العلاقة بين الزمان والمكان والشخوص في القصة القصيرة السورية 

العلاقة بين الزمان والمكان والشخوص في القصة القصيرة السورية 

مع تبلور القصة القصيرة كجنس أدبي؛ خرج الحدث من حالة اللاتعيين التي كان يتسم بها في الحكاية، فقد صار له فضاء مكاني وزماني، ولم يعد الزمان كان يا ما كان، والمكان عائماً خيالياً، أماً الشخوص فقد تنوّعت وصارت بصفات محددة وليس على سبيل التعميم كما كانت ملكاً أو صياداً أو أميراً…

يحكم هذه العناصر الثلاثة علاقة تفاعلية مع بعضها بدرجات مختلفة، وذلك في سياق النص القصصي، وتتبدى هذه العلاقة وفق منطلقات ثلاثة هي:  

العلاقة من منطلق الزمان

ليس من الضروري أن يكون الزمان في القصة زماناً كرنولوجياً، والذي يعني تسلسل الأحداث وفق تاريخ وقوعها. فالزمان هنا؛ هو زمان فني يأتي بصيغ مختلفة وفق تقنية الكتابة التي يعتمدها الكاتب.   

تحديد الزمــان قد يأتي بشـــكل غير مباشــر كما في قصة (الجمار) لأنيس إبراهيم، حيث الزمان يتحدد بتبديات الطبيعة، سقوط الجمرات، والحدث يتمحور ويتمفصل على هذه التبديات، سقوط الجرة الأولى.. الثانية.. الثالثة.

تتضح علاقة الزمان بالمكان والشخوص في هذه القصة، فالزمان يحدده سقوط الجمرات من الجمرة الأولى، والمكان الأرض التي تسقط فيها الجمرات والشخصية هي أنثى “بادية” التي ينعكس سقوط الجمرات في كيانها كما الأرض، فالعناصر الثلاثة تتناغم مع بعضها في سياق سردي محكم حتى نهاية القصة.

بينما نجد في قصة (مسافر نسيه القطار) لوليد معماري أنّ الزمان محدد بشكل واضح في مطلع القصة “دخل المدينة ساعة منتصف الليل..” رغم ذلك تبدو علاقة الزمان بالمكان علاقة مشوشة وعلاقة الشخصية بهما مرتبكة. تمضي القصة بنقلات سردية يحكمها تحديد الزمان، الذي يحدد بدوره المكان وتواجد الشخصية وحالتها حيث تعاني هنا من فائض الزمان، مما يشعرها بالضياع والفوضى “تحت ضغط ميوعة الوقت” في الساعة الواحدة “ساحة باب الفرج، في الساعة الثالثة في محطة القطار…في الساعة السادسة فاته القطار ونفد الزمان وصار له معنى آخر، يمكن اعتبار هذه القصة قصة زمان بامتياز. 

علاقة الزمان بالمكان تأخذ طابعاً آخر في قصة (القطار) لجورج سالم، ففي هذه القصة يندغم المكان بالزمان، وصولاً إلى تحقيق حالة ينطبق عليها مصطلح الزمكان أدبياً، علماً أن دلالة المصطلح أدبياً تقترب منها علمياً، والتي تعني أيضاً “دمج مفهومي المكان والزمان ضمن استمرارية معينة” وهذا المفهوم يعود لــ”هيرمان ميتوفسكي” وقد صاغه على أساس نظرية النسبية بعد ثلاث سنوات من وضعها من قبل ألبرت أينشتاين. 

في هذه القصة يشكّل القطار مكاناً وزماناً للحدث، فالحدث يبدأ زمنياً من لحظة اكتشاف الشخصية بأنها على متن القطار دون أن تدري كيف وصلت إليه، وسيرورة الحدث تمضي مع سير القطار.. 

من ناحية العلاقة بين العناصر الثلاثة؛ تبدو الشخصية غير متوافقة مع ما يجري، تشعر بغربة وبخلل كبير لا يمكنها ضبطه، فهي منصاعة مع سير القطار (الزمكان) بلا إرادة، وهذا يحيلنا إلى مسألة تشوه المكان ببعده الرابع، الزمان وفق النسبية أيضاً.

العلاقة من منطلق المكان

لا يمكن للمكان أن يكون حيادياً في العمل الأدبي، بعبارة أخرى”المكان ليس بريئاً” ووفق جماليات المكان لغاستون باشلار “المكان الذي ينجذب إلى الخيال لا يمكن أن يبقى لا مبالياً، ذا أبعاد هندسية وحسب.”

علاقة العناصر الثلاثة من منطلق المكان نراها في قصة “السبعا وأربعين” لسعيد حورانية، فالمكان هو من يرسم حدود الزمان وطبيعة الشخوص ويشترع العلاقة بينها.

المكان في القصة مكانان؛ مكان متحرك “الباص” ومكان ثابت ” العراء الذي يمضي فيه على طريق الرقة، وشخوص القصة مشتتة بينهما خوفاً من تعطل الباص، والزمان بدأ في المكان المتحرك واستمر زمان ترقب وخوف. المكانان لا يلبثا أن يتوحدا في مكان واحد عند تعطل الباص ليصبح وكأنه جزء من العراء. علاقة الزمان بالمكان في هذه القصة تكون في حالة تقاطع حيناً وتواز حيناً آخر، أماّ بالنسبة للعلاقة مع الشخوص فهي مشوشة مرتبكة عند البعض متسقة عند الآخر، وذلك حسب قربه وبعده من البيئة، فالمعلم الدمشقي يبدو غير منسجم لا مع المكان ولا الزمان، بين الآخرين يبدو كل شيء عندهم معتاداً مألوفاً.

يأخذ المكان سمات مختلفة في قصة “الأرض القديمة” لناظم مهنا، فالمكان تاريخي باسمه ومكوناته رغم ذلك ليس حقيقياً، والشخوص كذلك، ولا بد للزمان من أن يكرّ إلى الوراء ليتسق مع المكان والشخوص.

في هذه البيئة لا يمكن فصل الزمان عن المكان أساساً، ولكن ليس وفق مصطلح الزمكان، فالحدث هنا كيفما انتهى هو حدث سالف، ولا يمكن أن يكون محمولاً على تغيير ببعد مستقبلي. 

  في قصة (هذه المرة) لإبراهيم صموئيل لا تحديد للمكان ولا للزمان، غير أن ذكر أشعة الشمس بشكل عابر يشي بأن الوقت نهار وعلى الأرجح في الصباح، أماّ المكان فمن سياق الحدث نخمّن أنه يمكن أن يكون في المنزل.

تبدو الشخصية التي تروي الحدث غير عابئة بالزمان والمكان، مأخوذة بالحدث البسيط والمفاجئ في مجراه والمفجع في نهايته، وكأن المكان لم يحدد لعدم أهميته ولضعف دوره في الحدث وبما يؤول إليه.

العلاقة من منطلق الشخوص:

الشخوص في القصة هي من يقوم بالفعل ومن يعبّر عن تبدلات الإحساس والشعور.  قد تكون موصوفة بالهيئة (الفيزكس) أو جوانية تعبر عن نفسها وسماتها بالموقف والفعل. 

 بغض النظر عن التنظير لنماذج الشخوص بسيطة أم مركبة… من المفترض أن تكون حاملة للدهشة، فليست كل شخصية قادرة على الحضور في العمل الأدبي بأثر جمالي.

 تختلف علاقة الشخوص بعنصري الزمان والمكان، ففي قصص ما تكون الشخصية حاضرة بقوة، كما في قصة (فارس) لاعتدال رافع، الشخصية في القصة هو (أبو شفيق) والمكان هو (مقهى أبو شفيق) المعروف في مدخل دمشق الغربي، والزمان غير محدد، يمكنه اعتباره زمان استمرار أبو شفيق في المقهى.

علاقة الشخصية بالمكان في هذه القصة علاقة تناغم واتساق، فهو الناظم للمكان والمتحكم به، بينما العلاقة بالزمان إشكالية يحكمها التناقض بين ما مضى والآن، بين المتغير الذي يرفضه أبو شفيق، فهو يجهد لأن يوقف الزمان على ظرف وحال معين. 

 نجد في بعض القصص شخوصاً ليست آدمية، حيوان كما في (حكاية الرجل الذي رفسه البغل) لوليد معماري، (النمور في اليوم العاشر) لزكريا تامر، أو نبات كما في قصة (شجرة الغَرَب) لإبراهيم الخليل. في هذه القصص تقوم علاقة هذه الشخوص بعناصر القصة الأخرى على أنسنتها، إن كانت العلاقة مع الزمان أو المكان، والأخص علاقتها بالشخوص الأخرى.

قد تأتي شخصية القصة جماداً كما في قصة (التمثال) لإبراهيم خريط. التمثال هو تذكار لشاعر ميت وعلاقته بعناصر القصة، خاصة شخوصها الأخرى تنهض على إرث هذا الشاعر، وكأنه ما زال حياً، أي كأنه شخصية القصة الحقيقية. 

هناك شخوص تتصف بخصوصية مميزة كما في قصص زكريا تامر، حيث تقترب شخوص قصصه من شخوص أعمال الواقعية السحرية، وهي ذات تفاعلية وعلاقة وطيدة كبيرة مع المكان والزمان، نجد ذلك في قصة (موت الياسمين)، فالشخصية معلمة مدرسة وهي واقعية بوجودها وسماتها لكنها ليست كذلك بما يتعلق بالحدث.

تلعب التفاعلية بين العناصر الثلاثة: الزمان والمكان والشخوص؛ دوراً كبيراً في نجاح وتميّز النص القصصي، حتى في التجارب القصصية التي نحت باتجاه التجريب والتجريد لم يسقط أي من هذه العناصر، بل أخذت طابعاً افتراضياً تخيلياً.

حين يصبح الحرف موقفًا: منير الشعراني يتكلّم

حين يصبح الحرف موقفًا: منير الشعراني يتكلّم

استطاع الفنان منير الشعراني أن ينتقل بالخط العربي من أداة للتواصل، وفنّ تطبيقي إلى فن تشكيلي ولوحات فنية عصرية لافتة للانتباه، بما يكشفه ويضفيه على الكتابة والخطوط التقليدية من جماليات التشكيل بأبعاد مختلفة وعبر رؤيته التجديدية الخاصة، أقام الفنان معرضاً للوحاته في حمص بالتعاون مع مؤسسة تراثنا على المسرح الأرثوذكسي العريق في المدينة، فكان لنا هذا اللقاء معه:

يجدر بالذكر أن الفنان منير الشعراني من مواليد سلمية 1952 عاش في دمشق وتعلم فيها الخط، ثم درس في كلية الفنون الجميلة وتخصص بالتصميم الغرافيكي.

ضد قتل السوريين في كل مكان وضد القتل عموماً

السؤال الأول: في كل حدث كان يمر على البلاد كنا نشاهد لوحة أو ملصقًا للأستاذ منير الشعراني. هل ترى اللوحة أو الملصق مشاركة لمعاناة الناس أم إشهار لموقف؟

أرى الاثنين يتفاعلان مع بعضهما ليعبرا عن الموقف وليقوما بالدور المطلوب، ويتكاملان ليصلا إلى الناس، نعم اللوحة والملصق مشاركة وإشهار موقف بشكل مرئي، فالناس غالباً ليس لديها وقت لقراءة منشورات طويلة، بينما يصل محتوى الملصق للناس بشكل أسرع، وكنت أفعل ذلك لأني معني بإظهار موقفي  فأنا، علاوة على كوني فناناً، واحد من المواطنين السوريين يهمه ما يجري في سوريا، وهذا ليس بجديد فأنا لدي اهتمام سياسي لوحقت من أجله 25 عاماً أي منذ عهد حافظ الأسد، بقيت  خلالها خارج البلد ولم أستطع العودة إلا في عام 2004 بعد عفو عام، وبقي موقفي واضحًا ومعلنًا بعد ذلك مع شعبنا وحريته وقضاياه، وضد ما يجري بحقه من قمع وعسف، لمواجهة إرادة الناس ومطالبها بالحرية والديموقراطية والمساواة، فكنت مع الحراك وانتفاضة شعبنا عام 2011 منذ البداية، إضافة لذلك شاركت بتأسيس (تجمع التشكيليين  السوريين المستقلين) ونشاطاته المناهضة للنظام البائد والداعمة لانتفاضة الشعب، وبإدارة صفحته على الفيسبوك، وصفحة (الفن والحرية) التي كنا ننشر فيها أعمالًا لفنانين يقفون في صف الانتفاضة والنضال السلمي، إضافة لما كنت أنشره على صفحتي الخاصة، وبعض مانشرته آنذاك معروض هنا في المعرض. 

ومازال موقفي في صفّ شعبنا وقضاياه مستمرًا حتى اليوم، لأنه ما زال أمامنا الكثير مما يجب فعله بعد سقوط النظام البائد. ولم يتوقف تصميمي ونشري للملصقات، ففي أحداث الساحل، أقصد مجزرة الساحل، كان لي موقف واضح ونشرت ملصقًا في مجموعة “أنقذوا” بعنوان “أنقذوا الساحل” ثم بعد ذلك نشرت أيضاً ملصقات مشابهة في أحداث جرمانا وصحنايا و”غزوة” السويداء.

أنا ضد قتل السوريين في أي مكان، وضد القتل عموماً، وهذا الموضوع يعنيني مباشرة وأجد من الواجب علي أن أعلن موقفي وأساعد الناس على إعلان موقفهم منه.

السؤال الثاني: العبارات المكتوبة في اللوحات هل هي أقوال مأخوذة من فلاسفة أو أشعار أو حكم وأقوال مأثورة، وكيف تختارها؟

العبارة بالنسبة لي هي مسألة أساسية فأنا منذ بداية عملي الفني، لا أتبنى نظرية الفن للفن، بل أرى أن للفن دوراً مهماً ويجب أن يكون له دور مؤثر في كل وقت، وبالتالي فكل العبارات منتقاة بعناية، وهذا حدث وما يزال بطريقة تراكمية وعلى مدى سنوات طويلة كنت خلالها أجمع كل ما يقع تحت نظري من مقولات مكثفة وبليغة تتفق مع رؤيتي للحياة والإنسان والحق والخير والجمال والحرية، وكنت أحياناً أقرأ بصورة قصدية مؤلفات محددة كديوان المتنبي لأخرج من شعره أهم ما فيه من حكمة وغير ذلك مما له علاقة بالإنسان والقيم وكذلك فعلت مع المعري. كذلك الحال مع القرآن الذي ركزت في اختياراتي منه على ما لا علاقة له بالميتافيزيقيا، مما يتعلق بالناس وشؤونهم وحياتهم والقيم العليا، وكذلك فعلت مع الإنجيل والمتصوفة، بالإضافة إلى الأقوال المترجمة لكتاب وشعراء أجانب. أختار العبارة بحيث تكون متسقة مع فكري وتصوراتي عن الإنسان والحياة والحب والجمال، ومحتوى كل عبارة يجب أن أكون مقتنعاً به وأرى فيه ما يمثلني، وبالتالي يمكن قراءة توجهي الفكري والإنساني من خلال مجمل أعمالي.

السؤال الثالث: تتعامل مع الخط كلوحة فنية فماهي الجمالية التي وجدتها فيه لتحول الخط إلى لوحة؟

المسألة متكاملة: الإنسان حين يتربى على امتلاك الذهن النقدي يكون نقديًا تجاه كل القضايا والمسائل ومنها الخط العربي في حالتي،  الخط كان مستنقِعًا برأيي، لأن الخطاطين حتى الآن مازالوا يعيدون إنتاج الخطوط التقليدية بنفس الآلية وبنفس الطريقة وبنفس القواعد، و في رأيي أن هناك إمكانيات لتطوير الخطوط قد عرقلت أو أهملت، وأن هناك خطوطًا أبعدت أو استبعدت من الصورة، وكان ممكناً أن يكون هناك تجديد يضيف شيئًا ويطور أشياء لأن قراءتي لتاريخ الخط تؤكد انه كان حياً يتطور ويتنامى ويتجدد طوال فترات الصعود الحضاري، وحين توقفنا عن هذا الصعود وخضعنا للاحتلال العثماني بدأ هذا الانحدار والاستنقاع واستبعاد كثير من الخطوط التي كان يمكن الاستمرار بتطويرها لتعطينا إمكانيات فنية عالية لدرجة أن الخط تحول بأذهان الناس إلى فن تقليدي، لكتابة عبارة مقدّسة تزين بها البيوت، أو لأشياء من هذا القبيل، بعد أن كان له دور معرفي مهم ومرتبط بالحضارة والتطور، الأمر الذي افتقدناه، و ما حاولته في تجربتي كان لتغطية هذا الجانب، وهذا يقتضي العمل على التطوير من حيث الشكل والمحتوى، ومن حيث علاقة العبارة بخطّها، وإنجاز العمل الفني بوسائل متطوّرة بعيداً عن الوسائل التقليدية، هذه المنظومة المتكاملة عملت عليها لتكون بالنتيجة مختلفة عما نرى من حيث المحتوى والشكل.

وانا أرى أن الخط العربي يحل إشكالية طرحت كثيراً تتعلق بموضوع الشكل والمحتوى وعلاقتهما ببعض فالخط العربي فن تجريدي، لكننا بالوقت نفسه نستطيع من خلال لوحة الخط العربي المشكلة من خط لعبارة أن نجعله جامعًا للشكل ولمحتوى منسجم مع روحه، ويستطيع المتلقي أن يتعامل معه من حيث الشكل والدلالة في الوقت نفسه.

السؤال الرابع: على هذا هل تعتقد أنك قادر أن تصل إلى المتلقّي بسهولة وأن لوحتك تصل إليه ويقرأ العبارة بسهولة؟ 

لا، عمومًا ليست لوحة الخط العربي وحدها لا تصل بسهولة إلى المتلقّي،  فحتى اللوحة التصويرية (الرسم مثلًا) لا تصل إليه بسهولة ولا تصله كل التفاصيل مباشرة، أول عامل مهم يجب أن يكون متوفرًا هو أن  تمتلك اللوحة عامل جذب بصرياً للمتلقي يدفعه للتفاعل معها ومحاولة فك رموزها، والخط العربي كفن حتى في محتواه التقليدي لم يكن محتواه يومًا سهل القراءة إن لم يكن متلقيه حافظًا للنص المشكّل فيه، لكن يمكن أن يفك المتلقّي الكلمات ويعمل على إعادة تركيبها ليصل إلى العبارة التي تحتويها، وهذه العبارة  تقوده إلى آفاق جديدة لرؤية العمل ثانية وبشكل متجدد، فالعمل الفني لا يُرى بنظرة واحدة ولا يُحل بنظرة واحدة، لكن  التفاعل معه قد يضيف للمتلقي أمورًا عديدة من الناحية الفنية ومن الناحية البصرية ومن ناحية المحتوى .

السؤال الخامس: كيف وجدت الإقبال على المعرض؟

الحقيقة أنا متفاجئ، نحن للأسف لدينا مركزية في كلّ شيء، ودمشق هي المكان الذي تحدث به معظم الأنشطة والفعاليات، لذلك سبق لي وعرضت في حمص، وكان الإقبال جيدًا أيضًا، لكني لم أتوقع ان يكون هذا الإقبال مستمرًا بعد الافتتاح ولطوال مدّة المعرض، وسرني أن الجمهور متعدد ومتنوع يضم شبابًا وكبارًا من أجيال ومشارب مختلفة ومن المهتمين بالثقافة والاطلاع على جديد لا يعرفونه، فحتى في دمشق وهي المركز يحدث الازدحام عادة في الافتتاح ثم يقل الحضور في الأيام التالية كثيرًا؛ في حمص بالإضافة إلى ما سبق كان هناك أناس كثيرون مهتمون بالاستفهام عن مسائل فنية ومسائل لها علاقة بالمحتوى وعلاقتهما في تجلي العمل، وعن كيفية  رؤيتهم  للوحة، مثلاً حضر ثلاثة مطارنة واستغرق كل منهم وقتاً طويلاً في تتبع العبارات ومعانيها وتجليها الشكلي وحدثت حولها وحول مصادرها حوارات وأعجبوا جميعًا بالخيارات وتشكيلها الخطّي، كذلك تفاعل كثير من الناس مع شكل ومحتوى العبارات فشدتهم الأعمال من حيث الشكل وتفاعلوا مع العبارات التي وظفتها في لوحات المعرض. 

السؤال السادس: هل لديك تجارب في فنون تشكيلية أخرى أم اختصيت بالخط العربي فقط؟

أنا خريج فنون جميلة مختصّ بالتصميم الغرافيكي وعملت بتصميم الكتب والشعارات والملصقات والهويات البصرية طويلًا، وأنا خطاط قبل ذلك كلّه، فقد أولعت بالخط منذ الصغر وبدأت بتعلمه في سنتي العاشرة، وصرت بالخامسة عشرة خطاطاً معروفاً في محيطي، وبعض من يحتاجون إلى الخطّ كالمطابع ومكاتب الدعاية والإعلان، قبل أن يبتدئ مشروعي الفني الذي أشعل شرارته تراكم الأسئلة حول الخط الكلاسيكي الذي تمّ تنميطه وصار تقليديًا، ألحّ علي السؤال: ماذا بعد؟ هل سنبقى نكتب بنفس الأنواع والأساليب التي وصلتنا وكتب بها السابقون؟ هل علينا أن نستمرّ في تقليدهم؟ أم أن من الضروري أن نضيف إلى ما أنجزوه؟ وهل علي أن يكون لي بصمتي الخاصة، فأعمل على المضيّ إلى الأمام في إنجاز ما أستطيعه إضافة أو تطويرًا أو ابتكارًا؟
كنت أرسم وأخطط وقد درست في مركز أدهم إسماعيل للفنون في دمشق أثناء دراستي الثانوية، وكنت أشارك في المعارض المدرسية بلوحات رسم وأعمال فنّية أخرى،  ثم التحقت بكلية الفنون الجميلة واخترت التصميم الغرافيكي  كتخصص، وكان مشروع تخرّجي بعيدًا عن الخط، استخدمت فيه  الصورة الفوتوغرافية والمونتاج والطباعة بالشاشة الحريرية، وكان مجموعة ملصقات إعلانية موضوعها “القمع والتسلط العسكري” وكان ممكنًا حتّى ذلك الوقت ومتاحاً للطالب حسب نظام الكلية اختيار الموضوع الذي يريده لمشروع تخرجه، ليتم تحكيمه من الناحية الفنية من قبل لجنة من الأساتذة، لكنهم منعوا حضور نقاش المشروع  وتحكيمه لأي كان من الطلاب وحتى من أهلي، وقد كان ذلك في آذار 1977 فتخرّجت بتفوق وكنت الأول على تخصصي.

السؤال السابع: في هذا السياق أود أن أسألك ما رأيك حالياً بمنع الموديل العاري في كلية الفنون الجميلة؟

حين دخلنا الكلّية ودرسنا فيها كان لدينا موديلات بالكلية وهم موظفون ويتقاضون راتباً لقاء ذلك، وكان هناك موديلات تأخذ أجرًا على كل مرّة يقفون فيها أمام الطلاب ليرسموهم، واستمر ذلك بعد تخرجنا حتّى بداية الثمانينات، بخلاف ما ادّعاه عميد كليّة الفنون الحالي من أن الموديل  قد منع منذ عام 1974؛ هذه الموديلات كانت تقف عارية تماماً، وأذكر أنه كان هناك موديلان هما أم وابنتها وكانتا مصريتان، كما كان هناك موديل سورية اسمها ميري، وأذكر أن الممثلة نبيلة النابلسي وقفت عدة مرات كموديل قبل أن تصبح نجمة، كما كان هناك موديل اسمه أبو الفوز، ولم يكن الغرض من الموديل العاري رسم العري، لكنه كان ليفهم الطلاب التشريح الذي ينبني عليه كل شيء في رسم الأشخاص بكلّ الأساليب.

منع الموديل لم يأت بقرار في الثمانينات، لكنه منع بقرار شفوي من عميد تولى المنصب وكان ذا عقلية متزمتة، وصار الطلاب يرسمون بعض التماثيل بدلًا من الموديل الحي، أو يجلسون أمامهم شخصًا بثيابه ليرسموه، هذه التماثيل معروفة وتستخدم كوسيلة مساعدة في كليات الفنون الجميلة في العالم للتمرين على رسم  الوجه والجسد إلى جانب الموديل الحي الذي يساعد على فهم الحركة وتغيرها بشكل حيوي عبر رسمه من زوايا مختلفة وبأوضاع متعددة، بعد ذلك أتى عميد آخر سار على خطا الذي سبقه ودعمه النظام في مراضاة ضمنية للاتجاه الإسلامي الذي كان النظام البائد يود الاستمرار في استمالته واسترضائه وتحييده خلال المواجهة مع الحركة الإسلامية  المسلحة في الثمانينات وهذا الاتجاه هو من أفرز في مجتمعنا القبيسيات ومدارس تحفيظ القرآن التي ملأت البلد أكثر من المدارس التعليمية.

مسائل جديدة بحاجة إلى حل 

السؤال الثامن: لماذا اخترت حمص لإقامة المعرض بعد (التحرير)؟

تقصدين سقوط النظام، فهناك فرق، أنا معارض قديم للنظام البائد منذ سنوات الأب، لكني اليوم حين يقال انتصرت الثورة، أرى هذا غير صحيح نعم سقط النظام، لكن   المطالب الأساسية التي طالب بها شعبنا لم تتحقق، وصار لدينا مسائل جديدة تحتاج إلى حل، لقد انتقلنا من أحادية الاستبداد والفساد، إلى أحادية اللون المذهبي، والتمييز بناءً عليه.

الحقيقة كان قد تشكل لدي موقف من أسلوب عمل وزارة الثقافة، وأسلوبها في العمل والتعاطي مع الثقافة عمومًا، وفي تعاطي مؤسساتها وغيرها من المؤسسات مع موضوع الفنون والفنون التشكيلية خصوصًا ومن زوايا مختلفة، وأتى القرار الذي صدر في كلية الفنون الجميلة، وما جرى بموضوع سينما الكندي، وغير ذلك من تفاصيل دفعتني إلى أن أقرر الامتناع عن العرض في الصالات الحكومية في دمشق، ولم أكن أرغب أن يبدو غرضي من العرض ماديًا لو تمّ في صالة خاصة بعد امتناعي عن العرض لأكثر من 14 سنة. 

كنت قد تعرفت على مؤسسة “تراثنا” منذ عدة سنوات ورأيت الأفكار التي يعملون عليها مفيدة ومثمرة ولها علاقة بما نحرص على تحققه واستمراره بشكل صحيح في مجال التراث، والترميم، والذاكرة، والتاريخ، لهذا وافقت على دعوة المهندسة لمى لإقامة المعرض في صالة المسرح الأرثوذوكسي، أما بالنسبة لدمشق فسأقيم معرضي فيها في مرسمي على الأغلب.

بعد آخر معرض لي في حمص توقفت عن العرض طوال 14 عاماً لأني كنت ضد محاولة النظام إظهار أن الأمور عادية وطبيعية بينما كنت أراها غير عادية أو طبيعية فلقد كان القتل والتدمير والتهجير شغالًا في البلد، لذا كنت أرفض إقامة معرض لأعمالي خلال السنوات الماضية، ولم أكن أود أن أعود للعرض بطريقة تعبر عن رضى بأشياء غير مرضية بعد هذه الغيبة فما يهمني الآن أولًا أن يكون معرضي فنيًا وثقافيًّا أولاً، وأن يحمل رسائل جمالية ومعنوية.

بوبليليوس السُّوْرِيُّ: مَنْ يَحْرِمُ وَطَنَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ

بوبليليوس السُّوْرِيُّ: مَنْ يَحْرِمُ وَطَنَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ

     ازدهرَ بوبليليوس السُّوري (Publilius Syrus) في القرنِ الأوَّلِ قبلَ الميلاد، ولدَ في أنطاكيا، وعاشَ فيها إلى أن تعرَّضَ للأَسْرِ من قِبَلِ القوات الرُّومَانيّة، وأُبْحِرَ بهِ على سفينةٍ ليُباع عبدًا في روما، وذَكَرَ عالِمُ الطبيعيات الرُّومانيّ بيلني الأكبر Pliny the Elder (23-79 م) في كتابهِ “التَّاريخ الطبيعيّ (35 ,§199)” أنَّ بوبليليوس السُّوريّ وصلَ إلى روما على مَتْنِ السَّفينة نفسها مع مانيليوس السُّوريّ الفلكي (Manilius the astronomer) وستابيريوس السُّوريّ النُّحوي (Staberius the grammarian)؛ وهذا يدلّ في ذلك الوقت على مدى انحطاط الرُّومان آنذاك، إذ كانوا يختارون صفوة السُّوريين ويقومون ببيعهم عبيدًا في أسواقِ النِّخاسة في روما.

   ظل بوبليليوس عبدًا لأمدٍ قصير، لكنَّ مواهبَه وفضائله في شبابهِ دفعت سيّده إلى أن يقومَ بعَتْقِهِ، واستطاعَ أن يتقنَ اللغة اللاتينيّة ويثقِّف نفسه بثقافة عصره، وبدأ بكتابة مسرحياتٍ من نوع يُسمَّى “mimes”، أي مسرحيات إيمائية صامتة، وهو الذي ابتكر هذا النّوع من الفنّ المسرحيّ. ولقد حقق نجاحًا كبيرًا في هذا المجال لدرجة أنَّ يوليوس قيصر (100 ق.م-44 ق.م) استدعاه إلى روما للمشاركة في الألعاب العامَّة ومَنَحَهُ وسامَ “النَّخْلة the palm”، وشملت قائمةُ منافسيه المهزومين مؤلِّف المسرحيات الهزليَّة الرُّوماني لابيريوس Laberius (105 ق.م -43 ق.م). انتشرت شعبية التمثيل الإيمائي بشكل كبير بعد وفاته، وتوجد إشارات من الكاتب الروماني بترونيوس Petronius (27 م-66 م) بأنَّ مسرحياتِهِ كانت لا تزالُ تُعرض وصولًا إلى عهد نيرون (حكم من 54 م إلى 68 م). لكن للأسف ضاعت كلها.

    لم تقتصر مواهب بوبليليوس السُّوريّ على كتابة المسرحيات، بل كتب في الـ Sententia أي الحِكَم القِصار أو الشذرات، وصاغها باللاتينية بطريقة إيقاعية، وكان من حِكَم بوبليليوس السوريّ ما شقَّ الآفاق، ومنها حكمة وردت باللاتينية وفق الآتي: (honesta turpitudo est pro causa bona)، وتَرْجَمَتُها الحرفية إلى العربيّة: (“الخطيئة الشَّريفة تكون من أجل قضية عادلة.”) لكن انتحلها نيقولا مكيافيللي (1469-1527 م) وأعاد صياغتها وفق الآتي: “For although the act condemns the doer, the end may justify him,” (Discourses, i.9.). وتَرْجَمَتُها: (“لأنَّه رغم أنَّ الفعلَ يدينُ فاعلَه، فإنَّ الغاية قد تبرِّرهُ.”) ونُقِلت هذه العبارة نفسها إلى اللغة الإنكليزيّة هكذا: (The end justifies the means) وتَرْجَمَتُها إلى العربية: (الغاية تبرِّر الوسيلة)، وشاعت في الأدبيات السياسيّة العربيّة على أنَّها من بنات أفكار مكيافيللي!

    هذا، ولحُسن الحظّ بقيت لنا مجموعة من حِكَمه محفوظة في المخطوطات اللاتينيّة، ونُشرت عدّة نشرات. ونختار في هذا المقام طائفة منها من كتاب: 

J. Wight Duff, Arnold M. Duff, Minor Latin poets; with introductions and English translations, London Heinemann, 1934, pp.14-111.

مختارات من الشَّذرات

I. الحِكْمُةُ مع الحُبِّ نادرًا ما يُمنحان حتَّى لإله.

II. الشَّيءُ الصَّحيحُ الوَحِيدُ الذي يفعلهُ البخيلُ هو المَوْت.

III. يُخفي الزَّمنُ الفاسِدَ ولكن لا بدّ من أن يكشِفَهُ.

IV. ما الذي يمكنُ أن تتمنَّاهُ لبخيلٍ أكثرَ من حياةٍ مديدة؟

V. يجب على المرء ألا يَثِقَ مُطْلَقًا بعقلٍ يُعَاني من الأَسَى.

VI. الحُبُّ مُتْعَةٌ للشابِّ وعارٌ على الشِّيخِ.

VII. المرأةُ العجوزُ المُتقَلِّبةُ المِزَاجِ لُعبَةٌ مُفَضَّلةٌ للمَوت. 

VIII. المرأةُ العفيفةُ تختارُ الرَّجُلَ بعقلِها لا بعينِها.

IX. الزَّمنُ، لا العَقلُ، هو ما يُنهي الحبَّ.

X. الشَّجاعةُ تنمو بالإقْدَام، والخَوفُ بالإحْجَام.

XI. من يَخْشَى نَفْسَهُ يُعاني عذابًا لا ينتهي. 

XII. تحكَّم في مَشَاعِركَ لئلا تتحكَّم فيك.

XIII. التعوُّد الدَّائم على الرَّخاء لَعْنَةٌ.

XIV. قبول الهِبَةِ بيعٌ للحُريَّة.

XV. لا توجدُ سعادةٌ تامَّةٌ إلا وفيها شقاءٌ لآخر.

XVI. الموتُ رحمةٌ إذا أَنْهى آلامَ الحياة.

XVII. الهَرفُ بكلماتِ الخيرِ شرٌّ عَظِيمٌ.

XVIII. يوطَأُ الشِّيُ الجيّد بالأقدام، لكنَّه لن يُمحى البتة.

XIX. الجُودُ يخْتَلِقُ حتَّى الأسبابَ من أجل العطاء.

XX. الفقيرُ الشَّريفُ عارٌ على الأَتْقِياء.

XXI. الاسمُ الحَسَنُ يبقى مُشرقًا حتَّى في الأيامِ المُظلمة.

XXII.قد تُخْفِقُ الأفكارُ الجيّدةُ، لكنَّها لن تضيعَ.

XXIII. غضبُ الطَّيبِ كبرقِ السَّماءِ، سريعُ الزوالِ.

XXIV. إنَّهم إمَّا مُحْتَالون أو حَمْقى أولئك الذين يَظنون أن الامتيازات ليست أكثر من هِبَات.

XXV. طُوبَى لِمَنْ عَاشَ حَتَّى مَاتَ حِينَ شَاءَ.

XXVI. حُسْنُ الذِّكْرِ مِيرَاثٌ ثَانٍ لِمَنْ عَقَلَ.

XXVII. عَلَامَةُ الصَّالِحِ أَنْ لَا يُخَيِّبَ أَمَلًا، وَلَوْ فِي مَمَاتِهِ.

XXVIII. الحَقُّ لَا يَخْشَى حَاكِمًا، وَلَا يَهَابُ مِيزَانًا.

XXIX. لَيْسَ بِصَالِحٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ صلَاحُهُ لِلكُلِّ.

XXX. لَا أَمَانَ فِي مُصَالَحَةِ العَدُوِّ، فَهِيَ وَهْمٌ يُخَادِعُ النُّفُوسَ.

XXXI. الضَّمِيرُ النَّقِيُّ لَا يَلْجَأُ إِلَى أَعْذَارٍ مُتَكَلَّفَةٍ.   

XXXII. أفرَاحُ الأشرَارِ كَسَرَابٍ، سَرِيعًا مَا تَتَلَاشَى فِي دَمارٍ.

XXXIII. “الشَّوقُ إِلَى المَوْتِ يُورِثُ اتِّهَامًا لِلحَيَاةِ.

XXXIV. لِمُوَاجَهَةِ الجَهْلِ، الإِفْرَاطُ فِي سَعَةِ العَقْلِ حُمْقٌ.

XXXV. لَيْسَ شجاعًا، بَلْ وحَشًا، مَنْ يَقْتُلُ طِفْلًا.

XXXVI. العَيْنَانِ لا تُبصِران حِينَ يَشْغَلُ العَقْلَ هَمٌّ آخَرُ.

XXXVII. العِشقُ يَمْنَعُكُ من أن تكونَ حكيمًا، وَالحِكْمَةُ تَمْنَعُكُ من تكون عاشقًا.

XXXVIII. مَا يُصِيبُ وَاحِدًا قد يُصِيبُ الجَمِيعَ.

XXXIX. قَلَّمَا يقوى الإلهُ نَفْسُه ضِدَّ المحظوظِ، فَالحَظُّ حِصْنُهُ.

XL. كَثْرَةُ العَفْوِ تُحَوِّلُ الأَحْمَقَ إِلَى مَاكِرٍ خَبِيثٍ.

XLI. الغَدُ وَلِيدُ الأَمْسِ.

XLII. الحَرْبُ تَسْتَلْزِمُ طُولَ تَهْيِئَةٍ لِتُعَجِّلَ بِالنَّصْرِ.

XLIII. أَتْقَنَتِ المَرْأَةُ فَنَّ الدُّمُوعِ لِلتَّضْلِيلِ. 

XLIV. احْذَرْ عَطَاءَ يَوْمِ، فَإِنَّهُ سَرِيعًا مَا يُسْلُبُ.

 XLV. التَّرَوِّي مَدْرَسَةُ الحِكْمَةِ.

XLVI. التَّرَدُّدُ كَثِيرًا مَا يُفَوِّتُ الفُرَصَ.

 XLVII. اجْتَنِبْ حَتَّى الحُلْوَ الَّذِي قَدْ يَصِيرُ مُرًّا.

XLVIII. أَحْسَبُ الآلِهَةَ تَبْتَسِمُ حِينَ يَنْذُرُ المحظوظُ.

XLIX. المَسَاءُ يَكْشِفُ عَنْ أَصْدِقَاءَ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْعَلُ الفَجْرُ.

L. حَتَّى فِي الجَرِيمَةِ يَبْرُزُ الإخلاصُ في ارْتِكابِها بِصُورَةٍ لَائِقَةٍ.

LI. البَائِسُونَ يَمْلِكُونَ قَلِيلًا مِنَ الفِكْرِ وَكَثِيرًا مِنْهُ فِي آنٍ.

LII. أَحْيَانًا يَلِيقُ بِكَ أَنْ تَنْسَى حَتَّى مَنْ تَكُونُ.

LIII. تَذَمُّرُ البَشَرِ جَعَلَ الحَظَّ إِلَهَةً.

LIV. اجْتِنَابُ الشَّهْوَةِ فَتْحُ مَمْلَكَةٍ.

LV. المَنْفِيُّ بِلَا وَطَنٍ جُثَّةٌ بِلَا قَبْرٍ.

LVI. مَنْ يَحْرِمُ وَطَنَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ.

LVII. حَتَّى الشَّعْرَةُ الوَاحِدَةُ لَهَا ظِلُّهَا.

LVIII. وَيْحَ مَنْ يَشِيخُ بِالخَوْفِ!

LIX. العَالِي المَكَانَةِ أَسْرَعُ تَأَثُّرًا بِالنَّكَبَاتِ.

LX. النِّهَايَةُ دَائِمًا تَسْبِقُ.

LXI. كَثِيرًا مَا يَسُوءُ التَّعَوُّدُ حَتَّى عَلَى الأَشْيَاءِ الجَيِّدَةِ.

LXII. حِينَ تُدَاهِنُكَ الأَقْدَارُ، فَهِيَ تَحِيكُ شَرَكًا.

LXIII. الأَقْدَارُ تُحَوِّلُ مَنْ تُلاطِفْهُ إِلَى أَحْمَقَ.

LXIV. المُسْتَقْبَلُ يُكَابِدُ أَلَّا يَقَعَ فِي قَبْضَةِ أَحَدٍ.

LXV. الصَّبْرُ إِذَا تَكَرَّرَ جُرْحُهُ يَتَحَوَّلُ إِلَى جُنُونٍ.

LXVI. الأَقْدَارُ لَا تَرْضَى بِإِيذَاءِ أَحَدٍ مَرَّةً وَاحِدَةً.

LXVII. الحَظُّ يَخْطُو خُطْوَةً لَا يَرَاهَا أَحَدٌ.

LXVIII. الحَظُّ أَنْفَعُ لِلرَّجُلِ مِنَ الحِكْمَةِ.

LXIX. الشَّجاعَةُ تَضْمَنُ النَّجاحَ في المَخاطِرِ,

LXX. دائِمًا ما يَكُونُ الشَّرُّ الأَكْثَرُ خُطُورَةً هُوَ ما يَخْتَبِئُ بَعِيدًا عَنِ الأَنْظارِ.

LXXI. آهِ، كَمْ هُوَ مَهِيبٌ مَنْ يَرَى المَوْتَ آمِنًا!

LXXII. كَمْ هُوَ مُؤْلِمٌ العَذابُ الَّذِي لا صَوْتَ لَهُ!

LXXIII. آهِ، كَمْ مِنَ الأَسَفِ يَجْلِبُهُ طُولُ العُمْرِ!

LXXIV. آهِ، كَمْ هُوَ بائِسٌ أَنْ تَتَعَلَّمَ أَنْ تَكُونَ خادِمًا بَعْدَ أَنْ نشأتَ عَلَى أَنْ تَكُونَ سَيِّدًا! 

LXXV. الكَلامُ المَعسولُ يَنْضوي على سُمِّهِ الخاصِّ.

LXXVI. يَمُوتُ الإِنْسانُ كُلَّما فَقَدَ أَحِبَّاءَهُ.

LXXVII. الإِنْسانُ مُعَارٌ لِلْحَياةِ، وَلَيْسَ مَمْلُوكًا لَها.

LXXVIII. تَحْتَ القِناعِ، دُمُوعُ الوَرِيثِ ابْتِسامَةٌ.

LXXIX. أَسْمَى المُنافَساتِ هِيَ في الإِنْسانِيَّةِ.

LXXX. أَنْ تَصِفَ نَفْسَكَ بِـ “السَّعِيدِ” هُوَ أَنْ تَسْتَدْعِيَ الكارِثَةَ.

LXXXI. في البُؤْسِ، حَتَّى الحَياةُ تُصْبِحُ إهَانَةً. 

LXXXII. إمَّا الشُّجاعُ أَوِ المَحْظُوظُ هُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَ عَدَمِ الشَّعْبِيَّةِ.

LXXXIV. مَنْ يَكْبَحُ جِمَاحَ نَفْسَهُ يَتَغَلَّبُ عَلَى أَعْتَى الأَعْدَاءِ.

LXXXV. التَّجْرِبَةُ تجعَلُكَ تَخْشَى العَدُوَّ وَلَوْ كَانَ وَضِيعًا.

LXXXVI. الأُذُنُ تَتَحَمَّلُ الخَطَأَ أَكْثَرَ مِنَ العَيْنِ.

LXXXVII. النَّارُ تَحْفَظُ حَرَارَتَهَا حَتَّى في الفُولَاذِ.

LXXXVIII. في الحُبِّ، الأَلَمُ دَائِمًا في حَرْبٍ مَعَ الفَرَحِ.

LXXXIX. الطَّرِيقُ يَمْتَدُّ حَيْثُمَا تَرَكَ السَّابِقُ أَثَرَهُ.

XC. إِنَّهُ لَعَارٌ أَنْ يَلُومَ مَنْ نَجَا مِنَ الغَرَقِ مَرَّتَيْنِ إِلَهَ البَحْرِ.

XCI. َأنْ تَرْتَفِعَ مَعَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ هُوَ العَارُ بِعَيْنِهِ.

XCII. النَّارُ لَا تُلْقِي ضَوْءَهَا بَعِيدًا دُونَ أَنْ تُحْرِقَ شَيْئًا.

XCIII. مَحْظُوظٌ مَنْ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ المَوْتَ.

XCIV. السَّيِّدُ الَّذِي يَخْشَى عَبِيدَهُ أَدْنَى مِنَ العَبْدِ.

XCV. أَن تُتقِنَ الرِّثاءَ هُوَ أَنْ تَعِيشَ ِدُونِ خَطَرٍ.

XCVI. إذا شَرَحْتَ قَوْلًا سَيِّئًا، فَأَنْتَ تَزِيدُهُ سُوءًا.

XCVII. المَرْأَةُ الَّتِي تَتَزَوَّجُ كَثِيرًا تُكْرَهُ مِنْ قِبَلِ الكَثِيرِينَ.

XCVIII. دَوَاءُ الكَارِثَةِ هُوَ رباطةُ الجأش.

XCIX. دَمْعَةُ المَرْأَةِ هِيَ تَابِلُ المَكْرِ.

C. مَنْ يَعْرِفُ قُوَّةَ الكَارِثَةِ لَهُ القُوَّةُ الأَكْبَرُ.

CI. العَاهِرَةُ آلَةُ العَارِ.

CII. لَيْسَ الدُّمُوعُ بَلِ الهَدَايَا مَا يُؤَثِّرُ في العَاهِرَة.

CIII. المَوْتُ حَظٌّ لِلطُّفُولَةِ، مُرٌّ لِلشَّبَابِ، وَمُتَأَخِّرٌ لِلشَّيْخُوخَةِ.

CIV. في سَعْيِكَ لِتَزْيِينِ قَضِيَّةٍ سَيِّئَةٍ، أَنْتَ تُدِينُهَا.

CV. ِإنَّهَا لَخُطَّةٌ بَائِسَةٌ تِلْكَ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ.

CVI. الطَّرِيقُ الآمِنُ طريقُ العَبِيدِ المُسْتَأْنَسِينَ.

CVII. مَوْتٌ بِلَا شرفٍ اسْتِهْتَارُ القَدَر.

CVIII. طَوِيلٌ هُوَ الزَّمَنُ قَبْلَ أَنْ يُطِيحَ الانْهِيارُ بِمَنْ يَخْشَى التَّصَدُّعَ.

CIX. لَا نَمُوتُ نَحْنُ البَشَرَ في مَكَانٍ أَفْضَلَ مِمَّا نَمُوتُ في مكانٍ عِشْنَا فيه بِرِضَانَا.

CX. َلا قُبْحَ في الجُرحِ الَّذِي تُوَلِّدُهُ الشَّجَاعَةُ.

CXI. الأُمُورُ الكَبِيرَةُ جِدًّا يجبُ أَنْ تَكُونَ بِدَايَاتُهَا صَغِيرَةً جِدًّا.

CXII. الضَّرُورَةُ تَفْرِضُ القَانُونَ: ولَكِنَّها لا تَخْضَعُ له.

CXIII. الشَّجَاعَةُ لَا تَعْرفُ الإِذْعَانَ للكَوارِثِ.

CXIV. الضَّرُورَةُ تَنالُ مَا تُرِيدُهُ مِنَ الإِنْسَان.

CXV. الضَّرُورَةُ تَخْتَطِفُ ما تَطْلُبُهُ، إلا إِذَا أَعْطَيْتَهُ.

CXVI. مَا تُخْفِيهِ الضَّرُورَةُ يُبْحَثُ عَنْهُ سُدًى.

CXVII. كَمْ هُوَ ثَابِتٌ عَرْشُ الضَّرُورَةِ!

CXVIII. دُونَ الفِطْنَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، لَا فَائِدَةَ مِنَ الاسْتِمَاعِ إِلَى الحُكماء.

CXIX. الرَّجُلُ الحَكِيمُ لَا يَرْفُضُ شَيْئًا تَقْتَضيه الضَّرُورَةِ.

CXX. لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ الإِفْلَاتَ مِنَ المَوْتِ أَوِ الحُبِّ.

CXXI. إِنَّهُ لَنَبِيلٌ أَنْ تُقْتَلَ عِنْدَمَا تكونُ عُبُودِيَّتُكَ شَائِنَةً. 

CXXII. الأَلَمُ الَّذِي يَقْتُلُ الأَلَمَ يَعْمَلُ كَتِرياق.

CXXIII. أَنْ تَلْجَأَ إِلَى مَنْ هو أَدْنَى مِنْكَ خِيَانَةٌ لِلنَّفْسِ.

CXXIV. الدَّمْعَةُ السَّرِيعَةُ تَعْنِي الخِيَانَةَ، لَا الحُزْنَ.

CXXV.الخوفُ نَوْعٌ من العبوديّة.

CXXVI. الرَّجُلُ المَحْظُوظُ لَا يَعْرِفُ أَبَدًا كَيْفَ يُوَاجِهُ الشَّدَائِدَ.

CXXVII. مَا أَشْأَمَ أَنْ تَهْزِمَكَ المصَادَفة!

CXXVIII. مَا أَشْأَمَ أَنْ يُجَدَّدَ شَرٌّ قَدِيمٌ!

CXXIX. الحَكِيمُ يُحَارِبُ العالَمَ عِنْدَمَا يُفَكِّرُ.

CXXX. البَرَاءَةُ دَائِمًا تَتْبَعُ نُورَهَا الذَّاتِيَّ.

CXXXI. حَتَّى الشَّوْكَةُ تُصْبِحُ مُفْرِحَةً عِنْدَمَا تُظْهِرُ وَرْدَةً.

CXXXII. وَجْهُ الشَّجَاعَةِ لَهُ نَصِيبٌ في النَّصْرِ.

CXXXIII. النَّدَمُ يعقبُ الخُطَّةَ المُتَعَجِّلَةَ.

هدايا “التحرير” لأطفال سوريا

هدايا “التحرير” لأطفال سوريا

لم تكن الطفلة حلا قطان تنتظر بابا نويل فهي تعرف أن آب ليس الشهر الذي يمر به ليرمي الهدايا من الشرفات أو نوافذ المنازل ومداخنها، ورغم أنه كان دوماً بعيداً عن شوارع الفقراء في مدينتنا إلا أنها لربما كانت كما كل الأطفال، تحلم به وبهداياه في يوم ما. لم تكن الهدية التي رميت على بيت حلا تشبه هدايا بابا نويل الذي تعرفونه ولا في موعده، كانت هدية غير متوقعة ( قنبلة) رمتها يد الإجرام والعبث اليومي في شوارعنا فقصفت حلم حلا حتى بيوم عادي، حين مر أحدهم في الثانية بعد منتصف الليل في 13 آب 2025 ورمى قنبلة على منزل حلا الكائن في حي العباسية في مدينة حمص ودمر أحلامها البريئة والبسيطة بعد أن عانت بضع ساعات ثم ماتت.

 لم تكن الطفلة الأولى التي قتلت بهذه الطريقة، فقد تكرر فعل رمي القنابل وصار أحياناً يومياً في بعض الأحياء، تقريباً منذ الشهر الأول للتحرير، كان يذهب ضحيته أحياناً عدد من أفراد العائلة ذاتها، كما في يوم 12 آيار الماضي في الشارع رقم 17 كرم الزيتون حيث تهدم جدار المنزل وأصيب عدد من سكانه.

في 18 آب مساء، شابان على دراجة نارية أطلقا النار على شرفات المنازل، فقتلت الطفلة غنى الحسن إذ اخترق الرصاص رئتيها.

وكل يوم في منتصف الليل قد تسمع صوت انفجار في مكان ما وحين تسأل ستعرف فوراً أو بعد حين عبر صفحات التواصل أنها قنبلة انفجرت في مكان ما من الأحياء التي صارت تعتاد أعمال العنف.

قد يكون الهدف ليس القتل بل مجرد الاعتداء كما حدث في حي السبيل حين ألقى أحدهم قنبلة على سرفيس مركون فاحترق بالكامل، وتلك خسارة كبيرة في الحقيقة رغم أنها لا تساوي حياة إنسان. وقد تكون القنبلة صوتية لمجرد إحداث الرعب والفوضى حتى أن خبر انفجار قنبلة في أحد الشوارع صار يمر دون توقف إن لم يكن هناك ضحايا.

وبنفس الطريقة ذات يوم قتل الطفل حيدر سليمان أمام منزله في حي كرم اللوز.

كانت الأغنية تقول: “وقالو شلحلي ورد عا تختي” يا للمفارقة من كان يتخيل أن نقارن يوما بين الوردة والقنبلة؟ هل سمع المجرمون هذه الأغنية وهم يرمون قنبلة على سرير حلا؟ هل فاضلوا يوماً بين الورد والموت وهم يرمون الهدايا القاتلة؟ 

كيف يطغى السواد على العقول ويحجب عنها التفكير وهي تحرم البشر من حقهم بالحياة؟ يحجب التفكير بنتائج أفعالهم وتصور الآخرين مجرد أجساد تذهب إلى الموت ببرود، ألا يخطر للقتلة أن هؤلاء الأطفال الذين يموتون يشبهون أطفالهم؟ وهؤلاء وأولئك يشبهون الأطفال الذين قضوا بالكيماوي يوماً، أولئك الذين أعيد شريط صورهم إلى ذاكرتنا منذ أيام. كانت الأم تقول لطفلها: لا تتنفس الهوا رح يقتلك. وكأن الطفل يستطيع ان لا يفعل وكأن بإمكانها أن تحميه من غاز السارين الذي دخل رئتيه. بأجسادهم النحيلة ووجوههم الشاحبة يودعون الحياة دون أن يعرفوا منها، سوى الرصاص والقنابل والموت اختناقاً. بأي ذنب قتلوا؟ 

هل تذكرون أطفال الحولة، أي قلوب قدت من الصخر استطاعت أن تقتلهم ذات يوم؟

هل تتذكرون طفل الحزام (إبراهيم شاهين) الذي قتل في أول أيام عيد الفطر مع عائلته في قرية حرف بنمرة في الساحل السوري، في يوم على المؤمنين فيه فعل المزيد من الخير، ربما كان إبراهيم يحلم بحزام حقيقي لبنطاله الذي يشده على جسده النحيل بخيط، يا لوجع الطفولة المقهورة. تحولت صورة إبراهيم إلى رمز لسوريا. وإليه أهدى سميح شقير أغنيته الجديدة والتي تبدأ ب “تيشد خصرو ربطوا بخيطان عافقر حالو هالصبي ربيان أيا إله بيقبل يندبح ودموعلى الرصيف سايل” سيبقى السؤال مشرعاً.

في جنوب البلاد كان هناك حلا أخرى، حلا الخطيب التي فقدت عائلتها بالكامل في أحداث السويداء وكانت الناجية الوحيدة إذ اختبأت في خزانة الملابس لتنجو رغم إصابتها بطلق ناري في الوجه تركها في حالة أذى شديدة.

أما تالا حسام الشوفي ذات الأربعة عشر عاماً التي استشهدت بطلقة في الرأس من قناصة، فكتب والدها الطبيب حسام الشوفي: تالا يا عمري سامحيني لقد خذلتك ولم أحميكي. خذلك الوطن. خذلتك ما كنا نسميها ثورة ولم تري منها سوى الظلام والموت.”

 مات أطفال مع عائلاتهم، وهناك أطفال شهدوا قتل أهلهم وتركوا وحيدين، هل الموت أقسى من مشهد ينحفر في الذاكرة لأهل يقتلون؟ هكذا تقتل الطفولة وتبقى الأجساد تعارك الألم وجروح الروح. 

أبعدوا أيديكم عن الأطفال فلا ذنب لهم أو علاقة بالحروب والصراع من أي نوع، لا تجعلوهم يحملون آثامكم، أبعدوا الأطفال عن معارك الثأر القبيحة. لا فرق بين قاتل وآخر فالقتلة يتشابهون! 

دعوهم يعيشون ويحلمون بهدايا تسقط عليهم غير القنابل ورصاص القناصة، غير السكاكين التي تحمل الهول ورعب الذبح، دعوهم يحلمون ككل أطفال العالم ببابا نويل الذي يحمل الألعاب لا الموت.

حين عثرت الذئاب على الطفل الصغير ماوكلي لم تأكله بل أرضعته. هل تعقلون؟ 

حين تتحول الفاشية إلى فخ سياسي

حين تتحول الفاشية إلى فخ سياسي

ليست اللغة بريئة، ولا المصطلحات أدوات محايدة. فقبول تعبير ما، حتى لو على سبيل نقده، قد يرسّخ حضوره في التداول ويمنحه سلطة غير مقصودة. ولعلّ تعبير “الفاشية السنية” مثال حي على هذا الفخ؛ مصطلح يبدو للوهلة الأولى تفسيراً جذاباً لمشهد سلطوي جديد في سورية، لكنه سرعان ما يتحوّل إلى وصم جماعي، يختزل ملايين البشر في استعارة لغوية ملتبسة. خطورة المصطلح لا تأتي فقط من فجاجته الطائفية، بل من كونه يعيد إنتاج المنطق الذي تغذّى عليه الاستبداد لعقود؛ تفسير السياسة بالهويات، لا بالبُنى.

ظهر هذا النقاش على خلفية التحوّلات التي أعقبت سقوط دمشق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، حين انسحب النظام المركزي وفرضت هيئة تحرير الشام وفصائل ثورية معارضة أخرى سيطرتها على العاصمة. بدا المشهد متناقضاً؛ شعب يطيح بديكتاتورية الأسد، لكنه يجد نفسه بعد فترة وجيزة في مواجهة سلطة قد لا تقل عسكرة ولا انغلاقاً، وإن لبست خطاباً دينياً هذه المرّة. في هذا السياق لجأ أحد الكتّاب إلى استعارة قاموس الفاشية الأوروبية لوصف الظاهرة الجديدة، معتبراً أن الإسلام الجهادي هو “نسختنا المحلية من الفاشية”، وأن ما جرى في سورية ليس إلا بعثاً جديداً للأمة السنية بعد عقود من التهميش. ربط الكاتب بين أسطورة الأصل الأموي، والتعبئة الجماهيرية من المساجد والعشائر، وممارسات عنف إبادي ضد الأقليات، ليخلص إلى أن الحكم الجديد يكرّس “فاشية سنية” قائمة على نقاء الجماعة وتفوقها.
هذا الطرح، مهما كان مثيراً للجدل، يستحق التوقف عنده لا لصحته بقدر ما يكشفه من ميل إلى القراءة الغائية. فهو يلتقط بالفعل سمات سلطوية واضحة: النزعة الشمولية، مركزية العقيدة، تمجيد العنف كأداة، والتعبئة ضد الأقليات. لكنه يسقط في فخ أخطر وهو تحويل تلك السمات إلى “قدر مذهبي” يلتصق بأهل السنة جميعاً، بدل أن يُرى كإعادة إنتاج لبنية استبداد تستثمر الدين كما استثمر الأسد من قبل القومية والبعث. هنا يصبح المصطلح أداة وصم، ويختلط فيه النقد بالاتهام، والتحليل بالتحريض.

ومن بين أبرز عناصر القراءة التي تبنّت وصف “الفاشية السنية” فكرة العودة إلى الأصل الأموي، باعتبار أن صعود هيئة تحرير الشام بعد سقوط الأسد هو بعث سياسي جديد لأهل السنة، الذين يفترض أن يستعيدوا سلطتهم التاريخية. لكن هذه الاستعارة التاريخية تقوم على استدعاء انتقائي للماضي، وتحويله إلى أسطورة تبرّر الحاضر، على نحو يذكّر فعلاً ببعض ممارسات الفاشيات الأوروبية التي ربطت نفسها بـ”أصل نقي” أو “أمة عظيمة”. غير أن خطورة هذا الربط في السياق السوري تكمن في أنه يجرّد التاريخ من تعدديته، ويحوّل طائفة دينية واسعة ومتنوعة إلى جماعة سياسية متخيلة، وكأنها امتداد مباشر لبني أمية أو لمشروع تاريخي واحد. بينما الواقع السوري الحديث يبيّن أن أهل السنة لم يشكلوا يوماً كتلة سياسية موحدة، بل كانوا موزعين بين تيارات ليبرالية وقومية ويسارية وإسلامية وصوفية، ما يجعل الحديث عن “بعث سني” أقرب إلى الوهم الأيديولوجي منه إلى الواقع الاجتماعي.

الركيزة الثانية في هذا التوصيف كانت التعبئة الجماهيرية التي شهدتها بعض المدن والبلدات؛ حشود تخرج من المساجد، نداءات عشائرية للفزعة، خطابات تحشد ضد العلويين أو الدروز. هذه الصور تذكّر فعلاً بمشاهد التعبئة الفاشية في أوروبا، حيث الجماهير تُستدعى لتبرير العنف. لكن الخطر هنا أن يُفهم الأمر كدليل على “طبيعة سنية” للفاشية، في حين أن ما نراه هو توظيف ظرفي للأدوات الدينية والاجتماعية المتاحة. فكما استثمر البعث النقابات والمدارس والجيوش في تعبئته، تستثمر السلطة الجديدة المنابر الدينية والعشائرية. إنّ تحويل أدوات التعبئة إلى جوهر طائفي يُغفل أن هذه الأدوات متاحة في كل بنية سلطوية تسعى للسيطرة، وأن الجماهير نفسها ضحية الاستخدام لا شريك في مشروع “قدر تاريخي”.

عنصر ثالث استندت إليه القراءة هو فكرة التطهير الداخلي داخل الجماعة السنية نفسها، من خلال خطاب الولاء والبراء، والتهديد بإقصاء كل من يخرج عن الصف، بل وملاحقة المختلفين من داخل الطائفة بتهم الانحراف أو العمالة. هنا أيضاً تلتقي التجربة السورية الجديدة مع ملامح سلطوية عالمية؛ كل استبداد يسعى لإحكام قبضته يبدأ من الداخل، من ملاحقة الأصوات النقدية وشيطنة المختلفين. لكن اعتبار هذا السلوك “فاشية سنية” يُحوّل الطائفة إلى كيان واحد متماسك له مشروع ذاتي، بينما الواقع أن الانقسامات بين السنة أنفسهم، بين مؤيد ومعارض لهيئة تحرير الشام، بين صوفي وسلفي، بين مدني وعشائري، تكشف هشاشة أي ادعاء عن “نقاء داخلي”. ما يجري هو محاولة سلطة جديدة لتأبيد بقائها عبر منطق النقاء، وليس مشروعاً جماعياً للطائفة.

في ضوء هذه العناصر الثلاثة السابقة، يتضح أن المشكلة ليست في رصد الظواهر، بل في طريقة تسميتها. فالاستبداد الجديد الذي قد ينمو في دمشق، يتغذى على أساطير الأصل، ويستثمر أدوات التعبئة الدينية والعشائرية، ويستخدم خطاب النقاء للتخلص من خصومه. لكن كل هذا لا يجعل منه “فاشية سنية”، بل نموذجاً آخر من السلطوية الدينية الراديكالية، أو ما يمكن تسميته “استبداداً مؤدلجاً بالشرع” (المقصود الشريعة الدينية!). هذا التوصيف يضع المشكلة في مكانها الصحيح؛ البنية السلطوية التي تعيد إنتاج نفسها عبر أدوات مختلفة. مرة بالبعث، مرة بالشرع، وربما غداً بواجهات أخرى. هكذا نحتفظ بدقة التحليل، ونتفادى تحويل المذهب إلى قدر سياسي أو هوية قاتلة.
تجربة السوريين تكشف أن الاستبداد لا يزول بسقوط رأسه، بل ربما يتكاثر بأشكال جديدة، متكئاً على الرموز والرايات الطائفية واللغة المغلقة. هنا تكمن الخطورة؛ فالمصطلحات لا تبدو انعكاساً محايداً للواقع، إنما هي جزء من إنتاجه. إنّ شيوع تعبير مثل “الفاشية السنية” لا يصف الاستبداد بقدر ما يرسّخ منطقه، إذ يُعيد صياغة السياسة كصراع هويات، لا كبنية سلطوية يمكن تفكيكها.
المطلوب إذن البحث عن لغة دقيقة تقرّ بالوقائع دون أن تقع في فخ الوصم. فالاستبداد الذي يلبس عباءة الدّين اليوم لا يختلف في جوهره عن الاستبداد الذي لبس عباءة البعث بالأمس، وكلاهما يعيد إنتاج المنظومة ذاتها؛ قمع التعددية وتأبيد السلطة. لكن ما يحدد مسار المستقبل هو كيف نصف هذه الظاهرة: هل نحمّلها لهوية مذهبية، أم نضعها في إطارها الصحيح كسلطوية عابرة للأقنعة؟ إن التحرر السياسي يظل رهناً بتحرر معرفي يسبقُه؛ لا يكفي إسقاط الطغيان ما لم نحرر خطابنا من أدواته. المعركة الأولى ليست في الشارع وحسب، إنما في المعجم الذي نختار أن نتكلم به. ومن دون هذا التحرر اللغوي، سيظل الاستبداد يجد لنفسه دائماً اسماً جديداً ليعود به من أي خطاب أو مقال أو قانون.

أي برلمان، وأية انتخابات؟

أي برلمان، وأية انتخابات؟

إلى الآن لا يعرف أحد، سواء من المختصين بالقانون الدستوري أو الفاعلين السياسيين، أي شكل سياسي للسلطة يحكم سوريا في الحقيقة والممارسة، وما هو النظام السياسي والقانوني الذي ستستقر البلاد عليه في المستقبل. 

بات من المعروف والمتداول أن سوريا تمرّ في مرحلة انتقالية معقدة ومرتبكة، حيث سُلّمت السلطة للرئيس المؤقت أحمد الشرع، بعد توافق دولي وإقليمي غامض ومفاجئ في الثامن من كانون الأول 2024، وقد يعني هذا، بحسب رأي المرء المحايد، بارقة أمل وثقة بالمستقبل عقب زوال شبح الأسد والبعث،  أو يرتبط حيناً بالإنكار والخوف، بسبب ممارسات هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً المصنفة إرهابية).  والأغلب على الظن أن الخشية على مستقبل سوريا هي الراجحة، لا سيما بعدما جرى في الساحل السوري والسويداء جنوبي سوريا، من قتل للمدنيين العزل وحرق للبيوت وخطف على الهوية الطائفية، وعمليات اغتصابات موثقة، تبرأت منها سلطة دمشق، ووعدت بالمحاسبة والتعويض على أهالي الضحايا ممن فقدوا أبناءهم وأحرقت منازلهم ونهبت ممتلكاتهم!

لاشيء تحقق من الوعود. وهذا مؤشر واضح وحاسم أن الكلام في مكان والفعل في مكان آخر.أي أننا في فصام سياسي، فسوريا اليوم تعيش واقعاً سياسياً معقداً، مع انقسامات مجتمعية هائلة، مع تعدد في السلطات والهويات السياسية، ما يجعلها دولة منقسمة سياسياً رغم أنها ظاهرياً “واحدة” على الخريطة فقط. الوحدة السورية التي لطالما تمدح وترجح على غيرها من أشكال الدولة والسلطة، ليست سوى تسلط الحكم في دمشق على باقي سوريا. أي أن الوحدة هنا في جوهرها ليست سوى غطاء لحكم شمولي شديد المركزية وقابلية نهمة لاستعمال العنف في حل المشكلات السياسية، وهو نموذج جرى اختباره وباء بالفشل وإفقار السوريين وإذلالهم.  

المرحلة الانتقالية 

يرى البعض أن مصطلح “المرحلة الانتقالية” لا ينطبق على الحالة السورية لأسباب مختلفة. على الرغم من سلطة الرئيس الفضفاضة، فلن تُحكم سوريا بمراسيم بعد تشكيل البرلمان الجديد، بل من خلال هيئة تشريعية تسنّ القوانين. هكذا يفترض من الناحية النظرية الصرف.

في الحقيقة إن الكثير من التسميات خالية من معناها الموجب، وقد جرى تداولها من دون نقد وتمحيص. فالإعلان الدستوري مثلاً فُرض فرضاً، وعد أساساً لما يليه من تشريعات مؤقتة. والأمر نفسه ينطبق على “المرحلة الانتقالية” و”البرلمان” و”الهيئة الناخبة”. ما يجري على الأرض هو غير ما تعنيه هذه المصطلحات القانونية والدستورية. هكذا نكون أمام وجهين لحكم سلطة الأمر الواقع في سوريا.  من جهة هناك الميليشيات والفصائل التابعة لوزارة الدفاع السورية أي النمط العسكري للحكم بالتهديد والوعيد والترهيب، ومع مثل هكذا نمط حاكم فعلياً تتحول كلمات وتعابير مثل البرلمان والمرحلة الانتقالية إلى كليشيه ودعاية إعلامية لا غير. ومن جهة أخرى هناك الكلام في القانون والدستور والبرلمان، وهو ليس سوى كلام نظري خال من المضمون الفعلي. 

المرحلة الانتقالية، إذا كان الوصف صحيحاً، حتى الآن تعتبر فاشلة بسبب غياب سلطة انتقالية ذات مصداقية وموحدة، وبسبب الانقسام السياسي والجغرافي. اللجنة الدستورية الدولية تعطلت وجمدت وانتهى دورها. اللاجئون والمهجرون محرومون من أي تمثيل فعلي، بينما تغيب العدالة الانتقالية والمحاسبة القانونية. 

فشل الانتقال يعمق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي مما يبقي البلاد رهينة العنف والفوضى. 

الفجوة بين الكلمات والمعاني

والفجوة بين الكلمات ومعانيها عادة سورية متأصلة، فحزب البعث على مدى أكثر من ستين عاماً كان أحد المبدعين المتميزين في تجويف الكلام وإخلائه من فحواه. ويعود الأمر إلى أن سوريا كلها دولة نظرية رُكّبت تركيباً من دون أخذ رأي من يحيا داخلها. دولة تقام على التجريد السياسي من الممارسة والنقاش والفعل العضوي. ما هو حي وملموس لا يتحول إلى سياسة، وما هو سياسي يبقى مغلقاً ومحتكراً من فئة محددة، يبقى سرياً ومجهولاً. وإن اجتمعت السياسة المجردة والنظرية مع الممارسة الحية والفعلية لا نكون إلا في مواجهة سيدها القتل والكراهية. العنف المحض والعاري والقاسي هو الوجه الفعلي لتنظير لا يرى في المجتمع سوى أتباع ومؤيدين وفي الرافضين سوى من ينبغي تأديبهم أي إباحة قتلهم أو إجبارهم على الخضوع والسكوت. السياسة في محصلتها على النمط السوري الحاكم لا تفضي سوى إلى أمرين، إلى الصمت أو الموت. والحقيقة أن الصمت شكل من أشكال الموت، إذ المرء في جوهره أمام خيارين إما الكلام أو الموت. 

 شروط الحكم الديمقراطي  

بعد أكثر من خمسين عاماً من ديكتاتورية الأسدين الأب والأبن وبعد و14 عامًا من الحرب المدمرة، لا تزال الشروط الأساسية لانتخابات ديمقراطية غائبة، ولا إشارة توحي بأن الحال سيتغير قريباً. لذلك، لن يُنتخب البرلمان الجديد، المؤلف من 210 أعضاء، انتخابًا مباشرًا، بل انتخابًا غير مباشر للثلثين، أو تعيينًا من قبل الرئيس للثلث الباقي.

السلطة الحاكمة هي التي أقرت هذا النموذج، من دون مشاورة أحد إلا مؤيديها. 

لن تشارك الإدارة الذاتية الكردية في الشمال الشرقي (الحسكة والرقة) وكذلك نصف دير الزور والجنوب الشرقي الذي يسيطر عليه الدروز (محافظة السويداء)؛ وسيتم تخصيص العدد المقابل من المقاعد لممثلي هاتين المنطقتين (من هم ومن عيّنهم!) .

وهذا يعني فيما يعنيه أن قرابة ٣٠ بالمئة ممن يحق لهم التصويت لن يشاركوا في الانتخابات، عدا ملايين السوريين في دول الشتات كلبنان وتركيا والأردن وألمانيا ودول أخرى.  مع ذلك، يُبدي بعض السوريين ارتياحهم لـ”الانتخابات البرلمانية”، بينما يُبدي آخرون تشككهم، فيما يرفض آخرون العملية والحكومة الانتقالية برمتها.

ولضمان أن تتجه العملية الانتقالية نحو الديمقراطية، لا أن تبقى استبدادية ومركزية، نحتاج إلى  قانون للأحزاب السياسية يُمكّن جميع السوريين من المشاركة السياسية، و اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية بقيادة مظلوم عبدي في الشمال الشرقي، ومع الحرس الوطني الدرزي بقيادة حكمت الهجري في الجنوب. ولتحقيق ذلك، يجب أخذ مطالب اللامركزية والحكم الفيدرالي على محمل الجد فزيادة سلطات المحافظات سيوحّد البلاد أكثر من أن يمزقها، وهي التي ما زال شبح التقسيم يهيمن على مستقبلها. 

بالطبع، لن يكون البرلمان الجديد مستقلًا تمامًا، لكنه سيكون مخلصًا وتابعاً للرئيس. وهذه علامة واضحة أن البرلمان المنتخب شكليّ ولن يكون سوى واجهة تشريعية لحكم الرئيس الذي احتكر كل السلطات. 

خلاصة

تتجه سوريا إذن الى حكم الفرد الواحد، إلى نظام سياسي لا يختلف في جوهره عن نظام الأسد وحكم البعث السابق الذي أوصل سوريا إلى ما وصلت إليه. 

كائناً ما كان الحال، وما ستفرز عنه الانتخابات الشكلية، فإن وجه سوريا الجديد منهك ومخيف، طالما رأينا نصف الوجه مسبقاً وقد غمره الدم والندم على مستقبل بانت ملامحه الأولى المخيفة والمخزية.