بواسطة سالي موسى | أغسطس 15, 2025 | العربية, بالعربية, تقارير, غير مصنف, مقالات
من جنوب أفريقيا إلى البوسنة ورواندا تبيّن التجارب أنّ العدالة الانتقالية منظومةٌ متكاملة تجمع بين كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر، وتقتضي تفكيك شبكات المسؤولية بين من خطّط، ومن نفّذ، ومن تواطأ بالصمت. في سوريا، حيث تتشابك البنى الأهلية والدينية، لا تكفي أدوات القانون المجردة؛ إذ يلزم مواءمتها مع الموروث الثقافي، ولا سيّما مفهوم الإحسان في الفقه الإسلامي الذي يشترط الاعتراف والتوبة ويُمهّد لعقدٍ اجتماعي جديد يعيد تعريف الشرعية.
بغياب ذاكرة جمعيّة متفق عليها لتوصيف الجريمة والضحية والجاني، تتلاشى الحماية القانونية لعبارة «أنا سوري» أمام اصطفافاتٍ طائفية وعشائرية. هكذا يتحوّل القانون من أداة توحيد إلى ساحة نزاع رمزي، ويُهدَّد بناء سردية وطنية للعدالة قبل أن يبدأ.
كانت مجازر تموز/يوليو 2025 في السويداء لحظةً مفصليةً كشفت انهيار العقد الاجتماعي وانسحاب الدولة من دورها كضامنٍ للحقِّ والقانون. وفقَ توثيق «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» قُتل خلال أربعة أيام أكثرُ من 310 مدنيٍّ، بينهم 68 امرأة وطفلاً، وأُحرِق ما يزيد على 120 منزلاً.
هذا الانتهاك الجماعي يخرق صراحةً المادة 19 من الإعلان الدستوري لعام 2025، التي تؤكد أنّ «المساكن مصونة، ولا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا في الأحوال المبينة في القانون». فإذا كان الدستور يحصّن البيت بصفته آخر حصنٍ لكرامة المواطن، فإنّ إحراقه يعبّر عن نزعٍ رمزيٍّ لتلك الكرامة، ويحوّل الحماية الدستورية إلى حبرٍ على ورق. كما أنّ حرق المنازل ليس الهدف منه تهجير السكان مادياً، إنما تدمير ذاكرة المكان ويطوي إمكانية العودة، ما يجعله جريمة مركّبة: هدم مسكن، واقتلاع هوية، وتفريغ جغرافيا من ذاكرتها..
ازداد وقعُ الصدمة حين حاول بعضُ الشبان إلقاء أنفسهم من أسطح الأبنية؛ وقد أفادت شهادات محلية بأنّ عناصر من الجيش أو الأمن العام ضغطوا على هؤلاء الشبان وطلبوا منهم القفز بهدف بثّ الرعب وترهيب بقية السكان. هنا يتحوّل الانتحار من فعل احتجاجي فردي إلى إكراهٍ منظَّم، ما يرفع مستوى الانتهاك من إهمالٍ سلبي إلى تعذيبٍ معنوي مُمنهج.
يتقاطع هذا المشهد مع المادة 18 من الإعلان الدستوري لعام 2025، التي تنصّ على أنّ «الدولة تصون كرامة الإنسان وحرمة الجسد وتمنع الاختفاء القسري والتعذيب المادي والمعنوي، ولا تسقط جرائم التعذيب بالتقادم». فإذا كانت السلطات الأمنية هي مَن دفعت المواطنين دفعاً إلى تهديد أجسادهم، فإنّها لا تخرق واجب الحماية فحسب، بل ترتكب تعذيباً معنوياً يُدينه الدستور ويُجرِّمه القانون الدولي. وبذلك تُهدر كرامة المواطن مرتين: مرةً برصاص العنف، وأخرى عندما يُحوَّل جسده إلى رسالةٍ مرعبة يكتبها الأمن على جدران الخوف.
اجتماعياً، أحدثت المجازر شرخاً عموديّاً داخل النسيج الدرزي–السوري، إذ تزايدت نزعات الاعتماد على «الفزعة» العشائرية كآليةٍ للدفاع الذاتي، مقابل تراجع الثقة بأي بنيةٍ وطنية قادرة على الحماية. وقد وثَّقت منظمات محلّية موجةً من المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية بين قرى مختلطة درزياً–سنّياً كانت حتى وقت قريب تتقاسم الأسواق والمدارس. كما أُعيد تشكيل الذاكرة المحلية عبر طقوس جنائز جماعية تكثِّف إحساساً بالمظلومية الجماعية وبالحاجة إلى «ثأرٍ مؤجَّل» ما لم تُحسم المساءلة.
قانونياً، تُمثّل عمليات القتل الواسع والاستهداف على أساس الهوية صفاتٍ واضحة لـ جريمة ضد الإنسانية بموجب المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. إلا أنّ خطاب الدولة الرسمي لم يذهب باتجاه فتح تحقيقٍ قضائيّ مستقلّ، على العكس اختار شكر «هَبّة العشائر» بوصفها أداةَ ضبطٍ اجتماعي، ما يكرّس مبدأ الإفلات من العقاب ويُضعف أي مسعى لاحق لعدالةٍ انتقالية.
إنّ التناقض بين الواجب القانوني الدولي والدستور الوطني من جهة، وخطاب السلطة العشائري من جهةٍ أخرى، يخلق معضلةً مزدوجة: الأولى تتعلّق بفقدان الثقة المحلية بإمكان تحقّق المساءلة، والثانية بتعقيد أي إجراءات جنائية مستقبلية قد تتولاها محاكم وطنية أو ولاياتُ القضاء العالمي خارج سوريا. لذلك، فإنّ المجازر حجر اختبارٍ لقدرة العدالة الانتقالية على الجمع بين إنصاف الضحايا وترميم العقد الاجتماعي دون الوقوع في فخّ الانتقام أو شرعنة العنف القبلي.
في أنظمة ما قبل الدولة، كان الصلح العشائري آليّةً لوقف القتال عبر الثأر أو «الفدية»، متجاهلاً الحقيقة والإنصاف. أمّا العدالة التصالحية الحديثة فتقوم على اعتراف المعتدي، وردّ الاعتبار للضحية، وصوغ سردية مشتركة تمهّد لعقدٍ اجتماعي جديد.
يُذكِّرنا «الإعلان الدستوري» الصادر عام 2025، ولا سيّما مادته التاسعة، بأنّ الجيش «مؤسسة وطنية محترفة مهمّته حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامتها ووحدة أراضيها»، وأنّ السلاح يُحصر بيد الدولة ويحظر على أي جهة إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية. على الورق، ينسف هذا النص شرعيّة «الفزعات» العشائرية ويُحمِّل الدولة كامل مسؤولية احتكار العنف. لكنّ المفارقة أنّ السلطة نفسها باركت تشكيلات مسلّحة خارج إطار الجيش ثمّ استدعتها لتحلَّ محلّه. الفجوة بين النص والتطبيق تحوّل المادة 9 من ضمانٍ لوحدة البلاد إلى شاهدٍ على ازدواجية الحكم: جيشٌ صامتٌ في الثكنات وميليشياتٌ مشرعَنة في الحقول. في مثل هذا السياق، تتعثّر العدالة الانتقالية لأنّ الدولة تتجاهل دستورها وتوكّل احتكار العنف إلى منطق العشيرة.
غير أنّ سؤالاً حاسماً يظل مطروحاً هنا: هل ستُحسَم الخلافات بين العشائر وجيرانهم الدروز وفق قانونٍ وطني يرعى العدالة التصالحية، أم سيُترك الأمر لمبادئ الصلح العشائري التي اكتسبت – بحماية الدولة أو مباركتها – شرعيةً موازية؟ فعندما تمنح السلطة مساحةً للأعراف الأهلية وتُضفي عليها غطاءً رسمياً، يبرز إلى جوار قانون الدولة نظامٌ عرفيٌّ متكتّل يهدّد بتهميش المرجعية القانونية الجامعة.
هذا التداخلُ بين الصلح العشائري وغياب المساءلة الرسمية من وجة نظري يُعيد صياغة العقد الاجتماعي على صورةٍ معطوبة تنتقص من هيبة القانون : دولةٌ تنسحب إلى الظلّ، وعصبياتٌ تتسيّد المشهد، ومواطنٌ يهبط من موقع الشراكة إلى مقام الاستنجاد. عندئذٍ تسري في الوعي الجماعي فكرةٌ خطيرة: الشرعية يُمليها من يحمل السلاح، لا من يحتكم إلى النص، والعدالة امتيازٌ تفاوضي لا حقٌ دستوري. إذا استمرّ هذا المنحى، فنحن أمام تعاقدٍ اجتماعي يُعاد تدويره على أسس الطاعة والنجاة الفردية، لا المواطنة المتساوية.
في المؤتمر الصحفي الذي خُصِّص لاستعراض نتائج لجنة تقصّي الحقائق في مجازر الساحل، لم يكن نقص المعلومات هو المعضلة، إنما انعدام الإرادة السياسية لبناء سردية تعترف بالجريمة. كان لافتاً أن يُعلَن: «أجّلنا المؤتمر بسبب أحداث السويداء»، عبارة تُلخّص المأزق الأخلاقي للمسار بأسره؛ فالسويداء قُدِّمت كعائقٍ إداريٍّ أخّر موعد المؤتمر، لا كحلقةٍ متصلة بانفجار العنف ذاته.
اعتقد أن التنوّعات الجغرافية والطائفية في سوريا مقاربةً متعددة الطبقات للعدالة الانتقالية، من دون التفريط في المعايير الأساسية. الخطر الأكبر أن تتحول القضايا إلى ملفاتٍ منفصلة تُغلقها الدولة متى شاءت، فتنتقل من عدالةٍ تفاضلية إلى عدالةٍ مجزّأة تُدار لإخماد الأزمات لا لبناء دولة القانون. تجارب البوسنة ورواندا تبيّن أنّ الاعتراف بالتنوّع يدعم وحدة العدالة حين تكون الدولة طرفاً ضامناً لا مُقسِّماً من فوق.
لن يُقاس نجاح العدالة الانتقالية في سوريا بعدد الأحكام ولا بضجيج المحاكم، إنما بقدرتها على رأب الصدع الاجتماعي الذي ما هو إلا تركة أسدية.
لذا لا بدّ من صيغةٍ قانونية–اجتماعية تُزاوج بين آليات العدالة الرسمية وطاقات المجتمع الحيّ: هيئةٌ مستقلةٌ لكشف الحقيقة ومساءلة المذنبين، ومساحاتٌ محلية للحوار وإعادة الاعتبار، يصدّقها قضاءٌ وطني يتبنى مبدأ المسؤولية المتمايزة ويضمن تعويض الضحايا. عندها يتراجع “قانون العشيرة” إلى رافدٍ ثقافي، ويستعيد “قانون الدولة” شرعيته من رضى الناس لا من خوفهم. وإن لم يلتقِ القانون بالمجتمع في منتصف الطريق، فستتكرر الدوائر الدموية، وسيظلّ كل قتيلٍ شهادةً على عجزنا عن تحويل الألم إلى عقدٍ اجتماعي جديد.
أثبتت التجارب الحيّة أنّ الدساتير لا تصنع العدالة وحدها؛ العدالة تُصنع حين يلتقي النصُّ بالفعل. لكن في سوريا، بدا الإعلان الدستوري لعام 2025 أقربَ إلى قائمة وعودٍ كُتِبت بالحبر نفسه الذي صودر به صوت الشارع.
هكذا انقلب الإعلان إلى مرآة مقلوبة: كل ضمانٍ فيه صار انتهاكاً على الأرض، وكل حقٍّ معلَنٍ تحوّل إلى استثناء عملي. والنتيجة عقدٌ اجتماعيٌّ مهشَّم قبل أن يكتب، يتقاذفه عرفُ العشيرة حيناً وصمتُ الدولة حيناً آخر.
لحظةُ السويداء جسَّدت المفارقة بأوضح صورها: مدينة صغيرة حاولت أن تُطلق صيغة وطنية جديدة تُنهي عهد الاصطفافات، فإذا بالدولة تُعيد تشغيل ماكينة القمع ذاتها، وتُلبِسها ثوب «الفزعات» العشائرية. المشكلة ليست في غياب النصّ، إنما في خطر إرادةٍ سياسية أعادت تدوير عقد الخضوع القديم بنصٍّ جديد.
وإذا كان السوريون قد خرجوا عام 2011 بحثاً عن عقد اجتماعي يُكتب بالكرامة، فإنّهم اليوم أمام مفترق أخير: إمّا أن يُجبِروا دولتهم على مطابقة الواقع مع الدستور- فيُلغي القانون الاستثنائي، ويُحاكم من سلَّح ومن حرَّض ومن صمت – أو يظلّ الإعلان الدستوري سجلاً إضافياً للتناقض بين الوعد والوفاء، وتظلّ سوريا وطناً يتخذ شكل سؤالٍ مؤجَّل.
بكلماتٍ أُخرى: إن لم تتحوّل مواد الإعلان إلى أفعال، فسيبقى اسم «سوريا» مجرّد لافتةٍ على خرائط الخوف، وسيبقى دمُ السويداء والساحل وحمص ودرعا جزءاً من حبرٍ أسود يكتب عقد الطاعة من جديد. أمّا إن تحوّل النصُّ إلى التزام، فستبدأ صفحةٌ يمكن فيها لعبارة «أنا سوري» أن تعود درعاً لا تهمة، ووعداً لا وعيد.
بواسطة عامر فياض | أغسطس 11, 2025 | News, Reports, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
في منتصف شهر تموز الماضي، دخلت قوات الأمن العام إلى محافظة السويداء برفقة أرتالٍ كبيرة من عناصر وزارة الدفاع، ضمن عمليةٍ عسكرية استُخدمت فيها الدبابات والأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة، ثم تبعها بعد أيام دخول عشرات الآلاف من مجموعات العشائر التي قَدِمت من عموم سوريا تلبية لنداءات “الفزعة”. وقد زعمت سلطة الحكومة الانتقالية في دمشق أن سبب دخول المحافظة جاء نتيجة وجود عصاباتٍ مسلحةٍ خارجة عن القانون، إلا أن الواقع الكارثي الذي شهدته المحافظة وحجم القصف الوحشي العشوائي، وشهادات الناشطين وأهالي الضحايا وشهود العيان، وفيديوهات المجازر التي صُورت من قبل مرتكبي الجرائم والإنتهاكات، كل ذلك أوضح للقاصي والداني أن الهدف الأساسي لدخول المحافظة، بالنسبة لمعظم الفصائل المسلحة التي اقتحمتها، كان بغرض الانتقام من أبنائها وإذلالهم ونشر الرعب في قلوبهم، وقتلهم على أساسٍ طائفي، في مشهدٍ يُذكرنا بمجازر الساحل، دون التمييز بين مسلحٍ ومدني وطفل وامرأة ومُسنّ، وهو ما أكده القتلة بأنفسهم عبر نشرهم لمئات مقاطع الفيديو التي تُظهر إهانتهم ومعاقبتهم لكل من وقع في أيديهم، ابتداءً بحلق شوارب الشباب والشيوخ، وترديد العبارات الطائفية المشحونة بخطاب الحقد والكراهية والتوعد بذبح وسفك دماء “الدروز الخنازير”، مروراً بإهانة الرموز الدينية وخطف النساء وتمزيق صور الشيوخ والمجاهدين ودوسها وتحطيمها بالأقدام، وليس انتهاءً بالانتهاكات الإنسانية الفاضحة وعمليات التدمير والنهب والإعدامات الميدانية والمجازر الجماعية.
حتى اليوم يصعب الحصول على رقمٍ نهائي لأعداد الضحايا التي تجاوزت الألف وأربعمائة، وذلك نتيجة صعوبة الوصول إلى مئات الجثث المتناثرة في القرى المنكوبة، وعدم معرفة مصير كثير من المفقودين. ولو أردنا الحديث فقط عن المجازر الجماعية وعمليات القنص والتصفية الميدانية لاحتجنا لعشرات المقالات، لذا سنكتفي بالحديث عن بعضها.
“تالا يا عمري سامحيني لقد خذلتكِ ولم أحميكِ، خذلكِ الوطن، خذلكِ ما كنا نسميها ثورة، ولم تري منها سوى الظلام والموت، هل تألمتِ عندما اخترقت الرصاصة رأسك؟ ماذا أقول للغيتار والكمان؟ من سيعزف عليهما بعدك؟ ماذا أقول لدفتر الرسم والألوان؟” تلك الكلمات هي جزء مما نشره المهندس حسام الشوفي على صفحته في فيسبوك، ناعياً طفلته التي قَضَت برصاصة قناص. تالا عازفة الكمان والغيتار، التي لطالما رافقت والديها إلى ساحة الكرامة، خلال المظاهرات التي نادت بإسقاط نظام الأسد، ورفعت لافتات تُندّد بقتل المدنيين وتحلم بوطنٍ لجميع السوريين، تالا التي كتبت ولحّنت وغنت أغنية لسوريا الجميلة، التي حلمت بولادتها بعد سقوط نظام الأسد.
خلال نزوحها مع عائلتها، هرباً من الموت، لم تتمكن عازفة الكمان الطفلة غنى هلال من اصطحاب الكمان معها، لكنها، وبحسب ما قالته والدتها، وضعت في حقيبتها، إلى جانب ثيابها، دفتر الرسم والألوان، لعلها كانت تأمل أن تتمكن من ممارسة هواية الرسم في مكانٍ ما، أو ربما أرادت أن تُجابه سلاح القتل بسلاح ألوانها، لكن رصاص القناص كان أقوى من شغفها بالحياة. أصابتها إحدى رصاصته في عنقها، وهي جالسة في حضن والدتها، داخل السيارة التي كانت تنقلهم. أمالت رأسها على كتف والدتها وفارقت الحياة على الفور.
في مشهدٍ مشابه، قد تعجز السينما عن صناعته، وخلال محاولة عائلتها مغادرة المدينة نحو مكانٍ قد يكون آمناً، اُصيبت الطفلة تالا العبدالله مع جدتها برصاصة قناص. الرصاصة الحاقدة اخترقت كتف الجدة واستقرت في رأس الطفلة لتنهي حياتها.
خلال تعرض مدينة السويداء للقصف، وفي محاولة للنجاة من الموت، خرجت الطفلة تايلا الحمود (التي لم تكمل عامها الأول) من المدينة مع والدتها وعدد من أفراد العائلة باتجاه مدينة شهبا، وبحسب شهادة والد الطفلة، تعرضت السيارة التي كانت تنقلهم لإطلاق نارٍ، دون سابق إنذار، من قبل دورية تابعة لجهاز الأمن العام، ما أدى لاستشهاد تايلا مع خالها وجدتها.
وفي مصادفةٍ قد لا تحدث إلا في الروايات والأفلام: نجت الطفلة جودي عمار زغيبة من مجازر بانياس/ القصور (التي وقعت بحق أبناء الطائفة العلوية) بعد مقتل عددٍ من جيرانها بذات المبنى التي كانت تقطنه، لكنها قُتلت في إحدى المجازر التي ارتكبت بحق أبناء الطائفة الدرزية في السويداء، المدينة التي انتقلت إليها هرباً من الموت وطلباً لحياة آمنة.
في إحدى الشوارع صادف بعض المسلحين رجلاً مُسنّاً يسير بخوفٍ وارتباك، فسأله أحدهم: أنت درزي؟ وفي محاولة يائسة للنجاة، وظناً منه أن جوابه قد يُنجيه من الموت المُحقق، أجاب الرجل بذعر: “أني رايح جيب خبز“، وقبل أن يُنهي جملته قاطعه رصاص المُسلحين، الذي امتزج بقهقهاتهم وعباراتهم الطائفية.
أحد مشاهد القتل الطائفي ذكَّرنا بمجزرة التضامن التي ارتكبتها عصابات الأسد بحق عدد من المدنيين: يُظهر المشهد ثلاثة شُبان (طبيبان ومهندس) من عائلة عرنوس، أخرجهم المسلحون إلى شرفة منزلهم تحت تهديد السلاح، ثم أجبروهم على إلقاء أنفسهم من الشرفة، وخلال سقوطهم أطلقوا النار عليهم، تماماً كما حدث خلال مجزرة التضامن، التي طُلب من ضحاياها أن يسيروا نحو حفرةٍ كبيرة ليتم إطلاق النار عليهم خلال سقوطهم بداخلها.
وفي واحدٍ من أقسى المشاهد وأكثرها إيلاماً، يصور القتلة رجلاً يدعى منير الرُجمة وهو يجثو أمام إحدى مدارس بلدة الثعلة. يسألونه: أنت درزي؟ فيجيبهم بصدقٍ وألم: سوري أنا يا أخي. ولأن القتلة لم يفهموا ما قاله الرجل الضحية، ولا يعنيهم إن كان سورياً، أعادوا السؤال بنبرةٍ صارمة وتهديدية: أنت درزي؟ الرجل الذي تبوح عينيه بمدى صدقه، لم يستطع أن يُنكر من هو، وبمجرد أن أجاب:”يا أخي أنا درزي” إنهارت عليه طلقات الحقد ليُقتل على الفور هو و”سوريته” التي ظنَّ أنها ستنقذه.
رغم سنوات عُمره الذي تخطى الثمانين، ورغم جلوسه إلى كرسي متحرك وعجزه عن المشي وإصابته بمرض السكري، لم يرأف القتلة بحال الشيخ حسين أبو محمود، بل تفنّنوا في قتله، خلال اقتحام منزله، فقاموا بتقييده إلى الكرسي الذي يجلس عليه أمام بيته، وأطلقوا النار عليه، ثم قاموا بإحراق جثته، في مشهدٍ يعكس مدى حقدهم وشهوتهم للانتقام.
لم يشفع لمضافة آل رضوان تاريخها الوطني واستقبالها للنازحين والمعارضين الهاربين من بطش نظام الأسد البائد، إذ تعرضت لمجزرة مروعة بعد اقتحامها من قبل مسلحين أعدموا جميع من كان بداخلها (أكثر من 10 أشخاص) رمياً بالرصاص، بتهمة أنهم دروز، لتمتزج دماؤهم مع القهوة التي اندلقت في المكان بعد أن حطَّم الرصاص أباريقها. قبل تلك المجزرة، وللمصادفة المؤلمة، قام بعض المسلحين، خلال اقتحامهم للمدينة، بتحطيم وتفجير تمثال المجاهد حسين مرشد رضوان باني تلك المضافة، وأحد أبرز المناضلين ضد الاحتلال الفرنسي.
تلك المجزرة هي واحدة من المجازر الجماعية التي ارتُكبت لأسباب طائفية بحق عائلات بأكملها، ومن بينها عائلة بدرية، مزهر، الأشقر، وعائلة سرايا التي يحمل أحد أبنائها الجنسية الأمريكية، وعائلة بدر التي ينتمي إليها وزير الزراعة المهندس أمجد بدر، إذ تعرض نحو عشرة مدنيين من عائلته إلى عملية تصفية ميدانية، على يد مسلحين يرتدون زياً عسكرياً، داخل مضافةٍ للعائلة بالقرب من ساحة سمارة، بعد دخول قوات الأمن العام وعناصر وزارة الدفاع إلى المدينة في 15 تموز.
وللمفارقة المؤلمة، كثير من ضحايا المجازر كانوا ممن ينتمون للثورة السورية ومن أشد معارضي الأسد ومن رواد ساحة الكرامة. لم يسألهم قاتلوهم عن موقفهم السياسي والوطني، وإنما قتلوهم فقط لأنهم دروز، ومن بينهم الإعلامي بهاء الحناوي، والمهندس أنيس ناصر، والفنان التشكيلي توفيق شيا وغيرهم الكثير والكثير.
حالات اختفاء واختطاف للنساء
وثَّق العديد من نشطاء السويداء اختفاء نحو 80 امرأة وفتاة، يُرجح أن معظمهن قد تعرّضن لعمليات اختطاف من قبل بعض المجموعات المسلحة التي اقتحمت المحافظة، وهو ما أكده كثير من الشهود والفيديوهات التي صورها ونشرها الخاطفون بأنفسهم، إذ أظهر أحد تلك الفيديوهات مجموعة من النساء المحتجزات لدى مجموعة مسلحة، يتحدث أحد أفرادها عن إمكانية مبادلتهن بالأسرى الذين وقعوا في أيدي أبناء المحافظة، وفي مقطع فيديو آخر ظهر بعض مسلحي العشائر يدَّعون حمايتهم وإنقاذهم لمجموعة من النساء المحتجزات في أحد البيوت، إلا أن ملامحهن وهيئاتهن كانت تُظهر أنهن تعرضن لعملية اختطاف. وقد أظهر مقطع فيديو، من تقرير للتلفزيون العربي، إحدى عمليات الخطف على الهواء مباشرة، لثلاث نساء وطفلة يجلسن في سيارة لمسلحي العشائر، الذين ادّعوا أنهم أخرجوا النساء من المدينة بغرض حمايتهن، وعند سؤال المراسل لإحداهن عن حقيقة الأمر، أجابت بخوف وارتباك: “هني طلعو جابونا”، في مشهدٍ يُظهر أنهن اختطفن من بيتهن عنوة.
وبعد ظهور السيدة ماجدة ريدان مع ابنتيها وحفيدتها في فيديو نشره أحد مسلحي العشائر، الذي كان يدعي نقلهن إلى المستشفى بغرض علاجهن، تم تأكيد عملية اختطافهن من خلال مقابلة مع السيدة ماجدة (بعد تحريرهن من الخطف في عملية تبادل للأسرى) التي تحدثت عن تفاصيل اختطافهن من قريتهن (رضيمة اللواء) وعن نقلهن إلى محافظة حماة، التي بَقين فيها لعدة أيام. وقد تم تسليمهن للأمن العام خلال عملية التبادل، ومن ثم عدن إلى المحافظة عن طريق الهلال الأحمر.
أكثر من 35 قرية لم تعد صالحة للعيش
أدت الحملات العسكرية وما تبعها من هجماتٍ واقتحاماتٍ إلى تدمير وإحراق ونهب أكثر من 35 قرية، بالإضافة إلى أجزاء كبيرة من مدينة السويداء، حيث تعرضت جميعها إلى قصف بالأسلحة الثقيلة وقذائف الهاون والمسيرات، هذا إلى جانب ما تعرضت له خلال عمليات الاقتحام من تخريبٍ مُمنهج. وقد أدى ذلك كله لإحداث كارثة إنسانية كبيرة وتهجير أكثر من 100 ألف شخص، نزحوا إلى مدينتي شهبا وصلخد وبعض قرى وبلدات الريف الجنوبي، ومازالوا يعيشون حتى اليوم في مراكز الإيواء والمدارس والمقامات الدينية وفي كثير من البيوت التي قامت باستضافتهم.
من مدخل المحافظة الشمالي حتى بلدة أم الزيتون، ولمساحة تمتد لنحو أربعين كيلو متراً، جميع القرى المنتشرة محاذاة طريق دمشق السويداء أصبحت منكوبة ولم تعد صالحة للعيش وتم تهجير جميع سكانها، ومن بينها قرية الصورة الكبيرة، رضيمة اللواء، السويمرة، ذكير، لاهثة، الصورة الصغيرة، الخالدية، المتونة، خلخلة، أم حارتين، حزم، وغيرها.
المصير ذاته تعرضت له معظم قرى الريف الغربي والمحاذية لمحافظة درعا، ومن بينها، قرية الثعلة، الدور، المزرعة، الطيرة، الدويرة، تعارة، لبين، حران، نجران، قراصة، داما، المجدل، المجيمر، ريمة اللحف، ولغا وغيرها.
ولم تقتصر الهجمات المسلحة على حرق وتدمير ونهب البيوت والمقامات الدينية والسيارت والمحلات التجارية وغيرها، بل طالت أيضاً البنى التحتية و جميع مرافق الحياة في كثير من القرى، إذ تم تخريب وتدمير شبكات وأعمدة الكهرباء والبنى التحتية للمياه، إلى جانب تدمير معظم الآبار والخزانات المركزية الكبيرة، في أغلب المناطق التي سيطرت عليها الفصائل والمجموعات المسلحة، من خلال تفجيرها بالألغام والمتفجرات أو تخريبها ونهب معداتها، ومن بينها آبار قرية الثعلة التي كانت تزود مدينة السويداء بـنسبة 70% من مياه الشرب. ولم تنجُ خزانات المياه المنزلية بدورها من عمليات التخريب والتدمير الممنهج، في محاولة واضحة لحرمان الناس حتى من مياه الشرب. كل ذلك حدث في ظل أقسى موجات الجفاف التي تشهدها عموم البلاد، والتي أدت إلى نضوب معظم مياه السدود الحيوية في المحافظة، كسد الروم والجوالين والعين وغيرها.
وفي محاولة واضحة للانتقام من جميع سكان المحافظة، تم إحراق صوامع الحبوب في بلدة أم الزيتون وتخريب المطحنة المركزية التي تمدُّ عدداً من الأفران بمادة الطحين، كما تم نهب وحرق الكثير من الصيدليات ومستودعات الهلال الأحمر وسيارات الإسعاف، وخاصة في مدينة السويداء، ولم ينجُ المستشفى الوطني للمدينة من عمليات القصف والاقتحام والحصار، التي أدت لخروجه عن الخدمة لعدة أيام، ولحدوث أزمة إنسانية وطبية كبيرة ولتراكم الجثث في الممرات وفي العراء، هذا عدا عن الانتهاكات والإعدامات الميدانية التي ارتكبت بحق عدد من المصابين والكوادر الطبية.
ولاتزال محافظة السويداء، حتى اليوم، تعيش أوضاعاً إنسانية كارثية، وأزمات معيشية قاهرة، في ظل نقص المواد الغذائية والأدوية والطحين ومياه الشرب، وغياب المحروقات والوقود، وانقطاع الكهرباء، وكل هذا يحدث في ظل استمرار الحصار الخانق المفروض على المحافظة، منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، وإغلاق كافة الطرق المؤدية إليها من دمشق ودرعا، حيث يقتصر دخول الإمدادات والمساعدات على بعض القوافل الإغاثية التي تُدخلها منظمة الهلال الأحمر وبعض المنظمات الإنسانية عبر طريق بصرى الشام /السويداء، الذي بات معبراً إنسانياً وحيداً، وضمن كميات محدودة وإسعافية، لا تكفي لسدّ جزء بسيط من احتياجات المحافظة.
بواسطة أوس يعقوب | أغسطس 10, 2025 | Culture, Reviews, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
كتاب “اِنسَ اسمك- مازن الحُمادة، طريق المختفي” (Oublie ton nom – Mazen el Hamada, itinéraire d’un disparu)، للمخرجة والكاتبة والصحافية الاستقصائية الفرنسية، “غارانس لوكان” (Garance Le Caisne)، الذي صدر باللغة الفرنسية عام 2022، هو كتابها الثاني بعد إصدارها لكتاب “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية” باللغة الفرنسية في عام 2015، والذي تروي فيه قصّة المصوّر العسكري السوري “قيصر” الذي التقط آلاف الصور الفوتوغرافية التي تفضح جرائم نظام بشار الأسد البائد، والذي تُرجم إلى العربية، وصدر عن دار “ميسلون للثقافة والترجمة والنشر” عام 2018.
في يونيو/ حزيران 2024، صدرت الترجمة العربية لكتاب “اِنسَ اسمك..” بعنوان “لم يعُد معنا: سيرة مُغيَّب“، عن “دار الجديد” البيروتية، وفيه تقدّم “لوكان” قصّة مازن كما رواها لها خلال عامي 2017 و2018، والتي تحكي مأساة التعذيب في أقبية سجون نظام الرئيس المخلوع الهارب بشار الأسد، وفوضى الحياة الجديدة التي طال انتظارها وحلمها.
- ذكريات المعتقل الناجي، والشاهد والشهيد
بعد عِلم “لوكان” بتردّي حالة مازن النفسية ورفضه الخضوع للعلاج جمّدت مشروع الكتاب، واحتفظت به ثلاثة أعوام، حتى إذا ما علمت من أخيه أنّه لم يعد موجوداً، أفرجت عن الكتاب بعد أن استأذن عائلة الحُمادة لالتزامها الأخلاقي، ولرغبة منها أن لا تموت قصّة مازن الشُّجاع، إذ تقول إنّها في اللقاءات كانت تشعر كأنّها تلمّ شظاياه بيديها “بينما كانت مدينته تُقصَف قصفاً يفوق الخيال”، وفقاً لشهادة أخيه.
قضى مازن (مواليد عام 1977) تحت التعذيب، قبل سقوط نظام بشار الأسد وهروبه إلى موسكو بأسبوع واحد، إذ عُثر على جُثّته في “مستشفى حرستا الوطني” بريف دمشق، وعليها آثار تعذيب انتقامي وحشي، فالكدمات وآثار التعذيب التي ظهرت على جسده كانت كافية لرسم صورة التعذيب الذي تعرّض له، وكانت عودته إلى دمشق في شهر فبراير/ شباط 2020. وعند وصوله إلى دمشق أدرك خطأه. وكانت عبارة “ادعوا لي” آخر الكلمات التي سُمعت من مازن.
استندت “لوكان” في تأليفها للكتاب الذي نستعرضه في هذه المقالة، إلى عدّة مقابلات أجرتها مع مازن عندما كان في أوروبا؛ في باريس، وفي شقة مازن في قرية هيلغوم الهولندية، وفي مزرعة قديمة في ريف النورماندي، قبل عودته إلى دمشق عبر مطار رفيق الحريري في بيروت، يوم 22 فبراير/ شباط 2020، وتغييبه بعد يومين، إثر اعتقاله من قِبل المخابرات الجوّية في دمشق، ثم قتله تحت التعذيب عمداً، عشية سقوط النظام في 8 ديسمبر/ كانون الأوّل 2024.
في عام 2015، كان اللقاء الأوّل بين الصحافية الفرنسية ومازن الحُمادة، الذي يتحدر من أسرة كبيرة في دير الزور تعمل في الزراعة وتربية الماشية، والذي كان يعمل قبل الثورة كفنّي لدى إحدى شركات النفط العاملة في محافظته شمال شرق سوريا، والذي انتظم في ثورة شعبه السلمية، واعتقلته الأجهزة الأمنية في نظام الأسد أربع مرّات، وكان الاعتقال الأخير (في سجن المخابرات الجوّية بدمشق) هو الأصعب، إذ مكث فيه ما يزيد على عام ونصف العام (بين 2012- 2014) تعرّض خلالها لأشدّ أنواع التعذيب التي تركت آثارها المدمّرة على صحته الجسدية والنفسية، وكان شاهداً على العديد من ممارسات النظام الوحشية بحقّ آلاف المعتقلين السياسيين والثوّار.
في ذلك اللقاء الأوّل بين “لوكان” ومازن، وافق المعتقل الناجي-حينها، والشاهد والشهيد في نهاية المطاف، على الإدلاء بشهادته حول كتابها الأوّل “عملية قيصر في قلب آلة الموت السورية”، بحسب ما تروي “لوكان”، لافتة إلى أنّ مشروع كتابها معه وحوله بدأ في عامي 2017 و2018، عندما بدأت جلسات استماعها إليه، وهو يروي ذكريات وجعه التي عايشها في سجون نظام الأسد، مستعينةً بصديقتها الشاعرة السورية الفرنسية عائشة أرناؤوط كوسيط ترجمة بينها وبينه.
- إعادة بناء الصوت للوجوه المنسية
جاء الكتاب في 190 صفحة موزعة على أربعين فصلاً، جاء كل فصل منه في شكل ثنائية كتابية متناغمة تتضمّن حديث مازن وسرده لذكرياته، ثم تعقيبات وإضافات من المؤلّفة عليها.
ووفقاً لما كتب الناشر على الغلاف الخارجي الأخير للكتاب، فإنّه “حينَ تيقّنتْ غارانس لوكان أنّ مازن الحُمادة، الذي أمضتْ معه ساعاتٍ طويلةً تصغي فيها إلى قصّة سجنه وتعذيبه ولجوئهِ لن يعود، قرّرت إنشاء كلامه كتاباً.
خانته عدالة الغرب، ففضّل العودة إلى سوريا بلدِ المطامير والإهانةِ وهو يحلُمُ بدير الزور والفرات وبدولةٍ عادلةٍ لا تفترسُ أبناءَها. وصلَ إلى مطار دمشق واختفى. صحيحٌ أنّ التِّنِّينَ لا يرتوي من دماء أبنائهِ، بيدَ أنّ شقائق النّعمان عنيدةٌ كالرّبيع.”
يُقدّم الكتاب شهادة إنسانية قاسية ومؤلمة عن الاعتقال السياسي والتعذيب في “سوريا الأسد”. أما أبرز المحاور التي تناولتها “لوكان” فهي: نشأة مازن في دير الزور، وانتماؤه لعائلة كبيرة من 18 أخاً وأختاً، وتجربة الاعتقال والتعذيب في سجون النظام، خاصّة في سجن المخابرات الجوّية بين 2012 و2014، والمنفى واللجوء في أوروبا، ومحاولاته إيصال صوت المعتقلين عبر جولاته الإعلامية في بعض المدن الأوروبية والأميركية، والخذلان الدولي وصراعه النفسي بعد تجاهل العالم لمعاناة السوريين، وأخيراً عودته الصادمة إلى دمشق وتغييبه مجدّداً في الشهر الثاني من عام 2020. ولعل أهم ما يميّز عمل “لوكان” هذا هو: الطرح الإنساني العميق إذ تُركّز على الإنسان لا الحدث السياسي، واللغة الأدبية التوثيقية حيث تمزج بين السرد والتحليل والشهادة، والتأريخ للحدث السوري من الداخل بتقديمها الثورة من خلال وجوهها المنسية. إضافة إلى التحرير الحيادي فلا نرى “لوكان” تُعلّق بل تُنصت وتُعيد بناء الصوت، ناهيك عن الرمزية النفسية بتجسيدها كيف يتحوّل الألم إلى ذاكرة مقاومة.
مازن، بقامته النحيلة كما لو أنّ معاناته ابتلعته، وبكتفيه البارزتين، ويديه الطويلتين كثيرتا الحركة، وخديه الأجوفين، ونظراته الخالية من الأمل، “قطع وعداً على نفسه بأن يشهد”، تقول “لوكان”، وتضيف: “بالإضافة إلى الإيذاء الجسدي، شهد مازن على تدمير الأرواح. كلماته التي تم جمعها على مدى عدّة أشهر، أصبحت مفكّكة بشكلٍ متزايد وكشفت الحيرة التي سقط فيها بسبب استحالة سماعه من قبل القادة الغربيين الذين كان ينبغي عليهم القبض على المجرمين. تعكس عزلة مازن شهادات الناجين من معسكرات الاعتقال وشهادات الناجين من الإبادة الجماعية”.
تناولت “لوكان” في فصول الكتاب نشأة مازن، وذكريات الطفولة في مسقط رأسه دير الزور، ومعايشته للثورة السورية، وذكريات الوجع والآلام في سجون نظام الأسد، التي قضى فيها في الاعتقال قبل الأخير ، مدّة 18 شهراً تقريباً، وبعد الإفراج عنه خلال الربع الأوّل من العام 2014، قرّر مغادرة السجن السوري الكبير عبر قوارب الموت، وكله عزيمة وإصرار على رواية عذابات ووجع أبناء وبنات شعبه الثائر ضدّ ظلم نظام “الدولة المتوحشة” على حدِّ وصف الباحث والكاتب الفرنسي “ميشيل سوار”، الذي لقي حتفه في سوريا إعداماً عام 1986، وبقي رفاته محتجزاً لمدة عشرين عاماً، لا لشيء إلّا لأنّه فضح نظام حافظ الأسد الدموي.
- طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا
بعد إطلاق سراح مازن عام 2014، واضطراره لمغادرة سوريا، وبعد عبوره البحر الأبيض المتوسط، انتهى به المطاف في هولندا، “البلد الذي ستذكره قنواته بنضارة نهر الفرات في طفولته. سيصبح أحد السوريين القلائل الذين يندّدون علانية بالتعذيب الذي تعرّض له في سجون نظام الأسد” بحسب ما ورد في تقديم الكتاب.
تنقل “لوكان” عن مازن قوله: “أنا عينة من أبناء البلد وسأحدّثكم عما حصل: طالبنا بالحرّية فجاؤوا لقتلنا. فقط لأنّنا طالبنا بالحرّية، قتلونا واعتقلونا وعذبونا وذبحونا. قصفونا بكل أنواع الأسلحة، البراميل المتفجرة، الصواريخ، الفوسفور… وبكل شيء يمكنكم تخيله”. يضيف متسائلاً: “ماذا كان سيحدث لو طالبنا أيضاً بثروات البلد! أضحك ولكن كما تعلمون، لقد دمّروا ذاكرتنا. دمّروا طفولتنا وذكرياتنا وأحلامنا. حتى أنّهم هدموا الجسر المعلّق فوق نهر الفرات. لقد حاولوا محو الإنسان بداخلنا وأخلاقنا ومبادئ عالمنا، وأرادوا دفعنا نحو التطرّف، وقذفوا بنا إلى البحار”.
ويتابع قائلاً: “عشت بدايات الثورة؛ السجن، الحرب. كنت مطلوباً من قبل الأسد و(داعش) والفصائل المتطرّفة، وفي إحدى الأمسيات، التقيت بإخوتي الأكبر سناً وأبلغتهم أنّ وضعي قد أصبح صعباً، وقد حان وقت الرحيل”.
تواصل “لوكان” سرد أوجاع مازن وما خلفه نظام الأسد الوحشي في نفسه الهشة من رعب وترهيب، فتنقل على لسانه: “نحتاج إلى متخصّص يمكنه فتح رؤوسنا وتفكيك أدمغتنا ورؤية ما بالداخل، والتحقّق من الروابط وجعل كل شيء على ما يرام. شخص قادر على الترتيب والتنظيف. يجب إزالة البراميل والصواريخ والمواد الكيماوية والتعذيب والسجن وإزالة ما حدث على مدى السنوات السبع الماضية وسنتين في الاعتقال. يجب إزالة 70 بالمئة من هذه الذاكرة. عندما وصلت إلى أوروبا، لم يكن الأمر كما لو أنّني لم أرَ شيئاً، فأنا أعلم بأوجاع أولئك الذين عانوا. لم يكن هناك تلفاز في زنزانتي، لذا فإنّ شهادتي للعالم هي جزء ضئيل مما عشناه في السجن. أن تتكلم وتسمع ليس كما ترى، والنظر إلى الوراء يكسرني. يجب أن أعيش، لكنّ العيش صعب أيضاً، فعندما أكون وحدي تعود بي الذكريات إلى هناك..”.
تتوقّف “لوكان” مطولاً عند وحشية نظام الأسد وكيف غرق في ذُعره من السوريين المنتفضين ضدّ حكمه الفاسد والمستبدّ، فلم يتردّد باستخدام كل أساليب ووسائل التعذيب اللاإنسانية لقمع الثوّار. وتنقل في متن الكتاب عن مازن قصصاً لا تصدق عن القمع والتعذيب اللاإنساني الذي مارسه جلادو الطاغية بحقّه من اليوم الأوّل لدخوله إلى السجن منذ المرّة الأولى، وتعرُّضه للضرب قبل الاستجواب والاستمرار به حتى يقوم بالاعتراف بما يريده السجانون، أما الإنكار فليس لصالحه إذ سيفقد القُدرة على التحمُّل ويعترف بأي شيء يريده سجانه. ومن الضرب والشبح (التعليق من اليدين حتى يشعر السجين المشبوح أنّها ستنقطع، أو تُخلع من الأكتاف)، وحين يصرُخ من الألم يسدّون فمهُ بالحذاء، إلى الضرب بماسورة المياه والاغتصاب بالعصا، والتعذيب بشدّ مشبك معدني على العضو الذكري، والحبس في زنزانة قذرة حتى تتقيّح الجُروح، ثم الحبس في زنزانة حُشر فيها 180 شخصاً، بينما لا تتّسع لخمسين شخصاً، حتى يصبح الاختناق وارداً، والموت يومياً حيث يُكلّف السجناء بنقل جُثث من يموت منهم ويرمونها خارجاً.
يواصل مازن حديثه إلى “لوكان” عن أساليب التعذيب الأخرى التي تفنّن السجانون في استخدامها لتعذيب نفوس وأجساد المعتقلين من الثائرين ضدّ حكم عائلة الأسد، كـ إطفاء السجائر في الساقين، والصّعق بالكهرباء بعد سكب الماء البارد على جسد السجين، وتعذيب الأبرياء للضغط على ذويهم لتسليم نفسهم، كحكاية الشاب من داريا الذي حرقوا وجهه ويديه للضغط على والده، ويروي أيضاً حادثة إعدام الضباط الذين انشقّوا عن جيش النظام وحُبسوا معهم في “سجن المزة” ثم اختفوا.
يتذكّر مازن في أحاديثه واللقاءات الطويلة مع “لوكان” ذكرياته المؤلمة، وكيف أنّ النظام “دمّر ذاكرتهم”: بستان العائلة، الخبز المُعدّ على التنّور فوق سطح المنزل، مخبأ الكتب الممنوعة، المظاهرات الأولى، وبالطبع الحياة… ابتُلعت جميعها في الزنازين المكتظة حيث اُحتجز مازن مع اثنين من أبناء أخته.
وتخبرنا “لوكان”، كيف بدأ وعي مازن السياسي يتشكّل من خلال المكتبتين الموجودتين في منزله، واللتين تضمّان روايات وكتباً سياسية، وذلك بالإضافة إلى زاوية سرية في حائط حديقة المنزل، أين حفرت العائلة كوة وخبأت فيها مجموعة من الكتب التي كانت من المحرّمات في ظل الحكم الديكتاتوري العسكري الشمولي للأسدين الأب والابن.
وفي السياق، تحدّثنا عن بلدته “الموحسن” التابعة لمحافظة دير الزور، والتي دخل إليها الفكر الشيوعي منذ عام 1947، على يد المدرّس مدّاح الصايغ، حتى عُرفت بـ”موسكو الصُّغرى”، وهي موطن عائلة الحُمادة.
- عودة إلى دمشق اكتنفها الغموض
كان مازن يقول: “أُريد العودة إلى بلادي، لقد اكتشفتُ العالم وأكاذيبه ورأيت… أُريد العودة إلى سوريا للدفاع عن بلادي”، لقد أصبح حُرّاً في هولندا لكنّه مقيّد بالذكريات والواجب. وفي اتّصال أخير للناشطة السورية ميسون بيرقدار معه في بيروت، قال لها: “سأضحّي بنفسي لوضع حدّ لحمّام الدّم، هذا كل ما في الأمر”. وبعدها تواصل مع نتالي لاريسون، مديرة البرنامج الإنساني في “الجمعية السورية للمهمّات الطارئة”، قائلاً: “صلّوا من أجلي”.
اكتنف الغموض عودة مازن في 22 فبراير/ شباط 2020 إلى دمشق، وبدون سابق إنذار، الأمر الذي فتح باب الشكوك واسعاً لدى الناشطين السوريين بخاصّة المقرّبين منه، إذ ليس من المعقول والمنطقي أن ينجو أحد من سجون نظام الأسد ثم يعود إليها بإرادته. لا سيّما وأنّ مازن كان قد حصل على لجوء في هولندا قبل أن يتردّد بكثرة إلى ألمانيا قبيل عودته المثيرة للجدل إلى سوريا.
يصف أحد أقربائه المقيمين في هولندا ما حصل مع مازن بأنّه “اختطاف”، مرجّحاً أن تكون عودته تمت بمكيدة أعدّتها سفارة نظام الأسد في برلين. ونفى ما تم تداوله عن عودته بشكل طوعي بسبب تردّي أحواله المادّية والنفسية.
وأفاد قريب مازن بأنّه تواصل مع أشخاص شاهدوا الأخير في مطار برلين قبيل وقت قصير من عودته إلى دمشق برفقة سيدة موالية ومقرّبة من سفارة النظام بألمانيا. وحين سألوه إن كان ذاهباً إلى دمشق، أجاب بالنفي وقال لهم بأنّه ذاهب إلى بيروت، لتردّ السيدة التي بجانبه قائلة: “بل إلى دمشق”.
في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي، شيع آلاف السوريين مازن الحُمادة، الذي لم يمهله القدر أسبوعاً واحداً فقط قبل سقوط حكم آل الأسد لينعم بالحرّية التي طالما حلم بها، وسيسجّل التاريخ أنّه رحل ولم ولن يبقى لنا من أثره سوى صدى صوته الحرّ وكلماته التي ستبقى توجعنا كسوريين نلنا حرّيتنا بفضل نضالات مازن وأمثاله من الضحايا والناجين: “لقد دمّروا ذاكرتنا بيد أني أستمدُّ قوّتي من ذاكرة وجعي”.
مؤلّفة الكتاب في سطور:
“غارانس لوكان”، مخرجة وكاتبة وصحافية استقصائية فرنسية مستقلة، تعمل في المجلة الأسبوعية الفرنسية “لو جورنال دو ديمانش” (Le Journal du Dimanche)، وفي المجلة الإخبارية “لو نوفيل أوبسرفاتور” (Le Nouvel Observateur) منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. عندما كانت تعيش في القاهرة قامت بتغطية القضايا السياسية في الشرق الأوسط والاحتجاجات والانتفاضات والثورات في العالم العربي. قامت بتغطية الثورة السورية بشكل خاص منذ عام 2011 وكتبت مقالات عن طب الطوارئ في الصراع السوري.
حظي كتابها الوثائقي “عملية قيصر: في قلب آلة الموت السورية”، باعتراف دولي بعد ترجمته إلى لغات عديدة بينها الإنكليزية والألمانية والإيطالية. وحصلت “لوكان” عنه على جائزة “غيشويستر شول للأدب” في ألمانيا عام 2016. وفي مدينة هونج كونج على ساحل الصين الجنوبي، صُنف ضمن أفضل الكتب التي تتناول حقوق الإنسان.
في عام ۲۰۲۲ حقّقت “لوكان” ككاتبة ومساعدة في الإخراج، بالتعاون المخرج ستيفان مالتير، فيلماً وثائقياً بعنوان “أرواح ضائعة” (Les âmes perdues)، الذي يعرض العذابات التي تعرّض لها الشعب السوري من قبل سلطات نظام الأسد كما يسلط الفيلم الضوء على ضحايا قيصر بالإضافة إلى تناوله قضية المخفي قسرياً مازن الحُمادة، كذلك يتحدّث الفيلم أيضاً عن الجريمة التي ارتكبتها أجهزة المخابرات السورية بحقّ الفرنسي من أصل سوري مازن دباغ وابنه باتريك. وهو إنتاج فرنسي- ألماني.
بواسطة علي محمد إسبر | أغسطس 8, 2025 | Culture, العربية, بالعربية, مقالات
يرد اسمه باليونانية: Δαμάσκιος أو Damascius وفق الترجمة الإنكليزيّة عن اليونانيّة أو الدِّمشقي بالعربيّة. ولد عام 462 م في دمشق لعائلة عريقة، ويمكن أنَّ يكون والده أسماه الدِّمشقي حُبًّا بمدينة دمشق، لكن يُرجَّح أن يكون اسمه لقب أُطلق عليه لأنَّه دِمَشقي المولد، ورغم انتشار الدِّيانة المسيحيّة في سوريا قبل أمد طويل من ولادة الدِّمشقي وخضوع دمشق في حياته لحكم الإمبراطوريّة البيزنطيّة المسيحيّة، إلا أنَّه لم يعتنق المسيحيّة، إذ يبدو أنَّ أبويه لم يكونا مسيحيين، وقد أرسلا ابنهما مع أحد أشقائه إلى الإسكندريّة للدِّراسة وهذا الاهتمام من قِبَلِ هذه الأسرة بتعليم أبنائها دليل على عراقتها.
درس الدِّمشقي البلاغة في الإسكندرية في مدرسة حورابولو الذي كان يُلقَّب بـ “مُدَمِّر الأرواح” لأنَّه كان يدفع طلابه إلى اعتناق الهلينيّة بدلًا من المسيحيّة. وحورابولو (اسم مجموع من حورس وأبولو) أحد آخر الكهنة المصريين الكبار، وكانت مدرسته تضمّ أشهر البُلغاء والخطباء والفلاسفة في الإسكندرية الذين كانوا يدرِّسون جمهورًا مختلطًا من غير المسيحيين والمسيحيين.
تعرَّف الدِّمشقي في مدرسة حورابولو على فلاسفة مرموقين مثل إيزيدور الفيلسوف اللامع الذي ألَّف الدِّمشقي نفسه كتابًا عن حياته بعنوان “التَّاريخ الفلسفيّ” ومثل أمونيوس وهو فيلسوف مثير للجدل، لكن اللافت أنَّ أم أمونيوس هذا أيديسيا، كانت سيدةٌ من الطبقة الراقية، وتوصف بأنها من “أجمل وأنبل نساء الإسكندرية”، كما كانت أرملة الفيلسوف هرمياس واختير الدِّمشقي بعد وصوله إلى الإسكندرية بأمد قصير لإلقاء خطبة جنازة أيديسيا، وهذا يدل على المكانة الكبيرة التي حظي بها بسرعة في تلك المدرسة التي ضمت نخبة مثقفي ذلك العصر.
شُنَّت حملة شعواء على المدارس الفلسفيّة في الإسكندريّة أدت إلى إغلاقها ومن بينها مدرسة حورابولو حيثُ اعتُقل حورابولو نفسه عام 489 م وتمَّ التضييق عليه لإغلاق مدرسته وللتراجع عن أفكاره، ولذلك لم تعدْ الإسكندريّة مكانًا صالحًا للحياة الفلسفيّة، فهربَ الدَّمشقيّ برفقة صديقه وأستاذه إيزيدور الغزَّاويّ Isidore of Gaza الذي يرجع أصله إلى غزَّة في فلسطين، وشاءت الأقدار أن تكون غزَّة إحدى محطاتهما الأولى، حيث التقيا، بأنطوني الإسكندري، الذي استقبلهما أحسن استقبال، وسيبقى الدِّمشقي حتى أواخر حياته يستذكر الفضل العظيم لهذا الرجل عليه، ومن غزَّة انطلق الدِّمشقي وإيزيدور إلى مدينة بصرى في حوران، حيث استقبلهما أحد تلاميذ إيزيدور وقاما بعدة رحلات إلى الأماكن الفلسفيّة المقدَّسة في حوران. امتلأ الدِّمشقي عند زيارته لنهر ستيكس المعروف الآن بنهر اليرموك برهبة ميتافيزيقيّة عند رؤية مشهد مهيب ومرعب في آن واحد لمياه هذا النَّهر.
اتجه الصديقان بعد إقامتهما في بصرى إلى مدينة هليوبوليس المقدسة (بعلبك) في فينيقيا، لكن رحلتهما الفينيقيّة لم تكن موفَّقة، إذ اعتُقِل إيزيدور وأُلقي في السجن وعُذِّب، بينما كان الدِّمشقي يحاول تحرير معلمه. ونجح في النهاية في إطلاق سراح إيزيدور. وتابع الفيلسوفان رحلتهما فوصلا إلى أفسس ومنها إلى ساموس ثم إلى بيرايوس وهي مدينة يونانية في منطقة أتيكا تقع على بعد 9 كيلومتر جنوب أثينا ثم دخلا إلى أثينا على الأرجح في نهاية عام 489 م. واستطاعا الانضمام لحلقة الفيلسوف الأفلاطوني المحدث مارينوس وهو من مدينة نابلس في فلسطين، وكان مارينوس قد أصبح رئيس المدرسة الأفلاطونية المُحْدَثة في أثينا بعد موت أستاذه بروقلوس، فشاءت الأقدار أن يتتلمذ الدِّمشقي على مارينوس رئيس أهم صرح فلسفيّ في العالم آنذاك، أعني أكاديميّة أفلاطون.
أصبح إيزيدور بعد مارينوس رئيس الأكاديميّة في أثينا ثم استطاع الدِّمشقي بموافقة من إيزيدور نفسه أن يتولّى رئاسة هذه الأكاديميّة وأُرجِّح أنَّ إيزيدور تخلّى من تلقاء نفسه عن رئاسة الأكاديميّة للدِّمشقيّ، وتجلّى مشروع الدِّمشقيّ في إلغاء فلسفة بروقلوس من التدريس في الأكاديميّة، وإعادة ربط الأكاديمية بشكل قاطع بفلسفة مؤسِّسها الأوَّل أفلاطون (427 قبل الميلاد-347 ق.م) وكذلك بمؤسِّسها الثاني يامبليخوس العربيّ السوريّ (245 بعد الميلاد-325 بعد الميلاد).
استطاع الدِّمشقي أن يرفع من شأن أكاديميّة أفلاطون وأن يعيد إليها أمجادها القديمة كما لو كانت في عهد أفلاطون نفسه، وبقي الدِّمشقي رئيسًا للأكاديميّة إلى تاريخ 16/نيسان/ 529 م، أي إلى التاريخ الذي أصدر فيه الإمبراطور البيزنطي جستنيان أمرًا بإغلاق المدارس الفلسفيّة في أثينا، فأُغلقت أكاديميّة أفلاطون التي كانت قد استمرت منذ تأسيس أفلاطون لها عام 387 قبل الميلاد إلى ترك الدِّمشقي لرئاستها نحو 916 عامًا.
شعرَ الدِّمشقي بمرارة إغلاق أعظم صرح فلسفيّ في تاريخ البشريّة، لكنه لم يستسلم فقرر البحث عن بلد آخر لتشييد أكاديميّة أفلاطون فيه من جديد، وفي تلك الأيام الحرجة فكّر الدِّمشقيّ بما سمعه عن ملك ملوك إيران الساسانيّ خسرو الأول وكان معروفًا بأنه راعٍ كبير للفلسفة والفلاسفة، وفكَّر الدمشقي أن يبني أكاديميّة لأفلاطون في مدينة قطسيفون (Ctesiphon) في العراق القديم، وكان اليونانيون قد بنوا هذه المدينة في العصر الهلينستيّ، ثم أصبحت عاصمة الإمبراطورية البارثية ثم الساسانية. تقع هذه المدينة على الضفة الشرقية لنهر دجلة، على بعد نحو 32 كيلومترًا جنوب شرق بغداد. وعندما عزم الدِّمشقي فعلًا على الرحيل إلى بلاط ملك الملوك الساسانيّ خسرو الأوَّل كان في أواخر الستينيات من عمره فقام بجمع التماثيل والرموز والأشياء المقدسة وأخفاها بعناية فائقة في الآبار المحيطة بالمنزل الذي كان مخصّصًا له في الأكاديميّة حيث كان هناك منازل مخصصة لسكن رؤساء الأكاديميّة المتعاقبين منذ زمن أفلاطون، وحزم الدِّمشقي مخطوطاته، وعلى رأس مجموعة من ستة فلاسفة آخرين من أصدقائه اتجه في رحلته إلى خسرو الأول، ولقد ذكر المؤرِّخ والشَّاعر اليوناني أغاثياس (530 م-582 م) أسماء هؤلاء الفلاسفة بعبارة شاعريّة رائعة:
“الدِّمشقيّ، سيمبليقيوس الكيليكي، يولامياس الفريجي، بريسكيانوس الليدي، هيرمياس وديوجينيس كلاهما من فينيقيا، إيزيدور من غزَّة -أجمل زهرة، إذا أردنا أن نكون شعراء، من الفلاسفة في زماننا-اعتراضًا على الإيديولوجية السائدة بين الرومان فيما يتعلق بالإله، اعتقدوا أن المُناخ السياسي للفرس سيكون أكثر ملاءمة”.
خرج هؤلاء الفلاسفة السبعة من أثينا -واللافت أنَّ خمسة منهم كانوا من سوريا التي كانت رقعتها الجغرافيّة تمتدّ من كيليكيا إلى غزَّة-مُعتقدين أنَّهم سيتخلصون من اضطهاد الإمبراطور البيزنطيّ، ولكن وهُم في طريقهم إلى بلاد فارس قرّروا التوقّف في مدينة حرَّان السوريّة لزيارة معابدها وفحص مخطوطات مكتباتها. ثم تابعوا طريقهم إلى بلاد فارس، لكن عندما وصلوا إلى بلاط خسرو الأوَّل شعروا جميعًا بخيبة الأمل والخذلان من إمكانيّة دعمهم من ملك الملوك الساسانيّ، وعرفوا أنَّه لا مكان للفلسفة في فارس، فقفلوا راجعين وعلى الأرجح أنّهم استقروا في حرَّان.
كان الدِّمشقي رغم استقراره في حرَّان يزور مدينته دمشق، وكان دائمًا يزور أيضًا حمص مسقط رأس الفيلسوف السوريّ يامبليخوس الذي يصفه الدِّمشقيّ في مؤلَّفاته بالعظيم من أجل إحياء ذكراه، ويؤكد ذلك أبيات شعريّة كتبها الدِّمشقي نفسه وعُثِرَ عليها في ما يُعرف بمختارات بالاتين Palatine Anthology ( مجموعة من القصائد والمقاطع والشذرات اليونانيّة التي اكتُشفت عام 1606 في مكتبة بالاتين في هايدلبرغ ترجع إلى مجموعة قسطنطين كافيلاس من القرن العاشر وتضم مختارات يونانية ترجع إلى أزمنة أقدم) وقد نُقشت أبيات الدِّمشقي على مسلة في إيميسا (=حمص)، سوريا، في عام 538 م.
اقترح المؤرِّخ الفرنسيّ ميشيل تارديو Michel Tardieu وهو باحث متخصص في الأفلاطونيّة المحدثة وصاحب كتاب “مناظر طبيعية أثرية. طرق ومحطات سوريا من إيزيدور إلى سمبليقيوس، تحرير فرين، (1990 م)”.-أقول: اقترح تارديو أنَّ وجود داماسقيوس في سوريا يقدم دليلًا على خط نقل الأفلاطونية إلى الإسلام، حيث ترسخت التقاليد الأفلاطونية المحدثة في حرّان. تعتمد أطروحة تارديو بشكل كبير على تفسير لرواية عن زيارة المؤرِّخ العربيّ الشهير المسعودي إلى حرّان. في هذه الرواية، يصف المسعودي مكان تجمُّع للصابئة، حيث يرى مطرقة باب منقوشة بالسريانية بشعار أفلاطونيّ: “من يعرف نفسه يصبح إلهيًا.”
مات الدِّمشقي عام 538 م، أي في العام نفسه الذي نُقشت فيه أبياته الشِّعريّة على مسلَّة في حمص، لكن تشاء الأقدار بعد مدَّة طويلة من الزَّمن أن تجذب سوريا أكبر مجدِّدي الفلسفة الأفلاطونيّة بعد الدِّمشقي، أعني الفارابي الذي قضى شبابه في بغداد يتتلمذ على الفلاسفة السريان ثم انتقل إلى حلب ليقيم في كنف سيف الدولة الحمدانيّ، وسافر مع سيف الدّولة إلى دمشق، فقرر الإقامة فيها، وكان يمضي الليالي في غوطتها، حيث ذَكَرَ كُتَّاب السِّير أنّه كان يقضي الليالي فيها يضع مؤلَّفاته مستضيئًا بقناديل حُرَّاس البساتين.
لا يوجد أيّ دليل من مؤلَّفات الفارابيّ على أنَّه كان مطلعًا على مؤلَّفات الدِّمشقيّ، لكنَّ الرَّوح الفلسفيّة الغامضة والمجهولة لمدينة دمشق جذبته إليها ليموت فيها عام 950 م.
بواسطة قصي زهر الدين | يوليو 28, 2025 | Roundtables, العربية, بالعربية, مقالات
لم تبخل سوريا – منذ سالف العصور – على العرب والعالم بمبدعين وسياسيين وفنانين ومفكرين، أثروا العالم بما تركوه من أثرٍ لا يزول..
ومن هؤلاء الأدباء الذين ساهموا في وعي أجيال متلاحقة المعلم الكبير سعيد حورانية، أما لقب “المعلم” فلم نختره جزافاً إذ يكفي الاطلاع على محطات حياته الفكرية والأدبية والسياسية لنضع هذا الرجل في مصاف المفكرين الأوائل ليس في سوريا وحسب، إنما في العالم العربي أجمع.
ولد سعيد حورانية لأسرة ميسورة في الميدان في العاصمة دمشق من عام ١٩٢٩ بعد أن نزحت من حوران، حيث تلقى تعليمه في العاصمة السورية وحصل على إجازة في الأدب العربي ثم نال دبلوم التربية من جامعتها.
بدأ حورانية الكتابة في وقت مبكر فكانت بوادر إبداعه أثناء دراسته الثانوية إذ كتب العديد من القصص ونشر معظمها في مجلة “المنار” ثم قام بنشر مسرحيتين في مجلة الجامعة، أما القصة التي اعتبرها النقاد تحدياً صارخاً على السائد آنذاك فقد كانت “الصندوق النحاسي” وشاركت في مسابقة (النقاد) التي على إثرها نال لقب تشيخوف العرب.
كان سعيد يكتب بغضب كل من كتب في الخمسينيات من القرن العشرين حاملاً بين سطوره فاجعة النكبة الكبرى، تقسيم فلسطين واحتلالها، حيث بشّرت مجموعته الأولى “وفي الناس المسرة” التي صدرت عام 1952 بميلاد كاتب جديد ذي عالم خاص استطاع وضع حد فاصل بينه وبين السلف من الكتاب، فكانت قصصه بمثابة ثورة ترفض الواقع المأساوي الآني الذي هو استمرار للماضي .. ليصبح الصراع في كتاباته هو صراع بين الماضي والحاضر، القديم والجديد، ذلك الصراع الذي أخذ صورته وبعده الاجتماعي في المجموعات القصصية اللاحقة “شتاء قاسٍ آخر” و “سنتان وتحترق الغابة” .
رفض أن يبني سرده القصصي على القدرية والمصادفة، فعالم سعيد حورانية هو عالم الكفاح والتغيير الذي تأثر أيما تأثّر بالصراعات السياسية التي شهدتها الساحة السورية في ذلك الوقت.. لينتهي ذلك الصراع –دائماً– بانتصار الشعب والقوى المُستضعفة وبرهان الكاتب الدائم على الإنسان الحر.
لم يقف سعيد عند عالم الخمسينيات وتغيراته السريعة والمتلاحقة بل فتح في جدرانه نافذة تحاكي المستقبل.. خاطب من خلالها القوى الشعبية كي تثور على حكم العسكر وأعوانه، فكان للعامل والفلاح المناهض لنظم الإقطاع والاستعمار النصيب الأكبر من شخوصه المبنية بإتقان مدهش.
أما مكان الصراع فهو الأرض السورية على امتداد ترابها من الجنوب حيث السويداء وحوران إلى الشمال والشرق حيث القامشلي.. ومع ذلك لم يكتفِ كاتبنا بتصوير الواقع (المحلي) كبطل من أبطال قصته بل تجاوزه لواقع كوني وإنساني ليكون الإنسان –أولاً وأخيراً– هو محور ذلك الصراع وعصبه..
وأكثر ما ميز سعيد حورانية عن غيره من كتاب عصره، البساطة في السرد والابتعاد عن التكلف في التصوير والاقتراب من اللهجة العامية، وقد بدا ذلك جلياً في قصته “عريظة استرحام” تلك (العريظة) التي يرفعها فلاحو قرية مضطهدة في وجه الإقطاع الجائر، ولنا هنا أن نقف ولو قليلاً عند مصطلح “عريظة” التي أرادها عن قصدٍ رمزي – بديلاً لكلمة “عريضة” الفصيحة، مخاطباً الآخر المعني بلسان (الظاء أو الظه) الريفي النقي عوضاً عن لسان الضاد العربي المزخرف، فإنّ ارتفاع قيمة الترميز وارتفاع قيمة ملاصقة الواقع بدون رمز في عالم سعيد حورانية القصصي يثبت حقيقة أدبية وهي: أنّ الشكل بذاته لا يعني دائماً الكثير طالما أنه منفصل عن المضمون.
فكانت تلك المشافهة العلنية والقوة في المباشرة إلحاحاً صارخاً لقراءة الواقع المعيش لتصبح – هذه المباشرة المحكية – فيما بعد الحجر الأساس لكثير من كتاب القصة بعده أمثال جميل حتمل وابراهيم صموئيل.
لم يكن سعيد حورانية – كما أسلفنا – مجرد كاتب عادي غريب عن ألم الشارع السوري والعربي .. بل على النقيض كان ابن ذلك الألم ووليد تلك التطلعات المطالبة بالحرية والعيش الكريم .. ما دفعه مع نخبة من اليساريين والكتاب لتأسيس “رابطة كتّاب سوريا” والتي توسعت فيما بعد باتحادها مع نقابات الكتاب العرب في كل من لبنان ومصر ودول عربية أخرى ليصبح اسمها “رابطة الكتاب العرب” حيث شغل فيها سعيد رئاسة الفرع السوري.
كما انطلق حورانية في مجمل كتاباته من واقع الأسرة والعلاقة مع العائلة المتسلحة بمفاهيم رجعية – على حد تعبيره – فكان لا بد من الوقوف في وجهها، ليس بقصد التدمير وإنما بقصد البناء والإصلاح ويبدو ذلك جلياً في مجموعته الأولى التي حملت عنوان “وفي الناس المسرة” لكنّ حياة كاتبنا لم تخلُ من المنغصات سيما السياسية منها، فعند قيام الوحدة بين سوريا ومصر عام ١٩٥٨ اعتقل من المدرسة التي كان يدرس بها ضمن جملة اعتقالات الشيوعيين واليساريين وزج به في سجن “السراج”.
وبعد خروجه فر هارباً من سلطات الوحدة إلى لبنان حيث عمل فيها مدرساً، وبعد الانفصال عاد إلى سوريا برفقة الشاعر شوقي بغدادي لكنهما اعتقلا مرة أخرى لمدة اثنين وخمسين يوماً ثم قضيا في سجن المزة تسعين يوماً، وفور خروجه عاد إلى لبنان ليعمل من جديد في سلك التعليم في مدرسة “الفرير” بين عامي ١٩٦٣ – ١٩٦٥ ونشر في بيروت المجموعتان اللتان أشرنا إليهما سابقاً سنتان وتحترق الغابة وشتاء قاسٍ آخر بينماكان يعمل في الوقت ذاته على كتابة روايته “بنادق تحت القش” وقام بنشر فصلين منها في مجلة “الثقافة الوطنية” إلا أنها لم تنشر كاملة بسبب إحراق الأمن اللبناني للرواية إضافة لاثنتين وخمسين قصة عند مداهمة منزله في لبنان على إثر مسرحية حملت عنوان “إنسان اسمه فرج الله الحلو!” كان قد نشرها في أربعة أجزاء في جريدة الأخبار، إذ تكمن أهمية وخطورة هذه المسرحية في وثائقيتها وفي وصفها الدقيق لموت الحلو وتعذيبه إضافة إلى الحوارات التي جرت بينه وبين معذبيه والمأخوذة –نقصد الحوارات– عن عبد الكريم محملي ورفاق آخرين.. ورغم أن سعيد كان يكتب في تلك المرحلة باسم مستعار وهو “سهيل صالحاني” إلا أنه لم ينجُ من الاعتقال عاماً كاملاً في سجن الرمل – من قبل سلطات الوحدة – بعد نشر المسرحية آنفة الذكر وعرض مسرحية “صياح الديكة”.
وفي عام ١٩٦٩ آثر كاتبنا السفر إلى الاتحاد السوفييتي وعمل في موسكو كخبير لغوي وقام بترجمة “فلتثمل سترندبيرغ” ليعود أخيراً إلى سوريا عام ١٩٧٤.. متابعاً نشاطه الأدبي والسياسي حتى وافته المنية عام ١٩٩٤ مخلفاً وراءه إرثاً عظيماً في القصة والمسرح.. والأدب الواقعي الذي وقف ضد النزعات الذاتية وحرض الإنسان على الحرية ودفع أغلى الأثمان من أجلها.
*تنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا حول “المنعطف السوريّ“
بواسطة وداد سلوم | يوليو 24, 2025 | Cost of War, News, العربية, بالعربية, تقارير, مقالات
منذ ستة أشهر أي منذ سقوط النظام في سوريا، كانت العدالة الانتقالية ٌإحدى أهم النقاط التي يتفق عليها السوريون مهما كانت الاختلافات بينهم، وتجتمع الأصوات على المطالبة بها كطريقة منصفة لرد الحقوق والعدالة بانتزاع حق الضحايا وخاصة بعد الظهور العلني لشخصيات ثبت تورطها بالدماء السورية وبالمجازر التي ارتكبها النظام، إذ كانوا جزءاً من منظومة القمع والقتل الخاصة به. كما شاهدنا إجراء تسوية لمسؤولين كبار كانوا على صلة مباشرة بإعطاء الأوامر خلال الحرب السورية الطويلة. ولهذا صار الشغل الشاغل للناس هو الخوف أن يذهب الدم السوري وحق الضحايا أدراج الرياح.
وهذا الخوف كان أحد الدوافع التي ساقت البعض لأخذ حقهم بيدهم وهذا ما يلاحظه أي متتبع لحوادث الخطف والقتل والسطو على البيوت بإخراج أهلها منها، خاصة بعد ما تغنت السلطة بشعار اذهبوا فأنتم الطلقاء، منذ البداية إذ أنذرت هذه العبارة بعدم المحاسبة وأعطت الضوء الأخضر للعقلية الثأرية التي مازالت تحرك الرؤوس. وانعكس هذا سلباً على الواقع العام، فأخذ الحق باليد من وراء كواليس سماحة السلطة، شجع كثيرين أيضاً لاستغلال الفرصة وللقيام بأعمال عنف وفوضى ما زالت تهدد السلم الأهلي وحياة المواطنين.
من هنا كانت العدالة الانتقالية ضرورة ملحة تتفق عليها الأصوات الواعية للانتقال إلى عملية البناء ومطلب حقيقي للحفاظ على أمن البلاد وحياة الناس وعلى السلم الأهلي الذي دونه لن تنجو البلاد من حرب دموية، وهذا ما أكدته كل البيانات الصادرة بعد كل حدث.
كان للمؤتمر الصحافي الذي أجراه حسن صوفان رئيس لجنة السلم الأهلي وقع الماء البارد في وجه السوريين وصدمة أثارت ضجة كبيرة، وردود أفعال غاضبة وجدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ صار مناسبة لسرد مظلوميات الأفراد والعائلات والجماعات، الذين لحق بهم أذى غيّر مصير حياتهم وذهب بحياة الكثيرين من أحبتهم، يحركهم في ذلك ليس فقط هذا الأذى والألم بل أيضاً الإحساس بالخذلان جراء مساومة السلطة على ألمهم وتناسيها له بالقدر الذي يخدم مصالحها مع القتلة، وكأن دمهم هو مثار المساومة. ولو كان للقتلى فم يحكي لصرخ في وجه القتلة الذين يتحركون علناً وعلى المنابر والشاشات.
وما أثار الناس في المؤتمر ليس فقط نسيان جرائم شخصيات بعينها بل تقريب هذه الشخصيات. أما العذر الذي قدمه صوفان للسلطة القائمة، فهو دور هؤلاء في المساعدة بإسقاط نظام بشار الأسد. فهل يبدو هذا مقنعاً كمبرر للعفو عن شركاء الأسد وداعميه؟
والسؤال المطروح هل تخلى هؤلاء عن نظام الأسد حباً بالثورة أو جراء تغيير في موقفهم من النظام البعثي المجرم؟ أم أنها خيانة لأصحابهم في النظام، تضاف لسجلهم غير النظيف أم أن هذا كله كان بأثمان قبضوها لتسليم نظام الأسد؟ وهل كان هذا العفو هو ثمن دماء السوريين؟
بكل الأحوال هذا لا ينظف أيديهم من الدم السوري الذي ما زال يسفح حتى الآن فمن شعر أن السلطة قد خذلته بتقريب فادي صقر وغيره من شخصيات داعمة لنظام بشار الأسد عسكرياً واقتصادياً قد يلجأ إلى أن يأخذ حقه بيده من أشخاص مقدور عليهم، كما حدث الانتقام من فلول النظام بقتل القرويين البسطاء وسكان قرى الساحل الأكثر فقراً وتغييباً عن أي تأثير، أو من الشباب الذين أجبروا على الخدمة الإلزامية بعد أن اقتنصتهم حواجز النظام دون أن يتمكنوا من السفر خارج البلاد، والذين تحملوا عبء استخدام النظام الانتماء الطائفي.
ففي الوقت الذي تعفو فيه السلطة عن هؤلاء المثبتة إدانتهم، ما زالت تتحفظ على العسكريين والشباب الذين قبضت عليهم في الحملات الأمنية ومنذ خمسة أشهر أو أكثر دون توجيه تهمة محددة لهم ودون أن يتمكن الأهالي من معرفة إن كانوا على قيد الحياة أم لا، فلا زيارات ولا اتصال معهم ولا توكيل محامين، تبقى قضيتهم معلقة تحت الشبهة ودون توجيه تهمة. مع كل ما يترتب من ذلك على حياة أسرهم اقتصادياً.
ونستطيع العودة إلى تجارب الشعوب التي خرجت من حروب أهلية كالوضع السوري للاستفادة منها بأشكال عديدة من طرق تطبيق العدالة الانتقالية كراوندا وجنوب إفريقية وغيرها.
يتم تداول الإشاعة بأن الحساب سيأتي فردياً ومن خلف الكواليس، إذ قد تتم تصفية هذه الشخصيات بطرق خاصة تباعاً. يعيدنا هذا لفكرة أهمية العدالة الانتقالية والانتقائية فضرورتها، ليس فقط المحاسبة وأخذ الحق الشخصي، ومن يفكر بأن موت هؤلاء أو سجنهم هو الهدف يرتكب خطاً فادحاً، فمحاسبتهم لها شقان : الأول أنها سترد الحق لأصحابه، حق المظلومين، وتشير باليد لمن استهان بدم الناس، إلى المسؤول الحقيقي عن جرائم النظام الأسدي وأعمدته التي ساهمت في تفتيت البلد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وبالتالي ستعيد تمكين النسيج الاجتماعي السوري وتكون الأساس المتين لبناء المجتمع الجديد، أما الشق الثاني: فإنها ستكرس مبدأ القانون وتعزز مكانة الدولة وكيانها كحامي لحقوق المواطنين، ومسؤول عن رد الحقوق لأصحابها. وتعيد للقانون سلطته في المجتمع، القانون الذي يقف عنده الجميع على خط المساواة وتقضي على حالات الثأر الفردية وفورة الدم وتعزز السلم الأهلي وهذه أولى خطوات تمكين الدولة و بناء المجتمع.