سيكولوجيا الحشد والطاعة: كيف يتحوّل الجمهور إلى قاتل؟

سيكولوجيا الحشد والطاعة: كيف يتحوّل الجمهور إلى قاتل؟

“الشعب” تلك الكلمة المقدسة التي ناءت بما حُمّل عليها من معان ومسؤوليات، وما يقابلها من مفردات بذات المعنى، “الشعب الذي يعرف طريقه”، الحشد الجماهيري أو “الجمهور”، البوصلة التي تنتهي عندها غايات السياسيين والمفكرين وما يتغنى به البعض من أنه نبض الحقيقة وصوت الشارع الصارخ بالحق وما إلى ذلك. هـذه الكلمة تُعالج بشكل مختلف في كتاب جديد  لنبيل ملحم صادر هذا العام يأتي بما يناقض هذا المفهوم ويفكك بنية وسلوك الجمهور” ذاك الحشد الذي لا يرى ويحلل عميقًا تحولاته متنقلاً بين الأدب والسياسة وعلم الاجتماع بروح الروائي الذي يستحضر ما ثبت في ذاكرته الخصبة من نتاجات سابقيه. 

يستند بداية إلى كافكا في نص “المحاكمة” ففي قلعته تكون السلطة غير مرئية ويكتشف وجودها من آثارها وسطوتها غير المباشرة وحتى الأدوات التي تستخدمها لا تدرك الغاية من سياساتها ومع ذلك تلتزم هذه الفئة بالتعليمات لأنها تكون بحسب ظنها من واقع الضرورة أو دافع البقاء فحالة الغياب للسلطة يخلف هالة من القداسة حولها. 

منذ البداية يحاول تفكيك نظام الطاعة الذي يحكم الألوف المؤلفة من الناس، بسؤال حساس ما لذي يجعل القطيع قطيعاً من دون سوط، فالطاعة هنا ليست نقيض الحرية بل يمكن أن نسميها استراتيجية البقاء، فهذا الحشد يعمل كداعم قوي للسلطة غير المرئية حيث الاغتراب والعزلة والخوف يمهد الأرضية للطاعة والصمت واللامبالاة ما يجعله تربة خصبة لمفهوم “الجمهور القاتل”، وقبل أن يوضح مفهوم هذا الأخير يستعرض بعض النماذج من النازية للفاشية وصولاً للتطرف لدى الإسلام السياسي تلك التي حملت خطاب الكراهية مما أعطى شرعية للعنف الاجتماعي في مراحل صنع العدو فقد صعدت النازية الكراهية ضد اليهود والسلاف والغجر وكذلك الفاشية حين نفت أي صفة حضارية عن الأفارقة  والتمجيد العنصري للذات عبر الأسطرة التاريخية لجد ماثل بالأذهان للعصر الآري الذهبي وأيضاً إحياء التاريخ الإمبراطوري لروما، فخطاب الكراهية يأتي من خلال شيطنة الآخر عبر الدعاية والبروباغندا، فالدعاية النازية هي التي حشدت الشعب وراء الفكرة القاتلة خلف مشروع عنصري قاتل وقول وزير خارجيتها الشهير غوبلز “اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس” حيث اللعب على العاطفة لا العقل فالحشود تعامل بالشعارات لا بالعقلانية، ومن خلال هذه المقارنة يحاول تفسير متى يتحوّل الجمع إلى وحش؟ ومتى ينقلب التصفيق إلى أداة قتل؟ 

إن خطورة التماهي مع السكوت والإجرام بوصفه أمراً طبيعياً تكمن في أن الجمهور القاتل لا يكتفي بالطاعة بل يتماهى مع الطاغية طارحاً السؤال المتجدد لماذا يقدس الناس طاغية مثله، ماهي دوافعهم! 

في بيئة الخوف المزمن يبرز الناس ميلاً للتعاطف مع الجلاد الذي يحب أن يطرح نفسه كأب ورمز للاستقرار، ففي حالة الفراغ الأيدلوجي السياسي يميلون للتشبث بمن يظنونه منقذاً. وهناك البعض منهم ممن يعتبره تجسيداً لرغباتهم المكبوتة في الانتقام والسحق، إذ إن سورية تحولت بالقوة إلى ماهي عليه، فهي كانت دولة ناشئة فيها أحزاب وحياة سياسية ونقابات في فترة الخمسينات، والطغمة مسخت الوطن على صورة الزعيم، ففي عهد هتلر كان الطبيب النازي جزءًا من منظومة نازية لها فلسفة بينما الطبيب السوري الذي مارس التعذيب والتنكيل والقتل في زنازين الأسد كان يدور في فراغ أيدلوجي قوامه الطاعة والامتثال لقوة عليا، ولم يكن المقتول معارضاً دائماً بل يمكن أن يكون سورياً صامتاً عن التمجيد، وبين القاتل والمقتول امتدت سورية في خرابها.

يؤكد صاحب “خمارة جبرا” بأن السوريين لا يعرفون بعضهم وهو يربط ما سبق  مع الحالة السورية اليوم وقد فشلت دولة الأسد في بناء مواطنة صحيحة، إذ يجري الآن أسلوب شيطنة العلويين فهم ” نصيريون  كفار”؛ والدروز” زنادقة وكفار باطنية” والأكراد “انفصاليون وعملاء للغرب، وحتى يشكك بانتمائهم لسوريا بالتالي إعادة إنتاج خطاب الكراهية من خلال التحريض الطائفي في خطب الجوامع  والدروس الدينية بل هناك مشاهير من الدعاة والقنوات مثل “صفا والوصال” تبث سمومها باستمرار ويصبح تدريجياً الخطاب المتشدد سلطة تشريعية وإقصائية تبرر وتمنهج القتل ويصبح العنف والقتل واجباً شرعياً  يجند لها وسائل الإعلام كافة من تلفزة وسينما وصحافة ومناهج دراسية للأطفال وخوارزميات الفيس بوك واليوتيوب تنتصر للفعل المثير مما جعل مشاهد القتل تنتشر بسرعة كبيرة، مع ما يقابلها من تفعيل الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني،مثال الدرزي الذي سب النبي وتبين بعدها  إنه مغرض ولكن ما يراد منه قد تم، كما يتم الترويج لدعاية مضللة كتهجير الكرد للعرب أو تصوير الدروز كعملاء لإسرائيل دون أن يشار للأسباب التي دعت البعض لذلك وتكبير المشهد دون حاجة لإعمال العقل والتفكير. والغريب أن يشهد الجوار علاقات سمحة مع إسرائيل رغم الموت في غزة ولا يستفز المشهد أحداً  ومن هنا تفسر مجازر العلويين ومجازر الدروز وخطف النساء، ومن الغريب أن يستغرب البعض هذه الحالة والشروط مستوفاة لوجودها، وحالات سبي الايزيديات وسبيهن ماثلة للاعين بذات الايدلوجية.

هناك شخصيات قاتلة لها جمهور قاتل دون أن تمسك بالسلطة ممثلة بالحركات الراديكالية خارج الدولة مثل الإسلام الجهادي الـذي يمثل الإله عبر القتال والتكفير في خطاب تزييني للموت (أسامة بن لادن) مما أسس لسيكولوجية الانتحاري الذي يموت لأنه يحب فكرة التمجيد المرضي للموت الاستشهادي.

كذلك شهوة العنف لدى “أبو مصعب الزرقاوي” الذي وصف بأنه “شخصية حدية ذات نزوع سادي” حيث يبرز القتل والذبح والتصوير وكأنه فعل تطهري والتكفير هوية له، ففي حين اعتمد الزعيم الجهادي على سلطة العقيدة والانتماء العقائدي الأممي والجمهور كمنفذ لواجب إلهي في حين اعتمد الزعيم القومي على سلطة الدولة والجهاز الأمني وعلى الانتماء الوطني وعلى الشعب كمطيع.

وقد صنع “بن لادن” جمهوره القاتل باعتماده على مظلومية إسلامية كونية  (فلسطين والبوسنة- العراق الحجاز) واستثمر في الرموز العاطفية الكبرى (القدس كربلاء الأندلس) في تمثل فكرة الولاء والبراء حيث التقارب والمودة مع إخوة الدين وإعلان البراءة والتنصل من أعداء الدين، لأن توجيه الغضب ضد العدو له ميزتان إحداها جنسية حيث الحور العين والثانية روحية تأمل برضا الرب، ولكن الزرقاوي  أنتج جمهورًا أشد دموية وتطرفًا لأنه يقوم على قتل الشيعي والعلماني والمسيحي والمسلم المرتد ومسرحة القتل عبر التصوير والنشر والتلذذ بالقتل وهذا ما كان في سلوك تلامذته في مجازر الساحل والسويداء وعشرات المجازر قبل استيلائهم على السلطة.

يعرف غوستاف لوبون الجمهور في ثلاث حالات الجمهور الغبي والقاتل والمهدور فالأول جمهور تحكمه العاطفة لا العقل. يقول لوبون: “الجماهير لا تفكر بل تقاد” فهي عفوية وساذجة وتصفق وتهتف وتستجيب لرموز السلطة ولكنها قابلة للتحول السلمي وتحتاج لمن يقودها ومن هذه المقارنة يحلل لوبون أن الساذج عندما يعطى شحنة لاهوتية أو أيديولوجية دموية يتحول من جمهور غبي إلى جمهور قاتل.

فالجمهور القاتل معبأ ومؤدلج دينياً لأن يفجر ويذبح متحولاً إلى أداة سلطة وموجه للعنف ويخلق من نفسه قائداً أو قاتلاً. 

وهناك تفصيل آخر هو الإنسان المهدور: فالإنسان العربي يعيش مهدور الكرامة والحق والرأي متعرضًا للقمع السياسي والإفقار الاقتصادي وإلى التهميش النفسي، لهذا يتحول إما لسلبي خانع أو ينفجر في عنف هدام قد يكون عنفًا دينيًا أو ثورة، فالإنسان المهدور يعيش اغتراباً وخوفاً وفقدًا للكرامة لأنه ضحية منظومة هدر مستمرة لذا فهو قابل للانفجار أو للانسحاب مما يهييء لتحوله إلى جمهور قاتل، يتجاوز وضعه عبر القتل في إثبات الذات مستعيداً كرامته فيها، حيث العنف عقيدة لا أداة والخلاصة في ذلك أن الجمهور القاتل هو الإنسان المهدور حين يتحول من ضحية إلى جلاد حيث  يقضي بضربة واحدة عدوه وتاريخه وماضيه،  وهو جمهور لا فرادة له فهو بلا عقل يقوده يقين وكل يقين قاتل لأنه على الضد من فكرة المواطنة، فالهدر والتعبئة يقودان إلى الجريمة المقدسة.  

يعود الملحم إلى واقع الحراك الذي انفجر بسوريا في 2011 وكيف تناسل الرد الطائفي من بعضه مع دعم وتهيج الجوار لجزء من هذا وجزء من ذاك، بين الخليج العربي وتركيا وبين إيران وروسيا، فالطائفية لم تدمر اللحظة الثورية بل أنتجت السوريين كغرباء عن بعضهم وبات أنتم ونحن صيغة متداولة بين أصدقاء الأمس. فالطائفية وظفها النظام والمعارضة وقعت في فخها ودول الجوار صبت الزيت على نارها وعليه سقط شعار الشعب السوري واحد. 

كل ضحية مهيأة لتقوم برد فعل عنفي وتتحول من ضحية إلى جمهور قاتل فهي تعيد إنتاج نفسها من عقدة المظلومية، والأمر ليس محصوراً بالراديكالية الإسلامية بل هناك تحول للأقليات الضحايا إلى جمهور قاتل مثلاً مشاركة الميلشيات الدرزية بالحرب اللبنانية،–هجوم الأرمن على قرية الأذريين في قرة باخ، وبعض المجازر بحماة قام بها علويون من منطلق طائفي.

ولهذه الأقليات شروط لتحولها إلى القتل الجمعي تأخذ شكلها عندما تتحول المظلومية إلى خطاب سياسي يومي إذ سرعان ما تتحول إلى ماكينة لإنتاج جمهور قاتل وأحياناً يلعب الخوف من الإبادة للقيام بفعل استباقي وخاصة عند تشكل ميليشيات لحماية الأقليات قد تتحول لأدوات قتل خارج سياق الحماية وخاصة إذا استقوت بالتحالف مع دولة قوية. 

لقد نشأت سورية عمارة هشة كنتاج للقوى العالمية ووريثة فشل الدولة العثمانية وتاليها فشل الدولة الوطنية، والسؤال هل يمكن لسورية أن تبنى على أساس غير طائفي؟

نبيل الملحم في كتابه يلامس مفاصل حساسة ويفكك واقعاً حلوله شائكة ويطرح أسئلة حرجة مثل كيف نتجنب هذا السقوط في فخ الكراهية والقتل، ربما نقارب ما قالته حنا أرندت:” إن ما يحمي الإنسان من الانخراط في القتل ليس الخوف من القانون بل القدرة على التفكير الأخلاقي” لذا هل نستطيع إعادة تربية المجتمع على الأخلاق؟ 

أسئلة صارخة برسم الضمير الأخلاقي لمن يريد لسورية أن تنهض من جديد.

العلاقة بين الزمان والمكان والشخوص في القصة القصيرة السورية 

العلاقة بين الزمان والمكان والشخوص في القصة القصيرة السورية 

مع تبلور القصة القصيرة كجنس أدبي؛ خرج الحدث من حالة اللاتعيين التي كان يتسم بها في الحكاية، فقد صار له فضاء مكاني وزماني، ولم يعد الزمان كان يا ما كان، والمكان عائماً خيالياً، أماً الشخوص فقد تنوّعت وصارت بصفات محددة وليس على سبيل التعميم كما كانت ملكاً أو صياداً أو أميراً…

يحكم هذه العناصر الثلاثة علاقة تفاعلية مع بعضها بدرجات مختلفة، وذلك في سياق النص القصصي، وتتبدى هذه العلاقة وفق منطلقات ثلاثة هي:  

العلاقة من منطلق الزمان

ليس من الضروري أن يكون الزمان في القصة زماناً كرنولوجياً، والذي يعني تسلسل الأحداث وفق تاريخ وقوعها. فالزمان هنا؛ هو زمان فني يأتي بصيغ مختلفة وفق تقنية الكتابة التي يعتمدها الكاتب.   

تحديد الزمــان قد يأتي بشـــكل غير مباشــر كما في قصة (الجمار) لأنيس إبراهيم، حيث الزمان يتحدد بتبديات الطبيعة، سقوط الجمرات، والحدث يتمحور ويتمفصل على هذه التبديات، سقوط الجرة الأولى.. الثانية.. الثالثة.

تتضح علاقة الزمان بالمكان والشخوص في هذه القصة، فالزمان يحدده سقوط الجمرات من الجمرة الأولى، والمكان الأرض التي تسقط فيها الجمرات والشخصية هي أنثى “بادية” التي ينعكس سقوط الجمرات في كيانها كما الأرض، فالعناصر الثلاثة تتناغم مع بعضها في سياق سردي محكم حتى نهاية القصة.

بينما نجد في قصة (مسافر نسيه القطار) لوليد معماري أنّ الزمان محدد بشكل واضح في مطلع القصة “دخل المدينة ساعة منتصف الليل..” رغم ذلك تبدو علاقة الزمان بالمكان علاقة مشوشة وعلاقة الشخصية بهما مرتبكة. تمضي القصة بنقلات سردية يحكمها تحديد الزمان، الذي يحدد بدوره المكان وتواجد الشخصية وحالتها حيث تعاني هنا من فائض الزمان، مما يشعرها بالضياع والفوضى “تحت ضغط ميوعة الوقت” في الساعة الواحدة “ساحة باب الفرج، في الساعة الثالثة في محطة القطار…في الساعة السادسة فاته القطار ونفد الزمان وصار له معنى آخر، يمكن اعتبار هذه القصة قصة زمان بامتياز. 

علاقة الزمان بالمكان تأخذ طابعاً آخر في قصة (القطار) لجورج سالم، ففي هذه القصة يندغم المكان بالزمان، وصولاً إلى تحقيق حالة ينطبق عليها مصطلح الزمكان أدبياً، علماً أن دلالة المصطلح أدبياً تقترب منها علمياً، والتي تعني أيضاً “دمج مفهومي المكان والزمان ضمن استمرارية معينة” وهذا المفهوم يعود لــ”هيرمان ميتوفسكي” وقد صاغه على أساس نظرية النسبية بعد ثلاث سنوات من وضعها من قبل ألبرت أينشتاين. 

في هذه القصة يشكّل القطار مكاناً وزماناً للحدث، فالحدث يبدأ زمنياً من لحظة اكتشاف الشخصية بأنها على متن القطار دون أن تدري كيف وصلت إليه، وسيرورة الحدث تمضي مع سير القطار.. 

من ناحية العلاقة بين العناصر الثلاثة؛ تبدو الشخصية غير متوافقة مع ما يجري، تشعر بغربة وبخلل كبير لا يمكنها ضبطه، فهي منصاعة مع سير القطار (الزمكان) بلا إرادة، وهذا يحيلنا إلى مسألة تشوه المكان ببعده الرابع، الزمان وفق النسبية أيضاً.

العلاقة من منطلق المكان

لا يمكن للمكان أن يكون حيادياً في العمل الأدبي، بعبارة أخرى”المكان ليس بريئاً” ووفق جماليات المكان لغاستون باشلار “المكان الذي ينجذب إلى الخيال لا يمكن أن يبقى لا مبالياً، ذا أبعاد هندسية وحسب.”

علاقة العناصر الثلاثة من منطلق المكان نراها في قصة “السبعا وأربعين” لسعيد حورانية، فالمكان هو من يرسم حدود الزمان وطبيعة الشخوص ويشترع العلاقة بينها.

المكان في القصة مكانان؛ مكان متحرك “الباص” ومكان ثابت ” العراء الذي يمضي فيه على طريق الرقة، وشخوص القصة مشتتة بينهما خوفاً من تعطل الباص، والزمان بدأ في المكان المتحرك واستمر زمان ترقب وخوف. المكانان لا يلبثا أن يتوحدا في مكان واحد عند تعطل الباص ليصبح وكأنه جزء من العراء. علاقة الزمان بالمكان في هذه القصة تكون في حالة تقاطع حيناً وتواز حيناً آخر، أماّ بالنسبة للعلاقة مع الشخوص فهي مشوشة مرتبكة عند البعض متسقة عند الآخر، وذلك حسب قربه وبعده من البيئة، فالمعلم الدمشقي يبدو غير منسجم لا مع المكان ولا الزمان، بين الآخرين يبدو كل شيء عندهم معتاداً مألوفاً.

يأخذ المكان سمات مختلفة في قصة “الأرض القديمة” لناظم مهنا، فالمكان تاريخي باسمه ومكوناته رغم ذلك ليس حقيقياً، والشخوص كذلك، ولا بد للزمان من أن يكرّ إلى الوراء ليتسق مع المكان والشخوص.

في هذه البيئة لا يمكن فصل الزمان عن المكان أساساً، ولكن ليس وفق مصطلح الزمكان، فالحدث هنا كيفما انتهى هو حدث سالف، ولا يمكن أن يكون محمولاً على تغيير ببعد مستقبلي. 

  في قصة (هذه المرة) لإبراهيم صموئيل لا تحديد للمكان ولا للزمان، غير أن ذكر أشعة الشمس بشكل عابر يشي بأن الوقت نهار وعلى الأرجح في الصباح، أماّ المكان فمن سياق الحدث نخمّن أنه يمكن أن يكون في المنزل.

تبدو الشخصية التي تروي الحدث غير عابئة بالزمان والمكان، مأخوذة بالحدث البسيط والمفاجئ في مجراه والمفجع في نهايته، وكأن المكان لم يحدد لعدم أهميته ولضعف دوره في الحدث وبما يؤول إليه.

العلاقة من منطلق الشخوص:

الشخوص في القصة هي من يقوم بالفعل ومن يعبّر عن تبدلات الإحساس والشعور.  قد تكون موصوفة بالهيئة (الفيزكس) أو جوانية تعبر عن نفسها وسماتها بالموقف والفعل. 

 بغض النظر عن التنظير لنماذج الشخوص بسيطة أم مركبة… من المفترض أن تكون حاملة للدهشة، فليست كل شخصية قادرة على الحضور في العمل الأدبي بأثر جمالي.

 تختلف علاقة الشخوص بعنصري الزمان والمكان، ففي قصص ما تكون الشخصية حاضرة بقوة، كما في قصة (فارس) لاعتدال رافع، الشخصية في القصة هو (أبو شفيق) والمكان هو (مقهى أبو شفيق) المعروف في مدخل دمشق الغربي، والزمان غير محدد، يمكنه اعتباره زمان استمرار أبو شفيق في المقهى.

علاقة الشخصية بالمكان في هذه القصة علاقة تناغم واتساق، فهو الناظم للمكان والمتحكم به، بينما العلاقة بالزمان إشكالية يحكمها التناقض بين ما مضى والآن، بين المتغير الذي يرفضه أبو شفيق، فهو يجهد لأن يوقف الزمان على ظرف وحال معين. 

 نجد في بعض القصص شخوصاً ليست آدمية، حيوان كما في (حكاية الرجل الذي رفسه البغل) لوليد معماري، (النمور في اليوم العاشر) لزكريا تامر، أو نبات كما في قصة (شجرة الغَرَب) لإبراهيم الخليل. في هذه القصص تقوم علاقة هذه الشخوص بعناصر القصة الأخرى على أنسنتها، إن كانت العلاقة مع الزمان أو المكان، والأخص علاقتها بالشخوص الأخرى.

قد تأتي شخصية القصة جماداً كما في قصة (التمثال) لإبراهيم خريط. التمثال هو تذكار لشاعر ميت وعلاقته بعناصر القصة، خاصة شخوصها الأخرى تنهض على إرث هذا الشاعر، وكأنه ما زال حياً، أي كأنه شخصية القصة الحقيقية. 

هناك شخوص تتصف بخصوصية مميزة كما في قصص زكريا تامر، حيث تقترب شخوص قصصه من شخوص أعمال الواقعية السحرية، وهي ذات تفاعلية وعلاقة وطيدة كبيرة مع المكان والزمان، نجد ذلك في قصة (موت الياسمين)، فالشخصية معلمة مدرسة وهي واقعية بوجودها وسماتها لكنها ليست كذلك بما يتعلق بالحدث.

تلعب التفاعلية بين العناصر الثلاثة: الزمان والمكان والشخوص؛ دوراً كبيراً في نجاح وتميّز النص القصصي، حتى في التجارب القصصية التي نحت باتجاه التجريب والتجريد لم يسقط أي من هذه العناصر، بل أخذت طابعاً افتراضياً تخيلياً.

هدايا “التحرير” لأطفال سوريا

هدايا “التحرير” لأطفال سوريا

لم تكن الطفلة حلا قطان تنتظر بابا نويل فهي تعرف أن آب ليس الشهر الذي يمر به ليرمي الهدايا من الشرفات أو نوافذ المنازل ومداخنها، ورغم أنه كان دوماً بعيداً عن شوارع الفقراء في مدينتنا إلا أنها لربما كانت كما كل الأطفال، تحلم به وبهداياه في يوم ما. لم تكن الهدية التي رميت على بيت حلا تشبه هدايا بابا نويل الذي تعرفونه ولا في موعده، كانت هدية غير متوقعة ( قنبلة) رمتها يد الإجرام والعبث اليومي في شوارعنا فقصفت حلم حلا حتى بيوم عادي، حين مر أحدهم في الثانية بعد منتصف الليل في 13 آب 2025 ورمى قنبلة على منزل حلا الكائن في حي العباسية في مدينة حمص ودمر أحلامها البريئة والبسيطة بعد أن عانت بضع ساعات ثم ماتت.

 لم تكن الطفلة الأولى التي قتلت بهذه الطريقة، فقد تكرر فعل رمي القنابل وصار أحياناً يومياً في بعض الأحياء، تقريباً منذ الشهر الأول للتحرير، كان يذهب ضحيته أحياناً عدد من أفراد العائلة ذاتها، كما في يوم 12 آيار الماضي في الشارع رقم 17 كرم الزيتون حيث تهدم جدار المنزل وأصيب عدد من سكانه.

في 18 آب مساء، شابان على دراجة نارية أطلقا النار على شرفات المنازل، فقتلت الطفلة غنى الحسن إذ اخترق الرصاص رئتيها.

وكل يوم في منتصف الليل قد تسمع صوت انفجار في مكان ما وحين تسأل ستعرف فوراً أو بعد حين عبر صفحات التواصل أنها قنبلة انفجرت في مكان ما من الأحياء التي صارت تعتاد أعمال العنف.

قد يكون الهدف ليس القتل بل مجرد الاعتداء كما حدث في حي السبيل حين ألقى أحدهم قنبلة على سرفيس مركون فاحترق بالكامل، وتلك خسارة كبيرة في الحقيقة رغم أنها لا تساوي حياة إنسان. وقد تكون القنبلة صوتية لمجرد إحداث الرعب والفوضى حتى أن خبر انفجار قنبلة في أحد الشوارع صار يمر دون توقف إن لم يكن هناك ضحايا.

وبنفس الطريقة ذات يوم قتل الطفل حيدر سليمان أمام منزله في حي كرم اللوز.

كانت الأغنية تقول: “وقالو شلحلي ورد عا تختي” يا للمفارقة من كان يتخيل أن نقارن يوما بين الوردة والقنبلة؟ هل سمع المجرمون هذه الأغنية وهم يرمون قنبلة على سرير حلا؟ هل فاضلوا يوماً بين الورد والموت وهم يرمون الهدايا القاتلة؟ 

كيف يطغى السواد على العقول ويحجب عنها التفكير وهي تحرم البشر من حقهم بالحياة؟ يحجب التفكير بنتائج أفعالهم وتصور الآخرين مجرد أجساد تذهب إلى الموت ببرود، ألا يخطر للقتلة أن هؤلاء الأطفال الذين يموتون يشبهون أطفالهم؟ وهؤلاء وأولئك يشبهون الأطفال الذين قضوا بالكيماوي يوماً، أولئك الذين أعيد شريط صورهم إلى ذاكرتنا منذ أيام. كانت الأم تقول لطفلها: لا تتنفس الهوا رح يقتلك. وكأن الطفل يستطيع ان لا يفعل وكأن بإمكانها أن تحميه من غاز السارين الذي دخل رئتيه. بأجسادهم النحيلة ووجوههم الشاحبة يودعون الحياة دون أن يعرفوا منها، سوى الرصاص والقنابل والموت اختناقاً. بأي ذنب قتلوا؟ 

هل تذكرون أطفال الحولة، أي قلوب قدت من الصخر استطاعت أن تقتلهم ذات يوم؟

هل تتذكرون طفل الحزام (إبراهيم شاهين) الذي قتل في أول أيام عيد الفطر مع عائلته في قرية حرف بنمرة في الساحل السوري، في يوم على المؤمنين فيه فعل المزيد من الخير، ربما كان إبراهيم يحلم بحزام حقيقي لبنطاله الذي يشده على جسده النحيل بخيط، يا لوجع الطفولة المقهورة. تحولت صورة إبراهيم إلى رمز لسوريا. وإليه أهدى سميح شقير أغنيته الجديدة والتي تبدأ ب “تيشد خصرو ربطوا بخيطان عافقر حالو هالصبي ربيان أيا إله بيقبل يندبح ودموعلى الرصيف سايل” سيبقى السؤال مشرعاً.

في جنوب البلاد كان هناك حلا أخرى، حلا الخطيب التي فقدت عائلتها بالكامل في أحداث السويداء وكانت الناجية الوحيدة إذ اختبأت في خزانة الملابس لتنجو رغم إصابتها بطلق ناري في الوجه تركها في حالة أذى شديدة.

أما تالا حسام الشوفي ذات الأربعة عشر عاماً التي استشهدت بطلقة في الرأس من قناصة، فكتب والدها الطبيب حسام الشوفي: تالا يا عمري سامحيني لقد خذلتك ولم أحميكي. خذلك الوطن. خذلتك ما كنا نسميها ثورة ولم تري منها سوى الظلام والموت.”

 مات أطفال مع عائلاتهم، وهناك أطفال شهدوا قتل أهلهم وتركوا وحيدين، هل الموت أقسى من مشهد ينحفر في الذاكرة لأهل يقتلون؟ هكذا تقتل الطفولة وتبقى الأجساد تعارك الألم وجروح الروح. 

أبعدوا أيديكم عن الأطفال فلا ذنب لهم أو علاقة بالحروب والصراع من أي نوع، لا تجعلوهم يحملون آثامكم، أبعدوا الأطفال عن معارك الثأر القبيحة. لا فرق بين قاتل وآخر فالقتلة يتشابهون! 

دعوهم يعيشون ويحلمون بهدايا تسقط عليهم غير القنابل ورصاص القناصة، غير السكاكين التي تحمل الهول ورعب الذبح، دعوهم يحلمون ككل أطفال العالم ببابا نويل الذي يحمل الألعاب لا الموت.

حين عثرت الذئاب على الطفل الصغير ماوكلي لم تأكله بل أرضعته. هل تعقلون؟ 

حين تتحول الفاشية إلى فخ سياسي

حين تتحول الفاشية إلى فخ سياسي

ليست اللغة بريئة، ولا المصطلحات أدوات محايدة. فقبول تعبير ما، حتى لو على سبيل نقده، قد يرسّخ حضوره في التداول ويمنحه سلطة غير مقصودة. ولعلّ تعبير “الفاشية السنية” مثال حي على هذا الفخ؛ مصطلح يبدو للوهلة الأولى تفسيراً جذاباً لمشهد سلطوي جديد في سورية، لكنه سرعان ما يتحوّل إلى وصم جماعي، يختزل ملايين البشر في استعارة لغوية ملتبسة. خطورة المصطلح لا تأتي فقط من فجاجته الطائفية، بل من كونه يعيد إنتاج المنطق الذي تغذّى عليه الاستبداد لعقود؛ تفسير السياسة بالهويات، لا بالبُنى.

ظهر هذا النقاش على خلفية التحوّلات التي أعقبت سقوط دمشق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، حين انسحب النظام المركزي وفرضت هيئة تحرير الشام وفصائل ثورية معارضة أخرى سيطرتها على العاصمة. بدا المشهد متناقضاً؛ شعب يطيح بديكتاتورية الأسد، لكنه يجد نفسه بعد فترة وجيزة في مواجهة سلطة قد لا تقل عسكرة ولا انغلاقاً، وإن لبست خطاباً دينياً هذه المرّة. في هذا السياق لجأ أحد الكتّاب إلى استعارة قاموس الفاشية الأوروبية لوصف الظاهرة الجديدة، معتبراً أن الإسلام الجهادي هو “نسختنا المحلية من الفاشية”، وأن ما جرى في سورية ليس إلا بعثاً جديداً للأمة السنية بعد عقود من التهميش. ربط الكاتب بين أسطورة الأصل الأموي، والتعبئة الجماهيرية من المساجد والعشائر، وممارسات عنف إبادي ضد الأقليات، ليخلص إلى أن الحكم الجديد يكرّس “فاشية سنية” قائمة على نقاء الجماعة وتفوقها.
هذا الطرح، مهما كان مثيراً للجدل، يستحق التوقف عنده لا لصحته بقدر ما يكشفه من ميل إلى القراءة الغائية. فهو يلتقط بالفعل سمات سلطوية واضحة: النزعة الشمولية، مركزية العقيدة، تمجيد العنف كأداة، والتعبئة ضد الأقليات. لكنه يسقط في فخ أخطر وهو تحويل تلك السمات إلى “قدر مذهبي” يلتصق بأهل السنة جميعاً، بدل أن يُرى كإعادة إنتاج لبنية استبداد تستثمر الدين كما استثمر الأسد من قبل القومية والبعث. هنا يصبح المصطلح أداة وصم، ويختلط فيه النقد بالاتهام، والتحليل بالتحريض.

ومن بين أبرز عناصر القراءة التي تبنّت وصف “الفاشية السنية” فكرة العودة إلى الأصل الأموي، باعتبار أن صعود هيئة تحرير الشام بعد سقوط الأسد هو بعث سياسي جديد لأهل السنة، الذين يفترض أن يستعيدوا سلطتهم التاريخية. لكن هذه الاستعارة التاريخية تقوم على استدعاء انتقائي للماضي، وتحويله إلى أسطورة تبرّر الحاضر، على نحو يذكّر فعلاً ببعض ممارسات الفاشيات الأوروبية التي ربطت نفسها بـ”أصل نقي” أو “أمة عظيمة”. غير أن خطورة هذا الربط في السياق السوري تكمن في أنه يجرّد التاريخ من تعدديته، ويحوّل طائفة دينية واسعة ومتنوعة إلى جماعة سياسية متخيلة، وكأنها امتداد مباشر لبني أمية أو لمشروع تاريخي واحد. بينما الواقع السوري الحديث يبيّن أن أهل السنة لم يشكلوا يوماً كتلة سياسية موحدة، بل كانوا موزعين بين تيارات ليبرالية وقومية ويسارية وإسلامية وصوفية، ما يجعل الحديث عن “بعث سني” أقرب إلى الوهم الأيديولوجي منه إلى الواقع الاجتماعي.

الركيزة الثانية في هذا التوصيف كانت التعبئة الجماهيرية التي شهدتها بعض المدن والبلدات؛ حشود تخرج من المساجد، نداءات عشائرية للفزعة، خطابات تحشد ضد العلويين أو الدروز. هذه الصور تذكّر فعلاً بمشاهد التعبئة الفاشية في أوروبا، حيث الجماهير تُستدعى لتبرير العنف. لكن الخطر هنا أن يُفهم الأمر كدليل على “طبيعة سنية” للفاشية، في حين أن ما نراه هو توظيف ظرفي للأدوات الدينية والاجتماعية المتاحة. فكما استثمر البعث النقابات والمدارس والجيوش في تعبئته، تستثمر السلطة الجديدة المنابر الدينية والعشائرية. إنّ تحويل أدوات التعبئة إلى جوهر طائفي يُغفل أن هذه الأدوات متاحة في كل بنية سلطوية تسعى للسيطرة، وأن الجماهير نفسها ضحية الاستخدام لا شريك في مشروع “قدر تاريخي”.

عنصر ثالث استندت إليه القراءة هو فكرة التطهير الداخلي داخل الجماعة السنية نفسها، من خلال خطاب الولاء والبراء، والتهديد بإقصاء كل من يخرج عن الصف، بل وملاحقة المختلفين من داخل الطائفة بتهم الانحراف أو العمالة. هنا أيضاً تلتقي التجربة السورية الجديدة مع ملامح سلطوية عالمية؛ كل استبداد يسعى لإحكام قبضته يبدأ من الداخل، من ملاحقة الأصوات النقدية وشيطنة المختلفين. لكن اعتبار هذا السلوك “فاشية سنية” يُحوّل الطائفة إلى كيان واحد متماسك له مشروع ذاتي، بينما الواقع أن الانقسامات بين السنة أنفسهم، بين مؤيد ومعارض لهيئة تحرير الشام، بين صوفي وسلفي، بين مدني وعشائري، تكشف هشاشة أي ادعاء عن “نقاء داخلي”. ما يجري هو محاولة سلطة جديدة لتأبيد بقائها عبر منطق النقاء، وليس مشروعاً جماعياً للطائفة.

في ضوء هذه العناصر الثلاثة السابقة، يتضح أن المشكلة ليست في رصد الظواهر، بل في طريقة تسميتها. فالاستبداد الجديد الذي قد ينمو في دمشق، يتغذى على أساطير الأصل، ويستثمر أدوات التعبئة الدينية والعشائرية، ويستخدم خطاب النقاء للتخلص من خصومه. لكن كل هذا لا يجعل منه “فاشية سنية”، بل نموذجاً آخر من السلطوية الدينية الراديكالية، أو ما يمكن تسميته “استبداداً مؤدلجاً بالشرع” (المقصود الشريعة الدينية!). هذا التوصيف يضع المشكلة في مكانها الصحيح؛ البنية السلطوية التي تعيد إنتاج نفسها عبر أدوات مختلفة. مرة بالبعث، مرة بالشرع، وربما غداً بواجهات أخرى. هكذا نحتفظ بدقة التحليل، ونتفادى تحويل المذهب إلى قدر سياسي أو هوية قاتلة.
تجربة السوريين تكشف أن الاستبداد لا يزول بسقوط رأسه، بل ربما يتكاثر بأشكال جديدة، متكئاً على الرموز والرايات الطائفية واللغة المغلقة. هنا تكمن الخطورة؛ فالمصطلحات لا تبدو انعكاساً محايداً للواقع، إنما هي جزء من إنتاجه. إنّ شيوع تعبير مثل “الفاشية السنية” لا يصف الاستبداد بقدر ما يرسّخ منطقه، إذ يُعيد صياغة السياسة كصراع هويات، لا كبنية سلطوية يمكن تفكيكها.
المطلوب إذن البحث عن لغة دقيقة تقرّ بالوقائع دون أن تقع في فخ الوصم. فالاستبداد الذي يلبس عباءة الدّين اليوم لا يختلف في جوهره عن الاستبداد الذي لبس عباءة البعث بالأمس، وكلاهما يعيد إنتاج المنظومة ذاتها؛ قمع التعددية وتأبيد السلطة. لكن ما يحدد مسار المستقبل هو كيف نصف هذه الظاهرة: هل نحمّلها لهوية مذهبية، أم نضعها في إطارها الصحيح كسلطوية عابرة للأقنعة؟ إن التحرر السياسي يظل رهناً بتحرر معرفي يسبقُه؛ لا يكفي إسقاط الطغيان ما لم نحرر خطابنا من أدواته. المعركة الأولى ليست في الشارع وحسب، إنما في المعجم الذي نختار أن نتكلم به. ومن دون هذا التحرر اللغوي، سيظل الاستبداد يجد لنفسه دائماً اسماً جديداً ليعود به من أي خطاب أو مقال أو قانون.

أي برلمان، وأية انتخابات؟

أي برلمان، وأية انتخابات؟

إلى الآن لا يعرف أحد، سواء من المختصين بالقانون الدستوري أو الفاعلين السياسيين، أي شكل سياسي للسلطة يحكم سوريا في الحقيقة والممارسة، وما هو النظام السياسي والقانوني الذي ستستقر البلاد عليه في المستقبل. 

بات من المعروف والمتداول أن سوريا تمرّ في مرحلة انتقالية معقدة ومرتبكة، حيث سُلّمت السلطة للرئيس المؤقت أحمد الشرع، بعد توافق دولي وإقليمي غامض ومفاجئ في الثامن من كانون الأول 2024، وقد يعني هذا، بحسب رأي المرء المحايد، بارقة أمل وثقة بالمستقبل عقب زوال شبح الأسد والبعث،  أو يرتبط حيناً بالإنكار والخوف، بسبب ممارسات هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً المصنفة إرهابية).  والأغلب على الظن أن الخشية على مستقبل سوريا هي الراجحة، لا سيما بعدما جرى في الساحل السوري والسويداء جنوبي سوريا، من قتل للمدنيين العزل وحرق للبيوت وخطف على الهوية الطائفية، وعمليات اغتصابات موثقة، تبرأت منها سلطة دمشق، ووعدت بالمحاسبة والتعويض على أهالي الضحايا ممن فقدوا أبناءهم وأحرقت منازلهم ونهبت ممتلكاتهم!

لاشيء تحقق من الوعود. وهذا مؤشر واضح وحاسم أن الكلام في مكان والفعل في مكان آخر.أي أننا في فصام سياسي، فسوريا اليوم تعيش واقعاً سياسياً معقداً، مع انقسامات مجتمعية هائلة، مع تعدد في السلطات والهويات السياسية، ما يجعلها دولة منقسمة سياسياً رغم أنها ظاهرياً “واحدة” على الخريطة فقط. الوحدة السورية التي لطالما تمدح وترجح على غيرها من أشكال الدولة والسلطة، ليست سوى تسلط الحكم في دمشق على باقي سوريا. أي أن الوحدة هنا في جوهرها ليست سوى غطاء لحكم شمولي شديد المركزية وقابلية نهمة لاستعمال العنف في حل المشكلات السياسية، وهو نموذج جرى اختباره وباء بالفشل وإفقار السوريين وإذلالهم.  

المرحلة الانتقالية 

يرى البعض أن مصطلح “المرحلة الانتقالية” لا ينطبق على الحالة السورية لأسباب مختلفة. على الرغم من سلطة الرئيس الفضفاضة، فلن تُحكم سوريا بمراسيم بعد تشكيل البرلمان الجديد، بل من خلال هيئة تشريعية تسنّ القوانين. هكذا يفترض من الناحية النظرية الصرف.

في الحقيقة إن الكثير من التسميات خالية من معناها الموجب، وقد جرى تداولها من دون نقد وتمحيص. فالإعلان الدستوري مثلاً فُرض فرضاً، وعد أساساً لما يليه من تشريعات مؤقتة. والأمر نفسه ينطبق على “المرحلة الانتقالية” و”البرلمان” و”الهيئة الناخبة”. ما يجري على الأرض هو غير ما تعنيه هذه المصطلحات القانونية والدستورية. هكذا نكون أمام وجهين لحكم سلطة الأمر الواقع في سوريا.  من جهة هناك الميليشيات والفصائل التابعة لوزارة الدفاع السورية أي النمط العسكري للحكم بالتهديد والوعيد والترهيب، ومع مثل هكذا نمط حاكم فعلياً تتحول كلمات وتعابير مثل البرلمان والمرحلة الانتقالية إلى كليشيه ودعاية إعلامية لا غير. ومن جهة أخرى هناك الكلام في القانون والدستور والبرلمان، وهو ليس سوى كلام نظري خال من المضمون الفعلي. 

المرحلة الانتقالية، إذا كان الوصف صحيحاً، حتى الآن تعتبر فاشلة بسبب غياب سلطة انتقالية ذات مصداقية وموحدة، وبسبب الانقسام السياسي والجغرافي. اللجنة الدستورية الدولية تعطلت وجمدت وانتهى دورها. اللاجئون والمهجرون محرومون من أي تمثيل فعلي، بينما تغيب العدالة الانتقالية والمحاسبة القانونية. 

فشل الانتقال يعمق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي مما يبقي البلاد رهينة العنف والفوضى. 

الفجوة بين الكلمات والمعاني

والفجوة بين الكلمات ومعانيها عادة سورية متأصلة، فحزب البعث على مدى أكثر من ستين عاماً كان أحد المبدعين المتميزين في تجويف الكلام وإخلائه من فحواه. ويعود الأمر إلى أن سوريا كلها دولة نظرية رُكّبت تركيباً من دون أخذ رأي من يحيا داخلها. دولة تقام على التجريد السياسي من الممارسة والنقاش والفعل العضوي. ما هو حي وملموس لا يتحول إلى سياسة، وما هو سياسي يبقى مغلقاً ومحتكراً من فئة محددة، يبقى سرياً ومجهولاً. وإن اجتمعت السياسة المجردة والنظرية مع الممارسة الحية والفعلية لا نكون إلا في مواجهة سيدها القتل والكراهية. العنف المحض والعاري والقاسي هو الوجه الفعلي لتنظير لا يرى في المجتمع سوى أتباع ومؤيدين وفي الرافضين سوى من ينبغي تأديبهم أي إباحة قتلهم أو إجبارهم على الخضوع والسكوت. السياسة في محصلتها على النمط السوري الحاكم لا تفضي سوى إلى أمرين، إلى الصمت أو الموت. والحقيقة أن الصمت شكل من أشكال الموت، إذ المرء في جوهره أمام خيارين إما الكلام أو الموت. 

 شروط الحكم الديمقراطي  

بعد أكثر من خمسين عاماً من ديكتاتورية الأسدين الأب والأبن وبعد و14 عامًا من الحرب المدمرة، لا تزال الشروط الأساسية لانتخابات ديمقراطية غائبة، ولا إشارة توحي بأن الحال سيتغير قريباً. لذلك، لن يُنتخب البرلمان الجديد، المؤلف من 210 أعضاء، انتخابًا مباشرًا، بل انتخابًا غير مباشر للثلثين، أو تعيينًا من قبل الرئيس للثلث الباقي.

السلطة الحاكمة هي التي أقرت هذا النموذج، من دون مشاورة أحد إلا مؤيديها. 

لن تشارك الإدارة الذاتية الكردية في الشمال الشرقي (الحسكة والرقة) وكذلك نصف دير الزور والجنوب الشرقي الذي يسيطر عليه الدروز (محافظة السويداء)؛ وسيتم تخصيص العدد المقابل من المقاعد لممثلي هاتين المنطقتين (من هم ومن عيّنهم!) .

وهذا يعني فيما يعنيه أن قرابة ٣٠ بالمئة ممن يحق لهم التصويت لن يشاركوا في الانتخابات، عدا ملايين السوريين في دول الشتات كلبنان وتركيا والأردن وألمانيا ودول أخرى.  مع ذلك، يُبدي بعض السوريين ارتياحهم لـ”الانتخابات البرلمانية”، بينما يُبدي آخرون تشككهم، فيما يرفض آخرون العملية والحكومة الانتقالية برمتها.

ولضمان أن تتجه العملية الانتقالية نحو الديمقراطية، لا أن تبقى استبدادية ومركزية، نحتاج إلى  قانون للأحزاب السياسية يُمكّن جميع السوريين من المشاركة السياسية، و اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية بقيادة مظلوم عبدي في الشمال الشرقي، ومع الحرس الوطني الدرزي بقيادة حكمت الهجري في الجنوب. ولتحقيق ذلك، يجب أخذ مطالب اللامركزية والحكم الفيدرالي على محمل الجد فزيادة سلطات المحافظات سيوحّد البلاد أكثر من أن يمزقها، وهي التي ما زال شبح التقسيم يهيمن على مستقبلها. 

بالطبع، لن يكون البرلمان الجديد مستقلًا تمامًا، لكنه سيكون مخلصًا وتابعاً للرئيس. وهذه علامة واضحة أن البرلمان المنتخب شكليّ ولن يكون سوى واجهة تشريعية لحكم الرئيس الذي احتكر كل السلطات. 

خلاصة

تتجه سوريا إذن الى حكم الفرد الواحد، إلى نظام سياسي لا يختلف في جوهره عن نظام الأسد وحكم البعث السابق الذي أوصل سوريا إلى ما وصلت إليه. 

كائناً ما كان الحال، وما ستفرز عنه الانتخابات الشكلية، فإن وجه سوريا الجديد منهك ومخيف، طالما رأينا نصف الوجه مسبقاً وقد غمره الدم والندم على مستقبل بانت ملامحه الأولى المخيفة والمخزية. 

الوجع السوري في “كل عار وأنتم بخير”: وجوائز جديدة للأخوين ملص

الوجع السوري في “كل عار وأنتم بخير”: وجوائز جديدة للأخوين ملص

بديكور بسيط ومساحة صغيرة من المسرح الكبير استطاع الأخوان ملص أن يستحوذا على مشاعرنا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فاستنفرت دموعنا على ضفاف الضحكات واختلط الضحك بالبكاء وكأننا نختزن منذ سنوات هذه المشاعر التي ما إن وضعت أمامنا المرآة حتى رأينا عري ألمنا الفاضح، وكيف تتشابك لحظات ضعفنا وخيباتنا وتختلط ضحكاتنا بالدماء، وكم من قسوة تسترت بها ملامحنا لنستمر.

حدث ذلك في العرض الذي قدماه على خشبة مسرح دار الثقافة في حمص بعنوان ” كل عار وأنتم بخير”  وكانا قد تجولا به في المدن السورية بعد أن منع من العرض في وقت سابق، إثر منشور لهما على صفحتهما في الفيسبوك قبل أن تتراجع وزارة الثقافة عن ذلك في بيان لها تعتبر فيه أن ما حدث ليس أكثر من سوء تفاهم. ومع الأخذ والرد بين الأخوين ملص والوزارة كان تشويقنا يتزايد لرؤية العمل والحكم عليه خاصة أن صدى أعمالهما في أوربا قد سبقهما إذ حصل فيلمهما ” البحث عن عباس كيارستامي” على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان هوليود إنترناشيونال وفيلمهما “أيام الكرز” على جائزة الجمهور في مهرجان البوسنة، وكانا قد ترشحا قبل ذلك لموسوعة غينيس عن فئة أصغر مسرح في العالم عام 2009، بينما يشهد لهما خروجهما ضد نظام الطاغية بشار منذ بداية الحراك السلمي في سورية. 

ببساطة الحوار واللباس وتلك التلقائية لامس الممثلان الوحيدان على الخشبة في عرضهما هذا ومجابهاتهما فيه الألم السوري الذي سار بعيداً في الزمن رغم أوهامنا بأمل الخلاص. فالعرض لم يحدد زماناً أو مكاناً بل كان قطعة من الزمن السوري المحمل بالوجع تدور أحداثه في بقعة من الجغرافيا السورية. عبر اجتماع شخصين تربطهما صداقة للاحتفال بالعيد رغم أنهما متناقضا الهوى والاتجاه: فأحدهما جندي في الجيش السوري والآخر مثقف مضطهد في سجون النظام قضى أكثر عمره في المعتقل وخرج مكسوراً، انسحبت خيبته على حياته كلها فحتى على صعيد الحب لم يمتلك الجرأة في التعبير عن مشاعره لفتاة أحلامه واكتفى باجترار الخيبة والألم وكلمات الحب في رسالة كتبها ولم يرسلها.

أما الجندي فقد تضخم لديه مفهوم البطولة حتى لم يعد يعرف سوى التغني ببطولة لم تحدث تحت سيطرة مفهوم كان يربيه النظام في عقول الناس ضمن منظومته ليكون من السهل استخدامهم متى شاء. 

يحاول الجندي الذي لا يملك سوى وقت قصير جر صديقه المتثاقل للفرح بالعيد في رغبة لتجاوز الواقع الضاغط بما يحمله إرث سنوات متتالية من الحرب، لينتهي الاحتفال إلى مواجهات متكررة ثم إلى مشادة كلامية قاسية، يقوما فيها بتعرية أحدهما للآخر، فيهاجم الجندي المثقف ويتهمه بالجبن والتخاذل والاستسلام حتى على الصعيد الشخصي في إحجامه عن مصارحة المرأة التي يحبها بمشاعره طوال سنين كرمز عطالة عن الفعل، و يهدده بالقتل إن لم يتجاوز نفسه ويمتلك الشجاعة لمصارحة الحبيبة عبر الهاتف بمشاعره التي اختزنها خمسين عاماً، في مشهد درامي متصاعد استنفر أحاسيس الجمهور وجعله يصفق ويبكي معه. إذ كان كل منا يرى في جبنه هذا جزءاً منه ولحظة هاربة من الزمن الذي يريد ويتمنى استعادته ولو تحت التهديد.

 كان أداء الأخوين ملص يسحب المتفرج إلى خشبة المسرح وكأنه يتماهى مع الممثل ويشارك في الأداء إذ يشاهد صورته تتألم وتتمزق.

ومع استمرار الأداء المتميز في لحظة يتصاعد فيها المشهد إلى التحول فيتبادل الأخوان الأدوار في حركة سريعة لافتة تسجل لهما، ليصبح الجندي عجوزاً مصاباً بحرب لا يعرف سببها ولا يعرف إن كان قد انتصر فيها أم هزم يتنمر عليه المثقف الجديد وقد غدا شاباً يمثل جيلاً جديداً منتصراً، ويضعه أمام المرآة ليشهد خرافة البطولة المزعومة ووهمها بينما مضى عمره في عجلة النظام ولم يمتلك الجرأة لمصارحة حبيبته بمشاعره  خاصة بعد انتهائه للعطب الجسدي والنفسي ، ثم يهدده بالقتل إن لم يقم بمصارحتها بمشاعره وأحلامه بها  وبيئته التي دفعته إلى الانجرار إلى عجلة النظام :” نحنا أفقر بيت بالضيعة يا حلا”.

استخدم الأخوان ملص في حوارهما طوال العرض، إشارات وعبارات تعيد المتلقي  إلى مجابهات سورية مستمرة وحديثة العهد أي بعد سقوط النظام لكنهما أخذا المتلقي إلى زاوية من المشهد ليدرك أن كلا الشخصيتين ضحية ورغم تناقضهما في الموقع يتشابهان في المعاناة والأثمان المدفوعة وأن تلك المعاناة التي أكلت عمرهما جعلتهما بحاجة الواحد للآخر وتحسسهما لآلام بعضهما أيقظ بينهما مشاعر مختلطة بين الألم والمعاناة والرغبة بالعيش المشترك في سلام يتوقان إليه،  فحين يقرران الانتحار كحل لكل هذه المواجهات ونبش الآلام بالاتفاق على قتل أحدهما للآخر، وبعد بروفات عديدة يفشلان في التنفيذ في مشهد مؤثر جداً، لقد وجدا أن الموت ليس رغبتهما الحقيقية. 

لعل التوأمة البيولوجية للأخوين بما حملته من شبه بينهما واضح المعالم، كانت الحامل الذي لا لبس فيه لفكرة الشعب الواحد الذي مهما اختلفت مواقف أفراده وخياراتهم يبقى لهم جذر واحد يحكمه الانتماء لهذه البقعة من الأرض والجغرافيا، وبالشراكة كحالة لا يحق لطرف سلب الآخر وجوده فيها.

حمل النص المسرحي الإشارة إلى الألم السوري المستمر، منذ خمسين عاماً دون أن يجد براً ليرسو، كما حمل رسالة النبوءة بأنه لن يتوقف إلا عبر الشراكة الحقيقية والجلوس على الطاولة نفسها كرسالة موجهة لكل سوري. وبهذا فقد أعادا للمسرح دوره الحقيقي في تحقيق التواصل والإضاءة على لب القضية لتكوين رؤية جامعة تستنهض روح التشارك لواجهة الخراب العام.

تميزت حركة الممثلين بالسرعة والانتقال السلس من الكوميديا إلى التراجيديا وبراعة الأداء المتناسبة مع بيئة العمل والموسيقا وبالانسجام والتلقائية التي أوصلت العمل للمتلقي وانتزعت إعجابه، وكان اختيارهما للأغاني موفقاً لتطعيم العمل بالمواقف الكوميدية التي تواصلت من الحوار إلى حركة الجسد. فاستحوذا على تفاعل الجمهور وتصفيقه الطويل.

أعادا خلال ذلك للمسرح دوره الحقيقي منذ البوستر الذي كتب عليه “لأن المسرح فعل مقاومة حقيقي” في واقع ليس خافياً فيه تراجع العمل المسرحي بشكل عام وضحالة المهرجانات التي كانت تقام في الآونة الأخيرة.

يذكر أن مسرحية “كل عار وأنتم بخير” نالت في 30 آب 2025 جائزتين ضمن مهرجان مسرح الرحالة الدولي للفضاءات المغايرة في الأردن وهما جائزة أفضل ممثل مناصفة بين أحمد ومحمد ملص وجائزة أفضل نص مسرحي للأخوين ملص.