بواسطة أسامة إسبر | سبتمبر 6, 2017 | Cost of War, News
لا يكترث المتحاربون بتساقط الضحايا ولا بدمار العمران، كما لا تهمهم نتائج أفعالهم على المدى الطويل، ويتمخض الصراع في سوريا كل يوم عن آثار ونتائج ستؤدي إلى أن ينال العذاب والموت لا ضحايا الحرب المباشرين بل الأجيال القادمة التي لا ذنب لها إلا أنها تولد في مناطق الصراع، والدمار الذي طال المدن ببنائها الحديث وآثارها العريقة وأسواقها التاريخية والنهب المنظم للآثار أو تدمير ما لا يمكن المتاجرة به منها، والاستخراج والتكرير البدائي للنفط والذخيرة المستخدمة ضد أهداف مدنية أو عسكرية.
في هذا السياق المتولد عن الحرب التي ما تزال رحاها دائرة تغلغل السم إلى كأس الماء الذي يشرب منه السوري، وفي الخضراوات التي يصنع منها سلطته وفي الهواء الذي يتنفسه.
وليس التلوث مادياً فحسب، إنه معنوي أيضاً، فالصمت عن الجريمة تلوث، والصمت عن قول الحق تلوث، والكراهية تلوث، وتبرير قتل الإنسان تحت أي شعار أو كذبة تلوث، والشماتة بما يجري للآخرين تلوث، وفي فضاء الحرب السورية تتقاطع أشكال التلوث الروحي والمادي كي تتجلى في الانقسام الطائفي الحاد، وفي الأمراض الخبيثة والقاتلة، وفي التشوهات الخلقية والأمراض الجلدية وفي السعال المتواصل.
وكما تنفجر الذخائر وتزرع سمومها في التراب والمياه والهواء تنفجر الأفكار القاتلة ناثرة بذور مرضها في النفوس ولا شفاء من كل هذا إلا بالصحوة المدنية، التي تؤسس دولة القانون، الدولة المدنية التي تحترم حقوق الإنسان وحرية التعبير وتحرسها.
حين تسقط قذيفة، أو قنبلة، أو صاروخ على موقع أو هدف سواء كان عسكرياً أو مدنياً فإنهم يحدثون نوعين من التدمير والقتل: النوع الأول هو القتل المباشر والقضاء الفوري على الهدف ومحيطه، والثاني هو القتل غير المباشر والذي يمكن أن يؤدي إلى سقوط الضحايا على نحو بطيء أو سريع في مدة زمنية قد تطول أو تقصر، وهذا القتل، النوع الثاني منه، هو قتل البيئة بالسموم والمواد الكيماوية الناجمة عن انفجار الذخائر، والتي تلوث التربة والمياه ومن ثم تنبثق في الجسد السوري في سرطانات وأمراض جلدية وتشوهات خلقية وهذا ما تشهده سوريا في أثناء الحرب بأرقام مخيفة.
وبحسب أرقام كشفت عنها مصادر سورية رسمية يحتل مرض السرطان المرتبة الأولى بين الأمراض التي تصيب السوريين بسبب المواد السامة والمؤكسدة وأشكال التلوث الأخرى، ومما يزيد الطين بلة صعوبة تلقي العلاج بسبب ظروف الحرب والغلاء الرهيب للأدوية وعدم توفرها أحياناً.
وفي دير الزور، وبحسب تقارير محلية ودولية، انتشرت أكاسيد الكبريت وكبريت الهيدروجين والهيدروكربونات بسبب قيام داعش باستخدام أساليب بدائية في استخراج النفط وتكريره أدت إلى انبعاث الدخان الذي أطلق هذه المواد التي سببت انتشار الأمراض الجلدية والتشوهات الخطيرة. وتشكلت نتيجة لذلك أمطار حامضية محملة بأكاسيد الرصاص المسرطنة.
لا يقتصر الأمر على هذا، فقد تراكمت النفايات في مناطق عديدة على امتداد البلاد وقد أدى تخمرها إلى تلوث التربة والمياه الجوفية كما أن القطع المنظم للأشجار في كل أنحاء البلاد بسبب أزمة الوقود التي أجبرت السكان على أن يعانوا من شتاءات قارسة جرد البيئة من أهم دفاعاتها.
وإذا ما تجول المرء في الغابات وفي السفوح الجبلية والأودية السورية سيسمع أنين الجذور المبتورة ويرى ملامح التصحر في تقاطيع المكان، فأشجار السنديان والبلوط والدلب والسرو والحور والقطلب والزعرور والدوام استهدفتها فؤوس الحرب وتجارها الذين جردوا سوريا من جيش طبيعي مسلح بالخضرة يحمي بيئتها.
وفي المدن السورية الكبرى إما تتراكم النفايات أو تْحرق وكل أمر أسوأ من الآخر فإحراقها يؤدي إلى إطلاق السموم في الجو، وعدم التمكن من إزالتها يؤدي إلى انتشار الروائح الكريهة كما أن تخمرها وتعفنها يلوثان التربة والمياه الجوفية.
هذا جزء من الواقع الذي أنتجته الحرب في سوريا والتي أدت إلى تدمير وقتل وتشريد لا مثيل لهم في العصر الحديث، ويمكن القول إن النتائج السلبية لهذه الحرب لن تنتهي مع توقف هدير الدبابات والطائرات وصوت البنادق، لأن التخلص من التلوث وسمومه يحتاج إلى وقت طويل.
ولا يسعني إلا أن أقول إنه تقع على عاتق السوريين المعنيين بمستقبل سوريا مهمتان مصيريتان: الأولى هي حماية ما تبقى من البيئة وتنظيف ما تلوث منها، وهذا يحتاج إلى جهود جبارة، أما المهمة الثانية فهي تنقية البيئة الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية من التلوث الطائفي عبر حوار وطني شامل من الصعب تخيل كيف يمكن أن يحدث الآن. لكن ربما في المحاولة يكمن جزء من النجاح.
بواسطة BBC | سبتمبر 4, 2017 | News, غير مصنف
“Syria earned a vital 3-1 win against Qatar to keep alive their hopes of qualifying for a first ever World Cup.
“Omar Kharbin scored in each half and Mahmoud Al-Mawas added a third in injury time as Syria moved above Uzbekistan into third in their group.
The top two teams qualify automatically for the 2018 World Cup in Russia while the third-placed side face a play-off.
Defeat for Qatar means they cannot qualify and will make their World Cup debut as the host nation in 2022.
Syria play group winners Iran in Tehran in their final group match on Tuesday and will be guaranteed a two-legged play-off against the third-place team in Group B with victory.
But they could yet finish second and qualify directly for next year’s tournament depending on the result of the match between South Korea and Uzbekistan.
South Korea could only manage a goalless draw against 10-man Iran on Thursday and defeat in their final match could see them fail to qualify for the finals for the first time since 1982 should Syria beat Iran.
China could also still take third place and a play-off spot if they beat Qatar in Doha on Tuesday and other results go their way.
Meanwhile, in Group B, Japan beat Australia to qualify for their sixth successive World Cup.”
[This article was originally published by the BBC.]
بواسطة Fawwaz Haddad | أغسطس 31, 2017 | Reports
تبدو مناظر الشوارع في دمشق، تلك التي كانت تنتمي إلى فترة العهد الوطني بعد الاستقلال، أشبه بالبطاقات السياحية بالأسود والأبيض، في الوقت نفسه لا تنقصها الألوان الطبيعية، حتى أن اللون الأسود يبدو دخيلاً عليها، مشرقة على نحو يدعونا إلى الحنين إليها، لا سيما وداعتها الآسرة، التي بتنا نفتقد إليها في زمن الصخب، ليس صخب الموسيقا، وإنما أصوات تحليق الطيران الحربي وقصف راجمات الصواريخ، التي لا تتوقف طيلة النهار والليل، حتى اعتدنا على أن نصحو عليها صباحاً وننام على وقعها ليلاً.
تركز الكاميرا على ساحة المرجة وعربات الخيل مصطفة حوالي النصب التذكاري، باصات شركة “نرن” تنتظر المسافرين. يظهر بناء السرايا والعدلية، وفندق السمير أميس، والمدخل الذي يقودنا إلى امتدادات سوق ساروجة، بدءاً من زقاق الأحمدية، فطلعة جوزة الحدباء، وقد نعرج على سوق العتيق ومنه إلى سوق الهال. تركز الكاميرا أيضاً على شارع فؤاد الأول، في زمن الانتداب أطلق عليه شارع الجنرال غوابييه، ونُسي مع ذهاب الجنرال. أيام العدوان الثلاثي على مصر أصبح اسمه شارع بورسعيد، ومن ثم لا يدري أحد ما أطلق عليه، ربما كان شيئاً بعثيا اخترعه الحزب الحاكم. يمتد الشارع تحت اسم “سعد الله الجابري” حتى بناء محطة الحجاز، ينعطف إلى اليمين نحو أزقة الحلبوني، فالجامعة السورية. على الطرف المقابل شارع النصر، المؤدي إلى سوق الحميدية والحريقة، فأسواق “تفضلي يا ست”، ثم المسكية والبزورية.
وإذا عدنا إلى شارع فؤاد الأول، كان ثمة أشجار على جانبيه، من الأنواع التي اختفت حتى من غوطة دمشق؛ ثم سكة الترام تخترقه في منتصفه. على الرصيف اليميني مقهى البرازيل، تقبع إلى جوار مدخله بسطة بائع الجرائد والمجلات، وعلى امتداده جامع الطاووسية والمكتبة العمومية، ومحلات أحدها لبيع التحف الشرقية، فمطعم الصفا، فبناية الحايك. نتوقف عند جسر فكتوريا ونهر بردى. على الرصيف المقابل، زقاق المتنبي، حيث كوبانية شركة الترام البلجيكية، تواجهها مكتبة دار اليقظة العربية، وسينما الكندي، نزولاً إلى مقهى الهافانا وسينما الأهرام والنادي العربي…. في الاتجاه المعاكس، ينبسط شارع الفردوس، فساحة يوسف العظمة، ومن ثم بوابة الصالحية، وامتداد شارع 29 أيار. معظم ما أتينا على ذكره من أزقة ومحلات اختفى، ذهب به التنظيم، ابتلعه سماسرة أمانة العاصمة وتجار العقارات.
تلك هي الشوارع والأسواق الحيوية لمدينة دمشق ضمن مساحة لا تزيد عن 2 كم مربع إلا قليلاً، تتمركز فيها الرئة الثقافية والفنية، مسارح سرعان ما تظهر وسرعان ما تختفي، دور سينما تعرض الأفلام المصرية من فيلم “سلامة” مع مناظر الحج إلى أفلام ليلى مراد وأنور وجدي، وعبد الحليم حافظ، بالإضافة إلى الأفلام الأمريكية والفرنسية والهندية، مغامرات في البحار، غراميات رومانسية، ميلودرامات حزينة. ومكتبات تعرض على واجهاتها ما يردها من كتب عربية وإنجليزية وفرنسية من بيروت والقاهرة ولندن وباريس… بأغلفتها الملونة، المترجمة والموضوعة من تأليف شتاينبك وتولستوي ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ومكسيم جوركي وجان بول سارتر.
مثلت هذه المنطقة الصغيرة من دمشق جغرافية تاريخ أهم الاحتجاجات والمظاهرات سواء الآتية من مكتب عنبر أو القادمة من الجامعة والتجهيز الأولى والمتوجهة نحو البرلمان أو السرايا، أو المندوبية الفرنسية. لا يمكن الاطلاع على ما يجري في كواليس المشهد السياسي السوري إلا في مقهى البرازيل حيث يجتمع السياسيون والوزراء المخضرمون، والصحافيون المعروفون، والضباط المسرحون من الجيش، مع موظفين كبار وأدباء وشعراء ظرفاء لا ينجو أحد من ألسنتهم، يتناقشون ويتهامسون، ويفبركون الأخبار والشائعات ويطلقون النمائم والنكات، يمارسون مواهبهم السياسية في انتقاد مرافعات النواب في البرلمان، وتوقع موعد الانقلاب القادم.
ينعكس المشهد ذاته على نحو مقارب في مقهى “الهافانا”، حيث الدخان والوجوه المكفهرة والجدالات الحادة، يرتاده شباب من أحزاب مختلفة، الحزب الوطني، حزب الشعب، الاشتراكي التعاوني، البعث العربي، والعربي الاشتراكي، والشيوعي…الخ، ينتقدون الحكومة وإجراءاتها الأخيرة، ويتصدون للقضايا السياسية الساخنة، ولا تخلو مناقشاتهم من جدل حول التاريخ واللغة والقومية العربية والرسالة الخالدة… والتصدي للأحلاف الغربية.
كانت دمشق مسرحاً يؤمه القادمون من أنحاء سورية، كي يلعبوا أدوارهم الطموحة على خشباتها؛ حالمين بقيادتها نحو المستقبل، سواء بالانتخابات والديمقراطية الوليدة، أو بالقوة، بالمؤامرات والانقلابات. سياسة حرق المراحل كانت هي المعتمدة، فانتصرت الانقلابات وجاء العسكر على ظهور الدبابات.
وكانت أيضاً مسرحاً يؤمه الباحثون عن الصفقات المخزية والمناصب المؤثرة والوساطات المشبوهة، فتبدو مدينة المغامرات الطائشة، والتجارات المشروعة وغير المشروعة. وهناك من يأتي إليها كي يلعب أدواراً عظيمة الشأن، ثقافية وإنسانية واجتماعية، فمثلما استقبلت دمشق الانقلابيين والانتهازيين والنهابين، استقبلت رموز الحركات القومية والعلمية والثقافية، مثل: زكي الأرسوزي، وبدوي الجبل، وعبد السلام العجيلي، والصافي النجفي، وصدقي إسماعيل، وحنا مينة وغيرهم. لم يأتوا بمنطق الغزاة، جاؤوا كي يقدموا للمدينة أفضل ما لديهم، دافعوا عنها وشاركوها مصائرها، وصنعوا أمجادها الحقيقية.
وجدت الانقلابات مجالها الحيوي، ونقاط تمركزها الاستراتيجية، بين معالم دمشق؛ دبابة تقف عند سور البرلمان، وأخرى أمام درج بنك سورية ولبنان، وثالثة أو أكثر عند قصر الضيافة، وكتيبة مشاة تتخندق وراء أكياس الرمل عند مبنى الأركان القديم في الصالحية، وفي شارع شكري القوتلي، ولا ننسى القوة الضاربة سواء عند مبنى الإذاعة القديم في شارع النصر، أو في ساحة الأمويين عند مبنى التلفزيون الجديد.
لا يمكن الكتابة عن العقود الماضية وما جرى فيها من متغيرات، دون أن تخطف دمشق الحدث الرئيسي على المستويين السوري، وإلى حد ما العربي. ففي حين مثلت المسرح الصاخب للصراع بين العسكر والأحزاب، مثلت أيضاً الصراع بين القديم والجديد، البرجوازية والاشتراكية، وتحرر المرأة، والمخاض الديمقراطي، والنهوض القومي، وشعلة اليسار وانكسار الأحلام …
أما عالم دمشق الجواني، فلم تمنحه إلا لهؤلاء الذين أقاموا فيها، من أي مكان جاؤوا، أحبوها وأصبحوا جزءاً منها. أما العابر فلم يقتنص خصوصياتها، قد يعجب بها السائح، مع أنها لا تُبرز سوى مظهرها المخادع، الفاتر غالباً، الهادئ والمراوغ، المعسول والمبذول للجميع. لذلك تبدو دمشق للكثيرين مدينة محيرة، ففي نظر البعض متحفظة ومذعورة، كما وصفها وافدون إليها، وهذا ليس وليد العقود السابقة، بل قرون سبقت، ابتليت فيها بالغزوات والفاتحين الدمويين القساة. وتبدو للبعض الآخر منفتحة وودودة، لا تبخل عليهم بأسرارها. ومع هذا، أتقنت دمشق إخفاءها، وربضت وراء أسوار من التمويه، يبدو في أسلوب عمارتها وحاراتها الملتوية.
للمكان الدمشقي خصوصيته، فللحارة باب ضخم يوصد بالترباس والأقفال، ينفتح على أزقة وزواريب ودخلات ضيقة ومتداخلة. وللبيت الدمشقي تقاطيعه: الباب الذي لا يوحي بما خلفه، الدهليز المعتم، المؤدي إلى باحة الدار والليوان، جنة الأزهار والورود وأحواض العرائش والأشجار المثمرة. القسم التحتاني من البيت؛ القاعة والصاليا، المطبخ، ثم الدرج المؤدي إلى الفوقاني؛ غرف النوم، الفرنكة، ومن ثم السطح. عدا ما يحتويه من دخلجات مثل، الداكونة، بيت المونة، الليوك، الخص… في كل زاوية ذكرى أو ذكريات، تختزن ما لا يبتذل ولا يباح به.
الشوارع لم تتغير كثيراً، كانت هادئة حركة السير قليلة وغارقة في النعاس، اليوم تشكو من الازدحام وغارقة في الوجوم. دمشق المدينة الحالمة، هذا ما كانته، وهو زمن يبدو الآن كأنه لم يكن، أشبه بحلم ليلة صيف، لن يتجسد أبدا، بالمقارنة مع الثكنة العسكرية التي أمست عليها اليوم، منذ بدأ الربيع العربي واندلعت الاحتجاجات في أرجاء سورية. باتت دمشق تعج بمناظر فظة ومستهجنة، الأسوار الاسمنتية العالية، استحكامات الأكياس الرملية، شبيحة بعضلاتهم المفتولة ولحاهم المقرفة ونظراتهم المفترسة، وعسكر بلباس الميدان الكامل، يستوقفونك بخشونة، يرطنون بالشتائم، ويستفزونك بغلاظة، يسددون أسلحتهم نحوك ويسألونك عن هويتك.
ومنهم أيضاً الكثيرون الذين يؤدون الخدمة العسكرية، تلاحظهم غير راغبين بما يقومون به، يتعاملون مع الناس بلطف، يتبادلون الكلام معهم بخجل، متعبين يعانون من الحر والبرد، وأيضاً من الجوع. عندما تصادفهم تطمئن، ليسوا قلة، ولا نادرين. هذا جيش البلاد الذي جرى تشويهه. هؤلاء الشبان معرضون للموت من الجانبين، من ضباطهم إذا راودتهم الشكوك فيهم، ومن الثوار لأنهم جنود.
دمشق مدينة مفتوحة على الدمار، مداخلها ركام وحطام. الأحزان لأهاليها، والأفراح لمؤيدي النظام، يطلقون الرصاص بوفرة وكثافة احتفاء بخطابات الرئيس. عربات الزيل كتب عليها “الأسد أو لا أحد”، “الأسد أو نحرق البلد”. الجنود يهتفون: “الله، سورية، بشار وبس”. قصف وانفجارات وتفجيرات، طائرات الميغ الروسية تحلق في السماء، يُسمع دويها، ثم تُرى بالعين المجردة، تطلق صواريخها من بعيد على أبنية يظللها الغبش الرمادي، لتظهر بعد قليل مآذن الجوامع تبتهل إلى السماء من خلال أعمدة الدخان المتصاعدة. طائرات الهيلوكوبتر المحملة بالبراميل المتفجرة تنطلق نحو داريا والقابون والغوطة… أو تعلو في السماء، وإذا انقضت على الأرض فلتمشط البساتين والحقول، كأنها تقوم برش المبيدات على الحشرات، بينما هي تطلق الرصاص على كل ما يتحرك. جبل قاسيون المطل على منظر دمشق الساحر في الليل، زرع بمنصات لإطلاق الصواريخ. القناصون يعتلون الدوائر الحكومية ومعظم الأبنية السكنية العالية. الطرق الرئيسة والفرعية والأزقة والساحات والأسواق تتقاسمها اللجان الشعبية وشبيحة مدججون بالأسلحة وجعب الذخيرة. تراهم جالسين على الكراسي والكنبات المنهوبة ، يشربون المتة والشاي ويدخنون الأركيلة، وخلفهم كتب على الجدار: “شبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد”.
كل من يعتقل، بصرف النظر عن السن أو المكانة أو العمل، سيكون مصيره مجهولاً تماماً، يعتمد على الحظ والمصادفة. في الحروب الهمجية، الحظوظ معدومة، والمصادفات قاتلة. حلقة مفرغة، ودوامة من أخبار تحطم الأعصاب، صور شهداء شبان في زهرة العمر، تركوا دراستهم الجامعية والتحقوا بالثورة، أو في جيش النظام قتلوا أثناء دفاعهم ليس عن الوطن. عائلات بأكملها ماتت تحت الركام، ناشطون شبان أعدموا ميدانياً، معتقلون على الحواجز أو أثناء المداهمات قتلوا دعساً بالبساطير، وفعست رؤوسهم بالأحجار. متطوعو إسعاف وإغاثة اعتقلوا وأعيدوا جثثاً هامدة. أطفال قتلوا برصاص القنص عن قصد، نساء صرعى أجسادهن ملقاة في الشوارع لا يستطيع أحد الاقتراب منهن خوفاً من القناصة…. سعيد من يجد من يدفنه سواء في قبر أو حفرة، بدلاً من أن يترك طعماً للكلاب.
كل شيء تغير، سكان العاصمة ازداد عددهم مع أن الكثير من العائلات هجروها، حل محلهم نازحون من الأرياف، احتلوا الحدائق والمباني المهجورة، ينامون في العراء مع قليل من الأغطية، يقدمها إليهم المارة والجمعيات الخيرية، وينتظرون من يقدم لهم وجبة طعام، أو يدبرون شيئاً ما يأكلونه. في رمضان والأعياد قد تكون حظوظهم أوفر، ففي إطعامهم ثواب.
الكتل الاسمنتية متناثرة في الشوارع أمام الأبنية الرسمية والمؤسسات الحكومية. الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش منتشرة عند كل بوابة وحي وزقاق. نقاط عسكرية تدل إليها لوحات كتبت عليها عبارة “يمنع المرور”. المؤسسات الحكومية تحولت إلى معسكرات للجان شعبية وقوات الدفاع الوطني ينطلقون منها لعمليات المداهمة. يقدر النشطاء ان حوالي 300 حاجز ونقطة تفتيش متوزعة في مداخل ومخارج الأحياء. أطراف دمشق الساخنة أغلبها تسيطر عليها المعارضة بدءاً من داريا والحجر الأسود مروراً بنهر عيشة جنوب دمشق. بات مألوفاً مشهد ازدحام السيارات وتعالي صيحات السائقين من طابور طويل قد يستغرق ساعات. أصبح أمراً عاديا انقطاع تيار الكهرباء ومياه الشرب وخدمات الانترنت والاتصالات، ألفه سكان دمشق.
دمشق اليوم مدينة محتلة، لميليشيات محلية ولبنانية وعراقية وإيرانية يصعب حصرها ذات صبغة مذهبية، التاريخ عاد بها إلى عصور بادت، واستردت حظوتها في زمن ليس زمنها. يبدو زوال دمشق قريباً، وحلّ أوان الوداع.
أهلها يعتقدون أنها باقية، رغم أنها لبست لباساً موحداً، لباس الحرب والموت.
نشر هذا المقال بنائا على شراكة مع جدلية.
[.This article is published jointly in partnership with Jadaliyya]
بواسطة Salon Syria Team | أغسطس 28, 2017 | News
الحل الشامل ينقذ مناطق «خفض التصعيد» من تقسيم أمر واقع
“تراجعت حدة القتال بين القوات النظام السوري وفصائل «الجيش الحر»، وأخرى إسلامية بفضل بدء تنفيذ وقف النار في ثلاث من أربع مناطق لـ«خفض التصعيد»، مقابل استمرار قتال معظم الأطراف لتنظيم داعش، شرق البلاد، وإعطاء فرصة لانتقال عناصر «هيئة تحرير الشام» التي تضم «فتح الشام» (النصرة سابقاً) إلى إدلب بانتظار حسم مصيرها. لكن ذلك لا يعني انتهاء الحرب، إذ يُتوقع اندلاع حروب جديدة أو صراعات جدية في البلاد خلال المدى المتوسط والطويل، خصوصاً في حال لم تلحق مناطق الاستقرار المؤقت بحل سياسي شامل عاجل واستقرت على تقسيم أمر واقع. وهنا بعض الاحتمالات:
الجنوب السوري
تعتقد واشنطن أنها حققت اختراقاً بموافقة موسكو على «عدم وجود قوات غير سورية» في مناطق «هدنة الجنوب» في درعا والقنيطرة والسويداء، ما يعني انسحاب تنظيمات تدعمها إيران و«حزب الله» بين ثمانية كيلومترات و32 كيلومتراً، مقابل قناعة موسكو بأنها جلبت واشنطن إلى التعاون رغم التوتر الكبير بينهما. يتضمن اتفاق «هدنة الجنوب» تأسيس مركز رقابة في عمان واحتفاظ المعارضة بسلاحها الثقيل والخفيف وتحديد خطوط القتال وبدء تبادل تجاري مع مناطق النظام وتشكيل مجلس محلي معارض واحتمال عودة اللاجئين من الأردن أو نازحين قرب الحدود. لكن احتمال الحرب هنا يأتي من أن إسرائيل غير راضية عن نتائج الاتفاق، لأنه قيد حركة طائراتها في قصف أهداف لـ«حزب الله» أو تنظيمات إيرانية قرب الجولان أو جنوب البلاد، وقناعتها أن روسيا لن تطلب من مجموعات إيران الانسحاب إلى «مسافة كافية»، ما يعني أنها ستلجأ إلى استئناف ضرباتها الجوية قرب دمشق ومناطق أخرى بين العاصمة السورية والجولان المحتل ما يهدد بمواجهة لها بعد إقليمي ودولي.
اقتتال فصائل المعارضة
مطلوب من فصائل «الجيش الحر» بموجب اتفاقات «خفض التصعيد»، أن تقاتل «داعش» وفكره عسكرياً وسياسياً وتطرد «هيئة تحرير الشام» (النصرة) بعد مهلة سماح، ما يعني احتمال حصول «اقتتال الإخوة» بين فصائل كانت تقاتل معاً ضد قوات النظام في مرات سابقة. حصل الاقتتال سابقاً في الغوطة الشرقية لدمشق قبل أن ينضم «جيش الإسلام» إلى الهدنة في دوما ثم «فيلق الرحمن» في جوبر والغوطة الشرقية، لكن «هيئة تحرير الشام» لا تزال خارج الاتفاق. ونص الاتفاق: «التزم الطرف الأول (الجيش الحر) منع وجود منتسبي (هيئة تحرير الشام)، في المناطق الخاضعة لسيطرته بمنطقة خفض التصعيد، ويشدد على موقفه الرافض لتنظيم (داعش) و(النصرة)، وفكرهما المتطرف في أي من مناطق سيطرته. في حال استعداد منتسبي (جبهة النصرة) للمغادرة مع أو من دون أسرهم إلى إدلب يتم توفير ضمانات للعبور الأمن من الطرف الثاني لهذا الاتفاق».
طموحات قوات النظام
لم تتغير خطة دمشق لـ«حل عسكري». هي تنتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على مناطق المعارضة لـ«عودة الجميع إلى الدولة»، واعتبار «الهدنة فرصة للمصالحة مع الدولة». كما أن دمشق ترفض وجود مجالس محلية للمعارضة على عكس موقف موسكو ونصوص اتفاقات الهدنة.
كانت وزارة الدفاع الروسية نشرت نحو ألف عنصر من الشرطة العسكرية الروسية (الشيشان) في مناطق «خفض التصعيد». انتشر بعضهم في القنيطرة ودرعا وغوطة دمشق وريف حمص. هم يشكلون سداً حالياً أمام طموحات دمشق التي تفتقر إلى الموارد البشرية في القوات النظامية، لكن مع مرور الوقت وزيادة الثقة في دمشق، قد تتحدى هذه القوات خطوط التماس خصوصاً أن الفرق بين مقاربة روسيا ودمشق ليس مختلفاً كثيراً لجهة بسط سيطرة «سلطة الدولة» و«الحفاظ على وحدة سوريا بموجب نص القرار 2254».
ميليشيات وجيش
في مناطق قوات النظام في «سوريا المفيدة» التي تتمدد إلى الموارد الطبيعية وغاز ونفط شرقي البلاد، بات موضوع إعادة الإعمار بمثابة «معركة» بسبب رفض دول غربية دعم ذلك دون حل سياسي مقبول وغياب القدرة المالية لحلفاء النظام في روسيا وإيران لتعويض كلفة الدمار التي تتجاوز 250 مليار دولار أميركي.
هناك أيضاً، بوادر معارك أخرى بين «أمراء الحرب» ورجال الأعمال الجدد الذي برزوا في اقتصاد الحرب ويتنافسون على حصة في مستقبل البلاد التي زادت فيها معدلات الجريمة والفساد، وتراجعت الكفاية الإدارية وسلسلة ترابط السلطة. لكن الحروب الأخرى المحتملة، هي بين ميليشيات تابعة لإيران تضم عناصر سوريين وأجانب يدينون بالولاء لطهران، وبين قوات النظام التي تضم الجيش وقوات تحاول روسيا الحفاظ عليها. وتطرح موسكو هنا وراء أبواب مغلقة تشكيل مجلس عسكري مشترك يعكس توازنات إقليمية ومحلية داخلية من عرب وأكراد.
إدلب بين الحرب والعزلة
في إدلب نحو مليوني مدني وأكثر من خمسين ألف مقاتل من فصائل إسلامية ومتشددة ومعتدلة، بينها أكثر من عشرة آلاف في «هيئة تحرير الشام». تعتقد واشنطن بوجود عشرة آلاف من «القاعدة» باعتبار أن «النصرة» جزء من «القاعدة». لكن أنقرة تسعى إلى حلول وسط بينها خطة نشرت في صحيفة «يني شفق»، نصت على: «إدارة مدنية لإدلب، تحويل (الجيش الحر) إلى شرطة مدنية، حل (هيئة تحرير الشام) نفسها».
لا تزال الاتصالات جارية لحسم مستقبل إدلب. وهناك اقتراح بـ«عزل إدلب» وضربات جراحية ضد قادة «القاعدة» مع عمليات برية خاطفة. لكن دمشق تراهن على تحويل إدلب إلى «مشكلة دولية» تتطلب «حلاً دولياً» ربما عبر تحالف وتنسيق أميركي – روسي يتضمنان «استعادة النظام شرعية»، بحسب تفكير مسؤولين في إدلب.
أتراك وأكراد
أمام تقدم «قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم في شكل رئيسي «وحدات حماية الشعب» الكردية شمال شرقي سوريا، يزداد القلق التركي لثلاثة أسباب: أولاً، تقدم الأكراد بسلاح أميركي وغطاء التحالف الدولي. الثالث، اعتبار أكراد سوريا امتداداً لأكراد جنوب تركيا. الثالث، وجود كيان كردي سوري وزيادة وجود إقليم كردستان العراق سينقلان الإلهام السياسي – الجغرافي إلى تركيا التي باتت تحت ضغط أميركي وروسي.
دفعت هذه الأمور إلى بدايات تنسيق بين إيران وتركيا ضد «غرب كردستان» (شمال سوريا) تشبه التنسيق الثلاثي الذي ضمهما مع دمشق نهاية التسعينات ضد أكراد شمال العراق. رغم تطمينات واشنطن من أنه لا وعود سياسية لأكراد سوريا، وأن السلاح الأميركي والأوروبي سيُسحب من «وحدات الحماية» بعد القضاء على «داعش»، فإن الجيش التركي قد يجد نفسه مضطراً لتوسيع المواجهة ضد الأكراد والتوغل شمال سوريا، كما حصل قبل عقد في العراق.
دمشق كانت غضت الطرف عن إنجازات الأكراد منذ منتصف 2012 لأنهم لم يكونوا أولوية. لكن مع مرور الوقت وزيادة الثقة وتراجع «الجيش الحر» يمكن فتح جبهة جديدة بين دمشق والأكراد أو أن تغض دمشق الطرف عن ضربات يقوم بها الجيش التركي ضد الأكراد. حصل ذلك سابقاً في العراق قبل سنوات. كما أن دمشق لم تقم بالكثير عندما دعم الجيش التركي فصائل «درع الفرات» لإقامة جيب بين حلب والحدود.
وادي الفرات
يدرك «الاتحاد الديمقراطي الكردي» الجناح السياسي لـ«الوحدات» أن واشنطن خانت أكراد العراق في السبعينات وشيعة العراق في التسعينات والعرب السنة في سوريا في السنوات الأخيرة. لذلك، هم لا يستبعدون خيانة أميركية لأكراد سوريا بعد سنوات من القضاء على «داعش». بعض المسؤولين الأكراد يرى مصلحة في التروي في المعارك ضد «داعش» لتكريس الوجود العسكري على الأرض في فيدرالية شمال سوريا، في حين يُهيئ مسؤولون أكراد آخرون أنفسهم لـ«معركة كبرى» في وادي الفرات باعتبار أن عناصر التنظيم يتجمعون بعد هروبهم من مخارج في الرقة ودير الزور وغرب العراق. صحيح أن الخط الساخن بين موسكو وواشنطن يمنع الاحتكاك شرق سوريا بين قوات النظام و«حزب الله» المدعومة من الجيش الروسي التي تتقدم نحو دير الزور من جهة، و«قوات سوريا الديمقراطية» التي يدعمها التحالف الدولي بقيادة أميركا وتتقدم في الرقة وريفها من جهة أخرى.
لكن المواجهة ممكنة خصوصاً أن إيران تريد اختبار مدى التصميم الأميركي عسكرياً شرق سوريا سواء بالتمدد شمال قاعدة التنف الأميركية شرق العراق باتجاه البوكمال ودير الزور لربط «هدنة الجنوب» بـ«إقليم الرقة» أو بتشجيع فصائل في «الحشد الشعبي» العراقي للتوغل شرق سوريا، ما يفسح في المجال لاحتمال مواجهة مع «قوات سوريا الديمقراطية» أو تفككها عرباً وأكراداً بعد فترة على استقرار مؤقت في هذه المنطقة المحررة من «داعش».”
تم نشر هذا المقال في «الشرق الأوسط»
[This article was originally posted on Aawsat]
بواسطة BBC | أغسطس 23, 2017 | Cost of War, News, غير مصنف
“US-led coalition air strikes have killed dozens of civilians in the Syrian city of Raqqa over the past 24 hours, activists and state media say.
The Syrian Observatory for Human Rights reported that 42 had died in attacks on areas held by so-called Islamic State.
Anti-IS group Raqqa is Being Slaughtered Silently said 32 were killed in one district alone.
The coalition said it adhered to strict targeting processes and procedures aimed to minimise risks to civilians.
Its aircraft are supporting a ground assault on Raqqa by the Syrian Democratic Forces (SDF) alliance, which is believed to have captured more than than half of the de facto capital of the IS “caliphate” since early June.
The Syrian Observatory, a UK-based group that monitors the six-year-old civil war through a network of sources, said on Tuesday that 19 children and 12 women were among those killed in Monday’s air raids on the Sukhani and Badu districts.
The figures took to 167 the number of civilians killed in coalition strikes since 14 August, it said.
‘The tolls are high because the air strikes are hitting neighbourhoods in the city centre that are densely packed with civilians,’ Syrian Observatory director Rami Abdul Rahman told AFP news agency.
Hussam Essa of Raqqa is Being Slaughtered Silently said: ‘Unfortunately, civilians have no way to protect themselves. All they can do is try to hide in whatever shelter they can and avoid going out into the street as much as possible.’
The coalition said it took all allegations of civilian casualties seriously and assessed those deemed credible, but that those made by the Syrian Observatory in recent days lacked ‘specificity and detail making it very difficult to properly assess.’
‘The coalition respects human life and our goal is always for zero civilian casualties,’ it added. ‘Coalition forces take all reasonable precautions during the planning and execution of airstrikes to reduce the risk of harm to civilians.’
Earlier, it said coalition warplanes had conducted 20 air strikes in the Raqqa area on Monday, engaging 13 IS tactical units and destroying 24 fighting positions, a vehicle, a logistics node and communications infrastructure.
At the start of June, the coalition said its 22,983 air strikes in Syria and Iraq since 2014 had unintentionally killed at least 624 civilians. However, human rights groups believe the true figure is far higher.
Airwars, an organisation that tracks allegations of civilian deaths, said that as of 8 August, coalition air strikes were likely to have killed at least 4,487 civilians.
On Monday, UN spokesman Stéphane Dujarric told reporters that it was deeply concerned for the safety of up to 25,000 civilians trapped inside Raqqa, many of them women and children.
Tens of thousands of people had fled the city, but those remaining faced severe restrictions of movement in and out of the city, which had dwindling food and water supplies, he said.
‘The UN stresses again that all parties to the fighting are obligated to protect civilians under international humanitarian law as well as the need for sustained and unhindered access to those who need help,’ Mr Dujarric added.”
[This article was originally published by the BBC.]
بواسطة أنس الأسعد | أغسطس 17, 2017 | Reports
أنس الأسعد
“تعود مدينة السويداء لتظهر من جديد في ساحة الخبر السوري مع مشهد اعتقال الناشط المدني والمعارض جبران سلامة مراد. الشاب الثلاثيني الذي ألقت دورية تابعة للمخابرات العسكرية القبض عليه، على الطريق بين مدينَتَي السويداءــ القريَّا، له سجلٌ حافل في النشاط السياسي والعمل على تحقيق أهداف الانتفاضة السورية في التحرر من الاستبداد، والتأسيس لحياة سياسية وديمقراطية في البلاد. فجبران ينتمي لعائلة لم تكن بعيدة عن أجواء الاعتقال والملاحقة في عهد الأسد الأب، والده سلامة مراد وعمّه حديثة مراد الوزير السابق وصاحب كتاب (تجربتان: سلطة واعتقال) قضى في السجن أكثر من 25 عاماً بعد الانقلاب الذي قاده حافظ الأسد ضد تيار صلاح جديد صبيحة 16 تشرين الثاني من عام 1970.
في التاسع من حزيران 2017 تمّ إلقاء القبض على جبران بعد عدّة اعتقالات سابقة وملاحقات لم تنتهِ حيث ما زالت السلطة الجمهوريّة المورَّثة في سوريا تواصل ممارسة سياساتها القمعية بحقّ أجيالٍ من المعارضة، وبحقّ أصحاب الرأي المختلف تحت ذريعة “الحرب على الإرهاب.”
وبفعل الحرب السوريّة التي أفقدت السلطةَ الكثير من أدوات هيمنتها وبطشها، تمكّن أفراد عائلة جبران من احتجاز عناصر تابعين للأمن راوح عددهم في أيام قليلة بين 7- 12 عناصراً. ثمّ احتشد أقارب جبران وعدد كبير من الناس التي رأت في قضية اعتقال الناشط جبران مراد قضية عامّة تستطيع من خلالها الاحتجاج على سائر التوغلات الأمنية، وبالفعل كانت الساحة أمام مبنى قيادة الشرطة هي المكان الأساسي حيث أُشعلت الإطارات وتمّ قطع الطريق على وقع وعود تفاوضية باردة من طرف السلطة، تولّتها بالمقابل قنواتٌ دينية (المؤسسة التقليدية القديمة مشايخ العقل، وحركة مشايخ الكرامة التي ظهرت بعد عام 2011) قبل أن يُصار إلى إطلاق سراح كل عناصر الأمن أو الجيش، لكنّ الخبرَ عن جبران غير مؤكّد، وكلُّ جهة أمنية تلقي بالتبعة على الأخرى 2.
لكن لا يمكن قراءة هذا الحدث الأخير معزولاً عن سياق ما جرى في المدينة خلال السنوات التي تلت الانتفاضة السورية. فرغم قربها الجغرافي من مهد الانتفاضة في درعا، احتفظت مدينة السويداء بخصوصية في الصراع السوري حيث لم تشهد دماراً أو حرباً أو تشكيلاتٍ لكتائب عسكرية معارضة كما حدث في معظم المناطق السورية الساخنة. لكن المدينة شهدت نقطة تحوّل أساسية في علاقات القوة بين أبناء المدينة من جهة وبين المدينة والمركز (دمشق) عقب اغتيال الشيخ وحيد البلعوس الذي يُعتبَر ظهوره مع حركته المسلحة “مشايخ الكرامة”، حتى اغتياله في أيلول 2015، مركزاً لكل قراءة سياسية في المدينة. وعليه لابدّ لنا من العودة قليلاً لأحداث الأعوام الماضية من أجل ترتيب المشهد ومحاولة فهمه.
-1-
لمع نجم رجل الدين الدرزي الشاب وحيد البلعوس (1972-2015) بعد عسكرة الانتفاضة السورية وتحولها إلى صراعٍ مسلح حيث خاضَ فصيلُه المعروف باسم “مشايخ الكرامة”، وبشكل مستقل نسبياً، عدّة معارك على أطراف محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، ضد قوى إسلامية محسوبة على المعارضة، كان أشهرها في صيف العام 2014. ثمّ بروزه كقوة احتجاج شعبي ومطلبي واجهت السلطة الحاكمة التي فتكت بالقوى السياسية المعارضة من جهة، وتصدّت، من جهة ثانية، لحالة الهشاشة والانكفاء التي ألمّت بهذه الكيانات والشخصيات.
في بدايات 2011 كانت الشريحة الاجتماعية في السويداء التي تلاقت مع شعارات الانتفاضة السورية، شريحة متعلّمة وذات انتماء سياسي (من الأحزاب التقليدية للمعارضة السورية). مع مرور الوقت وضمور أي دور اجتماعي لهذه الشريحة الهزيلة وسرعة مغادرتها للبلد، وتأزم الصراع المسلح ودمويته، دُفِعَ بالشيخ البلعوس إلى الواجهة، وبدأ باستقطاب شباب خابت آمالهم، وانسدّ الأفق بوجههم.
كان تبني البلعوس للمطالب الشعبية والمعيشية للناس تدريجياً وليس دفعةً واحدة، لكنّه كرجل دين صاحب توجّه إحيائي تعذّرَ معه ارتقاءُ خطابه السياسي، كما أنّ افتقادَ الصراع السوري لإطاره الوطني من جهة ثانية، وتنامي الأصوليات المقاتلة وخطابها الطائفي من جهة ثالثة، لم يساعد على حمل هذه المطالب وتحريرها من لغتها الدينية الخاصة ومقاطعتها مع مشاريع المعارضة السياسية، التي فضّل جزءٌ منها أن يستثمر بالحالة الدينية للبلعوس (كدرزي المذهب) كما هي، وسعى بمحاولات متكررة إلى فتح قنوات تواصل إعلامية وعسكرية مع حركته. في حين لم يصدر عن جزء آخر من المعارضة الداخلية (والعاملين فيها من أجل التوصّل لحل سياسي عبر صيغة توافق دولي)، أي تعليق رسمي أو اعتراف بهذه الظاهرة التي تمّ بالتالي تجاهلها.
-2-
ظلّت مدينة السويداء طيلة أربع سنوات من عمر الصراع السوري، تستوعب السوريين الذين هجّرتهم آلةُ الحرب النظامية من مختلف المدن، حرصت حركة البلعوس خلالها على ما سمّته بـ”تحريم التعدي منّا وعلينا”، وبالتالي لم تشترك مجموعته في نصب الحواجز التي أرهقت حركة النازحين، في حين لم تكن عناصر “الدفاع الوطني” التابعة لأجهزة المخابرات، لتتورّع عن الإساءة المباشرة للنازحين.
لكنّ التناقض الأبرز الذي وقع فيه حامل شعار “تحريم التعدي”، هو تولي فصيله المسلّح دون الفصائل الأخرى (وفي السويداء قرابة 17 فصيلاً بين العائلي والديني) عمليات الخطف والمبادلة سواء مع جبهة النصرة، أو قوى المعارضة الأخرى، أو حتى قبائل بدوية اتهمها البلعوس بمساندة النصرة واشتبك معهما في بلدة داما عند حصن اللجاة (أيلول 2014) وقضى بالمعركة أحد إخوته. هنا لعب العميد وفيق ناصر رئيسُ فرع الأمن العسكري في المدينة، دور “الناشط السلمي”، ليتّهم البلعوس ورجاله بإشاعة الفوضى وتهديد العيش المشترك مع الجارة درعا! بينما اتّهم البلعوس النظامَ والجيش بالتخلي عنه في هذه المعركة، لتبدأ العلاقة بينهما بالتوتر، ستصل لاحقاً إلى درجة إشاعة خبر إقالة النظام لرئيس هذا الفرع، لتهدئة الأنفس، قبل أن يعيده بعد أقل من أسبوع.
-3-
حاولت مجموعة “مشايخ الكرامة”، تأمين بديل خدمي للناس إثر تراجع الدور الخدمي للدولة، مع ذلك لم يستطع البلعوس أن يوسع قاعدته الشعبية بما يتوافق مع طموحه المذهبي، لأسباب تعود إلى حساسيات عشائرية داخل الطائفة الدرزية ذاتها، وميل قطاعاتٍ واسعة منها لعدم التورط في صراع مع النظام. بدورها اتهمت قوى المعارضة النظامَ بأنه يجيّر الأقليات عموماً لصالحه، ويتعامل مع الطائفة الدرزية من خلال زعمائها الدينيين.
أمجد (اسم مستعار) وهو شاب في منتصف الثلاثينات، اعتقله النظام لنشاطه السياسي أكثر من مرّة، وكان عضواً في إحدى تنسيقيات السويداء عام 2011، يلخص في حديثه وجهة النظر المعارضة وتخوفها من بروز العامل الطائفي في المدينة، مطلع العام 2015:
“ضَمن النظام سياسياً ولاء الرؤساء الروحيين للطائفة (مشايخ العقل: أحمد الهجري، يوسف جربوع، حمود الحناوي) إثر قرار الإبعاد الديني (أو ما يعرف بالحرم) الذي فرضه هؤلاء الثلاثة مجتمعين على البلعوس جرّاء تحطيم “مشايخ الكرامة” لحاجزٍ للمخابرات الجوية تكرّرت تعدياته على الناس، مطلع العام 2015″.
ويزعم أمجد بأنّ النظام قد أوعز “أمنياً لرئيس فرع الأمن العسكري بأكثر من ذلك خاصّة بعد أن تناول البلعوس، في تسجيلٍ هو الأشهر، رأس النظام (بشار الأسد) متهماً إياه بالتخلي عن المحافظة، مؤكداً أنه] أي البلعوس [يقول ما يقول ولا يريد غير سوريا وطناً، رافضاً أي كلام أو مشروع عن دولةٍ درزية. عندها راح الأمن العسكري يشكّل العصابات العائلية (أو ما تسمى الدروع والألوية) ويموّلها بالإضافة إلى حثالات الشبيحة”
-4-
جراء ذلك ارتفعت وتيرة المواجهة الشخصية بين البلعوس والسلطة، ثم كان رفض البلعوس الزجَّ بمجموعته في القتال إلى جانب النظام، بمعركة مطار الثعلة حزيران 2015 التي هاجمت فيها قوى إسلامية ومعارضة اللواء 52 شرقي درعا، لكن البلعوس لم يمتلك القدرة الكافية لمنع كتائب عائلية ودينية أو حتى حزبية (مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي) من الاشتراك مع النظام. الأمر الذي أوجد تلاقٍ بشكل أو بآخر مع أوساطٍ درزية، غير سورية، على عداءٍ شديد للنظام السوري مثل الوجيه الدرزي والنائب اللبناني وليد جنبلاط. كما حدث وتلقَّت حركة البلعوس تبرعاً بالأموال من دروز فلسطين بعيد مجزرة “قلب لوزة” التي ارتكبتها جبهة النصرة بإحدى القرى الدرزية في ريف إدلب، وتزامنها مع معركة مطار الثعلة، والخوف من دخول القوى الإسلامية للسويداء. أمّا الوجوه الدرزية، غير السورية أيضاً، إنما الموالية للنظام فقد ركزت في زياراتها للمدينة على اللقاء بمشايخ العقل، كما في حالة السياسيين اللبنانيين طلال أرسلان ووئام وهاب اللذين سبق لهما أن زارا البلعوس شخصياً أو عبر وفود، في داره الكائنة بمنطقة المزرعة، سنة 2011 وما قبلها، لدعم حركته الفتيَّة آنذاك.
بعد الموقف من معركة مطار الثعلة، تعزز إيمان قطاعات من الناس بجدوى حركة البلعوس بوصفها ملاذاً لعدد كبير من الشباب الذين لم يلتحقوا بالخدمة العسكرية بصفوف الجيش النظامي، يصف ماهر (اسم مستعار)، وهو أستاذ للرسم فُصل من المدرسة التي يُدرّس بها بعد طلبه كاحتياطي وعدم التحاقه، الخدمة الإلزامية بأنّها “باتت كابوساً يلاحق الشباب السوري بشكل عام، خاصة مع توسع النظام في طلب الاحتياط وإصداره قوائمَ مطوّلة بأسماء المفصولين من عملهم والكثير من هؤلاء الموظفين لم يعبّروا أساساً عن أي موقف معارض للنظام، الأمر الذي تركهم بلا مصدر دخل، وقطع عنهم قوت يومهم”.
-5-
بالعودة إلى الوضع الخدمي، صحيحٌ أنّ المحافظة لم تدخل الصراع المسلح كأرضٍ للمعارك لكنّ تململَ الناس بدا مقلقاً للسلطة. وتبلغ التقديرات المحلية (غير الرسمية) المتداولة لعدد من فقدوا حياتهم في صفوف الجيش النظامي بما يزيد عن 2000 شاب، (يُشار إليهم محلياً بـ”أبناء المحافظة” وذلك للتمويه على الحساسية الطائفية التي تخصّ وضع الأقلية الدرزية ومصيرها).
كما تدهور الوضع المعيشي بشكلٍ كبير مع تزايد الغلاء والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، الذي لم ينتظم حتى ضمن برامج التقنين المعلنة، وقد يمضي الأسبوع برمّته مقتصراً على بضعٍ ساعاتٍ من الكهرباء فقط، لكن تبقى الأزمة الخدمية الأكبر هي أزمة المحروقات (الوقود). وبعد شتاءٍ قارسٍ جداً خلال سنتي 2014 و2015، وندرة مادة المازوت أجبر الناس خلالها للاعتماد على الحطب ووسائل بدائية أخرى 3، برزت ظاهرة تبدو منافية للمنطق تماماً تمثلت بالتزايد الطردي لمحطات الوقود داخل المحافظة مع تناقص مادة الوقود الرسمي الذي توفره حكومياً! ونتيجةً لعمليات الاحتكار والتهريب تمكنت شخصياتٌ فاسدة مرتبطة بالأجهزة الأمنية وبعضها على رأس ميليشيات، أو تسخرُهم ضمن شبكاتها، من بناءٍ ثرواتٍ شخصية. اصطدم البلعوس مع بعض هذه الشبكات واستطاع أثناء العاصفة الثلجية مطلع العام 2015 من مصادرة شحنة مازوت حكومية وقام بتوزيعها على عدد من قرى الريف الغربي وقاعدته الشعبية في ناحية المزرعة 4. أستخدم مصطلح “التهريب” هنا تجاوزاً لأنه عندما كان بعض الشباب المعارض يقوم بتمرير “تهريب” الغذاء والأدوية لقرى درعا المحاصرة كان النظام يعتقل الناشطين القائمين على ذلك، أمّا عندما يقوم رؤساء عصابات بتمرير صهاريج من الوقود وقاطرات من الإسمنت (يستخدمها المقاتلون بصناعة الدشم) فإن الأرباح تُقتسم بينهم وبين السلطة والحواجز من جهة أخرى).
أمام هذا التناقض جاء تحرّك مجموعة شبابية حملت اسم “نظّف بلدك” قبل أن تتوسع وترفع شعاراً أكثر حدّة “خنقتونا” (1 أيلول، 2015) ولم تنادِ بالعنف ومثّلت صوت الناس ومطالبها المشروعة وتوقها إلى الحياة، في تأثرٍ نسبي من حيث التنظيم والشعارات بالتظاهرات المدنية التي عمّت شوارع بيروت تحت شعار “طلعت ريحتكن”. وبالفعل استمرّ الاعتصام لمدة 4 أيام أمام مبنى المحافظة، ردّت فيها السلطة على الاعتصام بقطع الانترنت والكهرباء عن المدينة. في حين صمد شباب الاعتصام والكثير منهم كان على رأس تظاهرات 2011 ويمتلك مستوى من الوعي السياسي حاول النظام طمسه لكنه فشل.
في هذه الفترة لم يحدث اعتداء على المتظاهرين من قبل تجمعات المسلحين الموالين للنظام، ونوعاً ما كانت حركة التظاهر أيسر بما لا يقارن مع مظاهرات 2011 التي حصلت في المدينة. لكن لا ينبغي النظر إلى التساهل الأمني مع هذه المظاهرات على أنّه مؤشر على تغير في سياسات النظام الأمنية أو بادرةٌ منه باتجاه انفتاحٍ سياسي تجاه المنطقة، بل لأن الجميع يدرك حجم السلاح الذي بات منتشراً بين الأهالي، والجميع يترقب ويتخوّف من الساعة التي سينفجر فيها بوجه الناس.
لم يتوقع أحدٌ أنّ اليوم الذي ارتفعت خلاله حدّة تحشيد المظاهرات وازداد عدد المشاركين في الاعتصام، مع إعلان الشيخ البلعوس استعداده لحماية القائمين عليه دون تدّخلٍ ميداني مباشر من رجاله 5، سيكون نقطة تحول فارقة في مسار الحراك السياسي والاجتماعي في السويداء. لم يتوقع أحدٌ أنّ الرابع من أيلول ( (2015سينتهي بجريمة اغتيال دموية راح ضحيتها الشيخ البلعوس نفسه في تفجير بعبوة ناسفة استهدف سيارته في طريقه من ظهر الجبل بمنطقة عين المرج، تلاها تفجيرٌ آخر داخل المشفى الوطن بلغ عدد ضحاياه 36 شخصاً.
-6-
سرعان ما اتهمت المعارضة السلطة الحاكمة بالوقوف خلف عمليتي الاغتيال والتفجير، وعمّت اضطرابات عنيفة شوارع المدينة ليلة الجمعة 4 أيلول 2015. أسقط المتظاهرون تمثال الرئيس السابق حافظ الأسد من أهم ساحة في المدينة (الصورة رقم 1)، واستلم عناصر من رجال الدين الدروز الحواجز على مدخل المدينة، في حين لم يعثر على أثر للمحافظ عاطف الندّاف، أو رؤساء الأفرع الأمنية، أو أمين فرع الحزب شبلي جنّود (الذي سيُقتل لاحقاً في ظروف غامضة 6). يزعم فايز وهو رجل دين شاب شارك في إسقاط التمثال أنّ هذه الشخصيات القيادية قد هربت إلى دمشق عشية عملية الاغتيال.
عقب الاغتيال، ساد جوٌّ من القلق والترقب بين أهالي المدنية لاسيما مع عزلها عن العالم الخارجي بقطع الإنترنت وعودة متقطعة للتيار الكهربائي، كما فاقمت الإشاعات من حدّة الخوف من قطع طريق السويداء دمشق، وكان طلاب جامعة دمشق أكثر المتخوفين من هذه الإشاعة. لكنّ الأيام التالية هدّأت من حدّة الاحتجاجات إلى حدّ كبير، مما أزعج أطيافاً من المعارضة السورية والناشطين الذين أملوا أن تكون نتائج حركة الاحتجاجات ذات جدوى سياسية أكبر من اقتصارها على إزالة تمثال وسط المدينة. وخبت آمالهم تدريجياً في الاستثمار في أي تصعيد، وتسخين الجبهات، دون أي تخطيط أو حساب لموازين القوى المجتمعية والمذهبيّة في مدينة السويداء!
-7-
بدأت السلطة بلملمة المشهد السياسي. فغياب شخصية دينية كاريزمية، مكّن من وضع حدّ لحركة “مشايخ الكرامة” بأسرها، في ظل افتقار هذه الحركة أصلاً لأي برنامج سياسي يضغط معها صوب تحقيق أهدافها، وتعويلها فقط على مفهوم “الرجولة” الأمر الذي يضعها في مهب رياح المناوأة والاستثمار على حد سواء، دون أن يكون لها هي في ذاتها شيء.
أمّا بعض الفصائل المعارضة المنخرطة بالصراع العسكري، والتابعة لجهة معارضة رسمية كالائتلاف، فقد خسرت صوتاً من الداخل. فرغم أن حركة “مشايخ الكرامة” لم تُعرّف أو تعي نفسها كحركة معارضة لكن تطوّرها التدريجي وتزايد شعبيتها كان سيفيد المعارضة السياسية في حال لو فتحت قنوات اتصال مع الحركة. أما من الناحية العسكرية، كان من شأن التحالف أن يؤدي إلى تكوين تراكم يُرجّح الميزان العسكري لصالح معاركها، ويُحرّر قوى المعارضة المسلحة “إعلامياً” من وصفها بالإسلامية أو المتطرفة بناءً على موقف تقارب مع رجل دين ينتمي للأقلية الدرزية، الأمر الذي كان من شأنه أن يُربك علاقة النظام بهذه الأقلية، خاصة أن دعاية النظام ــ بحسب زعم المعارضةــ تقوم على ادعائه بحماية الأقليات.
وبالفعل خرجت أصوات إعلامية تابعة للمعارضة لتروّج لبعض العبارات السهلة والمكررة عن التحاق المدينة بالثورة، وعن التحرير والإدارة الذاتية وتقديم الدعم العسكري. متجاهلين أنّ أقدام هؤلاء أساساً غير ثابتة في مناطق سيطرتهم المزعومة والتي تتعرض لشتى أنواع التهديد ومن أفرقة مختلفين. فلم يعد المشهد بعد عسكرة الانتفاضة السورية وتحولها إلى حربٍ طاحنة كما كان خلال الأشهر الأولى، وقد خبر ورأى معظم المدنيين بأعينهم كيف تحكم المعارضة مناطقها “المحررة” (أو بالأدق كيف لا تحكم، إنما تتركها للمتطرفين)، وسرعة قصف النظام لها بالبراميل، كما خبروا فرارَ الناس منها، على اختلاف أسبابه.
هذه القراءة الرغبوية لما جرى في السويداء آنذاك، وما يجري الآن من تنامي عمليات الخطف وتحوّلها لمصدر تمويل ذاتي للحركات المسلحة مقابل فديات مالية باهظة، يُغفل عنصراً أساسياً في تحليل ديناميكيات الصراع الأهلي المسلح. فكيف يتوّقع هؤلاء الخبراء والمحللون أن ينزلق أهالي مدينة السويداءــ وهم متخوفون من قطع طريق الشام-السويداء، والإجهاز الكامل على ما تبقى من الخدمات الأساسية الضرورية، ومن انتقال الصراع العسكري إلى شوارع المدينة التي بقيت آمنة نسبياً طيلة سنوات الحرب، ومن تصاعد الخطاب الطائفي والاستهداف المباشر (كمجزرة قرية قلب لوزة في إدلب في حزيران 2015)ــ 7 إلى مغامرة غير محسوبة العواقب وحسب وإنما أيضاً مضرّة بمصالحهم اليومية.
-8-
في أيلول 2015 هزّت الحربُ السورية السويداءَ وضربتها في قلبها، وبدا الصراع وشيكاً خلال أيام ومرشحاً للتصعيد، وشهد انتقالاً من أطراف المحافظة إلى مركزها، وبين مواطنيها أنفسهم، إلا أنّ الولاءات هنا تتوزع فيما هو أوسع ومختلِف تماماً عن ثنائية القياس المحدود بين موالي ومعارض، كما أنّ الاعترافات التي بثّها التلفزيون السوري 8 يوم الأحد (التالي ليوم الجمعة الذي وقعت فيه عملية التفجير) لمن يقال إنه المتهم الرئيسي بعملية الاغتيال (المدعو وافد أبو ترابة) قد ساهمت في نشر الشكوك والبلبلة بين “عائلات” الضحايا. وبالرغم من ركاكة الحبكة، لكنّ الأسماء التي ذكرها المتهم تمّ اختيارها لتلائم الحساسيات العشائرية ضمن الطائفة الدرزية ذاتها، وهنا يتحوّل السبب الواهي إلى سبب ضروري يتمثل باستدعاء موروثات محلية تحت اسم ‘حقن الدماء’.
مع رؤية الأمور من هذه الزاوية قلّت فُرص دخول السويداء على خط النار بالرغم من “عروض القوة” التي خوّفت بها الفصائل المسلحة الدرزية (داخل المحافظة) بعضها البعض من جهة، وتخوّف الناس أجمعين من جهة أخرى. عدا عن الأداء المعارض الهزيل وعجزه عن تقديم بديل للناس، كلُّ ما سبق لم يدفع بالمدينة للترحيب ببيانات الكتائب المسلحة المعارضة (المحيطة بالمحافظة) والتي تدعو نفسها بنفسها للدخول وتحويل أرض المدينة إلى ساحة معركة، بعد أن ضاقت مساحات المدن المهدمة عليها. بل إنّ هكذا دعوة هي بالأصل ما خاضت المعارك ضده حركة الشيخ البلعوس.
بمعنى آخر إنّ الحساسيات السياسية والأهلية التي عرضنا تجاذباتها داخل المدينة وداخل الأقلية الدرزية تبدو غير مستعدة لخوض معركة غير واضحة المعالم، على أرضها وبدماء “أبنائها”، لتفرّط بباقي ما تبقى من شبابها الميّت والمهجّر مقابل الوعود فقط. ولو أنّ خلاصةً كهذه قد تُغضب الناشطين المتحمسين الذين سرعان ما انحطّت لغتهم لمستوى من القَبَليّة لدرجة أنهم صاروا يعيّرون الأهالي بالجبن وقلة النخوة، وكأنّ هذه القيم الثابتة والجوهرانية هي المحرّك الأساسي للناس لا الظروف السياسية والاقتصادية. هذا ولم نقل شيئاً عن الخطر الذي يتهدّد الجميع ويستغله الجميع وسبق أن حاول مراراً غزو أطراف المحافظة فعلياً من ناحية البادية الشرقية، ونقصد هنا داعش.
أخيراً جرى عبر هذه الجريمة المنظّمة تصفيةُ عدة أصواتٍ لا صوتاً واحداً: كان البلعوس يتحرك باتجاه أكثر ثباتاً وقوة في معارضته الحازمة للسلطة وخلال أربعة أيام كان الحراك المدني “خنقتونا” يتطور بشكل سريع، فجاء الاغتيال ليقطع مسار تطور الاثنين ويضعنا على أعتاب مرحلة أكثر عنفاً، ليبقى الشيء الوحيد الأكيد أنّه من غير الممكن تحليل مسارات الصراع وعلاقات القوى دون الأخذ بعين الاعتبار تفاعل السكان المحليين وإمكاناتهم المادية من جهة، والمصادر التي تشكّل وعيهم من جهة ثانية، كما لن يتيسّر لأي جماعة سورية الخروج من هذا النفق إلا بإيجاد صيغة دولية لحل عادل يخلّص السوريين أجمعين ويضع حداً لمأساتهم قبل تورّط ما تبقّى منهم في دوامة الحرب والدم.
هوامش
1- ملاحظة: كُتبت هذه المشاهدات في السويداء مباشرة بعد عملية الاغتيال وتم تعديله ليتوافق مع الأحداث الأخيرة
2- تم إطلاق سراح جبران مراد أخيراً في 20 تموز بعد مرور قرابة أربعين يوماً على اعتقاله.
3- للاطلاع على تفاصيل الاحتطاب والمصادر البديلة للوقود في محافظة السويداء، يمكن مراجعة: الحناوي، معتز، ” سنديان السويداء ولعنة الحرب السورية.” جدلية، 23 حزيران، 2017
4- في الفيديو التالي المصوّر في قرية المزرعة في السويداء بتاريخ 10 كانون الثاني2015، يتحدّث الشيخ البلعوس عن أزمة المازوت وسبب الخلاف مع السلطة التي حاولت مصادرة شحنة مازوت وصلت إلى محطة خالد نصر للوقود لتغطية حاجة الأهالي خلال فصل الشتاء القارس. حاول “بعض المسؤولين،” بحسب البلعوس، في الأجهزة الأمنية مصادرة المازوت بذريعة أنه “مُهرّب” و”غير نظامي” رغم دخول الشاحنة قانونياً عبر الحدود اللبنانية-السورية لإعادة توزيعه على أقاربهم وشبكاتهم.
5- كان الشيخ البلعوس يتحاشى الاصطدام المباشر برجال الأمن وموالين النظام المسلحين الذين يعتبرهم بأنهم من “أبناء” المحافظة، وقد خَبِرتُ بناءً على مشاهدات عينية مباشرة وسمعت مراراً استخدام البلعوس لتعبير أبناء المحافظة في قرية المزرعة في السويداء. وقد أشرت إلى أنّ استخدام توصيف “أبناء المحافظة” لا يضمر حساسية دينية فقط (من هم هؤلاء الأبناء؟) بقدر ما يظهر بالمقابل نوعاً من الحرص الأبوي عليهم. وبالتالي مهما اختلف الموقف السياسي للجهة أو الشخص الذي يصدر على لسانه هذا التوصيف فإنّ الظهور بمظهر الحريص سيكسبه بالضرورة رأسمالاً شعبياً سهلاً وغير مكلف مقارنة بالمواجهات الميدانية المباشرة التي لا يضمن أحد نتائجها.
6- الديك، رفعت، ” استشهاد الرفيق شبلي جنّود أمين فرع السويداء للحزب.” البعث نيوز، 6 تشرين الثاني، 2015
7- Aymenn Jawad Al-Tamimi. (June 15, 2015). ”The Massacre of Druze Villagers in Qalb Lawza, Idlib Province.” Syria Comment.
8- SyrianTVChannels2، “التسجيل الكامل لاعتراف الإرهابي أبو ترابي 07.09.2015،” يوتيوب. (تم رفع المقابلة/”الاعتراف” على قناة التلفزيون السوري الرسمية على اليوتيوب بتاريخ 7 أيلول، 2015) “
نشر هذا المقال بنائا على شراكة مع جدلية.
[This article is published jointly in partnership with Jadaliyya.]