقان الاجتماعيّ.
حتّى في سوريا، قبل اندلاع الحرب، ظهرت بعض التّجارب الملهمة، مثل الأنشطة الّتي أقامتها مكتباتٌ محلّيّةٌ أو جمعيّاتٌ مستقلّةٌ، الّتي كانت تسعى رغم القيود المفروضة إلى تعزيز الوعي الثّقافيّ والتّنوّع الفكريّ. إنّ إعادة إحياء مثل هذه المبادرات، مع تطويرها لتكون أكثر شمولًا واستقلاليّةً، قد تسهم في تقديم نموذجٍ ثقافيٍّ مستدامٍ يواكب تطلّعات السّوريّين لمستقبلٍ أكثر إشراقًا.
لقد شاهدت مؤخّرًا تقريرًا على قناة الجزيرة من دمشق، يسلّط الضّوء على انفتاحٍ جزئيٍّ في المكتبات بعد سنواتٍ من القيود الصّارمة على عناوين معيّنةٍ. اللاّفت أنّ هذا الانفتاح اقتصر -بحسب التّقرير- على كتبٍ مثل مؤلّفات ابن تيميّة وأدهم الشّرقاويّ، ممّا يثير تساؤلًا حول طبيعة الأفكار الّتي يجري تحريرها.
تزامن ذلك مع نشاطٍ ثقافيٍّ دينيٍّ أقيم في دار الأوبرا بدمشق، ورغم أهمّيّة هذا النّوع من الأنشطة، إلّا أنّه يعكس انحيازًا ويطرح أسئلةً حول غياب الفعاليّات الثّقافيّة الأخرى الّتي تعبّر عن التّنوّع الحقيقيّ لدمشق وسوريا بأكملها. ورغم الانتقاد الموجّه للنّشاط الثّقافيّ ذي الطّابع الدّينيّ، فإنّه من الضّروريّ الإشارة إلى أنّ الأنشطة الدّينيّة، إذا كانت غير مسيّسةٍ أو موجّهةٍ لخدمة أجنداتٍ محدّدةٍ، يمكن أن تكون جزءًا من التّنوّع الثّقافيّ المنشود.
التّحدّي يكمن في تحقيق التّوازن بين هذا النّوع من الأنشطة وبين الفعاليّات الثّقافيّة الأخرى الّتي تمثّل مختلف التّوجّهات الفكريّة والإبداعيّة، بما يضمن شموليّة المشهد الثّقافيّ وتعدّديّته.
ترى أين معارض الكتب الّتي تقدّم وجباتٍ فكريّةً وثقافيّةً متنوّعةً؟ أين تلك الكتب الّتي قمعت لسنواتٍ لأنّها تتناقض مع أيديولوجيا النّظام السّابق؟
أعتقد أنّ سوريا بحاجةٍ ماسّةٍ إلى أنشطةٍ ثقافيّةٍ، سواءٌ أهليّةٌ أو رسميّةٌ، تكون حقيقيّةً وفعّالةً في تعزيز وعي المجتمع، أنشطة تقرّب النّاس من بعضهم البعض، تعزّز فهمهم المتبادل لأفكارهم وتطلّعاتهم، وتفتح الآفاق أمام العقول لاستكشاف أفكارٍ جديدةٍ. كما يجب أن تفسح هذه الأنشطة المجال لسماع أصواتٍ وطنيّةٍ مستقلّةٍ، بعيدًا عن هيمنة العسكر أو الدّين، مع توجيهها نحو تعزيز التّشارك المجتمعيّ.
هذه الضّرورة تبرز أهمّيّة بناء وعيٍ جديدٍ يتماشى مع تطلّعات السّوريّين لمستقبلٍ يلعب فيه الإبداع والثّقافة دورًا محوريًّا في تعزيز الانتماء الوطنيّ، وترسيخ قيم التّنوّع والتّعدّديّة، وقبول الآخر، والعمل على تحقيق السّلم الأهليّ.
لتحقيق هذا الهدف، لا بدّ من وضع خطّةٍ واضحةٍ تشمل خطواتٍ عمليّةً يمكن تنفيذها على أرض الواقع. من ذلك، إطلاق برامج تدريبيّةٍ تهدف إلى دعم المواهب المحلّيّة وتنميتها، وإنشاء شراكاتٍ ثقافيّةٍ مع مؤسّساتٍ دوليّةٍ تسهم في تبادل الخبرات والاطّلاع على تجارب الدّول الأخرى.
يمكن تعزيز الإنتاج الثّقافيّ من خلال إنشاء منصّاتٍ مستقلّةٍ لدعم الكتّاب والفنّانين والشّباب المبدعين، وتشجيع الفعاليّات الّتي تعبّر عن التّنوّع الثّقافيّ السّوريّ، مثل معارض الكتب المستقلّة، والمهرجانات الفنّيّة متعدّدة الاختصاصات.
إنّ التّحرّر الإبداعيّ يشهد اليوم ازدهارًا استثنائيًّا في تفاعله مع الشّارع السّوريّ، ومع اتّساع دائرة التّواصل بين المدن الّتي كانت فيما مضى مغلقةً على بعضها البعض بفعل الخوف الممنهج من الاختلاف. هذا الواقع الجديد يضع على عاتق الإبداع مسؤوليّةً كبرى في جمع النّاس من مختلف الانتماءات، ليوحّد أصواتهم حول مفهوم الحرّيّة في سياق الإبداع السّوريّ.
يتجلّى ذلك من خلال إنتاجهم الثّوريّ الّذي يواجه كافّة أشكال الطّغيان، والتّبعيّة، والهيمنة السّلطويّة على الأفراد.
بواسطة حيان درويش | يناير 27, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
توقفت الصحف الرسمية عن طباعة النسخ الورقية مع جائحة كورونا، إلا أن الأمر لم يكن إلا مقدمة لاختفاء هذه النسخ بسبب رغبة وزارة الإعلام في زمن النظام السابق في خفض النفقات، الأمر الذي كان قد سبقه إيقاف قناة “تلاقي”، ومن بعدها إذاعة “صوت الشعب”، ليبقى الإعلام السوري الحكومي في ذلك الوقت محصوراً بقنوات “السورية – دراما – الإخبارية – إذاعة دمشق – إذاعة سوريانا”، علاوة على المواقع الإلكترونية التي تتبع لصحف “البعث – تشرين – الثورة”، وكمصدر أساس للأخبار الرسمية، بقيت “وكالة الأنباء السورية – سانا”، مع وجود مجموعة من الإذاعات المحلية وصحيفة الوطن، فتجربة صحيفة “الأيام”، لم تكن طويلة بسبب الضغوط العالية التي مارستها السلطات آنذاك على الصحيفة، واعتقال مالكها “محمد هرشو”، ما تسبب بهجرته إلى الإمارات العربية المتحدة، ليعمل من هناك في الإعلام من خلال موقع “هاشتاغ سوريا”، وكل محاولات رفع سقف الحرية في التعبير من قبل وسائل محدودة كانت تغامر بالأمر مثل “إذاعة شام آف إم – موقع أثر برس – موقع كيو ميديا”، كانت تصطدم برد فعل عنيف من قبل “المكتب الإعلامي في رئاسة الجمهورية”، والذي تسلمته في أوقات الذروة من الحدث السوري “لونا الشبل”، التي توفيت في حادث سير ما زال ذكره يرتبط بالكثير من التفسيرات التي تشير إلى قيام النظام بتصفيتها، إذ ترافق الأمر حينها مع معلومات عن اعتقال شقيقها من قبل مخابرات النظام، وتأكد الأمر من خلال تغيبه عن الجنازة المتواضعة التي شيعت من خلالها “الشبل”، ومن ثم لم يظهر له أثر بعد سقوط النظام، ما يشير أيضاً إلى تصفيته ربما. ضمن هذا المناخ العام كانت وسائل الإعلام النشطة خلال الفترة الممتدة ما بين العام 2011 وحتى سقوط النظام تعمل ضمن ما يمكن تسميته بـ “الإعلام الموجه”، بعض هذا الإعلام وجه قسراً ودون رغبة القائمين عليه، والبعض الآخر اتخذ اصطفافاً سياسياً واضحاً تبعا لرغبة المالك، مثل “قناة الدنيا”، التي تحولت إلى “سما” بسبب العقوبات الدولية التي تعرضت لها القناة آنذاك، والأمر نفسه ينطبق على صحيفة الوطن التي كانت تتبع لـ “مجموعة راماك”، المملوكة من قبل “رامي مخلوف”، رجل الأعمال الأكثر شهرة.
مصير الصحف
لا يبدو مصير الصحافة السورية مبشراً خلال الفترة الحالية، فإن كان غياب جريدة البعث عن الساحة طبيعياً بفعل قرار الحزب بتعليق نشاطه إثر سقوط النظام تبعاً للبيان الذي جاء موقعاً من قبل “إبراهيم حديد”، الذي شغل منصب الأمين العام المساعد في الفترة الأخيرة، فإن الإدارة السورية الجديدة لا تبدي أي خطوة في إعادة طبع الصحف، إلا أنها أصدرت تعليمات بتغيير اسم صحيفة “تشرين”، إلى “الحرية”، مع تغيير الهوية البصرية للصحيفة وتغيير ألوان شعارها من الأبيض والأزرق إلى الأبيض والأخضر، فيما بقي اسم صحيفة “الثورة”، على حاله، وسبب التغيير حسب المعلومات التي حصلنا عليها هو ارتباط مسمى “تشرين”، بالنظام السابق، فالاسم من وجهة نظر متخذي قرار التغيير لا يرتبط بحرب تشرين بقدر ما يرتبط بتمجيد الانقلاب الذي نفذه حافظ الأسد للوصول إلى السلطة في تشرين الثاني /نوفمبر من العام 1970، وهو الانقلاب الوحيد في التاريخ السوري المعاصر الذي حمل اسم “الحركة التصحيحية”، وعلى الرغم من إن صحيفة “الثورة”، تحمل اسماً يمجد الانقلاب الذي نفذ في تاريخ “8 آذار / مارس”، من العام 1963 والذي أفضى إلى تسلم حزب البعث السلطة بشكل رسمي في سورية، إلا أنها بقيت حاملة لاسمها فهو يشير إلى مفهوم “الثورة”، من حيث المطلق، ويمكن أن يستخدم لتمجيد ثورة 18 آذار من عام 2011 والتي أفضت إلى إسقاط النظام السابق، وضمن هذه الأجواء لم يزل مصير الصحيفتين على المستوى المهني مجهولا، وغير مبشر بالمطلق.
يقول أحد الصحافيين العاملين في صحيفة “الثورة”، والذي يفضل عدم ذكر اسمه، أن ممثلي وزارة الإعلام أجروا عملية “إعادة التقييم”، للعاملين في الصحيفة وتم منح 55 من العاملين وغالبيتهم من الصحافيين إجازة مدفوعة الأجر، وتم التواصل مع بعض من منحوا إجازة ليعودوا إلى العمل، ورئيس التحرير المعين من قبل الإدارة الجديدة، “أحمد حمادة”، يعمل على إعادة كامل من تم منحهم إجازات، وتعمل حالياً الصحيفة من خلال الموقع الخاص بها ونسخة إلكترونية من العدد. ولكن على الرغم من إن النظام السابق سقط، إلا أن عقلية إدارة الصحف الرسمية لم تتبدل، فهي موالية لـ “الإدارة السورية الجديدة”، وبحسب الصحافي ذاته فإن الأمر طبيعي، فإن الإعلام الحكومي بطبيعة ملكيته للحكومة فإنه ينطق بلسان حالها، ولا يمكن أن يكون إلا موالياً لها، ويحاول تقديم أفعالها للجمهور بطريقة تروج للحكومة، لا تنتقدها، وهذا الدور يطلب غالباً من وسائل الإعلام الخاصة لا العامة، وبالتالي لا يبدو أن الثورة أو غيرها من الصحف الرسمية ستخرج عن هذا السياق.
أثناء حديث ودي مع أحد أعضاء اتحاد الصحافيين الذي كان موجوداً في زمن النظام السابق كمؤسسة إعلامية من المفترض أنها تعمل كنقابة، يظهر واضحاً أن هذا الاتحاد منذ تأسيسه عام 1974 لم يكن خارج النص البعثي، إذ يتم انتخاب، أو لنقل تعيين من تريده القيادة القطرية في منصب “رئيس الاتحاد”، وأعضاء القيادة المركزية. ولم يكن الاتحاد قادراً في أي يوم على ممارسة دوره في حماية الصحافيين السوريين من الممارسات المخابراتية، ولا من قانون “الجرائم الإلكترونية”، الذي يبدو أن النظام أصدره أساساً للتحكم بـمسار الصحافيين حتى على صفحاتهم الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي. ويقول عضو الاتحاد الذي فضل عدم ذكر اسمه خلال حديثه لـ صالون سوريا: “المؤسسات الصحافية السورية ذات تاريخ عريق في المهنة على الرغم من أنها مملوكة للحكومة، وكان متحكماً بها.
الهيئة العامة: ما مصيرها؟
يُحكى منذ سقوط النظام عن تطوير منظومة التلفزيون السوري ليكون منافساً للقنوات الخاصة، ويُحكى أيضاً عن عملية إعادة تأهيل للكوادر، وإلى الآن لم يظهر مما يحكى إلا عملية إعادة التقييم، التي تصفها مذيعة تخشى من ذكر اسمها خلال حديثها لـ صالون سوريا بأنها تمت من قبل أشخاص لم يكونوا مهنيين، وتقول: لا يوجد قواعد واضحة لإبعاد مذيع أو محرر من العمل من خلال الإجازات القسرية التي منحت، فإحدى اللواتي تم إبعادهن عن العمل بإجازة ذات صوت معتمد من كبرى شركات الإنتاج لدبلجة البرامج الوثائقية، وكانت تعمل ضمن إحدى الإذاعات التابعة للهيئة، كما أن مذيعة تلفزيونية أجبرت على الإجازة وهي من ذوات الظهور اللائق والأداء المشهود له، ولا يمكن تبني وجهة النظر التي تقول آن الإبعاد تم بسبب الانتماء الطائفي، فكلا الشخصين اللذين ذكرتهما ليسا من الطائفة العلوية، ولم يكن لهما أي مواقف معلنة لتأييد النظام السابق، وبما أن الحديث عن عمل إعلامي فمن المؤكد أنهما لم تكونا كمذيعتين شريكتين في سفك الدم، ولكونها من النماذج النشيطة جداً في عملهما، يتأكد أن إعادة التقييم لم تكن جدية.
ويشير صحافي كان يعمل في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في سورية، إلى أن الآمال المبنية على التلفزيون السوري مستقبلا بأن يكون تنافسياً وقادراً على الحضور في المجتمع السوري خصوصاً، كوسيلة يمكن تصديقها، تبدو مثل ذر الرماد في العيون، فالوسيلة الإعلامية الحكومية لن تقدر على ممارسة الدور الرقابي المأمول منها، ولن تخرج عن دائرة الإعلام الذي تتحكم به الحكومة لتقدم مقولتها للجمهور، ولهذا الجمهور الحق بتصديقها أو تكذيبها بناءً على معرفته بالحقائق أولا، ومن ثم مراقبة وسائل الإعلام الأخرى وكيفية تعاملها مع أي قضية ستطرح من قبل التلفزيون السوري، وبدرجة ثالثة مصادر المعلومات التي منها “وسائل التواصل الاجتماعي”، وهذه الأشياء كان يمارسها الجمهور قبل سقوط النظام وسيبقى على حاله بعد سقوطها. وإذا كان هناك من يريد للتلفزيون السوري، أو المؤسسات الإعلامية الحكومية، أن تعمل بطريقة صحيحة فإن عليه أولاً أن يحررها من قيود “الإعلام الموجه”، الذي كانت تعيشه أيام النظام السابق، ولكن هل يمكن أن تترك وسائل الإعلام الحكومية لتمارس عملها تحت سقف عال من الحريات؟ هذا السؤال تبدو الإجابة عليه مقرونة بالنفي دائما.
هل تخلصنا من “التوجيه”؟
وسائل إعلامية عدة توقفت في سورية لأسباب تتعلق بغياب التمويل، أو نتيجة لتعرضها للتخريب، أو الخشية من العودة للعمل نتيجة ارتباطها بأحد رجال الأعمال المحسوبين على النظام. البيانان المنفصلان اللذان صدرا عن كل من جريدة الوطن، وإذاعة نينار، صبيحة يوم الثامن من ديسمبر / كانون الأول الماضي، وهما وسيلتان كان يملكهما “رامي مخلوف”، وسيطرت عليهما “أسماء الأسد”، بعد إقصائه من المشهد الاقتصادي، يعلنان التبرؤ من سياستهما الإعلامية الداعمة للنظام بالقول “كنا مجبرين”. وتعتبر مصادر صحفية عدة هذا الأمر مؤشراً على “الخوف”، من المرحلة الجديدة، فالمحاولات المبكرة لما سمي بـ “التكويع”، لم تكن ناجحة بالصورة التي كان يأملها القائمون على هاتين الوسيلتين على المستوى الإداري والصحافي. ويقول صحافي يعمل في صحيفة الوطني، شدد على عدم ذكر اسمه خلال حديثه لـ “صالون سوريا”، إن الأخبار التي تصدر عن جريدة الوطن تشرف عليها وزارة الإعلام من خلال ممثلين انتدبتهم إلى الجريدة منذ أن اعتبرت إن “الإدارة الجديدة”، تمتلك الحصة الأكبر في “جريدة الوطن”، نظراً لأنها باتت تمتلك حصة رجل الأعمال المعروف بولائه وتبعيته للنظام السابق، يسار إبراهيم، وذلك لكون أموال يسار هي من أموال الدولة المنهوبة وبالتالي لا بد من استعادة هذه الأموال. ويضيف الصحافي: على الرغم من أن رئيس التحرير وعد بعودة النسخة الورقية وعمليات الطباعة قريباً إلا أن الأمر لم يحدث نهائيا، علماً أن رئيس التحرير مقيم حالياً في فرنسا، إذ غادر البلاد صبيحة سقوط النظام وفقاً لما يعرفه العاملون.
الأمر نفسه ينطبق على عدد كبير من الإذاعات الخاصة، ولا يقبل أي من القائمين على هذه الإذاعات أو العاملين فيها الحديث عن المشكلة التي عرف “صالون سوريا”، بأنها نسخة طبق الأصل عما تعانيه جريدة الوطن، إذ إن “القصر”، تملك نسباً كبيرة من إذاعات “نينار – فيوز إف أم – ميلودي – شام إف إم” عنوة عن أصحاب التراخيص الرسمية في بعضها، ونتيجة لإقصاء صراع “أسماء – رامي”، في بعضها الآخر فيما بقيت إذاعة مثل “المدينة إف أم”، محمية بقرار من “ماهر الأسد”، شخصياً، لكون مالكها “ميزر نظام الدين”، من “أصدقاء الطفولة”، وأحد أذرعه الاقتصادية، وبعد سقوط النظام قررت الإدارة الجديدة أن “ترث”، هذه الإذاعات باعتبار أن الحصص الأكبر فيها مملوكة لشخصيات مرتبطة بـ “النظام”، وقد أسست من “أموال الشعب”، وهذا الإجراء لم يكن بالصورة القانونية، إذ تشير معلومات حصل عليها “صالون سوريا”، إلى أن الإدارة الجديدة وعبر “المحامي الممثل ليسار إبراهيم”، نقلت الملكية الخاصة بمن استهدفهم قرارها إلى شخصيات مرتبطة بها بشكل مباشر، وهذا الإجراء لم يكن قانونيا، إذ من المفترض أن تتم محاكمة رجال الأعمال، وإدانتهم، ومن ثم إصدار قرار بمصادرة هذه الوسائل الإعلامية وتحويل ملكيتها لـ الدولة (أي تأميمها)، أو عرضها في المزاد العلني واستعادة أموال الدولة، لا أن تصبح “وريثاً”، وتتعامل مع هذه الوسائل وكأنها من “غنائم الحرب”، ولا يمكن الحصول على رد رسمي من “وزارة الإعلام”، بوصفها المسؤولة عن الملف.
حالة نقل الملكية التي شملت عدداً كبيراً من وسائل الإعلام الخاصة، وتوقف بعضها الآخر عن العمل بسبب مصادرة المكاتب نتيجة لـ “ارتباطها بإيران”، مثل “قناة العالم سورية”، وقرار البعض التروي، والبعض الآخر نتيجة لـ “انعدام وجود ممول حالياً”، تشير إلى أن الإعلام السوري الذي سينشط حالياً داخل سورية، سيبقى إعلاماً موجها حاله في ذلك حال القنوات التي تقوم باصطفاف سياسي واضح لصالح “الإدارة السورية الجديدة”، مثل “تلفزيون سوريا – التلفزيون العربي”، الممولين من مؤسسة واحدة تتخذ من العاصمة القطرية مقراً لها، إضافة إلى منصة “تأكد”، التي تعمل على تبرير أو نفي الأخبار التي تدين “الإدارة السورية الجديدة”، بدلا من ممارسة دورها الذي تقدم نفسها من خلاله على أنها منصة تهتم بالتأكد من صحة المعلومات المروجة عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، والتحقق من مصادر المعلومة ومحاربة الأخبار المضللة. إلا أن أخطر ما يهدد العمل الصحافي وسلامته حالياً، هو ما ينقله صحافي سوري يعمل حالياً في دمشق بالقول: وزير الإعلام يستقبل ويحتفي ويقدم الفرص لمن يسميهم بـ “الإعلاميين الثوريين”، ويعتبر أن الأفضلية في المرحلة القادمة لهم، على الرغم من إن غالبيتهم مايزالون في خانة الهواة، والإجازة الأكاديمية التي يحملونها هي من جامعات غير معترف بها مقرها في مناطق الشمال السوري مثل جامعة عفرين، كما أن الصحافيين الذين يصنفون أنفسهم على إنهم هواة يطالبون في كل لقاء مع الوزير بإيقاف كل الصحافيين الذين كانوا موجودين في المناطق التي كان النظام يسيطر عليها عن العمل بحجة أنهم موالون للنظام أو كانوا يروجون لدعايته، إلا أن السبب الأساس هو محاولتهم طرد هؤلاء الصحافيين من سوق العمل وترك المجال مفتوحاً فقط لـ “الصحفيين الثوريين”، وذلك لعزوف وسائل الإعلام المرموقة عن التعامل مع هؤلاء “الثوريين”، بسبب قلة خبرتهم وانعدام مهنيتهم في غالب الأحوال.
الخشية من الملاحقة الأمنية تدفع الكثير من الصحافيين، بمن فيهم كاتب هذه المادة إلى إخفاء أسمائهم، ويعكس ذلك حالة الخوف التي مازال الإعلاميون في سورية يعيشونها على الرغم من أن الإدارة الجديدة تشدد على أن زمن الخوف انتهى بسقوط النظام. ويسخر أحد الصحافيين الذين أدلو بشهادتهم ضمن هذه المادة من السؤال عن سبب رفضه ذكر اسمه ليجيب بالقول: “ما بدي كون ضحية حالة فردية”، في إشارة إلى تزايد الانتهاكات التي توضع تحت خانة “حالة فردية – تصرف فردي”، من قبل الحكومة.
بواسطة عامر فياض | يناير 26, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
منذ نحو سبعة أعوام وأنا أكتب لموقع صالون سوريا، وكانت معظم المواد والتحقيقات التي نشرتها في الموقع وفي مواقع أخرى، طوال أكثر من عشرة أعوام، تدور حول ظروف الحرب وتبعاتها، الحرب التي فرضها نظام الأسد على الشعب السوري لكي يُجهض ثورته العظيمة التي سيُخلدها التاريخ. كتبتُ عن الشوارع المليئة بمشاهد القهر والألم، والمزدحمة بالمتسولين والمشردين، الذين باتوا جزءاً مألوفاً منها، ونابشي حاويات القمامة التي باتت مصدر رزقهم الوحيد، وباعة الأرصفة الذين يرتجلون من العدم بسطاتٍ تبيع أي شيء يمكن بيعه كي يؤمنوا لقمة عيشهم. كتبتُ عن النازحين والفقراء والمعدمين، وعن المتسربين من التعليم وأطفال الشوارع الذين تربوا وكبروا فيها. كتبتُ عن تدهور الواقع التعليمي والثقافي وعن هجرات الفنانين والمثقفين وأصحاب الشهادات، وعن العقبات والصعوبات التي يواجهها من تبقى منهم في البلاد، كما تحدثت في أكثر من مادةٍ وتحقيقٍ عن أزمات الكهرباء والوقود والمواصلات، وعن تردي الواقع المعيشي والاقتصادي لدى السوريين، الذين أصبح جلهم يعيش تحت خط الفقر، وغير ذلك من الموضوعات التي تناولت معاناة الناس وظروف حياتهم اليومية التي تميتهم كل يومٍ عشرات المرات.
اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد المجرم، الحلم الذي انتظرناه طوال حياتنا، وقفت عاجزاً طيلة الأسابيع الماضية عن الكتابة عن الفرح، رغم أن حدثاً كهذا، لم نكن نتخيله حتى في أحلامنا، يُمكن أن تُفرد لأجله عشرات بل مئات الصفحات، ولكن كيف يمكن للغةٍ من حروفٍ وكلمات أن تُجاري، تعبيرياً أو شعرياً، ما تقوله الشوارع والساحات التي كانت أفراحها أبلغ وأفصح وأشد تعبيراً من أنواع الفنون والأدب والصحافة كلها؟ أفراحٌ شاسعة بحجم وطنٍ يولد من جديد، كان لصوته الاحتفالي قدرة تعبيرية فاقت جميع محاولاتي التعبيرية التي عجزت عن صياغة مادةٍ ما، أنا الذي اعتادت لغتي لسنواتٍ على صياغة موضوعاتٍ تفوح منها رائحة بلاد مُنهكة، صُنفت كواحدة من أسوأ أماكن العيش في العالم.
في الساحات كانت وجوه الناس المُشرقة والطافحة بالنبض والفرح تكتب نيابةً عني، بعد أن زالت من تعابيرها معالم القهر واليأس والوجع. الأطفال المتسولون والمشردون في الشوارع والعاملون في نبش حاويات القمامة، في الصباح الذي تلا سقوط الأسد المجرم، كانوا يفردون صوره الممزقة على الطرقات والأرصفة ويدعون المارة أن يدوسوا عليها وأن يعبروا بسياراتهم من فوقها، وهم يرقصون ويهتفون هتافات الحرية والنصر الذي كان يَشعُّ من وجوههم التي زينوها برسوم علم سوريا الجديد، وجوههم التي لطالما تلونت بالقهر وأوساخ الشوارع والندبات التي حُفرت فيها. لربما كان هذا المشهد من أروع مشاهد انتصار العدالة.
بعض النازحين، الذين عاشوا لسنواتٍ في شققٍ غير مكسوة (على العظم) لا تصلح للعيش البشري، تحولت من سكنِ مؤقتٍ إلى شبه دائم، كانوا يحتفلون بكثيرٍ من الفرح والدموع في ذات الساحات والشوارع، التي لطالما جلسوا فيها باحثين عن أي عملٍ يمكن أن يؤمن لقمة عيشهم المريرة. كانوا يقفون فيها، مع أطفالهم، لأول مرة منتصرين على من دمَّر بيوتهم وهجَّرهم من مدنهم وقراهم، التي بات حلمهم بالعودة إليها قابل للتحقيق، وكان أطفالهم، الذين تفيض عيونهم أملاً وتفاؤلاً، يشعرون لأول مرة أن لديهم وطناً حقيقياً وأن بإمكانهم العودة إلى قراهم ومدنهم التي لم يتعرفوا إليها منذ ولادتهم.
في ساحة الحجاز وخلال وجودي في وقفةٍ تضامنية مع المعتقلين المفقودين، كانت قدسية المشهد وعظمته وملحميته تُلهم ذهني بعشرات الأفكار والمواضيع التي يُمكن الكتابة عنها، لكن دموع المرأة التي كانت تقف بجواري، كانت أكثر بلاغة وتعبيراً من أي كلماتٍ يُمكن أن تُكتب، دموعها التي كانت تشبه سوريا المتخبطة بين مشاعر الفرح والأمل والحزن والفقد والحسرة على المعتقلين الذين استشهدوا لكي يرسموا لنا طريق الحرية.
كانت صور المعتقلين المحمولة في الساحة تحدق بي، وهي تقول الكثير، وكنت أشيح بوجهي عنها، أخجل من عظمتها ومن النظر إليها. كيف يمكنني أن أكتب عنها بضع كلماتٍ مقتضبة، وكل صورة منها تحفل بعشرات القصص والمشاهد والذكريات، ويُمكن أن تُفرد لأجلها عشرات المقالات؟
خلال وقوفي في الساحة فكرت للحظة أن أجمع حكايات بعض الناس الذين حضروا إلى الوقفة، حاملين صور أبنائهم وأخوتهم وأقاربهم المفقودين، علهم يحظون بأي خبرٍ عنهم، لكن نظراتهم، الباحثة عن أي أمل، كانت تصفعني وتجعلني مشلول الحركة، غير قادرٍ على القيام بأي فعل، بل كانت تُشعرني بسخافة أن يُكتب عن معاناتهم فيما يقف العالم بأسره عاجزاً عن تقديم أي خبرٍ يُريح قلوبهم المتعبة التي مزقها الفقد. هربت من نظراتهم ورحت استحضر إلى ذهني، مشاهد المعتقلين المحررين من المعتقلات والسجون، والتي أمضيت ساعاتٍ طويلة وأنا أشاهدها خلال الأيام الماضية، بمزيجٍ من الفرح والحزن. شردت معها بعيداً لدقائق، حتى قاطعت شرودي نظرات شابة كنت أعرفها حين كانت طفلةً في إحدى مراكز الايواء قبل نحو ثماني سنوات. من كان يصدق أنها ستقف اليوم في إحدى أهم ساحات دمشق، وهي تودع الخوف والقهر والعجز، وتحمل علم سوريا الجديد، لتقول للعالم إنها انتصرت على من دمَّر بلادها واعتقل عدداً من أقربائها وشردها مع عائلتها لسنوات طويلة؟.
في السنوات الماضية تحدثت في أكثر من مادة صحفية عن الجيل الجديد، أو ما يُمكن تسميته بجيل الحرب، الذي فقد شعوره بالإنتماء إلى سوريا المُدمرة والممزقة، التي قد لا يعرف منها سوى مدينته أو قريته، هو الذي تربى على ثقافة الحرب والانقسام السياسي والخوف من الموت، ولم يتبلور لديه أي مفهوم واضح عن الوطن في ظل انحسار دور المرجعيات الوطنية وتمزق معظم الهويات الوطنية الجامعة. ذلك الجيل، الذي كان السفر إلى خارج البلاد، بالنسبة لمعظمه، الحلم الأبرز وطوق النجاة الوحيد، تراه اليوم، بعد سقوط النظام البائد، يتعافى ويُبعث من جديدٍ، ينهض حافلاً بالطاقات والانتماء الوطني، يَنشَط كخلايا النحل، يحضر في الساحات، في الوقفات الاحتجاجية والتضامنية، في حملات تنظيف الشوارع وزراعة الحدائق، وفي مختلف الأنشطة المدنية، ويشارك في التجمعات السياسية والمدنية وفي المبادرات الشبابية، يُعبِّر عن رأيه ، الذي كان مغيباً، وبكثيرٍ من الحماس والمسؤولية يشعر اليوم أنه أمام فرصةٍ ذهبية ليستعيد انتماءه لبلاده وليكون شريكاً فاعلاً ومؤثراً في صناعة تاريخها الجديد والنهوض بها.
قبل أيام من سقوط نظام الطاغية المجرم، كنت أفكر بالكتابة عن تلوث الهواء في بعض المناطق المحيطة بدمشق، وخاصة مدينة جرمانا، والتي يضطر الكثير من سكانها، في ظل أزمتي الوقود والكهرباء، لإشعال النايلون والبلاستيك والخشب والكراتين في مدافئهم، وكل ما توفر من موادٍ تساعدهم على استحضار بعض الدفء إلى بيوتهم الباردة. ويؤدي احتراق تلك المواد إلى انبعاث دخان كثيفٍ يلوث الهواء ويبعث على الاختناق. لكن هواء المكان تغير فجأة، بعد سقوط النظام البائد، وليس في الأمر حالة شاعرية ورومانسية، فقد لمس معظم الناس هذا التغيير وأصبحوا يتنفسون هواء مريحاً وخفيفاً وغنياً بالأوكسجين، بعد أن زالت رائحة الخوف واليأس والعجز من الشوارع التي أصبحت مُشرقة ورحبة، وتفوح منها رائحة الفرج والأمل.
آخر المواد التي كتبتها كانت تتحدث عن انعدام مساحات التنفس عند الناس في سوريا، نتيجة ما أفرزته ظروف الحرب التي التهمت الكثير من المساحات الخضراء وحرمت معظم الناس من طقوس النزهة والسيران وزيارة البحر، في ظل تدهور الواقع الاقتصادي وتفاقم أزمات الوقود والمواصلات، وهو ما جعلهم يلجؤون إلى أي مساحةٍ زراعيةٍ أو حتى ترابية تذكرهم بالطبيعة. اليوم، بعد سقوط نظام الطاغية، يُمكن القول أن كثير من الناس وجدوا مساحات تنفسهم في الساحات والشوارع التي بات السير فيها، بالنسبة لهم، نوعاً من النزهة والسيران، بل أن عشرات الآلاف باتوا يأتون كل يوم لزيارة دمشق من مختلف المحافظات، وبعضهم كان يتعرف إليها لأول مرة. الشباب الذين كانوا محاصرين في أحيائهم وحاراتهم وبيوتهم لسنوات، كونهم مطلوبين للخدمة العسكرية، تحرروا أخيراً من سجنهم وتعافوا من رُهاب الحواجز، وباتوا يتنقلون بين الأحياء ويجوبون الشوارع والساحات بكامل حريتهم، وتعلو أصواتهم في المقاهي وهم يخوضون النقاشات السياسة حول مستقبل سوريا، وكأنهم يولدون من جديد.
لقد كنت واحداً من أولئك الشباب، وبقيت مشلول الحركة لنحو سبعة أعوام، خشية اقتيادي للخدمة العسكرية الاحتياطية، كنت خلالها أتنقل، عند الضرورة، بحذرٍ شديد، سيراً على الأقدام، وأحياناً كنت أستعين بهوية أخي، وها أنا اليوم أمضي كثيراً من الوقت متجولاً في أحياء دمشق، التي كتبت كثيراً عن تعبها ومرضها وعتمتها، أتسكع في شوارعها بخفة ورشاقة من يمتلك جناحين، وأنا أودع الخوف الذي كان يتربص بخطاي كلما رأيت حاجزاً أو دورية عسكرية. أحاول استعادة علاقتي الحميمية الأثيرة مع المدينة، أُمعن النظر في كل تفصيلٍ صغيرٍ في شوارعها وأبنيتها، أُدرِّب عيني، التي اعتادت لسنواتٍ على رصد مشاهد الفقد والألم والقهر، أُدرّبها على إبصار التفاؤل والأمل والفرح الذي بات يرتسم على كل تفاصيل المدينة ويطل من وجوه الناس. لقد كنت أشتكي خلال السنوات الماضية من نقص الأصدقاء الذين غادر معظمهم إلى خارج البلاد، وها أنا اليوم أكتشف أنه مازال هناك الكثير منهم في دمشق، بعد أن خرجوا من حصارهم وعزلتهم ليبصروا النور، أصادفهم في الشوارع والمقاهي والساحات، التي بت أستعيد من خلالها ذكريات أصدقائي المسافرين، الذين عادت ذكرياتهم وضحكاتهم وأحاديثهم وخطاهم لتطل من كل شارعٍ أسير به، بعد أن باتت عودتهم، التي كانت شبه مستحيلة، إلى سوريا أمراً ممكناً.
بواسطة وداد سلوم | يناير 20, 2025 | Cost of War, News, العربية, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
لا أعرف من روى نكتة أنه لو فُرض علينا حظر تجول لخرجنا نتفرج على حظر التجول! هذا ما حدث في الحي عند بدء الحملة الأمنية على بعض أحياء حمص التي وُصمت بالموالاة للتفتيش عن السلاح وفلول النظام كما قيل، إذ خرج سكان الحي ووقفوا “يتشمسون” أمام أبواب البيوت كي يراقبوا السماء حيث كانت الطائرات المسيرة تصور الحركة في الأحياء، محاولين استطلاع تقدم عمليات التفتيش في الشوارع.
ربما كان هـذا فضولاً أو رهاناً على الآخر الجديد والغريب الملثم بقناع ردع العدوان، من البسطاء الذين استغلهم بشار الأسد والذين تمنوا سراً كل يوم سقوطه.
أربعة عشر عاماً من القمع والقصف والتعذيب في السجون وشيطنة الآخر وتجريمه بالخيانة والطائفية على يد النظام الذي زج بالشباب السوري في الدفاع عنه في حربه الطويلة ضد الثائرين عليه، بينما كان على مدى خمسين عاما يعمق الطائفية بين مكونات الشعب السوري فلم يتوقف منذ الثمانينات عن ضخ الماء العكر في القنوات ليسمم مكونات المجتمع. وبدل أن يمد جسور المواطنة كان يقطعها بتغذية الانتماءات الطائفية والعشائرية والعائلية ليحافظ على وجوده أولاً وعلى خزان القوى البشرية لجيشه وعلى دعم فئات لها وزنها خارج البلاد.
إشارة استفهام حول معايير اختلاف التعامل مع السكان
بدأت الحملة الأمنية دون إنذار مسبق، إذ استيقظنا على صوت رشقات الرصاص من عدة أنواع من السلاح، للوهلة الأولى كنا بحاجة لوقت لاستيعاب الحدث وما يمكن أن يليه فكل الاحتمالات ممكنة، والخوف حالة غريزية عند الإنسان يثيره المجهول وغير المجرَّب حتى الآن. كان الوقت يمر ببطء في انتظار وصول الشباب للتفتيش حتى سمعنا صوت يحث الجميع على الدخول إلى المنازل، ولعلها نكتة حمصية أن نقول: إن الذين انصاعوا قلائل.
عرّف شباب الحملة عن أنفسهم بالشرائط الملونة على الكتف وكان بعضهم يضع شرائط حمراء وبعضهم الآخر صفراء وخضراء فهل اختلف السلوك حسب لون الشريطة أم حسب الحي؟
بعضهم دخل المنازل وهو يعتذر قائلاً إنه لا يمتلك وقتاً لخلع الأحذية وعبر عن أسفه للأمهات لأن سجاد المنزل قد يتسخ، وبعضهم الآخر زاد على تهذيبه بعض التلميحات التي تحمل اللوم والتنديد بصمت سكان هذه الأحياء على قصف النظام لهم والمقارنة بين دخولهم إلى بيوتها ودخول شبيحة النظام الساقط إلى بيوتهم في سنوات سابقة وكيف أن الشبيحة لم يتورعوا عن ارتكاب المذابح والمجازر والتقاط الصور مع الضحايا.
بعضهم قام بكسر الآلات الموسيقية والشاشات ربما لأنه يرى الموسيقا حراماً والتلفاز بدعة! وثمة من لم يكتف بالكلام، بل صب جام غضبه المكبوت على بعض الشبان ضارباً ومعنفاً ومهيناً لهم إذ تناقلت الصفحات فيديوهات لإذلال الشباب بعد جمعهم سواء بالضرب أو الطلب منهم القيام بالنباح أو تقليد صوت الحمار.
وهو ما كان يفعله سجانو النظام مع السجناء بإجبارهم على النباح أو تقليد أصوات الحيوانات، فهل فكر هؤلاء الشبان وهم يقومون بذات الفعل الذي قام به سجانو الأسد في النظام السابق بخطورة فعلهم؟ وهليفكرون بتحويل سوريا إلى سجن كبير؟
عدالة أم انتقام؟
كان الخطر يكمن في طبيعة النظرة التي تم إيصالها للآخر فهو حين يجبره على تقليد صوت حيوان عملياً يقول له إنه يراه بهذا المستوى ويحط من كرامته الإنسانية إلى مستوى أقل في التطور، وهذا يعني أنه لا يريده شريكاً، وعلاقته لن تتعدى هذا المستوى. نتذكر كيف كان ينظر البيض إلى الأفارقة على أنهم بمستوى أقل إذ كان في بداية القرن الماضي يتم عرضهم في أقفاص، وهو ما يشابه ما قامت به السلطة النازية بإذلال الشعوب الأخرى على أساس التمييز العرقي.
يرافق الإذلال حين يكون علنياً ومصوراً إحساس بالخزي والعار وهنا يترك الممارس عليه عرضة لحالات مختلطة تتوقف على كونه فردياً أو جماعياً و تتراوح بين الانتحار والانتقام فإن كانت الجهة التي تمارسه لها شكل سلطة واضح ومحدد يزداد الشعور بعدم القدرة على رد الاعتبار وهو ما يمكن أن نراه في حالة البوعزيزي الذي أشعل الربيع العربي، أما إن كان غير ذلك فقد يؤدي إلى محاولة رد فعل عنفي، إذ يسقط الإنسان المقهور ذات الفعل على غيره في محاولة التعويض النفسي للإحساس بالخزي.
هل من عدالة في شعار من يحرر يقرر؟
سُجلت هذه الانتهاكات كحالات فردية وشعر الناس بالراحة بعد انتهاء الحملة الأمنية لكن ما حدث من حالات فردية زرع الخوف من طبيعة المرحلة القادمة في البلاد خصوصاً بعد الرد على كل انتقاد بشعار من يحرر يقرر وهذا تلميح بالسعي للانفراد بالحكم ورغبة ضمنية بإقصاء الآخر وتغيير جوهر الثورة التي قامت على أساس رفض ديكتاتورية الأسد التي انفردت بالحكم وأقصت سائر فئات الشعب الأخرى، الثورة التي نادت بالحرية هدفاً أول.
إن هذه الأفعال الانفعالية والشعارات لا تبني سوريا القادمة التي تحتاج إلى كل الجهود والترفع على الآلام والماضي مع محاسبة المجرمين والقتلة فالعدالة التي تبني سورية ليست الانتقامية والثأرية بل عدالة قانونية تستهدف كل من حمل إثم الدم السوري.
إن اللجوء إلى الفعل الانتقامي دون رقابة أمنية خطير لأنه يهدد الشراكة التي تقوم عليها الدولة والتي قام الأسد ونظامه بتدميرها، ليس فقط كمؤسسات بل أيضاً كقاعدة شعبية، ولنتذكر الآية الكريمة “لا تزر وازرة وزر أخرى” فبعض الشبان الذين تعرضوا للإذلال من أعمار صغيرة ولم يشاركوا بأي فعل عنفي يستحق الانتقام.
تم اعتقال كثير من الشبان أثناء ذلك، ثم تم الإفراج عن 360 شاباً منهم فقط بينما ما زال الأهالي ينتظرون أولادهم على أحر من الجمر.
في هذه الأثناء تتواصل حوادث الاختطاف وتهدد السلم الأهلي في المدينة بينما يعرف الجميع أن التركة التي ورثها الشعب السوري من النظام الساقط ثقيلة كهذه الأيام، والكل يتمنى أن يتجاوز ذلك بأقل الخسائر، فهل ينجح؟
بواسطة أسامة إسبر | ديسمبر 25, 2024 | Cost of War, News, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
لطالما خطرت في ذهني وأنا أفكّر بالوضع الذي آلت إليه الأمور في سورية في ظلّ حكم نظام بشار الأسد، قصيدةُ الشاعر اليوناني قسطنطين كافافي الشهيرة “بانتظار البرابرة .“اليوم وصَل من صوّرهم إعلام النظام السابق بأنهم ”برابرة“، و”إرهابيون” إلى العاصمة، وجلسوا على الكرسي الذي ورثه بشار. لكنهم لم يأتوا مرددين ”بالذبح جيناكم“، بل استخدموا لغة مسالمة وتصالحية خالية من الإقصاء والعنف، وجّهوها إلى السوريين من مختلف الطوائف والمذاهب، الذين عانوا من التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعسف والإجرام الأمني في ظل حكم الأسد، إلى درجة أصبحوا فيها مستعدين لإنشاد خاتمة قصيدة كافافي بمكبرات الصوت: ”ما الذي سيحدث لنا من دون البرابرة؟ لقد كانوا نوعاً من الحل”.
عمل النظام الديكتاتوري العسكري السابق طوال عقود على إفراغ البلاد من أي بدائل سياسية تقدمية أو يسارية أو علمانية حقيقية عن طريق قمع وحشي مارستْهُ أجهزته الأمنية دفع العديد من السوريين إلى الانضواء تحت رايات التنظيمات السلفية الجهادية المتطرفة. وحاول النظام تصوير نفسه على أنه يقاتل هذه التنظيمات، وحظيَ بقبول عالمي نوعاً ما، وتم الترويج له بأنه يمثّل التوجهات النيوليبرالية، وحرية السوق الأمر الذي اقتضى رسم صورة براقة عنه تقدمه كمتحضر إزاء “متخلفين” ثائرين عليه يجب ضبطهم كما قالت الباحثة الأكاديمية الأمريكية ليزا ودين في حوار أجريتهُ معها منذ عدة أعوام، ونُشر في “العربي الجديد”. تحدّثت ودين عن صورة عالمية ـ محلية ارتبطت فيها سيطرة النظام برأسمال خاص، وتجسّدَ هذا رسميًا في تسويق صورة عصرية عن “عائلة الرئيس“ في الإعلام قُدم فيها أفرادها كأعضاء للطبقة الأخلاقية النيوليبرالية. إلا أن هذه الصورة لم تكن حقيقية، ولم يفعل النظام شيئاً سوى سنّ سكّين القمع على مِشْحَذ تحالفات عبّدت له طريقاً في فراغ تهاوى فيه واختفى كأنه لم يكن موجوداً، ولم يبق منه إلا الجراح التي أحدثها في الجسد السوري.
يتجلى اليوم في سوريا مشهد حيويّ يفتح باب التحولات السياسية. أحد أبرز هذه التحولات هو الانتقال المتوقع إلى شكل الحكم القادم في ظل قيادة هيئة تحرير الشام، والتي تتبنى الآن لغة الاعتدال وقبول الآخر والانتقال إلى مرحلة المؤسسات، بحسب تصريحات مسؤوليها. وحين سأل مراسل الجزيرة زعيم هيئة تحرير الشام عن شكل الحكم القادم في سورية، وإن كانت تركيا توافق عليه، في المؤتمر الصحفي الذي عُقد مؤخراً في دمشق مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اعتبر أن السؤال موجه إلى وزير الخارجية التركي، إلا أنه في جوابه على سؤال آخر قال: ”إن منطق الدولة يختلف عن منطق الثورة“، وأنه يجب تأسيس دولة ”تليق بوضع المجتمع السوري“. هذه التصريحات تحمل دلالات واضحة تشير إلى توجّه نحو الاعتدال، رغم أنها قد تحتمل أيضاً قراءات أخرى بسبب عدم توفر سياق كاف يوضح الأمر بشكل تفصيلي. ولقد تحدّث وزير الخارجية التركي عن ضرورة صياغة دستور جديد يرسّخ المواطنة والتساوي في الفرص والواجبات، ويحمي المجتمع من تسلّط فئة على أخرى.
يُستشفّ من هذه التصريحات الإعلامية وما سبقها، ومن السلوك على الأرض السورية، أن هيئة تحرير الشام عدّلت خطابها، وتبنت لغة سياسية معتدلة تقتضيها عمليه الحوكمة التي تهيئ نفسها لها، وهذه الظاهرة ليست جديدة في الشرق الأوسط، فقد حدثت في دول مثل إيران ومصر، إلا أن الوضع في سوريا أشد تعقيداً، وما يزال علينا أن ننتظر كي نرى إذا كان باب السلطة القادمة سيُفْتح لمشاركة الآخرين.
في كتابه “الإسلام والسياسة” (صدرت طبعته الرابعة في الإنجليزية في ١٩٩٨)، درسَ الباحث والأكاديمي الأمريكي جون إل. إسبوسيتو، أستاذ الدين والشؤون الدولية والدراسات الإسلامية بجامعة جورجتاون، ظاهرة الانتقال من الخطاب المتطرف إلى الاعتدال في الحركات الإسلامية، وأشار إلى أن الحركات الإسلامية السياسية غالباً ما تبدأ بخطابات أيديولوجية راديكالية تدعو لإقامة دولة إسلامية تحكمها الشريعة، ولكن بمجرد أن تصل إلى السلطة تجد نفسها أمام التعقيدات الكبيرة لعملية إدارة الدولة وللحوكمة ما يدفعها للتكيف مع الواقع السياسي، وتقديم تنازلات، وهو ما يفضي إلى تحوّل تدريجي نحو الاعتدال. هذا ينطبق قليلاً على هيئة تحرير الشام، التي منذ أن تولت إدارة المناطق المحررة في إدلب، لوحظ تغير جليّ في سلوكها. فقد تحولت من مجرد حركة جهادية سلفية متشددة إلى “حكومة مصغرة” تدير الشؤون اليومية للسكان. وربما كان هذا التحول ناجمًا عن ضغوط داخلية وخارجية، وعن الحاجة الماسة للتكيف مع الواقع السياسي.
في كتابه “جعل الإسلام ديمقراطيًا: الحركات الاجتماعية والتحول ما بعد الإسلاموي”، يدرس المفكر والمؤرخ آصف بيات كيفية تحول الحركات الإسلامية من جماعات متطرفة إلى حركات تتبنى مواقف أكثر اعتدالًا. ذلك أن هذه الحركات، عند وصولها إلى السلطة، تدرك صعوبة تطبيق أفكارها المتشددة، مثل إقامة دولة إسلامية تتقيد بالشريعة. وبالتالي، تبدأ بحثها عن تسويات مع القوى السياسية القائمة، سواء على المستوى المحلي أو الدولي. في إطار هذا التوجّه تبنت الحركات الإسلامية في مصر وتونس وتركيا وإيران خطابًا أكثر ديمقراطية وتعددية بعد وصولها إلى السلطة، نتيجة للضغوط السياسية والاقتصادية. وأصبحت مضطرة للتعامل مع قضايا معقدة مثل الإصلاح الاقتصادي والتعليم والرعاية الصحية، الأمر الذي تطلب اتخاذ قرارات سياسية عملية احتاجت إلى تفاوض وتسوية مع أطراف متعددة. وتلعب العوامل الداخلية والخارجية، بحسب بيات، دورًا جوهريًا في تحول التنظيمات الإسلامية نحو الاعتدال. فالعولمة والضغوط الدولية تدفع هذه الحركات إلى تبني سياسات براغماتية تتماشى مع معايير الحكم المعترف بها دولياً. كما أن الشباب داخل هذه الحركات، يعارضون التفسير المتشدد للإسلام، ويلعبون دورًا مهمًا في دفع الحركات الإسلامية نحو الاعتدال عن طريق مطالبتهم بمزيد من الحريات السياسية والإصلاحات الديمقراطية، ما قد يشجع الحركات على إعادة النظر في بعض مواقفها التقليدية.
يتفق بيات وإسبوسيتو على أن التنظيمات الدينية، عندما تنتقل من المعارضة إلى الحكم، تواجه تعقيدات إدارية تدفعها إلى اتخاذ قرارات قد تتناقض مع أيديولوجياتها الراديكالية الأصلية. ذلك أن إدارة الدولة تتطلب وضع سياسات عملية تتعارض في كثير من الأحيان مع الرؤى الطوباوية، مثل إنشاء دولة إسلامية نقية، أو فرض تفسيرات صارمة للشريعة. كما أن حكم دولة ما يتطلب توازناً بين المصالح المتنافسة داخلها، وإدارة المطالب المجتمعية المتنوعة، فضلاً عن الانخراط في الأنظمة الاقتصادية العالمية. وبالتالي، تجد هذه الحركات نفسها مضطرة لتنفيس تشددها الأيديولوجي لضمان قدرتها على الحكم بفعالية.
تتسارع التغيرات في الداخل السوري وتظل التساؤلات والشكوك قائمة بشأن كيفية تأثيرها وتجليها في طبيعة وتركيبة النظام الذي سيحكم دمشق مما يبقي المستقبل مفتوحاً على العديد من الاحتمالات خاصة أن الوضع الداخلي يسوده الترقب في ظل تفاقم التوتر وتعقيدات الوضع في الشمال، واستمرار خروقات جيش الاحتلال الإسرائيلي وتعدياته في الجنوب.
بواسطة سلوى زكزك | ديسمبر 19, 2024 | Cost of War, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
يتم تسويف قضايا النساء بذرائع متعددة على الدوام، مرة بذريعة الحرص على الأخلاق العامة، ومرة أخرى بذريعة عدم المواجهة مع قوى الأمر الواقع، ومرات بذرائع تنبع فجأة من خبايا السنين وتصير حاضرة بقوة مثل طبيعة المرأة البيولوجية، أو التشريح الوظيفي لدماغ المرأة، وصولاً إلى عدد حبات الدموع التي تذرفها النساء بسبب ضعفهنّ العاطفي وطبيعتهنّ الهشة والرخوة في مواجهة تفاصيل الحياة.
النقطة الجوهرية والأكثر عنفاً، هو أن كل ما سبق وسواه الكثير لا يقال على ألسن النساء، ولا يذاع على منابرهن أو في جلساتهن النسائية الخاصة. كل ما سبق وأكثر منه سوءاً وتمييزاً يُقال بالنيابة عن النساء! تخيلوا أن نحبس كائناً في الزاوية المعتمة، ثم، نسمي أنفسنا ناطقين باسمه، ثم قائدين لصمته وانكساره لنصل إلى لحظة الانكشاف الحقيقية وهي إعلان عنفنا المباشر، مصادرتنا الحصرية لحقوق النساء حتى في التعبير عن أنفسهن! إنها وببساطة حلقة متكاملة من العنف المكرس، المدار بخبث، والمعمم بصلافة وإنكار همجي.
بعد فرار طاغية سورية، بدأ عهد جديد، تمناه السوريون والسوريات عهداً للحريات والمساواة، لكن الواقع انكشف عن واقع مستجد أجهض أحلام السوريين وخاصة السوريات ببزوغ فجر حرية جديد، فجر يعترف بالشراكة بل وينشدها لتكتمل دورة الحياة الإنسانية بين النساء والرجال وبين دولة مؤسسات، تحمي ولا تظلم، تمنح ولا تحرم، تبسط الأمان كما السيادة، وتؤسس لغد حر وكريم لكافة أبناء وبنات البلد.
فجرت المقابلة مع الناطق الرسمي بإدارة العمليات العسكرية عبيدة الأرناؤوط سيلاً جارفاً من الانتقادات والرفض المباشر الفردي والجماعي، ومازال يتردد صداه، ويمكن اعتبار الردود الجماعية الحادة وغير المستكينة وكأنها المعركة الأولى والأكثر شراسة مع العهد الجديد.
إن كل تصريحاته وأقواله التي قدمها بصورة التفافية، بطريقة تبدو لطيفة لكنها تسويفية أجلت ما هو مطلوب إعلانه بصورة واضحة وحاسمة. كما كانت تصريحات رخوة و قاضمة لحقوق النساء، تصريحات أشعلت معركة لن تخسرها النساء أبداً. والأهم أنه تعرض وبأذى مباشر إلى كرامات النساء السوريات عبر إنكاره لكل التراكم المادي والفكري والعلمي والثوري الذي أسسته وراكمته السوريات وخاصة بعد اندلاع الثورة السورية سنة 2011. إن إنكاره للقوة الحية للنساء السوريات وادعاءه بحقيقة مزيفة تماماً وهي، أن الطبيعة البيولوجية للنساء تعيق تمتعهن بالعمل إلا في مجالات محددة مثل التعليم والخدمة الاجتماعية، تُعد انكشافاً علنياً وحقيقياً لآراء وتوجهات العهد الجديد حيال النساء السوريات. لقد مثلت هذه التصريحات إقصاءً معلناً وواضحاً للنساء السوريات. إن الرفض الإقصائي لحضور السوريات الفعلي في المجالات العامة بكافة أشكالها، قد استنهض قوة النساء، لم يتركن حرفاً دون شرحه، دون الاعتراض عليه، وتفنيده وتقديم خيارات بديلة مع أدلة من خبرات النساء السوريات وإنجازاتهن رغم كل الظلم الذي عانين منه. طالبن بإقالة المذكور عبيدة الأرناؤوط واعتبرن أن تصريحاته قد دقت ناقوس الخطر.
إن الإرث الواسع من تهميش النساء يحتاج إلى قلب بنيوي وقطيعة مع كل أدوات الاستبداد القديم والجديد، والحقيقة التي يجب إعلانها دوماً أن النساء السوريات لطالما سبقن القوانين والأعراف وتجاوزن بإرادة ذاتية معلنة وخفية، كل العثرات والتحريمات القطعية لانطلاقتهن نحو مجازاتهن المرادة والمطلوبة بقوة، بل والممارسة بصلابة منقطعة النظير.
لا تنتظر النساء المكافأة على صبرهن على الاستبداد الطويل، ولا على بقائهن وحيدات في مواجهة تغييب الشركاء من الرجال آباء وأزواج وأبناء وأخوة. لا تطلب السوريات تمجيداً عاطفياً فارغاً على ثورتهن وانخراطهن في تفاصيل الساحات العامة والخاصة بوضوح وغيرية نبيلة، متظاهرات، معتقلات، طبيبات وصحفيات وكاتبات، معيلات لعدة أسر ومدافعات عن الرجال. المبدأية في طرح قضايا النساء لا تنتظر شكراً من أحد، لكنها تتطلب اعترافاً واضحاً وعلنياً تبنى عليه شراكة متساوية، شراكة وطنية من أجل بناء البلد حراً كريماً لجميع أبنائه وبناته.
يبدو المشهد العام جلياً وواضحاً اليوم، هناك سعي حثيث وفج لخطف كل القيم التي ناضلت النساء من أجلها مع بعض الشركاء الرجال الداعمين لتثبيتها ونيلها، لكن المواجهة اليوم فعلياً هي مواجهة صادمة وحقيقية، لأن النساء السوريات لن يتخلين عن إرثهن النضالي العظيم، عن سعيهن المعلن والواضح لقطع الطريق أمام قوى الظلام والتعنت والإقصاء. المواجهة اليوم ليس فقط من أجل تثبيت الحقوق لكن من أجل استعادتها طالما باتت مهددة بالخطر.
تطالب النساء دوماً بالعدالة وبالمساواة، ويؤكدن دوماً على أن مستقبل أي بلد برجاله وأولاده وبناته لن يكون حراً وكريماً دون حضور النساء الفعال. إن المظاهرات الضخمة التي طالما تعطش لها السوريون والسوريات هي أكبر دليل على أن الخيارات معلنة واضحة تحت سقف الشعار الوطني الأول (سوريا للجميع).
بعد كل إنجاز مهما كان بسيطاً تراكم السوريات قوة مستجدة لتكسر حلقات الهشاشة المراد تثبيتها وبالتالي يتم عبرها لجم النساء عن الحضور العام. بعد أن أسقطت نضالات الشعب السوري أقسى نظام طغيان لن يعجزوا عن إبقاء جذوة الثورة والأمل بالغد الكريم، الغد الحر، الرحب، الديمقراطي، المدني، الآمن للجميع، ستواصل النساء طريقهن الطويل رغم كل الانحرافات المفروضة بلطف وادعاء واهن ومزيف، لن تسلم النساء الراية حتى تحصيل الحقوق من أجل أن يحيا جميع السوريين والسوريات بحرية وكرامة.