بواسطة عمر الشيخ | يونيو 4, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
خلّفت الحقبة الأسديّة حُطاماً ثقافيّاً ولغويّاً ثقيلاً، إذ وجد السوريون أنفسهم محاصرين داخل منظومة خطابية مشوّهة، نشأت على مدى عقود من هندسة المعاني وتزييف المفاهيم. لم تكن اللّغة مجرّد وسيلة للتعبير، بل تحوّلت إلى أداة ضبط وهيمنة، تجاوزت دورها الطبيعي، لتُعاد صياغة مفاهيم مثل “الحريّة” و”المقاومة” وتُدمج قسراً في منظومة الإخضاع.
شعار “المقاومة”، مثلاً، ظل مرفوعاً في كلّ خطاب سياسي أو إعلامي رسمي، لكنه لم يرتبط قطّ بمسار حقيقي لاستعادة الأرض أو السيادة. لقد أصبح غطاءً أيديولوجياً لتغلغل الميليشيات الإيرانية في البنية السورية، ولإضفاء الشرعية على مصادرة ممتلكات النّاس وتوسيع نطاق التدخلات الأمنية والعسكرية في المجتمع. هكذا، تحوّل العنف المفرط ضدّ المطالبين بالحرية إلى مكوّن عضوي في سرديّة الدولة.
في المدارس، كانت مفردة “حرية” تُلقَّن للأطفال كلّ صباح كجزء من الشعارات البعثيّة، فيما كان الخوف يحكم الحياة المدرسية، ويشلّ قدرة التلاميذ على التفكير النقدي أو التعبير المستقل. وفي الإعلام الرسمي، ساد قاموس شعاراتي مغلق: “الصّمود”، “التصدي”، “المؤامرة الكونيّة”… كلّها صيغ لغوية خُلقت لا لكشف الواقع، بل لحجبه. ومع الوقت، لم تعد اللّغة أداة تفكير، غدت سياجاً ذهنياً يُحاصر الوعي ويمنع نشوء أي بديل سردي.
حتى في القضاء، تحوّل الخطاب إلى أداة قمع، فالمصطلحات نفسها -“وهن نفسية الأمة”، “إضعاف الشعور القومي”- كانت تُستخدم كذرائع جاهزة لإدانة المعارضين والناشطين الحقوقيين. هذه العبارات الفضفاضة شكلت امتداداً مباشراً للخطاب الأمني، ارتدى عباءة القانون ليمنح شرعية لأحكام جائرة تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبّد بحق السوريين.
في الإعلام الرسمي، تبنّى نظام الأسد، خطاباً تخوينياً ممنهجاً تجاه كل من خالفه، مستخدماً عبارات تُسقط المعارضين من موقع المواطَنة إلى موضع الشبهة والعمالة. وُصف المعارضون، وخصوصاً من بقوا داخل البلاد، بأنهم “يضعفون الروح الوطنية” أو “يخدمون أجندات خارجية”، وهي تعبيرات تحوّلت إلى أدوات ترهيب، صاغت مساحة عامة مخنوقة، صارت فيها كلّ كلمة محسوبة، وكلّ نية عرضة للتأويل.
هكذا، تسللت لغة التخوين إلى المخيلة العامة، واستقرت في لاوعي الجماعة كأداة رقابة داخلية. فحتى التعبير العابر عن تعاطف مع الثورة أو نقدٍ لمظاهر الفساد، كان كفيلاً بتحويل صاحبه إلى مشتبه به. لقد تحوّل الخوف من الكلمة إلى سياسة يومية، وجعل من بيئة العمل والمحيط الاجتماعي مصيدة دائمة، تُنصَب لمن يخرج عن القاموس الرسمي. لم تكن هذه حالة أمنية فحسب، بل منظومة خطابية متكاملة تنزع الشرعية عن أي اختلاف.
في المقابل، أُفرغت مفاهيم “الوطنية” و”المقاومة” من مضامينها الحقيقية، وأُعيد تدويرها لخدمة منطق السلطة. بدا نظام الأسد وكأنه يحتكر حق تعريف الوطنية، كما يحتكر حلفاؤه، وفي مقدمتهم حزب الله اللبناني، حق النطق باسم “المقاومة”. هذا الحزب الذي تأسس في سياق الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، تحوّل تدريجياً إلى أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، وشارك عملياً في قمع السوريين تحت راية تلك “المقاومة” التي جُرّدت من معناها التحرري.
لم يكن اغتيال حسن نصر الله، أمين عام حزب الله، نهاية مسار سياسي فحسب، بل لحظة انهيار لخطاب بُني طويلاً على خديعة مزدوجة: خديعة تمثيل المقاومة، وخديعة تأبيد السلاح بذريعة الدفاع عن الوطن. لقد احتكر الحزب حتى نيات المقاومة، وقرنها برؤية إيرانية فوق وطنية، لا تعبّر عن تطلعات اللبنانيين، بل عن استراتيجيات محورٍ يستخدم مفردات الصراع كذخيرة سياسية.
امتدت المأساة السورية من نظام قمعي أسقط البلاد في أزمات متلاحقة، إلى ما هو أعمق وأخطر: إلى الذهنية التي زرعها داخل المجتمع ومؤسساته، والتي ما تزال تواصل إعادة إنتاج نفسها بمرونة مثيرة للقلق. ذهنية تقوم على الشخصنة والولاء والمحسوبية، وقد تسللت حتى إلى مساحات التغيير، فعطّلت تشكّل خطاب بديل يعكس، بصدق، تطلعات السوريين.
في كثير من الحالات، تتخذ شعارات التغيير طابعاً شكلياً، ويجري استنساخ أدوات الخطاب القديم: من المبالغة التعبوية، إلى تحويل النقد إلى خيانة، وانتهاءً بتضييع البوصلة في معارك جانبية تستنزف الطاقات من دون إنتاج لغة سياسية جديدة. في المؤسسات العامة، وخصوصاً في الإعلام، ما تزال هذه الذهنية حاضرة بوضوح. ورغم توقف البث الرسمي للتلفزيون السوري لفترة طويلة، وعودته عبر بث تجربي لـ “الإخبارية السورية” بمحاولات خجولة للنهوض بإعلام احترافي لا يزال يتطلّب زمناً طويلاً، فإن كثيرين ممن احتفظوا بمواقعهم من الحقبة السابقة ما زالوا يتعاملون مع هذه المؤسسات بوصفها مساحات نفوذ شخصي وولاء سياسي، لا منصات لخدمة الجمهور أو لبناء إعلام مستقل.
المنطق نفسه يتكرر: أي منصب يصبح أداة لترسيخ السيطرة وتصفية الحسابات، بدلاً من أن يكون مسؤولية عامة أو فرصة لتطوير العمل. حتى لغة التخوين لم تغادر المشهد، بل أعيد تدويرها داخل الأطر “المجددة”، تُستعمل بالعبارات نفسها تقريباً التي استخدمها النظام ضد معارضيه، لكنها توجَّه اليوم ضد كل من يطمح إلى تجديد أو انفتاح.
استمرار هذه الثقافة يعني بقاء مؤسسات الدولة رهينة لتوجهات أيديولوجية قديمة، لا علاقة لها بمتطلبات المرحلة الانتقالية ولا بتطلعات الناس. وإذا أراد السوريون تجاوز هذا الركود، فعليهم أن يبدأوا من الجذر: تفكيك هذه الذهنية داخل المؤسسات وضمن الخطاب العام ذاته، ذلك الذي يُفترض أن يعيد بناء العلاقة بين الناس والدولة، على أساس جديد ومنطِق مغاير.
إنها أزمةٌ نفسية أيضاً، لا سياسية فقط. وما كشفته إشاعة عودة ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع، من حجم التفاعل الإيجابي في أوساط معينة، يعكس قابلية بعض الشرائح الاجتماعية لإعادة تدوير النظام ذاته، لا لضعف الذاكرة فقط، بل لأن أدوات الهيمنة الثقافية القديمة لم تُفكَّك بعد. لقد تَكرّس في المخيال الشعبي نوعٌ من الحنين المضاد للثورة، لا بفعل القناعة، بل نتيجة التآكل الطويل لمعاني التغيير، وسقوط نماذج البديل في فخ الخطاب نفسه الذي أرادت تجاوزه.
لكي نحرر أنفسنا، علينا أن نحرر اللّغة أولاً. يجب أن نفكك الخطاب القديم ونُزيل عنه طابع القداسة الذي جُمِّل به لعقود. علينا أن نُعيد النظر بجرأة في الدساتير التي وُضعت لتقييد الحريّة، وفي القوانين التي شُرعت لتكون أداةً في يد السلطة على حساب حقوق الإنسان وكرامته. لا يمكننا أن نسعى نحو صياغة مستقبلٍ عادل إذا لم نفهم آليات الظلم التي قيدتنا في الماضي. إن إزاحة الحرس القديم لنظام الأسد من مؤسسات الدولة تُعد خطوة ضرورية لبناء سورية الجديدة. يجب تفكيك الشبكات التي ما زالت تعمل في الظل داخل مؤسسات مثل مبنى التلفزيون السوري، الذي يعج بالمخبرين وعملاء النظام. هؤلاء الأشخاص ليسوا فقط بقايا نظام الاستبداد، بل إنهم أداةٌ استخدمها النظام لإيصال زملائهم إلى المعتقلات أو دفعهم نحو النفي خارج البلاد هؤلاء كشفتهم لغتهم العنيفة في التعبير عن ذاتهم كما شاهدنا في أحد منتديات الإعلام بعد سقوط النظام، وسط دمشق عبر سلوك “التشبيح” لمذيعة سابقة في قناة الإخبارية السورية، والتي كانت أبرز أقنية النظام السابق في تشويه الثورة السورية.
التغيير السياسي الحقيقي في سورية يبدأ بإعادة صياغة الخطاب العام ليعكس تطلعات الشعب للحرية والكرامة. المبادرات الإعلامية المستقلة، مثل منصات التوثيق الحقوقية، أثبتت أن السوريين قادرون على تجاوز خطاب النظام التقليدي الذي كان يقوم على التخوين والانقسام. هذه المبادرات تمثل خطوة عملية نحو خلق بديل يعبر عن معاناة السوريين بموضوعية. ولتحقيق المزيد من التقدم، يجب تعزيز هذه المنصات بدعم تقني ومادي لتوسيع نطاقها، مع التركيز على تدريب كوادر جديدة تمتلك أدوات التعبير المهني والحقوقي. كذلك، يمكن تطوير مشاريع تعليمية تهدف إلى رفع وعي الأفراد بحقوقهم السياسية والاجتماعية، مما يُمكّنهم من المشاركة الفاعلة في صياغة مستقبلهم.
على المستوى القانوني، ينبغي الضغط لإلغاء القوانين التي تُجرّم التعبير الحر، والعمل على إصدار تشريعات تضمن حرية الإعلام والتعبير عن الرأي، كخطوة أولى في استعادة الثقة بين المواطن والدولة. التحدي الأكبر في سورية هو تفكيك الثقافة البعثية التي كرست الولاءات الشخصية والمحسوبية داخل المؤسسات. لتحقيق ذلك، يجب إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية على أسس الكفاءة والشفافية، مع استبدال المسؤولين المرتبطين بالولاءات القديمة بكفاءات مستقلة.
على المستوى الثقافي، ينبغي إطلاق برامج تعزز قيم المواطنة والحقوق، مثل ورش عمل مجتمعية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. إصلاح التعليم والإعلام ليعكسا قيم الحرية والعدالة، إلى جانب إصدار قوانين تحمي حرية التعبير وتكافح الفساد، هي خطوات أساسية لرسم مستقبل جديد.
لا تكفي الثقة في توجهات القيادة الجديدة والتي ربّما تلعب دوراً محورياً، نظراً للتحرك البطيء الذي تنتهجه ولأن هذه الثقة تتطلب برنامجاً واضحاً يضمن المحاسبة والشفافية ويعزز التنوع في اختيار القيادات. على القيادة أن تدرك أن استبدال القيادات الكبيرة في البلاد لا يكفي، بل يجب تقديم نموذج إداري جديد يقطع مع الماضي ويؤسس لدولة المؤسسات الديموقراطية، لقد كشفتهم لغتهم البعثية ولم يعد بالإمكان الاعتماد عليهم أبداً.
هل يمكننا قراءة التاريخ بعين متجردة؟ وكيف يمكننا فهم الحاضر بعقلية تحليلية بعيداً عن الانحيازات؟ الأهم من ذلك، كيف نصنع مستقبلاً يتقاطع مع طموحات الشعب السوري المتنوع؟ هذه الأسئلة ليست مجرد استفسارات، بل دعوات ملحة للعمل والتفكير النقدي. في هذا السياق، يجب النظر بتمعن إلى طبيعة اللغة التي يستخدمها السوريون لفهم متغيرات الدولة في ظل الثورة. فالمسألة، رغم بدايتها اليوم، ستخضع للنقد والتطوير، لكنها لاحقاً قد تتحول إلى انعكاس لاستمرارية نمط الدولة القديمة، ما لم يتم تفكيكها جذرياً. الانتقال إلى مفردات جديدة تعبّر بصدق عن المرحلة الراهنة يتطلب التخلص تدريجياً من ركائز الدولة التي لا تزال تحمل ذهنية الماضي، سواء كانت أساسية أو ثانوية. هذه الركائز، بألفاظها وأدواتها، تعكس تصوراً مسبقاً للمستقبل وتمنع التفكير خارج إطار الدولة الشمولية والقبضة الأمنية. لم يعد اليوم بمقدور أحد تهديد السلطة بنفس أدوات النظام الساقط، كاستخدام المخابرات كوسيلة قمع، لكن التخلص من هذه الذهنية يتطلب تحولاً جذرياً في الفكر والممارسة على المستويين الفردي والمؤسسي.
بواسطة مفيد عيسى أحمد | مايو 29, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, مقالات
” لم يعد يجمعنا بهم إلا اللغة ويمكننا الاستغناء عنها بتعلم لغة جديدة جيلا بعد جيل،” هذا ما كتبه مثقف معروف على صفحته على الفيس بوك وما لبث أن حذفه لتناقض وقسوة التعليقات.
هذا القول يطرح قضية في منتهى الأهمية هي مسألة الانتماء والوطنية التي برزت من تداعيات وعقابيل الحرب السورية، خاصة بعد سقوط النظام البائد. قضية إشكالية قوّضت كل الشعارات التي كان يتغنى بها السوريون، تجلىّ ذلك بالدعوات التي انطلقت مؤخراً من مكونات ومناطق مختلفة في المجتمع السوري؛ من الأكراد والعلويين والدروز، تلك الدعوات التي توّجهت إلى دول وقوى دولية مختلفة بمضمون واحد تقريباً ورؤية جديدة للناحية الوطنية، إضافة إلى ما طرحه مؤيدو السلطة الجديدة من الطائفة السنية من توجه إسلامي يتخطى الوطنية.
هذه الدعوات لم تكن جديدة، فقد سبقتها دعوات مماثلة أطلقها أقطاب المعارضة لنظام الأسد منذ عام 2011، طالبت بنفس ما تطالب به الدعوات الآن؛ وكررتها على مدى سنوات الحرب ، كأن الأمر مجرد تبادل أدوار على ضوء تبدّل المواقع سياسياً وعسكرياً، فما كان يطالب به فريق المعارضة في بداية الأزمة وأثنائها حتى قبل سقوط نظام الأسد، صار يطالب به الفريق الآخر الذي صار في موقع المعارضة، رغم أنها معارضة ذات طابع مختلف، لا برنامج سياسي لها حتى الآن، معارضة رد الفعل لا أكثر.
الدعوات الأخيرة التي بيّنت هشاشة الحالة الوطنية السورية؛ انطلقت من مكونات المجتمع السوري، الطائفية والإثنية، ما يسمى الأقليات، تركزت على المطالبة بالفيدرالية كأسلوب لإدارة البلد، كما طالبت بالتدخل الدولي؛ إن كان على شكل حماية دولية وفق القانون الدولي، بقرار من مجلس الأمن، أو حماية دول معينة بغض النظر عن القانون الدولي، كما هو الوضع بالنسبة للأكراد الواقعين تحت حماية الأمريكيين و قوات التحالف الدولي، والدروز الذين ادعت إسرائيل حمايتهم، بينما العلويين لا يزالون يكررون دعواتهم، دون أن يستجيب لهم أحد حتى الآن.
رغم مطالبتها بالفيدرالية تؤكّد تلك الدعوات حرصها على وحدة سورية، لكنها وحدة تختلف عما كانت عليه؛ هي اتحاد فيدرالي بين أقاليم ذات إدارة ذاتية. لا يمكن إغفال أسباب هذه الدعوات وخلفيتها؛ التي تمثلّت بطروحات وشعارات استفزازية أطلقتها القوى التي سيطرت على السلطة والتي تمثّل الأكثرية طائفياً، وبالخوف من التعسّف والتهجير والقتل، خاصة بعد ما حدث مؤخراً من مذابح و تهجير في الساحل السوري وأماكن تواجد العلويين في الداخل، وأحداث العنف التي نشبت في جرمانا وأشرفية صحنايا والسويداء.
هذه الدعوات لا تقتصر على ما يدعى “الأقليات” ففي المقابل انطلقت دعوات لا تقل خطورة من الناحية الوطنية، نادت بها مجموعة من الأكثرية المتمثلة بالطائفة السنيّة، التي خرجت بمقولة عودة الأمويين، فدمشق برأيهم عادت لأصلها، دمشق الأقدم من الأمويين بآلاف السنين، حملت تلك الدعوة في طياتها شوفينية وتعالياً واضحاً وصل إلى حد التمييز العرقي والطائفي والتنمر وتمثّل في مقولة “الأمويون أصلهم ذهب” التي أتت على شكل أغنية أصبحت وكأنها نشيداً وطنياً وشعاراً لهذه الفئة من الشعب السوري.
في هذا الطرح إسقاط لكل ما هو وطني سوري واستحضار لخلافات قديمة سالفة وحساسيات تاريخية لا فائدة من طرحها، فالوطنية السورية الجامعة أشمل من أن تنسب لطيف واحد أو لمرحلة تاريخية بعينها.
يلتقي مع هذه الدعوة، خطاب السلطة الجديدة الذي أغفل ذكر مصطلح الوطن أو الوطنية في كل مفاصله وعلى كل المستويات، كما تجنّب مقاربة القضايا الوطنية كالجولان المحتل، واقتصر على التأكيد على وحدة سوريا، دون أن يعمل على تفكيك خوف وحذر المكونات المختلفة من توجهه الإسلامي المتشدد وراديكاليته المعروفة، عزّز ذلك بتصرفات وإجراءات كان لها أثر سلبي مما أعطى الدعوات للحماية الدولية والفيدرالية دفعاً وزخماً إضافياً.
لو استعرضنا ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي، والتعليقات والتفاعلات لتأكدنا أن هذه الدعوات لم تأت مخالفة للمزاج الشعبي لتلك المكونات، حتى لو أخذنا بالحسبان ما يسمى بالذباب الالكتروني. قرأنا منشورات كثيرة وتعليقات تؤيد ذلك وتؤكد عليه مثل: “إلى اللقاء في جغرافية أخرى،” و “لم يعد يجمعنا بلد واحد، إنها كذبة طويلة،” و “لا يمكن أن أكون في بلد واحد مع من يعتبرني كافراً.” وفي سياق التداول الشفوي كان الأمر واضحاً ويُعبّر عنه بصراحة ووضوح بمقولات مثل “لم يعد يجمعنا بهم شيئاً،” و”سوريا صارت من الماضي،” و “سوريا الله يرحمها.. بح،” و”بقاؤنا وحفظ رقابنا أهم من بقاء سوريا موحدة”….
ذهبت بعض الدعوات إلى ما هو أبعد من الفيدرالية، التقسيم بقيام دول منفصلة، مستحضرين سوابق تاريخية لقيام دول في سوريا على أساس ديني أو عرقي، مرددين أن سوريا في تاريخها لم تكن موحدة كما هي عليه الآن إلا في بداية العهد الأموي و بعد الاستقلال استمراراً حتى الآن.
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً تحريضياً باستحضارها السابقة التاريخية القريبة لتقسيم سوريا تحت الانتداب الفرنسي، فنشرت خرائط دويلات ذلك التقسيم ووثائق بأختام تلك الدويلات. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل رأينا تصورات متعددة لخرائط الدويلات المزمع إقامتها جراء التقسيم، بعضها نسب إلى البنتاغون وبعضها الآخر إلى دول لديها مصالح في سورية، بينما نسبت خرائط مختلفة لمراكز أبحاث ودراسات. سوّقت تلك الخرائط بطريقة يبدو فيها أن الأمر بات وشيكاً وأن المسألة مسألة وقت لا أكثر، ولا مناص من ذلك.
طرحت أسماء دول عديدة في سياق تلك الدعوات: روسيا، فرنسا، تركيا، وحتى إسرائيل، التي استهجن الكثيرون التوجه إليها، لكننا لو عدنا بذاكرتنا إلى بداية ثمانينيات القرن الماضي، حين دخلت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان، ولاقاها الكثير من الجنوبيون بالترحاب وبنثر الأرز والياسمين والورد عليها لبطل الاستغراب، وقد كان لهم أسبابهم بذلك حيث عانوا ما عانوه من الفصائل الفلسطينية التي كانت منتشرة في الجنوب، وهو ما جعلهم يهللون لمن سيخلصهم منها، الجنوبيون نفسهم صاروا فيما بعد ألد أعداء إسرائيل.
الحالة الأخطر التي بدت فيها الوطنية السورية في الحضيض، تجلّت في التهليل للضربات الإسرائيلية على سورية، والتي دمرّت كل مقدرات السلاح السوري، وطالت مؤسسات علمية بحثية ومدنية كالأحوال الشخصية والهجرة والجوازات وغيرها.
هنا رأينا أيضاً تبادل أدوار غريب، فحين كانت إسرائيل تضرب مقدرات الجيش المنحل، هلّل لها مؤيدو السلطة الجديدة، وحين بدأت تشن غارات على أماكن تمركز فصائل تابعة للسلطة الجديدة هلّل لها بقية المكونات…
على مدى ثمانين عاماً تغنّى السوريون بوطنيتهم بطريقة أقرب للشوفينية، لا بل بقوميتهم العربية واعتبروا دمشق قلب العروبة النابض، مرددين شعارات: سورية مهد الحضارة، أم الأبجدية و غيرها… لكل إنسان وطنان؛ وطنه الأم و سوريا… أـذكى ذلك وعززّه حكم البعث الذي كان يغالي في المناداة بالقومية العربية والوطنية السورية لدرجة يمكن اعتبارها ميزة تجعل السوريين فوق شعوب أهل الأرض جميعاّ، علينا أن نتذكر الأغاني والشعارات التي كانت تسوّق ذلك عاطفياً: “أنا سوري يا نيالي،” و”سمعت الشمس تهمس همس صباح الخير سوريا،” إضافة إلى المسلسلات والأفلام التي ينتصر فيها السوريون دائماً.
هل كان ذلك وهماً؟ أم أن صدمة التغيرات الأخيرة أدت إلى ردود أفعال طالت المسألة الوطنية، وهي رود أفعال مؤقتة؟
في الحالتين تبدو سوريا الآن وطنا يحتاج إلى إعادة بناء.
بواسطة وداد سلوم | مايو 24, 2025 | Cost of War, Culture, News, Reports, Reviews, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
عندما سئل المخرج زياد كلثوم صاحب فيلم “طعم الإسمنت” (من مواليد حمص 1981) عن سبب اختياره عنوان (الرقيب الخالد) لفيلمه أوضح أن ذلك يشبه رداً على شعار درج ردحاً من الزمن لتمجيد حافظ الأسد وهو تسميته بالقائد الخالد.
والرقيب في الفيلم هو المخرج ذاته، فالفيلم تسجيلي على نمط سينما الواقع، وثائقي يرصد ويسجل مرحلة محتشدة بالأحداث في عام 2012 أي بعد عام من بدء الثورة السورية، وانتقالها إلى المواجهة العسكرية مع النظام في ريف دمشق، وهي فترة خدمة كلثوم العسكرية في المليحة (ريف دمشق) وحيث يتم إطلاق القذائف منها، على الغوطة الشرقية وغيرها، بينما يمضي باقي يومه في العمل كمساعد مخرج مع الأستاذ محمد ملص أثناء تصويره فيلم (سلم إلى دمشق) .
يبدأ الفيلم في صورة توحد الكاميرا مع المخرج وكأنها عينه فتبدو الصورة مقلوبة أثناء استلقائه وتبدأ بالتصحيح في نهوضه وهو نفس المشهد الذي يبدأ به يومه حين إعلان انشقاقه عن الجيش لعدم موافقته على الصراع المسلح الحادث وتدخل الجيش النظامي لصالح السلطة، وكأن العالم مقلوباً يُصحح بفعل النهوض والحركة أي الفعل، كما يتم تصحيح مواقف الناس بإعلان الرفض.
يبدأ كلثوم إذاً تصوير رحلته اليومية إلى المليحة مكان خدمته الإلزامية في طريق كئيب وتحت صوت الطائرات التي تقصف ريف دمشق متجاوزاً الحواجز العسكرية وصولا إلى قطعته، تتأرجح الصورة أثناء ذلك لأن التصوير ممنوع في القطعة العسكرية فاستعان كلثوم بكاميرا الموبايل ليتمكن من ذلك دون لفت الانتباه، وهذا التأرجح هو تعبير عن الاضطراب الذي يشكل المناخ العام، والاضطراب الذاتي الذي يعيشه السوريون حيال الوضع القائم.
يبدو المكان (في القطعة العسكرية) ضيقاً حين يدخل الرقيب المجند إلى مبنى القطعة العسكرية وكأنه يشير إلى الضغط النفسي الذي يسببه المكان ذو الجدران المليئة بالشعارات والملصقات التي تمجد شخصية الرئيس الحاكم (بشار الأسد) ووالده من قبله إذ تملأ الجدران صورهما، ترصد الكاميرا التفاصيل اليومية لحياة المجند في المكان ومحيطه حيث تربض الدبابات التي تقصف المناطق الأخرى ويتم قص الأشجار لإفساح المكان لها.
تسقط الأشجار أرضاً وهي التي تموت واقفة كرمز للصمود، بينما يلتفت المخرج ليصور لنا الشعار المكتوب “لن تركع أمة يقودها القائد…” وكأن ثمن بقائه إركاع كل رمز وكل إنسان. بهذه الطريقة يلعب كلثوم على المتناقضات لإظهار الفكرة ووضع المقولة بين يدي المشاهد وهو ما نلمسه في أكثر من مشهد وأكثر من مكان.
يتابع كلثوم يومه ليستعرض الجزء الذي يعمل به كمساعد للمخرج المعروف محمد ملص حيث يقوم بتصوير زملائه في فريق ملص أثناء قيامهم بالتصوير، طارحاً الأسئلة المقلقة للجميع في تلك الفترة عن موقف الأشخاص مما يدور في الساحة وعن رؤيتهم للمستقبل بل يمتد بذلك إلى الشارع فيسأل بعض المارة والناس العاديين، منهم من هو معروف مثل كروان المتابع الشهير الذي التصق اسمه بسينما الفردوس أقدم سينما في دمشق، ومن حديث عابر يستجره كلثوم للحديث عن مشاعره العميقة فابنه استشهد منذ مدة وما زال يبكيه، يصور أثناء ذلك كلثوم إعلانات العروض في سينما الفردوس ليشير إلى البعد الشاسع بين الواقع وما يدور من حرب سورية/سورية متصاعدة وبين الشارع الثقافي، وتردي واقع السينما سواء في نوعية العروض كما نرى في الإعلانات أو بنسبة المشاهدين المنعدمة نتيجة الوضع الأمني.
في هذا التداخل يرصد كلثوم واقع السينما في الحرب، بينما في المقلب الآخر نرى عمل محمد ملص في هذا الواقع المتأزم ضرباً من المغامرة بإصراره على استكمال تصوير فيلم (سلم إلى دمشق). وينتقل كلثوم إلى إجراء لقاءات مع فريق العمل. تقول مساعدة ملص: “نصور فيلماً عن مدينة دمشق قبل أن تندثر”، والاندثار هنا ليس فقط احتمال التدمير في الحرب الدائرة بل بفعل الغبار بمعنى عدم التطور وإيقاف زمن المدينة على توقيت الديكتاتورية. وهم في الحقيقة يصورون الحياة السرية للمجتمع أو الجانب غير المصرح به فتظهر لقطات تصوير اعتقال أحدهم، ويقوم بالدور الراحل غسان الجباعي، الذي يحكي قصة المشهد مشيراً إلى أن المشهد بسيط جداً أمام ما يحدث في الواقع خارجاً ويبتسم في همسه لكاميرا كلثوم واضعاً الملح في قلب الجرح السوري.
يوثق كلثوم مصاعب السينما في الظرف الراهن وهو ما يشير إليه ملص الذي ينظر إلى الأرض بحرقة وهو يسمع القصف الممتد ويرصد معاناة الفريق أثناء التصوير فصوت الطائرات الذي يرغمهم على إعادة المشهد عدة مرات يضع معظم الممثلين في حالة من التوتر والغبن والقهر المكتوم.
أحد الممثلين من الحجر الأسود حيث قصف بيته ورفاقه، يبكي ويبكي ويشرب لينسى ولكن عبث، هي ذات المعاناة في عين ترما وغيرها من ضواحي دمشق وريفها حيث يراقب الجميع سقوط الصواريخ وكأنها تسقط في قلوبهم.
يقوم كلثوم بتصوير صعوبات صناعة السينما في تلك الفترة وإرهاصاتها وواقع صالات العرض الفارغة وصولاً إلى واقع السينما العسكرية أو ما يسمى سينما باسل الأسد حيث تمت تسمية كافة المنشآت باسم الابن الراحل لحافظ أسد، الشقيق الأكبر لبشار الأسد، سواء المنشآت الرياضية أو الصحية أو الثقافية. كان اسمه يحتل البلاد دون أن يكون له أي أثر يذكر على المستوى العام، وكأن هذه البلاد مسجلة كملك شخصي للعائلة الحاكمة، أو أن قدرها أن تبقى لإحياء ذكرى موتاهم (الأب والابن) وربما هذا ما يأخذنا أيضاً إلى قول مساعدة ملص “دمشق قبل أن تندثر” كحاضرة مدنية وثقافية .
كانت سينما الجيش، أو كما يسمونها سينما باسل الأسد، عبارة عن صالة فارغة وأفلام على الرفوف تحت الشعارات التي يتم أدلجة العسكريين بها.
تتوجه الكاميرا إلى الممثلين الذين يعكسون في إجاباتهم تناقض الشارع السوري في موقفه تجاه الحرب الدائرة، فنرى من تأذى شخصياً من القصف رغم عدم مشاركته بأي نشاط أو عمل مسلح، وبين الواقعين تحت ديماغوجية السلطة ودعاياتها.
بين الوعي الكامل للظلم الحادث وللقتل الذي تمارسه السلطة الديكتاتورية وإحساس القهر والظلم والتعاطف الضمني مع الثوار وبين الذين عانوا ظلماً من الاعتقال والتعذيب الذي أبعدهم عن ساحة المشاركة بالعمل السياسي.
يتجلى التناقض في موقف إحدى الممثلات التي تصرح بانحيازها لجانب السلطة وترى أن الطائرة قادرة على التمييز بين البريء والمجرم أثناء القصف، بل تخاف على الطيار متجاهلة موت الأبرياء ومنهم أهل زملائها في العمل.
يشبه ذلك مشهد كروان الذي خسر ابنه وأحلامه وهو يردد ما تتناقله الأخبار الرسمية وكأنه يردد شعارات السلطة الجوفاء ذاتها معزياً نفسه أن ذلك حدث من أجل البلاد.
هذا الفصام الذي يصوره كلثوم للأشخاص ليس خارجياً فقط، بين الأشخاص وعلى صعيد المجتمع بل هو على الصعيد الداخلي في ذات الأشخاص. فمنذ بداية الفيلم لا نرى الشخص وإنما نرى ظلاً يتحرك وأقداماً ورغم أن هذا قد يكون بسبب تقنية التصوير لكنه يشكل أيضاً إيماءة إلى تحول البشر إلى ظلال تعيش انفصامها عن نفسها أولاً وعن رغبتها الحقيقية بسبب الخوف المسيطر. يقول أحد المارة للكاميرا (نعم أحب بشار الأسد) ثم يقول لكلثوم همساً: فيني ما قول هيك؟ بيشحطوني، في تعبير عن ذلك الخوف الذي يمسك الألسنة والفصام عن الواقع فالحياة العادية تستمر تحت وقع قصف الطائرات وتستمر الحركة في المدينة، التي تدفن على مهل.
يقول ملص الذي يطيل الصمت تحت صوت القصف متأملاً الخوف يسيطر على الجميع من الاتجاهين، سواء من قصف الطيران المستمر أو ممن يوقف الناس ويقتلهم على الهوية .
الخوف الذي يتحرك في العيون، خوف الجدة الحمصية التي تمثل دوراً في فيلم ملص تقول فيه عبارة واحدة، تجلس في ثياب الصلاة صامتة ومراقبة، يقترب منها كلثوم ويسألها عن نزوحها من حمص فتتردد وتتلكأ وكأن هذه الجرأة بالتعبير تكلف كثيراً، ثم تجيب بأنها فقدت ابنيها وحفيدها في قصف حي باب السباع في حمص.
نصل ذروة الفصام في مشهد تداخل ظلي المخرج ليشكلا شخصاً واحداً وذلك حين يقرر الانشقاق عن الجيش النظامي إثر المشاهد التي يراها ويصورها من إصابات وسقوط القتلى من الطرفين فيخرج من مكان خدمته العسكرية حيث تتابع الدبابات إرسال الموت إلى أماكن شتى. يخرج كلثوم من المبنى بشعاراته البائدة إلى غير رجعة في مشهد عميق وعالي الفنية يظهر فيه هذا التداخل بالظلال مشيراً إلى انتهاء الفصام واستعادة الرقيب المجند كلثوم لذاته وحياته التي يريدها باتخاذ القرار الذي يعلنه وهو انشقاقه عن الجيش موثقاً ذلك بعبارة ينتهي فيها الفيلم: أنه يرفض المشاركة بالعنف الدائر جملة وتفصيلاً ويعلن حفاظه على سلاحه الوحيد الكاميرا.
يلاحظ المشاهد أن المخرج وازى بين فيلمه وبين فيلم (سلم إلى دمشق) وكأن هناك فيلماً داخل الفيلم حتى أن صرخة البطل الأخيرة (حرية) في فيلم ملص تتوازى مع انشقاق الرقيب في فيلم كلثوم وفي المشهد الأخير منه حين ينظر إلى الأعلى كأنه يراقب مسار تلك الصرخة التي تحلق مع أرواح الناس.
فيلم كلثوم فيلم مبكر عن أحداث الثورة السورية صور في 2012 وتم إنتاجه في 2014. حاز على جائزة BBC للأفلام الوثائقية عام 2015 وجائزة مهرجان لوكارنو بسويسرا.
تم عرض الفيلم في مدينة حمص في افتتاح مجتمع حمص السينمائي وهو نشاط منبثق عن مبادرة حمص عاصمة السلام، فتمكن السوريون حضور الفيلم أخيراً، كما استضيف المخرج للإجابة عن تساؤلات الجمهور.
بعد أن بقيت أفلام الشباب المعارض غائبة عن الجمهور في سوريا رغم أنها تجوب العالم وتحصد الجوائز، ورغم أنها عنهم وعن آلامهم.
بواسطة عامر فياض | مايو 18, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
“واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد” هو شعار لطالما ردده السوريون\ات، على اختلاف الطوائف والانتماءات، خلال المظاهرات التي عمت مختلف المحافظات السورية منذ اندلاع الثورة السورية التي نادت بالحرية وإسقاط النظام. الشعار ذاته عاد ليصدح في الساحات والشوارع خلال الاحتفالات بسقوط النظام البائد وولادة سوريا الجديدة التي لطالما حلم السوريون\ات بولادتها. اليوم، وبعد مرور أكثر من خمسة أشهر على سقوط النظام، وفي ظل ما شهدته البلاد من أحداثٍ مؤلمة، يطرح كثير من السوريون\ات سؤالاً ملحاً ومؤلماً: هل الشعب السوري شعب واحد؟
لا يخفى على أحدٍ أن النظام البائد يتحمل المسؤولية الكبرى تجاه ما يحدث اليوم في البلاد، نتيجة تخريبه الممنهج لها لأكثر من نصف قرن، ونتيجة ممارساته الاستبدادية وسياسات القمع والتهميش والقهر التي مارسها بحق الشعب، قبل أن يقمع ثورته بشتى السبل والوسائل الإجرامية والوحشية، التي جرَّت البلاد إلى مستنقع حرب مدمِّرة أجهزت على ما تبقى منها، وأدت إلى تهجير ونزوح أكثر من ثلث الشعب الذي أصبح منقسماً إلى عدة شعوب. ولكن رغم ذلك، كان من المتوقع، بعد سقوط النظام وانتصار الثورة، أن يعود الشعب السوري ليتكاتف وينهض بالبلاد كشعبٍ واحد، إلا أن الواقع لم يكن بحجم الأحلام والأمنيات.
يحاول اليوم معظم المُصطفين\ات إلى جانب النظام الجديد، حصر شكل الإنتماء الوطني بالولاء المطلق لهذا النظام والخضوع لأدوات سلطته الناشئة التي بدأت تفصّل سوريا على مقاسها، وتنزع الصفة الوطنية عن كل من لا يتبع نهجها، رغم اتهام جزء كبير من السوريين\ات لها بأنها حولت البوصلة الوطنية من الانتماء لسوريا الثورة إلى الانتماء الديني والمناطقي، خاصة بعد إصدار الإعلان الدستوري الذي خيَّب آمال الكثيرين، ومن ثم تشكيل الحكومة التي وصفها الكثيرون بأنها حكومة لون واحد، غاب عنها إشراك العديد من الشخصيات الوطنية والثورية المشهود لها بكفاءتها وخبرتها، فيما حظيت الشخصيات المحسوبة على السلطة بأكثر من نصف التشكيلة الوزارية واستأثرت بالوزارات السيادية، ما جعل تلك الحكومة تتلقى الكثير من الانتقادات كونها لم تسع لبناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية ومدنية، وتجاهلت مبادئ الشراكة والمواطنة بإقصائها شرائح ومكونات واسعة من السوريين\ات، في وقت يحتاجون فيه لمد جسور المواطنة والتعاون فيما بينهم للنهوض بالبلاد، التي ما زالت مقطعة الأوصال وأبعد من أن تكون كياناً واحداً، فجزء من شمالها تسيطر عليه فصائل تابعة لتركيا، التي تحتل مناطق حدودية واسعة، وشمال شرقها تسيطر عليه قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، وجنوب شرقها تسيطر عليه قوات تابعة لأمريكا، فيما ما يزال الجنوب تحت سيطرة الفصائل والقوى المحلية، وما زالت البادية تضم بقايا لتنظيم داعش.
وفي وقت تحتاج فيه البلاد لتأسيس جيشٍ وطني يضم جميع مكونات الشعب، تم تشكيل الجيش الجديد من فصائل عسكرية محابية للسلطة، ومحسوبة عليها، كهيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها، والتي تحمل بمعظمها أيديولوجيات جهادية ودينية تغلب على الأيديولوجيات الوطنية، وتسعى لتحقيق مكاسب فردية وسلطوية بدلاً من المكاسب الوطنية، فيما غاب عن تشكيل الجيش أي حضور فعلي للضباط المنشقين ذوي الخبرة العسكرية والذين انحازوا للثورة، وهو ما سيشكل، بحسب كثير من الآراء، تهديداً واضحاً لمفهوم الشراكة الوطنية ولمستقبل الهوية السورية الجامعة.
خيبات أمل وتخوين وانقسام
مع سقوط النظام البائد، تأمل سوريو الداخل بإمكانية عودة النخب السياسية والثقافية والوطنية من الخارج ليساهموا معها في بناء سوريا الجديدة، لكن معظمهم صدموا وأصيبوا بخيبة أمل بعد عودة كثير من الشخصيات إلى البلاد، إذ اكتفى بعضها بزياراتٍ قصيرة، كانت أقرب إلى السياحة الثورية، واقتصرت على الإقامة في الفنادق والتقاط الصور في ساحة الأمويين وشوارع دمشق، والجلوس لساعات في المقاهي، التي اكتظت بالنشطاء المدنيين والسياسيين، وخوض نقاشاتٍ عامة بعيدة عن الواقع. وقد سعت بعض الشخصيات منذ وصولها إلى سوريا إلى خطف الأضواء وتَصدّر المشهد السياسي والثقافي، ولو بشكلٍ صوري، من خلال تقديم بعض المحاضرات والندوات التي تقترب إلى التنظير وتبتعد عن الممارسة العملية، وذلك على حساب الكثير من النخب الثقافية التي لم تغادر سوريا طيلة الحرب، فيما سعت شخصيات أخرى إلى التقرب من السلطة والدفاع عنها لتحقيق مكاسب شخصية وللحصول على مناصب حكومية.
إلى جانب ذلك أدى الانقسام السياسي بين السوريين\ات إلى تقزيم وتخوين الكثير من الشخصيات المحسوبة على الثورة والتي كانت تُعتبر شخصيات وطنية جامعة، فاليوم أصبح هناك جيوش إلكترونية مهمتها رصد منتقدي أداء السلطة لتقوم، عبر ضخٍ وتحريض شعبي واسع، بالإساءة إليهم وشيطنتهم وقذفهم بعشرات التهم الجاهزة :(فلول نظام، مرتزقة، انفصاليون، عملاء لإسرائيل.. الخ) وهو ما حصل، على سبيل المثال لا الحصر، مع الفنانة يارا صبري بعد انتقادها لبعض ممارسات السلطة، رغم مواقفها الداعمة للثورة، ومع الفنان سميح شقير بعد نشره أغنيته الجديدة مزنر بخيطان التي تحدثت عن المجازر والانتهاكات التي تعرض لها أبناء الطائفة العلوية، رغم تأييد كثير من السوريين\ات لتلك الأغنية التي عدّوها امتداداً للمشروع الفني لشقير الذي يقف في وجه جميع أشكال الظلم والاستبداد. وبالمقابل تخرج اليوم الكثير من أصوات معارضي السلطة الجديدة لتتهم جميع مؤيديها بأنهم سلفيون وتكفيريون ويسعون لاستعادة أمجاد بني أمية. كل ذلك يحدث في ظل تأخُر تطبيق العدالة التي انتظرها الشعب طويلاَ، وفي ظل تنامي الخوف بين أبناء الشعب، وغياب شخصيات وهويات وطنية يمكن للسوريين أن يُجمعوا عليها.
في غياب العدالة الانتقالية
كان من المفترض أن تمثّل الثورة انتصاراً للعدالة، وأن تنصف جميع الضحايا وتعاقب جميع مجرمي الحرب، بغض النظر عن طوائفهم، من خلال تطبيق العدالة الانتقالية وتشكيل محاكم قانونية ونزيهة، وليس من خلال أعمال الثأر والانتقام وإعادة إنتاج الظلم والاستبداد بشكلٍ جديد، الأمر الذي خلق انقساماً كبيراً بين أبناء الشعب السوري وفتح الباب أمام النقاش الثأري فيما بينهم، في ظل تحول الكثير من ضحايا الأمس إلى جلادي وشامتي اليوم. وقد تجلى ذلك كله بوضوح خلال المجاز والانتهاكات التي ارتكبت بحق أبناء الطائفة العلوية في الساحل وحمص وحماة. فبينما رأى البعض أن ما حدث هو جرائم ضد الإنسانية، وعلى الشعب السوري أن يقف برمّته ضدها، خرجت بالمقابل أصوات كثيرة لتُبرر ما جرى تحت ذريعة أن جميع الضحايا هم من فلول النظام، بل خرجت أصوات طائفية وثأرية لتشمت بالضحايا وتدعو لمعاقبة الطائفة، التي تحولت برمتها، بحسب تلك الأصوات، إلى طائفةٍ أسدية وامتداد للنظام، ولا عدالة إلا بقتل أبنائها. تلك الأصوات لم تكتف بذلك بل اتهمت المدافعين عن الطائفة بأنهم أيضاً من فلول النظام، وهو ما حدث خلال الوقفة الاحتجاجية التي أُقيمت في ساحة المرجة للتضامن مع ضحايا المجازر، حيث خرجت أصوات معارضة وقفت بوجه المشاركين، مرددةً هتافات طائفية، ومتهمة إياهم (رغم حملهم لشعارت تتضامن مع شهداء الأمن العام) بأنهم فلول وعملاء، وبأنهم تقاعسوا عن التضامن مع ضحايا مجازر النظام البائد خلال الثورة، ليتطور الأمر إلى عراك بالأيدي، على الرغم من أن معظم المشاركين بالوقفة كانوا من أنصار الثورة ومن المعتقلين.
تلك الجرائم، التي أدت إلى إحداث موجات نزوح وهجرة إلى خارج البلاد، خلقت حالة من التفكك المجتمعي وفقدان الثقة في السلطة الجديدة وخياراتها وممارساتها، في ظل غياب قانون يحاسب مرتكبي الجرائم (التي وُضِعت بمعظمها تحت مسمى الأخطاء الفردية) وتأخر تطبيق العدالة الانتقالية، التي أصبحت في كثير من الأحيان تقوم على مبدأ الثأر والإنتقام بدلاً من العقوبة القانونية. كل ذلكسيؤسس لمظلومية كبيرة لدى أبناء الطائفة العلوية، خاصة مع تسريح الكثير منهم من وظائفهم، وسيعزز حالة الخوف الشعبي من إمكانية تكرار ممارسات النظام البائد بطرق وأدوات جديدة، وسيفاقم حالة الانقسام بين أبناء الشعب السوري.
الخطاب الطائفي يهدد وحدة الشعب
من كان يصدق في بلدٍ عريق كسوريا، أن تسجيلاً صوتياً مجهول المصدر، يتضمن إساءة للنبي الكريم محمد، نَسبه البعض إلى أحد أبناء الطائفة الدرزية، سيعرض الطائفة بأكملها للخطر؟ فعقب انتشار ذلك التسجيل خرجت مظاهرات في عدد من الجامعات السورية، حملت عبارات طائفية وعدائية ضد الطائفة الدرزية وأدت لاعتداءات لفظية وجسدية على طلبةٍ من أبنائها، أعقبها خروج مظاهرات في مدينة حماة ودمشق، دعت لمحاسبة الطائفة وحملت شعاراتٍ عدائية وثأرية، ترافقت مع حملةٍ تحريضية ممنهجة على مواقع التواصل الاجتماعي، طالت بعض المرجعيات الدينية والاجتماعية واتهمتها بالعمالة والإنفصالية، وساهمت في تأجيج الحقد الطائفي والكراهية وتفاقم حجم التوتر في الشارع، ليتطور الأمر إلى اعتداءات مسلحة على أبناء الطائفة من قبل بعض الفصائل غير المنضبطة، بدأت بمحاولة اقتحام مدينة جرمانا وأدت لوقوع اشتباكات على أطراف المدينة مع أبنائها الذين ينتمي بعضهم للأمن العام، أعقبها اقتحاملمدينة صحنايا وارتكاب عشرات الجرائم والانتهاكات، لتنتقل الاشتباكات إلى محافظة السويداء التي تعرضت لعددٍ من الهجمات المسلحة. وقد أدى ذلك كله لسقوط عشرات الضحايا، وتسجيل الكثير من حالة النزوح، وخلو الجامعات السورية من الطلبة الذين ينتمون للمكون الدرزي، بعد أن شعروا بخطرٍ يتهدد حياتهم، في مشهدٍ يعكس خطورة الاحتقان الكامن داخل المجتمع السوري، ويكشف ضعف قدرة المؤسسات الحكومية على حماية السلم الأهلي، خاصةً في ظل وجود أطراف إقليمية راحت تستغل الوضع لتساهم في زرع الشقاق بين السوريين. كل ذلك جعل الكثير من السوريين\ات، وخاصة أبناء الطائفة الدرزية، يشعرون بخيبة أملٍ كبيرة تجاه بعضهم البعض، فخرجت أصوات عديدة لتندد وتعاتب من حرضوا على عقاب الطائفة وتخوينها، فيما خرجت أصوات أخرى لتذكرهم بما قدَّمه أبناء الطائفة لأخوتهم السوريين طوال سنوات الحرب. وبالمقابل خرجت الكثير من الأصوات، التي أغفلت السبب الأساسي للمشكلة، لتبرر ما حصل تحت ذريعة وجود جماعات خارجة عن القانون من أبناء الطائفة الدرزية، ووجود الكثير من السلاح غير المنضبط في حوزتها، ودعوة بعض مرجعياتها الدينية لطلب الحماية الدولية، في مشهد يعكس مدى تفاقم الخلاف والانقسام بين مكونات الشعب.
بالنظر للواقع المؤلم الذي تعيشه البلاد اليوم، يرى كثير من السوريين أنها لن تتعافى إلا بإعادة صياغة هويةٍ وطنية جامعة لكافة أطياف المجتمع، تعلو فوق الصراعات الطائفية والعرقية والمناطقية، وتقوم على الإنتماء الوطني المبني على أسس المواطنة المتساوية، التي تضمن حقوق وكرامة الجميع دون تمييز، ولكن قبل هذا ينبغي أولاً الإسراع في تطبيق العدالة الإنتقالية وتشكيل محاكم عادلة ونزيهة، لمعاقبة مرتكبي الجرائم، وتفعيل دولة القانون وإشراك جميع السوريين في عملية بناء الدولة.
بواسطة أوس يعقوب | مايو 15, 2025 | Cost of War, News, بالعربية, تقارير, مقالات
تبرز قضية المقاتلين الأجانب المنتظمين في صفوف عدد من الفصائل المسلّحة الموجودة اليوم على الأراضي السورية، كأحد أبرز القضايا التي وُصفت بـ “الحساسة” في رد القيادة السورية الجديدة على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهي في نفس الوقت من أبرز القضايا المختلف عليها على الصعيد المحلي والعربي والإقليمي والغربي، في ظل تعقيدات المشهد الأمني والسياسي السوري خلال الشهور الخمسة الأولى للسلطة الحاكمة برئاسة أحمد الشرع، خاصّة بعد مجازر الساحل التي وقعت بين السادس والعاشر من مارس/ آذار الماضي، والتي أعادت فتح العيون على ملف المقاتلين الأجانب، لا سيّما إثر ثبوت ضلوعهم مع فرق محلية -وصفت من قِبل السلطات السورية بـ “غير منضبطة”، بالوقوف خلف المجازر التي خلّفت أكثر من 1600 قتيل مدني غالبيتهم الساحقة من الأقلية العلوية، بحسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان”.
وتحدّث “المرصد” الحقوقي (مقرّه في المملكة المتّحدة)، عن ارتكاب قوات الأمن العام ومجموعات رديفة لها مجازر وعمليات “إعدام ميدانية” بحق الأقلية العلوية، وقعت غالبيتها يومي 7 و8 مارس/ آذار.
وإزاء حساسية هذا الملف الذي يجب حله والبت به سريعاً، جراء وطأة الضغوط المحلية والإقليمية والدولية، التي تضع القيادة السورية الجديدة على محك الاختبار الجدّي لمدى قدرتها على التعامل مع الملفات الشائكة، سعينا في هذا المقال إلى معرفة إلى أي دول ينتمي المقاتلون الأجانب؟ وكم يبلغ عددهم؟ وأين يتوزعون داخل سوريا؟ وما هو مصيرهم مع تضارب الآراء بين الدعوة لدمجهم في المجتمع المحلي، ودعوات لرفض منحهم أي صفة رسمية داخل المؤسّسات الأمنية والعسكرية السورية؟ وكيف ترى الإدارة الجديدة في دمشق صيغة التجاوب مع تخفيف ورفع العقوبات الأميركية لإنعاش اقتصاد البلاد المنهار جراء الحرب التي استمرت لما يقرب من 14 عاماً، والتي فرضت خلالها الولايات المتّحدة وبريطانيا وأوروبا عقوبات صارمة على الأفراد والشركات وقطاعات كاملة من الاقتصاد السوري في محاولة للضغط على الرئيس السابق بشار الأسد؟
وفقاً لتقارير صحافية متعدّدة ومصادر بحثية ومنظّمات معنية بمتابعة ملف هجرة المتطرّفين، فإنّ نسبة المقاتلين الأجانب من مجموع مقاتلي “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، التي سيطرت على زمام الحكم في البلاد بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، تبلغ نحو 30%. وقد جاءت هذه النسبة المئوية على لسان زعيم (جبهة النصرة) في حينها عام 2015 خلال لقاء تلفزيوني، إذ قال أحمد الشرع، الذي كان يعرف بـ “أبي محمد الجولاني” حينها، إنّ “من بين المهاجرين أوروبيون وقلّة أميركية مع وفرة في الآسيويين وتواجد لشيشان وروس وعرب”، وتابع: “هؤلاء أناس مسلمون أحبّوا أن يناصروا أهلهم والإسلام، ولا ينازعون أحداً في ملك أو شيء، وهم يتقدّمون الصفوف الأولى ويقاتلون، وكل الساحة بكل فصائلها تشهد للمهاجرين في شجاعتهم وتقدّمهم”.
وبعد انتصار الثورة السورية، قال الشرع لوسائل إعلام عربية ودولية: إنّ “المقاتلين الأجانب كانوا ركيزة أساسية في النصر، ويجب مكافأتهم لقاء ما بذلوه”، وعليه أجرى خلال وقت مبكر من وصوله إلى الحكم تعيينات وترفيعات لضباط أجانب إلى مناصب عسكرية عليا، شملت رتب عقيد وعميد ولواء، أثارت استغراب وقلق السوريين والقوى الإقليمية والدولية على حدٍّ سواء.
تشير معلومات متقاطعة عن مصادر مطّلعة، أنّ من بين الذين نالوا رتباً عالية كل من “كلمن عبدل بشاري” (خطاب الألباني)، وهو ألباني الجنسية ويقود منذ أعوام “جماعة الألبان” في سوريا، و”ذو القرنين زنور البصر عبد الحميد”، المعروف باسم (عبدالله الداغستاني)، وهو قائد “جيش المهاجرين والأنصار”، والتركستاني “عبد العزيز داوود خدابردي”، والطاجيكي “مولان ترسون عبد الصمد”، والمصري “علاء محمد عبد الباقي”، والطبيب الأردني من أصل فلسطيني، “عبد الرحمن حسين الخطيب”، وكان يعرف سابقاً بلقب (أبو حسين الأردني)، الذي مُنح رتبة عميد، وفي ما بعد عهد إليه قيادة “فرقة الحرس الجمهوري السوري”، وهي فرقة ضاربة في الجيش السوري، عدداً وعتاداً، وإليها تُنسب مواجهات الحدود اللبنانية خلال الأسابيع الماضية. الخطيب طبيب تخرج في جامعة عمان واعتقل هناك بتهمة الانتماء لـ “التيار السلفي” قبل أن يغادر السجن ويتّجه إلى سوريا ملتحقاً بصفوف (جبهة النصرة) عام 2013.
علاوة على هؤلاء هناك التركي “عمر محمد جفشتي” الملقب بـ (مختار التركي)، الذي أسندت إليه مهمة قيادة “فرقة دمشق” أو ما يعرف بـ “حامية دمشق”، وهي فرقة عسكرية ضاربة أيضاً. و”جفشتي”، وعلى رغم أنّه مطلوب من الجانب التركي، فإنّه تولى دور الوسيط في ملفات عدّة بين “هيئة تحرير الشام” والقيادة التركية خلال أعوام الثورة السورية! وقد تولى أيضاً نحو خمسين شخصية أخرى من قيادات المقاتلين الأجانب مهام ومسؤوليات أقل في “غرفة العمليات العسكرية” لكن خروج أسماء التعيينات اللاحقة لـ “مؤتمر النصر” شكّل مزيجاً من صدمة وخيبة للسوريين بمختلف أطيافهم من جهة، ولأوساط المراقبين للشأن السوري من جهة ثانية، وللغرب الذي رأى بعض مسؤوليه في عدد من التعيينات تحدّياً للمجتمع الدولي، على قاعدة أنّ بعض من تسلّم المناصب الكبرى مدرج على لوائح العقوبات الأوروبية والأميركية، ومدان بمجازر حرب وإبادة وجرائم ضد الإنسانية.
- خريطة تمدّد المقاتلين الأجانب في الأراضي السورية
نظراً إلى السرية الواسعة التي كانت تحيط بملف المقاتلين الأجانب في سوريا، فقد كان يصعب-ولا زال استخلاص أرقام دقيقة لعددهم، فيما ترجّح التقارير الصحافية أن يكون بالآلاف.
وبحسب تلك التقارير، يبرز عناصر الإيغور (تركستان) كأوسع وأكثر شريحة تشدّداً في صفوف المهاجرين، ومعظمهم منظّم في صفوف “هيئة تحرير الشام”، وترجّح مصادر مطّلعة أن يراوح عددهم ما بين 1500 و2000 مقاتل من دون إحصاء رسمي. ويتمركزون بصورة أساسية داخل مدن جسر الشغور في ريف إدلب وداخل جبلي التركمان والأكراد شرق محافظة اللاذقية شمال غربي سوريا. وينشطون تحت اسم “الحزب الإسلامي التركستاني”، وحيالهم تبدي الصين تخوّفات وتهديدات ومواقف حاسمة لخصوصية ملفهم القومي في سياق محاربتها للإرهاب وخشيتها من إعادة تصديرهم.
وتضم كتيبة “فرقة الغرباء” بين 300 إلى 400 مقاتل من الطاجيك والأوزبك، واندمجت مع “هيئة تحرير الشام” عام 2017، وأسهمت معها في معاركها تحت مسمى “لواء عمر بن الخطاب”.
ويقدّر عدد كتائب “أجناد القوقاز” بالمئات، وهم من جنسيات شيشانية توزعوا بين كتيبتي “أجناد القوقاز” و”جند الشام”. كذلك هناك “ملحمة تاكتيكال” التي تضم مقاتلين إيغور شديدي التدريب والخبرة ويطلق عليهم اسم “العصائب الحمراء”.
وهناك تنظيم حراس الدين (فرع القاعدة) تأسّس عام 2018 من مقاتلين أتراك وعرب من تونس ومصر والأردن والمغرب وغيرها، وما زالت حتى اليوم تستهدف قوات التحالف الدولي تحركاتهم في مدينة إدلب، إضافة لمهاجرين تركمان وغيرهم تأسّسوا عام 2013 وانضموا إلى كتائب متفرقة، وجميعها شاركت في معركة “ردع العدوان” (التي بدأت في شمال سوريا ثم وصلت دمشق في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024)، والتي شاركت في إسقاط نظام بشار الأسد.
ومع الإطاحة بالأسد، تحرّرت تلك الكتائب جغرافياً وتمكّنت من الخروج جزئياً من ريفي إدلب وحلب والتمركز في جبهات أبعد على الخريطة السورية، فقد استقرّت كتائب أجنبية في ريف جبلة قرب اللاذقية، وفي مناطق متفرقة من اللاذقية وريفها وقرب قرية الحميدية جنوب محافظة طرطوس الساحلية، وفي مناطق مجاورة للعاصمة دمشق ومحافظتي حمص وحماة وسط البلاد، متّخذة من معسكرات لكتائب وألوية سابقة للجيش المنحل مقاراً لها، وجميعها تُنسب إليها الاستفزازات والانتهاكات وحالات القتل والخطف والسلب التي يتعرّض لها أبناء وبنات الطائفة العلوية بالدرجة الأولى، إضافة لوجودها المستمرّ في إدلب وحلب بصورة رئيسة.
من المطالب الأميركية الثمانية من القيادة السورية الجديدة لـ “بناء الثقة” بين البلدين، والبدء في تخفيف العقوبات وإعطاء رخصة لمدّة سنتين، مطلب ذو صلة مباشرة بملف المقاتلين الأجانب، وهو “تشكيل جيش مهني وعدم وضع أيّ من المقاتلين الأجانب في مناصب قيادية أو أمنية حساسة داخل أجهزة الدولة السورية”، وذلك بحسب ما جاء في رسالة تسلّمها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني من نائبة مساعد وزير الخارجية الأميركي، ناتاشا فرانشيسكي، في لقاء جمعهما على هامش “مؤتمر المانحين لسوريا” في بروكسل في 18 مارس/ آذار الماضي.
الردّ السوري على مطالب الإدارة الأميركية، جاء برسالة مكتوبة بعثت بها الخارجية السورية إلى واشنطن، قالت فيها إنّها طبقت معظم المطالب، لكنّ البعض الآخر يتطلّب “تفاهمات متبادلة” مع واشنطن، التي عكفت بدورها على دراسة ما ورد بالرسالة.
وتعهدت سوريا في رسالتها بإنشاء مكتب اتصال في وزارة الخارجية مهمته البحث عن الصحافي الأميركي المفقود أوستن تايس، كما تورد بالتفصيل إجراءاتها للتعامل مع مخزونات الأسلحة الكيماوية، ومنها تعزيز الاتصال بمنظّمة حظر الأسلحة الكيماوية. لكن الرسالة لم تورد الكثير من التفاصيل عن مطالب رئيسة أخرى، مثل إبعاد المقاتلين الأجانب والسماح لأميركا بشن ضربات لمكافحة الإرهاب.
بحسب وكالة “رويترز”، فقد أكدت الرسالة التي تم توجيهها في 14 أبريل/ نيسان المنصرم، أنّ المسؤولين السوريين ناقشوا مسألة المقاتلين الأجانب مع المبعوث الأميركي السابق دانيال روبنستاين لكنّ المسألة “تتطلّب جلسة مشاورات أوسع”.
كما ذكرت الرسالة أنّ ما يمكن تأكيده في الوقت الحالي هو أنّ إصدار الرتب العسكرية تم تعليقه بعد الإعلان في وقت سابق عن ترقية عدد من الضباط الأجانب في مناصب عليا بالجيش السوري، في إشارة واضحة إلى تعيين ضباط أجانب في ديسمبر/ كانون الأول الماضي. ولم تذكر الرسالة ما إذا كان قد تم تجريد هؤلاء الضباط الأجانب من الرتب التي حصلوا عليها، ولم تشر أيضاً إلى الخطوات التي سيتم اتّخاذها في المستقبل.
وذكرت الخارجية السورية في رسالتها أيضاً، أنّها تأمل في أن تؤدّي الإجراءات المتّخذة، التي وصفتها بأنّها “ضمانات”، إلى اجتماع لمناقشة كل نقطة بالتفصيل، بما في ذلك إعادة فتح السفارات ورفع العقوبات.
وقالت المندوبة الأميركية لدى مجلس الأمن، دوروثي شيا، في 25 الشهر المنصرم، إنّ السلطات الجديدة في سوريا مسؤولة عن مكافحة الإرهاب، وعدم الاعتداء على دول الجوار، وإبعاد المقاتلين الأجانب.
“رويترز” نقلت عن مصدر مطّلع على نهج الحكومة السورية بهذا الشأن، عقب توجيه الرسالة للإدارة الأميركية، أنّ دمشق ستؤجل التعامل مع هذه القضية قدر الإمكان نظراً لأنّها ترى أنّ المقاتلين الذين ساعدوا في الإطاحة بنظام الأسد من غير السوريين يجب أن يعاملوا معاملة حسنة.
ورغم جهود دمشق المعلنة، لاحظ مراقبون وجود بعض الثغرات في رسالة الخارجية السورية، أبرزها عدم تقديم تفاصيل دقيقة بشأن خطط إخراج المقاتلين الأجانب من سوريا، أو آلية التعاون العملي مع واشنطن في تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب. وتبقى هذه القضية وغيرها من القضايا العالقة بمثابة اختبارات حقيقية أمام أيّ تقدّم في المحادثات غير الرسمية بين الطرفين.
تحدّيات وعوائق متعدّدة تقف أمام القيادة السورية الجديدة، لجهة إعادة بناء جيش سوري وطني جامع يمثّل جميع السوريين بكافة طوائفه ودياناته وأعراقه، وقد جاء تعيين قائد الإدارة السياسية أحمد الشرع، للقائد العسكري لـ “هيئة تحرير الشام”، المهندس مرهف أبو قصرة، وهو من خارج المؤسّسة العسكرية، وزيراً للدفاع، بعد التشاور مع قادة فصائل المعارضة السورية، التي انضوت في عملية “ردع العدوان” دون بقية الفصائل، سواء في “الجيش الوطني”، أو في درعا والمنطقة الجنوبية، ما أثار حينها مخاوف من استئثار “تحرير الشام” بالسلطة، لا سيّما أنّها وضعت قياديين فيها، في مفاصل القرار السياسي والاقتصادي ولاحقاً العسكري، منذ تسلّمها السلطة في البلاد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024.
منذ اليوم الأول لتسلّمه وزارة الدفاع وجد مرهف أبو قصرة نفسه في مواجهة ملفات عسكرية معقدة، لعلّ أبرزها ملف دمج عشرات الفصائل التي ينضوي أغلبها في “الجيش الوطني السوري”، الذي شكّلته تركيا قبل أعوام عدّة، في الجيش السوري الجديد للقضاء نهائياً على الفصائلية التي تُعدّ بمثابة قنبلة موقوتة سيؤدّي انفجارها إلى تأزيم الأوضاع الأمنية. وكذلك ملف استيعاب المقاتلين الأجانب في الجيش السوري المقبل، بالإضافة إلى تركة ثقيلة تركها النظام المخلوع الذي حوّل الجيش إلى مليشيات تقاتل من أجل بقاء بشار الأسد في السلطة لا أكثر.
باحثون عسكريون وضباط منشقّون عن جيش الأسد يرون، أنّ أهم التحدّيات التي ستواجه وزارة الدفاع السورية المقبلة، هي “إعادة هيكلة الجيش وتنظيمه على أسس سليمة، خصوصاً أنّ القدرات والمقدرات التسليحية البرّية والبحرية والجوّية قد دمّرها الجيش الإسرائيلي بنسبة قد تصل إلى أكثر من 80%. وأنّه يجب دمج الفصائل في الجيش السوري بشكل مدروس جيداً، وأن يكون كاملاً، بحيث ينصهر الجميع في المؤسّسة المقبلة، ولا يكون دمجاً شكلياً بحيث تبقى بعض الفصائل بمسمّياتها الحالية ويكون ولاؤها لقائد الفصيل أو لقوى خارجية أو إقليمية”.
كما تبرز معضلة التعامل مع مصير صفّ الضباط والضباط المنشقّين عن جيش الأسد خلال سنوات الثورة، وإعادة الاعتبار لهم ومنحهم حقوقهم المادية والمعنوية المصادرة منذ بداية انشقاقهم، وترفيعهم إلى الرتب التي يستحقونها، ودمجهم في الجيش المزمع تشكيله من قِبل وزارة الدفاع في الحكومة السورية الجديدة.
بواسطة طارق علي | مايو 11, 2025 | Cost of War, News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
مع بداية تواتر انشقاق الضباط والعناصر عن الجيش السوري النظامي عقب اندلاع ثورة آذار/مارس 2011، بدأ ينمو حلمٌ كبير لديهم بأنّ أمامهم فرصةً تاريخية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية ذات عقيدة وطنية راسخة وجامعة وغير متورطة بسفك الدم السوري أو التغول على أفراده، مؤسسة تحمي حدود البلاد وأمنه وتحفظ وحدته وتقوم على سيادته واستقلاله ودرء محاولات الفتنة داخله وصدّ أي عدوان قد يحمله الخارج.
بذلك سلّم الضباط واستسلموا لأحلامهم تاركين خلف ظهورهم رتبهم العسكرية بما فيها من نجومٍ ونسورٍ، تاركين الامتيازات والأفضلية والقدرة على الترقي والصعود الإضافي في سلم التراتبية العسكرية بما يحمله من امتيازات إضافية. ذهبوا للمجهول في رهان على الحاضر المحمول على الوعي الشعبي الرافض لوجود الأسد في سني الثورة الأولى وتصاعد المعارك التي أبوا أن يكونوا جزءاً مشاركاً فيها ضدّ أبناء جلدتهم. انتظروا بعد ذلك، انتظروا كثيراً، حاربهم جيش النظام، حاربتهم النصرة، حاربهم داعش، حاربتهم مختلف الفصائل، حتى أنّ بعضها تخلى عن مواجهة النظام وتفرغ لمحو أثر الجيش الحر. ظلّوا صابرين ومحاولين المرابطة ما أمكن بانتظار فرجٍ كانوا أول من بشر به وأكثر من فرح به مع سقوط النظام السوري وبشار الأسد في فجر الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، لكنّ ما حصل بعد ذلك جاء مغايراً، مخالفاً، صادماً، وغير متوقع إطلاقاً بالنسبة لهم، فتحرير طال انتظاره عمد إلى تهميشهم بشكل فاضح لا يرقى لمكافأة ثوريين شرفاء في أحيانٍ كثيرة.
التفوق العقيدي الشرعي
كانت الصدمة الأولى لأولاد المدرسة العسكرية النظامية من المنشقين مع تركزهم في مناطق شمال سوريا عقب قضم النظام السابق للمناطق واحدةً تلو الأخرى، وهناك شاهدوا وشهدوا على عقيدة قتالية مختلفة تماماً عما عهدوه، عقيدة لم تكن وطنية خالصة، حتى أنّها لم تحظ بالشكل الحداثي لإنشاء الجيوش الوطنية، بل كان يغلب عليها الطابع الأيديولوجي المغلق والمعلق على مرجعية شرعية إسلامية صارمة وحازمة لها منظروها وقادتها ومعتنقوها.
على رأس تلك القوى كانت “هيئة تحرير الشام” التي تحولت من داعش إلى النصرة فالهيئة بحدود عام 2016 ضمن تحول براغماتي يحمل رسائل دولية عميقة، ورغم ذلك لم تتخل عن عقيدتها التعبوية القائمة على القول الشرعي: “المقاتل ذو القضية هو ذاك الذي يحمل السلاح في سبيل إقامة شرع الله، لا في سبيل القتال من أجل (وطن) محدود أو دفاعاً عن دولة محددة بعينها”.
وزير الداخلية الحالي: المنظّر الجهادي السابق
في خضم تلك الأحداث ومع موجة بروز الشرعيين والأمراء في الهيئة بدأ يظهر اسم أنس خطاب حاضراً بقوة في صفوف الهيئة داخل إدلب، أنس الذي بات وزير الداخلية السوري في الحكومة التي شكلها الشرع أواخر آذار/مارس الفائت، بعد أن كان تسلّم منصب مدير الاستخبارات العامة في الأشهر التي سبقت تشكيل الحكومة الانتقالية. وكان الرجل إياه صاحب الأساس المركزي في تشكيل تلك العقيدة الشرعية السابقة، انطلاقاً من وجهة نظرٍ تؤكد أن الوطنية بمفهومها الطبيعي المتعارف عليه تشكل طعنةً وخيانةً للإسلام، وفي هذا الإطار وضع واحداً من أشهر مؤلفاته البحثية الكثيرة حول الجهاد والدولة، والذي حمل اسم: “حكم الانتساب للجيوش والجماعات الوطنية“. وفيه يقول: “الانتساب إلى الجيوش الوطنية التي تخدم الأنظمة الظالمة، يعني الخروج عن طريق الجهاد في سبيل الله والاقتتال من أجل مصلحة الأوطان بدلاً من مصلحة الأمة الإسلامية”. خطاب يرى أن الجيوش النظامية التي تحارب من أجل “دول” و”أوطان” ليس لها مكان في الفكر الجهادي. ويؤكد في موضع آخر: “الوطنية مذهب مستورد من أعداء الإسلام، يهدف إلى صرف المسلمين عن الولاء لله ورسوله، وتفتيت وحدة الأمة الإسلامية.”
اعتبر أيضاً أنّ أي ارتباط بالجيوش الوطنية كفر. وقد قال في هذا السياق: “الانتماء إلى الجيوش الوطنية التي تخضع لأنظمة علمانية أو قومية يُعد خيانة لله ورسوله”.
إرث الثورة الثقيل
الرؤية التنظيرية الجهادية العابرة للحدود والقارات كانت الطعنة التي منعت الضباط المنشقين من تسلّم أي مناصب قيادية أو حتى إيجاد موطئ قدمٍ يعتد به داخل جسد الجماعات الجهادية في الشمال والشمال الغربي من الأراضي السورية (ريف حلب وإدلب). وبناء على ذلك تمّ إقصاؤهم عن المشهد العسكري الفاعل مع اتهامات طالت بعضهم بخيانة العقيدة القتالية نفسها، فتراجعوا نحو المخيمات ودول المهجر منفكين قسراً عن التفكير من جديد بإعادة بناء جيش وطن. أحد أولئك الضباط الذين انشقوا عام 2012 قال في حديث لـ “صالون سوريا” طالباً عدم الكشف عن اسمه: “لم يعد هناك قيمة لابن الأرض، صرنا محض لاجئين في بلد دافعنا عنه بمآقي العيون، اليوم لا مكان لنا أمام الأفكار العابرة للحدود”.
يخشى بعض الضباط المنشقين من تبعات انتقامية في حال ظهور تصريحاتهم بأسمائهم الحقيقية، لذا سيستعمل “صالون سوريا” اسماً مستعاراً وهو سامر لضابط منشق برتبة رائد قال: “نحن في عزلة عن مجريات الأحداث، لا أحد يريد إشراكنا، لم تعد هناك فرصة أو وقت أو إمكانية أو أمل في بناء جيش وطني ذي عقيدة قومية خالصة، الآن زمن الأجانب الذين يتولون القيادة، الأجانب القادمين من الأراضي البعيدة، هؤلاء إرث الثورة الثقيل، الثقيل عليها وعلى قادة البلد الحاليين”.
بين العقيدة الجهادية والولاء الوطني
بعد سقوط نظام بشار الأسد واجه النظام الجديد معضلة في التفاضل بين أصحاب العقيدة الوطنية التقليدية، وأصحاب العقيدة العابرة للحدود، فمالوا نحو الأخيرة نظراً لما أبدته من شراسة وولاء خلال سنوات الثورة. وقد عبر الشرع ذاته عن ذاك حين أشار مؤخراً في لقائه مع صحيفة “نيويورك تايمز” إلى إمكانية تجنيس بعض أولئك المقاتلين لما أبدوه من تواجد وثبات إلى جانب الثورة خلال مراحلها الطويلة. وفي هذه السياق، نجد أن خطاب في مؤلفاته لا يكتفي بانتقاد الوطنية، بل يذهب أبعد من ذلك عندما يشير إلى ما يراه تحريفًا للمفاهيم الإسلامية من خلال الانخراط في الجيوش النظامية، حيث يرى أنّ “من يقاتل في سبيل فكرة وطنية ليس أكثر من أداة في يد الطواغيت الذين يزعمون أنهم يدافعون عن حدود مصطنعة بين المسلمين”.
لا يمكن فصل الرؤية الجهادية للهيئة التي تمتلك بين جناحيها زهو 7500 مقاتل أجنبي عن السياق العام الذي جعل خطاب يؤكد في مؤلفه المذكور أنّ المنشقين غير قادرين على التمييز بين العقيدة الجهادية والولاء الوطني. وعليه، ومع تعيينات الانتصار التي قادتها “هيئة تحرير الشام” أصبح قائد الحرس الجمهوري أردنيًا من أصول سلفية جهادية، وقائد حامية دمشق (فرقة دمشق) تركيًا، مع ما يزيد عن 50 تعيينًا أجنبيًا في قيادة العمليات العسكرية. وترفيع عددٍ من الأجانب لرتب عسكرية عليا، فيما تضاءل دور الضباط السوريين الذين بقوا في المناصب الشكلية غير المؤثرة فعلياً أو الذين تم تهميشهم عملياً.
الأمر برمته لم يمكن مرتبطاً بمسألة بناء قوة قتالية وحسب، بل بما هو أبعد من ذلك لناحية الضمان الفكري والأيديولوجي المبني على الولاء الشرعي ما فوق الوطني، وذلك لأنّ “المجاهد الحق” لا يقاتل من أجد “الحدود” أو “الدولة” بل من أجل إقامة “شرع الله وحدوده”. ويجسد خطاب ذلك الاعتقاد في قوله ضمن مؤلفه في “حكم الانتساب للجيوش”: “القتال من أجل الوطن هو فكرة ضالة، والأمة لا تتحقق بالحدود المصطنعة التي يفرضها أعداء الإسلام”.
وما الشام إلّا بداية “الفتح المبين”
يبدو الواقع في سوريا اليوم زجاجياً للغاية، مهيأ للتحطم في أي ثانية أو مفترق، يعكس تحولاً خطيراً في بنية بناء ما بعد التحرير وسط سيل تساؤلات عن سوريا المستقبل مع الأخذ بعين الاعتبار الضغوط الأميركية المتنامية ذات الشروط الثمانية لرفع العقوبات الجزئي عن سوريا، ومن بين أبرزها تحييد الجهاديين وإبعادهم عن المشهد. ويزداد الأمر تعقيداً في الحين الذي يبدو فيه أن “الجيش الوطني الجديد” هو جيش يملك في حيز واسع منه عقيدةً جهادية إقصائية تتمثل في فصائل مرتبطة بوزارة الدفاع ولا تمتثل لأوامرها ولا تتوانى عن ارتكاب المجازر والانتهاكات. وأبرز مثال على ذلك المجازر التي ارتكبت ضد علويي الساحل ودروز الجنوب الحاضرة بقوة كملف يزيد الضغط على الحكم الانتقالي القائم حالياً بفعل الابتزاز السياسي الدولي. يضاف لكل ذلك أنّه لم يعد يمكن التعامي عن أنّ الجيش السوري الآن هو من لونٍ واحد، وفكرٍ واحد، وأيدولوجيات مقلقة، ايدولوجيات يمكن أن تكفّر الشرع ذاته لانفتاحه على الغرب في تحول براغماتي تحتاجه سوريا فعلاً، مع خلعه عباءة الماضي الجهادي ونفض غبارها وارتداء البزة الرسمية وتصريحه المتكرر أنّ الثورة انتهت وحان وقت بناء الدولة بالعقلية الجامعة لأبنائها، وهو ما لا يعيره الجهاديون أي انتباه ضمن مشروعهم الجهادي الواسع، فالتركتساني والإيغوري والشيشاني والعشرات الذين ينتمون إلى جنسيات أخرى لا تعنيهم تلك البنيوية الحتمية لإعداد مشروع صياغة شكل “دولة” إذ إنّ حلم “الخلافة” لا زال يطارد أحلامهم، وما الشام إلّا بداية “الفتح المبين” بناء على تواصل مباشر متعدد مع مقربين من أولئك المقاتلين.
الظاهر والباطن
ورغم الاعتراف الواسع ببراغماتية وانفتاح المستوى السياسي السوري الأعلى على القضايا المحلية والإقليمية والدولية من منظور دولة قائمة تسعى لكسب الشرعية، يبقى تحدي الخلفية الجهادية للمقاتلين الأجانب ماثلاً، وتبقى الأيديولوجية الداعمة لهذا التوجه والتي يؤكدها خطّاب ضمن المؤلف التنظيمي المذكور سلفاً قائلاً: “القتال من أجل الوطن هو فكرة ضالة، والأمة لا تتحقق بالحدود المصطنعة التي يفرضها أعداء الإسلام”.
وعليه، يرى الضباط المنشقون (وهم بحدود سبعة آلاف ويزيد عدا عن العناصر) أنّ هذا الموقف، إذا استمر في الهيمنة على القرار العسكري في سوريا ما بعد الأسد ولو من تحت الطاولة، أو في باطن الأفكار، فقد يُفضي إلى المزيد من العزلة السياسية والعسكرية، ويعرّض سوريا لخطر فقدان هويتها الوطنية الجامعة لصالح فكر جهادي لا يعترف بالحدود الجغرافية أو الوطنية.
لكلّ مرحلة خطابها
بناء على كل ما سبق، فإنّه لا يمكن التغاضي عن الآثار المستقبلية لهذا التوجه القاعدي في هرم السلطة التي قد تصبح ذاتها بوابة عبور نحو معركة داخلية–خارجية لا تعترف في لحظة بالحدود والجغرافية والمواثيق والأسس والمعاهدات والعيش المشترك أو التشاركي، وحينها يصير الاحتكام إلى المرجعيات الدينية المهيمنة أساساً لا يمكن تجاوزه، وسبيلاً مفروشاً بالزهور لنمو قوى كداعش من جديد. سوريا اليوم في ظلّ معادلة شديدة التجاذب بين جيش سابق جرى تسريحه بالكامل، وجيش من المنشقين تم الاستغناء عن خدماتهم ويرزحون تحت مظلومية كبرى تضحي بمستقبلهم السياسي والعسكري، وجيش جهادي لا يملك البذور الوطنية لرؤية سوريا الجديدة.
وفي هذا الإطار يقول الخبير الدبلوماسي ماهر سمارة لـ “صالون سوريا”: “سأكتفي بالقول إن الشرع محاط بالألغام كيفما اتجه، تفكيك الحاضنة الجهادية أمرٌ شبه مستحيل، الرئيس الجديد من خلال تحليل سياقات خطاباته ولقاءاته يبدو منفتحاً ومتمسكاً بمشروع شامل وجامع، ويحيط به على المستوى الأقرب في الدائرة الضيقة أشخاص يشاركونه التوجه، ومن أبرزهم الشيباني وزير الخارجية، وأبو قصرة وزير الدفاع، وخطاب وزير الداخلية نفسه رغم كل مؤلفاته الجهادية، ولكنّ الجميع الآن مؤمن أنّ لكل مرحلة خطابها ولكلّ زمانٍ دولة ورجال، فمرحلة إدلب وعزلتها كانت تفرض أسلوباً في التعاطي العقائدي المختلف تماماً عن حال حكم سوريا بأكملها حالياً، وهذا الدرس الأكبر الذي يجب التعويل عليه، فما بعد التحرير يجبّ ما قبله.”