إصدارات: ديوان “خريطة تحترق” (2025)

إصدارات: ديوان “خريطة تحترق” (2025)

صدر حديثاً عن “دار الساقي” في بيروت، ديوان “خريطة تحترق” (2025)، للشاعر السوري جعفر العلوني، وهو عملٌ شعريٌّ يقدّم من خلاله تجربة لغوية مشحونة بالتوتر والأسئلة التي تضيء تمزقات الذات في عالم يتفكك تحت ضغط التكنولوجيا والسياسة والموت.

يتألف الكتاب من أربعة فصول، هي: “صديق الموت”، و”توقعات الأبراج للإنسان العربي”، و”هكذا أروي حياتي لنفسي”، و”تحولات آلية”، تبنى جميعها، على صدام يومي مع الواقع، حيث تتحوّل اللغة إلى وسيلة كشف وتفكيك. يستحضر الشاعر مدناً مثل دمشق، مدريد، ألمرية وغزة، ليس بوصفها أمكنة للذاكرة، بل كعلامات دالة على التحوّلات القاسية في الجغرافيا والسياسة والهوية.  هذه المدن تظهر كمساحات للمواجهة بين الفردي والجماعي، بين اليومي والعالمي، في قصائد تنسج جماليات هجينة تجمع بين المجاز والتقنية، الجسد والأسلاك، الصورة الشعرية والصوت الرقمي.

تمتزج في النصوص اللغة الشعرية بالصورة البصرية، والعبارة المجازية بالإيقاع الإلكتروني، لتقدّم كتابة تنطلق من الجسد، وتتقاطع مع التقنيات، وتُخضع اليومي للرمزي. فالقصائد محمّلة بالأسلاك والعلاقات بين الكلمة والكلمة تمر عبر إشارات المرور والشاشات وأجهزة الإنذار، وحيث الحب لا يظهر إلا بوصفه معطى تقنياً، والمشاعر تمر عبر أنظمة تشغيل معقّدة.

يقدّم العلوني عبر “خريطة تحترق” رؤية شعرية لعالم لا خلاص فيه من اللهب، ولا مخرج طوارئ من الانهيار إلا عبر القصيدة – الحب- الآخر. هكذا يرسم الشاعر خريطته الخاصة، حيث القصيدة – الكتابة طريقة للعيش والرؤية، وحيث اللغة مساحة للمقاومة ضد الاختفاء، ووسيلة لاختراع هوية قادرة على النجاة من الرماد والانكسارات.

يذكر أن جعفر العلوني شاعر ومترجم سوري مقيم في إسبانيا. من ترجماته إلى العربية، نذكر: “الجمالية في الفكر الأندلسي” (2024)، و”شاعر من تشيلي” (2023)، و”الأصوات المرتعشة” (2020)، إضافة إلى العديد غيرها. من ترجماته إلى الإسبانية: “ديوان الشاعرات العربيات المعاصرات” (2016)، “أول الجسد آخر البحر” (2021)، و”أدونيادا” (2023)، إضافة إلى العديد غيرها. 

مختارات من الديوان

هكذا أروي حياتي لنفسي

1

أفتحُ البابَ كمِثل أي صباحٍ

وآلاف الذكريات تتسابق في رأسي كي تكونَ الأولى.

أختارُ الأقل قساوةً، مع أنَّ الحياة كلَّها قاسية.

أتساءَل: ما اليوم؟ وأمضي برفقة السنين.

أشعر بحاجة عارمةٍ كي أصلَ متأخراً إلى العمل.

في الطريق لا أشمُّ إلّا رائحة الخريف.

يبدو أنّني صرت بارعاً في الالتفاف.

أعبرُ الطرق المُنحرفة كلّها وأحاول أن أتفادى الطريق المستقيم:

أحبّك.

2

ثمّة قلوبٌ كمثل الغرف تتراكمُ فيها الأخطاءُ التي لا تغادر.

قلوبٌ بلا زاويا للانثناء لأنّها مليئة بأثاث تركه الآخرون.

قلوب بلا نوافذ أو أبواب على الغد. قلوب بلا ثقب لرؤية الكوارث القادمة.

ثمة قلوبٌ تُقاس العزلة فيها بضوء قنديل لا يضيء.

قلوبٌ رطبة من دمع لا يتوقّف عن الذكرى.

قلوبٌ كمثل الطرق المليئة بخريفٍ يسقط من الأوراق.

ثمة قلوبٌ لا تعودُ. قلوب لا يمكن العودة منها. قلوب لا يمكن أن تكون إلا مكاناً للهجرة.

ثمّة قلوبٌ لا تستطيع أن تغادر منها حتى لو كنتَ في المنفى.

3

من الساحات والبيارق،

من نشرات الأخبار وحركات الطيران،

من حقولِ الكرز ومتاهات القِصص،

من الذئبِ والأرانب، 

من القبلِ دون كافيين،

من المتاريسِ والأسلاك الشائكة،

طيور البجع وسُفنِ الزبد،

العظةِ والأيام الجافة،

من العناقِ ومضادات الاكتئاب،

من الحبّ وأفاعي الذكريات

من الطحالب والأنبياء،

الجهات الأربع

أغوار الفراتِ وضفاف دجلة

بردى والبيت البارد

من الكتبِ والرفوف العمودية

الطاعون والسحاب

الجَزع التجزؤِ الصمتِ والرماد

من الليل والنهار، القمر والشمس والخيط الواصل بينهما

من الجمجمة وعظم الترقوة

من المرايا والأبراج

من ليلٍ أرخى سدوله وموجٍ كمثل البحر

من السيفِ والضحية،

الشقوقِ، الأطرافِ، العطش، الأنقاض، السبات،

الكاميرات، الهواتف، اليمين واليسار،

الجذور الأصول

الهواء، الخبز، الأقواس،

علامات الترقيم والفواصل المنقوطة

من المربع، الدائرة، المثلث وبقية الأشكال الهندسية،

من الهواجس، العناكبِ، الجسورِ، المخالب،

وأظافر القدمين المطلية

من المقاهي وأسرار الكراسي

من الزجاج وكيمياء الرمل

من الفخار وأوطان الوحل

من الأندلس وطوائفها

حتّى من الحياة نفسها يمكن الخروج

لكن حتّى الآن لم أجد مخرجاً للطوارئ.

4

لا الصوتُ يسبقُ الصدى ولا الصدى يلحق النداء.

قطراتُ المطر تُظهر لي اسمك.

الأشجارُ عاريةٌ لا تتأثّر بالمشهد. ربّما كان عنيفاً أكثر من اللازم.

بللتُ الشوارع التي تذكّرني بساقيك ومحوت أثر الفتات المُتساقط مني كي لا أعود أو ألتفت.

الحياةُ هنا انزلاقٌ متواصل. والسقوط أول الطريق.

تحتدمُ العواصف،

تنخفض الحرارة على وتيرة صوتِ المذيعة التي تتنبأ بطقوس لقائنا

الغيمُ يتراكم: ترعدُ وتبرقُ وتنزل الصاعقة:

واحد تحت الصفر،

هذه هي المسافة التي تبعدني عنكِ.

5

الأخبار العاجلة تصلُ تباعاً:

عُزِلت الفصولُ من حراسةِ موكبكِ لأنّها لم تعد جديرة بالثقة.

ويحكى أنّك سببُ الكوارث المناخية.

وأنّك فتحتِ صندوق باندورا وأخرجتِ منه مؤونة المواسم.

انعشتُ أرقامك الحمراء

وضعتُ الشمسَ في الفراشِ كي تجفّف نداكِ

مع ذلك لم يبق إلا الحصار أو الهزيمة.

عزلتُ خيباتي واحدةً واحدة

لخبطتُ الأيام في رتل العروبة

وأسقطتُ الزَّند.

كلُّ شيء جاهز كي أسقط النظام.

6

تعالي، أريدُ أن أريك حياتي. لا تخافي. أعطيني يدكِ.

ليست بعيدةً. ليست أبعدَ من خطوتين ونصل.

لن نعبرَ حدوداً. لن نحتاجَ لجوازات سفرٍ. ولن يفتشك أحدٌ.

هنا خزانة الأشباح. في كلّ صباح أرتدي شبحاً وأخرج عابراً إشارات المرور حتى لو كانت حمراء.

أرجوكِ لا تغاري إن قلتُ لكِ لا تلمسي الفوضى: أحبُّ الأشياء مرتبةً بهذه الطريقة.

هذه هي زاويتي المفضّلة. لكن، لا أستطيع حتّى أنا أن أدخل.

هناك وضعت المرايا التي حدّثتُك عنها.

– كلا، لا تعكسُ صوري. تعكسُ شكل المدنِ التي تسكنني ولا أسكنها:

دمشق، بيروت، مدريد، ألميرية، وأمس رأيتُ غزّة.

إلى جانب الباب قاربٌ هيّأتهُ للهجرة.

أعطيني يدكِ مرّة أخرى. سأريكِ أجملَ شيءٍ في حياتي.

هذه هي الهاوية وعليها أبني المستقبل.

7

كان عليَّ أن أقرأ بحذرٍ الكلمات الصغيرة في العَقْد:

أن أقرأ، مثلاً، البنودَ الخاصّة التي لا تسمحُ إلّا بالهجرة والمنفى

أن أقرأ تفاصيل الطفولة ودمى الشقاء

كان عليّ أن أنتبه إلى شرط الذبول الذي اخضرَّ في فتوتي

وأن أرفض أن أساكن في بيتي الأشباح والطواحين

كان عليَّ أن أكون أكثر حرصاً على الحنجرة وشهقات البائسين

أن أدافع أكثر عن رئة الهواء

وأن أضمن بأي شكل نافذةً لصوتي

كان عليّ أنَّ أشكّك الزجاج بشفافيّته

وأن أفرض أشياء بسيطة:

ضوء شمس، قوس قزحٍ، ووسادة للأحلام.

كان عليَّ أن أتفحص جيداً مسألة الكلمات والمصطلحات:

ألّا أوقع عقد القتل عند الولادة.

8

في نشرة الأخبار يحذّرون من عاصفة.

من تلوّثٍ مخزّن في الرئتين.

من نارٍ تنتقل من شجرةٍ لشجرة.

وكانوا يتحدثون عن تحولاتٍ خِلاسية، لكنهم لا يقولون شيئاً عن جثث تسبح.

عن نار ترفض التدفئة في الخيام.

عن أطفالٍ لا يتوقفون من الصعود إلى السماء.

لا أحد يقول شيئاً عني وعنكِ.

المطرُ ينزل كلّ يومٍ لكنّه أعجز من أن يغيّر شيئاً.

عطرُ الوردة يفوح لكنّه لا يعانق الأنف.

الكتبُ ترمي نفسها انتحاراً من على الرفوف لأنّها تريد أن تتحرّر من ثقل الغبار.

دجلة يجفُّ. الفرات يريد أن يلمس ماءَه.

البشر مشغولون في الإجابة عن أحجية الإبرة في كومة القش.

الحياة مسرح، والكلُّ يرتجل.

إلى الخشخاش، إلى الخشخاش، أيّها العمر!

تحولات آلية

1

ألف-لام- هاء:

آلةٌ أم إله؟

تدفّقُ أمواجٍ لا تعرفُ إلا طريقاً واحداً:

المستقبل؟

ألهذا لا يأتي الضوء من الشرق؟

ألهذا لا نعشق إلا ثورات العتمة؟

وأنتِ، لماذا لا تُبصرين الألوانَ، أيتها العين؟

تحتَ الأحمر، فوق البنفسج،

بين بين،

يسافر موجٌ لا تروِّضه كلماتي،

مع ذلك يطيبُ لي أن أغرقَ في زبدكِ يا فولتات اللغة.

اتصالاتٌ وشبكات

الكتروناتٌ

جسيماتٌ وذرات تؤسِّس لمجتمعاتٍ

تُديرها روبوتات لا تعرف أن تحب.

وأنتِ، أين تركتِ قلبك يا إلكترا

ولماذا نسيتِ ثأركِ

وطابَ لكِ النّوم على هامش كتابٍ الكتروني؟

أوه، يكاد عقلي أن يتحوّل إلى شريحة الكترونيّة

وجهي شاشة،

جسدي آلة،

ولا ذاكرة لي إلا في فضاء العشوائية الصلبة

ها هي يدي تصير فأراً آليّاً

وأصابعي لوحٌ أبجدي معدني.

موجٌ،

لا شطآن له إلا في قرارةِ الآلة.

2

في رأسكِ

تتحكّم الخلايا العصبية في حركة جسدي،

في نظام أعصابي،

في اتصالاتي اللا واعيّة

في أحلامِ يقظتي التي لا تستريح،

في شعيراتي الضوئيّة وأليافي البصريّة

في أصابعي التي تتحرّك كفئرانٍ آليّة لاستقبال ما لا يُلمس.

وفيما أبحث، آليّاً، فيك،

في عدسةِ عينيكِ،

في القرنية،

حيث تكسرين شرايين الضوء،

تكون أعضائي قد استكشفت الدوائر والمنعطفات

وأكون قد استظهرتك.

أوه، ما أجمل هذا الحبر الأحمر الذي يسيل من طابعة شفتيك!

خذيني إليكِ،

انسخيني والصقيني في مسامات جسّدك

وسّعي ذاكرتي كما تشائين

انقلي إليّ حركاتك الأكثر حميميّة

أريد أن أخلق نظام تشغيل خاصاً بنا

أريد أن أغلقَ جميع نوافذك الفرعيّة

وأفتتحَ فيك أرشيف الإباحة.

ها آنا الآن أشعرُ فيّ تحت جلدكِ،

بين المنفذ والمنفذ

النبض والنبض،

في الخلية والشريان،

في الكرة والسرّة،

بين روابط الأوردة، معطياتنا الحسيّة، وحبالنا الشوكية

في الأبيض والرّمادي،

في الخلايا التي لا تتفرع،

في منامات اللا شعور،

وطبقاتك السفلى التي تريدُ أن تتمردَ على المركز:

انطلقي تبعثَري تَمردي تغلغلي انتشري خرّبي تنشّطي

تكاثَري شفِّري استحوذي تباطئي أسرعي استكشفي اسرقي

تناسخي ترابطي،

لكن كوني أليفةً معها

يا فيروساتي!

تصحيح العالم في فيلم الرقيب الخالد لزياد كلثوم

تصحيح العالم في فيلم الرقيب الخالد لزياد كلثوم

عندما سئل المخرج زياد كلثوم صاحب فيلم “طعم الإسمنت” (من مواليد حمص 1981) عن سبب اختياره عنوان (الرقيب الخالد) لفيلمه أوضح أن ذلك يشبه رداً على شعار درج ردحاً من الزمن لتمجيد حافظ الأسد وهو تسميته بالقائد الخالد.

والرقيب في الفيلم هو المخرج ذاته، فالفيلم تسجيلي على نمط سينما الواقع، وثائقي يرصد ويسجل مرحلة محتشدة بالأحداث في عام 2012 أي بعد عام من بدء الثورة السورية، وانتقالها إلى المواجهة العسكرية مع النظام في ريف دمشق، وهي فترة خدمة كلثوم العسكرية في المليحة (ريف دمشق) وحيث يتم إطلاق القذائف منها، على الغوطة الشرقية وغيرها، بينما يمضي باقي يومه في العمل كمساعد مخرج مع الأستاذ محمد ملص أثناء تصويره فيلم (سلم إلى دمشق) .

يبدأ الفيلم في صورة توحد الكاميرا مع المخرج وكأنها عينه فتبدو الصورة مقلوبة أثناء استلقائه وتبدأ بالتصحيح في نهوضه وهو نفس المشهد الذي يبدأ به يومه حين إعلان انشقاقه عن الجيش لعدم موافقته على الصراع المسلح الحادث وتدخل الجيش النظامي لصالح السلطة، وكأن العالم مقلوباً يُصحح بفعل النهوض والحركة أي الفعل، كما يتم تصحيح مواقف الناس بإعلان الرفض.  

يبدأ كلثوم إذاً تصوير رحلته اليومية إلى المليحة مكان خدمته الإلزامية في طريق كئيب وتحت صوت الطائرات التي تقصف ريف دمشق متجاوزاً الحواجز العسكرية وصولا إلى قطعته، تتأرجح الصورة أثناء ذلك لأن التصوير ممنوع في القطعة العسكرية فاستعان كلثوم بكاميرا الموبايل ليتمكن من ذلك دون لفت الانتباه، وهذا التأرجح هو تعبير عن الاضطراب الذي يشكل المناخ العام، والاضطراب الذاتي الذي يعيشه السوريون حيال الوضع القائم.

 يبدو المكان (في القطعة العسكرية) ضيقاً حين يدخل الرقيب المجند إلى مبنى القطعة العسكرية وكأنه يشير إلى الضغط النفسي الذي يسببه المكان ذو الجدران المليئة بالشعارات والملصقات التي تمجد شخصية الرئيس الحاكم (بشار الأسد) ووالده من قبله إذ تملأ الجدران صورهما، ترصد الكاميرا التفاصيل اليومية لحياة المجند في المكان ومحيطه حيث تربض الدبابات التي تقصف المناطق الأخرى ويتم قص الأشجار لإفساح المكان لها.

   تسقط الأشجار أرضاً وهي التي تموت واقفة كرمز للصمود، بينما يلتفت المخرج ليصور لنا الشعار المكتوب “لن تركع أمة يقودها القائد…” وكأن ثمن بقائه إركاع كل رمز وكل إنسان.  بهذه الطريقة يلعب كلثوم على المتناقضات لإظهار الفكرة ووضع المقولة بين يدي المشاهد وهو ما نلمسه في أكثر من مشهد وأكثر من مكان.

يتابع كلثوم يومه ليستعرض الجزء الذي يعمل به كمساعد للمخرج المعروف محمد ملص  حيث يقوم بتصوير زملائه في فريق ملص أثناء قيامهم بالتصوير، طارحاً الأسئلة المقلقة للجميع في تلك الفترة عن موقف الأشخاص مما يدور في الساحة وعن رؤيتهم للمستقبل بل يمتد بذلك إلى الشارع فيسأل بعض المارة والناس العاديين، منهم من هو معروف مثل كروان المتابع الشهير الذي التصق اسمه بسينما الفردوس أقدم سينما في دمشق، ومن حديث عابر يستجره  كلثوم للحديث عن مشاعره العميقة فابنه استشهد منذ مدة وما زال يبكيه،  يصور أثناء ذلك كلثوم إعلانات العروض في سينما الفردوس ليشير إلى البعد الشاسع بين الواقع وما يدور من حرب سورية/سورية متصاعدة وبين الشارع الثقافي، وتردي واقع السينما سواء في نوعية العروض كما نرى في الإعلانات أو بنسبة المشاهدين  المنعدمة نتيجة الوضع  الأمني.

  في هذا التداخل يرصد كلثوم واقع السينما في الحرب، بينما في المقلب الآخر نرى عمل محمد ملص في هذا الواقع المتأزم ضرباً من المغامرة بإصراره على استكمال تصوير فيلم (سلم إلى دمشق). وينتقل كلثوم إلى إجراء لقاءات مع فريق العمل. تقول مساعدة ملص:  “نصور فيلماً عن مدينة دمشق قبل أن تندثر”، والاندثار هنا ليس فقط احتمال التدمير في الحرب الدائرة بل بفعل الغبار بمعنى عدم التطور وإيقاف زمن المدينة على توقيت الديكتاتورية. وهم في الحقيقة يصورون الحياة السرية للمجتمع أو الجانب غير المصرح به فتظهر لقطات تصوير اعتقال أحدهم، ويقوم بالدور الراحل غسان الجباعي، الذي يحكي قصة المشهد مشيراً إلى أن المشهد بسيط  جداً أمام ما يحدث في الواقع خارجاً ويبتسم في همسه لكاميرا كلثوم واضعاً الملح في قلب الجرح السوري.

يوثق كلثوم مصاعب السينما في الظرف الراهن وهو ما يشير إليه ملص الذي ينظر إلى الأرض بحرقة وهو يسمع القصف الممتد ويرصد معاناة الفريق أثناء التصوير فصوت الطائرات الذي يرغمهم على إعادة المشهد عدة مرات يضع معظم الممثلين في حالة من التوتر والغبن والقهر المكتوم.

 أحد الممثلين من الحجر الأسود حيث قصف بيته ورفاقه، يبكي ويبكي ويشرب لينسى ولكن عبث، هي ذات المعاناة في عين ترما وغيرها من ضواحي دمشق وريفها حيث يراقب الجميع سقوط الصواريخ وكأنها تسقط في قلوبهم.

يقوم كلثوم بتصوير صعوبات صناعة السينما في تلك الفترة وإرهاصاتها وواقع صالات  العرض الفارغة وصولاً إلى واقع السينما العسكرية أو ما يسمى سينما باسل الأسد حيث تمت تسمية كافة المنشآت باسم الابن الراحل لحافظ أسد، الشقيق الأكبر لبشار الأسد، سواء  المنشآت الرياضية أو الصحية أو الثقافية. كان اسمه يحتل البلاد دون أن يكون له أي أثر يذكر على المستوى العام، وكأن هذه البلاد مسجلة كملك شخصي للعائلة الحاكمة، أو أن قدرها أن تبقى لإحياء ذكرى موتاهم (الأب والابن) وربما هذا ما يأخذنا أيضاً إلى قول مساعدة ملص  “دمشق قبل أن تندثر” كحاضرة مدنية وثقافية .

كانت سينما الجيش، أو كما يسمونها سينما باسل الأسد، عبارة عن صالة فارغة وأفلام على الرفوف تحت الشعارات التي يتم أدلجة العسكريين بها.

تتوجه الكاميرا إلى الممثلين الذين يعكسون في إجاباتهم تناقض الشارع السوري في موقفه تجاه الحرب الدائرة، فنرى من تأذى شخصياً من القصف رغم عدم مشاركته بأي نشاط أو عمل مسلح، وبين الواقعين تحت ديماغوجية السلطة ودعاياتها.

بين الوعي الكامل للظلم الحادث وللقتل الذي تمارسه السلطة الديكتاتورية وإحساس القهر والظلم والتعاطف الضمني مع الثوار وبين الذين عانوا ظلماً من الاعتقال والتعذيب الذي أبعدهم عن ساحة المشاركة بالعمل السياسي.

 يتجلى التناقض في موقف إحدى الممثلات التي تصرح بانحيازها لجانب السلطة وترى أن الطائرة قادرة على التمييز بين البريء والمجرم أثناء القصف، بل تخاف على الطيار متجاهلة موت الأبرياء ومنهم أهل زملائها في العمل.

 يشبه ذلك مشهد كروان الذي خسر ابنه وأحلامه وهو يردد ما تتناقله الأخبار الرسمية وكأنه يردد شعارات السلطة الجوفاء ذاتها معزياً نفسه أن ذلك حدث من أجل البلاد.

 هذا الفصام الذي يصوره كلثوم للأشخاص ليس خارجياً فقط، بين الأشخاص وعلى صعيد المجتمع بل هو على الصعيد الداخلي في ذات الأشخاص. فمنذ بداية الفيلم لا نرى الشخص وإنما نرى ظلاً يتحرك وأقداماً ورغم أن هذا قد يكون بسبب تقنية التصوير لكنه يشكل أيضاً إيماءة إلى تحول البشر إلى ظلال تعيش انفصامها عن نفسها أولاً وعن رغبتها الحقيقية بسبب الخوف المسيطر. يقول أحد المارة للكاميرا (نعم أحب بشار الأسد) ثم يقول لكلثوم همساً: فيني ما قول هيك؟ بيشحطوني، في تعبير عن ذلك الخوف الذي يمسك الألسنة والفصام عن الواقع فالحياة العادية تستمر تحت وقع قصف الطائرات وتستمر الحركة في المدينة، التي تدفن على مهل.

يقول ملص الذي يطيل الصمت تحت صوت القصف متأملاً الخوف يسيطر على الجميع من  الاتجاهين، سواء من قصف الطيران المستمر أو ممن يوقف الناس ويقتلهم على الهوية .

 الخوف الذي يتحرك في العيون، خوف الجدة الحمصية التي تمثل دوراً في فيلم ملص تقول فيه عبارة واحدة، تجلس في ثياب الصلاة صامتة ومراقبة، يقترب منها كلثوم ويسألها عن نزوحها من حمص فتتردد وتتلكأ وكأن هذه الجرأة بالتعبير تكلف كثيراً، ثم تجيب بأنها فقدت ابنيها وحفيدها في قصف حي باب السباع في حمص.

نصل ذروة الفصام في مشهد تداخل ظلي المخرج ليشكلا شخصاً واحداً وذلك حين يقرر الانشقاق عن الجيش النظامي إثر المشاهد التي يراها ويصورها من إصابات وسقوط القتلى من الطرفين فيخرج من مكان خدمته العسكرية حيث تتابع الدبابات إرسال الموت إلى أماكن شتى. يخرج كلثوم من المبنى بشعاراته البائدة إلى غير رجعة في مشهد عميق وعالي الفنية يظهر فيه هذا التداخل بالظلال مشيراً إلى انتهاء الفصام واستعادة الرقيب المجند كلثوم لذاته وحياته التي يريدها باتخاذ القرار الذي يعلنه وهو انشقاقه عن الجيش موثقاً ذلك بعبارة ينتهي فيها الفيلم: أنه يرفض المشاركة بالعنف الدائر جملة وتفصيلاً ويعلن حفاظه على سلاحه الوحيد الكاميرا.

يلاحظ المشاهد أن المخرج وازى بين فيلمه وبين فيلم (سلم إلى دمشق) وكأن هناك فيلماً داخل الفيلم حتى أن صرخة البطل الأخيرة (حرية) في فيلم ملص تتوازى مع انشقاق الرقيب في فيلم كلثوم وفي المشهد الأخير منه حين ينظر إلى الأعلى كأنه يراقب مسار تلك الصرخة التي تحلق مع أرواح الناس. 

فيلم كلثوم فيلم مبكر عن أحداث الثورة السورية صور في 2012 وتم إنتاجه في 2014. حاز على جائزة BBC للأفلام الوثائقية عام 2015 وجائزة مهرجان لوكارنو بسويسرا.

 تم عرض الفيلم في مدينة حمص في افتتاح مجتمع حمص السينمائي وهو نشاط منبثق عن مبادرة حمص عاصمة السلام، فتمكن السوريون حضور الفيلم أخيراً، كما استضيف المخرج للإجابة عن تساؤلات الجمهور. 

بعد أن بقيت أفلام الشباب المعارض غائبة عن الجمهور في سوريا رغم أنها تجوب العالم وتحصد الجوائز، ورغم أنها عنهم وعن آلامهم.

الإعلام الاجتماعي والتحريض على القتل الطائفي

الإعلام الاجتماعي والتحريض على القتل الطائفي

لا يختلف اثنان حول دور الإعلام سواء في السلم أو في الحرب، ومدى استخدامه في تأجيج الصراعات والنزاعات وتغطية الحروب والأحداث المصيرية للشعوب. تتراوح شدة تأثيره من مكان لآخر وتعتمد على قدرة العاملين فيه والتزامهم بالمهنية ويتأثر ذلك بعوامل كثيرة كطبيعة الصراع القائم من جهة ودعم الأطراف المتصارعة من قوى عالمية قد تكون متحكمة بوسائل التأثير الالكترونية من جهة أخرى. ولهذا تم دوماً استهداف الصحافيين في الحروب وكلنا يتذكر الصحافيين الفلسطينيين الذين قضوا بالقصف مرة تلو أخرى في حرب غزة حيث قتل أكثر من 183 صحفياً في عام واحد بعضهم أثناء عمله وبعضهم مع عائلاتهم.

  كما تم تعديل خوارزميات الإنستغرام بعد حرب غزة لتشديد الرقابة على المنشورات التي تتحدث عن إبادة الفلسطينيين/ات، وهذا ما فعلته شركة “ميتا” في الفيس بوك إذ قامت بمحاصرة وصول الصوت الفلسطيني وتقديم الحرب للعالم على أنها حرب عادلة لتحرير المختطفين اليهود.

غياب الإعلام في سوريا

منذ سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول تم إغلاق القنوات التلفزيونية والإذاعات الرسمية والخاصة مما ترك فراغاً واضحاً وجعل الناس تسعى للوصول إلى الخبر عبر مصادر  تنوعت بين الوكالات الخارجية، مع قلة مراسليها في الأنحاء السورية، أو شبكة  العلاقات الاجتماعية الخاصة أو وسائل التواصل الاجتماعي، أي تحت تأثير ما يسمى بالإعلام المجتمعي والتي تظهر في حالات مماثلة عبر جماعات مؤثرة (صفحات عامة) مع الانتباه أنها من أطراف مختلفة المواقف ومتنوعة الاتجاهات ولهذا قد تكون مضللة وليست مهنية سواء من حيث التحيز أو لأن بعضها خارج البلاد يفتقر إلى الدقة في نقل المعلومة، أو عبر أشخاص مهتمين ومعروفين يحظون بمتابعين كثر سواء كانوا موثوقين أو لا، كصفحات بعض الاعلاميين السابقين أو الجدد، دون الانتباه إلى المهنية التي كانت تتأرجح على الدوام بكل ما تحمل من مخاطر. ظهر ذلك واضحاً بالنظر إلى مواقف وردود أفعال الناس التي وقعت تحت ضغط التجييش والضخ الطائفي الضمني أو العلني في وقت تم تداول الدعاية للمظلومية بالتبادل مرة تلو أخرى بين مكونات المجتمع السوري وطوائفه. وتم التحريض عبر رجال الدين على المنابر غير مرة للتعبئة الطائفية.

 لا نستطيع إنكار دور هذه الوسائل في التلاعب بالرأي العام والخاص والتأثير على شرائح المجتمع عبر البث المتواصل للمعلومة دون أي تدقيق أو إثبات، وكحالات انفعالية بعيدة عن المهنية والمسؤولية تستجر ردود أفعال متوالية.

لم يدرك أي من هؤلاء الذين يمارسون الصحافة المجتمعية خطورة الكلمة في الواقع السوري المنقسم منذ عشرات السنين على يد نظام الأسد الذي زرع الطائفية وسقاها ليحفظ استمراره على مبدأ فرق تسد ومنذ 2011 عمد على زرع الخوف من الآخر محولاً الحراك من سياسي إلى طائفي.

فكانت مقاطع الفيديو الكثيرة تنتشر على السوشال ميديا دون توقف حاملة خطاب العنف ومثيرة زوابع الرعب والحقن الطائفي خاصة بعد مواجهات الساحل وما اعقبها من مجازر انتقامية.  كانت عدة فيديوهات مليئة بالدم والعنف والحقد الطائفي إذ لم يتورع مرتكبو المجازر عن التصوير باستخفاف بالمشاعر الإنسانية.

تجارب مماثلة  

بالعودة إلى تجارب شعوب مماثلة للواقع السوري تحضر فوراً تجربة رواندا إلى الذهن إذ كان لوسائل الإعلام أثر مهم وكبير في التحريض على الإبادة الجماعية حسب قول الصحافي آلان ميلي الذي عاصر ذلك في حديثه عن أثر الإعلام فيما حدث هناك. ويقول أحد مرتكبي الإبادة معترفاً: “تحولتُ إلى إنسان متوحش من الدعاية التي كنا نسمعها في الإذاعة. كنا نقتل بحماسة وجنون كأننا نقتل الصراصير أو الثعابين”. نسب لهذه الإذاعة الدور الكبير في التحريض على أعمال العنف والقتل إذ ذكر انها كانت تسوق للإبادة بأقوال مثل: (هؤلاء القوم قذرون، أو علينا أن نبيدهم–يجب التخلص منهم–هؤلاء الصراصير متى سيرحلون؟ وشاعت في الإذاعة أغنية كلماتها: علينا ان نبيد الصراصير، لو أبدناهم سنكون المنتصرين). لقد حول الإعلام الكلمة إلى سكين أو منجل وهي الأدوات التي كانت تقتل الناس بوحشية ودون رحمة. 

وحين بدأت المفاوضات لم يتم تغطيتها وإيصال أخبار تقدمها للناس، بل تم التعتيم عليها مما ترك أعمال العنف والكراهية مستمرة أثناء ذلك. بعض الصحف كانت تنشر صور لأحد أطراف الصراع على هيئة ثعابين. إن نزع الصفة الإنسانية عن الطرف الآخر يسهل تقبل فكرة القيام بقتله إذ يستبعد الإثم جراء القتل في اللاشعور لدى الفرد، بل يبرر عملية القتل على أنها فعل مقدس. 

قامت المحكمة الجنائية الدولية بإصدار حكم على أربعة وثلاثين شخصاً لتورطهم في الإبادة الجماعية والمثير في ذلك أن بينهم صحفيين هما حسن نجيزي من جريدة كانجورا وهو أول من وصف التوتسي بالصراصير. والثاني فرديناند ناهيمانا، مذيع في راديو وتلفزيون التلال الألف الحرة (RTLM) والذي قام بالتحريض علناً على القتل.

وأمام الدور السلبي لهذا الإعلام قامت منظمة مراسلون بلا حدود وبمساعدة الأمم المتحدة وحكومة سويسرا بإنشاء راديو أجاتاشيا بهدف مساعدة الروانديين لتلقي المعلومات الصحيحة ومواجهة الدعاية التي تبثها إذاعة RTLM   لتعميق الصراع وبث الكراهية، وهي المحاولة الدولية الأولى لتحييد وسائل الإعلام الذي بدأ بعد ذلك بأخذ دوره النبيل لنشر ثقافة السلام والحوار وقبول الآخر بتعزيز النقاط المشتركة بين السكان على اختلافهم وبث قصص التعايش الإيجابية والتأكيد على التنوع والحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة.

الحاجة الملحة للإعلام الرسمي والمستقل الحر

لا يعاني السوريون\ات فقط من فقدان الثقة في نقل الخبر ومزاجية الأشخاص الذين ينقلونه حسب خلفيتهم السياسية والطائفية وغيرها من الانتماءات التي فرضت وجودها بعد سنوات الأزمة السورية وعمل السلطة البائدة بضخ الأحقاد والخوف من الآخر، بل أيضاً من كثرة الإشاعات حتى فقدان التمييز بين الحقيقة والوهم ومن لغة الخطاب التي تعمق الشرخ الاجتماعي بين الناس دون أن تمتلك مشروعاً داعماً للمرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد كالمطالبة بتحقيق العدالة الانتقالية عبر السلطات. فهي لا تتورع عن العنف اللفظي بوسم طائفة أو مجموعة بألفاظ مهينة، بينما تحفل صفحات المثقفين على الإنترنت بالشجار وتبادل التهم، والغرق في الخلافات والانجرار لسلطة اللحظة سواء الفرح بسقوط النظام أو الانتقام الشخصي لمعاناة طويلة جراء ما كرسه النظام من قمع واضطهاد، إذ راجت الحالة الانتقامية خلال الفترة الماضية وراجت عبارة (وين كنتو من 14 سنة؟). واللافت للانتباه هو عدم دقة هذه الادعاءات فمثلاُ هناك من قال هذه العبارة لرغيد الططري الذي قضى 42 عاما في سجون الأسد. يسود عدم التبصر بتحديد العدو وهذا كان واضحاً حين استهدف الانتقام في الساحل بسبب الانتماء الطائفي عدداً من معارضي الأسد الأب والابن والذين قضوا زهرة أعمارهم في السجون الأسدية. 

ساهم الإعلام المجتمعي عدم المسؤولية في حمل الأمانة المهنية بتشكيل الدافع لدى الكثيرين وظهور حالة الاندفاع والهياج. وعلى سبيل المثال استخدم هكذا إعلام العنف اللفظي الذي تجلى بإطلاق الأحكام على فئة كاملة ووصفها بالحيوانات (الخنازير) وذلك لتسهيل الإساءة لها وإسقاط صفة الإنسانية عنها، وبالتالي الحط من قدرها وتسهيل القتل والعنف بحقها، كما حدث حين أطلق النظام الساقط صفة الإرهابيين على كل من عارض الأسد.

هل سننتظر يوماً محاكمة هؤلاء الإعلاميين الذين يفتقرون للمسؤولية، وهل ننتظر إطلاق القنوات الرسمية للإعلام والسماح للمحطات الخاصة البدء بالنشاط خاصة تلك التي لها تاريخ في الذاكرة الشعبية السورية ويمكن أن تكون جامعا للشعب ومهدئاً فهي على الأقل كانت دوماً قادرة على أن تجمع السوريين على روتين الحياة اليومية كفيروز الصباح.

لا يقل عن أهمية إطلاق الإعلام الرسمي أهمية الإعلام المستقل الحر والذي ينتظر منه العمل على تكوين الوعي المجتمعي القادر على تحرير الفرد من تأثير الدعاية والضخ المستمر للضغينة والتحريض، وذلك بتكوين وعي ذاتي مسؤول يضع المصلحة الوطنية أولاً ويؤسس لثقافة الحوار واللاعنف حتى لا نكون تلاميذَ للنظام الساقط في إدارة الراهن.

أربع مقدّماتٍ لأربع حكايات

أربع مقدّماتٍ لأربع حكايات

عن  Ayrout’s Listوالهويّة الجامعة

نسمع من النّاجين في بانياس حكاياتٍ عن شيخٍ يشبه ليام نيسون، حلّ لغز عبور النّهر، مع ضبعٍ وذئبٍ وعلويّ. 
وعن نصف جيرةٍ أنقذت نصف طفلٍ وأعادته إلى أمّه، تُناغيه نصف مناغاةٍ، وتُرضعه نصف رضعة.
كما يصلنا احتفاء الضّحايا بالإعتراف بهم كضحايا، وامتنانهم لجيرانٍ ما كذبوا ما رأوا. جيرانٌ صادف أنّهم -وفقط في هذه البلاد- بهالاتٍ فوق رؤوسهم وأجنحةٍ على ظهورهم.
ونقرأ بعد المجازر، بمعرض الشّهادات البائسة على الهويّة الجامعة، كيف مثلاً ليس لأحدهم متبدّلٌ عن سُفرة الآخر، عن البلد لضرورات المائدة، عن لذّة عرق العلويّين مع شنكليش التّركمان، يقول سكارى. ثمّ عن زيجاتٍ بين الجماعات السّوريّة، وعن أطفالٍ خلاسيّين وفيهم هُجنة، تسمعهم شتاءً يُحمحمون مثل عمومتهم، وفي الرّبيع يُغرّدون كما أخوالهم.

«كان يا ما كان، وثارت العصافير البيض، وثورتها -ككلّ ثورةٍ-كانت هي الشيء ونقيضه. وانضمّ إليهم عصفورٌ أسود، فأحبّوه خاصّةً، وميّزوه وأفرطوا في تدليله. لكنّ هذا أحرج العصفور الوافد، وشعر أنّه ضيفٌ وأنّه طارئٌ، فطار.»

ما أكثر ما يبيض في هذه البلاد!

البلاد الآن ضعيفةٌ كالزُّلال، تحتاج من الكل أن يرعاها، أي أن يؤجّل سؤاله: أيّ مسخٍ تُرى سيخرج من هذه البيضة؟
ثمّ ما أكثر ما يبيض في هذه البلاد! لا أتتبّع سقطات أحدٍ، وليُعن الله كلاًّ على كلٍّ، لكنّي ما ظننتُ أنّ أمر خيار النّاس يصير إلى هذا! فمن قال اليوم أنّ السّفه قد يُلتمس فقط بين الرّعاع دون العقلاء فقد كذب. 

احتشد الجمهور، وجيء بعازف مزمارٍ خائبٍ يُرقّص ثعباناً عملاقاً بألحانٍ نشازٍ تقشعرّ منها الجلود وتشمئزّ منها القلوب، كما في الحديث. وحين همّ النّاس بالمغادرة اكتشفوا ورطتهم، بأنّ عليهم أن يُكملوا عرضاً لا آخر له، بل ويطنبوا في استحسان أداء العازف الفاشل، ويحمّسوه متشوّقين ملحّين آنسين مستمتعين، لأنّه لو توقّف عن العزف، نهشهم الثّعبان.»

ربّانيّةٌ كفرض عينٍ ومُسلّيةٌ كرحلات الصّيد

والله لست أعلم أيّها أحقّ بالنّدب، القرى التي أحرقوها، أم تلك الّتي خرجوا منها؟  
استعرتُ منك يا ربّ وقُلتُ: “إذا دخلوا قريةً أفسدوها”، مع أنّهم ليسوا ملوكاً، لا ولن يكونوا. والعاقل -سيّما النّوع الذي يُقطع بالسّكّين- يحذرهم.
ثُمّ أنت يا ربّ كعادتك، تغيب حيث لا يُنتظر منك ذلك. لا تقل لي كانت مجزرةً منطقيّةً، وأنّ حرب 14 سنةً كانت مجرّد فتيلٍ، لا تُعزّيني بتهويدة: كان يمكن أن تكون الإبادة أوسع! لا لن أنام. 
ليس هو السّؤال اليوم عن إراقة الدّم، لا عن إباحته، بل عن تسجيعه. إنّهم يسجعون في الدّم يا الله.
والمنسيّون في تلك القرى عاتبون عليك، كان الرّجل منهم لا يمدّ رجليه بحضرة جليسه، كانت الجدّات يستنشقن أحفادهن. مدَّ خنصرك لأقاطعك، أنا يكفيني بغزوات عبادك -وهم يقتلون لكسر ملالةٍ- موعظةً إن اتّعظتُ، واسمع هذه لك يا ربّ:

«جاء رجلٌ يتعبّد، فوجد طابوراً طويلاً على باب المعبد، لكنّه لمح غير بعيدٍ خمّارةً غير مزدحمة.
بتلك البساطة، يتحدّد إيمان أو كفر الرّجال الّذين لا يُحسنون الوقوف في الطّابور.»

هي وطنٌ نهائيٌّ لو الأبقار تغرّد

يقف إدوارد نورتن بدور مونتي بروغان في فيلم 25th Hour أمام مرآة الحمّام ويقول:
اسمعوا أيّها الأغبياء في الجماعات والقوميّات والأديان والمذاهب والأتباع والموالي والشّيع، وكلّ من تعصب لأحد تتمسّحون وتتبرّكون بظنّيّة الهويّة، مع قطعيّة الحياة المتعذّرة بينكم، وفراديسكم متحاربةٌ وهي ليست أصلاً على هذه الأرض. اطرحوا عنكم كلّ أملٍ، فالبلاد قد اختارت عليكم، ولستم فيها بأثبت من دبابيس على الخريطة. أنتم خطرٌ ، وفروقاتكم صار لا يُجدي فيها مبردٌ أو فرشاة. يجب أن يُحجر عليكم لعدم الأهليّة، وأن تفصل بينكم الحواجز، بحيث لا يأكل أحدكم أطفال الآخر، أو ينزو على امرأته.
أخوة؟ لولا خجلي من عربيّتي لقلتُ: وحدها حديدةٌ محماةٌ بوسعها أن تؤاخيكم.
«انتهى الاقتباس».

«يُحكى أنّ الأبقار كانت تغرّد ابتداءً، ورُوي عن رجلٍ من أبناء آدم، حلفت له امرأته: أنا عليك حرامٌ حتى تُنهي فلاحة الأرض. فصار يضرب الثّور حتّى جأر.»

كيف عاش السوريون فطامهم القسري عن البلاد

كيف عاش السوريون فطامهم القسري عن البلاد

  حاولت السينما السورية إضاءة الواقع وأثر الحرب الطويلة على الناس والبلاد،  فكان هناك ما انتجته المؤسسات الرسمية وكان هناك في المقابل ما اعتمد على مؤسسات مدنية وجمعيات أو جهود المخرجين بشكل مستقل.

 يتناول المخرج السوري حسام حمو في فيلمه فطام وهو أيضاً من إنتاجه وتأليفه، عينة من الأسر السورية في الداخل (اللاذقية) والتي وصلت كغيرها إلى حالة من انعدام الأفق وفقدان الإمكانيات، ما دفع جيل الشباب عموماً إلى الهجرة حتى كادت البلاد تفرغ من شبابها وذلك سواء هرباً من وقائع الحرب أو من قبضة السلطة الأمنية والتضييق على الحريات، أو هرباً من أداء الخدمة الإلزامية التي صارت كابوساً على جيل الشباب كله، أو للبحث عن عمل في الفترة الأخيرة.

وفطام فيلم قصير لا تتجاوز مدته 27 دقيقة وقد عرض في مهرجان فاميك للفيلم العربي في فرنسا، وسيعرض في مهرجان أفلام البحر المتوسط (كان – ميلان – أثينا) ومهرجان الإبداع العربي في مصر ومهرجان داكا السينمائي في بنغلادش ومهرجان سينمانا في سلطنة عمان.

زمن الفيلم القصير هو سهرة عائلية تجمع أسرتين على العشاء بينما  يتجهز الابن للسفر الذي يصبح أمراً واقعاً بعد اتصال السائق الذي سيقله. لتصبح تلك السهرة آخر ما يحمله الشاب من ذكريات وكأنه العشاء السوري الأخير له. 

سهرة عائلية بسيطة تعكس حياة السوريين جميعاً من تلك العتمة التي تطغى على كل الحياة نتيجة انقطاع التيار الكهربائي بينما في الحقيقة تلك الظلمة تعشش في الحياة العامة وتصبغها، وكيف يسارع الجميع عند وصل التيار لشحن كل الأجهزة من البطاريات والموبايلات التي صارت نافذتهم الوحيدة على العالم وصلة الوصل مع أحبة في الطرف الآخر من الجغرافيا، لكن زمن وصل التيار القصير يجعل كل هذا غير ممكن.

 في هذه السهرة البسيطة يتجادل الآباء في السياسة ويمتد النقاش بينما يكتفي الآخرون بالاستماع غالباً لأن البعد بين  الكلام النظري والواقع بات شاسعاً ولا يمسهم أو يعبر عن الحالة التي يعيشونها. خاصة وقد تطور الحديث إلى الانتماء ومفهوم الهوية، بينما في الواقع يشهدون جميعاً تمزيقها عن كثب، حيث في الطرف الآخر من الطاولة شاب سيغادر بعد ساعات إلى المجهول.

يذكر أن لحسام حمو فيلمان، “سبات” المنتج عام 2023 والحاصل على ثلاث جوائز عالمية منها جائزة لجنة الافلام الروائية العربية في مهرجان البحرين السينمائي ومدته 13 دقيقة، و الثاني فيلم “فراغ” ومدته 7 دقائق وهما فيلمان يعتمدان على الموسيقا أكثر من الحوار لكنهما حسب قوله يشكلان مع فيلمه الجديد فطام مشروعاً واحداً هو رؤيته للواقع السوري المهترئ والمتردي قبل سقوط النظام والشخصية السورية التي وسمت بالفقدان على كل الأصعدة فقدان العائلة وفقدان الأمل وفقدان الحب.

 وقد اعتمد في فيلمه الجديد فطام على شخصيات خارج الوسط الفني لكن بعضهم من مثقفي مدينة اللاذقية إذ قامت بدور الأم الكاتبة القصصية مي عطاف وقام بدور الأب الكاتب والرسام عصام حسن وشاركت أيضاً سوسن سليمان الراهب وكانت الشخصيات بشكل عام في دورها الأول. يقول المخرج إنه كان حريصاً في اختياره لهم وفق معايير معينة وإن دافعهم للعمل كان إيمانهم بالفكرة والمشروع الذي يقدمه. 

رغم أهمية أفكار الحوار لا يتوقف المشاهد عنده إذ تأخذه تعابير الوجوه والتعليقات التي ترمى خلال ذلك إلى عالم الشخصيات الحقيقي الذي يلتقطه بسرعة، حيث يعيش الجميع حالة الترقب ثم الحزن والانتظار في وداع الشاب الذي حزم أمتعته، الموسيقا التي تكمل حالة الانتظار وتمنح البعد العميق لهشاشة الإنسان بينما نجد الرجال عالقين في النقاش السياسي والفكري سنرى أن النساء يتفاهمن ويتبنين رأياً واحداً بشكل غير متفق عليه.

وهذا يأخذنا إلى معاناة الأم السورية الواحدة التي تتجلى فيها محنة البلاد التي وصلت إلى القاع أو الجحيم وكأنها إنانا (عشتار) في رحلتها إلى العالم السفلي بعد أن وصلت إلى الدرك الأسفل بسبب واقع المعاناة جراء فقدها لأبنائها وعالمها وحريتها، وهو ما يعبر عنه حسام حمو صراحة إذ يقول إن الفيلم مستوحى من أسطورة هبوط إنانا إلى العالم السفلي.

والعالم السفلي عالم الأموات هنا أبعد من الموت الجسدي إنه المجاز حيث يتحول الفرد إلى مجرد جسد على قيد الحياة.

في بداية الفيلم نرى الأم في الحمام وقد نسيها الأبناء في العتمة مستسلمة لواقع الظلام في أكثر الأماكن انعزالاً في الحياة الشخصية ودون أي رد فعل وكأنها في القبر وحين ينتبهون لذلك و يشعلون لها الضوء تبدو كأنها في عالم آخر ثم تبدأ بخلع زينتها وأساورها وأقراطها وغسل وجهها وكأنها (إنانا) في رحلتها إلى العالم السفلي حيث يتم تجريدها وبشكل تدريجي من زينتها كشرط لدخولها إليه، وتنفذ صاغرة بعد ان بدأت رحلتها تلك،  تخرج مي عطاف (الأم) بعد ذلك ساهمة عن كل شيء حولها فتعيش غربتها الخاصة وانفصالها عن الحياة وكأنها الأمهات السوريات كلهنّ وربما سوريا التي تعيش غربتها بين أبنائها.

وبينما تدور النقاشات والأحاديث في السهرة تقوم الأم (إنانا) باستحضار الذكريات من ماضي العائلة وذكرياتها مع ابنها الذي سيذهب بعد حين في هجرة لا تستوعبها حد الإنكار فهي لا تستطيع احتمال هذا الانفصال عنها إذ لم تزل كأي أم ترى أبناءها بعين الأمومة  صغاراً يحتاجون الرعاية، فتنتبه إلى صحنه وتناول طعامه، في الوقت الذي سيغادر بعد حين إلى المجهول، وهو ما يأخذنا إلى عنوان الفيلم “فطام”، والذي يبدو هنا فطاماً قسرياً  مزدوجاً في ابتعاد روحي ونفسي عن الانتماء الطبيعي للأم  البلاد.

تدور الكاميرا في البيت فنرى الباب المقفل والأبواب المغلقة كتعبير عن حالة العزلة والوحشة المحتشدة في حياة الأشخاص حيث اللاأفق يحكم حياتهم جميعاً وكأن السفر صار هو الحل او النافذة الوحيدة المفتوحة على الحل.

يمتد إنكار مي عطاف (الأم) للواقع ولسفر ابنها الذي صار شاباً، فحين الوداع تصعد على كرسي لتعانقه لتحتفظ بذلك الموقع المشرف من الأعلى وكأنها تتحايل على الزمن الذي جعله شاباً أطول منها وتدس في جيبه مالاً إضافياً مستذكرة أيام الطفولة والخرجية التي يأخذها الأولاد من الأهل، بينما تتردد أغنية التهويدة مع أمي أصحو وأنام كأنها تشبع روح الأم المتشبثة بأبنائها والتي تريد المغادرة معهم فالمكان دونهم ليس مكاناً، كأنه ذلك العالم السفلي الذي وصلته مرغمة فهو ليس عالمها ولهذا ربما أراد المخرج في إشارته تلك إلى سحب المشاهد نحو الأمل  بالقيامة التي ترافق عودة إنانا إلى عالم الأحياء وانتصارها على عالم الموت والجحيم وانتظار تلك العودة . 

يسجل لحسام حمو أنه استطاع إدارة الممثلين في ظهورهم الأول والوصول للمشاهد مع جدل متقن لعمق الفكرة والتماس المباشر مع معاناة السوريين جميعاً.

كي لا تصبح دمشق سجناً لأبنائها مرة أخرى

كي لا تصبح دمشق سجناً لأبنائها مرة أخرى

بين اللطم المشهديّ في الشوارع “ولبّيك يا حسين” إلى “أعزّنا الله وأذلّكم”، و”الشام عادت إلى أهلها أمويّة أمويّة رغم أنف الحاقدين”، وفي ظلّ حملةٍ أمنية متبّلة، في بعض تصريحاتها، ببهارات الانتصار الطائفية، ومشهدية صارخة لمعاملة الآخر المعتقل كحيوان وإجباره على النباح أو العواء، وفي غياب شكل تمثيليّ واضح للحكم في سورية، تأفل بلاغة المهزومين، الذين يُخْتزلون بكلمة فلول، وتسود بلاغة المنتصرين، الذين يحكمون شفوياً ببلاغة المنتصر على غيره. تُمْحى شعاراتٌ، وتُطْلقُ  شعارات جديدة ، تُزال المساحيق عن هويّات، وتنفضُ هويات أخرى عن نفسها غبار الكبت والتهميش وتستيقظ، لكنّ الثقافة التي تقود الحياة هنا لم تتغيّر من حيث الجوهر، كمثل جدران المدينة التي وقعت في شبكة هندسة عمارة عشوائية في متنها وهوامشها. وفيما تنبري الأقلام للحديث عن “نظام الأبد” وسقوطه، وما بعده، يطلُّ وجه المدينة المعماريّ المدمّر في بعض أجزائه، والمتآكل والمتسخ والمتشقق، على مجهولٍ يصعب اكتناهه، وتبقى مرحلتها الانتقالية طحيناً يحتاج إلى من يعجنه كي يخبز رغيف التمدّن والمواطنة، ويقدمه على مائدة الحاضر بينما تستيقظ ثقافة الاتباع المقموعة وتكشّر عن أنيابها.

اختُزلت دمشق في السياسة وصراعاتها، في الدين وتمذهباته، في الانقلابات والتهميش والتفرد بالسلطة والأيديولوجيات الإلغائية الأحادية، في التنكيل الأمني والبراغماتية المزدوجة، وغابت دمشق الثقافة والمواطنة والحرية والديمقراطية، لكن دمشق ليست سياسة فقط بل جيل جديد مختلف من الشبان والشابات جائع للحياة الكريمة، هي ماض وحاضر ومستقبل وعمارة واجتماع وحداثة وتخلّف وتقدّم ورجعيّة وسلفيّة وراديكاليّة، هي سنة وشيعة وعلويون وأكراد وشركس وأرمن وتركمان ومسيحيون ودروز وإسماعيليون، وهي أيضاً علمانيون ويساريون وقوميون وسلفيون وأصوليون ومتدينون غير مسيسين وملحدون وصوفيون وبشر عاديون لا يُصنّفون في هذه القوالب، وهي شعراء وسينمائيون ومسرحيون ونحاتون ورسامون وصحافيون ومفكرون  وموسيقيون ورياضيون ونساء يناضلن من أجل قضايا النساء وجمهور متعطش إلى أن يعيش حياةً مدنية، أن يتنفّس هواء الحرية، التي حُرمَ منها على مدى عقود. 

قضى حزبُ البعث على الثقافة، وقاد الدولة والمجتمع إلى الخراب. وفي ظلّ نظامه العسكريّ لم يعبر في سوريا وزيرُ ثقافةٍ واحد صنعَ ثقافةً حقيقيةً، ولم يعبر وزير تربيةٍ بنى مدرسة حقيقية، أو وضع مناهج تواكب العصر وتطور المعرفة، ولم يُعيّن وزير دفاع انتصر في معركة حقيقية، أو وزير إعلام صنع صحيفة حقيقية تستحقّ القراءة، أو يمكن تُقارن، على سبيل المثال، بالصحف اللبنانية الرائدة. ولم يستقل أي من هؤلاء احتجاجاً حين لم يحدث ذلك. كانوا كلهم قابلين بالوضع القائم ومتنفعين من سلطة الوظيفة.  وكان السوريون، الذين يحملون فكراً مغايراً، ينشرون في صحف خارج البلاد، والقراء الحقيقيون يهرّبون ما يقرأونه لأن مدينتهم لم تكن مدينة ثقافة، كانت مدينة سياسة مراقبة أمنياً، ومفصّلة على مقاس “القائد الخالد” ووريثه. وفي هذه الظلال كانت دمشق تخون المدينة كتمدّن وتحضرّ وانفتاح وعمران، تتوسع عشوائياً وتزدحم وتضيق بسكانها، وتنتقل من هوية قسرية إلى أخرى في إعلانات استعراض القوة والهيمنة على شاشة السياسة. ونسمع اليوم عبارات وتصريحات مفخّخة مفادها أن دمشق عادت إلى أهلها، فهل الأهل الذين عادت إليهم ديمقراطيون ومنفتحون يؤمنون بدولة المواطنة أم أيديولوجيون ومذهبيون، لا يجسّدون دولة المدينة، ولم ينتظموا بعد في شكل حكم يعكس التنوع والتعدد السوري؟

ثمة من يصوغ في دمشق سرديةَ صراعٍ بين هويتي الغالب والمغلوب، ويشحنها بالأيديولوجيا، وكلتاهما قسرية ومستعادة، ماضوية وسلفية، لا وجود فيها للآخر، المُخوّن والمكفّر. تتواشجُ هذه السردية مع قبح الهوية المعمارية، ذلك أن جمال العمران في دمشق موضع شبهة، ليس فيها فنّ عمارة يمنحها هوية جمالية، كما أن خصرها مطوّق بأحزمة بؤسٍ من بيوت مرتجلة وعشوائية مخالفة بُنيت بين عشية وضحاها، ومهددة حتى بالهزات الخفيفة على مقياس ريختر.

في كتابها (حياة وموت المدن الأمريكية الكبيرة) الصادر سنة ١٩٦١ تحدثت جين جاكوبس (١٩١٦-٢٠٠٦) عن هوية المدن، ودعت إلى تصميم معماريّ أكثر عضويةً للمدينة يتمحور حول الإنسان لأنّ هوية مدينة ما ليست نتاج هندسة عمارة مهيبة، أو تصميمات تذكاريّة فحسب، بل تُبنى من خلال التفاعلات اليومية لسكانها. وتحدّث باحثون آخرون عن مدن تتوحّد فيها البشرة البيضاء مع السمراء، ويتجاور مطعم إثيوبي مع آخر ياباني وصينيّ وعربي ومكسيكي وإيطالي، ويتجاور معبد بوذيّ مع مسجد أو كنيسة أو كنيس، وهناك أيضاً البار والمقهى، ويعيش في المكان الملحد والمؤمن واللاأدري، والراديكالي وغير المكترث بهذا كله، وتسير المرأة محجبةً أو سافرة دون خوف. وتولد في المدينة حياة شارع حية، بوجود جماعات متنوعة تنغمس في أنشطة يومية، تكوّن بذلك هويتها. فالتنوع الثقافي والعرقي والقومي والديني، في تجلياته الحضارية والثقافية المنفتحة والمعانقة للآخر، هو الذي يصنع المدينة، ودمشق لا قيمة لها إلا في إطار العناق بين ابن الريف وابن المدينة، ابن الشمال وابن الجنوب، ابن الساحل وابن الداخل، ابن البادية وابن السهول والجبال،  وبين الكردي والعربي، وبين المسيحي والمسلم، ولا قيمة لها من دون خصوصية درزية وخصوصية إسماعيلية وخصوصية شيعية وخصوصية سنية وخصوصية مرشدية وخصوصية علوية وخصوصية مسيحية، شرط ألا تتعدى هذه الخصوصيات حدود الإيمان والعلاقة بين الذات وخالقها، وألا تفرض نفسها على الآخر من خلال السياسة القمعية. وهذا لا يتحقق إلا  في دولة مواطنة، تمثل الفروق، وتحميها، وتنطق باسمها من أجل مصلحة الجميع.

 إن دمشق خلطة قابلة للتطوير مفتوحة على مزيد من التنوع وهذا ما يمكن أن يمنحها هوية جمالية وثقافية وحضارية استثنائية، وبسبب هذه القوة الحضارية الكامنة فيها لم تصمد الدكتاتورية العسكرية، ولن تصمد الدكتاتورية الدينية، ولهذا لم تصبح مدينة للطم، كما لن تصبح مدينة أموية بالمعنى الأيديولوجي. لن تكون دمشق النقية الصافية التي لوّثها غبار الأرياف، الذي تحدثت عنه جمعيات أرستقراطيي دمشق، الذين كانوا يعيشون في منازل فخمة ويرتادون الفنادق والمطاعم الفاخرة ويظنون أن أفقهم هذا هو المدينة الحقة. إن ما يمنح دمشق عظمتها هو هذا الخليط العجيب، الفسيفساء السورية الإبداعية، التي يجب أن تصنعها الآن بالمعنى السياسي والثقافي، ذلك أن الهوية مستقبل وليست ماضياً، إبداع ينطق بمكونات الحاضر، ويقودها نحو أفق جديد من الانسجام، وليست استعادة لشكل من الماضي.  وإذا كان لونٌ قد طغا على آخر في لعبة السياسة، وبفعل الاستبداد ودكتاتورية الأسد العسكرية المتوحشة، التي قامت على التغول الأمني، فإن لوحة دمشق بحاجة إلى إعادة رسم بألوان متعددة تعكس تنوعها الثقافي الفريد. ولهذا لن تكون دمشق سنية ولا علوية ولا شيعية ولا مسيحية ولا درزية ولا إسماعيلية، لأنها القلب الذي يجب أن ينبض بهذا التعدد كله، وبمن يصنعون لوحتها الفريدة في شكل حكم متطور وديمقراطي، ما يزال حلماً، شكل حكم يحتضن المواطنة الحقة، المحمية بالحقوق. وإذا كانت دمشق ستعود إلى أهلها يجب أن تعود إلى أهلها مواطني دولة المواطنة والقانون، إلى من يجعلون منها مدينة فريدة بتعددها وألوانها الثقافية، تزهو بين الأمم، لا إلى أهلها المفرغين في قوالب مذهبية وأيديولوجية أحادية التوجّه والبعد، لهذا يجب ألا يُنظر إلى دمشق كمدينة مكتملة تعيش في الماضي، يمكن أن تُسْرَج وتُلْجَم مذهبياً، أو ”نوستالجياً“، بل بوصفها مشروعاً مفتوحاً على البناء والتطوير المتواصل في أفق الحرية.

لقد دمّر عنف السلطة الاستئثاري بكرسي السلطة دمشق على الصعيد العمراني والاجتماعي، ولهذا تحتاج إلى علاجٍ في غرفة العناية الفائقة لأبنائها المؤمنين بها كمدينة للجميع، وإعادة نظر في هويتها كمدينة معمارياً، ذلك أن نظام البعث لم يكن يهمه إلا ”تماثيل القائد الخالد“ وتماثيل ابنه، ولم يصرف على الارتقاء بجمال العمران، وحين ثار عليه ريفها دمّره دون رحمة. وما يبدو جلياً في دمشق هو تشوهها المعماري واتساخها وضيق شوارعها وتخلخل بيوتها وغياب أفق التنفس والمواصلات المريحة والحياة الكريمة. أما في دمشق القديمة على سبيل فليس هناك انسجام جمالي بين العمارات، وتهيمن عليها النزعة التجارية الاستهلاكية، وتحولت البيوت القديمة فيها إلى مطاعم وحوانيت وبارات.  ويفتقر القسم الحديث من دمشق إلى تناغم معماري، إذ تختلط المباني التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية مع العمارة العثمانية والمباني الحديثة من حقبة ما بعد الاستقلال، ما شوّه وجزأ هويتها المعمارية.

ما يريده السوريون عموماً في النهاية هو مدينة جميلة ونظيفة يسودها التمدن وتزدهر فيها الثقافة والصحافة الحرة ويسكنها المواطن، ابن دولة المواطنة، التي يتم فيها تداول السلطة ديمقراطياً بانتخابات نزيهة، مدينة لا تختزل أبناءها في طوائف، ولا تقولبهم في توجهات سياسة أو مذهبية أحادية، وتحرس حريتهم كي يعاودوا رسم هويتهم الفردية، وابتكار انتماءاتهم في هذا الضوء. بالتالي لا شيء إلا فضاء الحرية هو الذي يسمح للذوات التي تعكس التعدد والتنوع الثقافي بأن تكبر بنفسها وبمنجزها وتتناغم حضارياً وسياسياً وثقافياً، وتبدع وجودها المدنيّ، وتبني المؤسسات والمعايير الاجتماعية المشتركة، وأنظمة التعليم التي تعزز الهوية المدنية وتنتقل من الإنسان المتمذهب والمفرغ في قوالب إلى الإنسان المتمدن، العام، المتجاوز للحدود العشائرية والطائفية والعرقية، والمتمرد على القوالب التي يفصّلها عميان الأيديولوجيا.