بواسطة عامر فياض | مايو 24, 2021 | Reports, Roundtables
* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “في العقد الجديد، إلى ماذا يشتاق السوريون؟“
كانوا أطفالاً حين بدأت الحرب، كبروا وتربوا على ثقافتها التي حرمتهم من بناء ذاكرة وطنية حقيقية، فلم تحفل ذاكرتهم سوى بصور الموت والدمار وشتى أنواع المعاناة، ولم يتبلور لديهم أي انتماء راسخ لسورية الواحدة، ذات الهوية الجامعة، فسورية التي عرفوها خلال الحرب ليست كتلك التي عرفتها الأجيال التي سبقتهم، حيث ضاق مفهوم الوطن لدى الكثير منهم، وكانت سورية بالنسبة لبعضهم، خلال الحرب، لا تتعدى حدود محافظتهم، التي لم يغادروها، أو حتى حدود مدينتهم.
“لم أتعرف إلى سورية سوى من خلال نشرات الأخبار والصور ومقاطع الفيديو. أشعر أن معظم المحافظات السورية أماكن غريبة عني، لا يربطني شيء بها وكأنها من بلاد أخرى. يتحدث أبي وأخوتي الكبار عن سورية بكثير من الحب والحنين ويسردون لي الكثير عن جمالها وسحرها وتنوعها وعن أجواء الألفة والمحبة والتآخي التي عاشوها في أغلب المحافظات، حيث زاروها مراراً وتكراراً قبل الحرب، بمدنها وقراها، التي كانوا يرونها مكاناً واحداً رغم اختلاف جغرافيتها، وبالمقابل لم أكن أشعر بالأمان، خلال الحرب، حتى في مدينتي، وكان سقف حلمي أن أتعرف إلى أحياء دمشق القديمة”. هذا ما يقوله الطالب الجامعي أنس (22 عام) الذي كان في الصف السادس حين بدأت الحرب، ويضيف “لم أغادر دمشق سوى في رحلة سريعة إلى اللاذقية منذ عامين وكانت أول مرة أتعرف فيها على مكان خارج دمشق. الغوطة القريبة منا والتي قرأت وسمعت الكثير من الروايات عن جمالها وتغني الشعراء بها، لم أتعرف عليها سوى كمكان للموت والدمار، وأحزن حتى من ذكرها. ببساطة كبرت وأنا أشعر أن سورية هي مدينة دمشق فقط”.
إسراء (20 عام) التي نزحت بعمر الحادية عشر لا يذكرها اسم سورية سوى بالألم والمآسي. والوطن بالنسبة لها هو عائلتها فقط، وتبرر ذلك بقولها : ” منذ طفولتي لم أرَ سوى الحرب التي قتلت أبي والتهمت كل شيءٍ حولنا، وحين نزحت وعائلتي من الغوطة إلى دمشق، شعرنا بغربة كبيرة وعشنا ظروفاً قاهرة، من المعاناة والحرمان والسكن البائس، أجبرَت أخوتي على ترك الدراسة والتوجه نحو العمل والتسول أحياناً، ليساعدوا العائلة في تأمين لقمة العيش المريرة”.
وتضيف: “في المدرسة، بعد نزوحنا، لم أكن أشعر أنني كباقي الطلاب، فالفروق الطبقية كانت واضحة للغاية، بين طلاب أثرياء جداً وآخرين غارقين بالفقر، حتى أن بعض زملائي كانوا ينظرون إلي بعين الشفقة والدونية أحياناً، وهم يرون حقيبتي الممزقة وثيابي الرثة، وعجزي حتى عن شراء قطعة بسكويت أو سندويشة فلافل. تركت الدراسة وأنا في الصف الثامن وتوجهت للعمل في معمل لخياطة الألبسة، وما زلت أزاول هذا العمل حتى اليوم، في ظروف من القهر والاستغلال”.
ونتيجة لذلك الواقع تقول إسراء “لم أشعر حتى اليوم بأي انتماءٍ حقيقي لمكان إقامتنا الحالي وبالمقابل حين أتذكر قريتنا في الغوطة تمتزج ذكريات طفولتي بصور الحرب فلا أشعر بأي حنين إليها”.
عندما أهديت محمد (16 عام) عامل توصيل الطلبات، كتابين لليافعين عن حضارتي أوغاريت وتدمر، كانت صدمتي كبيرة، فحين نظر إلى صورة الغلافين تساءل: هل تقع هذه الأماكن في سوريا؟. محمد الذي نزح مع عائلته إلى مدينة جرمانا بعمر السادسة، لم يرَ منذ ذلك الوقت شيئاً من سورية سوى الحارة التي يسكنها وبعض شوارع المدينة والسوبر ماركت الذي يعمل به منذ نحو خمس سنوات، هو أيضاً لا يجيد القراءة والكتابة، فقد ترك المدرسة في الصف الثاني، حاله حال مئات آلاف الأطفال الذين تسربوا من الدراسة ليتجهوا نحو سوق العمل قبل أن يعيشوا طفولتهم التي كانت بحاجة لوطنٍ يحتضنها.
جيل بلا بوصلة وطنية
جيل تعرف إلى ثقافة الانقسام السياسي قبل أن يتعرف إلى مفهوم الوطن الواحد والهوية الجامعة، إذ تشكل وعيه الوطني وهو يرى معظم من حوله من أبناء الجيل القديم يختلفون سياسياً على أبسط البديهيات والمفاهيم الوطنية، ويتبادلون الاتهامات ويوزعون أدوار الوطنية والتخوين كلٌ حسب أهوائه وتوجهاته، لذا زُرعت به آلاف المفاهيم والإيديولوجيات والقناعات الخاطئة قبل أن يتبلور لديه أي مفهوم واضح وحقيقي عن الانتماء الوطني، وذلك في ظل غياب أي مرجعيات وطنية حقيقية يمكنه أن يقتدي بها أو يستعين بخطابها وأفكارها لتكون بوصلته الوطنية، فمعظم القامات والرموز الوطنية خلال الحرب أصبحت منقسمة و ضائعة، لا تُجمع على شيء، تطغى وجهة نظرها الإيديولوجية وأجنداتها السياسية على كل ما هو وطني، وبعضها تقزم وأثبت فشله أو أُخمد صوته وأُنهكت قواه وشلّتَ أفكاره.
” كبرت وأنا أرى أبي ومعظم أقاربي وأصدقاء العائلة يختلفون وتعلو أصواتهم كلما تناقشوا في أمرٍ يخص واقع البلاد، فيشتمون فناناً أو كاتباً سورياً نتيجة موقفه السياسي، ويخوِّنون معظم السياسيين والمفكرين، لذا كنت أكره أو أحب أحداً ما دون أن أعرف السبب. وحين كنت ألجأ لبعض الكبار، المهتمين بالشأن السياسي والثقافي، لأسأله شيئاً عن الوضع السوري، لا يُقدم لي سوى آراء كيدية ويحاول إقناعي بوجهة نظره فقط ليبدأ بتخوين وشتم كل من لا يوافقه الرأي”. بتلك الكلمات يلخص طالب الطب فادي (23 عام) واقع حال معظم أبناء جيله، ويضيف “جيلنا لم تتشكل لديه أي قناعة وطنية راسخة إذ تشكلت القناعات والمفاهيم السياسية والوطنية لمعظمنا من خلال المحتوى الذي تقدمه نشرات الأخبار والبرامج السياسية -التي تحكمها الأجندات والمال السياسي- ووسائل التواصل الاجتماعي التي تكتظ كل يوم بالكثير من المغالطات الفكرية والسجالات والمناكفات وتبادل الاتهامات. كل ذلك جعل منا جيلاً مشتتاً لا يمتلك أي يقين وطني”.
جيل عاجز وناقم
بعد تحول الأزمة السورية إلى أزمات وموت أي بارقة أمل بانتهائها، وفي ظل تردي الواقع الاقتصادي وغياب معظم متطلبات الحياة، وُلِد عند الجيل الجديد شعور دائم بالضياع واللاجدوى وانسداد الأفق، وهو ما قَتل حماسهم وأخمد طاقاتهم، وغيَّب أي صوت أو تأثير لهم، فجعلهم عاجزين عن القيام بأي دور وطني فاعل، تمضي سنوات أعمارهم بلا أي هدف أو مستقبل واضح. كل ذلك جعلهم ينقمون على كل ما حولهم، ليفقدوا أي شعور بالمواطنة والإنتماء حتى تجاه مجتمعهم الذي تشرذمت روابطه وعلاقاته الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية.
“أشعر اليوم أنه لا قيمة لوجودي وأنني عالة على عائلتي ومجتمعي. أهدر أيامي في الانتظار الذي يقتل قدراتي وأحلامي وطموحاتي. بات تفكيري محصوراً فقط بتأمين فرصة عمل والبحث عن أي طريقة لمغادرة البلاد، فمنذ مراهقتي تربيت على أن السفر هو الخيار الوحيد ولا مستقبل لدي في هذه البلاد”. هذا ما يقوله أحمد (24 عاماً) وهو واحد من مئات آلاف الشباب الذين باتت أحلامهم متعلقة بالسفر، خاصة أن الكثير من أصدقائهم وأقاربهم سافروا من قبلهم وأصبحوا قدوة لهم.
ويضيف أحمد: “هل نحن أبناء وطن واحد؟. كيف سأشعر بالانتماء إلى وطن لست جزءاً منه، أعيش فيه على الهامش، لا أستطيع أن أمارس إنسانيتي أو أن أقوم بأي دورٍ فاعل حتى تجاه أبناء مدينتي أو حارتي؟. لقد كبرت وأنا أعبر من جنب الأطفال النائمين في الشوارع والحدائق عاجزاً عن مساعدتهم. الفقراء الذين يعتاشون من حاويات القمامة أصبحت أراهم بشكل طبيعي ومألوف دون أن أحرك ساكناً. بت أشعر أنه لا جدوى من بقائي في هذه البلاد، فهي ليست سوى للأثرياء وتجار الحرب”.
وطن بديل
كثير ممن غادروا سورية، من أبناء الجيل الجديد، وجدوا وطنهم في بلدان لجوئهم في أوروبا وغيرها، اندمجوا بعادات البلد المضيف وبثقافته وتكيفوا مع حياتهم الجديدة، لذا قد ينسون مع الوقت ثقافتهم وذاكرتهم وهويتهم السورية. وإن طالت إقامتهم أكثر فقد ينسلخون عن سورية بشكل كامل، لاسيما أولئك الذين عاشوا في الخارج أكثر مما عاشوا فيها، وربما يلغون مع الوقت فكرة العودة إليها و يفقدون شعورهم بأي انتماء نحوها، خاصة إذا ما حصلوا على جنسية أخرى.
وعن تجربتها تحدثنا نور (25 عام) المقيمة في ألمانيا منذ سبع سنوات: ” عشت مراهقتي في ظل الحرب وكوارثها التي أجبرتني وعائلتي على مغادرة سورية خوفاً من الموت. ومنذ وصولي إلى ألمانيا شعرت بالأمان والسلام، وتمكنت من الاندماج بثقافتها وتعلُم لغتها بسرعة فائقة، وهكذا بدأت أحقق أحلامي وأعيش كل التفاصيل التي أحبها، فلقد منحتني حياة جديدة وآفاقاً واسعة، لذا بت أشعر بكثير من الانتماء إليها وأراها وطناً بديلاً” . وتضيف نور: ” اليوم وبعد هذه السنوات لم يعد هناك شيء يربطني بسورية، سوى وجود بعض الأقارب والأصدقاء، الذين أتألم حين أفكر بالحياة التي يعيشونها، جميع الذكريات والأشياء التي كنت أحبها في طفولتي دمرتها الحرب ولم يعد لها وجود، لذا لا أفكر في العودة إلى سورية سوى في زيارات قصيرة على المدى البعيد”.
خلال الحرب ولد نحو خمسة ملايين طفل في سورية، فيما ولد نحو مليون طفل سوري لاجئ في دول الجوار، وذلك بحسب تقرير اليونسف آذار 2020. اليوم إذا نظر هؤلاء الأطفال إلى جيل الشباب، الناقم على كل شيءٍ حوله والغارق في جحيم معاناته اليومية وانهزاماته وخسائره المتتالية، فماذا سيتذكرون عن بلادهم وكيف سيشعرون تجاهها، وكيف ستكون علاقتهم بها مستقبلاً؟.
بواسطة Ghassan Nasser | مايو 21, 2021 | Reports, Roundtables
[fusion_builder_container hundred_percent=”no” equal_height_columns=”no” menu_anchor=”” hide_on_mobile=”small-visibility,medium-visibility,large-visibility” class=”” id=”” background_color=”” background_image=”” background_position=”center center” background_repeat=”no-repeat” fade=”no” background_parallax=”none” parallax_speed=”0.3″ video_mp4=”” video_webm=”” video_ogv=”” video_url=”” video_aspect_ratio=”16:9″ video_loop=”yes” video_mute=”yes” overlay_color=”” video_preview_image=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” padding_top=”” padding_bottom=”” padding_left=”” padding_right=””][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ layout=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” border_position=”all” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding_top=”” padding_right=”” padding_bottom=”” padding_left=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”small-visibility,medium-visibility,large-visibility” center_content=”no” last=”no” min_height=”” hover_type=”none” link=””][fusion_text]
* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “في العقد الجديد، إلى ماذا يشتاق السوريون؟“
مع تقلبات حياة السوريين وتمزّق الجغرافيا السوريّة بعد عقد دام من الثورة/الحرب، بات موضوع هويّة سوريا والسوريّين واحدًا من أبرز الموضوعات المثيرة للجدل على الساحة الوطنيّة والسياسية والاجتماعيّة السورية، وهو ما دعانا إلى طرح هذا الموضوع مع عدد من النخب السياسيّة والأكاديميّة السورية المنشغلة في هذه المسألة، فكان أن استضفنا في هذه الفسحة الحواريّة كلًّا من: السياسيّة والباحثة الأكاديميّة في علوم الأنثروبولوجيا والبيئة الدكتورة سميرة مبيض، عضوة اللجنة الدستوريّة السوريّة عن كتلة المجتمع المدني، والباحث الأكاديمي السوري، بروفسور. دكتور. نجيب جورج عوض، بروفسور اللاهوت المسيحي والفكر المسيحي الشرقي، ومدير برنامج الدكتوراه في الدراسات الإسلاميّة والعلاقات الإسلاميّة – المسيحيّة في كلية “هارتفرد للدراسات بين – الدينيّة” في كونكتكت بالولايات المتّحدة الأمريكيّة، والكاتب السياسي والمعارض الكردي السوري البارز صلاح بدر الدين، والكاتب والباحث الأكاديمي الدكتور مضر الدبس. ووجهنا لهم الأسئلة التالية: هل كان للسوريّين هويّة جامعة قبل عشر سنوات؟ ما الذي كان يجمعهم؟ وماذا حصل لهذه السرديّات الجامعة الآن؟ ومن قبل هل كان النسيج الاجتماعي السوري متماسكاً فعلاً قبل العقد الدامي أم مجرد مظاهر سطحية للعيش المشترك؟ وأخيرًا، ما هي المآلات المستقبليّة للهويّة السورية الجامعة/المتعدّدة؟ فكان هذا الرصد لإجاباتهم..
مبيض: خلق مسار صاعد يضمن تجدّد الهويّة السوريّة
بداية حديثنا كانت مع السياسيّة والباحثة الأكاديميّة في علوم الأنثروبولوجيا والبيئة
الدكتورة سميرة مبيض، عضوة اللجنة الدستوريّة السوريّة عن كتلة المجتمع المدني، والتي قالت لنا: إنّ استمرارية نظام الحكم الشمولي تعتمد على فرض هويّة واحدة ولا يمكن تسميتها بالهويّة الجامعة، بل هي حالة تعايش مُفترضة وفق الإطار المحدّد. يعتمد تحقيقها على القوة حيناً لمنع بروز هويّات أخرى، وعلى تغيير عوامل المحيط حيناً آخر لوسمه بالهويّة المفترضة. وذلك برأيي ما كان سائداً طيلة العقود المنصرمة، وبالتالي فإنّ تماسك المجتمع بدوره كان تماسكًا قائمًا على عوامل مرتبطة بالسلطة الحاكمة وبالإطار الأيديولوجي الذي فرضته لصنع هذا التماسك، ومنه أذكر بعض النقاط فيما يلي:
- عوامل أيديولوجيّة كنظريّة المؤامرة والتهديد الخارجي، أي نظريّة خلق العدو وبالتالي فرض التوحّد بمقابل هذا العدو المُفترض.
- عوامل ثقافيّة كمنع تداول اللغات السوريّة المتعدّدة، وإغفال عوامل هامة من التاريخ السوري ضمن المناهج الدراسيّة أو توحيد اللباس المدرسي باللباس العسكري.
- عوامل سياسيّة كمنع نشوء تيّارات حزبيّة مختلفة عن توجّه تيّار الحزب الواحد القائد، والمرتبط بدوره بشخصيّة محوريّة هي الأب القائد للمجتمع والدولة.
- عوامل تسخير الأديان لخدمة السلطة تعتمد على النفاق الاجتماعي الظاهري والذي يقابله نشر الفتنة الداخلي غير المعلن بين هذه الأطياف والفئات.
تضيف صاحبة «الشهيدة السوريّة الأولى.. (تاريخ عائلة مسيحيّة تحت اضطهاد حكم الأسد)»، إنّ التراكم السلبي لهذه العوامل هي ما انفجر كشروخ عميقة بين السوريّين خلال عقد الثورة المنصرم. لا يعني ذلك أنّ الهويّة السوريّة الجامعة غير موجودة لكنّها لم تتبدَ خلال العقود المنصرمة لأنّ ظروف المحيط منعت ظهورها وحاربت كلّ ما يخرج عن الأطر المفروضة على المجتمع، فالهويّة بحدِّ ذاتها ليست مفهومًا ثابتًا بل هي مجموعة عوامل متداخلة وديناميكيّة تنتظم بتراتبيّة تُحَدّدها الظروف المحيطة والعوامل المؤثّرة، والعوامل الجامعة للسوريّين في هويّة مشتركة هي عوامل موجودة وقائمة وإحياؤها ممكن بشكلٍ تدريجي لغاية الوصول لتماسك مجتمعي مبني على عوامل حقيقيّة وليست زائفة أو مفترضة.
تتابع صاحبة «كيف أرى الثورة السوريّة»، قائلة: إنّ أهم هذه العوامل ترتكز برأيي على البعد المكاني والتاريخي لسوريا، وهذه العوامل تعبر بوضوح عن حالة تعدّديّة على كافّة الصعد، القوميّة، الدينيّة والثقافيّة أي أنّ الهويّة السوريّة الجامعة ليست نابذة لأيّ من مكوّناتها المجتمعيّة الطبيعيّة وتستطيع احتواءها جميعًا، في حين لا تستطيع أيّ من الهويّات القوميّة أو الدينيّة أو الثقافيّة احتواء التعدّديّة السوريّة، كذلك يمنح البعد المكاني والتاريخي الهويّة السوريّة سمة الانفتاح الإقليمي والدولي فهذه المنطقة شكّلت رافدًا هامًا لتطوّر الحضارة البشريّة على مرّ التاريخ.
د. مبيض ترى في ختام حديثها معنا، أنه يبقى العامل الأهم لإحياء هذه الهويّة هو مواجهة التحدّي باندثارها الذي يقف أمامه السوريّون اليوم في واقع من التقهقر والتشرذم الإنساني، والذي قد يشكّل بدوره الدافع الأكبر لبناء هويّة جامعة على أسس صلبة تسمح بخلق مسار صاعد يضمن تجدّد الهويّة السوريّة واستمراريّتها.
- عوض: الفصل بين مسألة الهويّة ومسألة المواطنة والانتماء الدولتي
من جهته، أوضح الباحث الأكاديمي السوري، بروفسور. دكتور. نجيب جورج عوض، بروفسور اللاهوت المسيحي والفكر المسيحي الشرقي، ومدير برنامج الدكتوراه في الدراسات الإسلاميّة والعلاقات الإسلاميّة – المسيحيّة في كلية “هارتفرد للدراسات بين – الدينيّة” في كونكتكت بالولايات المتّحدة الأمريكيّة، أنه في العقود السابقة للثورة السوريّة، لم يكن هناك هويّة جامعة ينضوي تحتها السوريّون. فالسوريّون لم يعط لهم الحرّية والحقّ بتشكيل وعيهم الذاتي بأنفسهم، بل فُرضت عليهم هويّة مسبقة الصنع جمعيّة (وليس جامعة) وشموليّة وصائيّة قرّرها لهم أصحاب السلطة والوصاية والمرجعيّة في المؤسّستين السياسيّة والدينيّة. لهذا لم يطوّر السوريّين بنيانًا متجانسًا وموحدًا في قلب تنوّعه، وعلى قاعدة هذا التنوّع ومن منطلق الاغتناء به.
يضيف صاحب «أحفورات الفهم، تاريخانيات المعنى: دراسات في الثقافة والدين والسياسة»، تحوّل التنوّع والتعدّد إلى عناصر مهدّدة للهويّة المؤدلجة التي اُسقطت على السوريّين من علٍ، إما وفق خطاب سياسي إيديولوجي قوموي وعروبوي، أو وفق خطاب تديني دوغمائي تطأيفي وثقافي عرقي تفريقي. ولا واحدة من تلك التوجّهات تخلق مجتمعًا متجانسًا على قاعدة التنوّع والتعدّديّة، بل تفرض تجانسًا مسبق الصنع على قاعدة الولاء والتماثل والتنميط. هذا الواقع ساد في سوريا قبل الثورة، وتعزّز وتمّ توظيفه منهجيًّا خلالها، وهو سيبقى في ساحة سوريا ما بعد الثورة أيضًا.
يتابع صاحب «ما بعد الحداثة.. ومستقبل الخطاب الديني في الغرب»، قائلًا: إنه من جهة أخرى، لا يجب للتجانس المجتمعي أن ينبني على مفهوم “الهويّة“. مؤكّدًا أنه لا يوجد – برأيي – “هويّة جمعية“، فالهويّة خيار حرّ مرتبط بوعي الفرد لذاته وخياراته الشخصيّة الماهويّة. مضيفًا: أنّ العالم مابعد–الحداثوي لم يعد يتحدّث عن “هويّة جمعيّة” شاملة، بل عن هويّات متعدّدة، أنا أسميها “هويّة سيروريّة متعدّدة الأوجه“. أضف لهذا، لا علاقة للنسيج الاجتماعي ووحدته وتماسكه برأيي بمسألة الوعي الذاتي (الهويّة). التماسك المجتمعي ينتج عن قرار الأفراد “الواعين لذواتهم” أصلًا ومسبقًا بالتعاقد المدني والدستوري مع بعضهم البعض وقرارهم الانضواء تحت مظلّة دولتيّة ودستوريّة اختاروا بحرّيتهم الانضواء تحتها والالتزام بها، لا بل وتشاركوا معًا وبشكلٍ متساوٍ ومتكافئ في صنع هذا الدستور وإدارة هذه الدولة المنبثقة عنه. هذا لم يتحقق بعد في سوريا في الماضي ولا يبدو لي أنه سيتحقق في المستقبل المنظور. علينا أن نفصل مسألة الهويّة (وعي الذات) (سواء الوعي السياسي، الثقافي، الديني، العرقي، الجندري، أو اللغوي) ومسألة المواطنة والانتماء الدولتي. فهما مختلفان عن بعضهما ولا يجب لإحداهما أن تتحكّم بحقوق الإنسان وواجباته أو أن تقرّره له فوقيًّا.
يختم صاحب «الله، الإنسان والشر»، حديثه معنا بالقول: إنّ الاجتماع المدني المواطني يقوم على تلاقي واجتماع الأفراد والجماعات الحرّ والتعايشي والتلاقحي، بمعزل عن الخيارات الهوويّة، ويقوم كذلك على قاعدة الانتماء الدستوري والدولتي والالتزام بهما. لافتًا إلى أننا لم نصل بعد لهذه المرحلة، وسوريا القادمة إما ستمر بمرحلة كارثيّة تفتيتيّة أو بمرحلة إعادة إحياء الوصائيّات والسلطات الفوقيّة والعرفيّة على الأفراد، قبل الوصول لها.
- بدر الدين: نحو دستور سوري جديد يضمن حرّية التعدّدية
بدوره، بيّن الكاتب السياسي والمعارض الكردي السوري البارز صلاح بدر الدين، في أنه منذ استقلال سوريا في ظلّ أوّل دستور انطلق من مفهوم – الأحاديّة القوميّة والثقافيّة – والسوريّون يبحثون عن هويّة وطنيّة جامعة، وبات البحث في تعريف الهويّة، وأعمدتها، وأسسها الثقافيّة، والاجتماعيّة، ومضامينها الإنسانيّة، وتجلياتها من بنى فوقيّة، الشغل الشاغل للنخب السياسيّة والثقافيّة والفكريّة، ولم يكن ذلك بمنأى عن جوهر الصراع المتواصل بين الحركة الوطنيّة الديموقراطيّة السوريّة من جهة والأنظمة والحكومات المتعاقبة على الحكم منذ أكثر من سبعة عقود وحتى الآن.
وذكر صاحب «الصراع في سوريا.. (النظام – الكرد – المعارضة)»، إنه في العقد الأخير الذي شهد اندلاع الثورة الوطنيّة من أجل التغيير الديموقراطي، ظهرت عملية البحث عن الهويّة السوريّة الجامعة بأجلى صورها، ليس في مجال تصحيح كتابة تاريخ سوريا والسوريّين حيث تمّ – تزييفه بدوافع عنصريّة وأيديولوجيّة – بل بإعادة تعريف الشعب السوري، وتشخيص عناصره القوميّة، والثقافيّة، وحوامله الدينيّة والمذهبيّة، والاعتراف بكلِّ ذلك وجوديًّا ودستوريًّا وحقوقيًّا في إطار الهويّة السوريّة الشاملة الى جانب الاجتهاد في اختيار الهويّة السياسيّة لنظام الحكم القادم وهذا ما نلاحظه في برامج ومبادرات ومشاريع سياسيّة متعدّدة يتمّ التنافس حولها من أجل سوريا القادمة.
صاحب «الحركة القوميّة الكرديّة في سورية.. رؤية نقدية من الداخل»، أضاف: نعم كان هناك تماسك اجتماعي شكلي وملزم في ظلّ الدكتاتورية، وقد نجد البعض من أعوان نظام البعث في كلٍّ من سوريا والعراق في عهدي – حافظ الأسد وصدام حسين – يزعمون في مجال مدح النظامين بأنهما وفرا وحدة المجتمع، ومنعا ظهور أيّ انقسام، والأصح أنهما منعا بقوة الحديد والنار والإبادة والسلاح الكيمياوي، والقمع الممنهج، ووسائل الإرهاب الدولتي، ظهور أيّ صوت مخالف، وعملا على وأد أيّ مطالب بالتغيير، وأيّ محاولة في البحث عن هويّة جديدة، وأي مساس بالحدود المرسومة من فوق.
ويؤكد صاحب «الكرد بين إرهاب الدولة القوميّة والاسلام السياسي»، على أنّ كلّ الوثائق والقرائن التي خلفتها عقود الدكتاتوريّة والظلام تشير إلى أنّ قضايا الخلاف والصراع بين غالبيّة السوريّين من جهة والنظم الحاكمة من الجهة الأخرى كانت تتركّز على إعادة النظر بالدستور، وتعريف الشعب السوري، ووجود قوميّات وثقافات متعدّدة، تُحفظ حقوقها الأساسيّة، والقوانين، وشكل النظام، ومسألة أحاديّة القوم، والمذهب، والحزب، والعائلة، وهي كلّها تدور حول بنية الهويّة الوطنيّة ومضمونها وجوهرها، الكفيلة باستيعاب كلّ السوريين طواعية تحت خيمة واحدة، على قاعدة العيش المشترك، والاتّحاد الاختياري وليس القسري.
بدر الدين شدّد في ختام حديثه معنا على أنّ الهويّة الحقيقيّة للسوريّين ليست (أمة عربيّة واحدة ذات رسالة خالدة) أو أنّ كلّ من يتكلم العربيّة فهو عربي. كما أنها ليست (الإسلام هو الحلّ) أو أنّ (الحلّ المواطني هو المطلوب)، بل تكمن في الاعتراف بدستور سوريا الجديدة بأنّ سوريا كدولة ليست بسيطة بل مركبة، ومجتمع متعدّد الأقوام والثقافات والديانات والمذاهب، ولا بدّ من ضمان حقوق الجميع وشراكتهم، إضافة الى حرّية التعدّدية الفكريّة والسياسيّة، وبذلك سيعتز الجميع بالهويّة المشتركة الجامعة، وسيدافعون عنها بالغالي والرخيص.
- الدبس: مُعالجة عيوب السياسة السوريّة بالاجتماع..
أما الكاتب والباحث الأكاديمي الدكتور مضر الدبس، صاحب كتاب «في ضوء الألم.. تفكير في بنى الاجتماع السياسي السوري»، فيقول إجابة على تساؤلاتنا: إنه على الرغم من أنّ السؤال عن وجود هويّة سوريّة جامعة يتضمّن تفكيرًا في الماضي، إلّا أنه بالضرورة ينتمي إلى جملة الأسئلة التي تستهدف المستقبل، ولذلك يبدأ الجواب عنه في تقديرنا من الأمام إلى الوراء: أي انطلاقًا من التفكير في آفاق الوطنيّة السوريّة الجامعة إلى ماضيها، وليس العكس. ولذلك أميل إلى إعادة طرح السؤال بصيغةٍ أخرى: هل سيكون للسوريّين هويّة وطنيّة في المستقبل؟ ويفترض هذا السؤال – بطبيعة الحال – تفاهمًا واضحًا وناجزًا على دلالة “الهويّة السوريّة الجامعة“، ولا أعتقد أنّ هذه الدلالة ناجزة وواضحة، بل إنّ مفهوم الهويّة قبل تخصيصه بصفة “الوطنيّة” لا يبدو واضحًا ولا تبدو دلالته واحدة. عند هذه النقطة أرى العائق الأكبر أمام تقديم الإجابة عن السؤال المطروح، وربما تبدأ الإجابة بالوقوف على ماهيّة العائق وتحديد أسبابه تمهيدًا لإزالته، ففي هذه النقطة، وعلى هذا العائق يعيش وهمًا يعطي نتائج كارثيّة، وهو الوهم بأنّ أدوات التفكير والاستنتاج ومن ثمّ السلوك مشتركة بين الجميع، وهي في الحقيقة ليست كذلك. هذا العائق بتقديرنا عائق سياسي محض.
يتابع صاحب «مفهوم المواطنة»، محللًا: يكفي أن يتابع المرء سياقات استخدام مفردة “الهويّة” ومن ثمّ عبارات “الهويّة الجامعة“، و“الهويّة الوطنيّة“، ليلاحظ أنها سياقاتٌ لم يمنع تطابق الكلمات المستخدمة في التعبير عن معناها من اختلاف دلالاتها وتوجّهاتها؛ فالهويّة الوطنيّة في السياق الإسلامي مثلًا، تختلف عن الهويّة الوطنيّة في السياق اليساري، بل يختلف مفهوم الهويّة بمجمله. مضيفًا: بالتأكيد، هذا النمط في التفكير طويل، وفيه الكثير من التفاصيل، ولكن في هذه العجالة، أذهب مباشرة إلى طرح مفهومين دائمًا أميل إلى مقاربتهما بوصفهما مفتاحي الوطنيّة السوريّة، الأوّل هو ابتكار فضاء عمومي سوري حقيقي، والثاني مراكمة رأس مال اجتماعي وطني سوري في هذا الفضاء.
وأردف صاحب «عقل الجهالة وجهل العقلاء.. في المقدس والثقافة وإشكالية العلاقة بينهما»، قائلًا: إنّ ثورة الحرّية والكرامة التي بدأ بها السوريّون في آذار/ مارس عام 2011 كانت فرصة تاريخيّة، بما تحمل كلمة تاريخيّة من معنى، لبناء رأس مال اجتماعي وطني حقيقي، في فضاءٍ عمومي متقدم ومتطوّر، بدأ بصنعه السوريّين بصورة تعاون، وتنظيم، وتنسيق العمل الميداني، وحوارات سياسيّة علنية ومفتوحة. ومن دلالات هذه الروح التي سادت في بداية الثورة، أن الوعي بأهمية “الوطنيّة السوريّة” كان بالضرورة حاضرًا قبلها، وهذا الوعي – في الأقل – هو الذي يمكن أن نراه حقيقة علمية واضحة. وبقدر ما كانت الثورة – في إحدى أكثر صورها أهميةً – تجلياً لهذا الوعي على المستوى الاجتماعي، بقدر ما كانت فرصةً مُفوَّتةً على المستوى السياسي. ومن مجمل ما يدلنا إليه هذا الإخفاق السياسي الفرضية الآتية: كان للهويّة السوريّة الجامعة قواعد اجتماعيّة ووجدانية وأخلاقيّة راسخة، ظلّت حيّة قادرة على التعبير عن نفسها على الرغم من سنين القمع والتخويف والتقسيم والتفريق التي اتبعها النظام منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، ولكن لم يمتلك السوريّون سياسةً وطنيّة قادرةً على إنتاج الوعي السياسي اللازم لتعيين هذه القيم الوطنيّة والأخلاقيّة بصورة تاريخيّة ملموسة، ولتعيينها بصورة دولةٍ وطنيّة سوريّة. وبالنتيجة الأوّليّة في هذه العجالة: كان الوعي السياسي بالهويّة الوطنيّة السوريّة بكُلّيّته وعيا مفوّتًا، ولو لم يكن كذلك لمّا فوّت هذه الفرصة التاريخيّة لتحقيق ما حلم به طيلة حياته: ما نريد قوله إنّ المعارضة التي كانت جناح الثورة السياسي منعت تحليقها على المستوى الوطني، وذلك بسبب عيب بنيوي في هذا الجناح. وخلاصة القول، من أجل الماضي والمستقبل معًا، من الضروري أن نُعالج عيوب السياسة السوريّة بالاجتماع السوري المُتعين في فضاءٍ عمومي، وأن يكنس العمومي النخبة السياسيّة كلّها.
[/fusion_text][/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]
بواسطة لامار اركندي | مايو 19, 2021 | Culture, غير مصنف
تدور أحداث الفيلم السوري “رضا” وفقاً للمخرج السوري الكردي ياسر حمزة في قرية “سيكركى” في ريف مدينة القامشلي شمال سوريا. يحمل الفيلم اسم بطلته رضا وهي امرأة في الخمسين من العمر لينقل لوحة مأساة تمثل وجهاً من وجوه الحرب السورية وأزمتها.
وفي حديث خاص، يقول المخرج حمزة إن رضا أرملة عاشت بعد وفاة أمها وخالها بمفردها في كوخ طيني متهالك الجدران على أطراف قريتها وحيدة لا تملك أوراقاً ثبوتية في السجلات المدنية للدولة.
خاضت رضا معترك الحياة وكونت عائلتها الخاصة، فكانوا سندها في رحلة الصراع مع الوحدة فصنعت دمية بنفسها أسمتها زوزان وضمت لأسرتها الجديدة كلباً أسمته صورو إضافة إلى قطتها المدللة وملهمة صبرها عزيزة.
ولتأمين لقمة عيشها، يوضح حمزة أن رضا اعتمدت على دجاجاتها وبيع بيضهم لكسب دخل مادي إضافة لتوفير قوت يومي لنفسها ولعائلتها الجديدة.
تكريم عربي
وفي السابع من شهر نيسان (إبريل) الفائت، أعلنت إدارة مهرجان البحرين السينمائي أسماء الفائزين في فئات مسابقتها التي أقيمت بصورة استثنائية راعت الاجراءات الاحترازية وضوابط التباعد الاجتماعي بسبب تفشي فيروس كوفيد19. ومن أصل (450) وافقت إدارة المهرجان على مشاركة (92) فيلماً في الفئات الخمس للمسابقة وهي الأفلام الروائية القصيرة، والوثائقية، وأفلام التحريك، وأفلام المرأة إضافة الى أفلام الطلبة.
ورشح فيلم رضا من بين 20 فيلماً للقائمة القصيرة للجائزة التي شهدت تنافساً قوياً للمستوى العالي للأفلام المشاركة من حيث مضامينها وجودتها التصويرية. وبين ياسر حمزة أنه المخرج السوري الوحيد الذي شارك في قائمة الأفلام الوثائقية التي بلغت 33 فيلماً قدمت من 18 دولة.
وكرم مهرجان البحرين السينمائي في دورته الأولى المخرج السوري الكردي ياسر حمزة بجائزة (دورة فريد رمضان) التقديرية والتي حملت اسم الروائي والسيناريست البحريني الراحل فريد رمضان تكريماً لدوره الرائد في الإنتاج السينمائي، وتقديراً لجهوده في تقديم نصوص الأفلام السينمائية إضافة لدعمه خلال مسيرته الفنية كجزء من دعم الطاقات السينمائية الواعدة في البحرين والعالم العربي.
وحاز فيلم “رضا” على شهادة تقدير من إدارة المهرجان قسم الأفلام الوثائقية تكريماً للمستوى المتقدم لتقنية الصورة وللقفزة التكنولوجية المميزة التي ظهرت على مستوى الصورة والإخراج ونوعية الإنتاج ولقيمة قصة الفيلم الإنسانية.
وضمت لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية للمهرجان: المخرجة الإمارتية “نجوم الغانم”، والناقد السينمائي البحريني “حسن حداد”، والأستاذ في جامعة البحرين “محمد السيد”.
مهرجانات وتقديرات
ونوه المخرج الشاب إلى أن فيلم “رضا” شارك في العديد من المهرجات العربية والدولية ومنها: مهرجان النهج السينمائي بالعراق، حيث رشح للقائمة القصيرة لأفضل فيلم وثائقي، و مهرجان “بي يوند” الدولي للأفلام القصيرة.
إضافة لذلك نال ياسر حمزة شهادة تكريم من مهرجان كركوك بدورته الثانية لعام 2021 تقديراً لمسيرته المهنية الممتدة لأكثر من 25 عاماً.
وعن آخر أعماله تحدث ياسر حمزة لسكاي نيوز عن إنهائه لفيلم تسجيلي بعنوان “أميرة” بالتعاون مع المخرجة رنا شاهين ويعمل حالياً على فيلم تسجيلي آخر بعنوان “لن ترى” مع المخرج أحمد عرفات.
من هو ياسر حمزة
ينحدر المخرج ياسر حمزة 43 عاماً من مدينة القامشلي. وكان قد بدأ مسيرته المهنية في مجال الإعلاموالاخراج كمصمم لوحات إعلانية للمحال التجارية ومصوراً فوتوغرافياً. وبعد إنهاء الخدمة العسكرية انتقل حمزة إلى دمشق وعمل بصفة مونتيراً ومصوراً مع شركة مرح للإنتاج الفني لأربع سنوات، قبل انتقاله بصفة مدير فني ومونتير ومساعد مخرج في شركة شيخاني للإنتاج الفني.
وعمل حمزة أيضاً مع العديد من الأقنية العربية والمخرجين العرب. ومن الأعمال الفنية التي شارك بها: مسلسل رحلة المليون للمخرج الأردني سالم الكردي و لقناة أبو ظبي؛ ومسلسل هوامير الصحراء بجزئية الثاني والثالث لقناة روتانا للمخرج أيمن شيخاني؛ ومسلسل “جاري يا حمودة” مع المخرج وليد العاقل لقناة (MBC). هذا إضافة لمسلسلات عديدة أخرى منها: بيني وبينك (فكاهي)، ومسلسل انباع الوطن (سياسي كوميدي)، ومسلسل الساكنات في قلوبنا (دراما)، وغيرها.
كما أخرج العديد من الكليبات العربية لفنانين من أمثال عامر الغريب، لبنى كمر، حسام طه، وغيرهم.
ويذكر أيضاً أن ياسر حمزة أخرج أفلاماً وثائقية عدة إضافة لفيلم “رضا” وهي “على عتبة الطفولة”، “وعد”، و”زوارق في الظلام”.
بواسطة Noha Alhasan | مايو 17, 2021 | Cost of War, غير مصنف
الفقر وانعدام الأمن والاستقرار هو ما دفع أبو عمر (٤٥عاماً) من معرة النعمان لتزويج ابنته نسرين (١٧عاماً) من أول متقدم لخطبتها، وكان مقاتلاً مهاجراً يعمل ضمن أحد الفصائل العسكرية في المنطقة، لكن هذا الزواج لم يدم طويلاً فقد عادت نسرين إلى بيت أهلها بعد عام من زواجها بصحبة طفلها وذلك بعد أن انتقل زوجها للقتال على إحدى جبهات ريف حلب، ومنذ ذلك الحين انقطعت أخباره بشكل نهائي، وقد تعددت الروايات بين مقتله وعودته إلى بلده.
نسرين واحدة من نساء كثيرات في إدلب وريفها وقعن ضحية الزواج المجهول من مقاتلين مهاجرين وأجانب، حيث بدأت تنتشر ظاهرة زواج النساء السوريات من المقاتلين الأجانب الذين بدأوا بالتوافد إلى سوريا منذ بداية النزاع للمشاركة في القتال، وانضموا إلى الفصائل الإسلامية المسلحة المقاتلة في المنطقة وهؤلاء المقاتلون سرعان مابحثوا عن الزواج بعد شعورهم بأن بقاءهم في سوريا سيستمر لسنوات طويلة، لتقع كثير من النساء ضحايا الظروف الصعبة بعد مقتل الزوج أو اختفائه، ما يؤدي إلى أن تعيش هؤلاء النساء مع الأطفال الناتجين عن هكذا زيجات.
حياة اجتماعية واقتصادية بالغة الصعوبة والتعقيد
أجبرت الظروف الثلاثينية رزان العبد من بلدة بنش على القبول بالزواج من أحد المقاتلين المهاجرين، فقد تقطعت بها السبل بعد وفاة والديها في غارة جوية، وبقيت وحيدة تتنقل بين بيوت إخوتها، وتقول رزان عن تجربتها: “كنت دائما أشعر بأنني عالة على الجميع، وبسبب تقدمي بالسن وافقت على الزواج بمقاتل يعمل ضمن فصيل هيئة تحرير الشام ويكنى بأبي طلحة الليبي وهذا كل ما أعرفه عنه، لأنه كان دائماً يتهرب من أي سؤال يخص تفاصيل حياته، ويغضب إذا سألته عن نسبه واسمه الحقيقي متذرعاً بأسباب أمنية، فكنتُ أخفي انزعاجي كونه كان يعاملني معاملة طيبة، استمر زواجنا قرابة العامين والنصف رزقت خلالها بطفلين.“
تصمت رزان قليلاً ثم تتابع بغصة : “خرج أبي طلحة في إحدى المعارك ليأتيني بعدها خبر وفاته، وجدتُ نفسي وحيدة مع طفلين مجهولي النسب، فبدأت أعمل في الأراضي الزراعية طوال النهار من أجل تأمين قوتي وقوة أطفالي الذين ليس لديهم معيل.”
تبين رزان بأنها دفعت ثمن قبولها بهذا الزواج الذي دمر حياتها، وأكثر ما يؤلمها ويشكل الهاجس الأكبر في حياتها هما طفلاها اللذان سيحرمان من جميع الحقوق المدنية في التعليم والتملك والرعاية الطبية والهوية كونهما دون نسب أو أوراق ثبوتية.
وإذا كانت رزان هي من وافقت على هذا الزواج بمحض إرادتها، فإن معظم حالات الزواج التي جرت في الشمال السوري لم تكن فيها الفتاة صاحبة القرار في اختيار شريك حياتها، حيث يقوم الأهل بتزويج بناتهم حتى دون أخذ رأيهن في كثير من الأحيان وهو ماجرى مع القاصر رولا (١٦عاماً) التي أجبرها والدها على ترك المدرسة بعد نزوحهم من بلدتهم خان السبل وإقامتهم في خيمة قماشية في بلدة كفرلوسين على الحدود السورية التركية. قام والد رولا بتزويجها من أحد أصدقاء أخيها المجاهدين ضمن صفوف جبهة النصرة وهو رجل سعودي ويكبرها بخمسة وعشرين عاماً، وذلك للتخلص من مصروفها والستر عليها في ظل حالة الفوضى والفلتان الأمني الذي يسيطر على المنطقة، ولاعتقاد الوالد أن هذا الزوج سيضمن لابنته حياة مرفهة، خاصةً وأن العريس السعودي رجل غني وراح يغدق عليها وعلى أهلها بالأموال والهدايا. وظن والد رولا أيضاًبأن وجود هذا العريس بقربها وقرب أهلها سيؤمن لهم الحماية والسلطة في مجتمعهم، إلا أن اعتقاداته كلها كانت خاطئة، فبعد الزواج راح الزوج يعامله رولا معاملة قاسية، فكان متشدداً في كل الأمور، وألزمها بوضع النقاب، وحرمها من الخروج من المنزل أو حتى زيارة أهلها، وكان يعنفها باستمرار لصغر سنها وجهلها بمسؤوليات الزوج والبيت، وفوق ذلك كله طلقها بعد أن أنجبت منه طفلة، وعادت إلى خيمة أهلها مكسورة الخاطر مع طفلة مجهولة النسب ومحرومة الحقوق.
حملة “مين زوجك؟”
وردا على انتشار هذه الظاهرة أطلق ناشطون في إدلب حملة “مين زوجك؟” في عام ٢٠١٨ بهدف توعية النساء بمخاطر هذه الزيجات عليهن وعلى أطفالهن، وذلك من خلال فرق عمل موزعة على القرى والبلدات.
وتتنوع الأسباب والدوافع التي تحتم على الأهالي القبول بتزويج بناتهم مثل هذه الزيجات وقد أوجزتها الخبيرة الاجتماعية هدى العوض (٤٧عاماً)من مدينة إدلب بالقول: “أهم تلك الأسباب تكمن في الجهل وقلة الوعي، بالإضافة للفقر المدقع والحالة الاقتصادية السيئة التي تعصف بالأهالي، فضلاً عن عزوف معظم الشباب السوريين عن الزواج لما فيه من تكاليف باهظة في ظل البطالة وصعوبة تأمين فرص العمل ما أجبر معظم الشباب على الهجرة بحثاً عن الأمان والرزق. وهو ما يفسر كثرة هذه الزيجات التي تنتهي بالفشل غالباً أو بالطلاق أو مقتل الزوج أو تركه لعائلته والانتقال إلى أماكن أخرى بحكم تنقل تنظيمه المستمر، أو عودته إلى بلده الأصلي تاركاً خلفه عائلته وأطفاله، لتبدأ بعدها رحلة الضياع.
ويشرح المحامي نضال العمر (٤٠عاماً) من معرة مصرين في حديث خاص الأثر القانوني المترتب على زواج السورية من أجنبي بقوله: “الزواج يجب أن يكون مبنياً على الوضوح ومعظم هذه الزيجات تتم خارج نطاق المحاكم الشرعية، وغالباً دون أن يفصح المهاجر عن اسمه الحقيقي، والاكتفاء بالكنى والألقاب والأسماء المستعارة، وهذا الغموض يعتبر من محرمات الشريعة الإسلامية ومن مفسدات الزواج.”
وأكد العمر بأن المحاكم الشرعية المنتشرة في الشمال السوري لا تعترف بالزواج من أشخاص مجهولي الهوية، ولا تقر بتثبيت نسب الأطفال، الأمر الذي يترتب عليه حرمان هؤلاء الأطفال من أبسط حقوقهم وهي الجنسية والنسب والعائلة، ما ينذر بأنهم سيواجهون حياة صعبة بكل ما تعنيه الكلمة.
ويقترح المحامي كحل لهؤلاء إقرار قانون يسمح للأم السورية بمنح جنسيتها لطفلها وهو ما لم يحصل حتى اللحظة.
ووفقا لإحصائيات حملة “مين زوجك” فقد بلغ عدد النساء المتزوجات من مقاتلين أجانب حتى آذار ٢٠١٨حوالي ١٧٣٥سيدة، ونتجت زيجات ما يقارب ١١٢٤ امرأة من هؤلاء النساء عن أطفال والذين يُقدر عددهم بحوالي ١٨٢٦ طفلاً.
بواسطة Mouaz Laham | مايو 13, 2021 | Cost of War, Culture, غير مصنف
الساعة الثانية ظهراً، الشمس كرة من نحاس أحمر، نسمة خفيفة غربية، والسيارات ليست كثيرة في هذا اليوم على طريق المطار. ذلك ما لاحظه محمد من موقعه في الصف الأخير من المدرج.
على منصة الشرف المسقوفة في الملعب البلدي الصغير في جرمانا، جلس عشرات الأشخاص، رجال نساء وأطفال. لم تكن هناك أية مباراة، والأطفال يقفزون كالكرات فوق العشب الصناعيّ على أرضية الملعب. الكبار كانوا ساهمين يحدقون في الفراغ، ويراقبون المشهد ببياض عيونهم، ويتدربون على الانتظار.
محمد، ممسك جواله القديم بيد، وسيجارة الحمراء الطويلة ترفض أن تنتهي بين أصابع يده الأخرى، وعيناه لم تعد تريا إلا أمواجاً سائلة، وأشياء ضاعت معالمها في النظرة الرطبة.
كانوا من الذين خرجوا من بيوتهم، ونزحوا إلى جرمانا. ظنوا أن القصة مسألة أيام، وأصبح الوقت من المطاط. تم تجميعهم وإيواءهم مؤقتاً، تحت مدرجات منصة الشرف في الملعب، حيث توجد غرف للكوادر الرياضية، وغرف لتبديل ملابس اللاعبين وحمامات مشتركة. الآن، أصبحوا هم الكادر كاملاً، وهم وحدهم اللاعبون الأساسيون. وأصبحت كلمة، مؤقتاً، الكلمة الأثقل وزناً في ضمائرهم المثقلة.
فتح محمد جواله، تأكد من وجود تغطية، وأشعل سيجارة أخرى. رن الهاتف رنة قصيرة، نظر باتجاه أطفاله فوق أرض الملعب. إنها زوجته تذكره بأن لا ينسى جلب حصتهم من الطعام.
الساعة الثالثة بعد الظهر، الشمس غيرت قليلاً من زاويتها، أصبح ظل المنصة أكثر طولاً، إلا أن الأطفال ما زالوا في الشمس. إنها ساعة توزيع الطعام. اجتمع الأطفال والنساء وبعض الرجال، حاملين قدورَهم، وصفائح الماء. كان غداء اليوم مؤلفاً من الأرز، حساء الفاصولياء مع البندورة، وربطة خبز.
أعطى محمد حصتهم من الطعام لزوجته، وعاد إلى المدرجات، يدخن ويتابع عد السيارات المارة على طريق المطار غير البعيد.
نزح محمد وزوجته وأطفاله الثلاثة، من قرية ليست ببعيدة عن جرمانا. وفكر لو أن المدرجات أعلى قليلاً، لاستطاع رؤيتها. غير أن المدرجات كانت أقل ارتفاعاً من مخيلته. كان يمتلك محلاً لتصليح الأدوات الكهربائية والإلكترونية، وعندما خرجوا فجراً من المنزل، بقي رجاء زوجته معلقاً في رأسه إلى الآن:
” عدني بأننا سنعود”
في تلك الليلة، كان صوت تكسير الزجاج في بيته يغطي على صوت الرصاص في الخارج. أخذت زوجته بتكسير كل الأواني الزجاجية، وتقلب كل ما تطاله يداها، كانت تصرخ، تبكي، وتكسر. ومع كل صحن يتفتت، تتفتت هي، إلى ملايين القطع. وعندما رجاها محمد بألا تفعل ذلك، قالت:
“لا علاقة لك، اتركني أفعل ما أشاء”
” لكنكِ سترعبين الأطفال النائمين”
“ألم يرتعبوا إلى الآن؟ وهل ناموا أصلاً؟ لقد قضوا الليل وهم يجفلون من صوت القذائف والرصاص”
” أرجوكِ، توقفي عن التكسير”
” أريد أن أحطم كلّ شيء، هل تسمع؟ كلَّ شيء. أليست صحوني، كؤوسي؟ أليس هذا جهاز عرسي؟ أتذكّر كل قطعة، كيف وفرتُ ثمنها واشتريتها. وكيف لمعتها ووضعتها في الفيترينة. ألا تذكر أنت؟..أنا أتذكر، كل قطعة لي معها قصة: الستائر، الصمديات، الطربيزات، طقم السفرة والكراسي، السجادة وحتى نزّالات الطعام. لي معهنَّ قصة: ثيابي، ثياب أولادي، ثيابك. قصة ماذا؟ قصة حب إذا شئتَ. والآن يريدون منّا أن نخلي البيت، بيتنا، وأن نخرج بثيابنا فقط. أريد أن أكسر كلَّ شيء، اريد أن أمزق حتى الثياب”
” أرجوك، يكفي”، وكان يبكي
“هل تصرخ فيَّ؟”
” أصرخ فيكِ ، فيّ، وفي كل العالم. لا أتذكر!! بلى أتذكر، ماذا تريدين مني أن أفعل؟ أحطم الجدران، أحرق الأبواب والنوافذ. أليسَ هذا بيتنا، بيتي، بيتكِ، بيت أطفالنا. هل أهدمه بيديّ؟”
تضحك زوجته بهستيريا وتقول:
” بيتنا؟ بيتي؟ بيتك؟ بيت الأطفال؟ والآن لم يعد كذلك”
“إنه بيتنا، وسيبقى، وسوف نعود إليه، ليست لنا علاقة بأي أحد، ولم نرتكب أي خطأ، ولن نذهب بعيداً. مسألة أيام فقط، وسيبقى كل شيء على حاله. ألا ترين هذه الشراشف؟ سأغطي بها كل الأثاث، والأجهزة، ولن تتلفها الغبرة. كل شيء سينتظرنا حتى نعود، سيحتفظ برائحتنا فيه، ورائحته فينا”
” نعم سنعود، ولن نجد لا رائحتنا ولا رائحته”
تصمت قليلاً وكأنها تأخذ نفسَاً:
” هل ترى ما هو مرسوم على هذه الصحون؟ “
“روميو وجولييت”
“كانوا عشاقاً؟”
” نعم”. وكان يكاد يلمس هدوءاً في صوتها، فيشرق قليلاً.
” أتذكر من أين جلبتَه؟”
” أذكر، من لبنان”
” إنه جديد وما زال في علبته”. تخرج الطقم كاملاً من العلبة. وتتابع:
” لن يكون هناك أصدقاء في السهرة، ولن نقدم الحلويات في هذه الصحون” . تضربه في الأرض وتتحول الصحون إلى طحين زجاجي.
“أرجوكِ”
” هل ترى هذه النرجيلة؟ طويلة مثل زرافة من كريستال. اشتريتها من الحميدية لكي نضعها على الشرفة وندخن. لا أريد أن أسمع صوت نفسَها في صدر أي أحد. هل تسمع. في صدر أي أحد”
وتنفجر النرجيلة.
” أرجوكِ، يكفي”. قالها بلا صوت.
“لا يكفي، الثياب، ثيابي، ثياب الأطفال، لا أريد أن أراها على أي جسد غير أجسادنا والصور، صورنا على الجدران والرفوف، سأحرق كل شيء..”
” الصور لا. سأخفيها في الحقيبة”
وبعد دقائق من صمت حاد. قالت:
“عدني بأننا سوف نعود”
جاء رنين الهاتف، الآن، برنة طويلة ينقذه من ذكريات تلك الليلة، ومن وعده أيضاً.
كانت الأخبار التي تلقاها جيدة، ولأول مرة، منذ ثلاثة أشهر، يرى بياضاً ضمن كل هذا السواد الذي أحاطهم منذ خروجهم في فجر تلك الليلة. لقد تمت الموافقة على تشغيله في معمل لتجميع الأجهزة الكهربائية براتب جيد.
ألقى نصف السيجارة، وهبط الدرجات قفزاً. على باب غرفة الحارس الأمني لمركز الإيواء، استوقفه المسؤول، أخبره بأنه يتعاطف معه، وأنه يسعى جاهداً لمساعدته في الحصول على الموافقة الأمنية التي تمكنهم من الخروج من المركز واستئجار منزل. لكنه قال بأن الأمر يحتاج إلى مبلغ من المال، ليس له بأية حال فهو يعتبر نفسه كأخ، وإنما لأشخاص مسؤولين عن ذلك ويتعاطفون معه أيضاً، وكل ما كان الدفع بشكل أسرع كان ذلك أفضل له. ومستمداً ثقة إضافية من الخبر الذي تلقاه للتو، ضمن محمد له ذلك، وأخبره بأنه سيدفع له فور استلامه الموافقة، وأن المبلغ جاهز.
“هذا ما كنت أريد سماعه”. قال الحارس.
وضغط على يده بقوة، كشعور متبادل بالتضامن.
كانت غرفتهم هي الأخيرة ضمن صف غرف تبديل الملابس، وكان الممر مملوءاً بحبال غسيل وثياب وشراشف وكأنه سفينة شراعية. وهواء مملوء بالدوار.
في غرفتهم، كان اللون الرمادي هو المسيطر، ككل الغرف. فرشات وبطانيات رصاصية من تلك التي توزعها الأمم المتحدة، بالإضافة إلى بعض الأشياء الضرورية الأخرى التي اشتراها بسعر رخيص من سوق الأشياء المستعملة. من ضمنها تلفزيون سيرونكس ملون 14 بوصة مع جهاز استقبال، كان التلفزيون مخصصاً لمشاهدة برامج الأطفال والأخبار، حيث ضمن له الحارس خط من الصحن اللاقط الخاص بغرفة الحراسة مقابل مبلغ من المال.
كانت زوجته وأولاده يتناولون طعامهم عندما دخل، ولمحت زوجته ظل ابتسامة وتغير في لون وجهه، حدقت فيه مطولاً، لم يستطع أن يصمت أكثر، أخبرها أولاً بخبر تشغيله، نهضت، احتضنته، عندها أخبرها بأمر الموافقة الأمنية. همست له:
” أخرجنا من هنا بأقصى سرعة”
ناولته صحناً أبيض مصنوعاً من الميلامين وملعقة. سكبت له الأرز مع الفاصولياء، وكانوا يتناولون الطعام بصمت. وشعر بمرارة فمه نتيجة التدخين المستمر.
قليلة هي المرات التي خرج فيها من الملعب، كان يشعر، في كل مرة يخرج فيها، أن الشوارع ترفضه، أن الجميع سيعرفون بأنه مهجَّر، بأنه غريب. على دوّار المصارف، القريب من الملعب، جلس على حافة رخامية، كان عدد المارة قليلاً، وخطر قذائف الهاون مازال مستمراً. كان يدخن وينظر إلى الأسفل، وكأنه لا يريد أن يعرفه أحد، أو أن يتعرّف إلى أحد.
رنَّ هاتفه للمرة الثانية اليوم، كانت المكالمة قصيرة، حادة ومؤلمة.
في تلك الليلة، بعد أن تركت زوجته ما لم تقوَ على تكسيره، خرجوا خمستهم فجراً، كأشباح، مشوا مع الناس التي تمشي باتجاه نقطة التجمع، أشباح تشبههم أيضاً، ومع كل خطوة كان البيت يبتعد حتى أصبح شبح بيت. ومع اتساع الضوء، كان المئات من الناس، يحملون حقائبهم، أمتعتهم وأولادهم ويسيرون. سيارات صغيرة وكبيرة، باصات وسيارات شحن، كلها مملوءة بحشد لا يعرف الطريق. كان التكهن سيد الحفلة.
على معبر الخروج انتظروا أربع ساعات حتى فرغ الجنود من تدقيق كل شيء، وكان هناك تعب وجوع وصراخ ونفاد صبر.
على الحاجز الآخر، انتظروا وقتاً أطول، وشوطاً جديداً من التدقيق. في حدود الرابعة عصراً وصلوا إلى مأواهم الأخير في الملعب البلدي الصغير في جرمانا. باقي الناس تقاسمتهم مراكز الإيواء.
أشعل سيجارة جديدة، نظر إلى السماء، كانت صافية ونفس النجوم كان يراها من سطح بيته. شعر بأنه لا بد وأن يبدأ من جديد، وأن يخفي أمر المكالمة عن زوجته خشية أن يفسد عليها فرحها البسيط هذا اليوم. كانت المكالمة قصيرة وحادة:
لقد أصيب بيتهم بصاروخ، وسوّي بالأرض والتهمت النار كل شيء.
بواسطة رنيم غسان خلوف | مايو 11, 2021 | Roundtables, غير مصنف
* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “في العقد الجديد، إلى ماذا يشتاق السوريون؟“
“مشتاقة لشارع النهر بدير الزور، لمدرستي، لبيتي، لرفقاتي، مشتاقة لمجتمعي أنا اليوم بلا مجتمع. مناسباتنا صارت مأتم منتذكر فيها إننا بحالة نزوح دائمة، بشتاق لأتسوق من الدير.” هذا حال آلاء ابنة دير الزور التي أجبرتها الحرب على ترك مدينتها والاستقرار بدمشق، دمشق التي كانت تحبها، لكنها لا تعني لها اليوم أكثر من مجتمع أجبرت على الاستقرار به.
“مشتاقة لأيام زمان، مشتاقة ارجع ربة منزل، مشتاقة لأيام زمان.” هذا حال رشا 35( عاماً) والتي تعمل في تنظيف البيوت منذ أن هُجِرت من منزلها المنظم في ريف دمشق، لغرب العاصمة حيث العشوائيات.
تنهدت رشا بنفس خرج من منتصف الصدر، تلته ابتسامة خفيفة مع دمعة سقطت سهواً، لتعقب ماذا ينفع الحنين غير القهر!
منذ أول سنوات الحرب في سوريا، يتردد على لسان أبناء المجتمع كلمة: “اسئالله، اسقالله، رزق الله”، تختلف اللكنة المحكية، لكن المعنى واحد والمضمون رغبة من القلب للعودة إلى ماقبل2011، في هذا التقرير أقدم تقريراً حول بعض مايشتاقه السوريون اليوم.
مصيبة الذاكرة الواعية!
عاشَ السوريون مرحلتين من الحياة في البلاد، وخصوصاً جيل الثمانينات على حد تعبير بعضهم، الجيل الذي ذاق ويلات “أحداث الإخوان المسلمين”، وعندما بدأ الشباب يلوح له بأفق الحياة عاشوا ويلات الحرب الحالية. في لقائي مع عدد من السوريين في دمشق ومدن وأرياف أخرى، اختلفت الإجابات عند سؤالهم إلى ماذا يشتاقون؟ ومن مصباح علاء الدين كلٌ منهم طلب مكنوناته الداخلية، أبو محمد تاجر خضار و فواكه يعيش بمنطقة العشوائيات “المزة 86″، اشتاق لأن يعود كيلو البندورة بـ 5 ليرات سورية، والموز بأغلى أثمانه عام 2010 بـ 250 ليرة سورية. بينما تشتاق مها وهي صحفية من ريف دمشق: “للخير اللي كان بالناس قبل 10 سنين”. ولو خرج لها مصباح علاء الدين يوماً، فستطلب منه أن يزيل العشر سنوات السابقة من حياتها.
بينما تعقب لما صحفية من مدينة طرطوس على حديث مها قائلةً: “بشتاق لـ2010 لوقت كنا نقول فيه أنا الصحفية الفلانية وفوراً يقولوا تفضلوا”! وتتشابه معها في طلبها من المارد السحري.
مع كل سنة تعارك سورية حرباً جديدة اقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً، وتزيد حالة الحنين إلى الماضي (النوستالجيا)، كمدخل للهرب من الواقع، ذلك تماماً الذي شبهه محمود درويش بأنه استرجاع الفصل الأجمل في الحكاية، تشير الاختصاصية النفسية الدكتورة رندة رزق الله: “أن البشر مسكونون بالماضي، هي حقيقة لا يمكن إنكارها، فالإنسان يتميز عن باقي المخلوقات بالذاكرة الواعية، والذاكرة الانفعالية، أي تلك الذاكرة التي تسترجع الأحداث كصور وإحساس، فكل حدث يعيشه الإنسان يترافق مع حالة انفعالية، ويخزنه في مراكز الذاكرة الواعية، التي تتذكر تسلسل الأحداث والأسماء والأماكن والأشكال. مركز الذاكرة الانفعالية مسؤول عن مشاعر كالفرح والحزن والغضب والقرف وغيرها، لذلك عندما يشعر الناس بالحنين إلى الماضي
أي إلى العواطف والحالة الانفعالية التي رافقت أجزاء من ذلك الماضي كأماكن محددة، وصور، وأشخاص، وروائح وطعام وجلسات معينة، والإحساس بالفرح والراحة والأمان في الماضي. لذلك عند استرجاع الذكريات يشعر الفرد بمزيج من المشاعر بين الحزن لفقدانها والفرح لتذكرها، ووفق بنية الشخص النفسية يتم التفاعل مع هذه الذكريات؛ فالمكتئب يستدعي الذكريات ويحن للماضي حزيناً على فقدانه ومبرراً كآبته الحالية.”
ربما هذا مايبرر سبب شعور الكآبة التي تعيشه أم فادي وهي من ريف حمص، حيث هاجر كل أبنائها إلى أوروبا، وبقيت مع زوجها في منزل فيه 4 غرف. ومع ضحكة مصطنعة تقول إنه لو لديها مصباح علاء الدين فستطلب منه أن يعودَ كل أبنائها وتعود لتطبخ بأكبر طنجرة لديها.
يُردد كثير من الناس في سوريا خلال أحاديثهم اليومية عبارات تحسد من فقد الذاكرة من مثل: “أحسنلوا ماعد تذكر شي،” كمؤشر على رغبة الناس على الهروب من الحاضر.
رزق الله ع العربيات!
“يالطيف وين صرنا”! جملة تسمعها صباحاً أمام طابور للحصول على إحدى الحاجيات الأساسية كالخبز، أو خلال ساعات الانتظار لوسيلة نقل ما، وفي هذا السياق يشتاق فجر ابن مدينة السويداء وخريج الفنون الجميلة، لأن يجلس في “السرفيس بكرامة” كما قبل 2011، ويشتاق لأن يدفع 100 ليرة أجرة التكسي، ويضيف: “رزق الله ع العربيات”. بينما اشتاقت صفاء من الحسكة لطفولتها الهنية يوم كانت أقصى الهموم شراء لعبة أطفال جميلة. أما آية ابنة ريف جبلة فتشتاق لجمعات العائلة والحنان الموجود سابقاً في بيوت الأجداد، وتشتاق لأقرباء شباب توفى الله بعضهم والآخرون هاجروا. هنا لا يمضي يوم على المواطن السوري دون ذكر قبل الحرب، والشوق، الغالبية يشتاق لبيت هجره، وأخٍ فقده، وأصدقاء هاجروا، لحب سببت الحرب بانتهائه بالانفصال عنوةً بسبب تطرف المواقف أو تطرف القدر الذي أفقد أحد الطرفين حياته، وهذا شعور المهندسة هلا (33 عاماً) والتي تشتاق لحبيبها السابق الذي أخذه القدر منها في معارك إدلب، وبالطبع في الضفة الأخرى صبية تستذكر حبيباً كان ضحية ذات الجبهة العسكرية.
ما بشتاق!
يهرب البعض من التفكير بالماضي القريب رغم ندرتهم، تشير فرح (27 عاماً) وهي مدرسة لغة إنجليزية، أن فترة قبل الحرب هي مرحلة زمنية بعيدة جداً، لا تستطيع أن تعود بذاكرتها لها، لأنها ستمر على مرحلة القذائف والمفخخات في العاصمة وغيرها. بينما لا تحن آية (25 عاماً) من مدينة حلب لشيء أبداً قبل الحرب، لذلك تحاول أن تفكر بيومها فقط. وهنا تنوه الاختصاصية النفسية رندة رزق الله أن في الحروب يعيش الإنسان حالة مؤلمة لا يرغب بشيء سوى الخلاص منها، وخصوصاً الشباب والشابات الذي يكون ماضيهم مكوناً من سلسلة أحداث مؤلمة ومخيفة ومقلقة لن يفكروا بالعودة إليها يوماً، وستبقى بقعة سوداء مظلمة يسعون كل باقي حياتهم للتخلص من آثارها. وتنوه رزق الله إلى أن للحرب أيضاً دورها في حالة عدم الشوق الذي يعيشه بعض الناس عبر حالة انفصال عن الماضي وكأنه صدمة متطاولة، غير معروفة النهاية، وهذا تماماً ما كانت تعانيه رشا (40 عاماً) وهي تعمل كربة منزل وتؤكد أنها لا تشتاق لشيء فلم يكن هناك شيء جميل سابقاً ولا اليوم سوى ابنها التي تربيه “كل شبر بندر”.
شبيك لبيك!
في قصة مصباح علاء الدين يصيح المارد من شاشات التلفزيون “شبيك لبيك أنا بين إيديك”، ليأخذ المشاهدين بالخيال لمشهد محبب، لكن جلّ طلبات من التقيناهم لو صادفوا مارد مصباح علاء الدين في حياتهم الواقعية اقتصرت على أمنية الاستقرار الاجتماعي، والعودة لبيت دمرته الحرب، والعودة لزمن فيه قيمة شرائية للخمسين والعشرين ليرة . وفي هذا السياق تُشير الاختصاصية الاجتماعية سمر أيوب أنه في حالات الحرب والفقدان تكون العودة للماضي مريحة للتكيف الاجتماعي بالحاضر، وخصوصاً إن شاهد المرء أو صادف عزيزاً على قلبه، لكن أحياناً تحتاج هذه المرحلة الشوق والحنين للماضي “النستولوجيا” لتدخل الاختصاصي النفسي.
منذ عشر سنوات، كان الحنين في سورية يقتصر على الاشتياق لطبخة تراثية في قرية أو مدينة سورية، نسيتها النساء حديثات العهد بسبب تطور الثقافات واختلاطها. في ذلك الزمن كان حنين العشاق يقتصر على جلسة سمر مع أم كلثوم وحبر رسالة على ورقةٍ بيضاء دون مسنجر وماشابه ذلك من طقوس رومانسية. أما منذ سنة 2011 وحتى الآن فتغير الحنين مع رياح البلاد السياسية وأصبح لأشياء تبدو بعيدة المنال لكنها كانت اعتيادية عقداً مضى من الزمن.