ضريبة على الذهب أم على الوطن؟

ضريبة على الذهب أم على الوطن؟

قالت الهيئة العامة للضرائب والرسوم إن الجمعية الحرفيّة للصياغة وصنع المجوهرات بدمشق قد تنصّلت من تسديد رسوم الإنفاق الاستهلاكي المستحقة لهيئة الضرائب بموجب اتفاق تمّ العمل به حتى ٣٠/٠٦/٢٠١٨، مع تعديل الرسم الشهري المتفق عليه كل ستة أشهر، إلا أن الجمعية حاولت في الفترة الأخيرة استخدام كل الوسائل من أجل عدم تسديد المستحق لهيئة الضرائب والرسوم.

وهذا الخلاف بدأ يَرشَح إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ناقلًا عن الطرفين تصريحات مبهمة، لا توضّح جوهر الخلاف بينهما، ولا حتى تأثيره على الدولة السورية والسوريين عامة، لذا أردنا لهذه المقالة أن تحاول إحاطة القارئ بأكبر قدر ممكن من المعلومات والتفاصيل حول هذا الموضوع.

رسم الإنفاق الاستهلاكي

تمّ فرض رسم الإنفاق الاستهلاكي على مبيعات الذهب بموجب أحكام المرسوم التشريعي رقم ١٨/ لعام ١٩٨٧، وبمعدل قدره (١٠%) ثم صدر المرسوم التشريعي رقم ٦١/ لعام ٢٠٠٤ القاضي باستيفاء رسم الإنفاق الاستهلاكي بمعدل ١٠% على الحلي الذهبية الخاصة، ومعدل ١٥% على الحلى الذهبية الأخرى والمجوهرات، وهذه الضريبة بقيت حبيسة الأوراق الرسمية لوزارة المالية، فلم يتمّ جبايتها لعدة أسباب منها فساد الجباة وتلقيهم الرشوة، وتهرّب التجار من تحصيلها من زبائنهم الملزمين بدفعها؛ وذلك كخدمة مجانية لهم؛ لتشجيعهم على الشراء، وأحيانا مقابل دفع الزبائن رسومًا بسيطة للتاجر لا تصل لمقدار الضريبة المتوجبة عليهم، إضافة للتهرّب الضريبي للتاجر، والذي كان يتم على مستوى الدولة ككل.

وبعدها صدر المرسوم التشريعي رقم/١١/ لعام ٢٠١٥، الذي خفض رسم الإنفاق الاستهلاكي ٥% بهدف التشجيع على الالتزام بدفعه، لكنه لم يُنفّذ بسبب اعتراض الصّاغة عليه؛ نتيجة إصابة السوق بالركود. هذا أدى إلى وضع آلية بديلة، بحيث يتم تقدير الضريبة على كل صائغ على حدة، لتعود وزارة المالية إلى تفعيل ضريبة الرسم الاستهلاكي خلال العام الجاري، فارضة ٥.٧٥% على كل غرام ذهب، شاملًا الرسم المالي، وإعادة الإعمار، وقد جاء هذا (بحسب تصريح الوزارة) نتيجة فشل مفاوضات من جمعيات الصّاغة لأجل الحصول على الضريبة. ويتم استيفاء ضريبة الرسم الاستهلاكي الجديدة من قبل عناصر من الدوائر المالية الذين يتواجدون عند الوسم من أجل بيان كمية الذهب المدموغ في الجمعيات المعتمدة، وبالتالي استيفاء الرسم.

سبب الضريبة

لماذا هذا الاهتمام بهذه الضريبة الآن؟ ولماذا يرفض التجار دفعها طالما أنهم لن يدفعوها من أرباحهم؟

توسّع نشاط هذا القطاع خلال السنوات الثماني السابقة، مستفيدًا من الاضطرابات في سعر الدولار، وتوقّف عجلة الاقتصاد في سوريا نتيجة الحرب، فقد غدا الذهب أكثر استقرارًا في سوريا، وملاذًا للادّخار، والحفاظ على قيمة الثروة، والعملة الخفية للتبادل التجاري، حيث يستعمل الدولار الذهبي (الدولار المقيم للأونصة الذهبية) أساسًا في تقييم تسعير الأعمال.

لذلك ليس غريبا أن تتّسم السياسات الاقتصادية للحكومة المرتبطة بهذا القطاع بالمرونة والسرعة، والتغاضي عن الكثير من التعدّيات في جوانبه؛ للمحافظة على الحياة التجارية في سوريا، وإن كانت بالحد الأدنى.

فقد سُمح باستيراد الذهب منذ العام ٢٠١٤ برسوم لا تتعدى ١٠٠ دولار على الكيلو غرام منه، وبتمويل من القطع الأجنبي لدى المصرف المركزي، كما سمح بتصديره، وقد استخدم تصدير الذهب كطريقة لتهريب الأموال المضمونة إلى الخارج، وطريقة لسداد الالتزامات المالية على التجار، والتي كانت تعاني من الضغط لإيجاد الدولار، وارتفاع تكاليف تحويله، حيث أن القرار سَمح بتصدير الذهب مع تعهد بإعادته. كان الضامن عبارة عن تعهّدٍ كتابيّ قبل التصدير، ودفع تأمين ٥%  فقط من قيمة المواد المصدرة! وهذه النسبة هي أقل حتى من تكاليف الحوالة المالية العادية بين المحافظات السورية نفسها، وخاصة إذا عرفنا أن أكثر سوق تم تصدير الذهب إليه هو الإمارات.

كان لهذا التساهل في سوق الذهب ما يبرره، بحسب النظام، فقد كان الذهب يدفع بالناس إلى ضخّ مدخراتهم بهذا السوق مقابل الحصول عليه للحفاظ على قيمة المدخرات. وبالتالي كان السوق يحصل على السيولة اللازمة، سواء من العملة السورية أو الدولار، وخاصة أن السوق في تلك الفترة عانى انكماشاً بسبب انخفاض السيولة فيه، وهذه الزيادة في الكتلة النقدية مضمونة القيمة باعتبار أن المعادن الثمينة تدعم وضع الاحتياطيّات النقدية.

لكن نتيجة ضعف سيطرة النظام على السوق، وانتشار الفوضى بالسلاح، والجهات المتداخلة في الشأن الاقتصادي؛ كلّ ذلك جعل الذهب وما يمثله من قيمة خارج سيطرة حكومة النظام، ولكن يبدو أنه مع اقتراب إعلان النظام عن سيطرته على سوريا ومنافذها الحدودية فالأمر يتطلب منه ضبط السوق من خلال السيولة (وهي التي جفّت بحسب تعبير صندوق النقد الدولي) مرورًا بإعادة تشكيل الاحتياطيات النقدية التي يشكّل الذهب عمودها الفقري، إلى إعادة الاعتراف بالعملة السورية كوسيلة للتبادل الداخلي، أو الخارجي.

لماذا كل هذه المقاومة لضريبة ٥.٧٥%؟

تشهد علاقة الود بين حكومة النظام وقطاع الذهب (بمستورديه، ومصدّريه، ومستهلكيه، وصاغته) إشكالًا بعد فرض رسم الإنفاق الاستهلاكي على دمغة الذهب بنسبة ٥.٧٥%.

حيث التعليمات الجديدة تقوم على استيفاء الضريبة عند الوسم من قبل الجباة، ومن الصّاغة مباشرة، والذين يُترك لهم الخيار بعد ذلك لجبايتها من الزبائن أو لا! والجباة عددهم اثنان لكل جمعية من الجمعيات الثلاث (دمشق، وحلب، وحماة): يعملون فقط ٤ أيام بدل ٦ أيام والتي كانت متوفرة من قبل للجمعيات للوسم؛ مما يعني ضغطًا قد لا يؤدي لوسم كافة الكمية التي يطلبها السوق، وهذا يعني ضغطًا على السوق من الناحية التقنية، خاصة إذا علمنا أنّ هناك ٢٤٠٠ حرفيٍّ فقط في دمشق.

أما من الناحية العملية فإن الرسم ٥.٧٥% يعني أن كل كيلو غرام من الذهب سيكون عليه ضريبة بقيمة ٩٠٠ ألف ليرة سورية، أي ٢٠٤٦ دولاراً، على أساس أنّ سعر الدولار ٤٤٠ ليرة سورية، فالمواطن كان يدفع حوالي ٣٠٠ ليرة سورية عن كل غرام ذهب، ومع تطبيق نسبة رسم الإنفاق الاستهلاكي الجديد سيرتفع المبلغ إلى قرابة ٩٠٠ ليرة سورية.

السوق وفرض الأمر الواقع

وهذا الأمر يُفقِد الذهب بريقه كعملة بديلة بتسعير الأعمال؛ وبالتالي دخول هذه الأسواق في حالة فوضى جديدة، كما حدث عامي ٢٠١٢-٢٠١٣ إضافة إلى أن الذهب سيتم تهريبه إلى الخارج، وليس الذهب فقط، بل الحرفيّين أيضًا، الذين يُتوقَّع أن تغلق أعمالهم، كما سيزيد الطلب على الدولار من جديد؛ ليرتفع سعره، مما يعني أنّ تكلفة الحياة في سوريا أو إعمارها ستزيد.

رفضت السوق فرض الحكومة عليها لرسم إنفاق ٥.٧٥%، حيث بدأ الرد بإعلان الصّاغة بأن عمليات البيع في السوق قد توقفت نهائيًا، والمبيعات وصلت للصفر؛ نتيجة رسم الإنفاق، بذريعة توقُّف الطلب، أما خطوة التصعيد التالية فكانت إعلان الصّاغة على لسان رئيس الجمعية غسّان جزماتي بأن الجمعية قد توقّفت بشكل شبه كامل عن دمغ أي قطعة ذهبية؛ وذلك لأن السوق قد فرضت أمرًا واقعًا جديدًا، حيث أصبح في سوق الذهب سعران: سعر رسمي مع رسم الإنفاق الاستهلاكي، وسعر سوق أخفض منه.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الصّاغة لا يقومون بعمليات الدمغ؛ لرفضهم دفع الرسم الجديد، وبالتالي فإنهم يبيعون ذهبًا بشكل غير رسمي، ودون أن يدفعوا رسم الإنفاق، أي بطريقة غير شرعية عملياً (احتيالاً)؛ لتُوْلد سوق سوداء للذهب، مما يعني التهرب الضريبي، كدمغ سلسلة ذهبية تزن ٣ غرامات ونقل القفل فيما بعد إلى قطع ذهبية ذات أوزان أكبر، واعتماد الصّاغة على شراء الذهب المدموغ سابقا.

كل هذا يعني أنّ خطة حكومة النظام فشلت في جباية نقدية تحسّن من قدرتها على تمويل الميزانية العامة للحكومة، من جهة، أو المساهمة في إعادة الإعمار من جهة أخرى، على اعتبار أن حجم الجباية المتوقع من دمشق وحدها يقدّر بحوالى ٢٠٧٣.٦٠٠ مليون ليرة، لكن الحقيقة أن التهرب كان قد بدأ منذ الإعلان عن فرض الضريبة، أمّا الحكومة فقد ردّت على لسان وزير ماليّتها مؤكدة “استمرار فرض رسم الإنفاق الاستهلاكي.”

يذكر أنّ وزارة المالية لم تستشر البنك المركزي المسؤول عن السياسات النقدية، ولا هو صرّح عن موقفه من الضريبة، وكأنّ البلد باتت رهينة المواقف الفردية، وهذا الأمر لن يشجّع المستثمرين في الدخول في عملية إعادة الإعمار التي أَعتقدُ أنها ستطول في ضوء تخبّطات عشوائية، حتى مساهمة الذهب في السوق النقدية ستتوقف، وهي التي تعاني الآن من انكماشٍ حادٍّ بعد أن فقدت أهمّ مورد لها من العملات التي تأتي من المنظمات الإغاثية للمعارضة.

يوميات سورية: معرض الكتاب السوري ٢٠١٨

يوميات سورية: معرض الكتاب السوري ٢٠١٨

يدخل عروسان لمعرض الكتاب السوري، يتبعان الازدحام ظناً أنّ احتفالية ما تقام في الداخل، يتبختر العريس بطقم عرسه الأسود وقميصه الأبيض ذي الياقة المصفرة من التعرق، أما العروس فترتدي طقماً سكري اللون بتنورةٍ ضيقةٍ وطويلة وتنتعل حذاء صيفياً ألماسي اللون بكعبٍ عال، تتعثر على الأدراج، تتمسك بعريسها. يكاد الازدحام وملابس العروسين الثقيلة يخنقانهما، فتطلب منه المغادرة، وعندما تهبط أول درجة تسقط أرضاً ويسقط حذاؤها في البركة الضئيلة الملاصقة للدرج. لا يتعاطف الزوار معها، يهمس البعض بصوت مرتفع “شو جاية تعمل هون؟” يتكثف التناقض الواقعي بين القراءة واحتفالات شعبية مرجوة من عامة الناس!

فتح معرض الكتاب السوري  أبوابه للدورة الثلاثين تحت شعار “مجتمع يقرأ مجتمع يرتقي” وذلك اعتباراً من الواحد والثلاثين من تموز وحتى العاشر من آب هذا العام، بمشاركة مائتي دار نشر، مائة وعشرون منها سورية والثمانون هي دور نشر عربية وعلى الأخص لبنانية ومصرية إضافة إلى دار المدى العراقي.

تميز المعرض بكثافة في المعروضات وتأمين عدد سخي من العاملين في أجنحته المختلفة المكتظة بالكتب والمتسوقين أو المتفرجين، عائلات بأكملها تطلع وتسأل وتشتري. الأغلفة الصقيلة والملونة، العناوين الجذابة والمألوفة والمأمولة، كلها عوامل جذب.

ورغم أن المعرض يشهد حضوراً شعبياً مقبولاً مقارنةً بالمواسم الأربعة الماضية، إلا أنها لا توازي أبداً الحضور الكبير المعهود في سنوات ما قبل الحرب.

خصص المعرض هذا العام جناحاً كاملاً لدور نشر كتب الأطفال الذي تختلف محتوياته مابين قصص قديمة معروفة عناوينها ومعاد طباعتها، إضافة لوسائل الإيضاح والألعاب التعليمية وغير التعليمية مثل الكرات ولوحات الوجوه الترويجية الضاحكة أو العابسة الخشبية والدارجة على صفحات الفيس بوك.

تقترب سيدة مع طفلها للقسم تسأل عن سعر وجهٍ خشبيٍ مبتسم، وعندما تجد سعره مرتفعاً تطلب من البائعة استعارته للحظات ريثما تتمكن من التقاط صورة لطفلتها وهي تضع القناع على وجهها، وترتسم خلف الابتسامة الخشبية أخرى طفولية أحلى وأكثر دفئاً. اللافت في أجنحة  كتب الأطفال، القصص المصورة باللغة الأجنبية، وهي مرتفعة الثمن لكن الإقبال عليها كثير بسبب جودة الصنع والأغلفة الفنية المميزة وبساطة الكلمات ووضوح الصورة.

تبدو الغلبة في المعرض للكتاب الديني عرضاً وتسويقاً وحضوراً وعدداً من ناحية دور النشر، وإن خالف اسم الدار محتواه.

قرب رف يعرض العديد من هذه الكتب يقف رجل خمسيني بدشداشة بيضاء كشيخ لكن دونما عمامة أو قبعة الصلاة الصغيرة، وحوله طلابه أو مريدوه، يشرح لهم بعض المعلومات عن كتاب أو واقعة مذكورة فيه. وأمامه معلمة تتجمع طالباتها حولها ويتفرقن ليشترين ما تشير إليه معلمتهن، يفرحن بحضورها وبإشارتها ويلبين اقتراحاتها بحفاوة وتقدير.

من دور نشر هذه الكتب دينية “دار العارف” و”مؤمنون بلا حدود” و “دار المعارف الحكمية”، وعن معنى هذه الكلمة قال البائع إنها اشتقاق من الحكمة، كما توزع دار نشر مسيحية وبالمجان كيساً يحتوي إنجيلاً وخمسة كتبٍ و CD  لفيلمٍ دينيٍ عن القديس بولس واسمه “دمشق تتكلم”، والتوزيع اختياري بناءً على الزي والمظهر العام طبعاً وليس للجميع.

يقول أحد الزائرين أنه لمس توفراً سخياً للكتب الفلسفية وكتب العلمانية ونقد الخطاب الديني، ويعزو ذلك “لتراجع مساحة الكتاب الديني”، رغم أن التوفر النوعي لا يعني تراجعاً نوعياً.

في قسم الروايات يفتقد المعرض للكُتاب السوريين، لا أسماء إلا لعادل محمود في مجموعة رواياته القديمة وروايته الأحدث “قطعة جحيم لهذه الجنة”، أحدهم يهمس قائلاً بأنهم قد منعوا رواية الكاتب الروائي خليل صويلح “اختبار الندم” قبل ساعات من افتتاح المعرض!

الجمهور هنا مختلف، بسبابته يقول أنه يمتلك كل ماهو معروض لأنه قديم. فتراجع الكتابة والطباعة و سوق الكتب إضافة لتمويل الرواية يجعل من الروايات المترجمة الطاغية بين المعروضات، ويبلغ سعر بعض الروايات المترجمة الجديدة ما بين ثلاثة وخمسة آلاف ليرة. يقوم العديد من المشترين بمفاصلة العارض لتخفيض السعر، يستنجد بمدير دار النشر أو صاحبها فتثمر جهود المفاوضات  لتخفيض مبلغ خمسمائة ليرة كحدٍ أقصى، ويقول البائع إنهم يبيعون أصلاً بخصم يفوق الثلاثين بالمائة. يتقدم المشتري ليدفع الثمن المقرر ويمشي.

تطلب زوجة شراء كتاب ملون للطبخ، يرفض الزوج مستبدلاً الكتاب المرتفع الثمن بكتابٍ عن مراضاة الزوجة، تبتسم الزوجة بخفر وتبتسم الليرات الباقية في جيب الزوج.

فقد تراجع في المعرض أيضاً عدد كتب الطبخ والموضة والأبراج. فهي مكلفة طباعياً وتسويقها متعثّر لقلة السيولة، لكن الكتب الاحتيالية الساذجة مثل “كيف تراضي زوجتك” أو “أقرب الحلول للرضا عن الذات” أو “الخديعة الكبرى” مازالت تحتل وبثقة العديد من الرفوف.

أما عن كتب المعلوماتية والبرمجيات فعدد الدور المختصة لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، ورغبةً بالتسويق توافرت الأقراص المدمجة CD التعليمية بكثرة خاصة لأنها مستنسخة وبالتالي فإنّ أسعارها أقل من أسعارالكتب ذاتها.

يتعامل العديد من الزائرين مع المعرض كفسحة ترفيهية، يشترون البوظة والبسكوت والعصائر ويجلسون على الأدراج يتسامرون ويراقبون الآخرين، مترفعين عن شراء الكتب، حتى عندما يطالب بها الأبناء تحت ذريعة ارتفاع أثمانها وأن مصيرها للقمامة.

يبدو الحاضر الأكبر في رحاب المعرض الهاتف الجوال، صور سيلفي في أماكن متفرقة وخاصة تحت اللافتات التي تحتوي أسماء دور النشر، صور جماعية وعائلية واتصالات يبحث الحضور عن بعضهم عبرها، “أنا عند الدرج الأول!”، “أنا عند الc20”. وهكذا يدور الوقت وتدور عجلة الفسحة والحياة والصورة شاهدة على أنهم زاروا معرض الكتاب لكنهم لم يجدوا الوقت لقراءة ما فيه.

السمة الأبرز لمعرض الكتاب لهذا العام أيضاً هي ارتباط الكتاب بالعملية التسويقية، حتى على صعيد الإعلانات، “حسومات تصل إلى سبعين بالمائة!”، “اشتري كتابين والثالث هدية!”، حتى أن بعض الدور تجرأت ووضعت لافتات رقمية تحدد سعراً ثابتاً لكل الكتب في زاوية محددة، وتبدأ الأسعار من الثلاثمائة وحتى الستمائة ليرة، لدرجةٍ تظن وكأنك في سوق الرخص على الأحذية أو على  المنتجات الاستهلاكية اليومية والعادية.

كما أن الأكياس التي تحمل شعار المعرض وتاريخه مفقودة، بعض دور النشر تضع كتبها بأكياس من معارض سابقة مثل “معرض أبوظبي الدولي للكتب” أو “معرض مسقط الدولي للكتاب”، وبعض الدور يسلمونك الكتاب دونما كيس أو يبادرون دون استئذانك لوضعه في كيس تحمله، وربما لو طلبت كيساً لاعتذر قائلاً:  “ما بتوفي.”

دور النشر في سوريا ومحاولات النجاة

دور النشر في سوريا ومحاولات النجاة

لا تستطيع وأنت في الحلبوني الواقعة في قلب العاصمة دمشق إلا أن تتعثر بأحد الكتب المفروشة على الأرصفة،  لتبدأ عيناك برحلة البحث وسط المعروضات عن كتاب محدد فيخطف نظرك عنوان ثان أو تزكية لعنوان ثالث من لسان الباعة، وإطراء لرابع ينصح بقراءته لضرورات إجماع الذوق العام.

في الحلبوني التي ذاع صيتها لإحتضانها العديد من دور النشر والطباعة إضافة للمكتبات التي تتكئ على رفوفها نفائس الكتب والمراجع من مختلف الاختصاصات والعناوين النادرة، يشتكي صاحب إحدى بسطات الكتب المفروشة بعفوية على الأرض فيها، من ركود في حركة شراء الكتاب الورقي بعد أن أطاح به  الإلكتروني (pdf) الذي يتم توفيره للقارئ مجاناً.

يقول البائع متذمراً “أحيانا نبيع كتابين أو ثلاثة في اليوم الواحد وقد نبيع عشرة كتب بعد ساعات عمل طويلة، والسبب هو سهولة ومجانية تحميل أي كتاب صدر حديثا على الإنترنت بصيغة (pdf) مما تسبب بتراجع شراء الكتاب الورقي.”

يشير البائع إلى مساهمة ارتفاع أسعار الكتب المطبوعة في هذه الأزمة فقد يصل سعر الكتاب الذي لا يتجاوز ٣٠٠ صفحة إلى ٢٠٠٠ ليرة سورية “مما يجعل القارئ يحجم عن شرائه ليحصل على نسخته الإلكترونية مجانا.” ويروي البائع بأن إحدى القارئات أوصته على مجلدين للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي غير أنها عدلت عن قرار الشراء بعد أن صدمت بالسعر العالي لهما و الذي وصل إلى ٣٠ ألف ليرة سورية.

تخضع أسعار الكتب بشكل عام لمزاج البائع فترتفع حوالي ٢٠٠ ليرة على بسطات الكتب تحت منطقة جسر فيكتوريا مقارنة بمثيلاتها في الحلبوني.

وقد ساهم غلاء المواد الأساسية للورق والحبر وارتفاع أجور المترجمين في ارتفاع سعر الكتاب، فعلى سبيل المثال وصل سعر طن الورق إلى ٣٥٠ ألف ليرة سورية فيما كان ٥٠ ألف ليرة قبل الحرب، أما أجرة المترجم حاليا فقد بلغت ٢٥٠٠  ليرة للصفحة الواحدة بعد أن كانت ٢٠٠ ليرة سابقاً.

إذا كان هذا حال الكتب، فما الذي حدث لدور النشر؟

تسببت الحرب السورية بهجرة العديد من دور النشر إلى ملاذ آمن يحمي كتبها من الموت، بينما صمد البعض القليل منها مجازفاً بالبقاء و نشر عناوين تقلصت للنصف قياساَ بماكانت تنشره قبل الحرب.   

النشر في الحرب

كرّست الحرب أزمة انكفاء النشر وانخفاض عدد الكتب المترجمة والمؤلفة، يقول صاحب دار كنعان للدراسات والنشر سعيد البرغوثي “أثرت الحرب على جميع مناحي الحياة ومنها الكتاب، كنا نصدر حوالي ٤٠ عنوان سنوياً بين المترجم والمؤلف، ليصبح الرقم أقل من ٢٠ سنوياً خلال السنوات الثماني الأخيرة”، واصفاَ الوضع بـ “الكارثي”.

وتحاول دار كنعان ذات الهوية السورية الفلسطينية التي أسست عام ١٩٨٩ في دمشق لاستدراك الخسائر الثقافية وترميم ما أنهكته الحرب، يقول البرغوثي “نحاول استدراك ما فاتنا من عناوين أثناء سنوات الحرب واللحاق بإيقاعنا السابق مع الحفاظ على طبيعة عملنا الجاد المتمثل بالكتب التنويرية الوجودية.”

وأصدرت دار كنعان في العام الحالي عدة كتب مترجمة عن اللغة الألمانية مثل “الطريق إلى شابلن” و”الاستيلاء على الأرض” و”المسخ والغائب”، كما أعادت طبع عناوين نفذت منها للكاتب طه حسين والناقد الروائي فيصل الدراج.

العناوين الرائجة فقط

يشير البرغوثي إلى أن أغلب المكتبات خلال سنوات الحرب لم تعد ترحب بجميع العناوين خوفا من كسادها وتكتفي باختيار عناوين محددة غالباً ماتتوافق مع طلبات الزبائن. تغيب أيضاً الكتب المنشورة عن الحرب السورية عن إصدارات دار كنعان فبحسب صاحب الدار “لا حصة للكتب التي تتناول الحرب السورية في كونها لم تنتهي بعد، وبطبيعة الحال هذه المهمة تقع على عاتق المؤرخين.”

يتفق بائعو الكتب على البسطات في الحلبوني مع صاحب دار كنعان في ترجيح اختيارات القراء، فالعديد منهم يكتفي بشراء وعرض الروايات الرائجة كروايات أليف شافاق وخالد حسيني وأدهم شرقاوي وروايات عبير وأحلام مستغانمي وغيوم ميسو وسواها، “لأن شراء روايات الكتاب غير المعروفين  يعد مغامرة قد تعرضهم للخسارة” بحسب أحد الباعة.

نضال البقاء

يقول سامي أحمد صاحب دار التكوين: “نشرنا عام ٢٠١١، ٤٠ عنواناً وواظبنا بصعوبة على هذا الرقم سنوياً باستثناء عام ٢٠١٢ الذي شهد ركوداً كبيراً بسبب هجرة العديد من المطابع خارج البلاد وبالتالي عزوف تجار الورق عن البيع، تسبب هذا بأزمة ورق، وعلى إثرها فكرت بالهجرة خارج سورية أيضاً، لكن الدار استأنفت نشاطها في الأعوام التالية لكننا مازلنا متأخرين عن أرقامنا السابقة، فالآن ننشر ٢٥٠ نسخة لكل عنوان بينما كنا ننشر ١٠٠٠ قبل الحرب.”

مكتبة النوري التي أسست عام ١٩٤٧ أيضاً مازالت تناضل للبقاء، ويرى صاحبها محمد  النوري أن الكتاب الورقي يحاول جاهدا الاحتفاظ بماء الوجه في ظل ظهور منافس شرس  له (الكتاب الإلكتروني)، كما طفت الكتب السياسية التي تدور في فلك الحرب السورية على سطح القراءة السورية.

يقول النوري “الكتب المتصلة بالحرب السورية فرضت نفسها على  واقع القراءة وهذا لا يمكن تجاهله.”

ويضيف “غالبا ما يجد الزبون الكتاب غاليا ويعدل عن شرائه بعد أن يحسب تكلفته مقارنة مع الراتب الذي يجنيه والذي غالبا ما يكون من أصحاب الدخل المحدود.”

لعنة الدولار أصابت أسعار الكتب

تضاعفت أسعار الكتب عشرات المرات بسبب انخفاض قيمة الليرة السورية، فالكتاب الذي كان يكلف ٢٠٠ ليرة سورية قبل الحرب  وصل سعره الآن إلى ٢٠٠٠ ليرة، أما أسعار المجلدات فجنحت نحو الأقصى لتعزز شعور المواطن السوري بالإفلاس، إذ بلغ ثمن مجلدات ميخائيل نعيمة ٧٠ ألف ليرة سورية، وحوالي ٢٥٠ ألف لجميع مجلدات الكاتب الروسي ليو تولستوي، في حين وصل سعر مجلدات فيودور دوستويفسكي إلى ٧٠ ألف.

ولهذا لا يجازف صاحب المكتبة بشراء أكثر من ٥ نسخة لكل عنوان  وينتظر بيعها ليشتري أخرى. هذا و توقفت العديد من الدور عن طباعة كتب تاريخية ودينية والروايات القصيرة بسبب ارتفاع سعر الورق  والحبر وتكاليف الشحن، فتكلفة الكتاب ارتفعت عشرة أضعاف في السنوات الثماني الماضية.

مطابع ودور نشر لفظت أنفاسها الأخيرة

العديد من مطابع الريف الدمشقي جف حبرها بسبب وقوعها على خط الجبهات وتعرضت للتدمير الكامل، المصير ذاته لاقته دور النشر، إذ تعرضت للحرق  وتحولت مستودعاتها لمخازن ذخيرة وأسلحة ومنصات لتراشق النيران والاحتماء منها، وعن ذلك يقول صاحب دار التكوين “كنا نتعامل مع مطبعة في منطقة القدم بريف دمشق لكنها دمرت بالكامل ما سبب لنا خسائر مادية كبيرة، عدا عن عملية البحث عن مطبعة ماتزال في الخدمة في ظل أزمة الورق.”

معارض الكتب، قوارب النجاة

المشاركة في معارض الكتب العربية أصبحت بمثابة القشة التي تنقذ دور النشر من الغرق وتساعدها للتعويض عن الخسارة المالية التي لحقت بهم بحسب صاحب دار التكوين.

وصل رصيد مشاركة  دار التكوين في معرض الكتاب الدولي في دمشق لقرابة ٤٠٠ عنوان  منها لأدونيس وفراس السواح و ديوان شعر لعصام التكروري وغيرهم، فيما طغت الكتب المترجمة مابين رواية وكتب فكرية بنسبة ٧٠٪ وسط مناخ تشوبه رقابة متشددة على مضامين الكتب وتعدد جهات المنع.

يقول أحمد “كنت على وشك الإنسحاب من المشاركة في المعرض بسبب تدخل وزارة الأوقاف والرقابة المتشددة، كما منعت وزارة الأوقاف بعض الكتب من المشاركة علماً أنها حصلت على موافقة طباعة من وزارة الإعلام  قبلاً، كما صدر قرار من وزارة الثقافة يقضي بمنع مشاركة الكتب الصادرة قبل عام ٢٠٠٨.”

الكتاب رفاهية ثانوية

يقول البرغوثي “إن الكتاب من آخر اهتمامات المواطن السوري نظرا لوجود أولويات أخرى عليه تأمينها، بالإضافة إلى دور التربية والتنشئة المنزلية وعدم تخصيص وقت محدد يوميا للطفل ليقرأ، لذلك نحن نعاني أزمة قراءة ومقولة أننا أمة لا تقرأ هي مقولة تنطبق علينا.”

ويلفت البرغوثي إلى أن دار كنعان كانت تصدر منذ نشأتها حوالي ٢٥٠٠ نسخة من كل عنوان ليتقلص هذا العدد إلى ٢٠٠ نسخة فقط في سنوات الحرب.

بدوره يؤيد سامي أحمد صاحب دار التكوين للنشر هذا مضيفا “اكتشفت من خلال خبرتي في مجال النشر عزوف المواطن السوري عن القراءة، لا بسبب الوضع الاقتصادي والقدرة الشرائية، بل لغياب السياسات الثقافية و ترهل النشاط الثقافي والترويج لثقافة الاستهلاك وتوجهه إلى القراءة الأفقية لا العمودية التي تستهدف العمق والمعرفة، مما خلق أزمة حقيقية في القراءة.”  

عَلَم سوريا: أخضر أم أحمر؟

عَلَم سوريا: أخضر أم أحمر؟

مع بداية الانتفاضة السورية، حمل المتظاهرون العلم السوري “الأحمر”، وكفّنوا به شهداءَهم؛ وفي اعتصام حماه رفعوا علماً طويلاً ملأ الساحة، وقد استَهلكت خياطتُه آلافاً من أمتار القماش الذي جلبَه الناشطون خصيصاً من حلب لهذه الغاية. حينها كان للعلم السوري الأحمر رمزيةٌ وطنيةٌ، ولم يكن في ذهن عموم المتظاهرين والناشطين لا العسكرة ولا التدخل الخارجي.

في تلك الفترة خرج بعض المعارضين على شاشات الإعلام بأفكار تقول بضرورة حمل السلاح منذ البداية، وألا فائدة من الحراك السلمي، وأن الإطاحة بالنظام تحتاج تدخلاً عسكرياً. وهم بتلك المواقف، يقصدون محاكاة التجربة الليبية بتشكيل جيش معارض يدعمه جوّياً حلف الناتو، والذي أطاح بالقذافي لتستلم المعارضة الحكم مكانه.

وعلى غرار ليبيا، حيث غيّر المعارضون العلَم من الأخضر إلى “الملوّن”، رفع المعارضون السورين المشاركون في مؤتمر أنطاليا، وأغلبهم إسلاميون، في ١ حزيران ٢٠١١، العلمَ السوري القديم، علم الاستقلال “الأخضر”. قال هؤلاء المعارضون إن العلم الأخضر يرمز إلى الاستقلال عن النظام والقطع مع كل رموزه. وصمم المعارضون صفحة على مواقع التواصل الإجتماعي تدعو إلى استخدام العلم القديم، وأطلقت صفحة الثورة السورية، المعروفة بنفَسها الإخواني، حملة “أربعاء علم الاستقلال.”

لقيت هذه الطروحات استغراباً، وربما صدمة، في أوساط المتظاهرين والناشطين، فهي لم تكن تدور في بالهم، إذ اعتادوا على العلم الأحمر كرمز وطني يعبّر عن وحدة السوريين. وكانت توجهات أغلب ناشطي التنسيقيات الأولى تحذّر من العسكرة ومن التطييف، ومن لعنة محاكاة تجربة الحرب الليبية المدمِّرة، وبالتالي لم يكن مطروحاً تغيير العلم في البداية، لكن الفكرة لاقت قبولاً لاحقاً.

تم حمل السلاح مبكراً، بعد الأشهر الأولى، لحماية التظاهرات من هجوم متوقّع للنظام؛ ولا يمكن اعتبار ذلك عسكرة، لا من حيث الوظيفة ولا التنظيم. وحتى المواجهات المحدودة مع قوات النظام، في بعض المناطق التي فيها سلاح مسبقاً -المناطق الحدودية التي تعمل بالتهريب كما في درعا وتلكلخ والرستن ـ فقد كان ردود فعلهم تتسم بالعفوية على محاولات النظام اقتحام بلداتهم وخوفاً من التنكيل بالأهالي.

“حركة الضباط الأحرار” وهي أول تشكيل عسكري من منشقين أسسه حسين الهرموش، الضابط المنشق في بداية حزيران ٢٠١١ اعتمدت على نفس العلم الأحمر الذي كان الوحيد المستخدم حينها. وكان أول عمل عسكري للهرموش دفاعياً ضد قوات النظام التي كانت تتقدم في جسر الشغور في نفس الشهر، قبل أن يختفي في تركيا، ويتم تسليمه إلى النظام السوري.

توالى ظهور الكتائب المسلحة في كل المناطق السورية المنتفضة، بعد أن باتت سورية تعيش في دوامة من القتل المجاني من النظام، دون أن تقود التظاهرات السلمية لتقدُّمٍ ملموس على الأرض، مع استمرار النظام باعتقال وتهجير النشطاء وقيادات التنسيقيات الأولى.

النظام دفع تلك المناطق إلى اتخاذ العسكرة، إلى جانب استمرار النضال السلمي، كشكل إجباري للنضال. ومع تزايد تلك الكتائب، بدأت تبحث عن الدعم الخارجي، ولقيت فكرة إنشاء جيش حرّ معارض قبولاً عاماً، حيث اعتمد “الجيش الحرّ” العلم الذي ارتآه المطالبون الأوائل بالعسكرة والتدخل، أي علم الثورة “الأخضر”. ومنذ بداية تشكُّله، اتبع الجيش الحر سياسة تحرير المدن والبلدات، واحتاجوا رفع علمهم المختلف عن علم النظام، في المناطق “المحررة”، بعكس المنشقين الأوائل الذي بدؤوا الهجوم على مواقع النظام دون فكرة التحرير.

المتظاهرون ظلّوا يحملون العلم الأحمر، لكنَّهم أضافوا إليه الأخضر في نفس التظاهرات كتعبير عن مناصرتهم للجيش الحر قبل أن يتلاشى ظهور العلم الأحمر في التظاهرات. ومع اشتداد المعارك بات هذا العلم بالنسبة للمتظاهرين يمثّل النظام، بكلّ إجرامه.

في بداية ٢٠١٣، كانت هناك حاجة للدعم العسكري والمادي، والذي كانت تقدّمُه دول الخليج وتركيا، بوساطة شخصيات معارضة إسلامية، في غرفة عمليات خُصّصت لذلك، واشترط الداعمون مظاهر الأسلمة على الكتائب، كأسمائِها، وأسماء عملياتها، ورُفعت أعلامٌ إسلامية في التظاهرات، منها بيضاء ومنها سوداء. وتدريجياً تلاشى ظهور علم الثورة “الأخضر” أيضاً، خاصة مع اشتداد عود الكتائب الإسلامية، وملاحقتها للجيش الحر، الذي يفتقد إلى الدعم.

ومن حينها إلى اليوم، أصبح للعلم الأخضر رمزية مزدوجة، في أغلب أوساط الثورة والناشطين في الداخل والخارج، فهو يرمز إلى معارضة النظام، وبالضد من علمه الأحمر، وإلى وطنية الثورة ومعارضتها للأسلمة والتطييف، وبالضد من الرايات البيض والسود.

في تلك الفترة فرض النظام على أصحاب المحال في دمشق وريفها طلاء “غلقات” محالهم بالعلم الأحمر، كرد فعل على انتشار العلم الأخضر ضمن أوساط الثورة؛ تلكأ البعض، من ذوي التوجهات المؤيدة للثورة، باعتبار أن دهن محالهم بعلم النظام يمثل عاراً عليهم، قبل أن يُجبروا على تنفيذ الأمر.

في أوروبا وأمريكا تخرج تظاهرات ينظِّمُها نشطاء، بعضها مؤيد للنظام وبعضها معارض، المؤيدة تحمل العلم الأحمر، والمعارضة تحمل الأخضر. وبالتالي أصبح العلم الأحمر يخصّ تأييد النظام، ويعبّر رفعُه عن نوع من “التشبيح”؛ وهنا يحتار غالبية النشطاء والوسط المعارض حول موقفهم تجاه رفع العلم الأحمر وتكفين الشهداء به في تظاهرات السنة الأولى للثورة.

بعد هجوم داعش الأخير على قرى السويداء، وارتكابهم المجزرة البشعة، اتفق العديد من المثقفين والنشطاء، في الداخل والخارج، على أن الهجوم تم بدفع من النظام كرسالة لأهالي السويداء، للخضوع إلى أوامر السلطة بما تمثله من تجاذب مصالح روسي إيراني، وتقديم أبنائهم للخدمة العسكرية، وإنهاء حركة “رجال الكرامة”. وهناك رأي عُمّم في أوساط الثورة يصنّف أهالي السويداء بالمحايدين، لأنهم رفضوا بغالبيتهم الالتحاق بالخدمة العسكرية والمشاركة في قتل الشعب السوري بينما ذهب البعض بالرأي إلى اعتبار السويداء معارضة للنظام، وستنتفض ضده إذا ما استمر بالضغط على أهلها.

تضامَنَ الجميع مع ضحايا المجزرة، سواء اعتبروهم محايدين أو معارضين؛ لكن الصدمةً واجهت المتضامِنين لدى مشاهدتهم العلم الأحمر في تشييع ضحايا المجزرة، رغم تفهّمِهم أنه لن يتم رفع علم آخر، ورغم طرد المشيِّعين لممثلي النظام في المحافظة ومنعهم من إلقاء الخطابات. حالة التحرّج من علم النظام منعت غالبية النشطاء من مشاركة صور التشييع على صفحاتهم؛ لكنّ هذه الظاهرة تستدعي نقاشاً حول علم سوريا: أهو أحمر أم أخضر؟

لم تعرف الدولة السورية الحديثة، منذ نشوئِها قبل أقلَّ من مئة عام، الاستقرارَ؛ وعاشت قرناً من الاحتلالات والصراعات والحروب والتحالفات والانقلابات، وفي كلّ مرحلة من مراحلها كان المنتصرون يفرضون أعلاماً تعبِّر عنهم(1). وبالتالي يمكن القول أنَّ لكلِّ فترة من تاريخ سورية المعاصر علَمها الذي يعبر عن التغيير شكلاً ومضموناً.

العلم الرسمي الحالي، الأحمر، اعتُمد أول مرّة في ٢٢ شباط ١٩٥٨، كمعبِّر عن الجمهورية العربية المتحدة، وظل معتمداً حتى الانفصال ١٩٦١. أعيد استخدامه في ١٩٨٠، من قبل النظام كمعبر عن وحدة الصف العربي(2).

علم المعارضة الأخضر، حدّده لأول مرة دستور الانتداب في ١٩٣٠، واعتُمد رسمياً عام ١٩٣٢، وأصبح رمزاً وطنياً للنضال ضد المستعمر الفرنسي. واعتمد كعلم رسمي بعد الجلاء في ١٧ نيسان ١٩٤٦، وظل معتمداً حتى الوحدة مع مصر ١٩٥٨، ثم استُخدِم بعد الانفصال. وترمز ألوان مستطيلاته الثلاثة إلى مراحل دولة الخلافة الإسلامية، الراشدية والأموية والعباسية، ونجومه الحمراء الثلاث ترمز إلى مناطق سورية(3).

سوريا اليوم تحت احتلالات متعددة، يتزعَّمُها الاحتلال الروسي. وهو يريد الإبقاء على النظام بشكله القديم مع تغييرات غير جوهرية في بنيته وفي دستوره، لكنها ستراعي مصالح المتدخلين في التسوية السورية، ومصالح روسيا نفسها.

لا يمكن القول أن التسوية القادمة ستُدخِل سورية في مرحلة استقرار؛ فهي مدمَّرة، ونصف شعبها مهجّر، وتحكمها مافيات فاسدة ومجرمة، ولم تعد السلطة مقبولة من عموم السوريين. ففي سورية احتلالات تريد النهب، وتدمير ما تبقى من الاقتصاد الوطني.

وبالتالي أمام السوريين صراعاتٌ ونضالاتٌ متعددة المستويات، ضد سلطات الأمر الواقع، وحكم الأسد، وضدَّ الاحتلالات: الروسي والإيراني والتركي، والأمريكي إن بقي في الشرق. وأمامَهم كذلك صراعٌ من أجل إقامة دولة سورية بمفاهيم حداثية ووطنية، ودستور يقوم على المواطنة، وحينها يختار السوريون علَماً يمثل مرحلتهم الجديدة.

الهوامش:

  1. استخدم علم الدولة العثمانية من معركة مرج دابق 1516 حتى انسحاب الحامية العثمانية من دمشق 1918. علم الثورة العربية 1918- 1920. علم المملكة العربية السورية من قدوم الأمير فيصل إلى دمشق في 8 آذار 1920 وحتى معركة ميسلون 24 تموز من العام نفسه. علم الانتداب الفرنسي الأزرق اتخذ في 24 تموز 1920، ثم أعلام التقسيم إلى دويلات طائفية ومناطقية. علم الاستقلال (1932- 1958) و(1961-1963). أعلام البعث: علم البعث ذي الثلاث نجمات خضراء 1963-1972. ثم علم اتحاد الجمهوريات العربية ذي النسر 1972-1980. ثم العلم الحالي الذي كان قد استخدم كجزء من الجمهورية المتحدة (العلم الحالي) 1958-1961، ثم استخدم منذ 1980 حتى الآن.
  2. بعد الانفصال استخدم علم الاستقلال، والبعث استخدم أعلاماً مختلفة قبل أن يعتمد علم الجمهورية العربية المتحدة. كما وضحنا في البند أعلاه.
  3. ترمز النجوم الثلاث إلى حلب ودمشق ودير الزور. لكن في عام 1936 تغيرت معاني النجوم الثلاث بعد ضم سنجق اللاذقية، وأصبحت النجمة الأولى ترمز إلى حلب ودمشق ودير الزور، والثانية إلى جبل الدروز، والثالثة إلى سنجق اللاذقية.
سوريا في أسبوع، ١٣ آب

سوريا في أسبوع، ١٣ آب

ضحايا الشمال
١١ آب/أغسطس  

قتل٥٣ مدنياً، بينهم ٢٦ طفلاً، نتيجة القصف الجوي الذي استهدف ليلة أمس، الجمعة، مناطق سيطرة الفصائل المعارضة في شمال سورية، وفق حصيلة جديدة للمرصد السوري لحقوق الإنسان.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان “قتل ٤١ مدنياً، بينهم ٢٥ طفلاً نتيجة القصف الجوي ليلاً على بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الغربي”، فيما قتل ١٢ آخرين، بينهم طفل في الغارات على محافظة إدلب. وأفاد المرصد بأن “غارات شنتها طائرات روسية وبراميل متفجرة ألقتها مروحيات سورية استهدفت مناطق في جنوب محافظة إدلب.”

ويعد التصعيد الحالي الأخطر منذ إعلان منطقة خفض التوتر في إدلب العام الماضي. (الحياة)

بالمقابل ولليوم الرابع توالياً تسقط الدفعات الجوية الروسية طائرات مسيرة تستهدف قاعدة حميميم ويتزامن هذا التصعيد مع بدء استهداف قوات النظام لمناطق في شمال حماة وجنوب إدلب.

كما قتل ٦٩ شخصاً على الأقل بينهم ٥٢ مدنياً جراء انفجار مستودع أسلحة لم تحدد أسبابه فجر الأحد في بلدة سرمدا بمحافظة إدلب في شمال غرب سوريا، وفق حصيلة جديدة أوردها المرصد السوري لحقوق الإنسان الاثنين.

وقال المرصد “ارتفع إلى ٦٩ على الأقل عدد من قضى جراء الانفجار، هم ٥٢ مدنياً بالإضافة الى ١٧ مقاتلاً من هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً).

ومن بين القتلى المدنيين ١٧ طفلاً وفق المرصد الذي أفاد أن غالبية القتلى هم من عائلات مقاتلين في هيئة تحرير الشام نزحوا من محافظة حمص (وسط). ولا تزال عملية الإنقاذ مستمرة منذ فجر الأحد، وفق عبد الرحمن الذي رجح ارتفاع حصيلة القتلى بسبب وجود “عشرات الجرحى بعضهم في حالات خطرة.”

وبحسب المرصد، فإن المستودع كان موجوداً في أحد الأبنية السكنية في بلدة سرمدا بريف إدلب الشمالي، ولا تزال أسباب الانفجار “غير واضحة حتى الآن.”

النزوح من إدلب:  إلى أين؟
٨ آب/أغسطس  

قد تقود المعركة المرتقبة في إدلب إلى تشريد ٧٠٠ ألف سوري بحسب تقرير لوكالات إغاثة تحت إشراف الأمم المتحدة. وأدت معارك كثيرة سابقة إلى اتفاقات تقضي برحيل مقاتلي المعارضة وأُسرهم إلى إدلب مما ضاعف تقريباً عدد سكان المحافظة ليصل إلى ٢.٥ مليون نسمة. وستؤدي المعركة المحتملة إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية وازدياد الاحتياجات الإغاثية بشكل استثنائي.

وقال بانوس مومسيس منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية في يونيو/حزيران إن سكان المحافظة بأكملهم يمكن أن ينزحوا باتجاه الحدود التركية إذا وقع هجوم كبير. وأضاف أن مثل هذه المعركة ستكون أكثر تعقيدا ووحشية بالمقارنة بأي شيء حدث من قبل حتى الآن في الحرب المستمرة منذ سبع سنوات. (رويترز)

وحذرت الأمم المتحدة مراراً من مخاطر شن هجوم على إدلب. وقال الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلة مع وسائل إعلام روسية الشهر الماضي إن محافظة إدلب ستحظى بأولوية قواته.

جيش المعارضة الجديد
١٣ آب/أغسطس  

عملت المعارضة المسلحة في شمال سوريا على تأسيس “جيش وطني” بمساعدة تركيا مع بدء العد العكسي لمعركة إدلب. وبذلك يكون في الشمال السوري مجموعتان مسلحتان أساسيتان، هما: “الجيش الوطني” و”الجبهة الوطنية للتحرير”، إضافة إلى “هيئة تحرير الشام”.

ويظهر التحدي الرئيسي في كيفية توحيد صفوف المعارضة المسلحة بعيداً عن “هيئة تحرير الشام”. ويتلقى “الجيش الوطني” دعمًا ماليًا وعسكريًا من تركيا، والتي تدعم أيضًا “الجبهة الوطنية للتحرير” في إدلب، والتي تشكلت من اندماج خمسة تشكيلات أبرزها “جبهة تحرير سوريا” وفصائل “الجيش الحر”، وفصيل “جيش الأحرار.”

وفي هذا الإطار أشار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى احتمال تنفيذ مزيد من العمليات العسكرية في الشمال السوري لإقامة مناطق آمنة لاستيعاب اللاجئين السوريين ومنع موجات نزوح جديدة إلى بلاده. وقال إردوغان، أمس، إن بلاده استكملت الترتيبات اللازمة لإقامة مزيد من المناطق الآمنة داخل الأراضي السورية، على غرار ما فعلت خلال عمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” من قبل. (الشرق الأوسط )

إغلاق معابر حماة  
١٢ آب/أغسطس  

يعد معبرا قلعة المضيق ومورك أحد أهم المعابر بين مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة المعارضة ويمثلا رمزاً لاقتصاديات الحرب وتبادل المصالح بين الأطراف المتنازعة عسكرياً. وفي ظل التصعيد المتكرر في إدلب أغلق النظام السوري والشرطة الروسية معبري قلعة المضيق ومورك في ريف حماة وذلك يوم السبت الماضي أمام الحركة التجارية والمدنية.

ويأتي إغلاق المعبرين بالتزامن مع وصول تعزيزات عسكرية لقوات النظام إلى ريف حماة الشمالي، يوم الجمعة. (عنب بلدي)

طرد “داعش” من بادية السويداء
١٢ آب/أغسطس

أعلنت قوات النظام السيطرة الكاملة على الحدود الإدارية لمحافظة السويداء من جهة ريفها الشرقي في حملتها ضد داعش، حيث ذكرت وكالة سانا أن القوات الحكومية حققت تقدماً واسعاً وتمكنت من حصار داعش يوم الأحد في تلول الصفا الواقعة ضمن الحدود الإدارية لمحافظة ريف دمشق.

وكانت قوات النظام قد سيطرت، أمس السبت، على كل من مناطق: رسوم الطثموني، خربة الأمباشي، تلال الهيبرية، رسوم مروش، سوح النعامة، ضهرة راشد، زريبية، خربة الشهرية، وادي الرمليان، وادي شجرة، زملة ناصر، النهيان، تل الضبع، تل الضبيعية، قبر الشيخ حسين.

ولم يعلق تنظيم داعش على مجريات المعارك في ريف السويداء، وغابت إعلاناته بشكل كامل منذ الهجمات الأخيرة التي نفذها في السويداء، والتي قتل إثرها أكثر من ٢٠٠ شخص. وما زال المختطفون من نساء وأطفال السويداء محتجزين لدى تنظيم داعش. (عنب بلدي)

الثقل الروسي لعودة اللاجئين
٨ آب/أغسطس  

أعلنت روسيا عن خطتها لعودة اللاجئين السوريين في ١٨ تموز ٢٠١٨ كأول مبادرة دولية جدية في هذا الإطار، وقدمت طلبات للدول المستضيفة لتزويدها بتقديرات أعداد اللاجئين. كما افتتحت ٧٦ مركزاً وخمسة معابر لاستقبال اللاجئين العائدين والتي تستوعب ٣٣٦ ألف لاجئ. وتتركز مهام مراكز الإيواء على مراقبة عودة اللاجئين من الدول الأجنبية إلى سوريا، وتقديم المساعدات اللازمة لهم، ثم فرزهم على مناطق إقامتهم الدائمة، وإبقاء الأشخاص الذين لا مأوى لهم في مراكز الإيواء.

تتحدث روسيا بموجب خطتها عن عودة ١.٧ مليون لاجئ سوري إلى بلدهم في “الوقت القريب”، يتوزعون وفق بيانات الدفاع الروسية على الشكل التالي: نحو ٨٩٠ ألف لاجئ من لبنان، ٣٠٠ ألف لاجئ من تركيا، ٢٠٠ ألف من الدول الأوروبية، ١٥٠ ألفًا من الأردن، ١٠٠ ألف من العراق، و١٠٠ ألف لاجئ من مصر.

وقدمت الحكومة الروسية خطتها بشأن إعادة اللاجئين إلى سوريا، خلال قمة هلسنكي، في ١٦ من تموز الحالي، والتي جمعت الرئيسين، دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، لتبدأ بعدها موسكو جولة مكوكية طالت الأردن ولبنان وألمانيا وفرنسا، عبر وفود لمسؤولين كبار من الخارجية والدفاع الروسيتين، تحدثت خلالها عن تضافر الجهود مع الدول لإنجاح الخطة وعودة اللاجئين.

لكن مدى استجابة هذا العدد من اللاجئين للخطة الروسية أثار العديد من إشارات الاستفهام، إذ لم تستطع روسيا بموجب النص الأولي لخطتها أن تبدد مخاوف اللاجئين المطلوبين أمنيًا للنظام السوري، أو أولئك الذين خرجوا من البلد خوفًا من انخراطهم في الخدمة الإلزامية. (عنب بلدي)

وتسود مخاوف لدى المنظمات الحقوقية واللاجئين من خطورة تجاوب الدول المستضيفة التي تشعر بضغط اللاجئين مع المبادرة الروسية بحيث تزيد الضغوط على اللاجئين للعودة بطريقة غير طوعية ضمنياً أو علنياً.

وتتجاهل المبادرة الروسية عدم الوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية واستمرار الشروخ المجتمعية والسياسية والاقتصادية دون علاج. فالتعويل على السيطرة العسكرية وحدها لن يوفر مناخاً مناسباً لعودة اللاجئين.

كلفة إعادة الإعمار
٨ آب/أغسطس  

قدرت الأمم المتحدة كلفة الحرب في سوريا بحوالي ٤٠٠ مليار دولار، وذلك في اجتماع عقدته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الاسكوا) يوم الأربعاء ٨ آب، ولا تتضمن هذه الكلفة الخسائر البشرية المتمثلة في القتل والإصابات والتهجير الذي تعرض له الأفراد في سوريا خلا سنوات الحرب الدامية.

وتعكس الخسائر المادية والبشرية العبء الهائل للحرب والتحديات الضخمة لإعادة الإعمار، والتي تتطلب، بالإضافة إلى الموارد المادية والبشرية، مؤسسات موثوقة وكفوءة وتشاركية لتجاوز آثار الحرب وضمان الاستقرار بعدها. (أسكوا، فرانس برس)

وفد أردني في دمشق

 لإعادة االتجارة
٨ آب/أغسطس  

استقبلت العاصمة دمشق وفدًا تجاريًا أردنيًا، بدعوة من مسؤولين اقتصاديين سوريين، تمهيدًا لإعادة العلاقات التجارية والاقتصادية بين الطرفين.

وذكرت “وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك” أمس، الأربعاء ٨ من آب، أن اجتماعاً عقد في مبنى الوزارة بدمشق لبحث سبل إعادة العلاقات التجارية بين الأردن وسوريا. وأضافت أن الوفد الأردني أبدى رغبته بفتح المعابر الحدودية بين البلدين، وخاصة معبر نصيب، من أجل البدء بعودة التبادل التجاري بما يشمل جميع القطاعات الزراعية والصناعية.

اعتبر الجانب السوري أن الاجتماع يمثل بداية لصفحة جديدة في التعاون التجاري السوري- الأردني. وأضاف أنه اجتماع تحضيري لفتح معبر نصيب الحدودي بين البلدين. ولمعبر نصيب أهمية سياسية واقتصادية بالنسبة للنظام السوري والأردن. وكانت قوات النظام سيطرت على المعبر الحدودي، في ٦ من تموز الماضي، خلال الحملة العسكرية التي شنتها على مناطق سيطرة المعارضة في محافظة درعا جنوبي سوريا. (عنب بلدي)

عصر أفول الفكاهات

عصر أفول الفكاهات

تبدو الحياة بحسب هوراس والبول “كوميديا لمن يفكر و تراجيديا لمن يشعر”، والبحث عن سبب منطقي لما يحدث في عالمنا اليوم أشبه برحلة دون كيخوت البائسة، فأن تسأل “لم حدث ذلك؟” هو أشبه بالسؤال الساذج “لماذا أحرق نيرون روما؟”

وإن جواباً مثل: “لا لشيء، أحرقها كي يتسلى”، قد يبدو أكثر إقناعاً من غيره.

عندما قابلت جاري عند مدخل البناء سألني: “لماذا يحدث للسويداء ما يحدث؟  لماذا يموت أبناؤها دون رحمة؟”

كانت عيناه حمراوين، ولم أجبه، خرجت من المبنى وتركته يمسك بقبضة الباب مثل طفل يتعلم المشي، جاري ذاته سألني قبل أشهر: “لماذا هدموا بيتي؟” ولم أجب أيضاً.

وكأنني أملك جواباً …

على رصيف من أرصفة دمشق، يتمدد رجل فقد عائلته وبيته وأولاده، خلف مجموعة من الأحذية المستعملة، حين اقتربت منه صديقتي أخبرها أنه يبيع أحذية إيطالية وفرنسية، لم تفهم صديقتي فكاهة الرجل. سألته عن موعد قدوم البضاعة فأجاب وهو يشير للأعلى “ستمر الطائرة غداً وترميها لي…”

ابتعدت صديقتي دون أن تنظر للخلف، فقد أفزعتها هذه الفكاهة وأوجعتها، لكن لماذا هربت؟

هل خافت؟

أم شعرت أنها ضحية سخرية؟

لا هذا ولا ذاك، فقد لسعتها الحقيقة.

في عام ٢٠٠٢ قال الممثل الكويتي داوود حسين “نحن نعيش في عصر الضحك.”

ولكن عن أي ضحك يتحدث؟

وإذا كانت الفكاهة رسالة مفادها “أننا نسيطر على المواقف ونعلو عليها” فكيف يمكن أن نعلو على كل هذه المفارقات؟ كيف يمكن ألا يموت جاري بسكتة قلبية عندما رأى ثيابه وأغراض بيته تُباع في الشارع؟ اقترب ليلمسها أمام نظرات البائع الغاضبة.

“لمستها فقط، لكني لن أشتريها” قال لي لاحقاً.

لماذا يموت الأبرياء؟

وأي فكاهة يمكن لها أن تعبر عن منظر الغرقى من النساء والأطفال؟

أي فكاهة والأطفال على الشواطئ مثل دمى سقطت من حقيبة إله؟

في عالم قضى نصف أطفاله وشبانه غرقاً في البحر، فيما يعيش النصف الآخر في الخيام، في عالم يسوده الاتجار بالبشر يصبح التهام الأجنة رفاهية الأثرياء الأخيرة.

عارضات الأزياء اللواتي يتناولن المناديل الورقية لمقاومة الجوع إرضاءً لرغبات الزبائن والسوق، فيمتن.

زيارة الرئيس الفرنسي للبنان لزيارة المثليين وتفقد أحوالهم، بينما خيام اللجوء على بعد أمتار.

المناظرات بين ترامب وكلينتون أليست بحد ذاتها فكاهة!

أن تأتي بعاقل ليناظر مجنوناً فيفوز المجنون؟

وكيف تجتمع أمة على انتخاب أحمق مثل ترامب؟

عالم تُقطع أشجاره ليصنع منها ورق تُؤَرَّخ فيه الترهات.

صور المشعوذين وقارئي الطالع والكف تتصدر المشهد الإعلامي، بينما يقبع كتّاب العالم الثالث وأدباؤه في المعتقلات وزوايا المقاهي وهم يفكرون في فداحة ثمن فنجان القهوة التالي!  

فهل يمكن للفكاهة أن تشمل كل المفارقات؟ ولماذا نخاف الفكاهة؟ هل فقدنا مهارة تذوقها؟

تحتاج الفكاهة لروح حرة، وفكر قادر على استيعاب التناقضات، بودلير يرى فيها “علامة على العظمة وكذلك على التعاسة اللا محدودة.”

وهي بحسب أوكتافيو باز “الابتكار العظيم للروح الحديثة، ووسيلة للنفاذ لقلب لامعقولية الواقع.” هي أشبه بالتوليد السقراطي الذي يستخرج الحقيقة من قلب الجهل، وهي تخفف من شقاء الغموض الذي يكتنف هذا العالم، على العقل الذي يبتكرها. الفيلسوف ديمقريطس -الذي لُقب بالفيلسوف الضاحك- قال للطبيب الذي حاول علاجه وظنوه مجنوناً إنه يضحك من حماقات الناس، ووصفه أبقراط أنه “أكثر الناس حكمة.” ساندرز يشبه الأمر بأخذ حبة دواء مرة شديدة المرارة بعد تغطيتها بغلاف من السكر.

كانت الدعابة وسيلة لفهم هذا العالم، وكانت قادرة على وضعه تحت نور شديد السطوع باعتبارها شارة ودلالة على الحقيقة كهذه المزحة التشيكية:

– سيدتي مرت مدحلة فوق ابنتك!

– حسناً، حسناً. إنني أستحم الآن دسها من تحت الباب!

هل يجب اتهام هذه المزحة التشيكية بالقسوة؟

يعتقد كونديرا أن العمل الأدبي العظيم المؤسس لثرفانتس انبعث من روح اللاجد “حيث تتحرر المخيلة من المسؤولية لتعبر عن هذا العالم وعن المأساة في قلب هذا العالم”،  فما حدث قد حدث ولا يمكن تغييره لكن يمكننا السخرية منه كما فعل ثرفانتس ١٦٠٥- ١٦١٥ مع التراث الكلي لعصر الفرسان.

وكما فعل بائع الأحذية الإيطالية الذي واجه كابوس الفقدان بالفكاهة، فهي وحدها تثير الرعب لأنها وعي للتناقض، وقدرتها  تفوق السلاح في مواجهة السلطة وأدواتها، وهي بحسب أفلاطون “قدرة الضحك على تخريب الوضع الراهن-أياً كان، وقوته الهائلة على تحويل خطوط الدفاع القوية للسلطة إلى مجرد أبنية هشة من القش.”

 هل تبقت للإنسان اليوم أية إمكانية؟ أم أن الفكاهة صارت دون معنى، وعجزت عن هضم هذا التناقض؟

باعتقادي أن الروح السائدة الآن هي أقرب للتهكم والعبث والسخرية، وإن كانت الفكاهة بحسب ترجمتها اليونانية “قول الحقيقة تحت ستار الإضحاك”، وإعادة اكتشاف ما هو مألوف بشكل غير اعتيادي ووعي المفارقات (مفارقات الحياة المدهشة)، فإن التهكم يفتقر للوعي والحرية وقد وصف نيتشه صاحبه “بالكلب النهاش”. فهو لا يكتفي بالعض وإنما يتعلم أن يضحك.

لا يعلي هيجل من الموقف الأخلاقي للمتهكم، لأنه ينساق ببساطة مع المستنقع ويغطس فيه وهو يعبر عن سطحية وجفاف روحي وإنساني ووعي مشوه، كما أن “الفكاهة تعكس تحولاً من الشعور بالعجز أو النقص إلى الشعور بالتفوق” بحسب موريل ، وقدرة على التحرر من أسر الأسى.

فهل مازلنا نتمتع بالروح الحرة التي ميزت أسلافنا في وقت ما؟

هل نملك وعياً بالتاريخ الذي يُزيَّف ويُشوَّه كل يوم ؟

وهل مازلنا قادرين على التمييز بين ما يقال لنا و ما تراه أعيننا بينما يتم التلاعب بالصورة وبالمعلومة كل ثانية؟

حين كتب كونديرا وهو في الثمانين “حفلة التفاهة” أراد أن يترك لنا “شهادة حية على عالم بلا روح، عالم غامض وأحمق” لكن كاتب “خفة الكائن” ، و”الحياة في مكان آخر” والذي أراد في أعماله الأولى أن يضع الإنسان تحت إنارة مستمرة وأن يستكشف في عمق المواقف الوجودية والإنسانية ما هو أبعد منها، عن الحقيقة.

من خلال بحثه في جذور العدوانية غير المبررة وغير المفسرة بين البشر،  وبكرهه لحفلات الروك وفيها لا يكون المرء موجوداً ليحكم على الموسيقى بل ليستسلم، ليصرخ، ليمتزج، التماهي لا المتعة، الانصهار لا السعادة  و تحدث عن حسنات البطء في عالم يسرع دون هوادة نحو الهاوية.

 ويروي كاتب “الضحك والنسيان” أن الفكاهة “هي الوميض الإلهي الذي يكشف عن العالم في غموضه الأخلاقي، وعن الإنسان في قصوره العميق عن الحكم على الآخرين وإلا كيف يتوهم دون كيخوت نفسه فارساً؟”

ربما لم يكن دون كيخوت أحمقَ، هو رجل أراد أن يسخر من عالمه بطريقته الخاصة، في  حواراته مع صديقه وحامل سلاحه سانشو يضحكنا ضحكاً موجعاً فأمام الفندق يقابل دون كيخوت عاهرتين، يعتبرهما نبيلتين، ويؤدي للقواد تحية النبلاء. يبدو أن في داخل كل منا دون كيخوت يحاول فهم هذا العالم الأحمق بالعقل دون أن يعي أن كل قرارته متجذرة في الحماقة أو العبث.

في الدودة الهائلة أو “المسخ” حسب الترجمة، يستيقظ ” ك” ليجد أنه تحول إلى خنفساء مقلوبة على ظهرها، هل هناك فكاهة توازي فكاهة كافكا لتكشف عما يتجاوزها عن محنة الإنسان وعن لا معنى وجوده، وفي “مستوطنة العقاب” تبدو عقوبة السحل تحت الشفرات الحادة فكاهة بالنسبة لرجل غفا أثناء نوبة الحراسة أو نسي أن يقف باستعداد، هل هناك فكاهة في الأمر؟  

نعم فكاهة العقوبة التي لا جذور لها سوى في قرار أحمق اتخذه من أقر العقوبة .

في “المحاكمة” يبدو بناء المحكمة الرث والمتآكل، حيث تمارس زوجة المستخدم الجنس مع القضاة بين المقاعد، وحيث تجري الحوارات بعبثية دون أن يفهم المتهم ذنبه تعبيراًًً عن عدالة رثة متآكلة تحركها الرغبات والأهواء، فالمحكمة التي هي العالم لا تقام إلا لإفناء المتهم .

كان كونديرا يسعى جاهداً كي يبين أن حرية الإنسان تأتي من فرادته، من كونه صانع فكاهات، لكنه في آخر أعماله  يستسلم ويعترف “بصيغة النحن” ربما لخجله من التحدث بصيغة المفرد – يقول “أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم ولا تغييره إلى الأفضل،  ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام لم يعد هناك سوى مقاومة وحيدة ممكنة، ألا نأخذه على محمل الجد.”

في “حفلة التفاهة” هناك قصة عنوانها “أربعة وعشرون طيراً من الحجل.”

جاء فيها أن ستالين قرر ذات يوم أن يذهب للصيد، ارتدى معطفاً رياضياً قديماً و انتعل حذاء تزلج، حمل على كتفه بندقية صيد طويلة واجتاز ثلاثة عشر كيلو متراً. عندئذ شاهد أمامه طيور حجل جاثمة على شجرة، توقف وعدَّهم فوجدهم أربعة وعشرين طائراً من الحجل لكن يا لسوء الحظ، لم يأخذ معه إلا اثنتي عشرة طلقة. يطلق النار فيقتل منها اثني عشر طيراً، ثم يعود ليقطع ثلاثة عشر كيلو متراً نحو منزله، ويأخذ اثنتي عشرة طلقة ويجتاز الكيلومترات الثلاثة عشر مرة أخرى  ليجد نفسه أمام طيور الحجل لم تزل واقفة على الغصن ذاته، يطلق النار عليها، وها هي جميعاً أخيراً.”

حين روى ستالين لمرافقيه ومستمعيه الحاضرين قصة طيور الحجل، لم يضحكوا، نظروا إليه بوجوه متشنجة، “لأن أياً منهم لم يعرف ما هو المزاح.”

ومزحة صغيرة قد يكون الرد عليها برصاصة في العنق!

مزحاتنا فقدت سلطتها، أصبحت الفكاهات خطيرة، وإن مشهد الأربعة وعشرين طائراً هو فاتحة عصر جديد، عصر أفول الفكاهات، عصر ما بعد المزحات.